كتاب الرقائق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
(درهم رباً يأكله الرجل وهو يعلم) أي والحال أنه يعلم أنه رباً أو يعلم الحكم فمن نشأ بعيداً عن العلماء ولم يقصر فهو معذور
(أشد عند اللّه من) ذنب (ستة وثلاثين زنية)
قال الطيبي: إنما كان أشد من الزنا لأن من أكله فقد حاول مخالفة اللّه ورسوله ومحاربتهما بعقله الزائغ.
قال تعالى: ﴿فأذنوا بحرب من اللّه ورسوله﴾ أي بحرب عظيم فتحريمه محض تعبد ولذلك رد قولهم ﴿إنما البيع مثل الربا﴾ وأما قبح الزنا فظاهر شرعا وعقلاً وله روادع وزواجر سوى الشرع فأكل الربا يهتك حرمة اللّه والزاني يخرق جلباب الحياء اهـ. وهذا وعيد شديد لم يقع مثله على كبيرة إلا قليلاً.
قال الحرالي: وإذا استبصر ذو دراية فيما يضره في ذاته فأنف منه رعاية لنفسه حق له بذلك التزام رعايتها عما يتطرق له منه من جهة غيره فيتورع عن أكل أموال الناس بالباطل لما يدري من المؤاخذة عليها في العاجل وما خبيء له في الآجل.
قال سبحانه وتعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً﴾ فهو آكل نار وإن لم يحس به.
وكما عرّف اللّه تعالى أن أكل مال الغير نار في البطن عرف أن أكل الربا جنون في العقل وخبال في النفس ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان﴾ وظاهر صنيع المصنف أن هذا هو الحديث بتمامه والأمر بخلافه بل بقيته عند مخرجه أحمد في الحطيم هكذا ذكره وكأنه سقط من قلم المصنف.
وهو مُجْمَعٌ على تحريمه، ولهذا من أنكر تحريمه ممن عاش في بيئة مسلمة فإنه مرتد؛ لأن هذا من المحرمات الظاهرة المجمع عليها.
﴿تنبيه﴾: (وللربا آثار نفسية وخلقية مدمرة؛ ذلك أن المرابي يستعبده المال، فيسعى للوصول إليه بكل سبيل دونما مبالاة باعتداء على المحرمات، أو تجاوز للحدود.
والربا ينبت في النفس الجشعَ، والظلمَ، وقسوة القلب.
بل إن الربا يحدث آثاراً خبيثة في نفس متعاطيه وتصرفاته، وأعماله، وهيئته.
ويرى بعض الأطباء أن الاضطراب الاقتصادي الذي يولد الجشع الذي لا تتوافر أسبابه الممكنة_يسبب كثيراً من الأمراض التي تصيب القلب، فيكون من مظاهرها ضغط الدم المستمر، أو الذبحة الصدرية، أو الجلطة الدموية، أو النزيف في المخ، أو الموت المفاجىء.
ولقد قرر عميد الطب الباطني في مصر الدكتور عبد العزيز إسماعيل في كتابه (الإسلام والطب) أن الربا هو السبب في كثرة أمراض القلب 1.
ثم إنه مزيل للترابط والتآخي والتكافل بين الناس، فأضراره على الأفراد والمجتمعات كثيرة جداً 1.
(وبناءاً على ما تقدم فالتوبة من الربا واجبة على الفور، وتكون بترك الربا، والندم على ما مضى من التعامل به، والعزم على عدم العود إليه.
مسألة: الأموال التي اكتسبها التائب من الربا والتي هي تحت يده كيف يتصرف فيها؟
الجواب:
الأموال التي اكتسبها التائب من الربا فقد اختلف أهل العلم في حكمها على قولين:
(القول الأول: أنه يجب عليه أن يخرجها ولا يبقيها في ماله:
(قال القرطبي رحمه الله تعالى في الجامع لأحكام القرآن 2/ 366_367: قال علماؤنا: إن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت من رباً فليردها على من أربى عليه، ويطلبه إن لم يكن حاضراً، فإن أيس من وجوده فليتصدق بذلك عنه.
إلى أن قال: فإن التبس عليه الأمر، ولم يدر كم الحرام من الحلال مما بيده فإنه يتحرى قدر ما بيده مما يجب عليه رده؛ حتى لا يشك أن ما بقى قد خلص له، فيرده من ذلك الذي أزال عن يده إلى من عرف ممن ظلمه، وأربى عليه، فإن أيس من وجوده تصدق به عنه، فإن أحاطت المظالم بذمته، وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يطيق أداءه أبداً؛ لكثرته فتوبته أن يزيل ما بيده أجمع إما إلى المساكين، وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين، حتى لا يبقى في يده إلا أقل ما يجزئه في الصلاة من اللباس وهو ما يستر العورة، وهو من سرته إلى ركبتيه، وقوت يومه؛ لأنه الذي يجب له أن يأخذه من مال غيره إذا اضطر إليه، وإن كره ذلك من يأخذه منه.
(القول الثاني: إن على المرابي أن يخرج ما بيده من الربا إن كان قد قبضه وهو يعلم حكم الله في ذلك، وأما إن كان قد قبضه وهو جاهل فهو له، ولا يجب عليه إخراجه.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:
من أسلم على شيء فهو له.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(من أسلم على شيء فهو له) استدل به على أن من أسلم أحرز نفسه وماله.
ورد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية سؤال يقول: إذا كان رجل يتعامل بالربا، وأراد التوبة، فأين يذهب بالمال الناتج من الربا، هل يتصدق به إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ما مدى تأثير هذا القول على مال الربا؟
وأجابت اللجنة في الفتوى رقم (6375) في 20/ 11/ 1403هـ بما نصه: يتوب إلى الله، ويستغفره، ويندم على ما مضى، ويتخلص من الفوائد الربوية بإنفاقها في وجوه البر وليس هذا من صدقة التطوع، بل هو من باب التخلص مما حرم الله.
وجاء في الفتوى رقم (18057) وتاريخ 17/ 7 / 1416هـ من فتاوى اللجنة الدائمة ما نصه: لا يجوز أخذ الفوائد الربوية من البنوك أو غيرها بحجة أنه سينفقها على الفقراء؛ لأن الله حرم الربا مطلقاً، وشدد الوعيد فيه، ولا تجوز الصدقة منه، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، لكن إذا كان قد قبض الفوائد الربوية فعليه أن يصرفها على الفقراء؛ تخلصاً منها، وليس له أن يستفيد منها.
وجاء كلام قريب من هذا في الفتوى رقم (6770) في 12/ 3/ 1404هـ، والفتوى رقم (16576) في 7/ 2/ 1414هـ من فتاوى اللجنة.
جاء في إجابة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى عن سؤال حول التعامل بالربا مع البنوك ما نصه:
يحرم التعامل بالربا مع البنوك وغيرها، وجميع الفوائد الناتجة عن الربا كلها محرمة، وليست مالاً لصاحبها، بل يجب صرفها في وجوه الخير إن كان قد قبضها وهو يعلم حكم الله في ذلك.
أما إذا كان لم يقبضها فليس له إلا رأس ماله؛ لقوله عز وجل: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرّبَا إِن كُنْتُمْ مّؤْمِنِينَ فَإِن لّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ) [البقرة 278: 279] أما إن كان قد قبضها قبل أن يعرف حكم الله في ذلك فهي له، ولا يجب عليه إخراجها من ماله؛ لقول الله عز وجل (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة:] 275
وعليه زكاة أمواله التي ليست من أرباح الربا كسائر أمواله التي يجب فيها الزكاة، ويدخل في ذلك ما دخل عليه من أرباح الربا قبل العلم؛ فإنها من جملة ماله؛ للآية المذكورة، والله ولي التوفيق.
فتاوى مهمة تتعلق بالزكاة من أجوبة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز أشرف على طبعه محمد بن شايع العبد العزيز ص25_26.
مسألة: ما حكم المال المختلط؟
الجواب:
(قال فضيلة الشيخ عبد الله بن منيع حفظه الله: وذكر بعض أهل العلم وبعض محققيهم أن من بيده أموال محرمة بوصفها لا بأصلها، كالأموال الربوية مما ليس له أفراد معينون وهي مختلطة بماله الحلال، وبثمن مجهوده في الاكتساب بها؛ فإذا تاب من بيده هذه الأموال توبة نصوحاً مستكملة شروط التوبة إلى الله تعالى فإنه يُقَرُّ على ما بيده، وتوبته النصوح تجب ما قبلها ويعتبر ما بيده ملكا له، يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: (وَأَحَلّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رّبّهِ فَانْتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ) [البقرة: 275] وذكروا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأن الموعظة أعم من أن تحصر في انشراح صدر الكافر إلى الإسلام، (وقالوا في توجيه هذا القول: إن الأخذ بهذا يدعو أهل الفسوق إلى التوبة إلى الله، وأن القول بغير هذا_ أي بحرمانه مما بيده _ قد يسد عليه باب التوبة إلى الله، ويعين الشيطان عليه في الاستمرار على أخذ المال الحرام، والتعاون على الإثم والعدوان، وأجابوا عن الآية الكريمة (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) بأن هذه الآية خاصة بالأموال الذميمة المشتملة على الفوائد الربوية، فمن كان له ذمة أحد من الناس مبلغ من المال بعضه ربا فالتوبة تقتضي أن يتقاضى رأس ماله فقط، ويسقط ما زاد عنه من فائدة ربوية [بحوث في الاقتصاد الإسلامي للشيخ عبد الله بن منيع ص34_35]
(وممن قال بهذا القول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله تعالى قال: واختار الشيخ تقي الدين أن المقبوض بعقد فاسد غير مضمون، وأنه يصح التصرف فيه؛ لأن الله تعالى لم يأمر برد المقبوض بعقد الربا بعد التوبة، وإنما رد الربا الذي لم يقبض، ولأنه قبض برضا مالكه؛ فلا يشبه المغصوب، ولأن فيه من التسهيل والترغيب في التوبة ما ليس في القول بتوقيف توبته على رد التصرفات الماضية مهما كثرت وشقت، والله أعلم
[الفتاوى السعدية ص218]
(وقال أيضاً: في قوله تعالى: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ) قال: يعني من المعاملات الربوية؛ فلكم رؤوس أموالكم: لا تظلمون الناس بأخذ الربا، ولا تُظلمون: ببخسكم رؤوس أموالكم؛ فكل من تاب من الربا فإن كانت معاملات سالفة فله ما سلف، وأمره منظور فيه، وإن كانت معاملات موجودة وجب عليه أن يقتصر على رأس ماله، فإن أخذ زيادة فقد تجرأ على الربا [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 1/ 340]
(وممن قال بهذا القول، وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول رحمه الله تعالى في معرض كلام له عن المقبوض بعقد فاسد يعتقد صاحبه صحته ثم ظهر له عدم الصحة ما نصه: وأما إذا تحاكم المتعاقدان إلى من يعلم بطلانها قبل القبض واستفتياه إذا تبين لهما الخطأ، فرجع عن الرأي الأول، فما كان قد قبض بالاعتقاد والأول أمضي، وإذا كان بقي في الذمة رأس المال وزيادة ربوية أسقطت الزيادة، ورجع إلى رأس المال، ولم يجب على القابض رد ما قبضه قبل ذلك بالاعتقاد الأول [مجموع الفتاوى 29/ 413]
(وقال رحمه الله تعالى في موضع آخر في تفسير آيات الربا من سورة البقرة: قوله: (فله ما سلف) أي مما كان قبضه من الربا جعله له، (وأمره إلى الله) قد قيل: الضمير يعود إلى الشخص، وقيل: إلى (ما) وبكل حال فالآية تقتضي أن أمره إلى الله لا إلى الغريم الذي عليه الدين، بخلاف الباقي فإن للغريم أن يطلب إسقاطه.
(وقال رحمه الله تعالى في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا): أي ذروا ما بقي من الزيادة في ذمم الغرماء، وإن تبتم فلكم رأس المال من غير زيادة، فقد أمرهم بترك الزياة وهي الربا، فيسقط عن ذمة الغريم، ولا يطالب بها، وهذا للغريم فيها حق الامتناع من أدائها، والمخاصمة على ذلك، وإبطال الحجة المكتتبة بها.
وأما ما كان قبضه فقد قال: فله ما سلف وأمره إلى الله، فاقتضى أن السالف له للقابض، وأن أمره إلى الله وحده لا شريك له، ليس للغريم فيه أمر، وذلك أنه لما جاءه موعظة من ربه فانتهى كان مغفرة ذلك الذنب، والعقوبة عليه إلى الله، وهذا قد انتهى في الظاهر، فله ما سلف وأمره إلى الله إن علم من قلبه صحة التوبة غفر له، وإلا عاقبة، ثم قال: اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فأمر بترك الباقي، ولم يأمر برد المقبوض.
وقال: وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم، لا يشترط منها ما قبض.
وهذا الحكم ثابت في حق الكافر إذا عامل كافراً بالربا، وأسلما بعد القبض، وتحاكما إلينا، فإن ما قبضه يحكم له كسائر ما قبضه الكفار بالعقود التي يعتقدون حلها كما لو باع خمراً، وقبض ثمنها، ثم أسلم فإن ذلك يحل له كما قال النبي": من أسلم على شيء فهو له.
وأما المسلم فله ثلاثة أحوال: تارة يعتقد حل بعض الأنواع باجتهاد أو تقليد، وتارة يعامل بجهل، ولا يعلم أن ذلك ربا محرم، وتارة يقبض مع علمه بأن ذلك محرم.
أما الأول والثاني ففيه قولان إذا تبين له فيما بعد أن ذلك ربا محرم، قيل: يرد ما قبض كالغاصب، وقيل: لا يرده، وهو أصح؛ لأنه كان يعتقد أن ذلك حلال.
والكلام فيما إذا كان مختلفا فيه مثل الحيل الربوية، فإذا كان الكافر إذا تاب يغفر له ما استحله، ويباح له ما قبضه_فالمسلم المتأول إذا تاب يغفر له ما استحله، ويباح له ما قبضه؛ لأن المسلم إذا تاب أولى أن يغفر له إذا كان قد أخذ بأحد قولي العلماء في حل ذلك؛ فهو في تأويله أعذر من الكافر في تأويله.
وأما المسلم الجاهل فهو أبعد، لكن ينبغي أن يكون كذلك، فليس هو شراً من الكافر.
[تفسير آيات أشكلت 2/ 574_578]
(وقال رحمه الله تعالى: والشريعة أمر ونهي، فإذا كان حكم الأمر لا يثبت إلا بعد بلوغ الخطاب وكذلك النهي ـ فمن فعل شيئاً لم يعلم أنه محرم ثم علم لم يعاقب، وإذا عامل معاملات ربوية يعتقدها جائزة، وقبض منها ما قبض ثم جاءه موعظة من ربه فانتهى ـ فله ما سلف.
[تفسير آيات أشكلت 2/ 582]
(وقال رحمه الله تعالى: والتوبة تتناول المسلم العاصي كما تتناول الكافر، ولا خلاف أنه لو عامله برباً يحرم بالإجماع لم يقبض منه شيئاً ثم تاب أن له رأس ماله؛ فالآية تناولته، وقد قال فيها: اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا، ولم يأمر برد المقبوض، بل قال قبل ذلك: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف.
وهذاـ وإن كان ملعوناً على ما أكله وأوكله ـ فإذا تاب غفر له، ثم المقبوض قد يكون اتجر فيه، وتقلب، وقد يكون أكله، ولم يبق منه شيء، وقد يكون باقياً، فإن كان قد ذهب، وجعل ديناً عليه كان في ذلك ضرر عظيم، وكان هذا منفراً عن التوبة.
وهذا الغريم يكفيه إحساناً إليه إسقاطه ما بقي في ذمته، وهو برضاه أعطاه، وكلاهما ملعون.
ولو فرض أن رجلاً أمر رجلاً بإتلاف ماله وأتلفه لم يضمنه وإن كانا ظالمين، وكذلك إذا قال: اقتل عبدي، هذا هو الصحيح، وهو المنصوص عن أحمد وغيره؛ فكذلك هذا هو سلَّط ذاك على أكل هذا المال برضاه؛ فلا وجه لتضمينه ـ وإن كانا آثمين ـ كما لو أتلفه بفعله، إذ لا فرق بين أن يتلفه بأكله أو بإحراقه، بل أكله خير من إحراقه، فإن لم يضمنه في هذا بطريق الأولى.
وأيضاً فكثير من العلماء يقولون: إن السارق لا يغرم؛ لئلا يجتمع عليه عقوبتان؛ من أن الحد حق لله، والمال حق لآدمي.
وهذا أولى؛ لئلا يجتمع على المربي عقوبتان: إسقاط ما بقي، والمطالبة بما أكل.
وإذا كان عين المال باقياً فهو لم يقبضه بغير اختيار صاحبه كالسارق، والغاصب، بل قبضه باتفاقهما، ورضاهما بعقد من العقود، وهو لو كان كافراً ثم أسلم لم يرده، وقد قال تعالى: =فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله.
[تفسير آيات أشكلت 2/ 588_590]
(وقال رحمه الله تعالى: وأما الذي لا ريب فيه عندنا فهو ما قبضه بتأويل، أو جهل _ فهنا له ما سلف بلا ريب، كما دل عليه الكتاب والسنة والاعتبار.
وأما مع العلم بالتحريم فيحتاج إلى نظر؛ فإنه قد يقال: طرد هذا أن من اكتسب مالاً من ثمن خمر مع علمه بالتحريم فله ما سلف، وكذلك كل من كسب مالاً محرماً ثم تاب إذا كان برضا الدافع، ويلزم مثل ذلك في مهر البغي، وحلوان الكاهن.
ثالثاً: التوبة من الزنا والعياذ بالله:
(مفاسد الزنا والعياذ بالله:
الزنا فسادٌ كبير، أمره خطير وشره مستطير، له آثار كبيرة، وتنجم عنه أضرار كثيرة، سواء على مرتكبيه، أو على الأمة بعامة، وبما أن الزنا يكثر وقوعه ويجب تحذير الناس من شره لأنه أشر من البرص وأضر من الجرب، وجب علينا أن نبين مفاسد الزنا والعياذ بالله تعالى منه حتى يجتنبه المسلمون ولا يقتربوا من أي طريق يُقَرِّبُ منه امتثالاً لقوله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزّنَىَ إِنّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً) [الإسراء: 32]
فالزنا حرامٌ، وهو من كبائر الذُّنوب، حتى إن الله عزَّ وجلَّ قد قَرَنَهُ مع الشرك بالله والقتل في قوله تعالى: (والذينَ لا يَدْعونَ معَ اللهِ إِلهاً آخرَ ولا يَقتُلونَ النَّفسَ التي حرَّمَ اللهُ إلا بالحقِّ ولا يَزْنونَ، ومَنْ يفعلْ ذلكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لهُ العذابُ يومَ القيامةِ ويَخْلُدْ فيهِ مُهاناً إلا مَنْ تابَ وآمنَ وعَمِلَ عملاُ صالحاً فأُولئكَ يبدَّلُ اللهُ سيئاتِهم حسناتٍ وكانَ اللهُ غفوراً رحيماً) [الفرقان 68 – 70]
والزنا فعلٌ يُسيء للمجتمع أشدَّ الإساءة فهو يؤدي لاختلاط الأنساب، وينتهي إلى خراب البيوت وهو من أكثر العوامل التي تدفع إلى الجريمة، فكم من جنين أُجهض لأنه كان ثمرةً للزنى! وكم من بنت قُتلت دفاعاً عن شرف العائلة وسُمعتها! وكم من زوج قَتَلَ زوجتَهُ أو عشيقها أو قتلهما معاً، وكم من زوجة قتلت زوجها وعشيقته أو قتلتهما معاً انتقاماً للخيانة الزوجية.
وقد تحدث الإمام ابن القيم عن مفاسد الزنا فقال رحمه الله تعالى:
والزنا يجمع خلال الشرِّ كلها، من قلة الدين وذهاب الوَرَع، وفساد المروءة وقلة الغَيرة، فلا تجد زانياً معه ورع ولا وفاء ولا صدق في حديث ولا محافظة على صديق ولا غَيْرَة تامة على أهله! ومن موجباته غضب الربِّ بإفساد حرمة عياله، ومنها سواد الوجه وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت، ومنها ظلمة القلب وطمس نوره.. ومنها أنه يذهب حرمة فاعله، ويسقط من عين ربه ومن أعين عباده، ومنها أن يسلبه أحسن الأسماء ويعطيه أضدادها، ومنها ضيق الصدر وحرجه، فإن الزناة يعامَلون بضدِّ قصدهم، فإنَّ من طلب لذة العيش وطيبه بما حرَّمه الله عليه عاقبه بنقيض قصده، فإن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته، ولم يجعل الله معصيته سبباً إلى خير قطّ.
والزنا يجمع خلال الشر كلها منها ما يلي:
1 الزنا يجمع خلال الشر كلها من: قلة الدين، وذهاب الورع، وفساد المروءة، وقلة الغيرة، ووأد الفضيلة.
(2) يقتل الحياء ويلبس وجه صاحبه رقعة من الصفاقة والوقاحة
(3) سواد الوجه وظلمته، وما يعلوه من الكآبة والمقت الذي يبدو للناظرين
(4) ظلمة القلب، وطمس نوره.
(5) الفقر اللازم لمرتكبيه، وفي أثر يقول الله تعالى: ((أما مهلك الطغاة، ومفقر الزناة)
(6) أنه يذهب حرمة فاعله، ويسقطه من عين ربه وأعين عباده، ويسلب صاحبه اسم البر، والعفيف، والعدل، ويعطيه اسم الفاجر، والفاسق، والزاني، والخائن
(7) الوحشة التي يضعها الله في قلب الزاني، وهي نظير الوحشة التي تعلو وجهه؛ فالعفيف على وجهه حلاوة، وفي قلبه أنس، ومن جالسه استأنس به، والزاني بالعكس من ذلك تماماً.
(8) أن الناس ينظرون إلى الزاني بعين الريبة والخيانة، ولا يأمنه أحد على حرمته وأولاده.
(9) ومن أضراره الرائحة التي تفوح من الزاني، يشمها كل ذي قلب سليم، تفوح من فيه، ومن جسده.
(10) ضيقة الصدر وحرجه؛ فإن الزناة يعاملون بضد قصودهم؛ فإن من طلب لذة العيش وطيبه بمعصية الله عاقبه الله بنقيض قصده؛ فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته، ولم يجعل الله معصيته سبباً إلى خير قط.
(11) الزاني يعرض نفسه لفوات الاستمتاع بالحور العين في المساكن الطيبة في جنات عدن.
(12) الزنا يجرئ على قطيعة الرحم وعقوق الوالدين، وكسب الحرام، وظلم الخلق، وإضاعة الأهل والعيال وربما قاد إلى سفك الدم الحرام، وربما استعان عليه بالسحر والشرك وهو يدري أو لا يدري؛ فهذه المعصية لا تتم إلا بأنواع من المعاصي قبلها ومعها، ويتولد عنها أنواع أخرى من المعاصي بعدها؛ فهي محفوفة بجند من المعاصي قبلها وجند من المعاصي بعدها، وهي أجلب شيء لشر الدنيا والآخرة، وأمنع شيء لخير الدنيا والآخرة.
(13) الزنا يذهب بكرامة الفتاة ويكسوها عاراً لا يقف عندها، بل يتعداها إلى أسرتها؛ حيث تدخل العار على أهلها، وزوجها، وأقاربها، وتنكس به رؤوسهم بين الخلائق
(14) أن العار الذي يلحق من قذف بالزنا أعلق من العار الذي ينجر إلى من رمي بالكفر وأبقى؛ إلا إن التوبة من الكفر على صدق القاذف تذهب رجسه شرعاً، وتغسل عاره عادة، ولا تبقي له في قلوب الناس حطة تنزل به عن رتبة أمثاله ممن ولدوا في الإسلام، بخلاف الزنا؛ فإن التوبة من ارتكاب فاحشته ـ وإن طهرت صاحبها تطهيراً، ورفعت عنه المؤاخذة بها في الآخرة ـ يبقى لها أثر في النفوس، ينقص بقدره عن منزلة أمثاله ممن ثبت لهم العفاف من أول نشأتهم وانظر إلى المرأة ينسب إليها الزنا كيف يتجنب الأزواج نكاحها وإن ظهرت توبتها؛ مراعاة للوصمة التي أُلصقت بعرضها سالفاً، ويرغبون أن ينكحوا المشركة إذا أسلمت رغبتهم في نكاح الناشئة في الإسلام 0
(15) إذا حملت المرأة من الزنا، فقتلت ولدها جمعت بين الزنا والقتل، وإذا حملته على الزوج أدخلت على أهلها وأهله أجنبياً ليس منهم، فورثهم ورآهم وخلا بهم، وانتسب إليهم وهو ليس منهم إلى غير ذلك من مفاسد زناها
(16) أن الزنا جناية على الولد؛ فإن الزاني يبذر نطفته على وجه يجعل النسمة المخلقة منها مقطوعة عن النسب إلى الآباء، والنسب معدود من الروابط الداعية إلى التعاون والتعاضد؛ فكان الزنا سبباً لوجود الولد عارياً من العواطف التي تربطه بأدنى قربى يأخذون بساعده إذا زلت به فعله، ويتقوى به اعتصابهم عند الحاجة إليه،، كذلك فيه جناية عليه، وتعريض به؛ لأنه يعيش وضيعاً في الأمة، مدحوراً من كل جانب؛ فإن الناس يستخفون بولد الزنا، وتنكره طبائعهم، ولا يرون له من الهيئة الاجتماعية اعتباراً؛ فما ذنب هذا المسكين؟ وأي قلب يحتمل أن يتسبب في هذا المصير؟!
(17) زنا الرجل فيه إفساد المرأة المصونة وتعريضها للفساد والتلف
(18) الزنا يهيج العداوات، ويزكي نار الانتقام بين أهل المرأة وبين الزاني، ذلك أن الغيرة التي طبع عليها الإنسان على محارمه تملأ صدره عند مزاحمته على موطوءته، فيكون ذلك مظنة لوقوع المقاتلات وانتشار المحاربات؛ لما يجلبه هتك الحرمة للزوج وذوي القرابة من العار والفضيحة الكبرى، ولو بلغ الرجل أن امرأته أو إحدى محارمه قتلت كان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت، وكان لسان حاله يقول: ليتها ماتت قبل ذلك قبل أن تورد نفسها المهالك وتكون مطمعاً لكلِ هالك.
(حديث سعد بن عبادة الثابت في الصحيحين) أنه قال: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَّحٍ، فبلغ ذلك النبي فقال: (أتعجبون من غيرة سعد، لأنا أغيَر منه، والله أغيَر مني).
(سعد بن عبادة) هو الأنصاري سيد الخزرج وأحد نقبائهم
(غَيْرَ مُصْفَّحٍ): صفح السيف أي عرضه، ومعنى غَيْرَ مُصْفَّحٍ أي لا أضربه بعرض السيف بل بحدِّه.
(19) للزنا أثر على محارم الزاني، فشعور محارمه بتعاطيه هذه الفاحشة يسقط جانباً من مهابتهن ـ كما مر ـ ويسهل عليهن بذل أعراضهن ـ إن لم يكن ثوب عفافهن منسوجاً من تربية دينية صادقة بخلاف من ينكر الزنا ويتجنبه، ولا يرضاه لغيره؛ فإن هذه السيرة تكسبه مهابة في قلوب محارمه، وتساعده على أن يكون بيته طاهراً عفيفاً.
(20) للزنا أضرار جسيمة على الصحة يصعب علاجها والسيطرة عليها، بل ربما أودت بحياة الزاني، كالإيدز، والهربس، والزهري، والسيلان، ونحوها
(21) الزنا سبب لدمار الأمة؛ فقد جرت سنة الله في خلقه أنه عند ظهور الزنا يغضب الله ـ عز وجل ـ ويشتد غضبه، فلا بد أن يؤثر غضبه في الأرض عقوبة
قال ابن مسعود: ((ما ظهر الربا والزنا في قرية إلا أذن الله بإهلاكها)
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم.
(22) وَهُوَ فاحشة مهلكة وجريمة موبقة وفساد لا تقف جرائمه عَنْدَ حد ولا تنتهي آثاره ونتائجه إلى غاية وَهُوَ ضلال في الدين وفساد في الأَخْلاق وانتهاك للحرمَاتَ والأعراض واستهتار بالشرف والمروءة، وداعية للبغضاء والعداوة.
(23) عاره يهدم البيوت الرفيعة ويطأطئ الرؤس العالية ويسود الوجوه البيض ويصبغ بأسود من القار أنصع العمائم بياضًا ويخرس الألسنة البليغة ويبدل أشجع النَّاس من شجاعتهم جبنًا لا يدانيه جبن ويهوي بأطول النَّاس أعناقًا وأسماهم مقامًا وأعرقهم عزًّا إلى هاوية من الذل والازدراء والحقارة لَيْسَ لها من قرارٍ.
وَهُوَ أقدر أنواع العار على نزع ثوب الجاه مهما تسع ونباهة الذكر مهما بعدت وإلباس ثوب من الخمول ينبو بالعيون عن أن تلفت إلى من كَانَ في بيوتهم لفتة احترامٍ وَهُوَ أي الزنا لطخة سوداء إذا لحقت تاريخ أسرة غمرت كُلّ صحائفه البيض وتركت العيون لا تَرَى منها إِلا سوادًا حالكًا.
(24) وَهُوَ الذنب الظلوم الَّذِي إن كَانَ في قوم لا يقتصر على شين من قارفته من نسائهم بل يمتد شينه إلى من سواها مِنْهُمْ فيشينهن جميعًا شينًا يترك لهن من الأثر في أعين الناظرين ما يقضي على مستقبلهن النسوي وَهُوَ العار الَّذِي يطول عمره طولاً فقاتله الله من ذنب وقاتل فاعَلَيْهِ.
ولهذا منع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كل الأسباب المؤدية إلى الزنا، وجميع الدوافع الدافعة إليه
(حديث أبي موسى في صحيح النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية و كل عين زانية.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(أيما امرأة استعطرت) أي استعملت العطر أي الطيب يعني ما يظهر ريحه منه (ثم خرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها) أي بقصد ذلك
(فهي زانية) أي كالزانية في حصول الإثم وإن تفاوت لأن فاعل السبب كفاعل المسبب قال الطيبي: شبه خروجها من بيتها متطيبة مهيجة لشهوات الرجال التي هي بمنزلة رائد الزنا بالزنا مبالغة وتهديداً وتشديداً عليها (وكل عين زانية) أي كل عين نظرت إلى محرم من امرأة أو رجل فقد حصل لها حظها من الزنا إذ هو حظها منه وأخذ بعض المالكية من الحديث حرمة التلذذ بشم طيب أجنبية لأن اللّه إذا حرم شيئاً زجرت الشريعة عما يضارعه مضارعة قريبة وقد بالغ بعض السلف في ذلك حتى كان ابن عمر رضي اللّه عنه ينهى عن القعود بمحل امرأة قامت عنه حتى يبرد.
(وحذر نبي الأمة والرحمة من الدخول على النساء أو الاختلاط لأن ذلك مما قد يدفع ضعاف النفوس إلى ممارسة هذه الفاحشة العظيمة المشينة المحرمة
(حديث عقبة بن عامر في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إياكم و الدخول على النساء قالوا: يا رسول اللّه أرأيت الحمو قال: الحمو الموت أي دخوله على زوجة أخيه يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة فهو
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إياكم والدخول على النساء) بالنصب على التحذير وهو تنبيه المخاطب على محذور ليتحرز منه أي اتقوا الدخول النساء، وتضمن منع الدخول منع الخلوة بأجنبية بالأولى والنهي ظاهر العلة والقصد به غير ذوات المحارم، ذكر الغزالي أن راهباً من بني إسرائيل أتاه أناس بجارية بها علة ليداويها فأبى قبولها فما زالوا به حتى قبلها يعالجها فأتاه الشيطان فوسوس له مقاربتها فوقع عليها فحملت فوسوس له الآن تفتضح فاقتلها وقل لأهلها ماتت فقتلها وألقى الشيطان في قلب أهلها أنه قتلها فأخذوه وحصروه فقال له الشيطان: اسجد لي تنج فسجد له، فانظر إلى حيله كيف اضطره إلى الكفر بطاعته له في قبوله للجارية وجعلها عنده
(قالوا: يا رسول اللّه أرأيت الحمو قال: الحمو الموت) والحمو أخو الزوج وقريبه، الحمو الموت: أي دخوله على زوجة أخيه يشبه الموت في
الاستقباح والمفسدة فهو محرم
شديد التحريم وإنما بالغ في الزجر بتشبيهه الموت لتسامح الناس في ذلك حتى كأنه غير أجنبي من المرأة وخرج هذا مخرج قولهم الأسد الموت أي لقاؤه يقضي إليه وكذا دخول الحمو عليها يفضي إلى موت الدين أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزوج أو برجمها إن زنت معه وقد بالغ مالك في هذا الباب حتى منع ما يجر إلى التهم كخلوة امرأة بابن زوجها وإن كانت جائزة لأن موقع امتناع الرجل من النظر بشهوة لامرأة أبيه ليس كموقعه منه لأمه هذا قد استحكمت عليه النفرة العادية وذاك أنست به النفس الشهوانية.
﴿تنبيه﴾:فإذا كان هذا مع أخ الزوج، فما بالنا بمن يتركون الرجال الأجانب يدخلون على نساءهم ومحارمهم دون أن يحرك ذلك ساكناً فيهم من شعور بالغيرة على أعراضهم ومحارمهم، مدعين بذلك العفة لدى الجنسين، وأقول: والله إنه ضعف في الدين، وقلة حيلة لدى أولئك المساكين.
ولهذا قال تعالى محذراً من الدخول على النساء: (وإذا سألتموهن متاعاً فسألوهن من وراء حجاب) ثم ذكر المولى جل وعلا الحكمة البالغة من ذلك فقال: (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) [الأحزاب 53]، وحرَّم الإسلام على المرأة أن تخرج أمام الرجال الأجانب وهي متخذة زينتها لما في ذلك من جنوح إلى الذنب والمعصية، وإقبال على الفاحشة والرذيلة، واستمالة ضعاف النفوس والإيمان والتقوى للانجراف في بحر الفاحشة، والوقوع في براثن الزانيات العاهرات الداعيات إلى البعد عن عالم الخفيات فاطر الأرض والسموات، قال تعالى: (وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنّ أَوْ آبَآئِهِنّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ أَبْنَآئِهِنّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِيَ إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنّ أَوْ نِسَآئِهِنّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرّجَالِ أَوِ الطّفْلِ الّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىَ عَوْرَاتِ النّسَآءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنّ وَتُوبُوَاْ إِلَى اللّهِ جَمِيعاً أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ) [سورة: النور - الآية: 31]
ثم أمر المولى جلت قدرته عباده الذين لا يستطيعون النكاح ولا يجدون له طريقاً ومسلكاً، أمرهم بالعفة إلى أن يكتب الله لهم ذلك، قال تعالى: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتّىَ يُغْنِيَهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ) [سورة: النور - الآية: 33]
(وحذر الله تعالى عباده من كل ما من شأنه أن يكون ذريعة إلى فعل فاحشة الزنا، من الستر وعدم الاختلاط بين الرجال والنساء، وعدم التكسر في كلام النساء مع الرجال، وعدم خروج المرأة من بيتها بغير محرم لأن ذلك يفضي إلى عواقب وخيمة، فيه فساد هذه الأمة، وجاء الخطاب صريحاً لأمهات المؤمنين، وقصد به نساء الأمة أجمعين،
قال تعالى: (يَنِسَآءَ النّبِيّ لَسْتُنّ كَأَحَدٍ مّنَ النّسَآءِ إِنِ اتّقَيْتُنّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مّعْرُوفاً وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ وَلاَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الْجَاهِلِيّةِ الاُولَىَ وَأَقِمْنَ الصّلاَةَ وَآتِينَ الزّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً) [الأحزاب 32/ 33]
والزنا من أكبر الكبائر بعد الكفر والشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وهو محرم بكتاب الله وسنة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإجماع الأمة الذي نقله كثير من أهل العلم،
قال تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزّنَىَ إِنّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً) [الإسراء / 32]
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إِذَا زَنَى العَبْدُ خَرَجَ مِنْهُ الاْيمَانُ فَكَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ كَالظُّلّةِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ عَادَ إِلَيْهِ الإيمان».
(فجاء التحريم مواكباً لما تقتضيه الطبيعة البشرية، ولما يسببه الزنا من أضرار وأمراض بالغة، سواءً العضوية أو النفسية أو الاجتماعية، فالزنا يسبب أمراضاً خطيرة وفتاكة بالجسم، ويؤدي إلى اضطراب المجتمعات، وتفكك الأسر، ولا أدل على ذلك من التفكك والضياع الذي تعيشه معظم الأسر الغربية وانحلال الحياء بسبب اقتراف فاحشة الزنا، فمجتمع لا هم له إلا إشباع شهواته الغريزية، ولذاته الجنسية، ذاك مجتمع فاشل هابط ساقط، ولا يأمن بعضه بعضاً لاستفحال هذه الفاحشة فيهم.
فهم معرضون لشديد عقاب الله وأليم عذابه.
فعند إقدام الزاني على الزنا وعند قيامه به في هذه الحالة قد ارتفع الإيمان فوق رأسه فهو بلا إيمان، ففي هذه الحالة انتفى الإيمان من قلبه وجوارحه حتى يترك هذه المعصية ـ عياذا بالله من ذلك ـ فكيف إذا جاء ملك الموت لتنفيذ أمر الله وقبض الأرواح، والزناة والزواني في هذه الحالة التي تغضب جبار السموات والأرض، كيف سيكون المصير؟ كيف وقد خرج الإيمان وجاء الموت؟ على أي حال كان هذا الزاني وهذه الزانية؟ إنهما كانا على حال تُغضب الله العزيز الجبار شديد العقاب، فالله يمهل للظالم ولا يهمله، وإذا أخذه لم يُفلته، بل يأخذه أخذ عزيز مقتدر
(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله تعالى لَيملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
(إن اللّه تعالى لَيملي) بفتح اللام الأولى أي ليمهل والإملاء الإمهال والتأخير وإطالة العمر (للظالم) زيادة في استدراجه ليطول عمره ويكثر ظلمه فيزداد عقابه ﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً﴾ فإمهاله عين عقابه
(حتى إذا أخذه) أي أنزل به نقمته (لم يُفلته) أي لم يفلت منه.
(فهل هناك أقبح من أن يأتي رجل امرأة لا تحل له؟ وهل هناك أفظع من أن يضع رجل نطفته في فرج حرام لا يحل له؟ فكيف إذا داهم ملك الموت هؤلاء الزناة؟ كيف سيكون الخلاص؟ وأين المهرب والملتجأ؟ وأين الناصرون؟ وأين المنقذون؟ وأين الآمرون بالزنا؟ وأين شيطانهم الذي دفعهم لارتكاب تلك الفاحشة الشنيعة؟ إن الشيطان الذي زين لهم القيام بالزنا وهون أمره في قلوبهم سيتخلى عنهم في ذلك الموقف العصيب الرهيب، ومن ينفع إذا جاء الموت، وغرغرت الروح وبلغت الحلقوم، والله لن ينفع العاصي في تلك اللحظة أحد من الخلق أجمعين ـ فنسأل الله أن يحسن خاتمتنا ـ
ماذا سيقول الزناة لهادم اللذات؟ ومفرق الجماعات؟ ماذا سيقولون لملك الموت؟ أيقولون أمهلنا حتى نتوب إلى الله، أم يقولون انظرنا حتى نعاهد الله ألا نعود لمثل ذلك؟ يقول الله جل شأنه في أمثال أولئك: (حَتّىَ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبّ ارْجِعُونِ قال تعالى: (لَعَلّيَ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاّ إِنّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [المؤمنون 100،99] (أتدري ما البرزخ؟ إنه حياة القبر وما أعده الله للزناة والزواني فيه من ألوان العذاب التي لا يعلمها إلا هو سبحانه، قال تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتّىَ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ ثُمّ رُدّوَاْ إِلَىَ اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) [الأنعام 61/ 62]، قال تعالى: (قَالُواْ رَبّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنّا قَوْماً ضَآلّينَ) [سورة: المؤمنون - الأية: 106] رَبّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ) (المؤمنون 106/ 107/108). إن هناك من العذاب مالا تطيقة الجبال الراسيات، فضلاً عن أن يطيقه إنسان اكتسى لحماً وعظماً، أما كان لهؤلاء أن يصبروا على طاعة الله، ويصبروا عن معاص الله، ويعلموا أن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، وقد أمروا بترك الزنا والابتعاد عنه وأوجد لهم نبيهم عليه الصلاة والسلام طريقاً ومسلكاً يتبعه من لا يستطيع الباءة والقدرة على الزواج من البنين والبنات، فبين نبي الرحمة والهدى معالم الدين الحنيف لكافة الأمة، كيف لا؟ وقد قال الله عن نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال تعالى: (لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ) [سورة: التوبة - الآية: 128] ، فهاهو النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يبين الطريق الأمثل لمن لم يستطع الزواج والقدرة عليه في الحديث الآتي:
(حديث ابن مسعود الثابت في الصحيحين) قال: كنا مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شبابا لا نجدُ شيئاً فقال لنا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغضُ للبصر وأحصنُ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء)
(ثم ماذا بعد الموت؟ أين مصير الزناة والزواني؟
قال تعالى: (وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [سورة: المؤمنون - الآية: 100]
البرزخ كما قلنا هو حياة القبر، فماذا سيكون مصيرهم هناك، إنه تنور (فرن) أسفله واسع وأعلاه ضيق يوضع فيه الزناة والزواني ويأتيهم العذاب والنار من تحتهم وهم يصرخون ويصيحون، فمن ينصرهم في ذلك الموقف العسير؟ فلا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
اللهم أجِرْنَا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة
ثم كيف بالزناة والزواني يخشون الناس ولايخشون الله، ويستحيون من الناس ولايستحيون من الله، ويستخفون من الناس ولايستخفون من الله.
فتراهم يهربون إلى أماكن بعيدة حتى لا يراهم أحد من الناس، ونسوا بل تناسوا أن الله يراهم وينظر إليهم في تلك اللحظات المشينة،
قال تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىَ مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) [سورة: النساء - الآية: 108]
قال تعالى: (أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مّؤُمِنِينَ) [سورة: التوبة - الآية: 13] ولكنه اتباع الهوى والشهوات، والبعد عن خالق الأرض والسموات،
قال تعالى: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصّلاَةَ وَاتّبَعُواْ الشّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً) [مريم / 59]
مسألة: ما هو الغي في قوله تعالى: (فسوف يلقون غياً)؟
الغي في قوله تعالى: (فسوف يلقون غياً): هو وادٍ في جهنم بعيد قعره، فيه من ألوان العذاب مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، نسي أولئك أنهم سيعودون إلى الله سبحانه وتعالى فيجازيهم بأعمالهم،
قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ)
[المؤمنون / 115]
وأنه سبحانه سيُذَكِّرْهُم ويُقَرِّرْهُم بما عملوا، فإن نسوا هم فإن الله لا ينسى
قال تعالى: (قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبّي فِي كِتَابٍ لاّ يَضِلّ رَبّي وَلاَ يَنسَى) [طه: 52]، نسوا أن الله سيسجل عليهم ذلك ويجدونه في صحائف أعمالهم، قال تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيْلَتَنَا مَا لِهََذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبّكَ أَحَداً) [سورة: الكهف - الآية: 49]، وقال تعالى: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللّهُ جَمِيعاً فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوَاْ أَحْصَاهُ اللّهُ وَنَسُوهُ وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المجادلة: 6] والآيات الدالة على البعث والحساب كثيرة وأن هؤلاء العصاة والبغاة سيعودون إلى الله ويحاسبون على أعمالهم الشنيعة التي أغضبت المولى جل وعلا، وسيحاسبون على أفعالهم القبيحة التي لا يرضى عنها حتى من لا يؤمن بالله، فالطباع السليمة لا ترضى مثل هذه الفاحشة التي توجب غضب الله وعقابه وسخطه ومقته، وعندما بايع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النساء على ألا يشركن بالله شيئاً ولايسرقن ولا يزنين، قالت هند بنت عتبة: أوَ تزني الحُرة؟ تقول وبكل تعجب أو تزني الحرة يا رسول الله؟!، أي أن المرأة الحرة لا تزني أبدا، ما كان نساء الصحابة رضوان الله عليهن يصدقن أن الحرة تزني، ما كن يعرفن الزنا، لأنه لم يكن موجوداً عند أهل الإيمان والتقوى، فصاحب الزنا يشعر بأنه من أفسق الناس ومن أفجرهم ومن أجرم الناس على الإطلاق، فهو أيضاً يُحس بوحشة وضيق في صدره من شناعة الجُرم والفاحشة التي قام بها فيتمنى لو أن الأرض تنشق وتبتلعه من قُبح ما فعل، فإذا فعل فعلته التي فعل، وانتهى من جرمه الذي عمل، ضاق صدره وتألم قلبه لسوء فعلته، وَخَسَاسَةِ عمله فيُحس بقذارة ما فعل من فاحشة (الزنا) ويتمنى لو أنه لم يفعلها فيريد التوبة والعودة والإنابة إلى الله سبحانه، والإقلاع عن تلك المعصية، ولكن يأتيه الشيطان فيهون عليه تلك المعاصي والآثام، ويُطمئِنُ قلبه بفعل تلك الذنوب العظام، والكبائر الجسام، والموبقات المهلكات، فيهلكه بفعلها ويغرقه في لجج المعاصي والآثام فيقع فريسة سهلة للشيطان، فتضيق عليه معيشته ويصبح كثير الشكوك وافر الظنون، لأنه يخاف أن يفعل الناس بأهله الفاحشة كما يفعلها هو بمحارم الناس (فكما تدين تدان)،
(حديث سهل بن سعد في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال من يضمن لي ما بين لحييه و ما بين رجليه أضمن له الجنة.
(حديث أبي هريرة في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق, وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ قال الفم والفرج.
فصاحب الزنا يعيش بصير العين أعمى القلب، ومن عمي قلبه فحياته فيها من التعاسة الشيء الكثير، فهو خائف وقلق وفزع من هول تلك المعصية فيخاف من العقوبة في الدنيا، أما الآخرة فقد نسيها ونسي الخالق سبحانه فالله سوف ينساه لأنه ما عرف لله حقاً، وما ترك لله حداً، فالجزاء من جنس العمل.
قال تعالى: (نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ) [سورة: التوبة - الآية: 67]
قال تعالى: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللّهِ أُوْلََئِكَ حِزْبُ الشّيْطَانِ أَلاَ إِنّ حِزْبَ الشّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ) [سورة: المجادلة - الآية: 19]
(تفاوت فاحشة الزنا والعياذ بالله:
(تتفاوت فاحشة الزنا والعياذ بالله بحسب مفاسدها؛ والزنا بذات الزوج أشد من الزنا بالتي لا زوج لها؛ لما فيه من الظلم، والعدوان عليه، وإفساد فراشه، وقد يكون هذا أشد من مجرد الزنا أو دونه، والزنا بحليلة الجار أعظم من الزنا ببعيدة الدار، لما يقترن بذلك من أذى الجار، وعدم حفظ وصية الله ورسوله وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة:
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: سألت النبي: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: (أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك).
قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟ قال: (ثم أن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك).
قلت: ثم أي؟ قال: (ثم أن تزاني بحليلة جارك).
قال: ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون﴾.
(حديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لأن يزني الرجل بعشر نسوة خير له من أن يزني بامرأة جاره و لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر له من أن يسرق من بيت جاره.
وكذلك الزنا بامرأة الغازي في سبيل الله أعظم إثماً عند الله من الزنا بغيرها، ولهذا يقال للغازي: خذ من حسنات الزاني ما شئت، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث بريدة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: حُرْمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم و ما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم إلا وُقِفَ له يوم القيامة يأخذُ من عمله ما شاء فما ظنكم؟
وكذلك الزنا بذوات المحارم أعظم جرماً، وأشنع، وأفظع؛ فهو الهلك بعينه
وكما تختلف درجات الزنا بحسب المزني بها، فكذلك تتفاوت درجاته بحسب الزمان والمكان، والأحوال؛ فالزنا في رمضان ليلاً أو نهاراً أعظم إثماً منه في غيره، وكذلك في البقاع الشريفة المفضلة هو أعظم منه فيما سواها.
(وأما تفاوته بحسب الفاعل: فالزنا من المحصن أقبح من البكر، ومن الشيخ أقبح من الشاب، ومن العالم أقبح من الجاهل، ومن القادر على الاستغناء أقبح من الفقير العاجز
وقد يقترن بالفاحشة من العشق الذي يوجب اشتغال القلب بالمعشوق، وتأليهه، وتعظيمه، والخضوع له، والذل له، وتقديم طاعته وما يأمر به على طاعة الله، ومعاداة من يعاديه، وموالاة من يواليه، ما قد يكون أعظم ضرراً من مجرد
تنبيه: ونظراً للمفاسد العظيمة التي تنتج عن الزنا والعياذ بالله فقد حذَّر الشارع من مقاربة الزنا أو من الظروف والدواعي التي يمكن أن تقود إليه، فقال تعالى: (ولا تَقربوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحشةً وساءَ سبيلاً)) الإسراء 32، وجعل حواجز تحول دون الوقوع في الفواحش، فدعا إلى الزواج للمستطيع، وحذَّر من العقوبة الدينية والدنيوية، وحض على العفة، وجعل هناك عدداً من الأمراض الجنسية الخطيرة التي تصيب بصورة خاصة أولئك الذين يرتكبون الفواحش..
(قصص وعبر لسوء عاقبة الزناة والعياذ بالله:
قيل أن راهباً يُسمى برصيصاً كان يعبد الله ستين سنة، وأن الشيطان أراد أن يغويه فما استطاع، فعمد الشيطان إلى امرأة فأجنها وكان لها أخوة فقال الشيطان: لإخوتها عليكم بهذا القُس، فيداويها، فجاءوا بها إليه فداواها وكانت عنده، فبينما هو يوماً عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها فطلبوها، فقال الشيطان للراهب أنا من عمل بك هذا لأنك أتعبتني، فأطعني أنقذك منهم، فاسجد لي سجدة، فلما سجد له، قال: إني برئ منك، إني أخاف الله.
(رواها بن جرير في تفسيره
وفي واقعنا وفي زماننا هذا كثيرٌ من مآسي الزناة والزواني (الجبلة النَكِدَة الذين فيهم عِوجٌ لا يُرجى اعتداله والذين لا يهناؤون، ولا يهدأ لهم بال، ولا يقر لهم حال إذا لم يرتكبوا الفاحشة)، يُحكى أن شاباً سافر إلى بلاد الكفر والفجور والفسق والسفور، من أجل الزنا وشرب الخمور، سافر هذا الشاب إلى تلك البلاد، وفي يوم من الأيام وبينما هو في غرفته ينتظر تلك العاهرة أن تأتيه، إذا بها قد تأخرت عن موعدها، وعندما أتت ودخلت عليه غرفته، شهق شهقة عالية وسجد لها، فكانت هذه السجدة هي السجدة الأولى والأخيرة في حياته، لكن لمن كانت هذه السجدة؟ وما سببها؟ وما نتائجها؟
أخي الحبيب: إنه سوء الخاتمة، أعاذنا الله من ذلك.
أين أولئك من أولئك الرجال الذين ملأ الإيمان بالله والخوف منه سبحانه ملأ قلوبهم وجوارحهم، وأين أولئك النساء عن تلكم اللاتي منعهن تقوى الله والحياء منه، وخوفهن من عذاب القبر وشدة الحساب وعظمة الوقوف بين يديه الله سبحانه، كل ذلك، فأين الخائفون من عذاب الله وسخطه ومقته وعقابه، إذ كيف يُنعم الله على هؤلاء بشتى النعم، من مأكل ومشرب وملبس، وغير ذلك من النعم التي لا تُعد ولا تُحصى، ثم يستغلون هذه النعم في معصية الخالق المنعم تعالى وتقدس، فبدل أن يقابلوا هذه النعم وهذا الإحسان بالشكر والعرفان لله جل وعلا، قابلوا ذلك كله بالكفر والعصيان وارتكاب المعاصي والآثام، بدلوا نعمت الله كفراً وأحلوا أنفسهم دار البوار.
أهكذا يكون جزاء هذا الإحسان، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
مسألة: هل يجوز لعن بعض عصاة المسلمين؟
الجواب:
أن لعن بعض عصاة المسلمين على سبيل العموم جاءت النصوص الشرعية بلعن أصحاب بعض المعاصي على سبيل العموم والإطلاق، بذكر وصف المعصية.
ومما ورد في ذلك ما يلي:
قول الله تعالى: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 18].
و قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61].
ومن السنة الصحيحة ما يلي:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:
(لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده).
(حديث ابن عمر –رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال (لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة).
(حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثاً، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من غير منار الأرض).
(حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) قال: لعن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء.
(حديث ابن عمر –رضي الله عنهما الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (لعن الله الخمر وشاربها وساقيها، وبائعها ومبتاعها، وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه).
فهذه النصوص ونحوها تدل على جواز لعن فاعل تلك المعاصي لا على جهة التعيين للأشخاص، بل يلعن العاصي بوصفه لا بشخصه، فيقال مثلاً: لعن الله آكل الربا، ولعن الله السارق، أو أكلة الربا ملعونون، والسارقون ملعونون، ولعنة الله على الظلمة، وعلى الكاذبين ونحو ذلك.
﴿تنبيه﴾: وهذا اللعن على سبيل العموم لأصحاب المعاصي التي جاءت النصوص بلعن فاعليها لا خلاف في جواز
قال الإمام النووي في شرحه لحديث: "لعن الله السارق" " هذا دليل لجواز لعن غير المعين من العصاة؛ لأنه لعن للجنس لا لمعين، ولعن الجنس جائز كما قال الله تعالى: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (واللعنة تجوز مطلقاً لمن لعنه الله ورسوله}
اللعن العام يدل على أن من فعل تلك المعصية فهو مستحق للعنه، ومعرض للعقوبة، فيحصل من هذا الإطلاق الزجر والردع عن ارتكاب تلك المعصية، وهذه اللعنة العامة المذكورة في النص قد تلحق بعض الأشخاص فتكون سبباً في عذابه ويكون معه إيمان يمنعه من الخلود في النار، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.
قال الشيخ ابن عثيمين في "القول المفيد" (1/ 226)
"الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم؛ فالأول (لعن المعين) ممنوع، والثاني (لعن أهل المعاصي على سبيل العموم) جائز، فإذا رأيت محدثا، فلا تقل لعنك الله، بل قل: لعنة الله على من آوى محدثا، على سبيل العموم، والدليل على ذلك أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما صار يلعن أناسا من المشركين من أهل الجاهلية بقوله: (اللهم! العن فلانا وفلانا وفلانا) نهي عن ذلك بقوله تعالى: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) رواه البخاري" اهـ. (التفسير الشرعي لوقوع العصاة في جريمة الزنا الشنعاء والعياذ بالله:
مسألة: ما هو التفسير الشرعي لوقوع العصاة في جريمة الزنا الشنعاء والعياذ بالله؟ فصل الخطاب في هذه المسألة: أن ما يحصل من وقوع العصاة في جريمة الزنا الشنعاء والعياذ بالله ما هو إلا من سقامة الضمائر ولؤمِ السرائر وفسادِ النية وسوءِ الطوية، بل هو من دناءة نفوسهم وخِسةِ طبعهم وسواد قلوبهم ورداءةِ معدنهم وهوانهم على ربهم ، إذ لو علم الله في قلوبهم خيراً لعصمهم من الزلل، ووفقهم لصالح العمل والله تعالى يقول: (إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً) [الأنفال / 70] فإنه من يتحرَّ الخيرَ يُعطَه ومن يتقِ الشرَ يُوَقَّه مصداقاً لقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يوقه.
ولو أحبهم الله تعالى لصانَهم بصيانتِه وحفَظَهم بحفظه وكان سبحانه سمعهم الذي يسمعون به ويدهم التي يبطشون بها ورجلهم التي يمشون بها مصداقاً لقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلىَّ عبدي بشيءٍ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليِّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله الذي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددتُ عن شيءٍّ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته.
ولكنه سبحانه لما اطَّلع على قلبك ووجده خربٌ وبور وما فيه من نور، ورأى فيه المَيلُ إلى الحرامِ سَقَطتِ من عين الملكِ العلاّم، وتركَكِ فريسةً للرزايا والآثام، ثم يُحَاسبكِ لا مَحالةَ على هذا الإجرام، فسلب حفظه عنك وَوَكَلكِ إلى نفسك لأنك صِرْتِ بسواد قلبك أهون على الله من الجِعلان (الخُنْفِساء) التي تدفع بأنفها النَتَن والتي لا تجد بُغْيَتَها إلا في مواطن القذر والنَتَن،
ولو علم الله تعالى من قلبهم الصدق في النجاة من الزلل لنجَّاهم من الزلل، ووفقهم لصالح العمل، وعصَمهم
الملكُ العلاّم من الرزايا والآثام على مدى انصرامِ العمرِ ومرورِ الأيام فإن الصدق منجاة وإن العبد إذا صدق مع الله تعالى صدقه الله مصداقاً لقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحديث الآتي:
(حديث شداد بن أوس في صحيح النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن تصدق الله يصدقك.
كان الحسن البصري إذا ذكر أهل المعاصي يقول: هانوا على الله فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم.
(فإذا اطَّلع الله تعالى على قلوبهم ووجد فيه صدق النية في عدم الوقوع في الفاحشة كتب الله تعالى لهم
النجاة لا محالة، وما يعلمُ جنود ربك إلا هو، فلا يتوهم إنسان أن الله تعالى يعلمُ من عبده ِصدق النية في عدم الوقوع في الرذيلة ثم يتركه يقع فيها، هذا أمرٌ مُحال عند ربنا الكبير المُتعال، بل هو فوق ما يخطر ببال أو يدور في الخيال، والله ما وقع إنسانٌ في الحرام إلا كان عنده مَيلٌ إلى الحرام والعياذ بالله، ولا يظلمُ ربُك أحدا، لكنَّ الإنسان إذا اتبع هواه وسار أسيراً ذليلاً وراء شهواته تراه يقيم العذر لنفسه و يلتمس لها الدليل وَيُلَفِق لها بزعمِهِ التأويل، ويريد أن يُحَمِلَّ الناس جميعاً السبب في خطأهِ ويقول: هم السبب في زَلتي وهم الذين دفعوني إلى شِقْوَتي، وأحياناً يلقي اللوم على القدر فيقول هو السبب في ذلك كما حصل في عهد الخليفة الراشد عمر ابن الخطاب حينما أتوْا بسارق فسأله عمر رضي الله تعالى عنه: ما حَمَلَك على ذلك؟ فقال له: قَدَرُ الله يا أمير المؤمنين فقال له الخليفة الراشد عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ونحن نقطع يدك بِقَدِرِ الله، وهكذا تجد الإنسان إذا اتبع هواه وسار أسيراً ذليلاً وراء شهواته يُعَلِقُ أخطاءه على شماعاتٍ وهمية ليُخْفي الحقيقة المُرَّة الكامنة بداخله المستقرة بين جَنْبَيْه والتي دفعته إلى الفجور وهي أنَّ عنده مَيلٌ إلى الحرام والعياذ بالله، فلَيْتَه أحْسَنَ الظن بربه تعالى كما أحسن الظن بنفسه اللئيمة الخائنة الأثيمة التي أهلكته ورَمَتْ به في مستنقع الرذائل والآثام، لكن هيهات فإن هذا لا يغير من الحقيقة شيئاً بل هو يزيد الأمرُ سوءاً ويزيدُ الطينُ بِلَة، ويُضِيفُ إليه ذنباً إلى ذنوبه وَعَيْبَاً إلى عيوبه}.
وهآنذا أسوق لك أروع القصص في رجالٍ ونساء صدقوا مع الله في العفاف فصدقهم ونجاهم من الزلل ووفقهم لصالح العمل:
﴿قصة يوسف عليه السلام﴾
وَتَأَمَّلْ قِصَّة امْرَأَةِ العَزِيزِ مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامِ حَيْنَ رَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعَاذَ بِاللهِ مِنْ شَرِّهِنَّ وَكَيْدِهِنَّ فَعَصَمَهَ اللهُ عِصْمَةً عَظِيمَةً وَحَمَاهُ فامْتَنَع أَشَدَّ الامْتِنَاعِ عَنْهَا وَاخْتَارَ السِّجْنَ عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا في غَايَةِ مَقَامَاتِ الكَمَالِ أَنَّهُ مَعَ شَبَابِهِ وَجَمَالِهِ وَكَمَالِهِ تَدْعُوهُ سَيِّدَتُهُ وَهِي امْرَأَةُ عَزِيزِ مَصْرَ وَهِيَ مَعَ هَذَا في غَايَةِ الْجَمَال وَالْمَالَ وَالرِّيَاسَةِ وَيَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ وَيَخْتَارُ السِّجْنَ عَلَى ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ اللهِ وَرَجَاءَ ثَوَابِهِ، فانظر إلى طهارة قلبه عليه السلام وصدقه مع الله في عدم الوقوع في الفاحشة: عندما دعته امرأة العزيز إلى نفسها، وهيأت له جميع الوسائل المعينة على هذا الفعل، وكانت على قدر من المال والجمال، ولكن عندما وقر الخوف من الله سكنات القلب والجوارح فسيكون الجواب: معاذ الله)، كان هذا هو جواب يوسف عليه السلام، جاء كالصاعقة، لتلك المرأة، لم تتوقع أن يكون الرفض هو الجواب، لكنه الإيمان بالله واليوم الآخر، وأن الإنسان لابد وأن يعود إلى خالقه ليجازيه على ما قدم في دنياه، والخوف من عذاب الله، ومن النار وعذابها وحميمها وزقومها.
وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ مِنْ السَّبْعَةِ الذِينَ يُظلُّهُمْ اللهُ فِي ظِلِّهِ: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتَ مَنْصَبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافَ اللهُ»
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (سَبْعَةٌ يُظِلّهُمُ الله في ظِلّهِ يَوْمَ لاَ ظِلّ إِلاّ ظِلّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ في ِعِبَادَةِ الله، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلّقٌ في المَسْاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابّا في الله اجْتَمعَا عَلَيه وَتَفَرّقَا عليه، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امرأة ذَاتُ منصبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَهُ)
قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - في زاد المعاد (4/ 268): «وعشق الصور إنما تبتلى به القلوب الفارغة من محبة الله تعالى المعرضة عنه, المتعوِّضة بغيره عنه, فإذا امتلأ القلب من محبة الله والشوق إلى لقائه, دفع ذلك عنه مرض عشق الصور, ولهذا قال تعالى في يوسف: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ فدل على أن الإخلاص سبب لدفع العشق وما يترتب عليه من السوء والفحشاء التي هي ثمرته ونتيجته» ا. هـ (1).
(وقفة مع امرأةِ العزيز:
إنها المرأةُ المتكلمة التي هي أكفأ الناس على الخروج من الموقف كالشعرة من العجين في أحلكِ المواقف فتجد الجواب حاضراً على السؤال الذي يهتف به المنظر المريب، ليس هذا فحسب بل تخلع جُرْمَهَا وَتُلْبِسْه إنساناً بريئاً لتصرف التهمةَ عن نفسها.
قال تعالى: (وَأَلْفَيَا سَيّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [يوسف / 25]
وهنا يجب أن نحذر المسلمين من هذا السلاح الفتَّاك ومن هذا الداء العِضال الذي يفتك بصاحبه ويُدَمِر دينه ودنياه، مرض (الخروج من الموقف) لأنه سلاحُ يضرُ صاحبه ويدمره من ثلاثة أوجه هي:
(أولاً) يجعل صاحبه من أجرئ الناس على المعاصي اعتماداً منه على كفاءته في الخروج من الموقف حتى في أحلك المواقف، حتى في مواطن الريبة كما فعلت امرأة العزيز التي كانت أُمَّةً في هذا المجال، ويجعل صاحبه يُقْدِمُ على معصية الله تعالى في الخلوات ـ كما أقدمت امرأة العزيز على ذلك ـ الأمر الذي يُدمر نفسه ودينه ويجعل حسناته هباءاً منثوراً ولو كانت مثل جبال تهامة بيضاً بنص السنة الصحيحة، وتأمل الحديث الآتي:
(حديث ثوبان رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاً فيجعلها الله عز وجل هباء منثورا قال ثوبان يا رسول الله صفهم لنا جَلِّهِم لنا أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم قال أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها.
قال ابن الجوزي رَحِمَهُ اللهُ: الحذر الحذر من المعاصي فإنها سيئة العواقب، والحذر الحذر من الذُّنُوب خصوصًا ذنوب الخلوات فإن المبارزة لله تَعَالَى تسقط الْعَبْد من عينه سُبْحَانَهُ ولا ينال لذة المعاصي إِلا دائم الغَفْلَة، فأما المُؤْمِن اليقظان فإنه لا يلتذ بها، لأنه عَنْدَ التذاذه يقف بإزائه علمه بتحريمها وحذره من عقوبتها، فإن قويت معرفته رأى بعين علمه قرب الناهي وَهُوَ الله فيتنغص عيشه في حال التذاذه فإن غلبه سكر الهوى كَانَ الْقَلْب متنغصًا بهذه المراقبات وإن كَانَ الطبع في شهوته فما هِيَ إِلا لحظة ثُمَّ خزي دائم وندم ملازم وبُكَاء متواصل وأسف على ما كَانَ مَعَ طول الزمان حتى إنه لو تيقن العفو وقف بإزائه حذار العتاب فأف للذنوب ما أقبح آثارها وأسوء وأخبارها.
انتهى.
(ثانياً) أن مستخدم هذا السلاح (الخروج من الموقف) يصير الكذب طبعاً له لا تكلفاً لأن غالب الخروج من الموقف يكون عن طريق الكذب، ولا تنسى أن الكذب يهدي إلى الفجور بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)
(ثالثاً): أن مستخدم هذا السلاح (الخروج من الموقف) يكون قد أوتيَ جَدَلا بالباطل ليخرج من الموقف، ولا تنسى أن الجدال بالباطل يفسد القلب والدين ويسبب الضلال كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي أمامة في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا قوله تعالى (بل هم قومٌ خَصِمون)
﴿تنبيه﴾: (قال ابن القيم رحمه الله تعالى مبيناً خطر العشق على الدين: ومحبة الصور المحرمة وعشقها من موجبات الشرك، وكلما كان العبد أقرب إلى الشرك، وأبعد من الإخلاص كانت محبته بعشق الصور أشد.
وكلما كان أكثر إخلاصاً، وأشد توحيداً كان أبعد من عشق الصور.
ولهذا أصاب امرأة العزيز ما أصابها من العشق؛ لشركها، ونجا منه يوسف الصديق عليه السلام بإخلاصه.
قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [يوسف: 24] 1.
فالسوء: العشق، والفحشاء: الزنا؛ فالمخلص قد خلص حبه لله، فخلَّصه الله من فتنة عشق الصور، والمشرك قلبه متعلق بغير الله، فلم يخلص توحيده وحبه لله عز وجل.
﴿هند بنت عتبة رضي الله عنها﴾
لمعرفة معدنها النفيس والذي هو أنفس من الذهب الخالص يكفينا ردها على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، حين سمعت منه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بنهي المرأة عن الزنا في مبايعتهن للنساء، فردَّت هند بنت عتبة بروح المرأة (التقيةٍ النقية، العفيفةً الحييِّة، الحرةً الأبيَّة)
قالت رضي الله عنها: وهل تزني الحرة يا رسول الله... ؟!
قالتها متعجبة! استفهام استنكاري يفيد الاستنكار، تقول وبكل تعجب أو تزني الحرة يا رسول الله؟! أي أن المرأة الحرة لا تزني أبدا، تأنف باستنكارٍ واضحٍ رذيلةً تَعَافها المرأة في جاهليتها وحتى يوم أباحت مضغ أكباد الرجال وأباحت لنفسها السجود للأصنام!! لنقف هنا وقفة مع المرأة الحرة حين تعاف الرذيلة وتبغضها قبل أن تعتنق الإسلام، وتصفها بالقبح والإسلام بعدُ حديث عهد في قلبها لم يبلغ بها مبلغ السابقين.. تقوله وهي حديثة عهد بكفر وجاهلية!! لكنها الفطرة التي لم تتلوث بالعهر والدناسة! لكنها العفة التي لم يخدشها نزوة أو طيش! أو مَيلٌ إلى الحرام كقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في صحيح مسلم (مائلاتٍ مميلات) بالله عليكم كيف حال هذه العفة بعد الإسلام وقد سقاها بماء الإيمان والحياء فزادها جمالا وأسبغ عليها رونقا وإجلالا.
هذه من ضُرِب بعفتها الأمثال وتغنى بشرفها الأبطال، تصبر ولا تدنس ذيلها وتموت ولا تأكل بثدييها.
(والسؤال الذي يطرح نفسه الآن؟
فهل يعني هذا أن العفة تسكن قلب المرأة الحرة بغض النظر عن دينها؟ وأن دماثة الخلق يُمْكِن أن تأنس لقلوب لم يسكنها الإيمان بالله بعد؟
الجواب: نعم.. وهند بنت عتبة أصدق دليل!!!
فكيف بنا نحن المجتمع المسلم وهذه الرذيلة تنهش في أعراضنا وتستشري نارها في ديارنا.. حين تغرق بعض النساء من مجتمعاتنا في خصلةِ هي قبيحة في الجاهلية فكيف بها في الإسلام.
قاتلها الله من امرأةٍ ذات نفسٍ خسيسة دنيئةٍ رديئةِ المعدن فلقد انغمست في رذيلةٍ نهانا الله تعالى عن مجرد الاقتراب منها فضلاً عن الانغماس فيها، ويعلق البعض السقوط بها على شماعة الفقر والظروف أو الانتقام من الزوج في محاولةٍ منهن في إخفاء الحقيقة المُرَّة الكامنة بداخلها والمستقرة بين جنبيها وهي أنها خسيسة دنيئةٍ رديئةِ المعدن فيها ميلٌ إلى الحرام كقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في صحيح مسلم (مائلاتٍ مميلات)!!!
وما ظنك بامرأةٍ انغمست في هذه الخصلة الدنيئة التي تأنف منها الأحرار النساء الجاهليات، وصدق لسان العرب حين قال: (تموت الحرة ولا تأكل بثدييها)، فكيف بنا ونحن نعيش في ظل مجتمعاتنا المسلمة التي ولدنا وتربينا في أحضانها.
﴿تنبيه﴾: هل يُعْقَل من تَرَبتْ تربيةً جادةً وان لم تكن صالحة أن تمكن غيرها من نفسها وهو لا يحل لها؟
هل تقبل أن تكون محلا للاستمتاع لمن لا يجوز لها؟
هل يمكن لامرأة أن تذبح حياءها وتهتك عفتها وتمزق دينها
(قديما قالوا.. تموت الحرة ولا تأكل بثديها: أي لا تبيع جسدها وان ماتت من الجوع
فأين أولئك المفسدين من ذلك، ألم يسمعوا ما قالته هند بنت عُتبة زوجة أبي سفيان وأم معاوية وأم زوجة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أم حبيبة) حينما بايعهن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم اشترط شروطا ألا يفعلن كذا، وكذا ومنها قوله ولا تزنين فقالت هند وهل تزني الحرة؟؟
نعم... رضي عنها تلك الشريفة التي أنكرت الزنا لمن هي حرة...
لأن الحرة ترى الزنا _ والعياذ بالله _ إهانة لعفتها بل ولآدميتها المَحْضَة قبل النظر عن كونه من الخبائث وإن المرأة الحرة تعافُه ويَقْشَعِرُّ بدنُها من ذِكْره فضلاً عن الاقتراب منه أو الانغماس فيه وان لم تكن صالحة.
﴿قصة الربيع بن خيثم وامرأة بارعة الجمال﴾
أمرَ قومٌ امرأةً ذات جمال بارع أن تتعرض للربيع ابن خيثم لعلها تفتنه، وجعلوا لها إن فعلت ذلك ألف درهم!
فلبست أحسن ما قدرت عليه من الثياب، وتطيبت بأطيب ما قدرت عليه، ثم تعرضت له حين خرج من مسجده.
فنظر إليها، فراعه أمرها، فأقبلت عليه وهي سافرة.
فقال لها الربيع: كيف بك لو قد نزلت الحمى بجسمك، فغيرت ما أرى من لونك وبهجتك؟ أم كيف بك لو قد نزل بك ملك الموت، فقطع منك حبل الوتين؟
أم كيف بك لو سألك منكر ونكير؟
فصرخت المرأة صرخة، فخرت مغشيا عليها، فوالله لقد أفاقت، وبلغت من عبادة ربها ما أنها كانت يوم ماتت كأنها جذع محترق.
(تفسير موقف المجرمين الذين أرادوا افتتان الربيع ابن خيثم:
﴿وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا﴾ (سورة النساء/27)
﴿تنبيه﴾: (للافتتان بالمرأة شرطان متلازمان:
1 أن تخضع بالقول
(2) أن يكون الرجل في قلبه مرض مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (سورة الأحزاب/32)
فالمرأةُ خضعت بالقول لكن الربيع ابن خيثم لم يكن في قلبه مرض كحال الذين يسيل لعابهم وراء الشهوات والعياذ بالله فحصل له النجاة لذلك.
﴿قصة أبي زرعة﴾:
قال أبو زرعة الخيني مكرت بي امرأة فقالت يا أبا زرعة ألا ترغب في عيادة مبتلي تتفط برؤيته فقلت بلى فقالت أدخل إلى الدار فلما دخلت الدار أغلقت الباب ولم أر أحدا فعَرَفْتُ قصدها فقلت اللهم سودها فاسودت فحارت وفتحت الباب فخرجت وقلت اللهم ردها إلى حالتها فردها إلى ما كانت عليه.
﴿قصة عطاء بن يسار﴾
خرج عطاء بن يسار وسليمان بن يسار حاجين من المدينة، ومعهم أصحاب لهم، حتى إذا كانوا بالأبواء نزلوا منزلا لهم.
فانطلق سليمان وأصحابه لبعض حاجتهم، وبقي عطاء قائما يصلي.
فدخلت عليه امرأة من الأعراب جميلة! فلما شعر بها عطاء ظن أن لها حاجة، فخفف صلاته، فلما قض صلاته.
قال لها: ألك حاجة؟
قالت: نعم.
فقال: ماهي؟
قالت: قم.
فأصب مني، فإني قد ودقت (أي رغبت في الرجال) ولا بعل لي.
فقال: إليك عني.
لا تحرقيني ونفسك بالنار.
ونظر إلى امرأة جميلة، فجعلت تراوده عن نفسه، وتأبى إلا ما تريد، فجعل عطاء يبكي ويقول: ويحك! إليك عني.
إليك عني.
واشتد بكاؤه، فلما نظرت المرأة إليه وما دخله من البكاء والجزع بكت المرأة لبكائه!!
فبينما هو كذلك إذ رجع سليمان بن يسار من حاجته، فلما نظر إلى عطاء يبكي، والمرأة بين يديه تبكي في ناحية البيت، بكى لبكائهما، لا يدري ما أبكاهما.
وجعل أصحابهما يأتون رجلا رجلا، كلما أتاهم رجل فرآهم يبكون جلس يبكي لبكائهم، لا يسألهم عن أمرهم حتى كثر البكاء، وعلا الصوت.
فلما رأت الأعرابية ذلك قامت فخرجت، وقام القوم فدخلوا، فلبث سليمان بعد ذلك وهو لا يسأل أخاه عن قصة المرأة إجلالا له وهيبة.
ثم إنهما قدما مصر لبعض حاجتهما، فلبثا بها ما شاء الله، فبينما عطاء ذات ليلة نائما استيقظ وهو يبكي: فقال سليمان: ما يبكيك يا أخي؟
قال عطاء: رؤيا رأيتها الليلة.
قال سليمان: ما هي؟
قال عطاء: بشرط أن لا تخبر بها أحدا مادمت حيا.
قال سليمان: لك ما شرطت.
قال عطاء: رأيت يوسف النبي عليه السلام في النوم، فجئت أنظر إليه فيمن ينظر، فلما رأيت حسنه، بكيت، فنظر إلي في الناس.
فقال: ما يبكيك أيها الرجل؟
قلت: بأبي أنت وأمي يا نبي الله، ذكرتك وامرأة العزيز، وما ابتليت به من أمرها، وما لقيت من السجن، وفرقة الشيخ يعقوب، فبكيت من ذلك، وجعلت أتعجب منه.
فقال يوسف عليه السلام: فهلا تعجب من صاحب المرأة البدوية بالأبواء؟ فعرفت الذي أراد، فبكيت واستيقظت باكيا.
فقال سليمان: أي أخي وما كان حال تلك المرأة؟ فقص عليه عطاء القصة، فما أخبر بها سليمان أحدا حتى مات عطاء، فحدث بها امرأة من أهله.
﴿تنبيه﴾: انظر رحمك الله كيف كان موقف عطاء بن يسار رحمه الله لم يجترئ على معصية الله في الخلوات لأنه رحمه الله لم يكن ممن (إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) لعلمه بشناعة معصية الله في الخلوات،
(حديث ثوبان رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاً فيجعلها الله عز وجل هباء منثورا قال ثوبان يا رسول الله صفهم لنا جَلِّهِم لنا أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم قال أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها.
قال ابن الجوزي رَحِمَهُ اللهُ: الحذر الحذر من المعاصي فإنها سيئة العواقب، والحذر الحذر من الذُّنُوب خصوصًا ذنوب الخلوات فإن المبارزة لله تَعَالَى تسقط الْعَبْد من عينه سُبْحَانَهُ ولا ينال لذة المعاصي إِلا دائم الغَفْلَة، فأما المُؤْمِن اليقظان فإنه لا يلتذ بها، لأنه عَنْدَ التذاذه يقف بإزائه علمه بتحريمها وحذره من عقوبتها، فإن قويت معرفته رأى بعين علمه قرب الناهي وَهُوَ الله فيتنغص عيشه في حال التذاذه فإن غلبه سكر الهوى كَانَ الْقَلْب متنغصًا بهذه المراقبات وإن كَانَ الطبع في شهوته فما هِيَ إِلا لحظة ثُمَّ خزي دائم وندم ملازم وبُكَاء متواصل وأسف على ما كَانَ مَعَ طول الزمان حتى إنه لو تيقن العفو وقف بإزائه حذار العتاب فأف للذنوب ما أقبح آثارها وأسوء وأخبارها.
انتهى.
﴿قصة المرأة المُتَعَبِدة البصرية﴾
كانت بعض المتعبدات البصريات جميلة وكانت تُخْطَبُ فتأبى، وأنها وقعت في نفس رجل مهلبي فبلغ المهلبي أنها تريد الحج فاشترى ثلاثمائة بعير ونادى من أراد الحج فليكتر من فلان المهلبي فاكترت منه فلما كان في بعض الطريق جاءها ليلا فقال إما أن تزوجيني نفسك وإما غير ذلك فقالت ويحك اتق الله فقال ما هو إلا ما تسمعين والله ما أنا بِجَمَّال ولا خرجت في هذا إلا من أجلك فلما خافت على نفسها قالت ويحك انظر أبقي في الرجال أحد لم ينم؟ قال: لا
قالت: عد فانظر،
فمضى وجاء فقال ما بقي أحد إلا وقد نام فقالت ويحك أنام رب العالمين ثم شهقت شهقة وخرت ميتة، وخر المهلبي مغشيا عليه ثم قال ويحي قتلت نفسا ولم أبلغ شهوتي فخرج هاربا.
﴿فانظر رحمك الله كيف يفعل الصدق بأهله وكيف يكون سبباً في النجاة من الزلل والتوفيق لصالح العمل، وانظر إلى حال الصادقين في حصول العفاف وأن الموت أحبُ إليهم من أن يقعوا في الرذيلة، فلما اطَّلع الله تعالى على قلوبهم ووجد فيها النور نجاها بفضلهِ تعالى من كلِ خرابٍ وبور ومن كل فعلٍ محظور، ونجاهم من دواهي الأمور﴾
﴿قصة المرأة الصالحة التي تسأل عن حمام منجاب﴾
ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الجواب الكافي "أن رجلا كان واقفًا بإزاء داره (باتجاهها)، وكان بابه يشبه باب حمّام منجاب (حمام كان مخصصًا للنساء) فمرت جارية لها منظر، فقالت: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ فأشار إلى بيته وقال لها: هذا حمام منجاب، فدخلت الدار وهي لم تعرف أنه خدعها ودخل وراءها، فلما رأت نفسها في داره وعلمت أنه قد خدعها، أظهرت له البشرى والفرح باجتماعها معه، وقالت له: يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا وتقرُّ به عيوننا، فقال لها: الساعة آتيك بكل ما تريدين وتشتهين، وخرج وتركها في الدار ولم يغلقها، فأخذ ما يصلح ورجع فوجدها قد خرجت وذهبت ولم يجد لها أثر.
فهام الرجل بها وذهبت بلبه فأكثر الذكر لها والحزن والجزع عليها وجعل يمضي في الطرق ويقول:
يا رُبَّ قائلةٍ يوْمًا وقد تَعِبَتْ... أيْنَ الطَّرِيقُ إلى حمام مَنْجَابِ
ومر من عند بيتها وهو ينشد هذا البيت وإذا بها تجاوبه من داخل دارها وتقول بصوت سمعه: هَلا جَعَلْتَ سَرِيْعًا إذْ ظَفِرْتَ بِهَا... حِرْزًا عَلَى الدارِ أَوْ قُفْلاً عَلى البابِ إنْ يَنْفَذَ الرِّزْقُ فالرَّزَاقُ يَخْلِفُهُ... والعِرْضُ مِنْ أيْنَ يَا مَغْرُوْرُ يُنْجَابُ
﴿تنبيه﴾: {انظر رحمك الله إلى هذه المرأة التي وقعت في ورطة وخداع من إنسانٍ ماجن أراد أن يقع بها، ولكن لما اطَّلع الله تعالى على قلب هذه المرأة التقيَّة النقيَّة العَفيفة الحييَّة الحُرةُ الأبيّةَ ووجد فيه صدق النية في عدم الوقوع في الفاحشة كتب الله تعالى لها النجاة لا محالة وأنْجَاهَا من هذا المأزق المهين كما تخرج الشَّعْرةُ من العجين، والسؤال الذي يطرح نفسه: من الذي أنْسَى هذا الشَقِي أن يضع قُفلاً على الباب؟ إنه الله العلي الكبير، وما يعلمُ جنود ربك إلا هو، فلا يتوهم إنسان أن الله تعالى يعلمُ من عبده ِصدق النية في عدم الوقوع في الرذيلة ثم يتركه يقع فيها، فمن توهم ذلك فقد كذَّب بحديث النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إن تصدق الله يصدقك).
ثم إنَّ هذا أمرٌ مُحال عند ربنا الكبير المُتعال، بل هو فوق ما يخطر ببال أو يدور في الخيال، ومن توهم ذلك كان في عقله خَبَال، والله ما وقع إنسانٌ في الحرام إلا كان عنده مَيلٌ إلى الحرام والعياذ بالله، ولا يظلمُ ربُك أحدا، لكنَّ الإنسان إذا اتبع هواه وسار أسيراً ذليلاً وراء شهواته تراه يقيم العذر لنفسه و يلتمس لها الدليل وَيُلَفِق لها بزعمِهِ التأويل، ويريد أن يُحَمِلَّ الناس جميعاً السبب في خطأهِ ويقول: هم السبب في زَلتي وهم الذين دفعوني إلى شِقْوَتي فيُعَلِق ذنبه ومعاصيه على شماعاتٍ وهمية، وأحياناً يلقي اللوم على القدر فيقول هو السبب في ذلك كما حصل في عهد الخليفة الراشد عمر ابن الخطاب حينما أتوْا بسارق فسأله عمر رضي الله تعالى عنه: ما حَمَلَك على ذلك؟ فقال له: قَدَرُ الله يا أمير المؤمنين فقال له الخليفة الراشد عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ونحن نقطع يدك بِقَدِرِ الله، وهكذا تجد الإنسان إذا اتبع هواه وسار أسيراً ذليلاً وراء شهواته يُخْفي الحقيقة المُرَّة الكامنة في نفسه المستقرة بين جنبية والتي دفعته إلى الفجور، وهي أنه عنده مَيلٌ إلى الحرام والعياذ بالله، فلَيْتَه أحْسَنَ الظن بربه تعالى كما أحسن الظن بنفسه اللئيمة الخائنة الأثيمة التي أهلكته ورَمَتْ به في مستنقع الرذائل والآثام، لكن هيهات فإن هذا لا يغير من الحقيقة شيئاً بل هو يزيد الأمرُ سوءاً ويزيدُ الطينُ بِلَة، ويُضِيفُ إليه ذنباً إلى ذنوبه وَعَيْبَاً إلى عيوبه}.
(كيفية التوبة من الزنا:
وبعد أن تبين عظم جرم الزنا، وآثاره المدمرة على الأفراد والأمة، فإنه يحسن التنبيه على وجوب التوبة من الزنا؛ فيجب على من وقع في الزنا والعياذ بالله، أو تسبب في ذلك، أو أعان عليه أن يبادر إلى التوبة النصوح، وأن يندم على ما مضى، وألا يرجع إليه.
ولا يلزم من وقع في الزنا رجلاً كان أو امرأة أن يسلَّم نفسه، ويعترف بجرمه، بل يكفي في ذلك أن يتوب إلى ربه، وأن يستتر بستره عز وجل.
وإن كان عند الزاني صور لمن كان يفجر بها، أو تسجيل لصوتها أو لصورتها فليبادر إلى التخلص من ذلك، وإن كان قد أعطى تلك الصور أو ذلك التسجيل أحداً من الناس فليسترده منه، وليتخلص منه بأي طريقة.
وإن كانت المرأة قد وقع لها تسجيل أو تصوير، وخافت أن ينتشر أمرها فعليها أن تبادر إلى التوبة، وألا يكون ذلك معوقاً لها عن الإقبال على ربها.
بل يجب عليها أن تتوب، وألا تستسلم للتهديد والترهيب؛ فإن الله كافيها، ومتوليها، ولتعلم أن من يهددها جبان رعديد، وأنه سوف يفضح نفسه إن هو أقدم على نشر ما بيده.
ثم ماذا يكون إذا هو نفذ ما يهدد به؟ أيهما أسهل؟ فضيحة يسيرة في الدنيا، ويعقبها توبة نصوح؟ أو فضيحة على رؤوس الأشهاد يوم القيامة ثم يعقبها دخول النار وبئس القرار؟
ومما ينفع في هذا الصدد إن هي خافت من نشر أمرها أن تستعين برجل رشيد من محارمها؛ ليعينها على التخلص مما وقعت فيه؛ فربما كان ذلك الحل ناجعاً مفيداً.
وبالجملة فإن على من وقع في ذلك الجرم أن يبادر إلى التوبة النصوح، وأن يقبل على ربه بكُلِّيته، وأن يقطع علاقته بكل ما يذكره بتلك الفعلة، وأن ينكسر بين يدي ربِّه مخبتاً منيباً، عسى أن يقبله، ويغفر سيئاته، ويبدلها حسنات.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلََئِكَ يُبَدّلُ اللّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً) [الفرقان: 70:68]
رابعاً: التوبة من اللواط والعياذ بالله:
(مفاسد اللواط والعياذ بالله:
اللواط والعياذ بالله أعظم الفواحش على الإطلاق، وأضرها على الدين والعقل والمروءة والأخلاق؛ فهو داء عضال، وسمٌّ قَتَّال، متناهٍ في القبح والبشاعة، غاية في الخسة والشناعة؛ فهو شذوذ منحرف، وارتكاس في الطباع، يمجه الذوق السليم، وتأباه الفطرة السوية، وترفضه وتمقته الشرائع السماوية؛ لما له من عظيم الأضرار، ولما يترتب عليه من جسيم الأخطار، فآثاره السيئة يقصر دونها العد، وأضراره المدمرة لا تقف عند حد، ففيه أكثر أضرار الزنا وزيادة؛ بل إن حد الزاني المحصن مشتق من عقوبة الله تعالى لقوم لوط بالقذف بالحجارة؛ لاشتراك الزنا واللواط في الفحش (1).
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى متحدثاً عن مفاسد اللواط: فإن في اللواط من المفاسد ما يفوت الحصر والعد، ولأن يقتل المفعول به خير له من أن يؤتى؛ فإنه يفسد فساداً لا يرجى له بعده صلاح أبداً، ويذهب خيره كله، وتمص الأرض ماء الحياء من وجهه؛ فلا يستحيي بعد ذلك من الله، ولا من خلقه، وتعمل في قلبه، وروحه نطفةُ الفاعلِ ما يعمل السم في البدن 1. (وقال أيضاً: ولم يَبْتَلِ الله سبحانه بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحداً من العالمين، وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها غيرهم، وجمع عليهم من أنواع العقوبات بين الإهلاك، وقلب ديارهم عليهم، والخسف بهم، ورجمهم بالحجارة من السماء، فنكَّل بهم نكالاً لم ينكله أمة سواهم؛ وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة التي تكاد تميد من جوانبها الأرض إذا عُمِلت فيها، وتهرب الملائكة من أقطار السماوات والأرض إذا شاهدوها؛ خشية نزول العذاب على أهلها؛ فيصيبهم معهم، وتعج الأرض إلى ربها تبارك وتعالى وتكاد الجبال تزول عن أماكنها وقتل المفعول به خير له من وطئه؛ فإنه إذا وطئه قتله قتلاً لا ترجى الحياة معه بخلاف قتله، فإنه مظلوم شهيد وربما ينتفع به في آخرته 2. (وقال أيضاً: متحدثاً عن فاحشتي الزنا واللواط: فليس في الذنوب أفسد للقلب والدين من هاتين الفاحشتين، ولهما خاصية في تبعيد القلب من الله؛ فإنهما من أعظم الخبائث؛ فإذا انصبغ القلب بهما بَعُد ممن هو طيب، لا يصعد إليه إلا طيب، وكلما ازداد خبثاً ازداد من الله بعداً 3. (وقال متحدثاً عما حل بقوم لوط عليه السلام: فوالله ما كان بين إهلاك أعداء الله ونجاة نبيه وأوليائه إلا ما بين السَّحر وطلوع الفجر، وإذا بديارهم قد اقتلعت من أصولها، ورفعت نحو السماء، حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب، ونهيق الحمير، فبرز المرسوم الذي لا يرد عن الرب الجليل إلى عبده ورسوله جبرائيل، بأن يقلبها عليهم كما أخبر به محكم التنزيل، فقال عز من قائل: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) [هود:82] فجعلهم آية للعالمين، وموعظة للمتقين، ونكالاً لمن شاركهم في أعمالهم من المجرمين، وجعل ديارهم بطريق السالكين (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) الحجر: [75_77]
أخذهم على غرَّة وهم نائمون، وجاءهم بأسُه وهم في سكرتهم يعمهون، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، فقلبت تلك اللذات آلاماً فأصبحوا بها يعذبون.
مآرب كانت في الحياة لأهلها... عِذاباً فصارت في الممات عَذاباً
ذهبت اللذات، وأعقبت الحسرات، وأنقضت الشهوات، وأورثت الشقوات، تمتعوا قليلاً، وعذبوا طويلاً، رتعوا مرتعاً وخيماً، فأعقبهم عذاباً أليماً، أسكرتهم خمرةُ تلك الشهوة فما استفاقوا منها إلا في ديار المعذبين، وأرقدتهم تلك الغفلة فما استيقظوا منها إلا وهم في منازل الهالكين؛ فندموا والله أشد الندامة حين لا ينفع الندم، وبكوا على ما أسلفوا بدل الدموع بالدم؛ فلو رأيت الأعلى والأسفل من هذه الطائفة، والنار تخرج من منافذ وجوههم وأبدانهم وهم بين أطباق الجحيم، وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم، ويقال لهم وهو على وجوههم يسحبون: (ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) [الزمر: 24]
(اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الطور: 16]
وقد قرَّب الله مسافة العذاب بين هذه الأمة وبين إخوانهم في العمل، فقال مخوفاً لهم أن يقع الوعيد: (وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) [هود: 83] 1.
(وقال مبيناً أضرار الوطء في الدبر: فإنه يحدث الهم، والغم، والنفرة عن الفاعل والمفعول.
وأيضاً فإنه يسود الوجه، ويظلم الصدر، ويطمس نور القلب، ويكسو الوجه وحشة تصير عليه كالسيماء يعرفها من له أدنى فراسة.
وأيضاً فإنه يوجب النفرة، والتباغض الشديد، والتقاطع بين الفاعل والمفعول ولا بد.
وأيضاً فإنه يفسد حال الفاعل والمفعول فساداً لا يكاد يرجى بعده صلاح إلا أن يشاء الله بالتوبة النصوح.
وأيضاً فإنه يذهب بالمحاسن منهما، ويكسوهما ضدهما كما يذهب بالمودة بينهما، ويبدلهما بها تباغضاً وتلاعناً.
وأيضاً فإنه من أكبر زوال النعم، وحلول النقم؛ فإنه يوجب اللعنة والمقت من الله، وإعراضه عن فاعله، وعدم نظره إليه؛ فأي خير يرجوه بعد هذا؟ وأي شر يأمنه؟ وكيف حياة عبد حلَّت عليه لعنة الله ومقته، وأعرض عنه بوجهه ولم ينظر إليه؟
وأيضاً فإنه يَذْهَب بالحياء جملة، والحياء هو حياة القلوب؛ فإذا فقدها القلب استحسن القبيح، واستقبح الحسن، وحينئذ فقد استحكم فساده.
وأيضاً فإنه يحيل الطباع عما ركبها الله، ويخرج الإنسان عن طبعه إلى طبع لم يُركِّب الله عليه شيئاً من الحيوان، بل هو طبع منكوس، وإذا نكس الطبع انتكس القلب، والعمل، والهدى؛ فيستطيب حينئذ الخبيث من الأعمال والهيئات، ويفسد حاله، وعمله، وكلامه بغير اختياره.
وأيضاً فإنه يورث من الوقاحة، والجرأة ما لا يورثه سواه.
وأيضاً فإنه يورث من المهانة، والسِّفال، والحقارة ما لا يورثه غيره.
وأيضاً فإنه يكسو العبد من حلة المقت، والبغضاء، وازدراء الناس، واحتقارهم إياه، واستصغارهم له ما هو مشاهد بالحس 1.
ولقد أثبتت الدراسات الطبية الحديثة أن لهذه الفعلة القبيحة أضراراً كثيرة على نفوس مرتكبيها، وعقولهم، وأبدانهم؛ فمما تسببه هذه الفعلة القبيحة كثرة الوساوس والأوهام؛ فهذا الداء إذا تمكن من القلب، واستحكم وقوي سلطانه أفسد الذهن، وأحدث الوساوس.
وربما أصيب صاحبه بمرض الهوس الجنسي الذي يجعل صاحبه الشهواني مشغولاً بتخيلات شهوانية غريزية.
ومن أضرارها التأثير على الأعصاب والمخ، وأعضاء التناسل، والدوسنتاريا، والتهاب الشرج والمستقيم، والتهاب الكبد الفيروسي.
بل كثيراً ما يؤدي إلى أمراض الشذوذ الخطيرة كالزهري، والسيلان، والهربس، والإيدز، وفيروس الحب، بل هو السبب الأول، وله النسبة الكبرى في حدوث هذه الأمراض.
هذا ولعظم هذه الجريمة أجمع الصحابة رضي الله عنهم على قتل مرتكبها، ولكنهم اختلفوا في كيفية قتله؛ فمنهم من قال: يقتل بالسيف، ومنهم من قال: يحرق بالنار، ومنهم من قال: ينظر أعلى بناء في القرية فيرمى اللوطي منها منكساً ثم يتبع بالحجارة 2.
(قال الشيخ العلامة د. بكر أبو زيد: وأما صفة القتل فإن الذي يظهر لي أيضاً والله أعلم هو أن هذا عائد إلى رأي الإمام من القتل بالسيف، أو رجماً بالحجارة، ونحو ذلك حسب مصلحة الردع والزجر، والله أعلم 3.
وهذا الحكم يشمل الفاعل والمفعول به سواء كانا بكرين، أو ثيبين عند جمهور العلماء 4.
ودليل هذا القول الحديث الآتي:
(حديث بن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح السنن الأربعة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل و المفعول به.
(قال الشيخ بكر أبو زيد تعليقاً على هذا الحديث: ووجه الدلالة من هذا الحديث نَصيةٌ على قتل الفاعل والمفعول به، وليس فيه تفصيل لمن أحصن أو لم يحصن؛ فدل بعمومه على قتله مطلقاً 1.
(كيفية التوبة من اللواط:
لعظم هذه الجريمة المنكرة قال بعض العلماء: لا توبة للوطي، ولا يدخل الجنة؛ فهو جدير ألا يوفق، وأن يحال بينه وبينه، وكلما عمل خيراً قيض الله له ما يفسده عقوبة له؛ فلا يوفق لعلم نافع، ولا عمل صالح، ولا توبة نصوح 2.
والصحيح في هذه المسألة أن للوطي توبة إذا تاب؛ فإن الله يغفر الذنوب جميعاً، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الخلاف في توبة اللوطي: =والتحقيق في المسألة أن يقال: إذا تاب المبتلى بهذا البلاء، وأناب، ورزق توبة نصوحاً، وعملاً صالحاً، وكان في كبره خيراً منه في صغره، وبدل سيئاته حسنات، وغسل عار ذلك عنه بأنواع الطاعات والقربات، وغض بصره، وحفظ فرجه عن المحرمات، وصدق الله في معاملته فهذا مغفور له، وهو من أهل الجنة؛ فإن الله يغفر الذنوب جميعاً.
وإذا كانت التوبة تمحو كل ذنب حتى الشرك بالله، وقتل أنبيائه، وأوليائه، والسحر، والكفر، وغير ذلك فلا تَقْصُر عن محو هذا الذنب.
وقد استقرت حكمة الله تعالى به عدلاً وفضلاً أن التائب من الذنب كم لا ذنب له، وقد ضمن الله سبحانه لمن تاب من الشرك، وقتل النفس، والزنا أنه يبدل سيئاته حسنات.
وهذا حكم عام لكل تائب من كل ذنب، وقد قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: 53]
فلا يخرج من هذا العموم ذنب واحد، ولكن هذا في حق التائب خاصة.