فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 574-613

كتاب الزهد

صفحات 574-613
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة، فآخى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق، فربح شيئا من أقط وسمن، فرآه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أيام وعليه وضر من صفرة، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مهيم يا عبد الرحمن).
قال: يا رسول الله، تزوجت امرأة من الأنصار، قال: (فما سقت فيها).
فقال: وزن نواة من ذهب، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أولم ولو بشاة).
كان عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه آية في الزهد والعزوف عن الدنيا والرغبة في الآخرة مع ما توفر لديه من ثراء عظيم، ومال وفير، فقد وَعَى حقيقة الزهد بحذافيره وأن الزهد أن يكون المال في يدك وليس في قلبك فكان آيةً في الجود والسخاء والبذل والإنفاق في سبيل الله تعالى، فكان المال في يده ولم يقترب من قلبه الشريف رضي الله عنه، ولقد كان رضي الله عنه حريصاً على أن يتصدق بثلثي ماله عندما مرض لولا أن أن أمره النبي بالثلث فقط، وهذا يدل على أنه آيةٌ في الزهد فكان المال في يده ولم يقترب من قلبه الشريف رضي الله عنه.
فكان - رضي الله عنه - يقرض الله قرضا حسنا، فيضاعفه الله له أضعافا، فقد باع يوما أرضا بأربعين ألف دينار فرّقها جميعا على أهله من بني زُهرة وأمهات المسلمين وفقراء المسلمين، وقدّم خمسمائة فرس لجيوش الإسلام، ويوما آخر ألفا وخمسمائة راحلة، وعند موته أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله، وأربعمائة دينار لكل من بقي ممن شهدوا بدرا حتى وصل للخليفة عثمان نصيبا من الوصية فأخذها وقال: ﴿أن مال عبد الرحمن حلال صَفْو، وإن الطُعْمَة منه عافية وبركة﴾.
وبلغ من جود عبد الرحمن بن عوف أنه قيل: ﴿أهل المدينة جميعا شركاء لابن عوف في ماله، ثُلث يقرضهم، وثُلث يقضي عنهم ديونهم، وثلث يصِلَهم ويُعطيهم﴾.

سيرة سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -:

وسوف نتناول شيئين أساسيين في هذه السيرة العطرة وهما: أولاً: لمحات من سيرة سعدِ ابن أبي وقاص - رضي الله عنه -: ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد سعدِ ابن أبي وقاص - رضي الله عنه -: وهاك تفصيل ذلك: أولاً: لمحات من سيرة سعدِ ابن أبي وقاص - رضي الله عنه -:

قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:

وأما سعد بن أبي وقاص فقديم السبق، بدء أمره مقاساة الشدة، واحتمال الضيقة.
وهو مع الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة هون عليه تحمل الأثقال، ومفارقة العشيرة والمال، لما باشر قلبه من حلاوة الاقبال، ونصر على الأعداء بالمقاتلة والنضال، وخص بالاجابة في المسألة والابتهال، ثم ابتلى في حاله الإمارة والسياسة، وامتحن بالحجابة والحراسة، ففتح الله على يديه السواد والبلدان، ومنح عدة من الإناث والذكران، ثم رغب عن العمالة والولاية، وأثر العزلة والرعاية، وتلافى ما بقي من عمره بالعناية، فهو قدوة من ابتلي في حاله بالتلوين، وحجة من تحصن بالوحدة والعزلة من التفتين، إلى أن تتضح له الشبهة بالحجج والبراهين.
وقال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: سعد بن أبي وقاص وإسم أبي وقاص مالك بن أهيب عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي الأمير أبو إسحاق القرشي الزهري المكي أحد العشرة وأحد السابقين الأولين وأحد من شهد بدرا والحديبية وأحد الستة أهل الشورى، روى جملة صالحة من الحديث حدث عنه ابن عمر وعائشة وابن عباس والسائب بن يزيد وبنوه عامر وعمر ومحمد ومصعب وإبراهيم وعائشة وقيس بن أبي حازم وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعمر بن ميمون والأحنف بن قيس وعلقمة بن قيس وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ومجاهد وشريح بن عبيد الحمصي وأيمن المكي وبشر بن سعيد وأبو عبد الرحمن السلمي وابو صالح ذكوان وعروة بن الزبير وخلق سواهم.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن سعد قال: وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، قال إبن مندة أسلم سعد ابن سبع عشرة سنة وكان قصيرا دحداحا شثن الأصابع غليظا ذا هامة توفي بالعقيق في قصره على سبعة أميال من المدينة وحمل إليها سنة خمس وخمسين.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن إسماعيل بن محمد بن سعد قال كان سعد جعد الشعر اشعر الجسد آدم أفطس طويلا.

  • اسم سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - ونسبه:

هو سعد بن مالك بن أهيب الزهري القرشي فهو " من بني زهرة " أهل آمنة بنت وهب أم الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الرضاعة ولهذا كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسميه خاله أي أنه من أخواله.
(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قال: كنا مع رسول الله إذ أقبل سعد، فقال: "هذا خالي، فليرني امرؤ خاله.

قال الذهبي رحمه الله: قلت لأن أم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زهرية وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف ابنة عم أبي وقاص.

  • كنية سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -:

أبو إسحاق.

- إسلام سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -:

كان سعد قد رأى وهو ابن سبع عشرة سنة في منامه أنه يغرق في بحر الظلمات، وبينما هو يتخبط فيها، إذ رأى قمرًا، فاتبعه، وقد سبقه إلى هذا القمر ثلاثة، هم: زيد بن حارثة، وعلي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق، ولما طلع الصباح سمع أن رسول الله يدعو إلى دين جديد، فعلم أن هذا هو القمر الذي رآه، فذهب على الفور ليلحق بركب السابقين إلى الإسلام، فكان سعد رضي الله عنه من النفر الذين دخلوا في الإسلام أول ما علموا به فلم يسبقه إلا أبو بكر و علي وزيد و خديجة قال سعد: بلغني أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعوا إلى الإسلام مستخفيا فعلمت أن الله أراد بي خيرا وشاء أن يخرجني بسببه من الظلمات إلى النور فمضيت إليه مسرعا حتى لقيته في شعب جياد وقد صلى العصر فأسلمت فما سبقني أحد إلا أبي بكر وعلي وزيد رضي الله عنهم.

ثورة أم سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -:

أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي عثمان أن سعدا قال نزلت هذه الآية في (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىَ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيّ ثُمّ إِلَيّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [لقمان: 15] قال كنت برا بأمي فلما أسلمت قالت يا سعد ما هذا الدين الذي قد أحدثت لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي فيقال يا قاتل أمه قلت لا تفعلي يا أمه إني لا أدع ديني هذا لشيء فمكثت يوماً لا تأكل ولا تشرب وليلة وأصبحت وقد جهدت فلما رأيت ذلك قلت يا أمه تعلمين والله لو كان لك مئة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني إن شئت فكلي أو لا تأكلي فلما رأت ذلك أكلت.

  • أوصاف سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - الأخلاقية:

كان سعد رضي الله عنه راجح العقل, بعيد النظر, متين الخلقة, عف اليد واللسان, بارا بأهله, وفياً لأصحابه أحب قريش للناس, بل أحب الناس للناس و أرفقهم بهم, يتوقى الشبهات ورعا.

- وفاة سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -:

وعمر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كثيرا وأفاء الله عليه من المال الخير الكثير لكنه حين أدركته الوفاة دعا بجبة من صوف بالية وقال: كفنوني بها فاني لقيت بها المشركين يوم بدرواني أريد أن ألقى بها الله عز وجل أيضا.
وكان رأسه بحجر ابنه الباكي فقال له: ما يبكيك يا بني؟ إن الله لا يعذبني أبدا، وإني من أهل الجنة.
واقتربت ابنته عائشة منه، وكانت تبكي وتقول: يا أبي!! أتموت هنا وحدك في الصحراء بعد صحبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بكر وعمر.. ؟!! فقال لها: لا تبكي علي فوالله إني من أهل الجنة.
قال الذهبي معلقاً: صدق رضي الله عنه وأرضاه، فهنيئاً له، ومريئاً، نُشهد الله ونُدين الله بأنه من أهل الجنة، وارتفعت جنازته إلى المدينة ليصلى عليها هناك، وخرج الصحابة يتباكون، ويقولون: رضي الله عنك يا أبا إسحاق! عشت حميداً، ومت حميداً وتلقى الله يوم القيامة سعيداً، وخرج أزواج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متحجباتٍ من الحجرات يبكين، ويقلنَ: مروا بسعد علينا سقى الله سعداً من سلسبيل الجنة نصلي عليه، فمروا به عليهن بعد أن صلوا عليه، فصلين عليه كذلك ودعون له، ووقف أحد الصحابة على جثمان سعد، وهو في أكفانه وقال: والله ما أعلم أشجع منك، والله ما أريد أن ألقى الله بعمل رجلٍ كعملك، ذهبت عن الفتنة نظيفاً سليماً رضي الله عنك وأرضاك، فقد كان إيمانه بصدق بشارة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كبيرا وكانت وفاته سنة خمس وخمسين بالعقيق، فحمل على الأعناق إلى المدينة، ودفن بها ليكون آخر من مات من العشرة المبشرين بالجنة وآخر من مات من المهاجرين رضي الله عنهم ودفن في البقيع.
مناقب سعد ابن أبي وقاص - رضي الله عنه -:

لسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رضي الله عنه - مناقب عظيمة وفضائل جسيمة وهاك غيضٌ من فيض ونقطةٌ من بحر مما ورد في ذلك جملةً وتفصيلاً: أولاً مناقب مَنَاقِبِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رضي الله عنه - جملة ً: (1) سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أحد العشرة المبشرين بالجنة: (2) سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أحد الستة أصحاب الشورى ومن السابقين الأولين: (3) دعاء النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له وشهادته له بالصلاح: (4) مستجاب الدعوة: (5) شهادة النبي له بالشهادة: (6) أول دم هريق في الإسلام وأول العرب رمى بسهم في سبيل الله: (7) شجاعة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (8) موقف سعد المشرف من الفتنة:

(9) إيثاره للخمول وإنكار الذات: (10) سعد بن أبي وقاص ممن يدعو ربه بالغداة والعشي: (11) ومن مناقب سعد أن فتح العراق كان على يدي سعد: ثانيا

ً مناقب مَنَاقِبِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رضي الله عنه -

تفصيلا ً:

(1) سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أحد العشرة المبشرين بالجنة:

(حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعليٌ في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعدُ ابن أبي وقاص في الجنة وسعيدُ ابن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة.

(2) سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أحد الستة أصحاب الشورى ومن السابقين الأولين:

و عندما حضرت عمر رضي الله عنه الوفاة بعد أن طعنه المجوسي جعل الأمر من بعده إلى الستة الذين مات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو عنهم راض و أحدهم سعد بن أبي وقاص، وقال عمر: إن وليها سعد فذاك، وإن وليها غيره فليستعن بسعد.
(حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام.
(حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: سعد بن أبي وقاص يقول: ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام، وإني لثلث الإسلام.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن سعد قال: وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، قال إبن مندة أسلم سعد ابن سبع عشرة سنة وكان قصيرا دحداحا شثن الأصابع غليظا ذا هامة توفي بالعقيق في قصره على سبعة أميال من المدينة وحمل إليها سنة خمس وخمسين.

(3) دعاء النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له وشهادته له بالصلاح:

(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) قالت: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سهر، فلما قدم المدينة، قال: (ليت رجلا من أصحابي صالحا يحرسني الليلة).
إذ سمعنا صوت سلاح، فقال: (من هذا).
فقال: أنا سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك، ونام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:

"ليت رجلاً صالحاً يحرسني: فيه جواز الاحتراس من العدو والأخذ بالحزم وترك الإهمال في موضع الحاجة إلى الاحتياط، قال العلماء: وكان هذا الحديث قبل نزول قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترك الاحتراس حين نزلت هذه الاَية وأمر أصحابه بالانصراف عن حراسته.
(حديث عائشة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قالت كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحرس حتى نزلت هذه الآية والله يعصمك من الناس فأخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأسه من القبة فقال لهم يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني.
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح مسلم) قالت سهر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مقدمه المدينة ليلة فقال ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة قالت فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح فقال من هذا قال سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما جاء بك قال وقع في نفسي خوف على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجئت أحرسه فدعا له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم نام.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: " يَحْرُسُنِي" بِضَمِّ الرَّاءِ أَيْ: يَحْفَظُنِي بَقِيَّةَ اللَّيْلَةِ لِأَنَامَ مُسْتَرِيحَ الْخَاطِرِ مُطْمَئِنَّ الْقَلْبِ (خَشْخَشَةَ السِّلَاحِ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: صَوْتَ صَدْمِ بَعْضِهِ بَعْضًا (فَقَالَ) أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) أَيْ: أَنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ (ثُمَّ نَامَ) زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ: حَتَّى سَمِعْنَا غَطِيطَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ الْأَخْذُ بِالْحَذَرِ وَالِاحْتِرَاسِ مِنَ الْعَدُوِّ، وَأَنَّ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَحْرُسُوا سُلْطَانَهُمْ خَشْيَةَ الْقَتْلِ، وَفِيهِ الثَّنَاءُ عَلَى مَنْ تَبَرَّعَ بِالْخَيْرِ وَتَسْمِيَتِهِ صَالِحًا، وَإِنَّمَا عَانَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ مَعَ قُوَّةِ تَوَكُّلِهِ توكل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلِاسْتِنَانِ بِهِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا اشْتَدَّ الْبَأْسُ كَانَ أَمَامَ الْكُلِّ، وَأَيْضًا فَالتَّوَكُّلُ لَا يُنَافِي تَعَاطِي الْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّ التَّوَكُّلَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَهِيَ عَمَلُ الْبَدَنِ.

(حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جمع له أبويه يوم أحد قال كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارم فداك أبي وأمي قال فنزعت له بسهم ليس فيه نصل فأصبت جنبه فسقط فانكشفت عورته فضحك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى نظرت إلى نواجذه.

(4) مستجاب الدعوة:

كان سعد رضي الله عنه مستجاب الدعوة أيضًا، فقد دعا له النبي قائلا: "اللهم استجب لسعد إذا دعاك.
(حديث سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اللهم استجب لسعد إذا دعاك.
وهاك صورٌ من إجابة دعوته: عُيِّنَ سعد أميرًا على الكوفة، أثناء خلافة الفاروق عمر - رضي الله عنه - الذي كان يتابع ولاته ويتقصى أحوال رعيته، وفي يوم من الأيام اتجه عمر - رضي الله عنه - إلى الكوفة ليحقق في شكوى أهلها أن سعدًا يطيل الصلاة، فما مر عمر بمسجد إلا وأحسنوا فيه القول، إلا رجلا واحدًا قال غير ذلك، فكان مما افتراه على سعد: أنه لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يسير بالسرية - يخرج بالجيش - فدعا سعد عليه قائلاً: اللهم إن كان كاذبًا، فأعم بصره، وأطل عمره، وعرضه للفتن، فكان ذلك الرجل يمشي في الطريق، ويغمز الجواري، وقد سقط حاجباه من عينيه ولما سئل عن ذلك قال: شيخ مفتون، أصابته دعوة سعد.
وهاك الحديث الدال على ذلك فتأمله بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.

(حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر رضي الله عنه، فعزله واستعمل عليهم عمارا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل اليه فقال: يا أبا إسحق إن هؤلاء يزعمون انك لا تحسن تصلي؟ قال أبو إسحق: أما أنا، والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما أخرم عنها، أصلي صلاة العشاء، فأركد في الاولين، وأخف في الأخريين.
قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحق.
فأرسل معه رجلا، أو رجالا، إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفه، ولم يدع مسجدا إلا سأل عنه، ويثنون معروفا، حتى دخل مسجدا لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له أسامة بن قتادة، يكنى أبا سعدة، قال: أما إذ نشدتنا، فإن سعدا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية.
قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا، قام رياءً وسمعةً، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن.
وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد.
قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد، قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن.
وذات يوم سمع سعد رجلاً يسب عليّا وطلحة والزبير، فنهاه فلم ينته، فقال سعد للرجل: إذن أدعو عليك؛ فقال الرجل: أراك تتهددني كأنك نبي؛ فانصرف سعد، وتوضأ، وصلى ركعتين، رفع يديه، وقال: اللهم إن كنت تعلم أن هذا الرجل قد سب أقوامًا سبقت لهم منك الحسنى؛ وأنه قد أسخطك سبه إياهم؛ فاجعله آية وعبرة؛ فلم يمر غير وقت قصير حتى خرجت ناقة هوجاء من أحد البيوت، وهجمت على الرجل الذي سب الصحابة؛ فأخذته بين قوائمها، وما زالت تتخبط حتى مات.
أخرج الطبراني عن عامر بن سعد قال: بينما سعد رضي الله عنه يمشي إذ مر برجل وهو يشتم علياً وطلحة والزبير رضي الله عنهم، فقال له سعد: إنك تشتم أقواماً قد سبق لهم من الله ما سبق، والله لتكفنَّ عن شتمهم أو لأدعُونَّ الله عز وجل عليك، قال: يخوفني كأنه نبي فقال سعد: اللهمَّ إن كان يشتم أقواماً قد سبق لهم منك ما سبق فاجعله اليوم نكالاً فجاءت بُخْتِيَّة، فأفرج الناس لها فتخبطته، فرأيت الناس يتبعون سعداً يقولون: استجاب الله لك يا أبا إسحاق.
قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح ـ اهـ.

وعند الحاكم عن مصعب بن سعد عن سعد رضي الله عنه أن رجلاً نال من علي رضي الله عنه، فدعا عليه سعد بن مالك، فجاءته ناقة أو جمل فقتله فأعتق سعد نَسَمة وحلف أن لا يدعو على أحد.
وعنده أيضاً عن قيس بن أبي حازم قال: كنت بالمدينة فبينا أنا أطوف في السوق إذ بلغت أحجار الزيت، فرأيت قوماً مجتمعين على فارس قد ركب دابة وهو يشتم علي بن أبي طالب رضي الله عنه والناس وقوف حواليه، إذ أقبل سعد بن أبي وقاص فوقف عليهم، فقال ما هذا؟ فقالوا: رجل يشتم علي بن أبي طالب، فتقدَّم سعد فأفرجوا له حتى وقف عليه، فقال: ما هذا علامَ تشتم علي بن أبي طالب؟ ألم يكن أول من أسلم؟ ألم يكن أول من صلَّى مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألم يكن أزهد الناس؟ ألم يكن أعلم الناس؟ ـ وذكر حتى قال: ألم يكن خَتَنَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ابنته؟ ألم يكن صاحب راية رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزواته؟ ثم استقبل القبلة ورفع يديه وقال: اللهمَّ إنَّ هذا يشتم ولياً من أوليائك، فلا تفرق هذا الجمع حتى تريهم قدرتك.
قال قيس: فوالله ما تفرقنا حتى ساخت به دابته فرمته على هامته في تلك الأحجار فانفقل دماغه ومات.
قال الحاكم: ووافقه الذهبي، هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرِّجاه ـ اهـ. وأخرجه أبو نُعيم في الدلائل (ص206) عن ابن المسيَّب نحو السياق الأول.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن جابر قال قال ابن عم لنا يوم القادسية ألم تر أن الله أنزل نصره وسعد بباب القادسية معصم فأبنا وقد آمت نساء كثيرة ونسوة سعد ليس فيهن أيم فلما بلغ سعدا قال اللهم اقطع عني لسانه ويده فجاءت نشابة أصابت فاه فخرس ثم قطعت يده في القتال وكان في جسد سعد قروح فأخبر الناس بعذره عن شهود القتال.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن مصعب بن سعد أن رجلا نال من علي فنهاه سعد فلم ينته فدعا عليه فما برح حتى جاء بعير ناد فخبطه حتى مات.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن المسيب أن رجلا كان يقع في علي وطلحة والزبير فجعل سعد ينهاه ويقول لا تقع في إخواني فأبى فقام سعد وصلى ركعتين ودعا فجاء بختي يشق الناس فأخذه بالبلاط فوضعه بين كركرته والبلاط حتى سحقه فأنا رأيت الناس يتبعون سعدا يقولون هنيئا لك يا أبا اسحاق استجيبت دعوتك.
قال الذهبي رحمه الله: قلت في هذا كرامة مشتركة بين الداعي والذين نيل منهم.

(5) شهادة النبي له بالشهادة:

(حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اثبت حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد، وعدهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وابن عوف وسعيد بن زيد.

(6) أول دم هريق في الإسلام وأول العرب رمى بسهم في سبيل الله:

في بداية الدعوة، كان أصحاب الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا صلوا ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينما سعد بن أبي وقاص في نفر من الصحابة في شعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون، فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد رضي الله عنه يومئذ رجلا من المشركين بلحي بعير فشجه العظم الذي فيه الأسنان، فكان أول دم هريق في الإسلام.
(حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، وكنا نغزو مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى إن أحدنا ليضع كما يضع البعير أو الشاة، ما له خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام؟ لقد خبت إذا وضل عملي.
وكانوا وشوا بي إلى عمر، قالوا: لا يحسن يصلي.

(7) شجاعة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:

كان سعد رضي الله احد الفرسان والشجعان من الصحابة المهاجرين القرشيين اللذين كانوا يحرسون النبي عليه الصلاة والسلام ويلازمونه في حضره في سفره.
وقد ورد بسند جيد عن ابن إسحاق.
قال: "كان أشد أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربعة: عمر ابن الخطاب وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم ". (حديث عائشة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قالت: أرق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات ليلة فقال ليت رجلا صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة قالت وسمعنا صوت السلاح فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من هذا؟ قال سعد بن أبي وقاص يا رسول الله جئت أحرسك، قالت عائشة فنام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى سمعت غطيطه.
وفي معركة بدر أبلى بلاء حسنا ودافع دفاع الراغبين في طلب الشهادة, قال ا بن مسعود رضي الله عنه:" اشتركت أنا وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر يوم بدر فيما أصبنا من الغنيمه, فما أجيء أنا وعمار بشيء, وجاء سعد بأسيرين, وكان سعد جاهدا مجاهدا في ذات الله بيده وماله ولسانه ودعائه".

أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الله بن مسعود لقد رأيت سعدا يقاتل يوم بدر قتال الفارس في الرجال.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي إسحاق قال أشد الصحابة أربعة عمر وعلي والزبير وسعد.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن إسحاق بن سعد ابن أبي وقاص حدثني أبي أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد ألا تأتي ندعو الله تعالى فخلوا في ناحية فدعا سعد فقال يا رب إذا لقينا العدو غدا فلقني رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله ويقاتلني ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه فأمن عبد الله ثم قال اللهم ارزقني غدا رجلا شديدا بأسه شديدا حرده فأقاتله ويقاتلني ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني فإذا لقيتك غدا قلت لي يا عبد الله فيم جدع أنفك وأذناك فأقول فيك وفي رسولك فتقول صدقت قال سعد كانت دعوته خيرا من دعوتي فلقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلق في خيط أبو عوانة وجماعة.
أول من رمى بسهمٍ في سبيل الله: بعثه الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سرية عبيدة بن الحارث رضي الله عنه إلى ماء بالحجاز أسفل ثنية المرة فلقوا جمعا من قريش ولم يكن بينهم قتال ألا أن سعد قد رمى يومئذ بسهم فكان أول سهم رمي به في الإسلام.
(حديث عاصم الأحول الثابت في صحيح مسلم) قال: حدثني أبو عثمان قال: حدثني سعد بن مالك قال: سمعته أذناي ووعاه قلبي من محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام "" قال: فلقيت أبا بكرة فذكرت ذلك له فقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي من محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال عاصم فقلت: يا أبا عثمان، لقد شهد عندك رجلان أيما رجلين، فقال: أما أحدهما فأول من رمى بسهم في سبيل الله أو في الإسلام، يعني سعد بن مالك، والآخر قدم من الطائف في بضعة وعشرين رجلا على أقدامهم، فذكر فضلا.
أخرج ابن عساكر عن الزهري قال: بعث رضي الله عنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سريّة فيها سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى جانب من الحجاز يدعى رابغ، فانكفأ المشركون على المسلمين، فجاءهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يومئذٍ بسهامه، وكان أول من رمى في سبيل الله، وكان هذا أول قتال في الإِسلام.
وقال سعد رضي الله عنه في رميه: ألا هل أتى رسولَ الله أتي حَمَيْت صحابتي بصدور نبلي أذود بها أوائلَهم ذياداً بكل حزونة بكل سهلِ فما يَعْتَدُّ رامٍ في عدو بسهم يا رسول الله قبلي

كذا في المنتخب عن ابن عساكر.
غزوة أحد: وشارك في أحد وتفرق الناس أول الأمر عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووقف سعد يجاهد ويقاتل فلما رآه الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرمي جعل يحرضه ويقول له: يا سعد ارم فداك أبي وأمي.
وظل سعد يفتخر بهذه الكلمة طوال حياته ويقول: ما جمع الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأحد أبويه إلا لي وذلك حين فداه بهما.
(حديث عليّ رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: ما رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفدي رجلا بعد سعد، سمعته يقول: ارم فداك أبي وأمي.
ارم فداك أبي وأمي: وَفِي هَذِهِ التَّفْدِيَةِ تَعْظِيمٌ لِقَدْرِهِ وَاعْتِدَادٌ بِعَمَلِهِ وَاعْتِبَارٌ بِأَمْرِهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُفَدِّي إِلَّا مَنْ يُعَظِّمُهُ فَيَبْذُلُ نَفْسَهُ، أَوْ أَعَزَّ أَهْلِهِ لَهُ.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: وفي رواية عن سعد قال: (جمع لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبويه يوم أحد فقال ارم فداك أبي وأمي) فيه جواز التفدية بالأبوين، وبه قال جماهير العلماء، وكرهه عمر بن الخطاب والحسن البصري رضي الله عنهما، وكرهه بعضهم في التفدية بالمسلم من أبويه، والصحيح الجواز مطلقاً لأنه ليس فيه حقيقه فداء وإنما هو كلام وألطاف وإعلام بمحبته له ومنزلته، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالتفدية مطلقاً.
قتله ثلاثة بسهم واحد يوم أُحد: وأخرج ابن عساكر عن ابن شهاب قال: قَتلَ سعد رضي الله عنه يوم أُحد بسهم واحد ثلاثة، رمى به؛ فردّ عليهم فرموا به، فأخذه فرمى به سعد رضي الله عنه الثانية، فَقَتَل؛ فردّ عليهم، فرمى به الثالثة، فَقَتَل، فعجب الناس مما فعل سعد رضي الله عنه، فقال: إنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنبلنيه.
قال: وجمع له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبويه.
كذا في منتخب الكنز.
وأخرج البزَّار عن ابن مسعود رضي الله عنه قل: كان سعد رضي الله عنه يقتل مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم بدر قتال الفارس والراجل.
قال الهيثمي: رواه البزَّار بإسنادين: أحدهما متصل، والآخر مرسل، ورجالهما ثقات.
انتهى.
إمرة الجيش:

عندما احتدم القتال مع الفرس، أراد أمير المؤمنين عمر أن يقود الجيش بنفسه، ولكن رأى الصحابة أن تولى هذه الإمارة لرجل آخر واقترح عبد الرحمن بن عوف: الأسد في براثنه، سعد بن مالك الزهري وقد ولاه عمر رضي الله عنه إمرة جيش المسلمين الذي حارب الفرس في القادسية وكتب الله النصر للمسلمين وقتلوا الكافرين وزعيمهم رستم وعبر مع المسلمين نهر دجلة حتى وصلوا المدائن وفتحوها، وكان إعجازا عبور النهر بموسم فيضانه حتى أن سلمان الفارسي قد قال: إن الإسلام جديد، ذللت والله لهم البحار، كما ذللت لهم البر، والذي نفس سلمان بيده ليخرجن منه أفواجا، كما دخلوه أفواجا.
وبالفعل أمن القائد الفذ سعد مكان وصول الجيش بالضفة الأخرى بكتيبة الأهوال وكتيبة الخرساء، ثم اقتحم النهر بجيشه ولم يخسر جنديا واحدا في مشهد رائع، ونجاح باهر ودخل سعد بن أبي وقاص إيوان كسرى وصلى فيه ثماني ركعات صلاة الفتح شكرا لله على نصرهم.
إمارة العراق: ولاه عمر رضي الله عنهما إمارة العراق، فراح سعد يبني ويعمر في الكوفة، وذات يوم اشتكاه أهل الكوفة لأمير المؤمنين فقالوا: إن سعدا لا يحسن يصلي ويضحك سعدا قائلا: والله إني لأصلي بهم صلاة رسول الله، أطيل في الركعتين الأوليين وأقصر في الآخرين.
واستدعاه عمر إلى المدينة فلبى مسرعا، وحين أراد أن يعيده إلى الكوفة ضحك سعدا قائلا: أتأمرني أن أعود إلى قوم يزعمون أني لا أحسن الصلاة.
ويؤثر البقاء في المدينة.

(8) موقف سعد المشرف من الفتنة:

اعتزل سعد الفتنة وأمر أهله وأولاده ألا ينقلوا له أخبارها، وذات يوم ذهب إليه ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ويقول له: يا عم، ها هنا مائة ألف سيف يرونك أحق الناس بهذا الأمر، فيجيبه سعد رضي الله عنه: أريد من مائة ألف سيف، سيفا واحدا، إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئا، وإذا ضربت به الكافر قطع.
فتركه ابن أخيه بسلام وحين انتهى الأمر لمعاوية سأل سعدا: مالك لم تقاتل معنا؟ فأجابه: إني مررت بريح مظلمة فقلت: أخ أخ وأنخت راحلتي حتى انجلت عني.
فقال معاوية: ليس في كتاب الله أخ أخ ولكن قال الله تعالى: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ) [الحجرات: 9] وأنت لم تكن مع الباغية على العادلة، ولا مع العادلة مع الباغية فأجاب سعد رضي الله عنه قائلا:

ما كنت لأقاتل رجلا يعني علي بن أبي طالب قال له الرسول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.
وعند الطبراني عن ابن سيرين قال: لما قيل لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: ألا تقاتل؟ قال: حتى يأتوني بسيف له عينان ولسان وشفتان يعرف المؤمن من الكافر، فقد جاهدت وأنا أعرف الجهاد.
قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
اهـ. وأخرجه أبو نُعيم في الحلية عن ابن سيرين مثله،

(9) إيثاره للخمول وإنكار الذات:

أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء: عن عامر بن سعد أن أباه سعدًا كان في غنم له، فجاء ابنه عمر، فلما رآه قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فلما انتهى إليه قال: يا أبتي: أرضيت أن تكون أعرابيّا في غنمك والناس يتنازعون في الملك بالمدينة؟ فضرب صدر عمر وقال: اسكت فإني سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "إن الله - عز وجل - يحب العبد التقي الغني الخفي".
[أخرجه أحمد ومسلم] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سعدٍ قال: ما ازعم أني بقميصي هذا أحق مني بالخلافة جاهدت وأنا أعرف بالجهاد ولا أبخع نفسي ان كان رجلا خيرا مني لا أقاتل حتى يأتوني بسيف له عينان ولسان فيقول هذا مؤمن وهذا كافر.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سعدٍ أنه جاءه ابنه عامر فقال أي بني أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأسا لا والله حتى أعطى سيفا إن ضربت به مسلما نبا عنه وأن ضربت كافرا قتله سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (إن الله يحب التقي الغني الخفي.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عوانة قال دخل سعد على معاوية فلم يسلم عليه بالأمرة فقال معاوية لو شئت أن تقول غيرها لقلت قال فنحن المؤمنون ولم نؤمرك فإنك معجب بما أنت فيه والله ما يسرني أني على الذي أنت عليه وأني هرقت محجمة دم.
قال الذهبي رحمه الله: قلت اعتزل سعد الفتنة فلا حضر الجمل ولا صفين ولا التحكيم ولقد كان أهلا للإمامة كبير الشأن رضي الله عنه.

(10) سعد بن أبي وقاص ممن يدعو ربه بالغداة والعشي:

(حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال: قال تعالى: (وَلاَ تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الأنعام: 52] قال نزلت في ستة أنا وابن مسعود منهم.

(11) ومن مناقب سعد أن فتح العراق كان على يدي سعد:

قال الذهبي رحمه الله:

ومن مناقب سعد أن فتح العراق كان على يدي سعد وهو كان مقدم الجيوش يوم وقعة القادسية ونصر الله دينه ونزل سعد بالمدائن ثم كان أمير الناس يوم جلولاء فكان النصر على يده واستأصل الله الأكاسرة.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الليث بن سعد قال: كان فتح جلولاء سنة تسع عشرة افتتحها سعد بن أبي وقاص.
قال الذهبي رحمه الله: قلت قتل المجوس يوم جلولاء قتلا ذريعا فيقال بلغت الغنيمة ثلاثين ألف ألف درهم أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي وائل قال سميت جلولاء فتح الفتوح.
وفاة سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -:

أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن مصعب بن سعد أنه قال كان رأس أبي في حجري وهو يقضي فبكيت فرفع رأسه إلي فقال أي بني ما يبكيك قلت لمكانك وما أرى بك قال لا تبك فإن الله لا يعذبني أبدا وإني من أهل الجنة.
قال الذهبي رحمه الله: قلت صدق والله فهنيئا له.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الزهري أن سعد بن أبي وقاص لما احتضر دعا بخلق جبة صوف فقال كفنوني فيها فإني لقيت المشركين فيها يوم بدر وأنما خبأتها لهذا اليوم.

سعد آخر المهاجرين وفاةً:

أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن إبراهيم بن سعد أن سعدا مات وهو ابن اثنتين وثمانين سنة في سنة ست وخمسين وقيل سنة سبع.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عامر بن سعد قال كان سعد آخر المهاجرين وفاة، قال المدائني وأبو عبيدة وجماعة توفي سنة خمس وخمسين.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أم سلمة أنها قالت لما مات سعد وجيء بسريره فأدخل عليها جعلت تبكي وتقول بقية أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ثانيا

ً: صورٌ من زهد سعدِ ابن أبي وقاص - رضي الله عنه -:

لقد فهم عبد الرحمن ابن عوف - رضي الله عنه - من خلال معايشته للقرآن الكريم، ومصاحبته للنبي الأمين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، وعليه فإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرر من سيطرة الدنيا بزخارفها، و زينتها، وبريقها، وطلقها ثلاثة ونفض يديه منها، وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهرا وباطنا، فكانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف، وقد وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق ما يلي:

(1) اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل كما قال النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.
(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
(2) أن هذه الدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله تبارك وتعالى: (حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء.
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما.
(3) أن عمرها قد قارب على الانتهاء: (حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بعثت أنا والساعة كهاتين قال وضم السبابة والوسطى.
(4) أن الآخرة هى الباقية، وهى دار القرار: كما قال مؤمن آل فرعون: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر: 39، 40] كانت هذه الحقائق قد استقرت في قلب أبي بكر، فترِفَّع رضي الله عنه عن الدنيا وحطامها وزهد فيها، وهاك بعض صور زهده رضي الله عنه: كان سعدِ ابن أبي وقاص رضي الله عنه آية في الزهد والعزوف عن الدنيا والرغبة في الآخرة مع ما توفر لديه من ثراء عظيم، ومال وفير، فقد وَعَى حقيقة الزهد بحذافيره وأن الزهد أن يكون المال في يدك وليس في قلبك فكان آيةً في الجود والسخاء والبذل والإنفاق في سبيل الله تعالى، فكان المال في يده ولم يقترب من قلبه الشريف رضي الله عنه، ولقد كان رضي الله عنه حريصاً على أن يتصدق بثلثي ماله عندما مرض لولا أن أن أمره النبي بالثلث فقط، وهذا يدل على أنه آيةٌ في الزهد فكان المال في يده ولم يقترب من قلبه الشريف رضي الله عنه.

(حديث سعد بن أبي وقاص الثابت في الصحيحين) قال: قلت يارسول الله أنا ذو مالٍ ولايرثني إلاابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: (لا).
قال: قلت: فالشطر؟ قال: (لا).
الثلث والثلث كثير، إنك إن تركت ولدك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة إلا أجرت عليها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك).
ويتجلى زهد سعدِ ابن أبي وقاص رضي الله عنه كذلك في تركه ما لا ينفع في الآخرة، فكان وَقَّافاً لحدود الله تعالى وكان إذا ذُكِّرَ ذكر ويظهر هذا وضوحاً جلياً في موقف من الفتنة في خلافة عثمان وهاك موقفه بإيجاز: اعتزل سعد الفتنة وأمر أهله وأولاده ألا ينقلوا له أخبارها، وذات يوم ذهب إليه ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ويقول له: يا عم، ها هنا مائة ألف سيف يرونك أحق الناس بهذا الأمر، فيجيبه سعد رضي الله عنه: ريد من مائة ألف سيف، سيفا واحدا، إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئا، وإذا ضربت به الكافر قطع.
فتركه ابن أخيه بسلام وحين انتهى الأمر لمعاوية سأل سعدا: مالك لم تقاتل معنا؟ فأجابه: إني مررت بريح مظلمة فقلت: أخ أخ وأنخت راحلتي حتى انجلت عني.
فقال معاوية: ليس في كتاب الله أخ أخ ولكن قال الله تعالى: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ) [الحجرات: 9] وأنت لم تكن مع الباغية على العادلة، ولا مع العادلة مع الباغية فأجاب سعد رضي الله عنه قائلا: ما كنت لأقاتل رجلا يعني علي بن أبي طالب قال له الرسول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.

سيرة سعيدِ بن زيد - رضي الله عنه - و صورٌ من زهده:

وسوف نتناول شيئين أساسيين في هذه السيرة العطرة وهما: أولاً: لمحات من سيرة سعيدِ ابن زيد - رضي الله عنه -: ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد سعيدِ ابن زيد - رضي الله عنه -: وهاك تفصيل ذلك: أولاً: لمحات من سيرة سعيدِ ابن زيد - رضي الله عنه -:

قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:

سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فكان بالحق قوالاً، ولماله بذالاً، ولهواه قامعاً وقتالاً، ولم يكن ممن يخاف في الله لومة لائم.
وكان مجاب الدعوة، سبق الإسلام قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
شهد بدراً بسهمه وأجره.
رغب عن الولاية، وتشمر في الرعاية، قمع نفسه، وأخفى عن المنافسة في الدنيا شخصه، اعتزل الفتنة والشرور المؤدية إلى الضيعة والغرور، عازماً علي السبقة والعبور، المفضي إلى الرفعة والحبور.
كان للولايات قالياً، وفي مراتب الدنيا وانياً، وفي العبودية غانياً، وعن مساعدة نفسه فانياً.
قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: سعيد بن زيد ابن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب أبو الأعور القرشي العدوي أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ومن السابقين الأولين البدريين ومن الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه شهد المشاهد مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشهد حصار دمشق وفتحها فولاه عليها أبو عبيدة بن الجراح فهو أول من عمل نيابة دمشق من هذه الامة وله أحاديث يسيرة.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الواقدي كان سعيد رجلا آدم طويلا أشعر.

- اسم سعيدِ بن زيد - رضي الله عنه - ونسبه:

سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيْل العدوي القرشي، أبو الأعور، من خيار الصحابة ابن عم عمر بن الخطاب وزوج أخته، ولد بمكة عام (22 قبل الهجرة) وهاجر الى المدينة، شهد المشاهد كلها إلا بدرا لقيامه مع طلحة بتجسس خبر العير، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، كان من السابقين الى الإسلام هو وزوجته أم جميل (فاطمة بنت الخطاب.

والد سعيدِ بن زيد - رضي الله عنه -:

وأبوه -رضي الله عنه- (زيد بن عمرو) اعتزل الجاهلية وحالاتها ووحّد الله تعالى بغير واسطة حنيفياً، وقد سأل سعيد بن زيد الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال: (يا رسول الله، إن أبي زيد بن عمرو بن نفيل كان كما رأيت وكما بَلَغَك، ولو أدركك آمن بك، فاستغفر له؟ قال: نعم واستغفر له وقال: إنه يجيءَ يوم القيامة أمّةً وحدَهُ.
(حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه الثابت في صحيح السيرة النبوية) أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن ورقة بن نوفل؟ فقال: قد رأيته؛ فرايت عليه ثياب بياض، أبصرته في بطنان الجنة وعليه السندس، وسئل عن زيد بن عمرو بن نفيل؟ فقال: يبعث يوم القيامة أمة وحده.

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: كان والده زيد بن عمرو ممن فر إلى الله من عبادة الأصنام وساح في أرض الشام يتطلب الدين القيم فرأى النصارى واليهود فكره دينهم وقال اللهم إني على دين ابراهيم ولكن لم يظفر بشريعة إبراهيم عليه السلام كما ينبغي ولا رأى من يوقفه عليها وهو من أهل النجاة فقد شهد له النبي صلىالله عليه وسلم بأنه يبعث أمة وحده.
وهو إبن عم الإمام عمر بن الخطاب رأى النبي صلىالله عليه وسلم ولم يعش حتى بعث، فنقل يونس بن بكير وهو من أوعية العلم بالسير عن محمد بن إسحاق قال قد كان نفر من قريش زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعثمان إبن الحارث بن أسد وعبيد [الله] بن جحش وأميمة إبنة عبد المطلب حضروا قريشا عند وثن لهم كانوا يذبحون عنده لعيد من أعيادهم فلما اجتمعوا خلا أولئك النفر بعضهم إلى بعض وقالوا تصادقوا وتكاتموا فقال قائلهم تعلمن والله ما قومكم على شيء لقد أخطؤا دين إبراهيم وخالفوه فما وثن يعبد لا يضر ولا ينفع فابتغوا لأنفسكم قال فخرجوا يطلبون ويسيرون في الأرض يلتمسون أهل كتاب من اليهود والنصارى والملل كلها يتطلبون الحنيفية فأما ورقة فتنصر واستحكم في النصرانية وحصل الكتب وعلم علما كثيرا ولم يكن فيهم أعدل شأنا من زيد اعتزل الأوثان والملل إلا دين إبراهيم يوحد الله تعالى ولا يأكل من ذبائح قومه وكان الخطاب عمه قد آذاه فنزح عنه إلى أعلى مكة فنزل حراء فوكل به الخطاب شبابا سفهاء لا يدعونه يدخل مكة فكان لا يدخلها إلا سراً وكان الخطاب أخاه ايضا من أمه فكان يلومه على فراق دينه فسار زيد إلى الشام والجزيرة والموصل يسأل عن الدين.
(حديث أسماء بنت أبي بكر الثابت في صحيح البخاري): قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما، مسندا ظهره إلى الكعبة، يقول: يا معاشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري.
وكان يحيي الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيكها مؤونتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت، قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤونتها.
﴿تنبيه﴾: هذا الحديث ذكره البخاري رحمه الله تعالى تعليقاً وصححه الألباني في فقه السيرة.

(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، قبل أن ينزل على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الوحي، فقدمت إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سفرة، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه.
وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله.
إنكارا لذلك وإعظاما له.
(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام، يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينهم، فقال: إني لعلي أن أدين دينكم فأخبرني، فقال: لا تكون على ديننا، حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله، قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا، وأنى أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا، قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله.
فخرج زيد فلقي عالما من النصارى فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله، قال: ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله، ولا من غضبه شيئا أبدا، وأنى أستطيع؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا، قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، ولا يعبد إلا الله.
فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام خرج، فلما برز رفع يديه، فقال: اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم.
(حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه الثابت في صحيح السيرة النبوية) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن ورقة بن نوفل؟ فقال: قد رأيته؛ فرأيت عليه ثياب بياض، أبصرته في بطنان الجنة وعليه السندس.
وسئل عن زيد بن عمرو بن نفيل؟ فقال: يبعث يوم القيامة أمة وحده.
وسئل عن أبي طالب؟ فقال: أخرجته من غمرة من جهنم إلى ضحضاح منها.
وسئل عن خديجة؛ لأنها ماتت قبل الفرائض وأحكام القرآن؟ فقال: أبصرتها على نهر في الجنة في بيت من قصب؛ لا صخب فيه ولا نصب.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن اسماء قالت رأيت زيد بن عمرو شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة وهو يقول ويحكم يا معشر قريش إياكم والزنى فإنه يورث الفقر.

قال الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء: توفي قبل المبعث فقد نقل ابن إسحاق أن ورقة بن نوفل رثاه بأبيات وهي رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما تجنبت تنورا من النار حاميا بدينك ربا ليس رب كمثله وتركك أوثان الطواغي كما هيا وإدراكك الدين الذي قد طلبته ولم تك عن توحيد ربك ساهيا فأصبحت في دار كريم مقامها تعلل فيها بالكرامة لاهيا وقد تدرك الانسان رحمة ربه ولو كان تحت الارض سبعين واديا وفي طبقات ابن سعد بالإسناد عن موسى بن عقبة قال: سمعت سالمًا أبا النضر يحدث، أن زيدًا والد سعيد كان يعيب على قريش ذبائحهم ثم يقول: الشاة خلقها الله وأنزل من السماء ماءً وأنبت لها الأرض، ثم يذبحونها على غير اسم الله، إنكارًا لذلك وإعظامًا له لا ءاكل مما لم يذكر اسم الله عليه.
وروى الذهبي في "سير أعلام النبلاء" أن زيدًا التقى بالشام راهبًا فقال له الراهب: أراك تريد دين إبراهيم عليه السلام، يا أخا أهل مكة، الحق ببلدك، فإن الله يبعث من قومك من يأتي بدين إبراهيم، وهو أكرم الخلق على الله.
وعن علي بن عيسى الحكمي عن أبيه عن عامر بن ربيعة أنه قال: قال لي زيد: يا عامر إني خالفت قومي واتّبعت ملة إبراهيم وما كان يعبد وإسماعيل من بعده، وكانوا يصلون إلى هذه القبلة، فأنا أنتظر نبيًا من ولد إسماعيل يُبعث ولا أراني أدركه، وأنا أؤمن به وأُصدقه وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرئه مني السلام.
قال عامر: فلما تنبّأ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسلمتُ وأخبرته بقول زيد بن عمرو وأقرأته منه السلام فرد عليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورحَّمَ عليه وقال: "قد رأيته في الجنة يسحب ذيولاً".
ذلكم هو والد سعيد.. ذلك الذي ترك لقريش أصنامها وخمرها ولهوها وراح يعبد الله على دين إبراهيم.. ويكفي أن نذكر لك أنه كان يحول دون وأد البنات فإذا رأى من يريد أن يقتل ابنته قال له: ﴿لا تقتلها وأنا أكفيك مئونتها﴾ فيأخذها ويرعاها حتى تكبر وعندئذ يقول لأبيها ﴿إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مئونتها﴾ كما في الحديث الآتي:

أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما، مسندا ظهره إلى الكعبة، يقول: يا معاشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري.
وكان يحيي الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيكها مؤونتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت، قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤونتها.
ولقد جاء في أسباب النزول ما أخرجه الواحد وأبو الفرج أن الآية الشريفة من سورة الزمر التي تقول: ((والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد.
الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب)) [سورة الزمر أية 17 - 18]. نزلت في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يوحدون الله عز وجل وهم: 1 - زيد بن عمرو بن نفيل 2 - وأبو ذر الغفاري 3 - وسلمان الفارسي أولئك الذين هداهم الله بغير كتاب ولا نبي! هذا هو والد سعيد.. عرف ربه وملآ الإيمان قلبه.. فإذا شابه سعيد أباه وهداه الله.. وامتدت إلى النبي يداه وبشره النبي صلى الله عليه و سلم بالجنة فهل يكون ذلك عجيبا؟ وقد التقى زيد بن عمرو برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولكنه لم يدرك مبعثه إذ مات قبل ذلك، ولكن سعيدًا ابنه أدرك رسالة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وءامن به وكان من المبشرين العشرة.

- إسلام سعيدِ بن زيد - رضي الله عنه -:

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَانَ إِسْلَامُهُ قَدِيمًا قَبْلَ عُمَرَ وَبِسَبَبِ زَوْجَتِهِ كَانَ إِسْلَامُ عُمَرَ وَهَاجَرَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ وَتُوُفِّيَ بِالْعَقِيقِ فَحُمِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَدُفِنَ بِهَا سَنَةَ خَمْسِينَ، أَوِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَكَانَ يَوْمَ مَاتَ ابْنَ بِضْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
الولاية: كان سعيد بن زيد موصوفاً بالزهد محترماً عند الوُلاة، ولمّا فتح أبو عبيدة بن الجراح دمشق ولاّه إيّاها، ثم نهض مع مَنْ معه للجهاد، فكتب إليه سعيد: (أما بعد ، فإني ما كنت لأُوثرَك وأصحابك بالجهاد على نفسي وعلى ما يُدْنيني من مرضاة ربّي، وإذا جاءك كتابي فابعث إلى عملِكَ مَنْ هو أرغب إليه مني، فإني قادم عليك وشيكاً إن شاء الله والسلام.
البيعة:

كتب معاوية إلى مروان بالمدينة يبايع لإبنه يزيد، فقال رجل من أهل الشام لمروان: ما يحبسُك؟)... قال مروان: حتى يجيء سعيد بن زيد يبايع، فإنه سيد أهل البلد، إذا بايع بايع الناس... قال: (أفلا أذهب فآتيك به؟)... وجاء الشامي وسعيد مع أُبيّ في الدار، قال: (انطلق فبايع)... قال: (انطلق فسأجيء فأبايع)... فقال: لتنطلقنَّ أو لأضربنّ عنقك)... قال: (تضرب عنقي؟ فوالله إنك لتدعوني إلى قوم وأنا قاتلتهم على الإسلام.. فرجع إلى مروان فأخبره، فقال له مروان: (اسكت)... وماتت أم المؤمنين (أظنّها زينب) فأوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد، فقال الشامي لمروان: (ما يحبسُك أن تصلي على أم المؤمنين؟)... قال مروان: (أنتظر الذي أردت أن تضرب عنقه، فإنها أوصت أن يُصلي عليها)... فقال الشامي: (أستغفر الله... مناقب سعيد بن زيد - رضي الله عنه -:

لسَعِيدِ بْنِ زَيْدِ - رضي الله عنه - مناقب عظيمة وفضائل جسيمة وهاك غيضٌ من فيض ونقطةٌ من بحر مما ورد في ذلك جملةً وتفصيلاً: أولاً

مناقب سعيد ابن زيد - رضي الله عنه -

جملة ً:

(1) أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ومن السابقين الأولين البدريين:

(2) مستجاب الدعوة:

(3) شهادة النبي له بالشهادة: (4) إيثاره للخمول وإنكار الذات: (5) غضبه على من سب الصحابة: ثانياً مناقب سعيد ابن زيد - رضي الله عنه - تفصيلا ً: (1) أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ومن السابقين الأولين البدريين: (حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعليٌ في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعدُ ابن أبي وقاص في الجنة وسعيدُ ابن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة.
ومن أعظم مناقب سعيد بن زيد أنه من أهل بدر: أهل بدر: أهل بدر هم الذين قاتلوا في غزوة بدر من المسلمين، وعددهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا.
والفضيلة التي حصلت لهم أن الله اطلع عليهم وقال: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ومعناه أن ما يحصل منهم من المعاصي يغفره الله بسبب الحسنة الكبيرة التي نالوها في غزوة بدر، ويتضمن هذا بشارة بأنه لن يرتد أحد منهم عن الإسلام.

(حديث رفاعة بن رافع الزُرْقِي رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: جاء جبريل إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: (من أفضل المسلمين).
أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة.
(حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: بعثني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنا والزبير والمقداد، فقال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها).
فذهبنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإذا فيه: من حاطب ابن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين ممن بمكة، يخبرهم ببعض أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما هذا يا حاطب).
قال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امرأ من قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم، أن أصطنع إليهم يدا يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا، ولا ارتدادا عن ديني.
فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنه قد صدقكم).
فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال: (إنه شهد بدرا، وما يدريك؟ لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
مسألة: لماذا أخرج عمر - رضي الله عنه - سعيد بن زيد من أهل الشورى؟ قال الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء: قلت لم يكن سعيدا متأخرا عن رتبة أهل الشورى في السابقة والجلالة وإنما تركه عمر رضي الله عنه لئلا يبقى له فيه شائبة حظ لأنه ختنه وابن عمه ولو ذكره في أهل الشورى لقال الرافضي حابى ابن عمه فأخرج منها ولده وعصبته فكذلك فليكن العمل لله.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محارب بن دثار قال كتب معاوية إلى مروان والي المدينة ليبايع لابنه يزيد فقال رجل من جند الشام ما يحبسك قال حتى يجيء سعيد بن زيد فيبايع فإنه سيد أهل البلد وإذا بايع بايع الناس قال أفلا أذهب فآتيك به.

(2) مستجاب الدعوة:

كان -رضي الله عنه- مُجاب الدعوة، وقصته مشهورة مع أروى بنت أوس، فقد خاصمت أروى بنت أويس سعيد بن زيد رضي الله عنه عند مروان ابن الحكم أمير المدينة وادَّعت عليه أنه أخذ من أرضها، فقال: أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعته من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: وما سمعت من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "من أخذ شبراً من الأرض بغير حقه طُوِّقه إلى سبع أرضين" ثم قال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واجعل قبرها في دارها، قال: فرأيتها عمياء تتلمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد، فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها (1). وقال ابن أبي حازم في حديثه سألت أروى سعيدا أن يدعو لها وقالت قد ظلمتك فقال لا أرد على الله شيئا أعطانيه.

(3) شهادة النبي له بالشهادة:

(حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اثبت حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد، وعدهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وابن عوف وسعيد بن زيد.1

ومن مناقبه أيضًا إنكاره على الذين كانوا يسبّون الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ففي "حلية الأولياء" للحافظ أبي نُعَيم أن المغيرة بن شعبة كان في المسجد الأكبر وعنده أهل الكوفة عن يمينه وعن يساره، فجاء سعيد بن زيد رضي الله عنه فأجلسه على السرير، ثم جاء رجل من أهل الكوفة فسَبَّ، فقال سعيد بن زيد رضي الله عنه: من يسب هذا يا مغيرة؟ قال: يسب علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال سعيد رضي الله عنه: يا مغيرة بن شعبة أعادها ثلاثًا ألا أسمع أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَبّون عندك فلا تنكر ولا تغير وأنا أشهد على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما سمعت أذناي ووعاه قلبي من رسول الله، فإني لم أكن أروي عنه كذبًا يسألني عنه إذا لقيته، أنه قال: "أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعد في الجنة، وتاسع المؤمنين في الجنة"، قال فرَجّ أهل المسجد يناشدونه: يا صاحب رسول الله من التاسع؟ قال: ناشدتموني بالله، والله عظيم، أنا تاسع المؤمنين، ثم أتبع ذلك يمينًا فقال: لمشهَدٌ شَهِدَهُ رجل مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يغبر وجهه مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أفضل من عمل أحدكم ولو عُمّر عُمر نوح، فانظر بعين البصيرة كيف ضرب سعيدِ ابن زيد - رضي الله عنه - أروع المثل في توقير ورحمة جماعة المؤمنين، والذود عن كبار الصحابة رضوان الله عليهم، وحفظ حقوقهم.

(4) إيثاره للخمول وإنكار الذات:

... قال أبو نعيم في الحلية: رغب عن الولاية وتشمر في الرعاية! قمع نفسه وأخفى عن المنافسة في الدنيا شخصه! وبلغة العصر نقول: هو جندي مجهول!

(5) غضبه على من سب الصحابة:

أخرج أبو نعيم في الحلية عن رباح بن الحارث أن المغيرة رضي الله عنه كان في المسجد الأكبر وعنده أهل الكوفة عن يمينه وعن يساره، فجاء رجل يدعى سعيد بن زيد فحياه المغيرة وأجلسه عند رجليه على السرير، فجاء رجل من أهل الكوفة فاستقبل المغيرة فسب، فقال: من يسب هذا يا مغيرة؟ قال: سبَّ علي بن أبي طالب، فقال: يا مغيرة بن شعبة ـ ثلاثاً ـ ألا أسمع أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسبون عندك لا تنكر ولا تغيِّر وأنا أشهد على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما سمعت أذناني ووعاه قلبي من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فإني لم أكن أروي عنه كذباً يسألني عنه إذا لقيته ـ أنه قال: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، (وعبد الرحمن في الجنة)، وسعد بن مالك في الجنة" وتاسع المؤمنين في الجنة، ولو شئت أن أسميه لسميته، قال فرجَّ أهل المسجد يناشدونه: يا صاحب رسول الله من التاسع؟ قال: ناشدتموني بالله والله عظيم؛ أنا تاسع المؤمنين ورسول الله العاشر.
ثم أتبع ذلك يميناً فقال: لمشهد شهده رجل مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يغبر وجهه مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضل من عمل أحدكم ولو عُمِّر عمر نوح.
وعنده أيضاً عن عبد الله بن ظالم المازني قال: لما خرج معاوية رضي الله عنه من الكوفة استعمل المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، قال: فأقام خطباء يقعون في علي وأنا إلى جنب سعيد بن زيد.
قال: فغضب فقام فأخذ بيدي فتبعته، فقال: ألا ترى إلى هذا الرجل الظالم لنفسه الذي يأمر بلعن رجل من أهل الجنة فأشهد على التسعة أنهم في الجنة ولو شهدت على العاشر لم آثم.
وأخرجه أحمد وأبو نُعيم في المعرفة وابن عساكر عن رباح نحو ما تقدم؛ كما في منتخب الكنز.
وفاة سعيد بن زيد:

توفي رضي الله عنه بالعقيق، فحُمل إلى المدينة المنورة فدفن بها، وذلك سنة خمسين، وقيل إحدى وخمسين، وكان يومها ابن بضع وسبعين سنة.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عائشة بنت سعد قالت مات سعيد بن زيد بالعقيق فغسله سعد بن أبي وقاص وكفنه وخرج معه.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن مالك قال مات سعيد بن زيد وسعد بن أبي وقاص بالعقيق.

أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الواقدي توفي سعيد بن زيد سنة إحدى وخمسين وهو ابن بضع وسبعين سنة وقبر بالمدينة نزل في قبره سعد وابن عمر وكذا قال أبو عبيد ويحيى بن بكير وشهاب.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الزهري مات سنة اثنتين وخمسين رضي الله عنه.
قال الذهبي: مات سعيد بن زيد وكان يَذْرَب، فقالت أم سعيد لعبد الله بن عمر: أتُحَنطه بالمسك فقال: وأيُّ طيب أطيب من المسك، فناولته مسكًا.
والذَرَب هو داء يصيب المعدة فلا تهضم الطعام ولا تمسكه.
وقال ابن الجوزي في "صفة الصفوة": ونزل في حفرته سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر.
وصلى عليه المغيرة بن شُعبة وهو يومئذٍ والي الكوفة لمعاوية بن أبي سفيان.
رضي الله عنهم أجمعين-... ثانيا

ً: صورٌ مشرقة من زهد سعيدِ ابن زيد - رضي الله عنه -:

لقد فهم سعيد ابن زيد - رضي الله عنه - من خلال معايشته للقرآن الكريم، ومصاحبته للنبي الأمين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، وعليه فإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرر من سيطرة الدنيا بزخارفها، و زينتها، وبريقها، وطلقها ثلاثة ونفض يديه منها، وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهرا وباطنا، فكانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف، وقد وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق ما يلي: (1) اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل كما قال النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.
(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
(2) أن هذه الدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله تبارك وتعالى: (حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء.
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما.
(3) أن عمرها قد قارب على الانتهاء:

(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بعثت أنا والساعة كهاتين قال وضم السبابة والوسطى.
(4) أن الآخرة هى الباقية، وهى دار القرار: كما قال مؤمن آل فرعون: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر: 39، 40] كانت هذه الحقائق قد استقرت في قلب أبي بكر، فترِفَّع رضي الله عنه عن الدنيا وحطامها وزهد فيها، وهاك بعض صور زهده رضي الله عنه: كان سعيد بن زيد رضي الله عنه محبوباً من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وظل يجاهد معه عليه الصلاة والسلام حتى لحق النبي بالرفيق الأعلى فواصل جهاده مع الخلفاء الراشدين حتى وافته المنية في عهد معاوية بن أبي سفيان.
وفي عهد عمر بن الخطاب شهد موقعة اليرموك وفتح دمشق وأبلى في المعارك بلاءً حسناً.
وحين سأل عمر بن الخطاب أبا عبيدة بن الجراح عن أحواله بعث إليه بكتاب جاء فيه: أما عن أخويك سعيد بن زيد ومعاذ بن جبل فكما عهدت.
إلا أن السواد زادهما في الدنيا زهداً وفي الآخرة رغبة.
ويصف سعيد بن زيد معركة اليرموك قائلاً: لما كان يوم اليرموك كنا أربعة وعشرين ألفاً ونحواً من ذلك.
فخرجت لنا الروم بعشرين ومائة ألف.
وأقبلوا علينا بخطى ثقيلة كأنهم الجبال تحركها أيد خفية.
وسار أمامهم الأساقفة والبطاركة والقسيسون يحملون الصلبان وهم يجهرون بالصلوات فيرددها الجيش من ورائهم وله هزيم كهزيم الرعد.
فلما رآهم المسلمون على حالهم هذه هالتهم كثرتهم وخالط قلوبهم شيء من خوفهم.
عند ذلك قام أبو عبيدة فخطب في الناس وحثهم على القتال.
عند ذلك خرج رجل من صفوف المسلمين وقال لأبي عبيدة: إني أزمعت على أن أقضي أمري الساعة.
فهل لك من رسالة تبعث بها إلى رسول الله؟ فقال أبو عبيدة: نعم.
تقرئه مني ومن المسلمين السلام وتقول له: يا رسول الله إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً.

قال سعيد: فما إن سمعت كلامه ورأيته يمتشق حسامه ويمضي إلى لقاء أعداء الله حتى اقتحمت إلى الأرض وجثوت على ركبتي وأشرعت رمحي وطعنت أول فارس أقبل علينا.
ثم وثبت على العدو وقد انتزع الله كل ما في قلبي من الخوف.
فثار الناس في وجوه الروم، ومازالوا يقاتلونهم حتى كتب الله للمؤمنين النصر.
ولما دانت دمشق بالولاء للمسلمين جعل أبو عبيدة بن الجراح قائد جيوش المسلمين والياً عليها.
فكان أول من ولي إمرة دمشق من المسلمين.
غير أنه كان زاهداً في الحكم كما هو زاهد في المال.
فكتب إلى أبي عبيدة وهو في الأردن يعتذر عن عدم الاستمرار في المنصب ويطلب اللحاق به للجهاد.
فلما بلغ الكتاب أبا عبيدة استجاب لرغبته.
ومن صور زهده إيثاره للخمول وإنكار الذات: ... قال أبو نعيم في الحلية: رغب عن الولاية وتشمر في الرعاية! قمع نفسه وأخفى عن المنافسة في الدنيا شخصه! وبلغة العصر نقول: هو جندي مجهول!

سيرة أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - و صورٌ من زهده:

وسوف نتناول شيئين أساسيين في هذه السيرة العطرة وهما: أولاً: لمحات من سيرة أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه -: ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه -: وهاك تفصيل ذلك: أولاً: لمحات من سيرة أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه -:

قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:

الأمين الرشيد، والعامل الزهيد، أمين الأمة أبو عبيدة.
كان للأجانب من المؤمنين وديداً، وعلى الأقارب من المشركين شديدا، فيه نزلت: (لاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدّونَ مَنْ حَآدّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوَاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلََئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلاَ إِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [المجادلة: 22].
صبر على الاقتصار على القليل، إلى أن حان منه النقلة والرحيل.
وقال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء:

عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان القرشي الفهري المكي أحد السابقين الأولين ومن عزم الصديق على توليته الخلافة وأشار به يوم السقيفة لكمال أهليته عند أبي بكر يجتمع في النسب هو والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في فهر، شهد له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالجنة وَسَمَّاه أمين الأمة ومناقبه شهيرة جمة روى أحاديث معدودة وغزا غزوات مشهودة حدث عنه العرباض بن سارية وجابر بن عبد الله وأبو أمامة الباهلي وسمرة بن جندب وأسلم مولى عمر وعبد الرحمن بن غنم وآخرون.
اسم أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - ونسبه:

أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة، عامر بن عبد الله بن الجراح القرشي الفهري المكي، أحد السابقين الأولين ومن عزم الصدِّيق على توليته الخلافة وأشار به يوم السقيفة لكمال أهليته عند أبي بكر لأن أبا بكر في السقيفة قال " وأرضى لكم أحد الرجلين" - يقصد بذلك عمر أو أبو عبيدة بن الجراح -. يجتمع أبو عبيدة في النسب مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في فهر، وشهد له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالجنة وسماه أمين الأمة.
ومناقبه شهيرة جمة، روى أحاديث معدودة وغزا غزوات مشهودة.
إسلام أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه -:

أبو عبيدة ابن الجراح من السابقين إلى الإسلام فقد أسلم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الأيام الأولى للإسلام، قبل أن يدخل الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دار الرقم، فعن يزيد بن الرومان قال: ﴿انطلق بن مظعون وعبيدة بن الحارث وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد وأبو عبيدة بن الجراح حتى أتوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعرض عليهم الإسلام وأنبأهم بشرائعه فأسلموا في ساعة واحدة وذلك قبل دخول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دار الأرقم﴾، فكان من السابقين إلى الإسلام وهاجر إلى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم عاد منها ليقف إلى جوار رسوله في بدر، وأحد، وبقيّة المشاهد جميعها، ثم ليواصل سيره القوي الأمين بعد وفاة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صحبة خليفته أبي بكر، ثم في صحبة أمير المؤمنين عمر، نابذا الدنيا وراء ظهره مستقبلا تبعات دينه في زهد، وتقوى، وصمود وأمانة.

  • مناقب أبي عبيدة ابن الجراح:

لأبي عبيدة ابن الجراح - رضي الله عنه - مناقب عظيمة وفضائل جسيمة وهاك غيضٌ من فيض ونقطةٌ من بحر مما ورد في ذلك جملةً وتفصيلاً: أولاً

مناقب أبي عبيدة ابن الجراح - رضي الله عنه -

جملة ً:

(1) أبو عبيدة أمين هذه الأمة:

(2) أبو عبيدة من أحب الناس للنبي -

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (3) مكانته بين الصحابة: (4) تواضع أبي عبيدة: (5) إيثاره الخمول وإنكار الذات: (6) ومن مناقبه - رضي الله عنه - أنه كان رجلا حسن الخلق لين الشيمة ينئ بنفسه عن الخلاف وَيُغَلِّب المصلحة الراجحة التي تجمع كلمة المسلمين وتنئ بهم عن الخلاف والشقاق: (7) إنفاقه في سبيل الله تعالى: (8) خوف أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه وبكاؤه على بسط الدنيا: ثانياً مناقب أبي عبيدة ابن الجراح - رضي الله عنه - تفصيلا ً: (1) أبو عبيدة أمين هذه الأمة: (حديث حذيفة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال جاء أهل نجران إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا يا رسول الله ابعث إلينا رجلا أمينا فقال لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق، أمين حق أمين قال فاستشرف لها الناس قال فبعث أبا عبيدة بن الجراح.
فاستشرف لها الناس: تطَّلع لها الناس وتمنى كل منهم لو يكون هو الذي يقع اختيار الرسول عليه، فتصير هذه الشهادة الصادقة من حظه ونصيبه.. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " ما أحببت الإمارة قط، حبّي إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجّرا، فلما صلى بنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظهر، سلم، ثم نظر عن يمينه، وعن يساره، فجعلت أتطاول له ليراني.. فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجرّاح، فدعاه، فقال: أخرج معهم، فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه.. فذهب بها أبا عبيدة؟.. !! (حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح:

والأمين هو الثقة الرضي وهذه الصفة وان كانت مشتركة بينه وبين غيره لكن السياق يشعر بأن له مزيدا في ذلك لكن خص النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كل واحد من الكبار بفضيلة ووصفه بها فأشعر بقدر زائد فيها على غيره كالحياء لعثمان والقضاء لعلي ونحو ذلك تنبيه اورد الترمذي وابن حبان هذا الحديث من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء بهذا الإسناد مطولا وأوله ارحم أمتي بامتي أبو بكر واشدهم في أمر الله عمر واصدقهم حياء عثمان وأقرأهم لكتاب الله أبي وافرضهم زيد واعلمهم بالحلال والحرام معاذ الا وان لكل امة أمينا الحديث وإسناده صحيح الا ان الحفاظ قالوا ان الصواب في أوله الإرسال والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري والله اعلم قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: الأمين فهو الثقة المرضي، قال العلماء: والأمانة مشتركة بينه وبين غيره من الصحابة لكن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خص بعضهم بصفات غلبت عليهم وكانوا بها أخص.
(حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقضاهم علي بن أبي طالب وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت ألا وإن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.

(2) أبو عبيدة من أحب الناس للنبي -

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

(حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ أَيُّ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ قَالَتْ أَبُو بَكْرٍ قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَتْ ثُمَّ عُمَرُ قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَتْ ثُمَّ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ قُلْتُ ثُمَّ مَنْ فَسَكَتَتْ.
(حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو بَكْرٍ نِعْمَ الرَّجُلُ عُمَرُ نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ.
وقد استعمل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا عبيدة غير مرة منها المرة التي جاع فيها عسكره وكانوا ثلاثمائة وألقى لهم البحر الحوت الذي يُقال له العنبر: كما في الحديث الآتي:

(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: غزونا جيش الخَبَطِ، وأميرنا أبو عبيدة، فجعنا جوعاً شديداً، فألقى البحر حوتاً ميتاً لم يُرَ مثله، يقال له العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظماً من عظامه، فمر الراكب تحته.

(3) مكانته بين الصحابة:

كان لأبي عبيدة مكانة عظيمة عند الصحابة - رضي الله عنهم - فكانوا يُجلونه ويقدرونه أيما تقدير لشهادة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له أنه أمين هذه الأمة وهاك غيضٌ من فيض وقليلٌ من كثير مما ورد في ذلك: قال الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء: ولما تفرغ الصديق من حرب أهل الردة وحرب مسيلمة الكذاب جهز أمراء الأجناد لفتح الشام، فبعث أبا عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة فتمت وقعة أجنادين بقرب الرملة ونصر الله المؤمنين فجاءت البشرى والصديق في مرض الموت، ثم كانت وقعة فِحْل ووقعة مرج الصُّفَّر وكان قد سير أبو بكر خالدا لغزو العراق ثم بعث إليه لجند الشام، فقطع المفاوز حتى برية السماوة، فأمَّره الصديق على الأمراء كلهم وحاصروا دمشق وتُوفي أبو بكر، فبادر عمر بعزل خالد، - وهذا الذي تبناه عمر دائماً أنه يعزل خالد بن الوليد ولكنه عاتب نفسه بعد ذلك حتى أنه بكى وقال رحم الله أبا بكر كان يعرف الرجال عني -، واستعمل على الكل أبا عبيدة فجاءه التقليد فكتمه مدة وكل هذا من دينه وحلمه - يعني عمر بن الخطاب عزل خالد وأمَّر أبا عبيدة ولكن أبو عبيدة حتى لا يفشل الجند وحتى لا تكون المسألة هوى في نفسه وأنه الأمير ويأتمرون بأمره ترك الكتاب جانبا نحا الكتاب جانبا وجعل الإمارة كما هي حتى انتهت المعركة فأبلغ خالد بما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -. فكتم هذا الكتاب وكل هذا من دينه ولينه وحلمه وتواضعه وزهده وايثاره الخمول وإنكار الذات، فكان فتح دمشق على يده فعند ذلك أظهر التقليد ليعقد الصلح للروم ففتحوا له باب الجابية صلحا، وإذا بخالد قد افتتح البلد عنوة من الباب الشرقي فأمضى لهم أبو عبيدة الصلح فعن المغيرة أن أبا عبيدة صالحهم على أنصاف كنائسهم ومنازلهم، ثم كان أبو عبيدة رأس الإسلام يوم وقعة اليرموك، التي استأصل الله فيها جيوش الروم، وقُتِلَ منهم خلق عظيم.
وتُوفي أبو عبيدة رضي الله عنه وأرضاه ونسأل الله جل في علاه أن يجمعنا به في جنات ونهر في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.

وذات يوم، وأمير المؤمنين عمر الفاروق يعالج في المدينة شئون عالمه المسلم الواسع، جاءه الناعي، أن قد مات أبو عبيدة.. وأسبل الفاروق جفنيه على عينين غصّتا بالدموع.. وغاض الدمع، ففتح عينيه في استسلام.. ورحّم على صاحبه، واستعاد ذكرياته معه رضي الله عنه في حنان صابر.. وأعاد مقالته عنه: " لو كنت متمنيّا، ما تمنيّت إلا بيتا مملوءا برجال من أمثال أبي عبيدة".. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه في مرض موته: لو كان أبو عبيدة حيا لوليته عليكم أو لاستخلفته عليكم فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة هو أبو عبيدة بن الجراح.
وقال أيضاً وهو يجود بأنفاسه: " لو كان أبو عبيدة بن الجرّاح حيا لاستخلفته فان سألني ربي عنه قلت: استخلفت أمين الله، وأمين رسوله".. ؟؟ قال بن المبارك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: بلغ عمر أن أبا عبيدة حُصِرَ في الشام ونال منه العدو فكتب إليه عمر: أما بعد فإنه ما نزل بعبد مؤمن شدة إلا جعل الله بعدها فرجاً وإنه لا يغلب عسر يسرين يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا)، قال فكتب إليه أبو عبيدة: أما بعد فإن الله يقول (اعْلَمُوَاْ أَنّمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَبَاتُهُ ثُمّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الاَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مّنَ اللّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَآ إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) [الحديد: 20] قال فخرج عمر بكتابه فقرأه على المنبر فقال يا أهل المدينة إنما يُعرِّض بكم أبو عبيدة أو بي، راغبوا في الجهاد.
كأنه يبين أن هذه الدنيا التي تمسكتم بها هي زائلة انفروا ثبات أو انفروا جميعا انفروا أو استحقوا العذاب، فلذلك عمر بن الخطاب يأخذ منه هذا " إنما الحياة الدنيا لعب ولهو " فقال إما يُعرِّض بي أو يُعرِّض بكم اخرجوا إلى الجهاد.

أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن طارق أن عمر كتب إلى أبي عبيدة في الطاعون إنه قد عرضت لي حاجة ولا غنى بي عنك فيها فعجل إلي فلما قرأ الكتاب قال عرفت حاجة أمير المؤمنين إنه يريد أن يستبقي من ليس بباق فكتب إني قد عرفت حاجتك فحللني من عزيمتك فإني في جند من أجناد المسلمين لا أرغب بنفسي عنهم فلما قرأ عمر الكتاب بكى فقيل له مات أبو عبيدة قال لا وكأن قد قال فتوفي أبو عبيدة وانكشف الطاعون قال أبو الموجه محمد بن عمرو المروزي زعموا أن أبا عبيدة كان في ستة وثلاثين ألفا من الجند فلم يبق منهم إلا ستة آلاف رجل.
سبحان الله - هو عمر كان يحب جداً أبا عبيدة بن الجراح وكان يرى فيه أمانة الأمة كلها مجتمعة في هذا الرجل فلما علم أن الطاعون نزل بأرض الشام علم أنه لابد أن يهلك والأمة تحتاج لمثله فانظروا إلى فقه عمر ثم انظروا إلى ما أروع من ذلك فقه أبي عبيدة بن الجراح، عمر بن الخطاب لما علم أن الطاعون قد نزل في الأرض التي فيها أبو عبيدة قال: إني قد عرضت لي حاجة ولا غنى بي عنك - يعني أريدك أن تأتي حتى يُنقذه الله من الطاعون - وهذا كان خلاف السنة كما في الحديث الآتي: (حديث أسامة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الطاعون رجس، أرسل على طائفة من بني إسرائيل، أو: على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه).
فلما قرأ هذا الكتاب قال: عرفت حاجة أمير المؤمنين إنه يريد أن يستبقي من ليس بباقٍ، فكتب: إني قد عرفت حاجتك فحلّلِني من عزيمتك - يعني أنا في حلٍّ من أمرك - فإني في جند من أجناد المسلمين لن أرغب بنفسي عنهم، فلما قرأ عمر الكتاب بكى فقيل له مات أبو عبيدة؟ قال: لا وكأن قد، قال فتُوفي أبو عبيدة وانكشف الطاعون.
قال عمر لبعض جلسائه تمنوا فتمنوا كل واحد أمنية - وانظروا كيف تمنى عمر بن الخطاب ما يتمنى لنفسه ولا لشخصه يتمنى لله يتمنى لنفع هذه الأمة - قال: تمنوا، فتمنوا، فقال عمر: لكني أتمنى بيتاً ممتلئاً رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح.
الأمة كلها تفوز وتنتصر بمثل وجود أبي عبيدة بن الجراح.
وكان أبو بكر رضي الله وأرضاه أمَّر أبا عبيدة بيت المال لأمانته ولقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمين هذه الأمة هو أبو عبيدة بن الجراح.

قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: أخلائي من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثة أبو بكر وعمر وأبو عبيدة.

(4) تواضع أبي عبيدة:

أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عمران بن نمران أن أبا عبيدة كان يسير في العسكر فيقول ألا رب مبيض لثيابه مدنس لدينه ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين بادروا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات وقال ثابت البناني قال أبو عبيدة يا أيها الناس إني امرؤ من قريش وما منكم من أحمر ولا أسود يفضلني بتقوى الا وددت أني في مسلاخه.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن قتادة قال أبو عبيدة بن الجراح وددت أني كنت كبشا فيذبحني أهلي فيأكلون لحمي ويحسون مرقي وقال عمران بن حصين وددت أني رماد تسفيني الريح.

(5) إيثاره الخمول وإنكار الذات:

لما تفرغ الصديق من حرب أهل الردة وحرب مسيلمة الكذاب جهز أمراء الأجناد لفتح الشام، فبعث أبا عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة فتمت وقعة أجنادين بقرب الرملة ونصر الله المؤمنين فجاءت البشرى والصديق في مرض الموت، ثم كانت وقعة فِحْل ووقعة مرج الصُّفَّر وكان قد سير أبو بكر خالدا لغزو العراق ثم بعث إليه لجند الشام، فقطع المفاوز حتى برية السماوة، فأمَّره الصديق على الأمراء كلهم وحاصروا دمشق وتُوفي أبو بكر، فبادر عمر بعزل خالد، - وهذا الذي تبناه عمر دائماً أنه يعزل خالد بن الوليد ولكنه عاتب نفسه بعد ذلك حتى أنه بكى وقال رحم الله أبا بكر كان يعرف الرجال عني -، واستعمل على الكل أبا عبيدة فجاءه التقليد فكتمه مدة وكل هذا من دينه وحلمه - يعني عمر بن الخطاب عزل خالد وأمَّر أبا عبيدة ولكن أبو عبيدة حتى لا يفشل الجند وحتى لا تكون المسألة هوى في نفسه وأنه الأمير ويأتمرون بأمره ترك الكتاب جانبا نحا الكتاب جانبا وجعل الإمارة كما هي حتى انتهت المعركة فأبلغ خالد بما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -. فكتم هذا الكتاب وكل هذا من دينه ولينه وحلمه وتواضعه وزهده وايثاره الخمول وإنكار الذات.

(6) ومن مناقبه - رضي الله عنه - أنه كان رجلا حسن الخلق لين الشيمة ينئ بنفسه عن الخلاف وَيُغَلِّب المصلحة الراجحة التي تجمع كلمة المسلمين وتنئ بهم عن الخلاف والشقاق:

قال موسى بن عقبة في مغازيه غزوة عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل - وهذه كانت بعد إسلام عمرو بن العاص بأشهر قليلة وقد أمَّره الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على جيش أو على سرية ثم طلب عمرو بن العاص من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مدد فبعث إليه - ليأتي الغزوة التي كانت في مشارق الشام - خاف عمرو من جانبه ذلك فاستمد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فانتدب رسول الله أبا بكر وعمر وثلة من المهاجرين، فأمَّر نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليهم أبا عبيدة بن الجراح - أبو عبيدة كان أميراً على أبي بكر وعمر - فلما قدموا - كان يحذر الاختلاف متأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما في الحديث الآتي: (حديث ابن مسعود في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تختلفوا فإنه من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا.
أي لابد أن تجتمعوا على كلمة واحدة ولا تختلفوا، فلما قدموا على عمرو بن عاص قال أنا أميركم، فقال المهاجرون بل أنت أمير أصحابك وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال عمرو بن العاص إنما أنتم مدد أُمددت بكم، فلما رأى ذلك أبو عبيدة كأنه تذكر قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث السابق (لا تختلفوا فإنه من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) وهو الذي يسمع لرسول الله ويطيع، فلما رأى أبو عبيدة بن الجراح ذلك وكان رجلا حسن الخلق لين الشيمة مستمع لأمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعهده سَلَّمَ الإمارة لعمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين، وهذا الذي جعل عمرو بن العاص يقول: أنا في جيش فيه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وأنا أمير عليهم بخ بخ فإني لذو مكانة عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولذلك ذهب إلى رسول الله فقال له يا رسول الله إني سائلك، قال: سل، قال: من أحب الناس إليكِ؟ - هو يتوقع أن يقول عمرو بن العاص لأنه أمَّرة على أبي بكر وعلى عمر وعلى أبي عبيدة بن الجراح أكارم و أماجد وأفاضل الصحابة - فقال: عائشة، فقال: لست على النساء أسأل عن الرجال أسأل؟ فقال: أبو بكر أو قال أبوها، فقال: ثم من؟ قال: عمر، قال لعلي الثالث، قال: ثم من؟، قال: عثمان وفي رواية قال أبو عبيدة بن الجراح فسكت عمرو بن العاص.

(7) إنفاقه في سبيل الله تعالى:

أخرج الطبراني في الكبير عن مالك الدار رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة، فقال للغلام: إذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تَلَهَّ في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع؟ فذهب بها الغلام إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: إجعل هذه في بعض حاجتك، فقال وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالَي يا جارية، إذهبي بهذه السبعة إِلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى أنفدها.
ورجع الغلام إلى عمر فأخبره فوجده قد أعدّ مثلها لمعاذ بن جبل رضي الله عنه، فقال: إذهب بها إلى معاذ بن جبل وتَلَهَّ في البيت حتى تنظر ما يصنع؟ فذهب بها إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: إجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: رحمه الله ووصله، تعالَي يا جارية، إذهبي إلى بيت فلان بكذا، إذهبي إلى بيت فلان بكذا، فاطَّلعت إمرأة معاذ وقالت: ونحن ـ والله ـ مساكين فأَعطِنا، فلم يبقَ في الخرقة إلا ديناران، فدحى بهما إليها؛ ورجع الغلام إلى عمر فأخبره فسر بذلك فقال إنهم إخوة بعضهم من بعض.
ورواته إلى مالك الدار ثقات مشهورون، ومالك الدار لا أعرفه؛ كذا في الترغيب.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير، ومالك الدار لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
انتهى.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن مالك أن عمر أرسل إلى أبي عبيدة بأربعة آلاف أو بأربع مئة دينار وقال للرسول انظر ما يصنع بها قال فقسمها أبو عبيدة ثم أرسل إلى معاذ بمثلها قال فقسمها الا شيئا قالت له امرأته نحتاج إليه فلما أخبر الرسول عمر قال الحمد لله الذي جعل في الإسلام من يصنع هذا.

(8) خوف أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه وبكاؤه على بسط الدنيا:

أخرج أحمد عن أبي حَسَنة مسلمِ بن أكْيَس مولى عبد الله بن عامر عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: ذَكَر من دخل عليه فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك يا أبا عبيدة؟ قال: نبكي أنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر يوماً ما يفتح الله على المسلمين ويفيء عليهم حتى ذكر الشام، فقال: "إن يُنسأ في أجلك يا أبا عبيدة فحسبك من الخدم ثلاثة: خادم يخدمك، وخادم يسافر معك، وخادم يخدم أهلك ويرد عليه.
وحسبك من الدواب ثلاثة: دابة لرَحْلك، ودابة لنقلك، ودابة لغلامك"؛ ثم هذا أنا أنظر إلى بيتي قد امتلأ رقيقاً، وانظر إلى مربطي قد امتلأ رقيقاً، وانظر إلى مربطي قد امتلأ دوابَّ وخيلاً، فكيف ألقى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد هذا؟ وقد أوصانا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إنَّ أحبكم إليَّ وأقربكم مني من لقيني على مثل الحال الذي فارقني عليها".
قال الهيثمي رواه أحمد وفيه راوٍ لم يُسمَّ وبقية رجاله ثقات.
انتهى.
وأخرجه ابن عساكر نحوه، كما في المنتخب.
وصية أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه للمسلمين عند وفاته بالأردن: عن سعيد بن المسيِّب قال: لما طُعِن أبو عبيدة رضي الله عنه بالأردن دعا من حضره من المسلمين وقال: "إنِّي موصيكم بوصية إن قبلتموها لن تزالوا بخير: أقيموا الصلاة، وصوموا شهر رمضان، وتصدَّقوا، وحجُّوا، واعتمروا، وتواصَوا، وانصحوا لأمرائكم ولا تَغَشوهم؛ ولا تلهكمم الدنيا، فإنَّ أمرأ لو عُمِّر ألف حول ما كان له بدٌّ من أن يصير إلى مصرعي هذا الذي ترون، إن الله تعالى كتب الموت على بني آدم فهم ميتون، فأكْيَسهم أطوعهم لربه، وأعملهم ليوم معاده.
والسلام عليكم ورحمة الله.
يا معاذ بن جبل صلِّ بالناس".
ومات رحمه الله.
فقام معاذ رضي الله عنه في الناس فقال: "أيها الناس، توبوا إلى الله من ذنوبكم، فأيُّما عبدٍ يلقى الله تعالى تائباً من ذنبه إلا كان على الله حقاً أن يغفر له.
من كان عليه دَيْن فليقضِه، فإنَّ العبد مُرْتَهنٌ بدَيْنه.
ومن أصبح منكم مهاجراً أخاه فليلقه فليصالحه، ولا ينبغي لمسلم أن يهجر أخاه أكثر من ثلاثة أيام.
أيها المسلمون، قد فُجعتم برجل ما أزعم أني رأيت بعداً أبرَّ صدراً لا أبعد من الغائلة ولا أشد حباً للعامة ولا أنصح منه.
فترحَّموا عليه.
واحضروا الصلاة عليه".
كذا في الرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري.
وفاة أبي عبيدة - رضي الله عنه -:

جارٍ التحميل