مقدمة في فضل علم الآداب:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
(أورد أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة عن ابن مسعود قال: «كنا إذا فقدنا الأخ أتيناه، فإن كان مريضا كان عيادة، وإن كان مشغولا كان عونا، وإن كان غير ذلك كان زيارة» (2) لا يؤم الزائر صاحب البيت ولا يجلس على فراشه إلا بإذنه:
وذلك لأن الرجل في بيته أحق من غيره، فكانت إمامة الصلاة، والجلوس على فراشه المعد له، لا يكون إلا بإذنه، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث أبي مسعود الأنصاري الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ (1) إِلَّا بِإِذْنِهِ.
[وفي رواية: إلا أن يأذن لك أو بإذنه]) (2).
(قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:
معناه... أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره، وإن كان ذلك الغير أفقه وأقرأ وأورع وأفضل منه، وصاحب المكان أحق فإن شاء تقدم وإن شاء قدم من يريده، وإن كان الذي يقدمه مفضولاً بالنسبة إلى باقي الحاضرين لأنه سلطانه فيتصرف فيه كيف شاء (3).
(3) إغباب الزيارة:
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: زُر غِباً تزدد حُباً)
أما الصديق الملاطف فيستثنى من ذلك، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (1).التكرمة: الفراش ونحوه مما يبسط لصاحب المنزل ويخص به.
(النووي/ شرح مسلم/المجلد الثالث 5/ 143 / ح673)
(2). رواه مسلم (673) واللفظ له، أحمد، أبو داود (582)، الترمذي (235)، النسائي (780)، ابن ماجه (980). ومابين المعقوفتين روايات عند مسلم.
(3).النووي بشرح مسلم (المجلد الثالث / 5/ 142) (ح673)
((حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الثابت في صحيح البخاري) قَالَتْ: لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيْ النَّهَارِ فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ.
قال ابن بطال: الصديق الملاطف لا يزيده كثرة الزيارات إلا محبة، بخلاف غيره (1).
(أورد ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية عن ابن عبد البر قال:
أزور خليلي ما بدالي هَشُّهُ... وقابلني منه البشاشةُ والبشرُ
فإن لم يكن هشٌ وبشٌ تركتُهُ... ولو كان في اللقيا الولايةُ والبشرُ (2)
(... آداب الضيافة:
(آداب الضيافة:
(لآداب الضيافة آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهاك آداب الضيافة جملةً وتفصيلا: (أولاً آداب الضيافة جملةً: (1) إجابة الدعوة: (2) إكرام الضيف واجب: (3) استحباب الترحيب بالضيوف: (4) ماذا يقول الضيف إذا تبعه من لم يُدعى: (5) لا ينبغي التكلف للضيف كثيراً بحيث يخرج عن حده المعقول: (6) الدخول بإذن والانصراف بعد الفراغ من الطعام: (7) تقديم الأكبر فالأكبر، وتقديم الأيمن فالأيمن: (8) دعاء الضيف لمن استضافه بعد الفراغ من الطعام: (9) استحباب الخروج مع الضيف إلى باب الدار: (10) إكرام كريم القوم: (ثانيا آداب الضيافة تفصيلا: (1) إجابة الدعوة:
قد جاءت أحاديث كثيرة في إيجاب إجابة الدعوة، منها ما يلي:
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ رَدُّ السَّلَامِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ.
(1). الفتح (10/ 515) (ح6079)
(2). الآداب الشرعية (3/ 524)
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: حق المسلم على المسلم ست قيل ما هن يا رسول الله قال إذا لقيته فسلم عليه وإذا دعاك فأجبه وإذا استنصحك فانصح له وإذا عطس فحمد الله فشمته وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه.
((حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليأكل و إن كان صائما فليدع بالبركة.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها.
((حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أجيبوا الداعي ولا تردوا الهدية ولا تضربوا المسلمين.
(وجمهور أهل العلم على أن إجابة الدعوة مستحبة إلا دعوة العرس فإنها واجبة عندهم بدلالة الحديث الآتي:
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
(ولكن اشترط بعض أهل العلم شروطاً لحضور هذه مثل الدعوات، ساقها الشيخ محمد ابن صالح العثيمين فقال:
أ- أن يكون الداعي ممن لا يجب هجره أو يسن.
ب- ألا يكون هناك منكر في مكان الدعوة، فإن كان هناك منكر فإن أمكنه إزالته وجب عليه الحضور لسببين: إجابة الدعوة، وتغيير المنكر.
وإن كان لا يمكنه إزالته حرم عليه الحضور.
ت- أن يكون الداعي مسلماً، وإلا لم تجب الإجابة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم (حق المسلم على المسلم ست... ) وذكر منها (إذا دعاك فأجبه).
ث- أن لا يكون كسبه حراماً؛ لأن إجابته تستلزم أن تأكل طعاماً حراماً وهذا لا يجوز، وبه قال بعض أهل العلم.
وقال آخرون: ما كان محرماً لكسبه فإنما إثمه على الكاسب لا على من أخذه بطريق مباح من الكاسب، بخلاف ما كان محرماً لعينه كالخمر والمغصوب ونحوهما وهذا القول وجيه [ثم ساق الأدلة].
ج- أن لا تتضمن الإجابة إسقاط واجب أو ما هو أوجب منها، فإن تضمن ذلك حرمت الإجابة.
ح- أن لا تتضمن ضرراً على المجيب، مثل: أن يحتاج إلى سفر أو مفارقة أهله المحتاجين إلى وجوده بينهم (1). (1). القول المفيد على كتاب التوحيد (3/ 111 - 113) بتصرف يسير جداً.
(ونزيد أيضاً:
خ- أن لا يعين الداعي المدعو ولا يخصه بالدعوة، فإن لم يعينه كأن يتكلم الداعي في مجلس عام، فلا تجب حينئذٍ هذه الدعوة، لأنها دعوة الجَفَلَى (1).
مسألة: هل بطاقات الدعوة التي توزع كالدعوة بالمشافهة؟
الجواب: البطاقات [التي] ترسل إلى الناس ولا يدرى لمن ذهبت إليه فيمن أن نقول إنها تُشبه دعوة الجَفَلَى فلا تجب الإجابة، أما إذا علم أو غلب على الظن أن الذي أرسلت إليه مقصود بعينه فإنه لها حكم الدعوة بالمشافهة.
قاله ابن عثيمين (2).
﴿فائدة﴾: (الصيام لا يمنع من إجابة الدعوة.
فمن دُعي وهو صائم فليجب الدعوة وليدعو لهم بالمغفرة والبركة، سواءٌ كان صومه فرضاً أم نفلاً، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا دُعيَ أحدكم إلى طعامٍ وهو صائم، فليقل إني صائم)
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ.
((حديث أم هانئ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (الصائمُ المتطوع أمينُ نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر)
((حديث أم هانئ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (الصائمُ المتطوع أميرُ نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر)
((حديث عائشة الثابت في صحيح مسلم) قالت: يا رسول الله أهدى لنا حيسٌ فقال: أرينه فلقد أصبحتُ صائماً فأكل)
(قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:
وأما الصائم فلا خلاف أنه لا يجب عليه الأكل، لكن إن كان صومه فرضاً لم يجز له الأكل لأن الفرض لا يجوز الخروج منه، وإن كان نفلاً جاز له الفطر وتركه، فإن كان يشق على صاحب الطعام صومه فالأفضل الفطر وإلا فإتمام الصوم والله أعلم (3).
(2) إكرام الضيف واجب: (1). في لسان العرب: ودعاهم الجفلى والأجفلى، وهو أن تدعو الناس إلى طعامك عامة، قال طرفة:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى... لا ترى الآدب فينا ينتقر
قال الأخفش: دعي فلان في النَّقرى لا في الجفلى والأجفلى أي دُعي في الخاصة لا في العامة.
(11/ 114) مادة (جفل).
(2).القول المفيد على كتاب التوحيد (3/ 113)
(3).شرح مسلم المجلد الخامس (9/ 197 - 198)
إكرام الضيف واجب، وتأمل في النصوص الآتية بعين البصيرة
قال تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مّنكَرُونَ فَرَاغَ إِلَىَ أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ) [الذاريات: 24:27]
((حديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الثابت في الصحيحين) قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلَا يَقْرُونَنَا فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ.
((حديث أبي شريح الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائزته (1) يومٌ وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوِي عنده حتى يُحْرِجه.
(ذكر النووي الإجماع على الضيافة وأنها من متأكدات الإسلام (2). ثم بين خلاف العلماء في وجوبها وسنيتها، فمالك والشافعي وأبو حنيفة يرون أنها سنة وليست بواجبة وحملوا الأحاديث على أشباهها من الأحاديث الأخرى كحديث غسل الجمعة واجب على كل محتلم وغيره.
وقال الليث وأحمد بوجوب الضيافة يوماً وليلة، وقيد أحمد ذلك على أهل القرى والبادية دون المدن.
(1). قال ابن الجوزي: الجائزة: العطية.
وجوائز السلطان عطاياه.
والمراد بالجائزة هنا ما يجوز به مسافة يوم وليلة.
(كشف المشكل من حديث الصحيحين (4/ 86) -الطبعة الأولى -دار الوطن، لعام 1418هـ)
(2). انظر شرح مسلم المجلد السادس (12/ 26)
﴿فائدة﴾: (في الحديث النهي عن بقاء الضيف أكثر من ثلاثة أيام، حتى لا يوقع من استضافه في الإثم إما بالظن به ما لا يجوز، أو اغتيابه، أو نحو ذلك.
قال الخطابي: لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد ثلاثة أيام من غير استدعاء حتى يضيق صدره فيبطل أجره (1). وقال ابن الجوزي عند قوله (حتى يؤثمه): وذلك أنه إذا لم يكن له ما يقريه به تسخط بإقامته، وربما ذكره بقبيح، وربما أثم في كسب ما ينفقه عليه (2). ولكن يستثنى من ذلك إذا علم الضيف أن من ضيفه لا يكره ذلك، أو أنه طلب منه المكوث أكثر من ذلك.
أما إذا شك الضيف في حال المضيف فالأولى له أن لا يبقى بعد الثلاث.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن نافع بن أبي نعيم قال: قال رجل ممن قد أدرك الجاهلية قدمت المدينة فإذا مناد ينادي من أراد الشحم واللحم فليأت دار دليم وهو جد سعد ابن عبادة بن دليم سيد الخزرج ثم ضرب الزمان من ضربه فقدمت المدينه فإذا مناد ينادي من أراد الشحم واللحم فليأت دار عبادة ثم ضرب الزمان من ضربه فقدمتها فإذا مناد ينادي من أراد الشحم واللحم فليأت دار سعد.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن الحسن بن عيسى بن ماسرجس قال صحبت ابن المبارك من خراسان إلى بغداد فما رأيته أكل وحده.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن هشام بن عروة عن أبيه قال كان من دعاء قيس ابن سعد بن عبادة اللهم ارزقني مالا وفعالا فإنه لا يصلح الفعال إلا المال.
(3) استحباب الترحيب بالضيوف:
قال تعالى: (وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىَ قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) [سورة: هود - الآية: 69]
الشاهد: قوله تعالى [فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ]
قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره:
قوله تعالى: [فما لبث أن جاء] التقدير: فما لبث عن أن جاء، أي ما أبطأ عن مجيئه بعجل
[بِعِجْلٍ حَنِيذٍ] أي مشوي، وقال رحمه الله تعالى: في هذه الآية من أدب الضيف أن يعجل قراه، فيقدم الموجود الميسر في الحال، ثم يتبعه بغيره إن كان له جدة، ولا يتكلف ما يضر به.
والضيافة من مكارم الأخلاق، ومن آداب الإسلام، ومن خلق النبيين والصالحين.
وإبراهيم أول من أضاف الضيف.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (1). غذاء الألباب للسفاريني (2/ 159)
(2).كشف المشكل من حديث الصحيحين (4/ 88)
((حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ الْوَفْدُ قَالُوا رَبِيعَةُ قَالَ مَرْحَبًا (1) بِالْوَفْدِ أَوْ الْقَوْمِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارَ مُضَرَ فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ وَنُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا فَسَأَلُوا عَنْ الْأَشْرِبَةِ فَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ وَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ قَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَأَظُنُّ فِيهِ صِيَامُ رَمَضَانَ وَتُؤْتُوا مِنْ الْمَغَانِمِ الْخُمُسَ وَنَهَاهُمْ عَنْ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ وَرُبَّمَا قَالَ الْمُقَيَّرِ قَالَ احْفَظُوهُنَّ وَأَبْلِغُوهُنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ.
(والذي لا شك فيه أن استقبال الرجل لضيوفه بعبارات الترحيب وما شابهها، تدخل السرور والأنس عليهم، والواقع يصدقه.
(4) ماذا يقول الضيف إذا تبعه من لم يُدعى:
مَنْ دُعِيَ إلى طعام فَتَبِعَهُ رَجُلٌ لَا يَنْهَاهُ وَلَا يَأْذَنُ لَهُ وَيَلْزَمُهُ إعْلَامُ صَاحِبِ الطَّعَامِ وَيُسْتَحَبُّ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حُضُورِهِ مَفْسَدَةٌ.
(1). في اللسان (1/ 414) مادة (رحب): وقولهم في تحية الوارد: أهلا ومرحبا أي صادفت أهلا ومرحبا.
وقالوا: مرحبك الله ومسهلك، وقولهم: مرحباً وأهلاً أي أتيت سعةً، وأتيت أهلاً، فاستأنس ولا تستوحش.
وقال الليث: معنى قول العرب مرحباً: انزل في الرحب والسعة.
((حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: كان رجل من الأنصار يقال له أبو شعيب وكان له غلام لَحَّام فرأى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعرف في وجهه الجوع فقال لغلامه ويحك اصنع لنا طعاما لخمسة نفر فإني أريد أن أدعو النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خامس خمسة قال فصنع ثم أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فدعاه خامس خمسة واتبعهم رجل فلما بلغ الباب قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن هذا اتبعنا فإن شئت أن تأذن له وإن شئت رجع قال لا بل آذن له يا رسول الله.
(وفي الحديث فوائد نسوق منها ما نحن بصدده.
ففيه أن من دعا قوماً متصفين بصفة ثم طرأ عليهم من لم يكن معهم حينئذٍ أنه لا يدخل في عموم الدعوة... وفيه أن من تطفل في الدعوة كان لصاحب الدعوة الاختيار في حرمانه فإن دخل بغير إذنه كان له إخراجه، وإن من قصد التطفيل لم يمنع ابتداءً (1) لأن الرجل تبع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يرده لاحتمال أن تطيب نفس صاحب الدعوة بالإذن له.
قاله ابن حجر (2).
(5) لا ينبغي التكلف للضيف كثيراً بحيث يخرج عن حده المعقول:
وذلك لأن التكلف عموماً منهيٌ عنه، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث أَنَسٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قَالَ كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ نُهِينَا عَنْ التَّكَلُّفِ (3).
((حديث سلمان الثابت في صحيح الجامع) قال: نهى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن التكلف للضيف.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(نهى عن التكلف للضيف) أي أن يتكلف المضيف له ضيافة فوق ما يليق بالحال لما فيه من الإضرار بل لا يمسك موجوداً ولا يتكلف مفقوداً ولا يزيد على عادته.
(وليس هناك حدٌ معتبر لقولنا هذا فيه تكلف أو ليس فيه تكلف، وإنما المرجع في ذلك إلى العرف، فما تعارف الناس على أمرٍ وعدوه تكلفاً، فهو تكلف، وما لا فلا.
وصنع الطعام للضيف يكون بالقدر الذي يفي بالمقصود بلا إسراف ولا تقتير، وخير الأمور أوسطها، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة (1). وخالف في ذلك النووي فقال: (أن المدعو إذا تبعه رجل بغير استدعاء ينبغي له أن لا يأذن له وينهاه... ) (شرح مسلم ح2036) وليس في الحديث ما يدل على ذلك، والصحيح ما قاله ابن حجر.
(2).فتح الباري (9/ 471 - 472) (5434)
(3). البخاري (7293) والحديث له حكم الرفع لقول الصحابي نُهينا.
كما هو متقرر في علم الأصول.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: طعام الاثنين كافي الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الأربعة.
((حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: طعام الواحد يكفي الإثنين وطعام الإثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية.
((حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي.
((حديث وَحْشِيٍّ ابن حرب الثابت في صحيح ابن ماجة) أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ قَالَ: لَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: اجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّه يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ.
(وأما ما يعهد اليوم من إسراف بعض الناس في ولائمهم، والتكلف بها، وإخراجها عن حدها المشروع، فحدث ولا حرج! بل إن بعضهم أصبح في سباق مع غيره أيهما يغلب صاحبه، كثرة تنويع الأصناف، وتكثيرها، والمبالغة فيها، حتى يُقال فلان ابن فلان فعل كذا وكذا، ولا شك أن هذا فعلٌ مذموم، ولا يجوز أكل مثل هذا الطعام، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما الثابت في صحيح أبي داوود) إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ طَعَامِ الْمُتَبَارِيَيْنِ أَنْ يُؤْكَلَ.
(قال الخطابي: المتباريان هما المتعارضان بفعليهما يقال تبارى الرجلان إذا فعل كل واحد منهما مثل فعل صاحبه ليرى أيهما يغلب صاحبه، وإنما كُره ذلك لما فيه من الرياء والمباهاة ولأنه داخل في جملة ما نهى الله عنه من أكل المال بالباطل (1).
(6) الدخول بإذن والانصراف بعد الفراغ من الطعام:
وهذا أدبٌ بينه القرآن قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النّبِيّ إِلاّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىَ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُواْ وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) [الأحزاب: 53] (1).عون المعبود.
المجلد الخامس (10/ 161) كتاب الأطعمة.
باب في طعام المتباريين.
حيث نهى الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يدخلوا بيوت النبي إلا بإذن، والمؤمنون كذلك لا يدخلوا بيوت بعضهم إلا بإذن فالنهي يدخل فيه جميع المؤمنين.
قال الشوكاني: فنهى الله المؤمنين عن ذلك في بيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ودخل في النهي سائر المؤمنين، والتزم الناس أدب الله لهم في ذلك فمنعهم من الدخول إلا بإذن عند الأكل لا قبله لانتظار نضج الطعام (1). وكانت عادتهم في الجاهلية أنهم يأتون إلى الوليمة مبكرين جداً ينتظرون نضج الطعام، فنهاهم الله عن ذلك بقوله: ﴿غير ناظرين إناه﴾ أي: غير منتظرين نضجه وإدراكه (2).
ثم بين الله-سبحانه وتعالى- أن من أصاب حاجته من الطعام فلينصرف ولا يجلس مستأنس لحديث، لأن ذلك فيه إيذاءٌ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وكذلك بقية الناس فالغالب أنهم يتأذون من بقاء المدعوين بعد الفراغ من الطعام، فلا ينبغي المكث لهم، إلا يكون رب البيت يرغب في بقائهم، أو أن تكون عادة القوم كذلك، ولم يكن هناك مشقة ولا أذى فلا بأس بذلك؛ لأن العلة التي من أجلها جاء النهي انتفت.
(7) تقديم الأكبر فالأكبر، وتقديم الأيمن فالأيمن:
ينبغي على من أضاف قوماً أن يقدم أكبرهم ويخصه بمزيد عناية، وذلك لحث النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك في أيما حديث، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة
((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:
أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ فَجَذَبَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ الْآخَرِ فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الْأَصْغَرَ مِنْهُمَا فَقِيلَ لِي كَبِّرْ فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَرِ.
((حديث أنس الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليس منا من لم يرحم صغيرنا و يوقر كبيرنا.
((حديث أبي موسى الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن من إجلالِ الله إكرامَ ذي الشيبة المسلم و حاملَ القرآن غير الغالي فيه و الجافي عنه و إكرامَ ذي السلطان المقسط.
((حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليس منا من لم يجل كبيرنا و يرحم صغيرنا! ويعرف لعالمنا حقه.
(1). فتح القدير (4/ 341)
(2).فتح القدير (4/ 340) بتصرف يسير.
((حديث جابر رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَمَرَنِي جِبْرِيْلُ أَنْ أُقَدِّمَ الأَكَابِرَ.
((حديث سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قَالَ: لَقَدْ كُنْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُلَامًا فَكُنْتُ أَحْفَظُ عَنْهُ فَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا أَنَّ هَا هُنَا رِجَالًا هُمْ أَسَنُّ مِنِّي.
((حديث أنس ابن مالك رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: أنها حلبت لرسول الله شاة داجن، وهي في دار أنس بن مالك، وشيب لبنها بماء من البئر التي في دار أنس، فأعطى رسول الله القدح فشرب منه، حتى إذا نزع القدح من فيه، وعلى يساره أبو بكر، وعن يمينه أعرابي، فقال عمر، وخاف أن يعطيه الأعرابي: أعط أبا بكر يا رسول الله عندك، فأعطاه الأعرابي الذي على يمينه، ثم قال: (الأيمن فالأيمن).
((حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: أتي رسول الله بقدح فشرب، وعن يمينه غلام هو أحدث القوم، والأشياخ عن يساره، قال: (يا غلام، أتأذن لي أن أعطي الأشياخ).
فقال: ما كنت لأوثر بنصيبي منك أحدا يا رسول الله، فأعطاه إياه.
﴿تنبيه﴾: (حديث سهل بن سعد السابق فهو وإن كان يُفيد تقديم الأيمن فالأيمن صغيراً كان أو كبيراً، إلا أنه لا يعارض أحاديث تقديم الكبير على من دونه، ويمكن الجمع بينهما فنقول:
أن تقديم الأيمن يُنزل على من شرب شيئاً وبقي منه فضله، فيعطي من على يمينه إلا أن يأذن.
وحول هذا المعنى يُشير ابن عبد البر فقال: وفيه (1) من أدب المواكلة والمجالسة، أن الرجل إذا أكل أو شرب، ناول فضله الذي على يمينه كائناً من كان، وإن كان مفضولاً، وكان على يساره فاضلاً (2) وتقديم الأكبر يُنزل على تقديم الشراب أو الطعام ابتداءً، ثم يليه من كان على يمينه.
ولعل هذا القول يتقوى بما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما- فقال: (كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سقى قال ابدءوا بالكبير) (3) وفي هذا جمعٌ بين الأدلة والله أعلم.
(8) دعاء الضيف لمن استضافه بعد الفراغ من الطعام: (1). أي حديث سهل بن سعد.
(2). التمهيد (6/ 155)
(3). أخرجه أبو يعلى قال الحافظ وسنده قوي.
فتح الباري (10/ 89)
من سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا أكل طعاماً عند قومٍ دعا لهم، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة
((حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) قال: نزل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أبي قال فقربنا إليه طعاما ووطبة فأكل منها ثم أتي بتمر فكان يأكله ويلقي النوى بين إصبعيه ويجمع السبابة والوسطى قال شعبة هو ظني وهو فيه إن شاء الله إلقاء النوى بين الإصبعين ثم أتي بشراب فشربه ثم ناوله الذي عن يمينه قال فقال أبي وأخذ بلجام دابته ادع الله لنا فقال اللهم بارك لهم في ما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم.
((حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبز وزيت فأكل ثم قال النبي أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة.
((حديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اللهمَّ أطعِم من أطعمني, وأسقِ من سقاني.
(9) استحباب الخروج مع الضيف إلى باب الدار:
وهذا من تمام الضيافة، وحسن الرعاية للضيف، وتأنيسه حتى يغادر الدار.
و لا يثبت في ذلك خبر مرفوع صحيح يُعول عليه، إنما هي آثار عن سلف هذه الأمة وأئمتهم، نقتصر على واحدٍ منها:
(أورد ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية أن أبا عبيد القاسم بن سلام زار أحمد بن حنبل.. قال أبو عبيد (فلما أردت القيام قام معي، قلت: لا تفعل يا أبا عبد الله، فقال: قال الشعبي: من تماما زيارة الزائر أن تمشي معه إلى باب الدار وتأخذ بركابه... ) (1).
(10) إكرام كريم القوم:
((حديث ابن عمر رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إذا أتاكم كريم قوم) أي رئيسهم المطاع فيهم المعهود منهم بإكثار الإعظام وإكثار الاحترام (1). الآداب الشرعية (3/ 227)
(فأكرموه) برفع مجلسه واجزال عطيته ونحو ذلك مما يليق به لأن الله تعالى عوده منه ذلك ابتلاء منه له فمن استعمل معه غيره فقد استهان به وجفاه وأفسد عليه دينه فإن ذلك يورث في قلبه الغل والحقد والبغضاء والعداوة وذاك يجر إلى سفك الدماء وفي إكرامه اتقاء شره وإبقاء دينه فإنه قد تعزز بدنياه وتكبر وتاه وعظم في نفسه فإذا حقرته فقد أهلكته من حيث الدين والدنيا وبه عرف أنه ليس المراد بكريم القوم عالمهم أو صالحهم كما وهم البعض، ألا ترى أنه لم ينسبه في الحديث إلى علم ولا إلى دين؟ ومن هذا السياق انكشف أن استثناء الكافر والفاسق كما وقع لبعضهم منشؤه الغفلة عما تقرر من أن الإكرام منوط بخوف محذور ديني أو دنيوي أو لحوق ضرر للفاعل أو للمفعول معه فمتى خيف شيء من ذلك شرع إكرامه بل قد يجب فمن قدم عليه بعض الولاة الظلمة الفسقة فأقصى مجلسه وعامله معاملة الرعية فقد عرض نفسه وماله للبلاء فإن أوذي ولم يصبر فقد خسر الدنيا والآخرة، وقد قيل: دارهم ما دمت في دارهم وحيهم ما دمت في حيهم [ص 242] وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بعثت بمداراة الناس ". (قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية: قَالَ الْمَرُّوذِيُّ سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿: إذَا جَاءَكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ﴾ قَالَ: نَعَمْ هَكَذَا يُرْوَى قُلْت: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الرَّجُلُ السُّوءُ وَالرَّجُلُ الصَّالِحُ فِي هَذَا وَاحِدٌ قَالَ: لَا قُلْت: فَإِنْ كَانَ رَجُلَ سُوءٍ يُكْرِمُهُ, قَالَ: لَا, وَرَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ حَضَرَ غُلَامٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَمَعَهُ إبْرَاهِيمُ سِيلَانُ فَرَأَيْته قَدَّمَ الْغُلَامَ, وَرَأَيْت رَجُلًا مِنْ وَلَدِ الزُّبَيْرِ فِي الْمَسْجِدِ فَرَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَدْ قَدَّمَهُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَكَانَ حَدِيثَ السِّنِّ فَجَعَلَ الْفَتَى يَمْتَنِعُ, وَجَعَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَأْتِي حَتَّى قَدَّمَهُ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْت أَبِي إذَا جَاءَ الشَّيْخُ وَالْحَدَثُ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْأَشْرَافِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ فَيَكُونُوا هُمْ يَتَقَدَّمُونَهُ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: رَأَيْته جَاءَ إلَيْهِ مَوْلَى ابْنِ الْمُبَارَكِ فَأَلْقَى لَهُ مِخَدَّةً وَأَكْرَمَهُ وَكَانَ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ مَنْ يُكْرَمُ عَلَيْهِ يَأْخُذُ الْمِخَدَّةَ مِنْ تَحْتِهِ فَيُلْقِيهَا لَهُ.
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ إعْظَامًا لِإِخْوَانِهِ وَمَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْهُ, لَقَدْ جَاءَهُ أَبُو هَمَّامٍ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ فَأَخَذَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِالرِّكَابِ وَرَأَيْته فَعَلَ هَذَا بِمَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْ الشُّيُوخِ.
أهـ
(... آداب المجالس:
(آداب المجالس:
(لآداب المجالس آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهاك آداب المجالس جملةً وتفصيلا: (أولاً آداب المجالس جملةً: (1) فضل ذكر الله في المجالس والنهي عن مجالسٍ لا يذكر فيها اسمه: (2) اختيار رفيق المجلس: (3) السلام على أهل المجلس عند القدوم، والانصراف: (4) لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مَقْعَدِه ثم يجلس فيه: (5) من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به: (6) التفسح في المجالس: (7) لا يَجْلَس بين رجلين إلا بإذنهما: (8) يجلس حيث ينتهي: (9) النهي عن تناجي اثنين دون الثالث: (10) النهي عن سماع الحديث بدون إذن: (11) الجلوس المنهي عنه: (12) النهي عن كثرة الضحك: (13) كراهية التجشؤ (1) بحضرة الآخرين: (14) استحباب ختم المجالس بكفارة المجلس: (15) جواز قيام الرجل لأخيه احتراماً: (ثانيا آداب المجالس تفصيلا: (1) فضل ذكر الله في المجالس والنهي عن مجالسٍ لا يذكر فيها اسمه:
جاء النهي الشديد عن مجالس لا يذكر فيها اسم الله، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة (1). في اللسان: التجشؤ: تنفس المعدة عند الامتلاء.
وجشأت المعدة وتجشأت: تنفست، والاسم الجشاء.
(1/ 48) مادة (جشأ)
((حديث أبي هريرة في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثلِ جيفةِ حمار و كان لهم حسرة.
(وفي ألفاظ هذا الحديث من التنفير ما فيه، وقوله: (إلا قاموا عن مثل جيفة حمارٍ) أي مثلها في النتن والقذارة، وذلك لما يخوضون من الكلام في أعراض الناس وغير ذلك (1). والحسرة هي الندامة؛ وذلك بسبب تفريطهم.
((حديث عائشة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من ساعة تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها إلا حسر عليها يوم القيامة.
(وفي مقابل ذلك ما لو عُمرت هذه المجالس بذكر الله والثناء عليه، والصلاة على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فإن هذه المجالس محبوبةٌ إلى الله، وأهلها في ازدياد من الخيرات.
((حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن لله ملائكة يطوفون في الطرقات يلتمسون الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجاتكم فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا فيسألهم ربهم و هو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ فيقولون: يسبحونك و يكبرونك و يحمدونك و يمجدونك فيقول: هل رأوني؟ فيقولون: لا و الله ما رأوك فيقول: كيف لو رأوني؟ فيقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة و أشد لك تمجيدا و أكثر لك تسبيحا فيقول: فما يسألوني؟ فيقولون: يسألونك الجنة فيقول: و هل رأوها؟ فيقولون: لا و الله يا رب ما رأوها فيقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ فيقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا و أشد لها طلبا و أعظم فيها رغبة قال: فمم يتعوذون؟ فيقولون: من النار فيقول الله: هل رأوها؟ فيقولون: لا و الله يا رب ما رأوها فيقول: فكيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارا و أشد لها مخافة فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم فيقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة! فيقول: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم.
(2) اختيار رفيق المجلس:
من الأمور المهمة جداً في حياة المرء، اختيار رفيق المجلس، لأن الإنسان يتأثر بجليسه ولابد، ومهما كانت عنده من قوة وحصانة.
ولذا أرشدنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم إلى حسن اختيار الخليل، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة (1). عون المعبود.
المجلد السابع (13/ 138)
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل.
(ومعنى الحديث: أن الإنسان على عادة صاحبه وطريقته وسيرته، فليتأمل ويتدبر من يخالل، فمن رضي دينه وخلقه خالله، ومن لا تجنبه فإن الطباع سراقة (1).
(قال الخطابي رحمه الله في آداب العزلة:
قوله: (المرء على دين خليله) معناه لا تخالل إلا من رضيت دينه وأمانته فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه قال سفيان بن عيينة: وقد روى في هذا الحديث انظروا إلى فرعون معه هامان انظروا إلى الحجاج معه يزيد بن أبي مسلم شر منه انظروا إلى سليمان بن عبد الملك صحبه رجاء بن حيوة فقوَّمه وسدده ويقال: إن الخلة مأخوذة من تخلل المودة القلب وتمكنها منه: وهي أعلى درج الإخاء وذلك أن الناس في الأصل أجانب فإذا تعارفوا ائتلفوا فهم أوداء وإذا تشاكلوا فهم أحباء فإذا تأكدت المحبة صارت خلة.
أهـ
(أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول وهو يعظ رجلا: لا تتكلم فيما لا يعنيك واعتزل عدوك واحذر صديقك إلا الأمين ولا أمين خلا من يخشى الله عز وجل ويطيعه ولا تمش مع الفاجر فيعلمك من فجوره.
(أورد الخطابي رحمه الله في آداب العزلة عن الخطاب بن المعلى المخزومي أنه وعظ ابنه فقال: إياك وإخوان السوء فإنهم يخونون من رافقهم ويخرفون من صادقهم وقربهم أعدى من الجرب ورفضهم من استكمال الأدب والمرء يعرف بقرينه.
((حديث أبي سعيد الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لا تصاحب إلا مؤمنا و لا يأكل طعامك إلا تقي.
((حديث أبي موسى الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: مثل الجليس الصالح و الجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحْذِيَك وإما أن تبتاع منه وإما تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك أو تجد منه ريحا خبيثة.
(والحديث بيّنٌ في التحذير من مجالسة أهل السوء، والترغيب في مجالسة أهل الصلاح والتقى، وجليس السوء إما مبتدعاً، وإما فاسقاً.
(1). عون المعبود المجلد السابع (13/ 123) بتصرف يسير.
فإن كان مبتدعا فقد جاءت أقوال السلف في التحذير منهم، وعدم مجالستهم، لأنهم ضررٌ على الدين والدنيا، ومجالس أهل البدع لا تخلو من أمرين إما أن ينغمس في بدعتهم، أو يصاب بالحيرة والشك لما يلقيه أهل البدع من الشبهات المضلة، وكلاهما شر.
(ومن أقول السلف في ذم أهل البدع والتحذير من مجالستهم، قول الحسن البصري: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم.
وقال أبو قلابة: لا تجالسوهم ولا تخالطوهم فإنى لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم ويلبسوا عليكم كثيراً مما تعرفون.
وقال ابن المبارك...: يكون مجلسك مع المساكين وإياك أن تجالس صاحب بدعة.
وقال الفضيل بن عياض: إن لله ملائكة يطلبون حلق الذكر فانظر مع من يكون مجلسك، لا يكون مجلسك مع صاحب بدعة فإن الله لا ينظر إليهم وعلامة النفاق أن يقوم الرجل يقعد مع صاحب بدعة (1).
وإن كان الجليس فاسقاً.
فإنك لن تسلم من سماع الخنا، والقول الباطل، والغيبة، وقد يصاحب ذلك تهاون في الصلوات، وغير ذلك من المعاصي التي تميت القلب.
ولذا نجد أن بعض الذين انتكسوا بعد الاستقامة كان بسبب مجالستهم للفساق.
(3) السلام على أهل المجلس عند القدوم، والانصراف:
سبق لنا في آداب السلام بيان أن من السنة السلام على أهل المجلس عند القدوم عليهم، وعند إرادة الانصراف، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليُسلِّم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم فليست الأولى أحق من الثانية.
﴿تنبيه﴾: (يجزي عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم و يجزي عن الجلوس أن يرد أحدهم.
(حديث علي في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يجزي عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم و يجزي عن الجلوس أن يرد أحدهم.
(4) لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مَقْعَدِه ثم يجلس فيه:
((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا أوَتَوَسَّعُوا.
(5) من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به: (1). النقول من شرح أصول واعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي.
(دار طيبة - الطبعة الرابعة 1416هـ) (1/ 150 - 156)
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به.
من جلس في مكان مباح كالمسجد ونحوه، فهو أحق بمجلسه من غيره، بحيث أنه لو طرأ عليه وترك مجلسه لأمرٍ ما ثم عاد لمجلسه في وقتٍ يسير، فإنه أحق بمجلسه وله أن يقيم من جلس فيه.
فالحق لصاحب المجلس لا يعدوه، فهو أولى به، ولذا جاء النهي من إقامة الرجل من مجلسه المباح.
((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا أوَتَوَسَّعُوا.
(والحكمة في هذا النهي منع استنقاص حق المسلم المقتضي للضغائن، والحث على التواضع المقتضي للمودة، وأيضاً فالناس في المباح كلهم سواء، فمن استحق شيئاً استحقه، ومن استحق شيئاً فأُخذ منه بغير حق فهو غصب والغصب حرام.
قاله ابن أبي جمرة (1).
مسألة: قد علمنا كراهية إقامة الرجل من مجلسه والقعود فيه، ولكن هل تزول هذه الكراهية إذا كانت بإذن صاحب المكان؟
الجواب: إذا تنازل صاحب المجلس عن مجلسه لغيره، فلا مانع من الجلوس فيه، لأن الحق له وقد تنازل عنه.
وأما ما أُثر عن ابن عمر من كراهية ذلك، فقد روى أبا الخصيب قال: (كنت قاعداً فجاء ابن عمر فقام رجلٌ من مجلسه له فلم يجلس فيه وقعد في مكان آخر.
فقال الرجل ما كان عليك لو قعدت، فقال: لم أكن أقعد في مقعدك ولا مقعد غيرك بعد شئ شهدته من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
جاء رجلٌ إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقام له رجلٌ من مجلسه فذهب ليجلس فيه فنهاه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) (2). وأما ما نسب إلى ابن عمر-رضي الله عنهما- فيقول النووي: فهذا ورعٌ منه، وليس قعوده فيه حراماً إذا قام برضاه، لكنه تورع من وجهين: أحدهما أنه ربما استحى منه إنسان فقام له من مجلسه من غير طيب قلبه، فسد ابن عمر الباب ليسلم من هذا.
والثاني: أن الإيثار بالقرب مكروه أو خلاف الأولى فكان ابن عمر يمتنع من ذلك لئلا يرتكب أحد بسببه مكروهاً أو خلاف الأولى بأن يتأخر عن موضعه في الصف الأول ويؤثره به وشبه ذلك (3). (1). فتح الباري (11/ 65)
(2). أحمد (5542)
(3). شرح صحيح مسلم.
المجلد السابع (14/ 133)
مسألة: يعمد بعض الناس إلى وضع (سجادة الصلاة) أو نحو ذلك، رغبةً منهم في نيل فضل الصف الأول، مع تأخرهم في الحضور إلى المسجد، فهل هذا الفعل مشروع؟
الجواب: تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة بخصوصها فقال: وأما ما يفعله كثيرٌ من الناس من تقديم مفارش إلى المسجد يوم الجمعة، أو غيرها، قبل ذهابهم إلى المسجد، فهذا منهي عنه باتفاق المسلمين؛ بل محرم.
وهل تصح صلاته على ذلك المفروش؟ فيه قولان للعلماء؛ لأنه غصب بقعة في المسجد بفرش ذلك المفروش فيها، ومنع غيره من المصلين الذين يسبقونه إلى المسجد أن يصلي في ذلك المكان.
[ثم قال]... والمشروع في المسجد أن الناس يتمون الصف الأول، كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصف الأول، فالأول، ويتراصون في الصف) (1). وفي الصحيحين عنه أنه قال: (لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لا ستبقوا إليه) (2). والمأمور أن يسبق الرجل بنفسه إلى المسجد، فإذا قدم المفروش وتأخر هو فقد خالف الشريعة من وجهين: من جهة تأخره وهو مأمور بالتقدم.
ومن جهة غصبه لطائفة من المسجد، ومنعه السابقين إلى المسجد أن يصلوا فيه، وأن يتموا الصف الأول فالأول، ثم إنه يتخطى الناس إذا حضروا.
وفي الحديث (الذي يتخطى رقاب الناس، يتخذ جسراً إلى جهنم) (3) وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اجلس فقد آذيت) (4).
ثم إذا فرش هذا فهل لمن سبق إلى المسجد أن يرفع ذلك ويصلي موضعه؟ فيه قولان:
أحدهما: ليس له ذلك لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه.
والثاني: وهو الصحيح أن لغيره رفعه، والصلاة مكانه؛ لأن هذا السابق يستحق الصلاة في ذلك الصف المقدم، وهو مأمور بذلك أيضاً، وهو لا يتمكن من فعل هذا المأمور واستيفاء هذا الحق إلا برفع ذلك المفروش وما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به.
(1). أخرجه مسلم (430)، أحمد (20519)، أبو داود (661)، النسائي (816)، ابن ماجه (992)
(2). رواه البخاري (615)، مسلم (437)، أحمد (7185)، الترمذي (225)، النسائي (540)،مالك (151)
(3). رواه أحمد (15182)، والترمذي (513)، وابن ماجة (1126) وقال الألباني: ضعيف.
(4).رواه أحمد (17221) والنسائي (1399) وأبو داود (1118) وابن ماجه (1125) وصحح الألباني روايتي أبو داود وابن ماجه (923).
وأيضاً فذلك المفروش وضعه هناك على وجه الغصب، وذلك منكر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسيلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) (1). لكن ينبغي أن يراعى في ذلك أن لا يؤول إلى منكر أعظم منه، والله تعالى أعلم (2). (6) التفسح في المجالس:
قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسّحُواْ فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُواْ يَفْسَحِ اللّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَانشُزُواْ يَرْفَعِ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [المجادلة: 11]
(هذا أدب من الله لعباده، إذا اجتمعوا في مجلس من مجالس مجتمعاتهم، واحتاج بعضهم، أو بعض القادمين للتفسح له في المجلس، فإن من الأدب، أن يفسحوا له، تحصيلاً لهذا المقصود.
وليس ذلك بضار الفاسح شيئاً، فيحصل مقصود أخيه، من غير ضرر يلحقه.
والجزاء من جنس العمل، فإن من فسح لأخيه، فسح الله له، ومن وسع لأخيه، وسع الله عليه.
﴿وإذا قيل انشزوا﴾ أي: ارتفعوا وتنحوا عن مجالسكم، لحاجة تعرض.
﴿فانشزوا﴾ أي: فبادروا للقيام، لتحصيل تلك المصلحة.
فإن القيام بمثل هذه الأمور من العلم والإيمان.
قاله ابن سعدي (3).
(7) لا يَجْلَس بين رجلين إلا بإذنهما:
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يُجْلَس بين رجلين إلا بإذنهما.
وهذا أدب نبوي عظيم، وهو منع الرجل أن يجلس بين اثنين إلا بإذنهما، والعلة في ذلك؛ أنه قد يكون بينهما محبة ومودة وجريان سر وأمانه فيشق عليهما التفريق بجلوسه بينهما، قاله في عون المعبود (4).
(8) يجلس حيث ينتهي:
وهذا ثابتٌ من فعل الصحابة وإقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث جابر بن سمُرة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال: كنا إذا أتينا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجلسُ أحدنا حيث ينتهي.
(1). رواه مسلم (49)، أحمد (10689)، الترمذي (2172)، النسائي (5008)، أبو داود (1140)، ابن ماجه (1275)
(2). مجموع الفتاوى (22/ 189 - 191)
(3). تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (7/ 316)
(4). المجلد السابع (13/ 133)
حيث كانوا-الصحابة- إذا جاء أحدهم إلى المجلس لم يتكلف الجلوس في المقدمة، أو مزاحمة ومضايقة الجالسين، بل كانوا يجلسون حيث انتهى بهم المجلس، وهذا من كمال أدبهم-رضي الله عنهم وأرضاهم-.
(9) النهي عن تناجي اثنين دون الثالث:
في اللسان، النجو: السِّرُّ بين اثنين، يقال: نَجَوته نجواً أي ساررته، وكذلك ناجيته، والاسم النجوى (1). والتناجي المنهي عنه، هو أن يتسَّار اثنان دون الثالث، والعلة في ذلك، حتى لا يدخل الحزن إلى قلب الثالث لما يراه من تسَّار صاحبيه، والشيطان حريصٌ كل الحرص على إدخال الحزن، والوساوس، والشكوك على قلب المسلم، فجاء النهي النبوي عن ذلك حتى يقطع الطريق على الشيطان، وحتى لا يظن المسلم بإخوانه سوءً، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث ابن مسعود الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس فإن ذلك يحزنه.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى) التناجي التحادث سراً
(رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس) أي تنضموا إليهم وتمتزجوا ويتحدث بعضهم مع بعض.
(فإن ذلك يحزنه) ثم علل ذكر النهي بقوله فإن ذلك يحزنه، أي التناجي مع انفراد واحد، وذلك لئلا يقع في نفسه أنهما يتحدثون عنه بما يشينه أو أنهما لم يشاركاه في الحديث احتقاراً له.
(وأما إن كان القوم أربعة فما فوق فلا بأس بذلك، لانتفاء العلة.
(10) النهي عن سماع الحديث بدون إذن:
لقد جاء وعيد شديد فيمن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث ابن عباس الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَفْعَلَ وَمَنْ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ صُبَّ فِي أُذُنِهِ الْآنُكُ (2) يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا وَلَيْسَ بِنَافِخٍ.
(1).لسان العرب.
لابن منظور (15/ 308) مادة (نجا)
(2). الآنك: هو الرصاص المذاب.
انظر فتح الباري (12/ 447)
(والنهي مقيد بما إذا كان القوم كارهون لذلك، ويخرج بذلك ما إذا كانوا راضين به، ويخرج أيضاً إذا كان كلامهم جهراً يُسمع من حولهم، لأنهم لو أرادوا إخفاءه لم يجهروا به (1). (11) الجلوس المنهي عنه:
ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن الجلوس، في هيئات معينة، وفي أحوال مخصوصة، وهذه الهيئات والأحوال، منها ما علمنا علتها عن طريق السمع، ومنها ما كان طريق الاجتهاد والنظر.
فهيئة الجلوس المنهي عنها: أن يضع الرجل يده اليسرى خلف ظهره ويتكئ على لحمة يده اليمنى التي في أصل الإبهام (2).
((حديث الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ
مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا جَالِسٌ هَكَذَا وَقَدْ وَضَعْتُ يَدِيَ الْيُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِي وَاتَّكَأْتُ عَلَى أَلْيَةِ يَدِي فَقَالَ أَتَقْعُدُ قِعْدَةَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ.
(وأما الحال التي ينهى عنها، وهي جلوس الرجل بين الشمس والظل.
((حديث بريدة رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُقْعَدَ بَيْنَ الظِّلِّ وَالشَّمْسِ.
(والعلة في ذلك؛ أنه مجلس الشيطان.
جاء مصرحاً بذلك في الحديث الآتي:
((حديث أبي عياض عن رجل من أصحاب النبي الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ أن يجلس بين الضح والظل، وقال مجلس الشيطان.
مسألة: ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر بن عبد الله، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لا يستلقين أحدكم ثم يضع إحدى رجليه على الأخرى) (3). وثبت أيضاً في الصحيحين وغيرهما، من حديث عباد بن تميم عن عمه، أنه أبصر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يضطجع في المسجد رافعاً إحدى رجليه على الأخرى) (4). والحديثان ظاهرهما التعارض، فكيف الجمع بينهما؟ (1). انظر فتح الباري (12/ 447)
(2). انظر عون المعبود.
المجلد السابع (13/ 135)
(3). رواه مسلم (2099)، وأحمد (13766)، والترمذي (2767)
(4). البخاري (5969) واللفظ له، ومسلم (2100)، وأحمد (15995)، والترمذي (2765)، والنسائي (721)، وأبو داود (4866)، ومالك (418)، والدارمي (2656)
الجواب: قال بعض العلماء أن النهي منسوخ بفعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ورد ذلك ابن حجر، بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال (1). قلت: ولا بد من معرفة المتقدم من المتأخر.
وجمع النووي وغيره فقال: ويحتمل أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعله لبيان الجواز، وأنكم إذا أردتم الاستلقاء فليكن هكذا، وأ، النهي الذي نهيتكم عن الاستلقاء ليس على الإطلاق بل المراد به من ينكشف شيء من عورته أو يقارب انكشافها والله أعلم (2). ويؤيد هذا القول بأن فعله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان لبيان الجواز... لا أنه مختصٌ به، هو ما ثبت عند البخاري - بعد إيراده حديث عباد بن تميم عن عمه- قال: وعن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر وعثمان يفعلان ذلك (3). فلما كان بعض الصحابة يفعلون ذلك، دل ذلك على أن فعله صلى الله عليه وآله وسلم كان لبيان الجواز، ولكن مع الأمن من انكشاف العورة، والله أعلم.
(12) النهي عن كثرة الضحك:
ليس من المروءة ولا الأدب أن يكون الضحك هو الغالب على المجلس، فقليله يبعث في النفس النشاط ويروح عنها، وكثيره داءٌ يميت القلب،
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اتق المحارم تكن أعبد الناس و ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس و أحسن إلى جارك تكن مؤمنا و أحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما و لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب.
((حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يا أبا هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس وكن قنعا تكن أشكر الناس وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة
((حديث جابر بن سمرة الثابت في صحيح الترمذي) قال كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طويل الصمت قليل الضحك.
(13) كراهية التجشؤ (4) بحضرة الآخرين:
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (1). انظر فتح الباري (1/ 671)
(2). مسلم بشرح النووي.
المجلد السابع (14/ 65)
(3). البخاري (475)
(4). في اللسان: التجشؤ: تنفس المعدة عند الامتلاء.
وجشأت المعدة وتجشأت: تنفست، والاسم الجشاء.
(1/ 48) مادة (جشأ)
((حديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قَالَ: تَجَشَّأَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِىِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ «كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعاً فِى الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
(14) استحباب ختم المجالس بكفارة المجلس:
لما كان الإنسان ضعيفاً، وكان الشيطان حريصاً على إضلاله، والسعي دوماً إلى إغوائه، والنيل منه عن طريق اقترافه للسيئات.
فكان منه أن تربص للمسلمين في مجالسهم، وأنديتهم، محرضاً لهم على قول الزور والباطل.
ولما كان الله رؤوفاً بعباده شرع لهم على لسان نبيهم كلمات يقولونها، تكفَّر عنهم ما علق بهم من أدران ذلك المجلس، ثم امتن عليهم ربهم بأن جعل هذه الكلمات طابعاً لمجالس الخير فالحمد لله أولاً وآخراً، وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة
((حديث ابن مسعود الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كفارة المجلس أن يقول العبد: سبحانك اللهم و بحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك أستغفرك وأتوب إليك.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم ربنا و بحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك.
(15) جواز قيام الرجل لأخيه احتراماً:
(يستحب القيام لِلْإِمَامِ الْعَادِلِ وَالْوَالِدَيْنِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْوَرَعِ وَالْكَرَمِ وَالنَّسَبِ، وعليه يُحملُ الحديث الآتي:
(حديث أبي سعيد في الصحيحين) أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد فأرسل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليه فجاء، فقال: قوموا إلى سيدكم _ أو قال خيركم – فقعد عند النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال هؤلاء نزلوا على حكمك.
قال فإني أحكم أن تُقْتَلَ مقاتلتهم وتُسْبَى ذراريهم فقال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لقد حكمت بماحكم به الملك.
(أما قيام الرجل للرجل على سبيل التعظيم فحرامٌ قطعاً.
(حديث معاوية في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من سرَّه أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار.
معنى [يتمثل]: أي ينتصب الجالسون له تعظيماً
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[فليتبوأ مقعده من النار] لأن قوله فليتبوأ أمر بمعنى الإخبار أي دخل النار إذا سره ذلك.
﴿تنبيه﴾: (وَاَلَّذِي يُقَامُ إلَيْهِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَسْتَكْبِرَ نَفْسَهُ إلَيْهِ وَلَا يَطْلُبَهُ, وَالنَّهْيُ قَدْ وَقَعَ عَلَى السُّرُورِ بِذَلِكَ الْحَالِ فَإِذَا لَمْ يُسَرَّ بِالْقِيَامِ إلَيْهِ وَقَامُوا لَهُ فَغَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ.
(... آداب الكلام:
(آداب الكلام:
(آداب الكلام: (للكلام آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهاك آداب الكلام جملةً وتفصيلا: (أولاً آداب الكلام جملةً: ((1) وجوب حفظ اللسان: ((2) اجتناب آفات اللسان: ((3) قل خيراً أو اصمت: ((4) فضل الصمت وقلة الكلام وكراهية كثرته: ((5) الكلمة الطيبة صدقة: ((6) إذا حدث الرجل لأخيه بحديث ثم التفت فهي أمانة: ((7) تقديم الأكبر في الكلام: ((8) عدم مقاطعة الحديث: ((9) التأني في الكلام وعدم الإسراع فيه: ((10) يكرر كلامه ثلاثاً تأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((11) خفض الصوت عند الكلام: ((12) ألفاظ وكلمات تُجتنب: ((13) لزوم الصدق ومجانبة الكذب: ((14) جواز المعاريض والتورية بشروطها: ((15) أن يطابق قوله عمله: (ثانيا آداب الكلام تفصيلا:
((1) وجوب حفظ اللسان:
(حفظ اللسان من الأمور البالغة الأهمية والتي يجب على طالب العلم أن يتحلى بها فإن اللسان أمره خطير وشرُّه مستطير.
(قال عليُّ رضي الله عنه: اللسان سبْعُ إن خُلِيَ عنه عقر.
(قال ابن السماك: سبعك بين لحييك.
يعني أن كل إنسان يجب أن ينظر إلى لسانه هذا المحبوس في قفصين: قفص من عظم وقفص من لحم، فالعظم هو الأسنان، واللحم هو الشفتان، فلا يتمكن اللسان من أن ينطق ويخرج الكلام إلا بأن يخرج من بين هذين القفصين وهذين السجنين.
فشبهه بالسبع بأنه يوجد داخل هذا الفم سبع ـ أي: أسد ـ لو فتحت له الباب لخرج ولأكل الناس، ونال من أعراضهم، وأهلك صاحبه، ولذلك يقول ابن السماك: سبعك بين لحييك ـ يعني: بين فكيك ـ تأكل به كل من مر عليك، قد آذيت أهل الدور في الدور حتى تعاطيت أهل القبور.
أي: فرغت من غيبة الأحياء وغيبة الرائح والجائي، وبعد أن انتهيت من الأحياء انتقلت إلى الأموات، فأخذت أيضاً تنبش الموتى، وتذكر عيوب الموتى، فأنت تؤذي الموتى في قبورهم، وتؤذي أقرباءهم من الأحياء، وتؤذي نفسك.
قال: قد آذيت أهل الدور في الدور حتى تعاطيت أهل القبور، فما ترثي لهم وقد جرى البلى عليهم.
(فما ترثي لهم) أي: ألا تشفق عليهم؟ وقد انقطع عملهم وفنيت أجسادهم وتحللت وانتهوا، والآن هم في دار الجزاء؟ فلذلك أدبنا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع الأموات ـ حتى لو كانوا من الظلمة أو الفسقة أو المقصرين ـ أننا لا نذكر عيوبهم، كما في الحديث الآتي:
(حديث عائشة الثابت في صحيح البخاري)) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا.
أي: ما عملوه في فترة الحياة الآن هم يحاسبون عليه، فأنت دعه وربه، ولا داعي أن تنشغل أيضاً بذم الموتى.
قال: «قد آذيت أهل الدور في الدور حتى تعاطيت أهل القبور، فما ترثي لهم وقد جرى البلى عليهم»، وأنت هاهنا تنبشهم، إنما نرى نبشهم أخذ الخرق عنهم.
فهل تعتقدون أن نبش الموتى فقط هو حفر القبر من جديد وسرقة الأكفان؟ وهل هذا هو النبش؟ الجواب: لا بل النبش له معنىً آخر لا يقتصر على الاستيلاء على الكفن كما يفعل النباشون، ولذا قال ابن السماك: وأنت هاهنا تنبشهم، إنما نرى نبشهم أخذ الخرق عنهم، فإذا ذكرت مساويهم فقد نبشتهم، إنه ينبغي أن يدلك على ترك القول في أخيك ثلاث خلال.
هنا يرشد ابن السماك إلى ثلاثة أشياء وثلاث صفات وخصال إذا التزمها الإنسان منعته من إطلاق لسانه بذكر عيوب الآخرين.
قال: أما واحدة فلعلك أن تذكره بأمر هو فيك، فما ظنك بربك إذا ذكرت أخاك بأمر هو فيك؟! أي: فيك نفس العيب الموجود في هذا الشخص، وأنت تذمه بسببه، فمن أولى بالذم؟ قال: ما ظنك بربك ـ يعني: أن يفعل بك ـ وأنت تذكر أخاك بأمر هو فيك؟!
الثانية: ولعلك تذكره بأمر فيك أعظم منه، فذلك أشد استحكاماً لمقته إياك.
الثالثة: ولعلك تذكره بأمر قد عافاك الله منه، فهذا جزاؤه إذ عافاك؟! أما سمعت: (ارحم أخاك واحمد الذي عافاك).
يعني: إما أنك مبتلىً بشيء مثل الذي فيه، وإما أن تفعل شيئاً أشر مما يفعله هو فالعيب عندك أشد، وإما أن يكون الله قد عافاك من هذا العيب، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟! إذا كان الله قد عافاك من هذا العيب وبرأك منه، فهل جزاء هذه النعمة أن تشتغل بذم الآخرين، أم أنك تحمد الله سبحانه وتعالى، وترحم العصاة؟!
(قال النووي رحمه الله في الأذكار: (اعلم أنه ينبغي لكل مكلَّف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام، إلا كلاماً تظهر المصلحة فيه، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه؛ لأنه قد ينجز الكلام المباح إلى حرام، أو مكروه، بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء) (1). وقد قال عليه الصلاة والسلام: ”من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه“ (2). قال الشاعر:
احفظ لسانك أيها الإنسان... لا يلدغنك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه... كانت تهاب لقاءه الشجعان
فينبغي للإنسان المسلم أن لا يخرج لفظةً ضائعة فعليه أن يحفظ ألفاظه بأن لا يتكلم إلا فيما يرجوا فيه الربح والزيادة في دينه فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر: هل فيها ربح وفائدة أم لا؟ فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإن كان فيها ربح نظر: هل يفوت بها كلمة هي أربح منها؟ فلا يضيعها بهذه، وإذا أردت أن تستدل على ما في القلب فاستدل عليه بحركة اللسان، فإنه يطلعك على ما في القلب شاء صاحبه أم أبى.
قال يحيى بن معاذ: (القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مغارفها، فانظر إلى الرجل حين يتكلم، فإن لسانه يغترف لك مما في قلبه، حلو وحامض وعذب، وأجاج، وغير ذلك ويبين لك طعم قلبه اغتراف لسانه) (3) أي كما تطعم بلسانك طعم ما في القدور من الطعام فتدرك العلم بحقيقة ذلك، كذلك تطعم ما في قلب الرجل من لسانه فتذوق ما في قلبه من لسانه كما تذوق ما في القدر بلسانك.
ومن العجب: أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتزاز من أكل الحرام، والظلم، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ومن النظر المحرم وغير ذلك ويصعب عليه التحرز من حركة لسانه حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين، والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقى لها بالاً ينزل بالكلمة الواحدة منها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي... وإذا أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى ما رواه مسلم من حديث جُندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”قال رجل والله لا يغفر الله لفلان فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك“ 1.
فهذا العابد الذي قد عبد الله ما شاء الله أن يعبده أحبطت هذه الكلمة الواحدة عمله كله.
(لذا يجب على المسلم أن يعتني بحفظ لسانه غاية الاعتناء، فيجتنب القول الباطل، وقول الزور، والغيبة، والنميمة، والفاحش من القول، وجماع ذلك أن يصون لسانه عما حرم الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد يتكلم المرء كلمةً توبق دنياه وآخرته، وقد يقول كلمةً يرفعه الله بها درجات ودرجات.
وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ.
(أخبرنا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سُنَّتِهِ المُشَرَّفَة أن حفظ اللسان هو ملاك الأمر كله في العمل الذي يُدخل الجنة ويباعد من النار، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث معاذ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قال قلت يا رسول الله أخبرني بعملٍ يُدخلني الجنة ويباعدني من النار؟ قال لقد سألتني عن عظيم و إنه ليسير على من يسره الله عليه تعبد الله لا تشرك به شيئا و تقيم الصلاة المكتوبة و تؤتي الزكاة المفروضة و تصوم رمضان و تحج البيت ; ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة و الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار و صلاة الرجل في جوف الليل ; ألا أخبرك برأس الأمر وعموده و ذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام و عموده الصلاة و ذروة سنامه الجهاد ; ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ كف عليك هذا ـ و أشار إلى لسانه ـ قال: يا نبي الله! و إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! و هل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم.
(ضمن النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الجنة لمن صان لسانه وفرجه، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث سهل بن سعد الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال من يضمن لي ما بين لحييه و ما بين رجليه أضمن له الجنة.
فعلى المسلم أن يصون لسانه وفرجه عن محارم الله، طلباً لمرضاته، ورغبةً في نيل ثوابه، وهو يسيرٌ على من يسره الله عليه.
(أخبرنا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سُنَّتِهِ المُشَرَّفَة أن أكثر ما يدخل الناس النار الفم والفرج.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق, وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ قال الفم والفرج.
(أخبرنا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سُنَّتِهِ المُشَرَّفَة أن من خزن لسانه ستر الله عورته وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من كف غضبه كف الله عنه عذابه، ومن خزن لسانه ستر الله عورته، ومن أعذر إلى الله قبل عذره»
(أخبرنا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سُنَّتِهِ المُشَرَّفَة أن ابن آدم إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا و إن اعوججت اعوججنا.
((حديث أبي سعيدٍ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا و إن اعوججت اعوججنا.
(تكفِّر اللسان) أي أن الأعضاء تخضع للسان، وتذل له، وتقر له بالطاعة، فإن استقمت أيها اللسان استقمنا، وإن خالفت وحدت عن الطريق المستقيم، فإنا تبعٌ لك، فاتق الله فينا (1).
((حديث أبي بكر رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليس شيءٌ من الجسد إلا و هو يشكو ذرب اللسان.
ذرب اللسان: أي فحشه.
(أخبرنا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سُنَّتِهِ المُشَرَّفَة أن النجاة أن تملك عليك لسانك، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث عقبة بن عامر في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال أملك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك.
(الآثار الواردة في حفظ اللسان:
(وقد كان السلف يحاسب أحدهم نفسه في قوله "يوم حار ويوم بارد" ولقد رُؤيَ بعض الأكابر من أهل العلم في النوم فسئل عن حاله فقال: أنا موقوف على كلمةٍ قلتها قلت: ما أحوج الناس إلى غيث فقيل لي: وما يدريك أنا أعلم بمصلحة عبادي.
(وقال بعض الصحابة لجاريته يوماً: هاتي السفرة نعبث بها ثم قال: أستغفر الله ما أتكلم بكلمة إلا وأنا أخطمها وأزمها إلا هذه الكلمة خرجت مني بغير خطام ولا زمام، أو كما قال 1.
(وقال ابن بريدة رأيت ابن عباس رضي الله عنهما آخذ بلسانه وهو يقول: ويحك قل خيراً تغنم أو اسكت عن سوءٍ تسلم وإلا فاعلم أنك ستندم.
فقيل له يا ابن عباس لِمَ تقول هذا؟ قال: إنه بلغني أن الإنسان أراه قال: ليس على شيءٍ من جسده أشد حنقاً وغيظاً يوم القيامة منه على لسانه إلا من قال خيراً أو أملى به خيراً 2.
(وكان ابن مسعود رضي الله عنه يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما على الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لساني 3. (1). انظر لسان العرب (5/ 150) مادة (كفر)،
(وقال يونس بن عبيد: ما رأيت أحداً لسانه منه على بال إلا رأيت ذلك في سائر عمله، ولا فسد منطق رجل قط إلا عرفت ذلك في سائر عمله 1.
واعلم أن أيسر حركات الجوارح حركة اللسان وهي أضرها على العبد.
واختلف السلف والخلف هل يكتب جميع ما يلفظ به أو الخير والشر فقط؟ على قولين: أظهرهما القول الأول.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن سعيد قال قلت للحكم مالك لا تكتب عن زاذان قال كان كثير الكلام.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن ابن مسعود يقول والله الذي لا إله غيره ما شيء أحق بطول سجن من لساني.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن إبراهيم التيمي أخبرني من صحب الربيع بن خيثم عشرين عاما فلم يسمع منه كلمة تعاب.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن أبي طعمه عن رجل من الحي قال أتيت الربيع بن خيثم بنعي الحسين وقالوا اليوم يتكلم مقاله فتأوه ومد بها صوته ثم قال اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك بالحق فيما كانوا فيه يختلفون.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن المعلي بن زياد قال قال مؤرق العجلى أمر أنا في طلبه منذ عشر سنين ولست بتارك طلبه قال وما هو يا أبا المعتمر قال الصمت عما لا يعنيني.
(أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن خارجة قال: صحبت عبد الله بن عون خمس عشرة سنة فما أظن الملائكة كتبت عليه شيئا.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه اطَّلع على أبي بكر رضي الله عنه وهو يمد لسانه فقال ما تصنع يا خليفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال إن هذا أوردني الموارد.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان على الصفا يلبي ويقول يا لسان قل خيرا تغنم أو أنصت تسلم من قبل أن تندم.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن ابن عباس رضي الله عنه قال: يا لسان قل خيرا تغنم أو اسكت عن شر تسلم
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن الحسن رضي الله عنه قال ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن الأوزاعي قال كتب إلينا عمر بن عبد العزيز رحمه الله برسالة لم يحفظها غيري وغير مكحول أما بعد فإنه من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير ومن عد كلامه من عمله قل كلامه فيما لا ينفعه.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن سفيان قال: قال بعض الماضين إنما لساني سبع إن أرسلته خفت أن يأكلني.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن أبي إسحاق الفزاري قال كان إبراهيم بن أدهم رحمه الله يطيل السكوت فإذا تكلم ربما انبسط قال فأطال ذات يوم السكوت فقلت لو تكلمت فقال الكلام على أربعه وجوه فمن الكلام كلام ترجو منفعته وتخشى عاقبته والفضل في هذا السلامة منه ومن الكلام كلام لا ترجو منفعته ولا تخشى عاقبته فأقل مالك في تركه خفة المؤنة على بدنك ولسانك ومن الكلام كلام ترجو منفعته وتأمن عاقبته فهذا الذي يجب عليك نشره.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن محمد بن واسع أنه قال لمالك بن دينار أبا يحيى حفظ اللسان على الناس أشد من حفظ الدنانير والدراهم.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن يونس بن عبيد يقول ما من الناس أحد يكون لسانه منه على بال إلا رأيت صلاح ذلك في سائر عمله.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن محمد بن سيرين قال كان رجل من الأنصار يمر بمجلس لهم فيقول توضئوا فإن بعض ما تقولون شر من الحدث.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن خارجة بن مصعب يقول صحبت ابن عون ثنتي عشرة سنة فما رأيته تكلم بكلمة كتبها عليه الكرام الكاتبون.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن رياح بن عبيدة قال كنت عند عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فذكر الحجاج فشتمته ووقعت فيه قال فنهاني عمر وقال مهلا يا رياح فإنه بلغني أن الرجل يظلم بالمظلمة فلا يزال المظلوم يشتم الظالم وينتقصه حتى يستوفي حقه ويكون للظالم الفضل عليه.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان أن عبد الله بن أبي زكريا كان إذا خاض جلساؤه في غير ذكر الله رأيته كالساهي فإذا خاضوا في ذكر الله كان أحسن الناس استماعا.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن إبراهيم التيمي قال أخبرني من صحب الربيع بن خثيم عشرين سنة فلم يتكلم بكلام لا يصعد.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن أبي حيان التيمي عن أبيه قال: رأيت ابنة الربيع بن خثيم أتته فقالت يا أبتاه أذهب ألعب قال يا بنيتي اذهبي قولي خيرا.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن الأوزاعي عن يحيى رحمه الله قال أثنى رجل على رجل فقال له بعض السلف وما علمك به قال رأيته يتحفظ في منطقه.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن عن أبي عبيد قال ما رأيت رجلا قط أشد تحفظا في منطقه من عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال كنا عند عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فقال رجل لرجل تحت إبطك فقال عمر رضي الله عنه وما على أحدكم أن يتكلم بأجمل ما يقدر عليه قالوا وما ذاك قال لو قال تحت يدك كان أجمل.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن الحسن عن إبراهيم التيمي رحمه الله قال المؤمن إذا أراد أن يتكلم نظر فإن كان كلامه له تكلم وإن كان عليه أمسك عنه والفاجر إنما لسانه رسلاً رسلا.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن الحسن رضي الله عنه قال كانوا يقولون لسان الحكيم من وراء قلبه فإذا أراد أن يقول رجع إلى قلبه فإن كان له قال وإن كان عليه أمسك وإن الجاهل قلبه على طرف لسانه لا يرجع إلى قلبه ما جرى على لسانه تكلم به.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن عن الصلت بن بسطام التيمي قال: قال لي أبي الزم عبد الملك بن أبجر فتعلم من توقيه في الكلام فما أعلم بالكوفة أشد تحفظا للسانه منه.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال لرجل وبعثه في حاجة إياك وكل أمر تريد أن تعتذر منه وإذا أردت أن تتكلم بكلام فانظر فيه قبل أن تتكلم به فإن كان لك فتكلم به وإن كان عليك فالصمت عنه خير لك.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن أرطاة بن المنذر قال تعلم رجل الصمت أربعين سنة بحصاة يضعها في فيه لا ينزعها إلا عند طعام أو شراب أو نوم.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن فضيل بن عياض رحمه الله قال: كان بعض أصحابنا يحفظ كلامه من الجمعة إلى الجمعة.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله في الصمت وآداب اللسان عن حسان بن عطية قال كان شداد بن أوس في سفر فنزل منزلا فقال لغلامه ائتنا بالسفرة نعبث بها فأنكرت عليه فقال ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها إلا كلمتي هذه فلا تحفظوها علي.
((2) اجتناب آفات اللسان:
(اعلم رحمك الله تعالى أن في اللسان آفتان عظيمتان، إن خلص من إحداهما لم يخلص من الأخرى:
«آفة الكلام، وآفة السكوت» وقد يكون كلُّ منهما أعظم إثماً من الأخرى في وقتها؛ فالساكت عن الحق شيطان أخرس، عاصٍ لله ومراء مداهن إذا لم يخف على نفسه.
والمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاصٍ لله وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته.
فهم بين هذين النوعين وأهل الوسط - وهم أهل السراط المستقيم - كفّوا ألسنتهم عن الباطل، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعُه في الآخرة فلا ترى أحدهم يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة فضلاً أن تضره في آخرته، وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله وما اتصل به 1.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أَبِي أَيُّوبَ رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي وَأَوْجِزْ قَالَ إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ وَأَجْمِعْ الْيَأْسَ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ.
(فهذه الوصايا الثلاث يا لها من وصايا إذا أخذ بها العبد تمت أموره وأفلح 2.
(ولهذا كان النجاة في الصمت.
((حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من صمت نجا.
((حديث عقبة ابن عامر الثابت في صحيح الترمذي) قال قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال: أملك عليك لسانك ولْيسعك بيتُك وابكِ على خطيئتك.
ومنها ما يلي:
(1) الغيبة:
(2) النميمة:
(3) القول على الله بغير علم: (4) القذف: (5) الخصومات والجدال بالباطل: (6) بذاءة اللسان: (7) الحلف بغير الله تعالى: (8) الحلف بالله كذبا ومنه اليمين الغموس: (9) استخدام الفصاحة في قلب الحقائق: (10) التحديث بكل ما سُمع: (11) الغناء: (12) الشعر المحرم: (13) الفحش والتفحش 1: (14) الجدال العقيم: (15) شهادة الزور: (16) المدح المذموم: (17) اللعن: (18) كثرة المزاح: (19) الغضب: (20) التكلم فيما لا يعنيه: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (1) الغيبة:
(تساهل الناس في الغيبة:
(قال الشوكاني رحمه الله في السلوك الإسلامي القويم:
إني فكرت في عظم ذنب الغيبة وحقارة فعلها، وتساهل جل الناس بها، حتى صارت مألوفة غير منكورة، كأنها لم تكن أمّ كل محظور، تدار كؤوسها في المجامع، ويصغي إلى لحن شيطانها جميع المجامع، وما علم مرتكبها بوقوعه فيما هو أشد من الزنى، وأعظم جرماً من الربا، وهو لو تحقق قد ساواهم وزاد، لكونه ذنباً تعلقه بالعباد.
أهـ
(تعريف الغيبة:
الغيبة هي ذكرك أخاك بما يكره بنص السنة الصحيحة، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا الله ورسوله أعلم.
قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته و إن لم يكن فيه فقد بهته.
والغيبة من آفات اللسان التي يجب على طالب العلم أن يحفظ لسانه منها، وجاء في الكتاب والسنة الصحيحة النكيرُ الشديد والنهي الأكيد عن ارتكاب هذه الرذيلة
قال تعالى: (وَلاَ يَغْتَب بّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ تَوّابٌ رّحِيمٌ) [الحجرات / 12]
الشاهد من الآية: أن الله تعالى نهى عن الغيبة، والأصل في الأمر التحريم، وشبه المغتاب بأكل الميتة،
(حكم الغيبة:
(قال الشوكاني رحمه الله في السلوك الإسلامي القويم:
أن الغيبة محرمة بالكتاب والسنة والإجماع.
وتأمل في النصوص الآتية بعين البصيرة (1). في اللسان: أفحش الرجل إذا قال قولاً فاحشاً، وقد فحش علينا فلان، وإنه لفحاش، وتفحش في كلامه... والفاحش، ذو الفحش والخنا من قول وفعل، والمتفحش الذي يتكلف سب الناس ويتعمده.
(6/ 325 - 326) مادة: (فحش) بنصرف يسير.
قال الله تعالى: (لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) [النساء: 148]
وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12]
وقال سبحانه: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1]
وقال عز وجل: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]
وقال سبحانه: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: 36]
والغيبة آفة خطيرة من آفات اللسان، ولقد عرفها النبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله في الحديث الآتي:
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا الله ورسوله أعلم.
قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته و إن لم يكن فيه فقد بهته.
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث عائشة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قالت: قلت للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حسبكَ من صفية كذا وكذا ـ تعني قصيرة ـ فقال: لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَت بماء البحر لمزجته.
معنى مزجته: أي خالطته مخالطةً شديدةً يتغير بها طعمه أو ريحه لشدة نتنها وقبحها، وهذا من الزجر.
((حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أنه اعتل بعير لصفية بنت حيي وعند زينب فضل ظهر فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لزينب أعطيها بعيرا فقالت: أنا أعطي تلك اليهودية فغضب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر.
((حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قال: بلغ صفية أن حفصة قالت بنت يهودي فبكت فدخل عليها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهي تبكي فقال ما يبكيك؟ فقالت قالت لي حفصة إني بنت يهودي فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنك لابنة نبي وإن عمك لنبي وإنك لتحت نبي ففيم تفخر عليك ثم قال اتقي الله يا حفصة.
((حديث سعيد ابن زيد الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أربى الربا الاستطالة في عِرض المسلم بغير حق.
(بيّن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن من أربى الربا إطالة اللسان في عرض المسلم باحتقاره، والترفع عليه, والوقيعة فيه بقذف، أو سب، ونحو ذلك، فإن ذلك أكثر الربا، وأشده تحريماً؛ لأن العرض أعز على النفس من المال.
وقد أدخل صلّى الله عليه وسلّم العرض في جنس المال على سبيل المبالغة وجعل الربا نوعين:
متعارف: وهو ما يؤخذ من الزيادة على ماله من المديون.
وغير متعارف: وهو استطالة الإنسان في عرض المسلم بغير حق وبين أنّ أشد النوعين تحريماً هو الاستطالة في عرض المسلم بغير حق (1).
((حديث أبي برزة الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يا معشر من آمن بلسانه و لم يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين و لا تتبعوا عوراتهم، فمن اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته.
﴿تنبيه﴾: (والحديث فيه تنبيه على أن غيبة المسلم من شعار المنافق لا المؤمن، وفيه الوعيد بكشف الله عيوب الذين يتبعون عورات المسلمين ومجازاتهم بسوء صنيعهم، وكشف مساويهم ولو كانوا في بيوتهم مخفيين من الناس 2 ولا حول ولا قوة إلا بالله.
((حديث أنس الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لما عرج بي ربي عز و جل مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجههم و صدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس و يقعون في أعراضهم.
معنى يخمشون: يخدشون
((حديث المستورد ابن شداد الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها من جهنم و من اكتسى برجل مسلم ثوبا فإن الله يكسوه مثله من جهنم و من قام برجل مسلم مقام سمعة و رياء فإن الله يقوم به مقام سمعة و رياء يوم القيامة.
(وهذا الحديث فبه الوعيد لمن أكل أكلةً برجل مسلم: أي بسبب اغتيابه والوقيعة فيه أو بتعرضه له بالأذية عند من يعاديه، أو كُسِيَ ثوباً بسبب إهانته.
فإن الله عز وجل يطعمه من جهنم مثل ما طعم بهذا الرجل المسلم، ويكسوه من جهنم مثل ما كُسِيَ؛ لأن الجزاء من جنس العمل 1. والله أعلم.
ومعنى ”من قام برجل مسلم... “ ذكروا له معنيين:
المعنى الأول: أن الباء للتعدية أي قام رجلاً مقام سمعة ورياء ووصفه بالصلاح، والتقوى، والكرامات، وشهره بها وجعله وسيلة إلى تحصيل أغراض نفسه وحطام الدنيا فإن الله يقوم بعذابه وتشهيره، لأنه كان كاذباً.
والمعنى الثاني: أن الباء للسببية وقيل: هو أقوى وأنسب أي من قام برجلٍ من العظماء من أهل المال والجاه مقاماً يتظاهر فيه بالصلاح والتقوى ليعتقد فيه ويصير إليه المال والجاه أقامه الله مقام المرائين ويفضحه ويعذبه عذاب المرائين 2.
وقد يحتمل أن تكون الباء في (برجل) للتعدية والسببية فإن كانت للتعدية يكون معناه: من أقام رجلاً مقام سمعة ورياء يعني من أظهر رجلاً بالصلاح والتقوى، ليعتقد الناس فيه اعتقاداً حسناً ويعزونه ويخدمونه لينال بسببه المال والجاه فإن الله يقوم له مقام سمعة ورياء بأن يأمر ملائكته بأن يفعلوا معه مثل فعله ويظهروا أنه كذاب.
وإن كانت للسببية فمعناه: أن من قام وأظهر من نفسه الصلاح والتقوى لأجل أن يعتقد فيه رجلٌ عظيم القدر كثير المال؛ ليحصل له مال وجاه.. 3.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض و كونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخْذُلُه ولا يَحْقره التقوى هاهنا ـ و أشار إلى صدره ـ بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه و ماله وعرضه.
((حديث أبي بكرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في خطبته في حجة الوداع إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت.
(قال الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا:
فَجَمَعَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الدَّمِ وَالْعِرْضِ لِمَا فِيهِ مِنْ إيغَارِ الصُّدُورِ، وَإِبْدَاءِ الشُّرُورِ، وَإِظْهَارِ الْبَذَاءِ، وَاكْتِسَابِ الأعداء، وَلاَ يَبْقَى مَعَ هَذِهِ الأمور وَزْنٌ لمرموقٍ وَلاَ مُرُوءَةٌ لِمَلْحُوظٍ ثُمَّ هُوَ بِهَا مَوْتُورٌ مَوْزُورٌ؛ وَلِأَجْلِهَا مَهْجُورٌ مَزْجُورٌ.
((حديث أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ:
خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجًّا فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ فَمَنْ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا فَكَانَ يَقُولُ لَا حَرَجَ لَا حَرَجَ إِلَّا عَلَى رَجُلٍ اقْتَرَضَ عِرْضَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ ظَالِمٌ فَذَلِكَ الَّذِي حَرِجَ وَهَلَكَ.
(ومعنى اقترض: أي اقتطع، والمراد أنه نال من أخيه المسلم بالطعن فيه.
(قال الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا:
فَجَمَعَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الدَّمِ وَالْعِرْضِ لِمَا فِيهِ مِنْ إيغَارِ الصُّدُورِ، وَإِبْدَاءِ الشُّرُورِ، وَإِظْهَارِ الْبَذَاءِ، وَاكْتِسَابِ الأعداء، وَلاَ يَبْقَى مَعَ هَذِهِ الأمور وَزْنٌ لمرموقٍ وَلاَ مُرُوءَةٌ لِمَلْحُوظٍ ثُمَّ هُوَ بِهَا مَوْتُورٌ مَوْزُورٌ؛ وَلِأَجْلِهَا مَهْجُورٌ مَزْجُورٌ.
((حديث أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) قَالَ:
مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَيُعَذَّبُ فِي الْبَوْلِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُعَذَّبُ فِي الْغَيْبَةِ.
(أورد أبو الشيخ الأصبهاني رحمه الله تعالى في التوبيخ والتنبيه عن المحاربي قال: قيل للربيع بن خثيم: مالك لا تذم الناس؟ قال: والله ما أنا عن نفسي براض، فأتفرغ من ذمها إلى ذم غيرها، إن الناس خافوا الله في ذنوب غيرهم، وأمنوه على ذنوبهم.
(الإجماع على تحريم الغيبة:
(قال الشوكاني رحمه الله في السلوك الإسلامي القويم: وأما الإجماع فلا شكّ ولا ريب في اتفاق جميع الأمة على تحريم الغيبة ولم يسمع عن أحد الترخيص فيها، لكنهم استثنوا صوراً ذكرها النووي في شرح مسلم، وهي ستة أسباب: الأول: الاستعانة على تغيير المنكر.
الثاني: جرح المجروحين من الرواة والشهود والمصنفين والمشاورة والنصيحة.
الثالث: التعريف.
الرابع: الاستفتاء.
الخامس: المظلوم.
قال النووي: فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان أو القاضي أو غيرهما ممن له ولاية وقدرة على إنصافه من ظالمه ويقول: فعل بي فلان أو ظلمني.
السادس: المجاهر بفسقه وبدعته.
أهـ
(نصح من اغتاب الناس:
(أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في بحر الدموع أن محمد بن واسع رأى شبابًا في المسجد، قد خاضوا في بحر الغيبة والضلالة، فقال لهم: أيجمل بأحدكم أن يكون له حبيب، فيخالفه ليفوز به غيره؟ فقالوا: لا.
فقال: أنتم قعود في بيت الله تخالفون أمره، وتغتابون الناس.
فقالوا: قد تبنا.
فقال: يا أولادي، هو ربكم وحبيبكم، وإذا عصيتموه، وأطاعه غيركم، خسرتموه.
وربحه غيركم، أفلا يضرّكم ذلك؟ قالوا: نعم.
فقال: ومن خالفه، وربما يعاقبه لو عاقبه، أفلا تغيرون على شبابكم كيف يعاقب بالنار والعذاب وغيركم يفوز بالجنة والثواب.
قالوا: نعم وحسن رجوعهم إلى الله تعالى.
(التحذير من غيبة الميت:
(ولا شك أن غيبة المسلم الميت أفحش من غيبة الحي وأشد؛ لأن عفو الحي واستحلاله ممكن بخلاف الميت 1
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ وَلَا تَقَعُوا فِيهِ.
(قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:
قال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الْغِيبَةُ مَرْعَى اللِّئَامِ.
وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ: لَا يَذْكُرُ فِي النَّاسِ مَا يَكْرَهُونَهُ إلَّا سِفْلَةٌ لَا دِينَ لَهُ.
أهـ
مسألة: ما حكم أن يصفَ الرجلُ الرجلَ بِالْعَوَرِ أَوْ الْعَرَجِ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ شَيْنَهُ إلَّا إرَادَةَ أَنْ يُعْرَفَ؟
(قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:
رَوَى الْخَلَّالُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَصِفُ الرَّجُلَ بِالْعَوَرِ أَوْ الْعَرَجِ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ شَيْنَهُ إلَّا إرَادَةَ أَنْ يُعْرَفَ؟ قَالَ لَا أَدْرِي هَذَا غِيبَةً.