فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 1134-1173

كتاب الزهد

صفحات 1134-1173
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوي20/ 321:.. فإن الذي اتفق عليه أهل العلم أنه ليس بعد القرآن كتاب أصح من كتاب البخاري، ومسلم، وإنما كان هذان الكتابان كذلك؛ لأنه جرد فيهما الحديث الصحيح.
وقال في الفتاوي 18/ 74: وأما كتب الحديث المعروفة مثل البخاري ومسلم، فليس تحت أديم السماء كتاب أصح من البخاري ومسلم بعد القرآن.
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء 12/ 568: وهو كتاب نفيس كامل في معناه.
وقال ابن القيم في الصواعق المرسلة 2/ 655: وأهل الحديث متفقون على أحاديث الصحيحين وإن تنازعوا في أحاديث يسيرة منها جدا، وهم متفقون على لفظها، ومعناها كما اتفق المسلمون على لفظ القرآن ومعناه.
وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب 10/ 114: حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله، بحيث أن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل، وذلك لما اختص به من جمع الطرق، وجودة السياق، والمحافظة على أداء الألفاظ كما هي من غير تقطيع، ولا رواية بمعنى، وقد نسج على منواله خلق عن النيسابوريين فلم يبلغوا شأوه وحفظت منهم أكثر من عشرين إماما ممن صنف المستخرج على مسلم فسبحان المعطي الوهاب.
وقال ولي الله الدهلوي في كتابه الإنصاف في بيان سبب الاختلاف ص292ـ المطبوع ضمن مجموعة الرسائل الكمالية رقم (4) ـ: توخى تجريد الصحاح المجمع عليها بين المحدثين المتصلة المرفوعة مما يستنبط منه السنة، وأراد تقريبها إلى الأذهان، وتسهيل الاستنباط منها، فرتب ترتيبا جيدا، وجمع طرق كل حديث في موضع واحد ليتضح اختلاف المتون، وتشعب الأسانيد أصرح ما يكون، وجمع بين المختلفات، فلم يدع لمن له معرفة بلسان العرب عذرا في الإعراض عن السنة إلى غيرها.
مسألة: هل خرج مسلم كل الأحاديث الصحيحة؟ لما عاتبَ أبو زرعة وابنُ واره مسلماً على تسمية كتابه بالصحيح، وأنه قد يحتجُ أهلُ البدع على أن ما ليس في كتابه ليس بصحيح كان جوابه: إنما أخرجت هذا الكتاب، وقلتُ: هو صحاح، ولم أقل إن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب ضعيف، ولكني إنما أخرجت هذا من الحديث الصحيح ليكون مجموعا عندي، وعند من يكتبه عني، فلا يرتاب في صحتها، ولم أقل إن ما سواه ضعيف.
سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي 2/ 674، وصيانة مسلم ص1225، وشرح مسلم للنووي 1/ 144. وقال مسلم في صحيحه 2/ 15: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ها هنا، إنما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه.

قلتُ: وحصل بتأليف الإمام مسلم لصحيحه نفع عظيم لهذه الأمة، فجزاه الله خيرا.
الموازنة بين الصحيحين: اختلف العلماء في المقدم من الكتابين فالجمهور على ترجيح البخاري؛ لعدة أمور، وخالفهم أبو علي النيسابوري، وابن حزم، وغيرهم من علماء المغرب فقدموا مسلما ـ على خلاف أيضا في توجيه كلامهم ـ قال الحافظ العراقي: أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ في الصحيحِ... مُحَمَّدٌ وَخُصَّ بِالتّرْجِيْحِ وَمُسْلِمٌ بَعْدُ، وَبَعْضُ الغَرْبِ مَعْ... أَبِي عَلِيٍّ فَضَّلُوا ذَا لَوْ نَفَعْ وقال الحافظ ابن الديبع ـ كما في الحطة ص169 ـ: تنازع قومٌ في البخاري ومسلم... لدي وقالوا أي ذين يُقَدَمُ فقلت لقد فاق البخاري صحة... كما فاق في حسن الصناعة مسلم والغرض هنا الإشارة، ومن أراد التفصيل فلينظر: هدي الساري لابن حجر 1/ 10، والنكت على ابن الصلاح له أيضا ص62: فهناك كلام نفيس جدا في التفضيل، والموازنة بين الصحيحين.
وينظر: فتاوى ابن تيمية 20/ 321. شروح صحيح مسلم: لَقِيَ كتاب مسلم عناية من العلماء ـ وإن لم تكن كالعناية بأخيه صحيح البخاري ـ فشرح صحيح مسلم بشروح كثيرة لعل أجلها شرح الإمام النووي لصحيح مسلم.
مختصرات صحيح مسلم: اختصر صحيح مسلم جمع من العلماء، ومن أشهر هذه المختصرات: تلخيص صحيح مسلم للحافظ أبي العباس القرطبي، وعمل على تلخيصه شرحا حافلا بالفوائد، وقد طبع التلخيص مفردا بتحقيق رفعت فوزي، وأحمد الخولي، وطبع مع الشرح بتحقيق محيي الدين مستو، وأصحابه، وهو محقق في رسائل دكتوراه في جامعة الإمام لكنها حبيسة الأدراج!.
ومختصر صحيح مسلم للحافظ زكي الدين المنذري.
وهو مطبوع بتحقيق المحدث الألباني، وطبع طبعة أخرى.
واختصر مختصر المنذري عبد اللطيف أحمد يوسف وسماه "تحفة المسلم من صحيح مسلم".
وللإمام مسلم رحمه الله تعالى مؤلفات أخرى منها ما يلي: التمييز، الكنى والأسماء، الطبقات، المنفردات والوحدان، رجال عروة بن الزبير، وهذه كلها قد طبعت.
وله: كتاب العلل، كتاب الأفراد، كتاب الأقران، سؤالاته أحمد ابن حنبل، كتاب عمرو بن شعيب، كتاب الانتفاع بأهب السباع، كتاب مشايخ مالك، كتاب مشايخ الثوري، كتاب مشايخ شعبة، كتاب من ليس له إلا راو واحد، كتاب المخضرمين، كتاب أولاد الصحابة، كتاب أوهام المحدثين، أفراد الشاميين، الرد على محمد بن نصر.
وغيرها.
سير أعلام النبلاء 12/ 579، وطبقات علماء الحديث 2/ 288، وغنية المحتاج ص40، تدريب الراوي 2/ 363.

(4) ثناء العلماء على الإمام مسلم: أثنى على مسلم كبار العلماء من شيوخه، وأقرانه، وتلاميذه، ومن جاء بعدهم من علماء الأمة، والثناء عليه كثير جدا منها ما يلي: قال أبو قريش محمد بن جمعة بن خلف ـ تأريخ دمشق 58/ 89 ـ: سمعت بندارا محمد بن بشار يقول: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند ومحمد بن إسماعيل ببخارى.
وقال الحسين بن منصور: سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ـ وذكر مسلم بن الحجاج ـ، فقال: مردا كابن بوذ، قال المنكدري [شيخ الخطيب]: وتفسيره: أي رجل كان هذا؟! وقال أحمد بن سلمة: رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلما في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما.
تأريخ بغداد 13/ 101 - 102. وقال إسحاق الكوسج: لمسلم لن نعدم الخير ما أبقاك الله للمسلمين.
تأريخ دمشق 58/ 89 وتذكرة الحفاظ 2/ 588. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في الجرح والتعديل 8/ 182: كتبت عنه بالري، وكان ثقة من الحفاظ له معرفة بالحديث.
وقال أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم الحافظ: إنما أخرجت نيسابور ثلاثة رجال محمد بن يحيى، ومسلم بن الحجاج، وإبراهيم بن أبي طالب.
سير أعلام النبلاء 12/ 565. وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ 2/ 588: مسلم بن الحجاج الإمام الحافظ حجة الإسلام.
(5) مهنة الإمام مسلم:

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 12/ 570: قال الحاكم: كان متجرُ مسلم خان محمش ـ اسم موضع ـ، ومعاشه من ضياعه بأستوا.
قلتُ: أستوا ناحية من نواحي نيسابور، كما في معجم البلدان 1/ 175. وفي تهذيب التهذيب لابن حجر 10/ 114: قال محمد بن عبد الوهاب الفراء: كان مسلم من علماء الناس..، وكان بزازا.
وفي العبر 2/ 29: وكان صاحب تجارة، وكان محسن نيسابور، وله أملاك وثروة.
اهـ. فتجارته في البز، وكانت المزارع في أستوا المصدر الثاني له.
(6) صفة الإمام مسلم الخَلْقية: قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 12/ 566: قال الحاكم: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: رأيت شيخا حسن الوجه، والثياب عليه رداء حسن، وعمامة قد أرخاها بين كتفيه، فقيل: هذا مسلم، فتقدم أصحاب السلطان، فقالوا: قد أمر أمير المؤمنين أن يكون مسلم بن الحجاج إمام المسلمين فقدموه في الجامع، فكبر وصلى بالناس.
وهذا الخبر عند ابن عساكر في تاريخ دمشق 58/ 89: ولفظه: يقول رأيت في منامي شيخا..

وقال الذهبي 12/ 570: قال الحاكم: وسمعت أبي يقول: رأيت مسلم بن الحجاج يحدث في خان محمش فكان تام القامة أبيض الرأس، واللحية يرخي طرف عمامته بين كتفيه.
(7) عقيدة الإمام مسلم:

هي عقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين ومما يدل على ذلك: أـ قوله في مقدمة صحيحه 1/ 6: أعلم وفقك الله تعالى أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها من المتهمين أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم، والمعاندين من أهل البدع.
اهـ. قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 12/ 558: وأكثر عن علي بن الجعد لكنه ما روى عنه في الصحيح شيئا.
اهـ قلتُ: هذا السبب: قال مكي بن عبدان: سألت مسلما عن علي بن الجعد؟ فقال: ثقة، ولكنه كان جهميا.
سير أعلام النبلاء 12/ 568. ب ـ وافتتح صحيحه بكتاب الإيمان، وضمنه أحاديث في تقرير مذهب أهل السنة في عدد من المسائل، والرد على أهل البدع من القدرية، والمرجئة، والخوارج، والجهمية، وغيرهم، وفيه الاحتجاج بخبر الواحد..، وأفرد كتابا للقدر.. ج ـ وموضوع كتابه كله على منهاج أهل السنة، وهو نقمة على أهل البدع.
د ـ وذكر أبو عثمان الصابوني في اعتقاد أهل السنة وأصحاب الحديث ص121 - 123: في آخر الكتاب.. ـ بعد أن ذكر عقيدة أهل السنة ـ أسماء جمع من أئمة أهل السنة منهم " مسلم بن الحجاج " وقال: من أحبهم فهو صاحب سنة، ثم قال: وهذه الْجُمَلُ التي أثبتها في هذا الجزء كانت معتقد جميعهم لم يخالف فيها بعضهم بعضا، بل أجمعوا عليها كلها، ولم يثبت عن أحد منهم ما يضادها.
اهـ. ه قال شيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل 7/ 36

وأما في معرفة ما جاء به الرسول وما كان عليه الصحابة والتابعون فمعرفتهم [جماعة ممن وقعوا في بدع المتكلمين] بذلك قاصرة، و إلا فمن كان عالما بالآثار، وما جاء عن الرسول، وعن الصحابة، والتابعين من غير حسن ظن بما يناقض ذلك لم يدخل مع هؤلاء ـ إما لأنه علم من حيث الجملة أن أهل البدع المخالفين لذلك مخالفون للرسول قطعا، وقد علم أنه من خالف الرسول فهو ضال ـ كأكثر أهل الحديث، أو علم مع ذلك فساد أقوال أولئك، وتناقضها كما علم أئمة السنة من ذلك ما لا يعلمه غيرهم كمالك [ثم سرد أسماء جموع من الأئمة منهم:] ومسلم بن الحجاج النيسابوري... ومن لا يحصي عدده إلا الله من أئمة الإسلام، وورثة الأنبياء وخلفاء الرسل؛ فهؤلاء كلهم متفقون على نقيض قول النفاة كما تواترت الآثار عنهم، وعن غيرهم من أئمة السلف بذلك من غير خلاف بينهم في ذلك.
و- قال العلامة الذهبي في العلو 2/ 1184: وممن لا يتأول ويؤمن بالصفات وبالعلو في ذلك الوقت.. الإمام الحجة مسلم بن الحجاج القشيري صاحب الصحيح.
زـ قال العلامة ابن القيم في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية " ص241: قول مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى: يعرف قوله في السنة من سياق الأحاديث التي ذكرها ولم يتأولها، ولم يذكر لها تراجم كما فعل البخاري، ولكن سردها بلا أبواب، ولكن تعرف التراجم من ذكره للشيء مع نظيره فذكر في كتاب الإيمان كثيرا من أحاديث الصفات كحديث: الإتيان يوم القيامة، وما فيه من التجلي، وكلام الرب لعباده، ورؤيتهم إياه، وذكر حديث: الجارية، وأحاديث: النزول، وذكر حديث: إن الله يمسك السماوات على أصبع والأرضين على إصبع، وحديث: يأخذ الجبار سمواته وأرضه بيده، وأحاديث: الرؤية، وحديث: يضع الجبار فيها قدمه، وحديث: المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، وحديث: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، وغيرها من أحاديث الصفات محتجا بها، وغير مؤل لها، ولو لم يكن معتقدا لمضمونها لفعل بها ما فعل المتأولون حين ذكروها.
اهـ ح ـ قال العلامة محمد السفاريني في كتابه "لوامع الأنوار البهية، وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية " 1/ 22: [في سرده لعلماء أهل السنة.. ] ومسلم، وأبو داود... ثم قال: وغير هؤلاء كلهم على عقيدة واحدة سلفية أثرية.

وهذا يزيل إشكال عدم ذكر اللالكائي له في معرض سياقه من رسم بالإمامة في السنة، والدعوة، والهداية إلى طريق الاستقامة.. في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة 1/ 51 - 53 مع أنه ذكره في 1/ 302: فيمن نقلوا كلاما في رد بدعة.
قلتُ: فلعله لم يذكره لأنه لم يؤلف في الرد على أهل البدع..، أو يكون قد غفل عنه، أو سقط سهوا.
ط ـ سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ـ مجموع الفتاوي 20/ 39 ـ هل البخاري ومسلم ـ وذكر جمعاً من العلماء ـ هل كان هؤلاء مجتهدين لم يقلدوا أحدا من الأئمة أم كانوا مقلدين؟ وهل كان من هؤلاء أحد ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة.. ؟ فأجاب جوابا طويلا جاء في آخره: وهؤلاء كلهم يعظمون السنة، والحديث.
اهـ. ي ـ ومما يؤكد ذلك أيضا كونه تلميذا، وصاحباً لأئمة أهل السنة كأحمد، وإسحاق، والبخاري، وأبي زرعة وغيرهم، ومعلوم مكانة وشدة هؤلاء في السنة، وشدتهم على أهل البدع، حيث لم يكن لأهل البدع نصيب من مجالستهم.
ك ـ كل من ذكره، وترجم له من العلماء ابتداء من شيوخه، وحتى اليوم قد أثنوا عليه، وذكروه بأحسن الذكر، ولم يَنقل أحد منهم أنه كان مخالفا لطريقة السلف، أو متلبسا ببدعة، وحاشاه من ذلك، بل كان متابعا متأسيا بسنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فرحمه الله رحمة واسعة.
(8) مذهب الإمام مسلم الفقهي:

إذا نظرت في أسماء كتب الإمام مسلم تجدها كلها تقريبا في علم الحديث وفنونه، كما هو حال أكثر أهل الحديث في ذاك الزمان، ولذا لم يتضح منهجه الفقهي تماما، إلا أنه بلا شك من أهل العلم الكبار في زمانه في الحديث والفقه، وإن لم يكن من الأئمة المجتهدين كأحمد، والبخاري، و إلا لظهر رأيه، واختياره كما ظهر رأي غيره، والناظر في كتابه الصحيح، وانتقائه الأحاديث، وحسن ترتيبه يدرك أنه من فقهاء أهل الحديث، وأنه مطلع على اختلاف الفقهاء، ولذا قال الحافظ ابن حجر في التقريب ص529: عالم بالفقه.
وذكر حاجي خليفة مسلما في كتابه كشف الظنون 1/ 555 فقال: مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري الشافعي.
وأخذه بنصه صديق خان في الحطة ص 198. وقال الدهلوي في الإنصاف في بيان سبب الاختلاف ص314ـ المطبوع ضمن مجموعة الرسائل الكمالية رقم (4) ـ: وأما مسلم والعباس الأصم.. فهم متفردون لمذهب الشافعي يناضلون دونه.
قلتُ: وهذا القول: فيه نظر.

ومما يدل على عنايته بالفقه، أن له سؤالات للإمام أحمد ـ رحمه الله ـ قال القاضي أبو الحسين ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة 3/ 309 - 315 ـ في ترجمة الحسن بن حامد ـ قال ابن أبي يعلى: قرأت في بعض تصانيفه [ابن حامد] قال: اعلم أن الذي يشتمل عليه كتابنا هذا من الكتب والروايات المأخوذة من حيث نقل الحديث والسماع منها كتاب الأثرم، وصالح، وعبد الله، وابن منصور... ومسلم بن الحجاج... ـ إلى أن قال ـ: وأما رواية مسلم بن الحجاج فأخبرناه أبو إسحاق المزكي قال حدثنا أبو حاتم مكي بن عبدان بن محمد بن بكر، عن مسلم بن الحجاج عنه.
وبناء على هذا، وعلى رواية مسلم عن أحمد = ترجم له في طبقات الحنابلة 2/ 413 وقال عنه: أحد الأئمة من حفاظ الأثر.
قلتُ: ولا يعني ذلك أنه حنبلي، بل وصفه بالإمامة، وحفظ الأثر، وقد ترجم أيضا: لشيخي أحمد: وكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي؛ لكونهم حكوا شيئا عن أحمد.
ولهذا السبب ترجم له غير واحد ممن ألف في طبقات الحنابلة بعد ابن أبي يعلى.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ـ مجموع الفتاوي 20/ 39 ـ هل البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو داود الطيالسي والدرامي والبزار والدارقطني والبيهقي وابن خزيمة وأبو يعلى الموصلي هل كان هؤلاء مجتهدين لم يقلدوا أحدا من الأئمة أم كانوا مقلدين؟ وهل كان من هؤلاء أحد ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة؟... فأجاب: الحمد لله رب العالمين أما البخاري، وأبو داود؛ فإمامان في الفقه من أهل الاجتهاد، وأما مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وأبو يعلى والبزار ونحوهم فهم على مذهب أهل الحديث ليسوا مقلدين لواحد بعينه من العلماء، ولا هم من الأئمة المجتهدين على الإطلاق بل هم يميلون إلى قول أئمة الحديث كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأمثالهم، ومنهم من له اختصاص ببعض الأئمة كاختصاص أبي داود، ونحوه بأحمد بن حنبل وهم إلى مذاهب أهل الحجاز كمالك، وأمثاله، أميل منهم إلى مذاهب أهل العراق كأبي حنيفة والثوري... وهؤلاء كلمهم يعظمون السنة والحديث.. اهـ باختصار.
وقال السخاوي في غنية المحتاج في ختم صحيح مسلم بن الحجاج ص40 - 41:

والظاهر أنه ـ رحمه الله ـ كان على طريقة الأئمة من أهل الآثار في عدم التقليد بل سلك الاختيار مع إمكان الاستدلال بما وجد له من مقال لكونه مقتديا بإمامنا ابن إدريس الفائق في الاجتهاد، والتأسيس، فإنه قال في كتابه الانتفاع بجلود السباع، وقد ذكر قولة من عاب قوله: ورب عياب له منظر مشتمل الثوب على العيب.
بل قال الأستاذ أبو منصور البغدادي: بالغ مسلم في تعظيم الشافعي ـ رحمهم الله تعالى ـ في كتابه الانتفاع.
وفي كتابه الرد على محمد بن نصر وعده في هذا الكتاب من الأئمة الذين يرجع إليهم في الحديث، وفي الجرح والتعديل.
اهـ قلتُ: ومبالغته في تعظيم الشافعي ـ رحمه الله ـ لا تعني أنه يقلده، فقد كان أحمد أيضا: يبالغ في تعظيمه فهل كان شافعيا؟ هذا الاستدلال فيه نظر، والله أعلم.
ثم قال السخاوي: وكذا يمكن استدلال أصحاب أحمد بأنه كتب عن إمامهم مسائل تروى عنه، وتُعتمد.
ولكن الميل بخلاف كل هذا أكثر مما هو أظهر ـ إلى أن قال ـ وممن قال إنه على مذهب أهل الحديث، وليس بمقلد لواحد بعينه من العلماء، ولا هو من المجتهدين على الإطلاع: التقي ابن تيمية رحمه الله تعالى، وإيانا.

وفاة مسلم رحمه الله وسببها:

قال ابن الصلاح في صيانة مسلم ص1216: وكان لموته سبب غريب نشأ عن غمرة فكرية علمية ـ ثم ساق سنده إلى الحاكم ـ قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب سمعت أحمد بن سلمة يقول: عقد لأبي الحسين مسلم بن الحجاج مجلس للمذاكرة، فذكر له حديث لم يعرفه، فانصرف إلى منزله، وأوقد السراج، وقال لمن في الدار: لا يدخلن أحد منكم هذا البيت، فقيل له: أهديت لنا سلة فيها تمر، فقال: قدموها إلي، فقدموها، فكان يطلب الحديث، ويأخذ تمرة تمرة يمضغها، فأصبح وقد فني التمر، ووجد الحديث.
قال الحاكم: زادني الثقة من أصحابنا: أنه منها مرض، ومات.
اهـ. وانظر: تاريخ بغداد 13/ 103، وعنه ابن عساكر في تاريخ دمشق 58/ 94، و تهذيب الكمال27/ 506. وكانت وفاته عشية يوم الأحد، ودفن الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين، رحمه الله رحمة واسعة.
انظر: طبقات الحنابلة 2/ 417، وتاريخ دمشق 58/ 94، وصيانة مسلم ص1216، وشرح مسلم للنووي 1/ 123 و تهذيب الكمال 27/ 507، والبداية والنهاية 11/ 34.

سيرة أبي داود رحمه الله:

كان الإمام أبي داودإمام من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة، من الطبقة التي تلي تابعي التابعين:

عصر أبي داود:

ولد أبو داود في مطلع القرن الثالث الهجري وتوفي في أواخره.
والقرن الثالث هو العصر العلمي الذهبي في تاريخنا كله، وقد أتيح للمؤلف رحمه الله أن يشهد نضج الحضارة الإسلامية في هذا القرن، كما أتيح له أن يعيش هذا العصر الذي ازدحم بالعبقريات والموهوبين الأفذاذ في شتى شؤون الفكر.
ويكفينا للدلالة على ذلك أن نذكر من أعلام هذا القرن الأسماء الآتية: ففي الحديث: كان البخاري ومسلم ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل والترمذي والنسائي.
وفي الفقه: كان الربيع والمزني صاحبا الشافعي وداود الظاهري وغيرهم.
وفي الشعر: كان علي بن الجهم وابن الرومي والبحتري وابن المعتز.
وفي العلم بالأدب: كان المبرد وابن قتيبة والجاحظ وثعلب والفراء، وغيرهم كثير.
وهكذا.. ولا شك في أنَّ أبا داود كان واحداً من هؤلاء العمالقة الأفذاذ في هذا العصر.
وكانت الحضارة قد بدأت تؤتي ثمارها وتنضج نضجاً رائعاً ترك أطيب الأثر في حياة المسلمين والدنيا كلها.
وما نزال معجبين بهذه الحضارة التي أينعت ثمارها وامتدت ظلالها في هذا القرن فكان هذا التراث العظيم الذي ما زالت الأجيال وستبقى تعيش مفيدة من مائدته.
مولد أبو داود:

ولد أبو داود سنة 202هـ في ظل الخليفة العباسي العالم المأمون، وإن استعراض أسماء الخلفاء الذين جاءوا إلى سدة الخلافة خلال حياة أبي داود ليشعرنا بفخامة العصر الذي كان فيه.
فبعد المأمون (ت218هـ) جاء للخلافة المعتصم (ت227هـ) ثم الواثق (ت232هـ) ثم المتوكل (ت247هـ) ثم المنتصر (ت248هـ) ثم المستعين (ت252هـ) ثم المعتز (ت255هـ) ثم المهتدي (ت256هـ) ثم المعتمد على الله (ت 279هـ). وهذا الأخير حَجَر عليه أخوه الموفق واستبدّ بالأمر دونه، ولم يصبح خليفة، وللموفق مع أبي داود أخبار سنذكر طرفاً منها فيما بعد.

اسم أبي داود ونسبه:

هو أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني.
وعمران هذا ذكر ابن عساكر وابن حجر أنه قتل مع علي بن أبي طالب بصفين.
وأبو داود عربي صميم من الأزد، والأزد قبيلة معروفة في اليمن.

والسجستاني نسبة إلى بلد سجستان، وهي بكسر السين وفتحها، والكسر اشهر، والجيم مكسورة فيهما ولم يذكر ياقوت في ((معجم البلدان)) إلا كسر السين.
وقد ذكرت الكتب التي ترجمت له أنه بلد يتاخم أطراف مكران والسند، وقررت أنه ما وراء هراة وذكر ياقوت أنه ناحية كبيرة وولاية واسعة وأنها جنوبي هراة، ووصف حسن جوها وثمراتها وسكانها وعاداتهم وقد وهم من زعم أنّ سجستان قرية من قرى البصرة.
وذكر الأستاذ محبّ الدين الخطيب رحمه الله في مقدمته لكتاب ((موارد الظمآن)) أن سجستان هي بلاد الأفغان الآن وهي في الحقيقة القسم الجنوبي من بلاد الأفغان.
ويقال له السجستاني والسجزي وهي نسبة على غير القياس قال فيها المنذري: وهو من عجيب التغيير في النسب.
وقيل: السجزي إلى سجز وهي سجستان.

مناقب أبي داود رحمه الله:

كان أبو داود رحمه الله تعالى من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء وحراس العقيدة وحماة السنة وأشياع الحق وأنصار دين الله عز وجل، حاملُ لواء السنة وناصرها وقامع البدعة ودامغها.
هاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقبه رحمه الله تعالى: (1) نشأة أبي داود رحمه الله:

ولد أبو داود سنة 202هـ كما ذكرنا وتلقى العلم على علماء بلده، ثم ارتحل وطوّف بالبلاد في طلب العلم وتحصيل الرواية، فزار العراق والجزيرة والشام ومصر وكتب عن علماء هذه البلاد جميعاً.
قال الخطيب: "وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين".
وليس من شك في أنّ هذه الرحلات قد وسعت من أُفُقِهِ وأطلعته على ألوان الثقافة في عصره في كل أنحاء العالم الإسلامي.
والبلاد التي سكنها كثيرة نذكر منها ما وصل إليه علمنا وهي: سجستان التي كانت بلده والتي نسب إليها، وخراسان، والري، وهراة، والكوفة التي دخلها سنة 221هـ كما ذكر الخطيب، وبغداد التي قدم إليها مرات، وآخر مرة زارها كانت سنة 271هـ، وطرسوس التي أقام بها عشرين سنة، ودمشق التي سمع الحديث فيها كما يذكر ابن عساكر، ومصر أيضاً، والبصرة التي انتقل إليها بطلب من الأمير أبي أحمد الموفق الذي جاء إلى منزله في بغداد واستأذن عليه ورجاه أن يتخذ البصرة وطناً ليرحل إليها طلبة العلم من أقطار الأرض فتعمر بسببه فإنه قد خربت وهُجرت وانقطع الناس عنها لما جرى عليها من فتنة الزنج.

وهذا الخبر يدل على أن شهرة أبي داود قد طبقت الآفاق، فالناس يعرفون له قدره وفضله وشهرته، وأحسّت الدولة بذلك فطلبت إليه أن يرحل إلى البصرة البلدة المنكوبة لتعود إليها الحياة ولتعمر من جديد.
وفي هذا دلالة على طبيعة حضارتنا ومنزلة العلم والعلماء فيها، فإن سكنى مثل أبي داود فيها كان العلاج لردِّ العمران إلى بلد مخرّب مهجور.
وهكذا فقد وفق الله أبا داود أن يكون شخصية علمية مرموقة في عصره كان لها أكبر الأثر على الناس في عصره والعصور التي تلت.
(2) سعة علم أبي داود رحمه الله:

كان أبو داود أحد حفاظ الإسلام، وكان من أوسع العلماء معرفة بحديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفقهه وعلله ومتونه ورجاله.
ويبدو أن علماء عصره كانوا يعرفون مكانته العلمية الكبرى ويقدرونه حق قدره؛ يدل على ذلك عدد من الأخبار: منها ما ذكروا من أنّ أحمد بن حنبل روى عنه حديثاً، وكان أبو داود شديد الاعتزاز به.
ومنها ما ذكروا من أن سهل بن عبد الله التستري جاء إلى أبي داود.
فقيل: يا أبا داود هذا سهل جاءك زائراً، فرحّب به وأجلّه.
فقال له سهل: يا أبا داود لي إليك حاجة.
قال: وما هي؟ قال: حتى تقول قد قضيتها مع الإمكان.
قال: قد قضيتها مع الإمكان.
قال: أخرج إلي لسانك الذي حدثت به أحاديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى أقبله، فأخرج إليه لسانه فقبله.
وكان علمه متعدد الجوانب، فهو - مع تخصصه في الحديث - فقيه عظيم، وقد عدّه الشيخ أبو الحسن الشيرازي في طبقات الفقهاء من جملة أصحاب أحمد بن حنبل، وكذا أبو يعلى في ((طبقات الحنابلة)) والعليمي في ((المنهج الأحمد)).

وأبو داود ناقد كبير، وليس هذا غريباً على إمام من أئمة الحديث، لأن هذا العلم يربي في أتباعه حاسة النقد، وقد استطاع أن يبلغ مستواً راقياً من رهافة الحسّ ودقة النقد، وسنرى في دارستنا لكتاب ((السنن)) نماذج من نقده العميق، ولكنني هنا أود أن أشير إلى مجال سبق إليه أبو داود ويحسب بعض الباحثين أنه جديد وأنّ الأقدمين لم يعرفوه، وذلك هو نقد الكتابة وتقدير عمرها بالنسبة إلى الحبر القديم والحديث، يدل على ذلك خبر جاء في كتاب ((الميزان)) للحافظ الذهبي وهو: (قال زكريا بن يحيى الحلواني: رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث يعقوب بن كاسب وقايات على ظهور كتبه، فسألته عنه فقال: رأيتنا في مسنده أحاديث أنكرناها، فطالبناه بالأصول، فدافعنا، ثم أخرجها بعد، فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري؛ كانت مراسيل فاسندها وزاد فيها) وتقدير العمر بالنسبة للحبر أمر يتصل بتقدير العمر بالنسبة إلى الورق ولا أستبعد أن تكون هناك حوادث من هذا القبيل في حياة صاحبنا العلمية، والله أعلم.
ومما يدل على سعة علمه وبصره بالعلم العملي وفقهه الحق في الدين قوله متحدثاً عن كتابه السنن (جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائه حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه.
ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أحاديث أحدها قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الاعمال بالنيات".
وقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
والثالث قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه".
والرابع قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات".
(3) ثناء العلماء على أبي داود رحمه الله:

كان الثناء عليه من قبل المعاصرين له والذين جاؤوا من بعده مُنصباً على ناحيتين: سعة علمه ودقة تحقيقه.
وكرم أخلاقه وتقواه.
فلقد كان ـ رحمه الله ـ مثلاً عالياً في صفتي المحدث القوي وهما العدالة والضبط.
وسنورد شذرات من أقوالهم.
قال أبو بكر الخلال: "أبو داود سليمان الأشعث، الإمام المقدّم في زمانه رجلٌ لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعها أحدٌ في زمانه، رجل ورع مقدم".
وقال أحمد بن محمد بن ياسين الهروي:

"سليمان بن الأشعث أبو داود السجزي، كان أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله وعمله وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع، كان من فرسان الحديث".
وقال ابراهيم الحربي: "ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود النبي عليه السلام الحديد".
وهذه الكلمة رويت أيضاً عن أبي بكر الصغاني.
وقال موسى بن هارون الحافظ: "خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة.
ما رأيت أفضل منه".
وقال علان بن عبد الصمد: "كان من فرسان هذا الشأن".
وقال أبو حاتم بن حبان: "كان أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً وحفظاً ونسكاً وورعاً وإتقاناً، جمع وصنف وذبّ عن السنن".
وقال أبو عبد الله بن منده: "الذين أخرجوا وميزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة: البخاري ومسلم، وبعدهما أبو داود والنسائي".
وقال الحاكم: "أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة".
وقال محمد بن مخلد: "كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة ألف حديث وأقرّ له أهل زمانه بالحفظ".
وقال ابن ماكولا: "هو إمام مشهور".
وكان إبراهيم الأصبهاني وأبو بكر بن صدقة يرفعان من قدره بما لا يذكران أحداً في زمانه مثله.
وقال الذهبي: "وبلغنا أنًّ أبا داود كان من العلماء حتى إن بعض الأئمة قال: كان أبو داود يشبه أحمد بن حنبل في هديه ودله وسمته، وكان أحمد يشبه في ذلك وكيع، وكان وكيع يشبه في ذلك بسفيان، وسفيان بمنصور ومنصور بإبراهيم، وإبراهيم بعلقمة، وعلقمة بعبد الله بن مسعود.
وقال علقمة: كان ابن مسعود يشبه بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هديه ودله".
ولم يرض السبكي في ((طبقاته)) أن يمضي بالسلسلة إلى نهايتها، بل اختار الوقوف عند ابن مسعود.
ونقل ابن العماد عن الذهبي أيضاً قوله في أبي داود: "كان رأساً في الحديث، رأساً في الفقه، ذا جلالة وحرمة وصلاح وورع حتى إنه كان يشبه بأحمد".
وقال ابن الجوزي: "كان عالماً حافظاً عارفاً بعلل الحديث، ذا عفاف وورع وكان يشبه بأحمد بن حنبل".
(4) أساتذة أبي داود رحمه الله:

إن الحديث عن أساتذته لا يتسع له صدر هذا المقال لأنَّ عددهم كبير، وقد ذكر ابن حجر أن شيوخه في ((السنن)) وغيرها من كتبه نحوٌ من ثلاث مائة نفس.
وقد ألف العلماء في شيوخه المؤلفات، وكل كتب الرجال التي تحدثت عن رجال الكتب الستة تحدثت عن أساتذة أبي داود وسنورد أسماء بعضهم فيما يلي.

فمنهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعثمان بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو عمرو الحوضي، ومسلم بن إبراهيم، وسليمان بن حرب، وأبو الوليد الطيالسي، وموسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي، وعبد الله بن مسلمة القضبي، وهناد بن السري، ومخلد بن خالد، وقتيبة بن سعيد، ومسدّد بن مسرهد، ومحمد بن بشار، وزهير بن حرب، ومحمد بن المثنى، وعمرو بن محمد الناقد، وسعيد ابن منصور، وحميد بن مسعدة، وحفص بن عمر وهو أبو عمر الضرير، وتميم بن المنتصر، وحامد بن يحيى، وإسحاق بن إسماعيل الطالقاني.
ولن نستطيع أن نترجم لهؤلاء جميعاً وقد تعمدت أن أذكر المشهورين لتغني شهرتهم عن التعريف بهم.
وليس غريباً أن يكون عدد من أساتذته عمالقة علماء أفذاذاً لأن طبيعة العصر الذي كان فيه أبو داود تقتضي أن يكون هناك نماذج من هذا النوع، كما سبق أن أشرت إلى ذلك عند حديثي عن عصره.
وكثرة الأساتذة أمر معروف معهود في تاريخنا الفكري.
وينبغي أن نخص واحداً من أساتذته بإشارة لابدَّ منها وهو الإمام أحمد بن حنبل، فقط تكرر ذكره كثيراً في أخبار أبي داود، وقد اتصل به ورافقه، وعَرَض عليه ((سننه)) فاستجادها، وكان يسأله أبو داود كثيراً عن أمور الدين وشؤون الحديث، وقد بلغ من اهتمام أبي داود بأجوبة شيخه أحمد أنْ ألّف كتاباً جمع فيه الأسئلة التي ألقيت على الإمام أحمد وأجوبته عليها.
وقد طبع هذا الكتاب بعنوان ((مسائل أحمد)).
وذكر العلماء في ترجمة أبي داود كثيراً من هذه الأسئلة التي كان أبو داود نفسه يتوجه بها إلى الإمام أحمد، أو الأسئلة التي كانت تطرح عليه بحضوره.
فمن ذلك ما ذكره أبو يعلى أن أبا داود قال: سمعت أحمد سئل عن القراءة في فاتحة الكتاب: (مَلِك) أو (مالكِ)؟ يعني: أيهما أحب إليك؟ قال: (مالك) أكثر ما جاء في الحديث فهذا سؤال سمعه فحفظه ورواه.
ونجده يصرح أحياناً بأنه هو الذي سأل الإمام أحمد كما في المثال الآتي: قال أبو داود: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: أرى رجلاً من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة أترك كلامه؟ قال: لا، أو تُعلَمهُ أنَّ الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة.
فإن ترك كلامه فكلّمه، وإلاّ فألحقه به.
قال ابن مسعود: ((المرء بخدنه)).
وكثيراً ما يذكر في كتابه ((السنن)) مثل هذه الأسئلة التي كان يتوجه بها الإمام أحمد.
وقد ينقل قوله دون أن يكون هذا القول جواباً لسؤال سائل كما ذكر أبو يعلى:

قال أبو داود: سمعت أبا عبد الله يقول: من قال إنّ الله لا يُرى في الآخرة فهو كافر.
وهذا كثير الورود في ((السنن)) أيضاً.
ويظهر أن إعجابه البالغ بأحمد وحُبّه الكبير له كان يحمله على أن يتشبّه به حتى رأينا بعض العلماء يذكر تشبهه بأحمد، وهذا مشاهد عند الطلبة المعجبين بأستاذهم، فتراهم يقلدونه حتى في نبرات صوته وسلوكه ومظهره.
(5) من أخذ الحديث عن أبي داود رحمه الله:

روى عنه خلقٌ كثير من العلماء الأئمة؛ نذكر المشهورين منهم، من أمثال الإمام أحمد بن حنبل الذي روى عنه حديثاً واحداً كان أبو داود يعتزُّ بذلك جداً.
ومنهم الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، والإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، والإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، ومنهم إسماعيل بن محمد الصفار، وأبو بكر بن داود الأصفهاني، وحرب بن إسماعيل الكرماني، وأبو عوانة الإسفراييني، وزكريا الساحبي، وأبو بشر محمد بن أحمد الدولابي، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو بكر محمد يحيى الصولي.
ومن تلامذته رواة السنن عنه وعددهم تسعة ذكر الذهبي والسبكي سبعة منهم.
وزاد ابن حجر راويين هما أبو الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الأشناني، وأبو عيسى اسحاق بن موسى بن سعيد الرملي ورَّاقه.
أما الرواة السبعة الذين ذكرتهم معظم المصادر فهم:

  • أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي.
  • وأبو بكر محمد بن بكر بن عبد الرزاق بن داسة التمار.
  • وأبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي.
  • وأبو الحسن علي بن الحسن بن العبد الأنصاري.
  • وأبو أسامة محمد بن عبد الملك الرؤامي.
  • وأبو سالم محمد بن سعيد الجلودي.
  • وأبو عمرو أحمد بن علي بن الحسن البصري.
    (6) وضع أبي داود الاجتماعي والمنزلي:

كان الرجل يتمتع بمنزلة اجتماعية مرموقة، وقد اكتسب شهرة قليلة النظير، وشاع كتابه في حياته، وكان الطلبة يؤمّون منزله من كل مكان.
وكانت له مخالطة طيبة للعلماء في كل الأمصار، ويكفينا في الدلالة على ذلك ما ذكرناه في مبحث أساتذته، كما كانت له صلة قائمة على الاحترام مع الحكام، ويكفينا في الدلالة على ذلك أن يقوم رجل الدولة الأول الموفق بزيارته وأن يطلب منه ما يطلب لعمارة البصرة كما أشرنا.
وكان الرجل متزوجاً وله أولاد من أشهرهم ابنه عبد الله.

ويبدو أنه كان حريصاً على أن يطلب أولاده العلم في وقت مبكر، ولذلك فقد كان يأخذهم معه ليحضروا مجالس العلم وليسمعوا.
نقل ياقوت عن ابن عساكر خبراً يرويه عن الحسن بن بندار قال: (كان أحمد بن صالح يمتنع على المرد من رواية الحديث لهم تعففاً وتنزهاً ونفياً للمظنة عن نفسه.
وكان أبو داود يحضر مجلسه ويسمع منه، وكان له ابنٌ أمرد يحبُّ أن يسمع حديثه، وعرف عادته في الامتناع عليه من الرواية، فاحتال أبو داود بأن شدّ على ذقن ابنه قطعة من الشعر ليتوهم أنه ملتحٍ، ثم احضره المجلس وأسمعه جزءاً.
فأخبر الشيخ بذلك، فقال لأبي داود: أمثلي يعمل معه هذا؟ فقال له: أيها الشيخ لا تنكر عليَّ ما فعلته واجمع أمردي هذا مع شيوخ الفقهاء والرواة فإن لم يقاومهم بمعرفته فاحرمه حينئذٍ من السماع عليك.
قال: فاجتمع طائفة من الشيوخ، فتعرض لهم هذا الأمرد مطارحاً، وغلب الجميع بفهمه، ولم يرو له الشيخ مع ذلك من حديثه شيئاً.
وحصل له ذلك الجزء الأول.
وذكروا في بعض أخباره ما ينبئ عن اتخاذه بعض الخدم، ومنهم أبو بكر بن جابر خادمه الذي روى حديث مقابلة الموفق له.
(6) أخلاق أبي داود وصفاته رحمه الله:

كان أبو داود رجلاً كبيراً ذا خلق كريم.
كان صالحاً عابداً ورعاً، وكان ذكياً مجداً دؤوباً كثير الاحتمال لمشاق الارتحال وطلب العلم، وكان يقظاً شديد الانتباه يعرف الناس على حقيقتهم ولا تنطلي عليه وسائل الخداع، وكان أبياً كريم النفس، وكان جريئاً في الحق أميناً على رسالة العلم قائماً بحق الدين.
وسأورد فيما يلي أخباراً تدل على صراحته في الحق وجرأته في قوله، لا يخاف في ذلك لومة لائم، وسيمر بنا أيضاً في دراسة ((السنن)) أمثلة عديدة على ذلك في موضوع جرح الرجال.
وقد خصصت هذا الخلق بالبيان لأنه الخلق الذي اعتقد أنه من أهم صفات العلماء، ولأنّ الناس يعانون الكثير من فقد هذا الخلق في حياتهم وعند نفر من العلماء، ويشهدون كم تجر المجاملة التي يتصف بها كثير من الناس من الويلات على الدين والعلم والحق.
والعلماء يمثلون القيادة الفكرية للأمة، والقوة الموجهة التي تحول بين الجماهير والانحراف والفساد، فإذا فقدوا فضيلة الصراحة في الحق والجرأة في إلقاء الكلمة المؤمنة الصادقة كان إيذاء ذلك شديداً.
وكانت عاقبة ذلك دماراً للأمة ولكل معاني الخير فيها.
فمن أجل ذلك رأيت أن أضرب بعض الأمثلة على أصالة هذا الخلق العظيم في سيرة هذا الإمام العظيم: ذكر أبو يعلى أنّ محمد بن علي الآجري قال: قلت لأبي داود: أيهما أعلى عندك: علي بن الجعد أو عمرو بن مرزوق؟ قال: عمروٌ أعلى عندنا.
عليُّ بن الجعد وُسِمَ بميسم سوء قال: ((وما يسؤوني أن يعذب الله معاوية)) وقال: ((ابن عمر ذاك الصبي))).
فأبو داود يعلن رأيه بصراحة، ويجرح علي بن الجعد ويذكر سبب الجرح وهو وقوعه في الصحابة، إذ أن كلمته في معاوية تدل على شيء من الكراهية لبعض الصحابة أو عدم اهتمام على أقل تقدير، وذلك عندما يقرر أنه لا يسوءه أن يعذب الله معاوية رضي الله عنه، وكذلك فإنّ قوله عن ابن عمر إنه صبي فيه ما يدل على قلة احترام للصحابة وعلى التهوين من شأنهم.
ومن الأمثلة الرائعة على جرأته في الحق ومواجهته الحكام بما يعتقد سواء وافق رغبتهم أم لم يوافق ما رواه خادمه أبو بكر بن جابر الذي قال: كنت معه ببغداد، فصلينا المغرب إذ قرع الباب، ففتحتُه فإذا خادم يقول: هذا الأمير أبو أحمد الموفق يستأذن.
فدخلت إلى أبي داود فأخبرته بمكانه، فإذن له، فدخل، وقعد، ثم أقبل عليه أبو داود وقال: ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت؟ فقال: خلال ثلاث.
فقال: وما هي؟ قال: تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطناً ليرحل إليك طلبة العلم من أقطار الأرض فتعمر بك، فإنها قد خربت، وانقطع عنها الناس لما جرى عليها من محنة الزنج.
فقال: هذه واحدة.
هات الثانية.
قال: وتروي لأولادي كتاب ((السنن))؟ قال: نعم.
هات الثالثة.
قال: وتفرد لهم مجلساً للرواية، فإنَّ أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامة.
فقال: أما هذه فلا سبيل إليها، لأنَّ الناس شريفهم ووضيعهم في العلم سواء.
قال ابن جابر: فكانوا يحضرون بعد ذلك ويقعدون وبينهم وبين الناس ستر فيسمعون مع العامة.
ومن الأمثلة التي تدل على جرأته وقوله الحق دون مراعاة لقرابة أو صلة موقفه من ابن أبي بكر عبد الله صاحب التصانيف.
فقد قال عنه: ((ابني عبد الله كذَّابٌ)).
(7) من دُررِ مواعظ أبي داود رحمه الله:

كان الرجل حكيماً، وليس ذلك بمستغرب على من اجتمعت فيه هذه الأوصاف التي أشرنا إليها آنفاً، وصاحب حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جدير بأن تفيض الحكمة على لسانه.
وقد ذكرت الكتب التي ترجمت له بعض هذه الجمل المأثورة الجميلة.
فمن ذلك قوله:

الشهوة الخفية حب الرئاسة".
وقوله: "خير الكلام ما دخل الأذن بدون أذن".
وقوله: "من اقتصر على لباس دونٍ ومطعم دونٍ أراح جسده".
وهذه الأقوال وغيرها مما يدل على حكمة رصينة انتهى إليها المؤلف بعد علم ونظر وتمرس بالحياة الفاضلة.
(8) كتب أبي داود رحمه الله:

1 - المراسيل: وقد طبع في القاهرة سنة 1310هـ. ومخطوطاته موجودة في تركيا ومصر وغيرهما، وقد ذكرها سزكين في ((تاريخ التراث العربي)).
2 - مسائل الامام أحمد: وهي مرتبة على أبواب الفقه، يذكر فيها أبو داود السؤال الموجّه لأحمد وجوابه عليها، وهو كتاب جليل من الناحية الفقهية ينقل لنا بدقة وأمانة آراء الامام أحمد بن حنبل، وطبع في القاهرة بتحقيق السيد رشيد رضا، وأعيد تصويره في بيروت مؤخراً.
وقد ذكرته معظم الكتب التي ترجمت لأبي داود أو عنيت باحصاء تراثنا الاسلامي وذكر ابن حجر ان أبا عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري الحافظ هو راوي المسائل عنه.
3 - الناسخ والمنسوخ: ذكر ابن حجر أن راوي هذا الكتاب عنه أبو بكر أحمد بن سليمان النجار.
ونقل السيوطي عن هذا الكتاب وذكره اسماعيل البغدادي بعنوان ((ناسخ القرآن ومنسوخه)).
4 - إجاباته عن سؤالات أبي عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري: قال ابن كثير: ولأبي عبيد الآجري عنه ((أسئلة في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل)) كتاب مفيد وذكرها سزكين بعنوان: ((سؤالات أجاب عنها أبو داود في معرفة الرجال وجرحهم وتعديلهم)) وذكر أنها موجودة في كوبريلي وباريس.
وذكر أن ابن حجر استخدم هذه الرسالة كثيراً في ((تهذيب التهذيب)).
5 - رسالته في وصف كتاب ((السنن)): وحققتها ونشرتها في مجلة أضواء الشريعة في الرياض العدد الخامس سنه 1394هـ ثم نشرتها مفردة دار العربية في بيروت، وقد سبق أن نشرت في مصر سنة 1369هـ ومخطوطتها في المكتبة الظاهرية في دمشق.
6 - كتاب الزهد: وتوجد منه نسخة بالقرويين بفاس كما أشار إلى ذلك الأستاذ سزكين.
7 - تسمية الاخوة الذين روي عنهم الحديث: وهي رسالة من ثماني ورقات محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق، وهي من رواية السّلفي، ومكتوبة بخط مغربي كما ذكر ذلك الأستاذ ناصر الدين الألباني وذكر الأستاذ أكرم العمري هذه الرسالة بعنوان ((تسمية الأخوة من أهل الأمصال)) وقال:

"وقد استفاد أبو داود في تصنيف رسالته ((تسمية الأخوة)) مما قرأه في كتاب علي بن المديني بخطه، كما استفاد من طريقته في تنظيم المادة، فنجده يرتب الاخوة الذين روي عنهم الحديث على المدن، وقد اكتفى أبو داود بتجريد الأسماء ولم يقتصر على ذكر الصحابة، بل ذكر من تلاهم أيضاً".
وذكر الاستاذ العمري في تعليقه في الصفحة نفسها أن الرسالة تقع في 7 ورقات وأن الورقة 24 سطراً وأنها مكتوبة بخط ناعم، وذكر سزكين أنها مكتوبة في القرن السادس الهجري.
8 - أسئلة لأحمد بن حنبل عن الرواة والثقات والضعفاء: قال الأستاذ الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: "رتبت أسماؤهم على أسماء بلادهم، ثقات مكة، ثقات المدينة..، وينتهي بضعفاء المدينة".
وهي نسخة ناقصة من أولها، وموجودة في الظاهرية.
9 - كتاب القدر: وذكر ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) باسم ((الردّ على أهل القدر)) وذكر أن راوي هذا الكتاب عنه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يعقوب المتوثي البصري.
وقال سزكين: اقتبس منه ابن حجر في كتابه ((الاصابة)).
10 - كتاب البعث والنشور: ذكره بروكلمان وذكر أنه موجود في دمشق.
11 - المسائل التي حلف عليها الامام أحمد: ذكره سزكين وقال: إنه موجود في دمشق.
12 - دلائل النبوة: ذكره إسماعيل البغدادي وابن حجر في ((تهذيب التهذيب)).
13 - التفرد في السنن: ذكره اسماعيل البغدادي.
14 - فضائل الأنصار: ذكره ابن حجر في مقدمة كتابه ((تقريب التهذيب)).
15 - مسند مالك: ذكره ابن حجر في مقدمة كتابه ((تقريب التهذيب)).
16 - الدعاء: ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب التهذيب)).
17 - ابتداء: ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب التهذيب)).
18 - أخبار الخوارج: ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب التهذيب)).

وفاة أبي داود رحمه الله:

توفى أبو داود رحمه الله يوم الجمعة 15 شوال من سنة 275هـ بالبصرة، ودفن إلى جانب قبر سفيان الثوري بعد أن قدّم خدمات جليلة لدينه وأمته وللثقافة الاسلامية.

سيرة الترمذي رحمه الله:

كان الإمام الترمذي من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة، من الطبقة التي تلي تابعي التابعين:

اسم الترمذي ونسبه ومولده:

هو الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى السُّلمي الترمذي، والترمذي: نسبة إلى "تِرْمِذ" - بكسر التاء - مدينة مشهورة، ولد رحمه الله سنة 209هـ

مناقب الترمذي رحمه الله:

كان الترمذي رحمه الله من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء وحراس العقيدة وحماة السنة وأشياع الحق وأنصار دين الله عز وجل، حاملُ لواء السنة وناصرها وقامع البدعة ودامغها.
وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقبه رحمه الله تعالى: (1) طلب الترمذي للعلم وشيوخه وتلامذته:

بدأ رحمه الله طلب العلم في سن مبكرة؛ فمن أقدم شيوخه: أبو جعفر محمد بن جعفر السِّمناني (توفي قبل220هـ) فيكون عمر الترمذي آنذاك أقل من عشر سنين، ثم إنه بعد أن تلقى العلم عن أهل بلده رحل وطوّف في البلاد؛ قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء:" ارتحل فسمع بخراسان والعراق والحرمين، ولم يرحل إلى مصر والشام" ويرجح الدكتور أكرم ضياء العمري في بحثه "تراث الترمذي العلمي" أن الترمذي دخل بغداد ولكن كان ذلك بعد وفاة الإمام أحمد بن حنبل ـ إذ أن الترمذي لم يسمع من الإمام أحمد ـ ومن أشهر الشيوخ الذين تلقى الترمذي عنهم وسمع الحديث منهم ما يلي: [1] قتيبة بن سعيد الثقفي البغلاني (ت240هـ) وهو أحد شيوخ أصحاب الكتب الستة.
[2] علي بن حُجر المروزي (ت244هـ) [3] محمد بن إسماعيل البخاري (ت256هـ) وهو من أهم شيوخه.
[4] محمد بن بشار البصري الملقب بندار (252هـ) [5] محمد بن المثنى البصري العنزي الملقب بـ (الزمِن) (ت252هـ) [6] أحمد بن منيع البغوي الحافظ (ت244هـ) [7] محمود بن غيلان المروزي (239هـ) [8] عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي الحافظ (255هـ) [9] إسحاق بن راهويه (238هـ) وقد تلقى العلم عن الإمام الترمذي خلق كثير، من أشهرهم: [1] أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي المروزي.
[2] أبو سعيد الهيثم بن كُليب الشاشي.
[3] أبو ذر محمد بن إبراهيم الترمذي.
[4] أبو محمد الحسن بن إبراهيم القطان.
[5] أبو حامد أحمد بن عبد الله المروزي التاجر.
(2) منزلة الترمذي عند العلماء:

قال الترمذي قال لي محمد بن إسماعيل: ما انتفعت بك أكثر مما انتفعت بي.
وقال عنه المزي: "أحد الأئمة الحفاظ المبرزين، ومن نفع الله به المسلمين" وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: الحافظ العلم الإمام البارع، وقال أيضا: جامعه قاضٍ له بإمامته وحفظه وفقهه.
وقال عنه ابن كثير: هو أحد أئمة هذا الشأن في زمانه وله المصنفات المشهورة..

﴿تنبيه﴾: وأما عن وصف ابن حزم له بأنه مجهول، فقد رد الأئمة عليه وخطؤوه في ذلك، قال الذهبي في ميزان الاعتدال: "ثقة مُجمعٌ عليه، ولا التفات إلى قول أبي محمد بن حزم فيه.. فإنه ما عرفه ولا درى بوجود الجامع، ولا العلل اللذَين له" وذكر في السير في ترجمة ابن حزم أن جامع الترمذي وسنن ابن ماجه لم يدخلا الأندلس إلا بعد موته.
وكذا ردّ عليه ابن كثير في البداية والنهاية، وكذا ردّ عليه ابن حجر.
(4) صفات الترمذي رحمه الله تعالى:

كان الإمام الترمذي عالماً عاملاً ورعاً زاهداً، قال الحافظ عمر بن أحمد بن علَّك المروزي: مات البخاري فلم يخلف بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والزهد؛ بكى حتى عمِيَ.
يُقال: أنه وُلد أعمى والصواب أنه أضرَّ في آخر عمره، ذكره الذهبي وابن كثير.
وكان من أبرز صفاته التي عُرف بها: قوة الحفظ، فقد كان حافظاً بارعاً.
(5) بعض مؤلفات الإمام الترمذي:

[1] الجامع، وهو أشهر مؤلفاته.
[2] العلل الصغير، وقد اختلف فيه هل هو من كتاب الجامع أو هو كتاب مستقل، والأشهر أنه من الجامع، وأنه كتبه كالخاتمة لكتاب الجامع.
[3] كتاب العلل الكبير [4] الشمائل المحمدية.
[5] تسمية أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [6] كتاب الزهد.
[7] كتاب الأسماء والكنى.
[8] كتاب التفسير.
[9] كتاب التاريخ.

وفاة الترمذي رحمه الله:

توفي في ترمذ، في 13/ رجب/ 279هـ

سيرة النسائي رحمه الله:

كان الإمام النسائي من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة، من الطبقة التي تلي تابعي التابعين.
قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: الإمام الحافظ الثبت، شيخ الإسلام، ناقد الحديث.
كان من بحور العلم مع الفهم والإتقان والبصر ونقد الرجال وحسن التأليف، جال في طلب العلم في خراسان والحجاز ومصر والعراق والجزيرة والشام والثغور ثم استوطن مصر ورحل الحفاظ إليه ولم يبق له نظير في هذا الشأن.

اسم النسائي ونسبه ومولده:

هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر بن سنان النسائي، ولد سنة 215هـ بنساء، وهي بلدة مشهورة بخراسان، وتوفي في مدينة الرملة بفلسطين في سنة 303هـ.

نشأة النسائي رحمه الله:

ولد النسائي بنسا في سنة 215هـ وطلب العلم في صغره فارتحل إلى قتيبة في سنة 230هـ فأقام عنده بمدينة بغلان سنة فأكثر عنه، ومن شيوخه إسحاق بن راهويه وهشام بن عمار ويروي عن رفقائه.

شيوخ النسائي:

شيوخ النسائي: قتيبة بن سعيد وإسحاق بن راهويه وهشام بن عمار وهناد بن السري ومحمد بن بشار وعمرو بن علي الفلاس ومحمد بن آدم المصيصي ونصر بن علي الجهضمي ويعقوب الدورقي والحسن البزار وعمار بن خالد الواسطي ومحمد بن إسماعيل بن علية ومحمد بن النضر بن مساور وهارون بن عبد الله الحمال ويعقوب بن ماهان ومحمد بن معمر القيسي.

تلاميذ النسائي:

تلاميذ النسائي: سليمان بن أحمد الطبراني وأبو جعفر الطحاوي وأبو علي النيسابوري وأبو بشر الدولابي وأبو بكر بن السني o حمزة بن محمد الكناني ومحمد بن إسماعيل النحاس النحوي والحسن بن الخضر الأسيوطي والحسن بن رشيق ومحمد بن معاوية بن الأحمر الأندلسي وعبد الكريم بن أبي عبد الرحمن النسائي ومحمد بن موسى المأموني ومحمد بن حيوية النيسابوري ومحمد بن أحمد بن الحداد الشافعي وأبيض بن محمد بن أبيض.

مناقب النسائي رحمه الله:

كان النسائي رحمه الله من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء وحراس العقيدة وحماة السنة وأشياع الحق وأنصار دين الله عز وجل، حاملُ لواء السنة وناصرها وقامع البدعة ودامغها.
وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقبه رحمه الله تعالى: (1) ثناء العلماء على النسائي رحمه الله:

كان من بحور العلم مع الفهم والإتقان والبصر ونقد الرجال وحسن التأليف رحل في طلب العلم في خراسان والحجاز ومصر والعراق والجزيرة والشام والثغور ثم استوطن مصر ورحل الحفاظ إليه ولم يبق له نظير في هذا الشأن.
حدث عنه أبو بشر الدولابي وأبو جعفر الطحاوي وأبو علي النيسابوري وغيرهم كثير.
وهاك غيضاً من فيض ممن أثنوا عليه خيرا.
قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: الإمام الحافظ الثبت، شيخ الإسلام، ناقد الحديث.
كان من بحور العلم مع الفهم والإتقان والبصر ونقد الرجال وحسن التأليف، جال في طلب العلم في خراسان والحجاز ومصر والعراق والجزيرة والشام والثغور ثم استوطن مصر ورحل الحفاظ إليه ولم يبق له نظير في هذا الشأن.
قال الدار قطني: أبو عبد الرحمن مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره.

وقال الدار قطني أيضاً: كان أبو بكر بن الحداد الشافعي كثير الحديث ولم يحدث عن غير النسائي وقال رضيت به حجة بيني وبين الله تعالى.
وقال الحافظ ابن يونس: كان النسائي إمامًا حافظًا ثبتًا.
قال الحافظ ابن طاهر سألت سعد بن علي الزنجاني عن رجل فوثقه فقلت قد ضعفه النسائي فقال يا بني إن لأبي عبد الرحمن شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم قلت صدق فإنه ليَّن جماعة من رجال صحيحي البخاري ومسلم.
وقال الحاكم: كلام النسائي على فقه الحديث كثير ومن نظر في سننه تحير في حسن كلامه.
وقال ابن الأثير في أول جامع الأصول: كان شافعيا له مناسك على مذهب الشافعي وكان ورعا متحريا قيل إنه أتى الحارث بن مسكين في زي أنكره عليه قلنسوة وقباء وكان الحارث خائفا من أمور تتعلق بالسلطان فخاف أن يكون عينا عليه فمنعه فكان يجيء فيقعد خلف الباب ويسمع ولذلك ما قال حدثنا الحارث وإنما يقول قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع.
قال مأمون المصري المحدث: خرجنا إلى طرسوس مع النسائي سنة الفداء فاجتمع جماعة من الأئمة عبد الله بن أحمد بن حنبل ومحمد بن إبراهيم مربع وأبو الآذان فتشاوروا من ينتقي لهم على الشيوخ فأجمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي وكتبوا كلهم بانتخابه.
وقال أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ: من يصبر على ما يصبر عليه النسائي عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة يعني عن قتيبة عن ابن لهيعة قال فما حدث بها.
قال محمد بن المظفر الحافظ: سمعت مشايخنا بمصر يصفون اجتهاد النسائي في العبادة بالليل والنهار وأنه خرج إلى الفداء مع أمير مصر فوصف من شهامته وإقامته السنن المأثورة في فداء المسلمين واحترازه عن مجالس السلطان الذي خرج معه والانبساط في المأكل وأنه لم يزل ذلك دأبه إلى أن استشهد بدمشق من جهة الخوارج.
قال الحافظ أبو علي النيسابوري: الإمام في الحديث بلا مدافعة أبو عبد الرحمن النسائي.
قال أبو عبد الله بن منده: الذين أخرجوا الصحيح وميزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة البخاري ومسلم وأبو داود وأبو عبد الرحمن النسائي.
وقال مأمون المصري المحدث: خرجنا إلى طرسوس مع النسائي سنة الفداء فاجتمع جماعة من الأئمة؛ عبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن إبراهيم مربع وأبو الآذان، وكيلجه، فتشاوروا من ينتقي لهم على الشيوخ فأجمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي وكتبوا كلهم بانتخابه.

يقول السيوطي في مقدمة شرحه لكتاب السنن للنسائي: كتاب السنن أقل الكتب بعد لصحيحين حديثًا ضعيفًا، ورجلاً مجروحًا.
(2) طلب النسائي للعلم وشيوخه وتلامذته:

وطلب العلم في صغره، فارتحل إلى قتيبة في سنة ثلاثين ومئتين، فأقام عنده ببغلان سنة، فأكثر عنه.
وسمع من: إسحاق بن راهويه، وهشام بن عمار، ومحمد بن النضر بن مساور، وسويد بن نصر، وعيسى بن حماد زغبة، وأحمد بن عبدة الضبي، وأبي الطاهر بن السرح، وأحمد بن منيع، وإسحاق بن شاهين، وبشر بن معاذ العقدي، وبشر بن هلال الصواف، وتميم بن المنتصر، والحارث بن مسكين، والحسن بن صباح البزار، وحميد بن مسعدة، وزياد بن أيوب، وزياد بن يحيى الحساني، وغيرهم كثير، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: سمع من خلائق لا يحصون.
وقد روى النسائي في " سننه " مواضع يقول: حدثنا أبو داود، فالظاهر أن أبا داود في كل الأماكن هو السجستاني، فإنه معروف بالرواية عن السبعة، لكن شاركه أبو داود سليمان بن سيف الحراني في الرواية عن بعضهم، والنسائي مكثر عن الحراني، وقد روى النسائي في كتاب " الكنى "، عن سليمان بن الأشعث، ولم يكنه، وذكر الحافظ ابن عساكر في "النبل" أن النسائي يروي عن أبي داود السجستاني.
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: حدث عنه: أبو بشر الدولابي، وأبو جعفر الطحاوي، وأبو علي النيسابوري، وحمزة بن محمد الكناني، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس النجوي، وأبو بكر محمد بن أحمد بن الحداد الشافعي، وعبد الكريم بن أبي عبد الرحمن النسائي، وأبو بكر أحمد بن محمد بن السني، وأبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، ومحمد بن معاوية بن الأحمر الأندلسي، والحسن بن رشيق، ومحمد بن عبد الله بن حيويه النيسابوري، ومحمد بن موسى المأموني، وأبيض بن محمد بن أبيض، وخلق كثير.
(3) صفات النسائي رحمه الله تعالى:

قال الذهبي رحمه الله تعالى: وكان شيخنا مهيبا، مليح الوجه، ظاهر الدم، حسن الشيبة.. وكان نضر الوجه مع كبر السن، يؤثر لباس البرود النوبية والخضر، ويكثر الاستمتاع، له أربع زوجات، فكان يقسم لهن... ومع ذلك فكان يصوم صوم داود ويتهجد.
(4) عقيدة النسائي رحمه الله:

قال قاضي مصر أبو القاسم عبد الله بن محمد بن أبي العوام السعدي: حدثنا أحمد بن شعيب النسائي، أخبرنا إسحاق بن راهويه، حدثنا محمد بن أعين قال: قلت لابن المبارك: إن فلانا يقول: من زعم أن قوله تعالى: (إِنّنِيَ أَنَا اللّهُ لآ إِلََهَ إِلآ أَنَاْ فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصّلاَةَ لِذِكْرِيَ) [طه: 14] مخلوق، فهو كافر.
فقال ابن المبارك: صدق، قال النسائي: بهذا أقول.
﴿تنبيه﴾: وأما رمي به من التشيع والانحراف عن خصوم علي، فبسبب تأليفه لكتاب خصائص علي رضي الله عنه، فمن أحسن ما يعتذر له به ما قاله هو لما سُئل عن ذلك:

قال الوزير ابن حنزابة: سمعت محمد بن موسى المأموني صاحب النسائي قال: سمعت قوما ينكرون على أبي عبد الرحمن النسائي كتاب: " الخصائص" لعلي رضي الله عنه، وتركه تصنيف فضائل الشيخين، فذكرت له ذلك، فقال: دخلت دمشق والمنحرف بها عن علي كثير، فصنفت كتاب: " الخصائص"، رجوت أن يهديهم الله تعالى.
(5) مذهب النسائي الفقهي رحمه الله:

قال ابن الأثير في أول " جامع الأصول ": كان شافعيا، له مناسك على مذهب الشافعي، وكان ورعا متحريا.
(6) مصنفات النسائي رحمه الله تعالى:

ترك النسائي مجموعة نفيسة من الكتب حُقَّ لها أن تُكْتَب بماء الذهب وهي كما يلي: السنن الكبرى المجتبى مسند علي الكنى خصائص علي عمل اليوم والليلة كتاب التفسير كتاب الضعفاء عشرة النساء.
، وأهمها كتاب السنن وهو الذي عرف به.
يقول السيوطي في مقدمة شرحه لكتاب السنن للنسائي: كتاب السنن أقل الكتب بعد لصحيحين حديثًا ضعيفًا، ورجلاً مجروحًا.
فقد أطلق عليه اسم "الصحيح " كل من ابن منده وابن السكن وأبي علي النيسابوري والدارقطني وابن عدي والخطيب البغدادي، فلعل مقصودهم من هذه التسمية: تحريه وشدة شرطه إذا قورن بشرط غيره من أصحاب السنن، ويسمى " السنن الصغرى" تمييزاً له عن الكبرى.
ويسمى " المجتبى" لأن النسائي اصطفاه وانتقاه من السنن الكبرى، ومنه قوله تعالى:] (فَاجْتَبَاهُ رَبّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ) [القلم: 50] ويسمى " المجتنى" - بالنون- من: جنى الثمرة واقتطفها وجرّها إليه، ويصح إطلاق هذا الاسم على السنن الصغرى لأنه اقتطفها من السنن الكبرى.

وقد وضع النسائي كتابًا كبيرًا جدًا حافلاً عرف بالسنن الكبرى، وهذا الكتاب (المجتبى) المشهور بسنن النسائي منتخب منه، وكتاب (المجتبى) هذا يسير على طريقة دقيقة تجمع بين الفقه وفن الإسناد، فقد رتب الأحاديث على الأبواب، ووضع لها عناوين تبلغ أحيانًا منزلة بعيدة من الدقة، وجمع أسانيد الحديث الواحد في موطن واحد.
وقد جمع النسائي في كتابه أحاديث الأحكام، وقسمه إلى كتب، وعدد كتبه ثمانية وخمسين كتابًا، وقسم كل كتاب إلى أبواب، ولم يفعل فعل أبي داود و الترمذي في الكلام على بعض الأحاديث بالتضعيف، كما لم يتكلم على شيء من رجال الحديث بالجرح والتعديل، ولم ينقل شيئًا من مذاهب فقهاء الأمصار.... والسبب الذي دعا أبا داود و الترمذي و النسائي إلى أن يذكروا في كتبهم أحاديث معللة هو احتجاج بعض أهل العلم والفقه بها، فيوردونها ويبينون سقمها لتزول الشبهة.
وقد اشتهر النسائي بشدة تحريه في الحديث والرجال، وأن شرطه في التوثيق شديد.
قيمة الكتاب العلمية وثناء العلماء عليه:

قال الحاكم: كلام النسائي على فقه الحديث كثير، ومن نظر في سننه تحير في حسن كلامه.
قال ابن رشيد: كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفاً وأحسنها ترصيفاً، وهو جامع بين طريقي البخاري ومسلم مع حظٍ كبير من بيان العلل التي كأنها كِهانة من المتكلم.
قال السِّلفي: الكتب الخمسة اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب.

منهج الإمام النسائي في المجتبى:

قال السخاوي: ولعمري فكتابه بديعٌ لمن تدبره، وتفهَّم موضوعه وكرَّره، وكم من جواهرٍ اشتمل عليها، وأزاهر انتعشت الأرواح بالدخول إليها وذلك: (1) أنه يفسِّر الغريب أحيانا: كقوله في حديث الأعرابي الذي بال: " لا تزرموه" يعني: " لا تقطعوا عليه" ومرة: " لا تقطعوه"... (2) ويعيِّن المهمل: ـ كقوله فيما رواه من جهة بكر: ـ وهو بن مُضرـ وفيما رواه من جهة عبد الله: ـ وهو ابن القِبطية ـ وقد يذكره ـ أي المهمل ـ مع الشك.
(3) ويسمي المبهم في أصل السند: كإيراده حديث محمد بن عبد الرحمن عن رجل عن جابر رضي الله عنه مرفوعا... ثم ساقه من طريق محمد ـ أيضاً ـ فقال: (عن محمد بن عمرو بن حسن عن جابر.

وكذلك في المتن: كقوله في حديث ذي اليدين: فقام إليه رجل يقال له: الخِرباق.
بل أورده كذلك في موضع آخر مسمىً في أصل رواية أخرى.
(4) ويُسمي المكنى: كقوله فيما رواه: من جهة أبي مُعَيد: هو حفص بن غيلان.
ومن جهة أبي هشام: هو المغيرة بن سلمة.
(5) ويكني المسمى حيث كان مشهوراً بكنيته: كقوله: أخبرنا زكريا بن يحيى: هو أبو كامل وذكوان: أبو صالح، وذكوان: أبو عمرو.
(6) ويشير للمتفِق والمفترق، ومنه: آخر الأمثلة في الذي قبله.
(7) ونحوه مما يندفع به تعدد الواحد، " كهارون بن أبي وكيع وهو هارون بن عنترة" ولما يزول به اللبس من ذلك، فساق: من طريق ابن المبارك عن أبي جعفر عن أبي سلمان، وقال: (وليس بأبي جعفر الفرّاء.
(8) وهو كثيراً ما يسمي المنقطع مرسلاً، وكثيراً ما يرجح المرسل على المتصل بقرينة على ذلك.
(9) يحرص النسائي في الباب الواحد على إخراج الحديث الصحيح إذا وجده، فإن لم يجد أخرج بعض الأحاديث الضعيفة التي يرى أن رواتها المضعفين ممن لم يجمع الأئمة على ضعفهم وترك حديثهم، وربما أخرج الحديث الصحيح ثم أعقبه ببعض الأحاديث الضعيفة وذلك لكون الحديث الضعيف تضمن زيادة لم ترد في الحديث الصحيح.
وهو يبين أصح ما في الباب، كقوله عقب حديث عبد الله بن عُكيم:" كتب إلينا رسول الله r: لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب": (أصح ما في هذا الباب في جلود الميتة إذا دُبغت حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة: ألا دبغتم إهابها فاستمتعتم به.
(10) اعتنى رحمه الله بالناحية الفقهية، فكتابه جامع بين الناحيتين الفقهية والحديثية، كما هو صنيع الترمذي في كتابه، ومن الأدلة على عنايته بالناحية الفقهية: (11) تكراره للحديث، فإنه يكرر الحديث في مواضع متعددة، كما هو الحال عند البخاري.
والذي دعاه لذلك كثرة التفريعات والتفصيلات في الباب الواحد في كتابه، حتى إن القارئ ليشعر أنه يتناول كتاباً فقهياً يخرج للفقهاء آراءهم ويبين مستندهم.. ومثال ذلك: حديث " إنما الأعمال بالنيات" كرره ست عشرة مرة.
(12) أنه أحيانا يقتصر على موضع الشاهد من الحديث، ويختصر المتون، وهذه نزعة إلى الفقه أقرب منها إلى الحديث.
(13) أنه أحيانا يورد كلاماً من عنده يدل على فقه الحديث.

(14) أنه يورد أحيانا بعض الأحاديث المتعارضة في الباب الواحد إذا صحت عنده، وكأنه يشير إلى جواز العمل بهذا وذاك، كما في أحاديث الجهر والإسرار بالبسملة، فإنه أورد أحاديث الجهر والإسرار بها، وكذلك فعل في الإسفار والتغليس لصلاة الفجر (1/ 271) (14) أن كتابه لا يخلو من نقلٍ عن الفقهاء، وإن كان ذلك قليلاً، مثال ذلك: في (8/ 314) نقل عن مسروق فتوى في الهدية والرشوة وشرب الخمر.
(15) ينقل صور كتب فقهية في المزارعة والشركات والتدبير، وهذا عمل فقهي محض، مثاله: قال أبو عبد الرحمن: كتابة المزارعة على أن البذر والنفقة على صاحب الأرض، وللمزارع ربع ما يخرج الله عز وجل منها هذا كتاب فلان وفلان..

ومن الأدلة على عنايته بالناحية الحديثية:

(1) أنه يعتني بعلل الأحاديث، وينقد المتون التي ظاهرها الصحة.
ويوجد في كتابه ما لا يوجد في غيره من بيان العلل والتنبيه على أوهام بعض الحفاظ، مثال ذلك: قوله في (7/ 88): أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا الأنصاري، قال: حدثنا محمد بن عمرو عن أبي الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت قال:... الحديث ثم قال: قال أبو عبد الرحمن: محمد بن عمرو لم يسمعه من أبي الزناد.
وأيضاً في (3/ 49) قال أبو عبد الرحمن: أنبأنا قتيبة بهذا الحديث مرتين، ولعله أن يكون قد سقط عليه منه شطر.
(2) ويبين الحديث المنقطع، كقوله في حديث مخرمة بن نُكير عن أبيه: (مخرمة لم يسمع من أبيه شيئاً).. ويبين المرسل، كقوله في حديث لجرير عن منصور عن رِبعي عن حذيفة رفعه: " لا تقدَّموا الشهر": (أرسله الحجاج بن أرطاة عن منصور بدون حذيفة)

(3) يعتني بنقد الرجال، وهو في الغالب لا يسكت عن الضعيف، بل يبينه، ومثال ذلك: قوله في عمرو: ليس بالقوي في الحديث، وإن كان روى عنه مالك.
وقوله في محمد بن الزبير الحنظلي عقب حديث" لا نذر في غضب.. ": ضعيف لا تقوم بمثله حجة، وقد اختلف عليه في هذا الحديث، ثم بدأ يسوق اختلاف رواياته التي اضطرب بها مدللاً على كلامه (المجتبى 7/ 28)، وكلامه في العلل والجرح والتعديل كثير حتى لا يكاد يخلو كتاب من كتب الرجال من نقلٍ عن النسائي، وقد تلقى العلماء ذلك من سننه ومن كتبه الأخرى، وقد اعتمدوا على جرحه وتعديله لأنه كان في غاية التحري والدقة.
وهذا الأمر غير موجود في صحيح البخاري ولا صحيح مسلم، ويوجد بقلة عند الترمذي وبشكل نادر عند أبي داود وابن ماجه.
(4) تسميته لبعض المكنين وتكنيته لبعض المشهورين بأسمائهم، مما قد يلتبس في الأسانيد، مثاله: في (5/ 49) قال أبو عبد الرحمن: أبو عمار اسمه عريب بن حميد، وعمرو بن شرحبيل يكنى أبا ميسرة.
(5) محافظته على سياق الأحاديث بإسنادها، فيندر أن تجد معلقاً ولعله لا يوجد في المجتبى سوى موضعين لهما صورة المعلق ويمكن أن يحملا على الاتصال.
(6) حكمه على الأحاديث؛ وقد استعمل كثيراً من المصلحات الحديثية السائدة في عصره، فكثيرا ما يقول: هذا حديث منكر أو غير محفوظ، أو ليس بثابت، أو أخطأ فيه فلان، أو هذا حديث صحيح.
وقد اعتنى الأئمة بنقل أحكام النسائي على الأحاديث لأنه إمام مطلع.
(7) ويشير إلى الحديث المنكر، والغريب، والموقوف، ولما يعلم منه عدم التلازم بين السند والمتن حيث وصف سند بالحسن ومتنه بالنكارة، وللمدرج، ولما يدرج في حديث بعض الرواة مما هو عند غيرهم، ولما يشير به لنوع من التدليس، ولما لعله يقع تصحيفاً، ويشير لما يثبت به العلة أو يدفعها، وإذا اختلف الرواة في شيء رجح بالأثبتية ونحوها، وربما يشير لإيضاح النسبة، ويسرد نسب شيخه أحياناً، وكذا لقبه، وللمحل الذي سمع من شيخه فيه، ولما يزول به اللبس كقوله: (أخبرنا عبد الله بن محمد الضعيف- شيخ صالح- والضعيف: لقبٌ لكثرة عبادته)، ونحوه: (الضال لكونه ضل الطريق).
(ختم السخاوي على سنن النسائي باختصار وتصرف يسير).
(8) سياقه الروايات وبيان الخلافات في الأسانيد والمتون، ويرجح بينها اعتماداً على الأحفظ والأكثر، كما نص على ذلك ابن حجر في (نتائج الأفكار ص45) أوجه الشبه بين منهج الإمام النسائي ومنهج الإمامين البخاري ومسلم:

(1) يشبه منهج البخاري في تدقيق الاستنباط والتبويب لما يستنبطه بحيث يكرر لذلك المتون، ومثاله: قصة عائشة رضي الله عنها في اتباعها سراً للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما خرج من عندها ليلاً إلى البقيع.
فإنه ذكرها في: الأمر بالاستغفار للمؤمنين من الجنائز، وأعادها في الغيرة من النكاح بسندها ومتنها سواء، ولكن بزيادة في نسب شيخه فقط، وباختصار يسير في آخر المتن، مع زيادة طريقين للحديث... (2) وكذا شابه البخاري في التقليل من الإتيان بحاء للفصل بين السندين، بل هي عنده قليلة جداً.
(3) ووافقه على جواز الرواية بالمعنى ومنه: روايته من جهة ابن عليَّة عن أيوب وابن عون وسلمة بن علقمة وهشام بن حسان؛ دخل حديث بعضهم في بعض كلهم عن محمد بن سيرين.
قال سلمة - فقط - في روايته: نبِّئتُ عن أبي الجعفاء.
وقال الباقون: عنه.
بلا واسطة.
(4) وفيما ذهب إليه من المسمى أصح الأسانيد وإن خالفه في نفس التراجم، فقال: إن أصح الأسانيد ما رواه ابن شهاب عن زين العابدين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده... وذكر تمام أربع تراجم.
(5) وشابه مسلماً في كثير مما اعتنى به معهما.
كالإشارة لصاحب اللفظ ممن يورد المتن عنهم أو عنهما.
وربما يقول: لفظ فلان كذا، ولفظ الآخر كذا.
ومنه: ما رواه من طريق حجاج ورَوْح كلاهما عن ابن جريج، وساق الحديث " من شك في صلاته فليسجد سجدتين" قال حجاج: "بعدما يسلِّم" وقال رَوح: " وهو جالس".
(6) وكذا شابه مسلماً في الاعتناء بصيغة التحديث، كقوله: " أخبرني: الحسن بن إسماعيل وأيوب بن محمد قالا: حدثنا حجاج بن محمد" قال أيوب: حدثنا، وقال حسن: أخبرني شعبة.
(7) وشابهه في بيان ما عند الراويين من لفظ: (النبي) و (الرسول).. (8) وشابهه في إرداف العام بالمخصص، والمجمل بالمبيَّن المنصص، والمنسوخ بالناسخ له، ونحوه..

(9) وفي الكناية عن الضعيف إذا قُرن في الرواية بثقة، كروايته في غير موضع عن محمد بن عبد الله بن يزيد المُقرئ عن أبيه عن حَيْوة، وذكر آخر كلاهما عن شرحبيل بن شريك، فإن المبهم هنا هو ابن لهيعة، كما صرحت به رواية لأحمد في مسنده في أمثلة لذلك عن ابن لهيعة وغيره... والظاهر من حاله في التثبت أنه عرف أن لفظهما أو معناهما سواء، وفائدة ذلك: الإشعار بضعف المبهم، وكونه ليس من شرطه، وكثرة الطرق ليترجح بها الخبر عند المعارضة.
(بغية الراغب المتمني في ختم النسائي بتصرف يسير)

ما انفرد به النسائي عن بقية الكتب الستة:

انفرد بعقد كتابٍ للتطبيق، ذكر فيه: حديث النهي عن وضع اليدين بين الركبتين، وكذا الإمساك بالركب في الركوع، ونحو ذلك.
وكتابٍ للشروط مما ينتفع به القضاة والموثقون.. (ختم السخاوي على النسائي)

الانتقاد الموجه إلى النسائي والجواب عن هذا الانتقاد:

انتقد الإمام النسائي بإخراجه عن رجال مجهولين حالاً أو عيناً، والجواب عن هذا الانتقاد: أن إخراجه عن هؤلاء الرجال لا يغضُّ من قيمة مصنفه خصوصاً المجهولي الحال، وذلك أن هذا الصنيع مذهبٌ لعدد من المحدثين كابن حبان وغيره، وقد ارتضى هذا المذهب غير واحد من الأئمة منهم ابن حجر حيث عدَّ هذا الفعل من قبيل إدخال الحسن في قسم الصحيح وذلك اصطلاح لا مشاحة فيه، كما أن ابن حجر قد ارتضى رواية النسائي عن شيوخه مجهولي الحال والعين توثيقاً وتعديلاً ورفعاً للجهالة عنهم حيث قال في تهذيب التهذيب (1/ 89) مستدركاً على الذهبي تجهيله لأحمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحراني-: قلت: بل يكفي رواية النسائي عنه في التعريف بحاله وتوثيقه له.
ومن شدة انتقاء النسائي وتحريه استنتج التهاوني نتيجة مهمة في كتابه "قواعد في علوم الحديث" حيث قال: وكذا من حدَّث عنه النسائي فهو ثقة.
(وينبغي أن تقيَّد هذه القاعدة فيما إذا لم يضعفه النسائي نفسه) ومن الانتقاد الموجه له: أن ابن الجوزي أورد حديثاً موضوعاً من سنن النسائي.
ويجاب: بأن الأئمة الذهبي وابن حجر والسيوطي وغيرهم قد ردُّوا على ابن الجوزي صنيعه هذا وبينوا أنه لا يوجد في السنن حديثاً موضوعاً أعلى ما عند النسائي في كتابه وأنزل ما عنده:

لم يقع للنسائي أسانيد ثلاثية كما وقعت للبخاري (وقد بلغت 22 حديثا كما في الحطة ص86)، وللترمذي (حديثاً واحداً في كتاب الفتن)، ووقع عند ابن ماجه خمسة أحاديث ثلاثية لكنها ضعيفة، فأعلى ما عند النسائي الأسانيد الرباعية، وأنزل ما عنده إسناد عشاري.
من شروح سنن النسائي...:

(1) زهر الربا على المجتبى لجلال الدين السيوطى المتوفى سنة (911هـ)، وهو بمثابة تعليق لطيف حل فيه بعض ألفاظه ولم يتعرض بشيء للأسانيد.
(2) حاشية لأبي الحسن نور الدين بن عبد الهادي السندى المتوفى سنة (1136هـ). (3) شرح لأبي العباس أحمد بن أبي الوليد بن رشد (563هـ) (4) شرح سراج الدين ابن الملقن (804هـ) زوائده على الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي.
(5) حاشية لأبي الحسن محمد بن عبد الهادي السندي (1136هـ)، وهي مطبوع مع "زهر الربى" (6) التعليقات السلفية على سنن النسائي لمحمد عطاء الله حنيف.
(7) ومن الشروح الحديثة: ذخيرة العقبى في شرح المجتبى للشيخ محمد بن علي بن آدم الأثيوبي المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة وهو شرح مبسوط، وإلى الآن طبع منه تسع مجلدات وصل فيه إلى كتاب الإمامة.
مسألة: هل السنن الصغرى (المجتبى) من تصنيف الإمام النسائي أو ابن السني؟ هناك رأيان في المسألة: الرأي الأول: أنها تنسب إلى ابن السني، وقد قال بهذا القول: الذهبي وتبعه ابن ناصر الدين الدمشقي.
قال الذهبي في تاريخ الإسلام: والذي وقع لنا من سننه هو الكتاب المجتبى من انتخاب أبي بكر بن السني.
الرأي الثاني: أنها تنسب للإمام النسائي، وهو رأي أكثر العلماء، ومنهم ابن الأثير وابن كثير والعراقي والسخاوي، وغيرهم، ولعل هذا الرأي هو الراجح، ومن الأدلة عليه ما يلي: (1) حكاية مفادها أن أمير الرملة لما اطلع على السنن الكبرى للنسائي سأله: هل كل ما في هذا الكتاب صحيح؟ قال: لا، فقال: أخرج لي الصحيح منه، فانتقى هذا المجتبى (قلت: وهذه القصة ضعفها كثير من العلماء فإن الواقع يكذبها، فكم من حديث في السنن الصغرى أعله النسائي نفسه.
(2) ما نقله ابن خير في الفهرست (ص116): عن أبي علي الغساني (ت498هـ) قوله: (كتاب الإيمان والصلح ليسا من المصنف إنما هما من المجتبى له بالباء في السنن المسندة لأبي عبد الرحمن النسائي اختصره من كتابه الكبير المصنف..

(3) وجود نسخ خطية قديمة تفيد بأن السنن الصغرى من تأليف النسائي وأن ابن السني مجرد راوٍ لها عن النسائي.
(4) أن ابن الأثير عندما ضم المجتبى في جامع الأصول ساقه بإسناده إلى النسائي من طريق ابن السني، ففيه نص ظاهر أنها من تأليف النسائي، ولو كانت من تأليف ابن السني لنص عليه ابن الأثير ولاكتفى بالإسناد إلى ابن السني.
(5) أن ابن السني ذاته نص أنه سمع المجتبى من النسائي في مواضع من الكتاب.
وقد قال ابن كثير في ترجمة النسائي من البداية والنهاية (11/ 123): "وقد جمع السنن الكبير، وانتخب ما هو أقل حجماً منه بمرات، وقد وقع لي سماعهما."

رواة السنن عن النسائي:

روى السنن عن مصنفها جماعة، منهم: ابنه عبد الكريم، وأبو بكر أحمد بن إسحاق الدينوري ابن السني، وأبو الحسن أحمد بن محمد بن أبي التمام، وأبو محمد الحسن بن رشيق العسكري، وأبو محمد بن معوية القرشي الأندلسي ابن الأحمر، وغيرهم.

شرط النسائي في كتابه:

قال الإمام ابن طاهر المقدسي في "شروط الأئمة الستة"ص88: وأما أبو داود فمن بعده فإن كتبهم تنقسم على ثلاثة أقسام: القسم الأول: صحيح؛ وهو الجنس المخرج في هذين الكتابين للبخاري ومسلم، فإن أكثر ما في هذه الكتب مخرج في هذين الكتابين، والكلام عليه كالكلام على الصحيحين فيما اتفقا عليه واختلفا فيه.
والقسم الثاني: صحيح على شرطهم، حكى أبو عبد الله بن منده أن شرط أبي داود والنسائي: (إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم، إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال)، ويكون هذا القسم من الصحيح... قال الحافظ ابن حجر: المراد إجماعاً خاصاً، وذلك أن كل طبقة لا تخلو من متشدد ومتوسط.. فإذا أجمع أصحاب الطبقة الواحدة على ترك رجل ٍ تركاه، وإن اختلفوا فيه خرجا حديثه.
والقسم الثالث: أحاديث أخرجوها للضدية في الباب المتقدم، وأوردوها لا قطعاً منهم بصحتها، وربما أبان المخرِّج لها عن علتها بما يفهمه أهل المعرفة.
فإن قيل: لم أودعوها كتبهم ولم تصح عندهم؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: رواية قومٍ لها واحتجاجهم بها، فأوردوها وبينوا سقمها لتزول الشبه.

والثاني: أنهم لم يشترطوا ما ترجمه البخاري ومسلم على ظهر كتابيهما من التسمية بالصحة، فإن البخاري قال: ما أخرجت في كتابي إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول.
ومسلم قال: ليس كل حديث صحيح أودعته هذا الكتاب، وإنما أخرجت ما أجمعوا عليه.
ومن بعدهم لم يقولوا ذلك، فإنهم كانوا يخرجون الشيء وضدَّه.
والثالث: أن يقال لقائل هذا الكلام: رأينا الفقهاء وسائر العلماء يوردون أدلة الخصم في كتبهم، مع علمهم أن ذلك ليس بدليل، فكان فعلهما ـ عني أبا داود والنسائي ـ هذا كفعل الفقهاء، والله أعلم.
وقال الحازمي في "شروط الأئمة الخمسة " (ص150) بعد أن ذكر مذهب من يخرج الصحيح:.. وهذا باب فيه غموض، وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم.
ولنوضح ذلك بمثال، وهو أن تعلم أن أصحاب الزهري مثلا على طبقات خمس، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها وتفاوت.
فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة، وهو غاية مقصد البخاري والطبقة الثانية شاركت الأولى في العدالة، غير أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة للزهري، حتى كان فيهم من يُزامله في السفر ويُلازمه في الحضر، والطبقة الثانية لم تلازم الزهري إلا مدة يسيرة فلم تمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، وهم شرط مسلم.
والطبقة الثالثة: جماعة لزموا الزهري مثل أهل الطبقة الأولى، غير أنهم لم يسلموا من غوائل الجرح، فهم بين الرد والقبول، وهو شرط أبي داود والنسائي.
وقال الحافظ ابن طاهر: سألت سعد بن علي الزنجاني عن رجل، فوثقه، فقلت: قد ضعفه النسائي، فقال: يا بني! إن لأبي عبد الرحمن شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم.
قلت ـ أي الذهبي ـ: صدق، فإنه لين جماعة من رجال صحيحي البخاري ومسلم.
وقال أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ: من يصبر على ما يصبر عليه النسائي؟ عنده حديث ابن لهيعة ترجمة يعنى عن قتيبة، عن ابن لهيعة قال: فما حدث بها.
وقال حمزة بن يوسف السهمي: وسئل يعني الدارقطني إذا حدث أبو عبد الرحمن النسائي وابن خزيمة بحديث أيما تقدمه؟ فقال: أبو عبد الرحمن، فإنه لم يكن مثله ولا أقدم عليه أحدا، ولم يكن في الورع مثله لم يحدث بما حدث ابن لهيعة وكان عنده عاليا عن قتيبة.

وقال السخاوي في ختمه على النسائي (ص61): وقد سئل شيخنا ـ رحمه الله ـ عن ذكر النسائي لبعض الأئمة في ضعفائه، فأجاب بقوله: (النسائي من أئمة الحديث، والذي قاله إنما هو بحسب ما ظهر له وأدَّاه إليه اجتهاده، وليس كل أحدٍ يؤخذ بجميع قوله سيما وقد وافق النسائي في مطلق القول جماعة.
ومن تشدده في الرجال أنه تجنب إخراج أحاديث جماعة ممن أخرج لهم صاحبا الصحيحين، مثل: إسماعيل بن أبي أويس، بل إن الدارقطني جمع مصنفا في أسماء الرواة الذين ضعفهم النسائي وأخرج لهم الشيخان في صحيحيهما.
وقد صرح النسائي بأنه لا يترك حديث الراوي حتى يجمع الجميع على تركه، وهذا في الظاهر مذهب متسع كما قال ابن منده، وليس كذلك بل مقصوده إجماعاً خاصاً كما بين ابن حجر؛ وهو أن كل طبقة لا تخلو من متشدد ومتوسط، فالنسائي لا يترك حديث الراوي حتى يجمع علماء الطبقة الواحدة على تركه.. مثال ذلك: أنه أخرج حديث عبد الله بن عثمان بن خيثم ثم قال: " ابن خيثم ليس بالقوي في الحديث، ويحيى بن سعيد القطان لم يترك ابن خيثم ولا عبد الرحمن ـ يعني ابن مهدي ـ إلا أن علي بن المديني قال: ابن خيثم منكر الحديث".
فهذا الراوي مختلف فيه، فلذلك أخرج حديثه لأنه لم يجمع الجميع تركه.
وقد نصَّ ابن حجر في تهذيب التهذيب على أن النسائي من المتشددين في الجرح والتعديل.

وفاة النسائي رحمه الله تعالى:

قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: سمعت علي بن عمر يقول كان أبو عبد الرحمن النسائي أفقه مشايخ مصر في عصره وأعرفهم بالصحيح والسقيم من الآثار وأعلمهم بالرجال فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه فخرج إلى الرملة، فسئل عن فضائل معاوية فأمسك عنه فضربوه في الجامع، فقال: أخرجوني إلى مكة فأخرجوه إلى مكة وهو عليل وتوفي بها مقتولا شهيدا قال الحاكم أبو عبد الله: ومع ما جمع أبو عبد الرحمن من الفضائل رزق الشهادة في آخر عمره.
روى أبو عبد الله بن مندة: عن حمزة العقبي المصري وغيره أن النسائي خرج من مصر في آخر عمره إلى دمشق فسئل بها عن معاوية وما جاء في فضائله فقال لا يرضى رأسا برأس حتى يفضل قال فما زالوا يدفعون في حضنيه حتى أخرج من المسجد ثم حمل إلى مكة فتوفي بها كذا قال وصوابه إلى الرملة.

وقال الدار قطني خرج حاجا فامتحن بدمشق وأدرك الشهادة فقال احملوني إلى مكة فحمل وتوفي بها وهو مدفون بين الصفا والمروة وكانت وفاته في شعبان سنة 303هـ قال وكان أفقه مشايخ مصر في عصره وأعلمهم بالحديث والرجال.
قال أبو سعيد بن يونس في تاريخه كان النسائي إماما حافظا ثبتا خرج من مصر في شهر ذي القعدة سنة اثنتين وثلاث مائة وتوفي بفلسطين يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاث مائة، ولعل هذا الأرجح أنه توفي بفلسطين.

سيرة ابن ماجة رحمه الله:

كان الإمام ابن ماجة من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة، من الطبقة التي تلي تابعي التابعين: قال أبو يعلى الخليلي الحافظ: ابن ماجه ثقة كبير متفق عليه، محتج به، له معرفة وحفظ، وله مصنفات في السنن والتفسير والتاريخ، وكان عارفا بهذا الشأن، ارتحل إلى العراقيين ـ البصرة والكوفة ـ ومكة والشام ومصر.
وقال عنه الحافظ ابن كثير: صاحب كتاب السنن المشهورة وهي دالة على عمله وعلمه، وتبحره واطلاعه، واتباعه للسنة في الأصول والفروع (1)، وكانت وفاته لثمان بقين من رمضان سنة 273هـ.

اسم ابن ماجة ونسبه ومولده:

هو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة الربعي بالولاء القزويني الحافظ الكبير المفسر، ولد سنة (209هـ) وتوفي سنة (273هـ).

مناقب ابن ماجة رحمه الله:

كان ابن ماجة رحمه الله من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء وحراس العقيدة وحماة السنة وأشياع الحق وأنصار دين الله عز وجل، حاملُ لواء السنة وناصرها وقامع البدعة ودامغها.
وهاك غيض من فيض مما ورد في مناقبه رحمه الله تعالى:

ثناء العلماء على ابن ماجة:

قال أبو يعلى الخليلي الحافظ: ابن ماجه ثقة كبير متفق عليه، محتج به، له معرفة وحفظ، وله مصنفات في السنن والتفسير والتاريخ، وكان عارفا بهذا الشأن، ارتحل إلى العراقيين ـ البصرة والكوفة ـ ومكة والشام ومصر.
وقال عنه الحافظ ابن كثير: صاحب كتاب السنن المشهورة وهي دالة على عمله وعلمه، وتبحره واطلاعه، واتباعه للسنة في الأصول والفروع (2)، وكانت وفاته لثمان بقين من رمضان سنة 273هـ.

رتبة سنن ابن ماجة بين الكتب الستة:

12 قال الحافظ السلفي: اتفق على صحتها ـ أي الكتب الخمسة 1 ـ علماء الشرق والغرب، ولم يضموا إليها سنن ابن ماجه لتأخر مرتبتها عنها، وأول من جعلها سادس الكتب الستة الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي بن أحمد القيسراني المقدسي المتوفى سنة 507هـ في كتابه (أطراف الكتب الستة)، ورسالته (شروط الأئمة الستة) 2 ثم تابعه الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة 600هـ في كتابه (الكمال في أسماء الرجال)، ثم تابعهما أصحاب كتب الأطراف وأسماء الرجال، والمتأخرون في تصانيفهم، وإنما قدم هؤلاء سنن ابن ماجة على الموطأ لكثرة زوائده على الكتب الخمسة بخلاف الموطأ؛ فإن أحاديثه ـ إلا القليل منها ـ موجودة في الكتب الخمسة مندمجة فيها، فهذا هو السبب في عدهم السادس سنن ابن ماجة دون الموطأ 3 وقال الصنعاني عن ابن ماجة: وكان أحد الأعلام، وألف السنن، وليست لها رتبة ما أُلّف مِنْ قَبْلِه، لأن فيها أحاديث ضعيفة بل منكرة، ونقل عن الحافظ المزي أن غالب ما تفرد به الضعيف.
وقد اعتُبِر هذا الكتاب رابع السنن، ومتمم الكتب الستة التي هي المراجع الأصول للسنة النبوية، وكان المتقدمون يعدونها خمسة، ليس فيها كتاب ابن ماجه، ثم جعل بعضهم الموطأ سادسها، فقد عدّ بعض الحفاظ موطأ مالك في درجة الصحيحين، بل منهم من قدمه على الصحيحين، كالإمام ابن عبد البر المتوفى سنة 463هـ، والإمام أبو بكر بن العربي المتوفى سنة 543هـ والإمام أبو الحسن أحمد بن رزين السرقسطي المتوفى سنة 535هـ في كتابه (التجريد في الجمع بين الصحاح)، وتابعه على ذلك أبو السعادات مبارك بن محمد المشهور بابن الأثير الجزري المتوفى سنة 606هـ وكذا غيره 4. ومن الذين قدموا الموطأ على سنن ابن ماجة الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى.
قال ابن حجر: لم يرو ـ أي الإمام مالك ـ فيه إلا الصحيح عنده 5. ومن الحفاظ من عد سادس الكتب كتاب الدارمي.

قال طاهر الجزائري: ولما كان ابن ماجة قد أخرج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث، قال بعضهم: ينبغي أن يجعل السادس كتاب الدارمي؛ فإنه قليل الرجال الضعفاء، نادر الأحاديث المنكرة والشاذة، وإن كانت فيه أحاديث مرسلة وموقوفة؛ فهو مع ذلك أولى منه 1. وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ: سنن أبي عبد الله كتاب حسن لولا ما كدره أحاديث واهية ليست بالكثيرة 2. وقال الحافظ ابن رجب عند كلامه عن طبقات الرواة عن الزهري في الطبقة الخامسة: قوم من المتروكين والمجهولين كالحكم الأيلي، وعبد القدوس بن حبيب، ومحمد بن سعيد المصلوب، وبحر السقاء ونحوهم؛ فلم يخرج لهم الترمذي ولا أبو داود ولا النسائي، ويخرج لبعضهم ابن ماجة، ومن هنا نزلت درجة كتابه عن بقية الكتب، ولم يعده من الكتب المعتبرة سوى طائفة من المتأخرين 3. وقال الحافظ ابن حجر: كتابه في السنن - أي ابن ماجة - جامع جيد، كثير الأبواب والغرائب، وفيه أحاديث ضعيفة جدا، حتى بلغني أن السري كان يقول: مهما انفرد بخبر، فيه أحاديث كثيرة منكرة، والله تعالى المستعان، ثم وجدت بخط الحافظ شمس الدين محمد بن علي الحسيني ما لفظه: سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول: كل ما انفرد به ابن ماجة فهو ضعيف 4، يعني: وكلامه هو ظاهر كلام شيخه.
لكن حمله على الرجال أولى، وأما حمله على أحاديث فلا يصح 5 السبب الذي حمل العلماء على أن يُدْرِجوا سنن ابن ماجة في الأصول:

لما رأى بعض الحفاظ كتابه كتابًا مفيدًا قوي النفع في الفقه ورأى من كثرة زوائده أدرجه في الأصول وجعلوه آخرها منزلة؛ وذلك لأنه تفرد بأحاديث عن رجال متهمين بالكذب.
﴿تنبيه﴾: ومما تقدم نعلم أن إطلاق الصحيح على أحد كتب السنن الأربعة أو عليها مجتمعة مع الصحيحين فيه تساهل، لأن أحاديث الأربعة ليست كلها صحيحة، نعم أكثرها صحيح أو حسن، وربما كان ذلك سبب إطلاق الصحاح عليها من باب التغليب.

ومن هنا أجد لزاماً علي أن أشيد بالجهد الضخم الذي قدَّمه العلامة البحر الفهامة الضياء الامع والنجم الساطع (الشيخ الألباني رحمه الله تعالى) في تصحيح الكتب الستة التي هي عماد طالب العلم في الحديث ـ بعد الله تعالى ـ هذا العالم الجليل الذي وسَّع دائرةَ الاستفادةِ من السنة بتقديمه مشروع (تقريب السنة بين يدي الأمة) ذلك المشروع الذي بذل فيه أكثر من أربعين سنة، ومن أراد أن يعرف هذه الفائدة العظيمة فلينظر على سبيل المثال إلى السنن الأربعة التي ظلَّت مئات السنين محدودة الفائدة جداً حيث كانت الاستفادة منها مقتصرة على من كان له باع في تصحيح الحديث وتضعيفه ولكن بعد تقديم الشيخ الألباني لصحيح السنن الأربعة اتسعت دائرة الاستفادة حتى تعم كل طالب أراد أن يستفيد وهذا ولا شك فائدة عظيمة جداً عند من نور الله بصيرته وأراد الإنصاف، فحقيقٌ على كل مسلمٍ نوَّر الله بصيرته وأراد الإنصاف وأسند الفضل لأهله وعلم أن من أدب العلم التوادَّ فيه أن يدعوا للشيخ الألباني رحمه الله تعالى في سجوده على هذا العمل الضخم المتعدي النفع والذي يُشْبِه في نفعه الغيثَ من السماء أو الريح المرسلة يعم نفعُه كل من يقابله، والشيخ الألباني رحمه الله تعالى كان رحمه الله تعالى كان رحمه الله تعالى من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء وحراس العقيدة وحماة السنة وأشياع الحق وأنصار دين الله عز وجل، حاملُ لواء السنة وناصرها وقامع البدعة ودامغها، كان الكتاب والسنة له كالجناحين للطائر يتمسك بهما ويعضُ عليهما بالنواجذ، كان رحمه الله تعالى شهاباً ثاقباً ونجماً ساطعاً وبدراً طالعاً وسهماً نافذاً، وكان كوكبَ نُظَرَائه وزهرةَ إخوانه، تفوح منه علامات اليُمْنِ وأمارات الخير ورائحة التوفيق والسداد، واحد زمانه، وإمام عصره وأوانه، العالم الحبر، ذو الأحلام والصبر، العلم حليفه، والزهد أليفه، كان رحمه الله تعالى خزانة علم فكان علمه واسعاً مباركا كالغيث من السماء أينما حل نفع، يتفجَّرُ العلمُ من جوانبه، وتنطِق الحكمةُ من نواحيه، لا يُشَقُ له غُبارٌ في غزارة علمه ودقة استنباطه للفوائد والأحكام وسعة فقهه ومعرفته بأسرار اللغة العربية وبلاغتها، وكان رحمه الله ذا همةٍ عاليةٍ تناطح السحاب في طلب العلم فكان يُقْبِلُ على طلب العلم إقبالَ الظامئ على الموردِ العذب فقد أفنى جلَّ عمره في طلب العلم فكان إماماً يقتدى

جارٍ التحميل