فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 19-58

كتاب الرقائق

صفحات 19-58
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

قال تعالى: (وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ الْجِنّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مّنَ الإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مّنَ الإِنْسِ رَبّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا الّذِيَ أَجّلْتَ لَنَا قَالَ النّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ) [الأنعام: 128] وقال تعالى حاكياً عن الجن الذين استمعوا القرآن (وَأَنّا مِنّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلََئِكَ تَحَرّوْاْ رَشَداً وَأَمّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنّمَ حَطَباً) [الجن 14: 15] وقال تعالى: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مّن نّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ فَبِأَيّ آلآءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ) [الرحمن 35: 36] قوله فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) فبأي آلاء ربكما تكذبان) يعرف المجرمون بسيماهم و قال تعالى: (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنّوَاصِي وَالأقْدَامِ) [الرحمن: 41] ولهذا روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ هذه السورة على الجن وأبلغهم إياها لما تضمنت ذكر خلقهم وموتهم وبعثهم وجزائهم،

  • وأما سائر الخلق فأشرفهم الملائكة وهم متوعدون على المعصية بالنار وهو خائفون منها قال تعالى: (وَقَالُواْ اتّخَذَ الرّحْمََنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَىَ وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّيَ إِلََهٌ مّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ) [الأنبياء 26 - 29] (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لجبريل ما لي لا أرى ميكائيل ضاحكا قط قال ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار.

غير الحيوان من الجمادات وغيرها تخشى الله تعالى:

قال تعالى: (ْوَةً وَإِنّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنّ مِنْهَا لَمَا يَشّقّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ وَإِنّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ) [البقرة: 74]

قال ابن أبي نجيح عن مجاهد كل حجر يتفجر منه الماء ويتشقق عن ماء أو يتردى عن رأس جبل فهو من خشية الله عز وجل نزل بذلك القرآن وخرج الجوزجاني وغيره من طريق مجاهد عن ابن عباس قال إن الحجر ليقع إلى الأرض ولو اجتمع عليه الفئام من الناس ما استطاعوه وإنه ليهبط من خشية الله.
• قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما إن القمر ليبكي من خشية الله قال طاووس إن القمر ليبكي من خشية الله ولا ذنب له ولا يسأل عن عمل ولا يجازى به.

البكاء من خشية النار ينجي منها:

قد تكاثرت النصوص في أن البكاء من خشية الله يقتضي النجاة منها والبكاء خوف من نار جهنم هو البكاء من خشية الله لأنه بكاء من خشية عقاب الله وسخطه والبعد عنه وعن رحمته وجواره ودار كرامته.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يلج النار رجل بكي من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم.
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله.
• التعوذ من النار:

قال تعالى: (الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النّارِ رَبّنَآ إِنّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رّبّنَآ إِنّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبّكُمْ فَآمَنّا رَبّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنّا سَيّئَاتِنَا وَتَوَفّنَا مَعَ الأبْرَار رَبّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتّنَا عَلَىَ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبّهُمْ أَنّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ) [آل عمران 191 - 195]

وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)﴾ [البقرة/200 - 202] يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالمُؤْمِنِينَ بِالإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ بَعْدَ قَضَاءِ المَنَاسِكِ وَالفَرَاغِ مِنْهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ العَرَبَ فِي الجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَقِفُونَ فِي المَوْسِمِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمُ: كَانَ أَبِي يُطْعِمُ وَيَحْمِلُ الدِّيَاتِ.. إِلخ لَيْسَ لَهُمْ هَمٌّ غَيْرُ ذِكْرِ فِعَالِ آبَائِهِمْ فَأَنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيَةَ، وَأَرْشَدَ المُسْلِمِينَ إِلَى دُعَائِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَثِيراً، لِمَا فِي ذلِكَ مِنْ مَظنَّةٍ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَذَمَّ اللهُ الذِينَ لا يَسْأَلُونَ إِلاَّ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ عَنْ أَمْرِ آخِرَتِِهِمْ، غَيْر مُهْتَمِّينَ بِهِ.
وَهؤلاءِ لَهُمْ نَصِيبٌ مَضْمُونٌ مِمَّا كَسَبُوهُ بِالطَّلَبِ وَالرُّكُونِ إِلَى اللهِ، لا يُبْطِئُ عَلَيْهِمْ، فَاللهُ تَعَالَى سَرِيعُ الحِسَابِ، وَهُوَ يَجْزِي كُلاً بِمَا يَسْتَحِقُّهُ.
وَإِلى جَانِبِ أُولَئِكَ المُهْتَمِّينَ بِأَمْرِ الدُّنْيا فَقَطْ، آخَرُون يَهْتَمُونَ بِأَمْرِ الآخِرَةِ إِلى جَانِبِ اهْتِمَامِهِمْ بِأَمْرِ الدُّنيا فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيا حَسَنَةً (وَتَشْمَلُ كُلَّ مَطْلَبٍ دَنْيَويِّ) وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً (وَتَشْمَلُ دُخُولَ الجَنَّةِ وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ)، وَهَذا يَقْتَضِي تَيْسِيرَ أَسْبَابِهِ فِي الدُّنْيا: مِنِ اجِتِنَابِ المَحَارِمِ وَالآثَامِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ وَالمُحَرَّمَاتِ.
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.

(حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من سأل الله ثلاث مرات قالت الجنة اللهم أدخله الجنة ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار اللهم أجره من النار.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ) بِأَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسَالِكُ الْجَنَّةَ، أَوْ قَالَ اللَّهُمَّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أَيْ كَرَّرَهُ فِي مَجَالِسَ أَوْ مَجْلِسٍ بِطَرِيقِ الْإِلْحَاحِ عَلَى مَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ الإلحاح فيه.
(قَالَتِ الْجَنَّةُ) بِبَيَانِ الْحَالِ أَوْ بِلِسَانِ الْقَالِ لِقُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى إِنْطَاقِ الْجَمَادَاتِ وَهُوَ الظَّاهِرُ (اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ) أَيْ دُخُولًا أَوَّلِيًّا أَوْ لُحُوقًا آخِرِيًّا (وَمَنِ اسْتَجَارَ) أَيِ اسْتَحْفَظَ (مِنَ النَّارِ) بِأَنْ قَالَ اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ (قَالَتِ النَّارُ اللَّهُمَّ أَجِرْهُ) أَيِ احْفَظْهُ أَوْ أَنْقِذْهُ (مِنَ النَّارِ) أَيْ مِنْ دُخُولِهِ أَوْ خُلُودِهِ فِيهَا.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما استجار عبد من النار سبع مرات في يوم إلا قالت النار: يا رب إن عبدك فلانا قد استجارك مني فأجره، ولا يسأل الله عبد الجنة في يوم سبع مرات إلا قالت: يا رب! إن عبدك فلانا سألني فأدخله الجنة.
(حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدَّم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشِقِّ تمرة).
(حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة.

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال: لما أنزلت هذه الآية (وأنذر عشيرتك الأقربين) دعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قريشا فاجتمعوا فعم وخص فقال يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها.
(حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب يقول أنذرتكم النار أنذرتكم النار حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه.
الخميصة: كساء أسود مربع له علمان في طرفيه من صوف وغيره.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فيها فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيها.
الحجز: جمع حجزة وهى معقد الإزار والسراويل.
تقحمون: تقعون

أسباب عذاب النار:

ولعذاب النار سببان رئيسيان أحدهما تكذيب القلب بخبر الله ورسوله، والثاني إعراض البدن عن طاعة الله ورسوله ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [سورة طه: 48].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ أي: قد أخبرنا الله فيما أوحاه إلينا من الوحي المعصوم أن العذاب متحمض لمن كذب بآيات الله وتولى عن طاعته، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 37 - 39] وقال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لا يَصْلاهَا إِلا الأشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: 14 - 16] وقال تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: 31، 32]. أي: كذب بقلبه وتولى بفعله.
انتهى.

ذكر مكان جهنم:

مكان النار الأرض السابعة السفلى في سجين أسفل مكان وأضيقه، كما أن الجنة فوق العرش، فالمخلوقات كلما ارتفعت اتسعت، وكلما هبطت تضايقت، فالجنة في أوسع مكان وأعلاه، والنار في أسفل مكان وأضيقه، نعوذ بوجه الله منها ومما يقرب إليها.
ولجهنم سبعة أطباق وهي: جهنم، ولظى، والحطمة، والسعير، وسقر، والجحيم، والهاوية, • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابن عباس قال الجنة في السماء السابعة ويجعلها الله حيث يشاء يوم القيامة وجهنم في الأرض السابعة - وأورد أيضاً عن مجاهد قال قلت لابن عباس أين الجنة قال فوق سبع سموات قلت فأين النار قال تحت سبع أبحر مطبقة.

أسماء النار:

ذكر اللهُ تعالى في كتابه النارَ بعدة أسماء وهي: (1) جهنم:

قال تعالى: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعاًّ) ﴿الطور:13﴾. وفي ذلِكَ اليَوْمِ يُدفَعُ هؤلاءِ المُكَِذِّبُونَ، الخَائِضُونَ في البَاطِل، إِلى جَهَنَّم دَفْعاً عَنيفاً، وَيُسَاقُونَ إليها سَوْقاً.
(2) لظى:

قال تعالى: (كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى) ﴿المعارج:15 - 16﴾. كَلاَّ لاَ يُقْبَلُ فِدَاءٌ مِنَ الكَافِرِ، وَلَوْ أَنَّهُ افْتَدَى بِجَمِيعِ أَهْلِ الأَرْضِ، وَبِجَمِيعِ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ ذَهَبٍ وَمَالٍ، إِنَّهَا النَّارُ الشَّدِيدَةُ الحَرَارَةِ.
تَحْرُقُ كُلَّ شَيءٍ بَارِزٍ مِنْ جِسْمِ الإِنْسَانِ فَتُزِيلُهُ وَكَأَنَّهَا تَنْزِعُهُ انْتِزَاعاً.
(3) الحُطَمة:

قال تعالى: (كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9)) ﴿الهمزة:4 - 9﴾. كَلاَّ إِنَّ مَالَهُ لَنْ يُخَلِّدَهُ، وَلَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَسَيُطْرَحُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ كَمَا تُطْرَحُ النَّوَاهُ.
(وَسُميتِ النَّارُ حُطَمَةً لأَنَّهَا تُحَطِّمُ كُلَّ مَا يُلْقَى فِيهَا وَلاَ تُبْقِي مِنْهُ عَلَى شَيءٍ).
يُنْبَذَنَّ - يُقْذَفَنَ قَذْفاً كَمَا تُقْذفُ النَّوَاةُ.
وَهَذِهِ الحُطَمَةُ لَيْسَتْ مِمّا يُحِيطُ بِهِ عِلْمُكَ.
إِنَّهَا نَارُ اللهِ المُشْتَعِلَةِ التِي أَعَدَّهَا اللهُ لِعَذَابِ الكَفَرَةِ العُصَاةِ.

وَإِنَّهَا لَتَبلُغُ فِي عَذَابَهِمْ إِلَى قُلُوبِهِمْ فَتَنْهَشُهَا نَهْشاً، وَالقَلْبُ أَكْثَرُ الأَعْضَاءِ تَأَلماً، فَإٍذَا نَهَشَتْهُ النَّارُ بَلَغَ العَذَابُ بِالإِنْسَانِ أَقْصَاهُ.
وَتُطْبِقُ النَّارُ عَلَيْهِمْ إِطْبَاقاً شَدِيداً، وَتُغْلَقُ عَلَيْهِمْ أَبْوَابُهَا، فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ مِنْهَا خَلاَصاً.
وَأَبْوَابُ النَّارِ تُطْبَقُ عَلَيْهِمْ، وَتُشَدُّ بِأَعْمِدَةٍ مُمَدَّدةٍ مِنْ حَدِيدٍ فَلاَ يُفْتَحُ عَلَيْهِمْ بَابٌ.
(أَوْ إِنَّهُمْ يَكُونُونَ مُوثَقِينَ فِي النَّارِ، وَمَشْدُودِينَ إِلَى أَعْمدةٍ مُمَدَّدَةٍ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ حَرَاكاً وَلاَ خَلاَصاً).
(4) السعير:

قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) ﴿الشورى:7﴾. وَكَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَأَرْسَلْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى قَوْمِهِ لِيَسْتَطِيعَ دَعْوَتَهُمْ إِلَى اللهِ بِلُغَتِهِمْ وَلِسَانِهِمْ، وَلِيَفْهَمُوا مِنْهُ مَعَانِي مَا يُرِيدُ إِبْلاَغَهُ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ، كَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً وَاضِحاً جَلِيّاً مُنَزَّلاً بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، لُغَةِ قَوْمِكَ لِتُنْذِرَ أَهْلَ مَكَةَ (أُمَّ القُرَى)، وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ النَّاسِ، وَتُحَذِّرَهُمْ عِقَابَ اللهِ، يَوْمَ القِيَامَةِ، يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الخَلاَئِقَ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَهُوَ يَوْمٌ وَاقِعٌ لاَ شَكَّ فِيهِ وَلاَ رَيْبَ، فَيجْزِي الكَافِرِينَ الظَّالِمِينَ بِمَا اجْتَرَحُوا مِنَ الإِثْمِ والسَّيِّئَاتِ، وَيَكُونُونَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقْذَفُونَ فِيهَا قَذْفاً، وَيَجْزِي المُحْسِنِينَ بِالجَنَّةِ.
(5) سقر:

قال تعالى: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وَجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) ﴿القمر:48﴾. وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ في النَّارِ، وَيُجرُّونَ فِيهَا عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَيُقَالُ لَهُمْ تَقْريعاً وَتَوْبِيخاً: ذُوقوا حَرَّ نَارِ جَهَنَّمَ وآلامَها جَزَاءً لَكُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ وَتَكْذِيبِكُمْ رُسُلَ رَبِّكمْ وَجَحْدِكُمْ بآياتِه.

وقال تعالى ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)﴾ [المدثر/26 - 30] سَأْدْخِلُهُ جَهَنَّمَ، وأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.
وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَ نَارُ جَهَنَّمَ؟ إِنَّهَا بَلَغَتْ فِي الغَرَابَةِ حَدّاً لاَ يُمْكِنُ إِحَاطَةُ الوَصْفِ بِهِ.
لا تُبْقِي لَحْماً، وَلاَ تَذَرُ عَظْماً، وَإِنَّمَا تَأْتي عَلَيْهِ جَمِيعاً.
تُلَوِّحُ الجِلْدَ فَتحْرِقُهُ وَتُغَيِّرُ لَوْنَهُ.
وَعَلَى النَّارِ خَزَنَةٌ مِنَ المَلاَئِكَةِ، عِدَّتُهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ مَلَكاً يَلُونَ أَمْرَهَا.
وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)﴾ [المدثر/38 - 47] كُلُّ نَفْسٍ مُرْتَهَنَةٌ بِعَمَلِهَا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
إِلاَّ المُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ، الذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَ أًَعْمَالِهِمْ يَوْمَ الحِسَابِ فَيَتَنَاوَلُونَهَا بِأَيْمَانِهِمْ، فَإِنَّهُمْ فَكُّوا رَهْنَ أَنْفُسِهِمْ بِحُسْنِ أَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا.
وَيَكُونُ أَصْحَابُ اليَمِينِ هَؤُلاَءِ فِي الجَنَّاتِ يَتَسَاءَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ.
وَيَسْأَلُونَ عَنِ المُجْرِمِينَ الذِينَ يَكُونُونَ فِي دَرَكَاتِ النَّارِ.
ثُمَّ يَسْأَلُونَ المُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي النَّارِ: مَا الذِي أَدْخَلَكُمْ نَارَ جَهَنَّمَ؟

وَيَرُدُّ المُجْرِمُونَ عَلَى سُؤَالِ الأَبْرَارِ أَهْلِ الجَنَّاتِ قَائِلِينَ: إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ الذِينَ يُؤَدُّونَ الصَّلَواتِ.
وَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ الذِينَ يُحْسِنُونَ إِلَى خَلْقِ اللهِ الفُقَرَاءِ، وَلَمْ يَكُونُوا يُطْعِمُونَ المَسَاكِينَ.
وَإِنَّهُمْ كَانُوا يُشَارِكُونَ أَهْلَ البَاطِلِ فَيَخُوضُونَ مَعَهُمْ فِيمَا يَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والاسْتِهْزَاءِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَكَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِيمَا لاَ يَعْلَمُونَ.
وَإِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يُؤْمِنُونَ بِحَشْرٍ وَلاَ نَشْرٍ وَلاَ بَعْثٍ وَلاَ حِسَابٍ، وَلاَ عِقَابٍ فِي الآخِرَةِ.
حَتَّى جَاءَهُمْ المَوْتُ، وَرَجَعُوا إِلَى اللهِ فِي الآخِرَةِ، فَعَلِمُوا أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ حَقٌّ.
•الجحيم: قال تعالى: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ) ﴿الحاقة:30 - 31﴾. يقال لخزنة جهنم: خذوا هذا المجرم الأثيم، فاجمعوا يديه إلى عنقه بالأغلال، ثم أدخلوه الجحيم ليقاسي حرها (6) الهاوية:

قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَاهِيَهْنَارٌ حَامِيَةٌ) ﴿القارعة:8 - 11﴾. وَأَمَّا مَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ، فَثَقُلَتْ كَفَّةُ أَعْمَالِهِ السَّيِئَةِ، وَخَفَّتْ كَفَّةُ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ.
فَإِنَّهُ يَأْوِي إِلَى مَهْوَاةٍ سَحِيقَةٍ فِي جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهَا كَمَا يَأْوِي الوَلَدُ إِلى أُمِّهِ.
وَأَيُّ شَيءٍ يُدْرِيكَ وَيُعَرِّفُكَ بِمَا هِيَ تِلْكَ الهَاوِيَةُ؟ •

وصف النار:

لقد خلق الله تعالى النار وجعلها مقراً لأعدائه المخالفين لأمره، وملأها من غضبه وسخطه وأودعها أنواعاً من العذاب الذي لا يطاق، وحذر عباده وبين لهم السبل المنجية منها لئلا يكون لهم حجة بعد ذلك وعلى الرغم من كل هذا التحذير من النار إلا أن البعض من الناس ممن قل علمهم وقصر نظرهم على هذه الدنيا أبو إلا المخالفة والعناد والتمرد على مولاهم ومعصيته جهلاً منهم بحق ربهم عليهم وجهلاً منهم بحقيقة النار التي توعدهم الله بها، وقد وُصِفَتْ النار في الكتاب العزيز والسنة المطهرة تحذيرا منها ومن الأعمال والأقوال الموصلة إليها، وألفت في وصفها المؤلفات الكثيرة، ومن أجمعها كتاب "التخويف من النار" للحافظ الإمام عبد الرحمن بن رجب رحمه الله تعالى.
• أخي الحبيب: لقد خاب من آثر شهوة من حرام فإن عقباها تجرع حميم آن، وخسر - والله - من أطلق نفسه فيما تريد بعد أن سمع الزبانية وأغلال الحديد، وهلك وبار كل البوار من اشترى لذة ساعة بعذاب النار.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان.
وقال أبو موسى: أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع ثم يبكون الدماء حتى لو أرسلت فيها السفن لجرت 0 فما هي هذه النار؟ وما صفتها؟ قال ابن الجوزي في وصف النار: (هي دار خُصَّ أهلها بالبعاد، وَحُرِمُوا لذة المُنَى والإسعاد، بُدلت وضاءة وجوههم بالسواد، وضربوا بمقامع أقوى من الأطواد، عليها ملائكة غلاظ شداد، لو رأيتهم في الحميم يسرحون وعلى الزمهرير يطرحون، فحزنُهم دائم فلا يفرحون، مقامهم دائم فلا يبرحون أبد الآباد، عليها ملائكة غلاظ شداد، توبيخهم أعظم من العذاب، تأسفهم أقوى من المصاب، يبكون على تضييع أوقات الشباب وكلما جاد البكاء زاد، عليها ملائكة غلاظ شداد، يا حسرتهم لغضب الخالق، يا محنتهم لعظم البوائق، يا فضيحتهم بين الخلائق، أين كسبهم للحطام؟ أين سعيهم في الآثام؟ أين تتبعهم لزلات الأنام؟ كأنه أضغاث أحلام، ثم أحرقت تلك الأجساد، وكلما أحرقت تعاد، عليها ملائكة غلاظ شداد) أ. هـ. • وفصل الخطاب في وصف النار أنها كما قال الله تعالى عنها: نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6]

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ناركم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم.
قيل: يا رسول الله، إن كانت لكافية، قال: (فضلت عليهن بتسعة وستين جزءا، كلهن مثل حرها.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح: (ناركم جزء): زاد مسلم في روايته جزء واحد قوله من سبعين جزءا في رواية لأحمد من مائة جزء والجمع بأن المراد المبالغة في الكثرة لا العدد الخاص أو الحكم للزائد، زاد الترمذي من حديث أبي سعيد لكل جزء منها حرها قوله أن كانت لكافية أن هي المخففة من الثقيلة أي أن نار الدنيا كانت مجزئة لتعذيب العصاة قوله فضلت عليهن كذا هنا والمعنى على نيران الدنيا وفي رواية مسلم فضلت عليها أي على النار قال الطيبي ما محصله إنما أعاد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حكاية تفضيل نار جهنم على نار الدنيا إشارة إلى المنع من دعوى الأجزاء أي لا بد من الزيادة ليتميز ما يصدر من الخالق من العذاب على ما يصدر من خلقه قوله مثل حرها زاد أحمد وابن حبان من وجه آخر عن أبي هريرة وضربت بالبحر مرتين ولولا ذلك ما انتفع بها أحد ونحوه للحاكم وابن ماجة عن أنس وزادا فإنها لتدعو الله أن لا يعيدها فيها وفي الجامع لابن عيينة عن بن عباس رضي الله عنهما هذه النار ضربت بماء البحر سبع مرات ولولا ذلك ما انتفع بها أحد أهـ. • أخي الحبيب: نارنا هذه التي تُحَطِّم، والتي تدمِّر، والتي لا يجرؤ أحد علي أن يقترب منها وإن كانت ممثلة في شعلة صغيرة، فما بالكم بحريق هائل مدمر، بحريق مروع، هذا الحريق وهذه النار، بل كل نار الدنيا مجتمعة إنما هي جزءاً كلهن مثل حرها.
الله أكبر.. اللهم إنا نستجير بك من النار.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أترونها حمراء كناركم هذه لهي أشد سوادا من القار.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها.

قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله تعالى: جَهَنَّمُ اسْمٌ لِنَارِ الْآخِرَةِ قَالَ يُونُسُ وَأَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ: هِيَ عَجَمِيَّةٌ لَا تَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعْرِيفِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ عَرَبِيَّةٌ لَمْ تُصْرَفْ بِالتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِبُعْدِ قَعْرِهَا.
قَالَ رُؤْبَةُ يُقَالُ بِئْرٌ جِهْنَامٌ أَيْ بَعِيدَةُ الْقَعْرِ.
وَقِيلَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْجُهُومَةِ وَهِيَ الْغِلَظُ، يُقَالُ جَهَنَّمُ الْوَجْهُ أَيْ غَلِيظُهُ فَسُمِّيَتْ جَهَنَّمُ لِغِلَظِ أَمْرِهَا، انْتَهَى.
وقال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَهُوَ مَا يُشَدُّ بِهِ.
وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ: الزِّمَامُ مَا يُجْعَلُ فِي الجزء السابع أَنْفِ الْبَعِيرِ دَقِيقًا، وَقِيلَ: مَا يُشَدُّ بِهِ رُءُوسُهَا مِنْ حَبْلٍ وَسَيْرٍ، انْتَهَى (يَجُرُّونَهَا) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ يَسْحَبُونَهَا.
قَالَ فِي اللُّمَعَاتِ: لَعَلَّ جَهَنَّمَ يُؤْتَى بِهَا فِي الْمَوْقِفِ لِيَرَاهَا النَّاسُ تَرْهِيبًا لَهُمْ.
• قال وهب بن منبه: إذا سيرت الجبال فسمعت حسيس النار نقيضها وزفيرها وشهيقها صرخت الجبال كما تصرخ النساء ثم يرجع أوائلها على أواخرها يدق بعضها بعضاً 0 (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال: كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ سمع وجبة فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تدرون ما هذا؟ قال قلنا الله ورسوله أعلم، قال هذا حجر ُرِمىَ به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوى في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها فسمعتم وَجْبَتَها.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: (سمع وجبة) هي بفتح الواو وإسكان الجيم وهي السقطة.
(حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لرجل، توضع في أخمص قدميه جمرة، يغلي منها دماغه، ما يرى أن أحداً أشدَّ منه عذاباً وإنه لأهونهم عذابا.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح:

يغلي منه دماغه: ووقع في حديث بن عباس عند مسلم إن أهون أهل النار عذابا أبو طالب له نعلان يغلي منهما دماغه ولأحمد من حديث أبي هريرة مثله لكن لم يسم أبا طالب وللبزار من حديث جابر قيل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هل نفعت أبا طالب قال اخرجته من النار الى ضحضاح منها.
(حديث أبي سعيد في الصحيحين) أنه سمع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وذكر عنده عمه، فقال لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه أم دماغه - يعني أبا طالب -. (حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنه قال يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال نعم هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح: ضحضاح: أصله ما رق من الماء علي وجه الأرض واستعير هنا للنار.
(حديث سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ كَعْبَيْهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ رُكْبَتَيْهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ حُجْزَتِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ تَرْقُوَتِهِ".
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ حُجْزَتِهِ: ومنهم من تأخذه يعني النار إلى حجزته" هي بضم الحاء وإسكان الجيم وهي معقد الإزار والسراويل.
وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ تَرْقُوَتِهِ: وهي بفتح التاء وضم القاف وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وفي رواية حقويه بفتح الحاء وكسرها وهما معقد الإزار، والمراد هنا ما يحاذي ذلك الموضع من جنبيه.
وروي عن كعب الأحبار أنه قال: (والذي نفس كعب بيده لو كنت بالمشرق والنار بالمغرب ثم كُشف عنها لخرج دماغك من منخريك من شدة حرها! فيا قوم هل لكم بهذا قرار؟ أم لكم على هذا صبر؟ يا قوم إن طاعة الله أهون عليكم والله من هذا العذاب فأطيعوه) أ. هـ. طعام أهلها الزقوم وشرابهم الحميم.

سعة جهنم طولا وعرضا:

(حديث مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترغيب والترهيب موقوفاً) أنه قال: أتدري ما سعة جهنم؟ قلت لا

قال أجل والله والله ما تدري إن بين شحمة أذن أحدهم وبين عاتقه مسيرة سبعين خريفا تجري فيه أودية القيح والدم، قلت أنهار قال لا بل أودية.

ذكر قعر جهنم وعمقها:

(حديث عتبة بن غزوان رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوي بها سبعين عاما ما تفضي إلى قرارها.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (إِنَّ الصَّخْرَةَ) بِسُكُونِ الْخَاءِ وَتُفْتَحُ الْحَجَرُ الْعَظِيمُ الصُّلْبُ، كَذَا فِي الْقَامُوسِ.
قَوْلُهُ: (الْعَظِيمَةَ) دَلَّ بِهِ عَلَى شِدَّةِ عِظَمِهَا (لَتُلْقَى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ) أَيْ جَانِبِهَا وَحَرْفِهَا (فَتَهْوِي) أَيْ تَسْقُطُ (مَا تُفْضِي) مِنَ الْإِفْضَاءِ أَيْ مَا تَصِلُ (إِلَى قَرَارِهَا) أَيْ إِلَى قَعْرِهَا أَرَادَ بِهِ وَصْفَ عُمْقِهَا بِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يَتَنَاهَى، فَالسَّبْعِينَ لِلتَّكْثِيرِ.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال: كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ سمع وجبة فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تدرون ما هذا؟ قال قلنا الله ورسوله أعلم، قال هذا حجر ُرِمىَ به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوى في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها فسمعتم وَجْبَتَها.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار.

طبقات جهنم ودركاتها وصفتها:

قال تعالى: (إِنّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً) [النساء: 145] وقد قرئ الدرك بسكون الراء وتحريكها وهي لغتان قال الضحاك الدرج إذا كان بعضها فوق بعض والدرك إذا كان بعضها أسفل من بعض وقال غيره الجنة درجات والنار دركات، وقد تسمى النار درجات أيضا كما قال تعالى بعد أن ذكر أهل الجنة وأهل النار قال تعالى: (وَلِكُلّ دَرَجَاتٌ مّمّا عَمِلُواْ وَمَا رَبّكَ بِغَافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ) [الأنعام: 132] و قال تعالى: (أَفَمَنِ اتّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخْطٍ مّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ واللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) [آل عمران 162،163]

قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم درجات الجنة تذهب علوا ودرجات النار تذهب سفولا.
• وروى ابن أبي الدنيا باسناده عن عكرمة في قوله تعالى: (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْءٌ مّقْسُومٌ) [الحجر: 44] قال لها سبعة أطباق.
وعن قتادة (لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْءٌ مّقْسُومٌ) [الحجر 44] قال هي والله منازل بأعمالهم.
• وعن يزيد بن أبي مالك الهمداني قال لجهنم سبعة نيران تأتلق ليس منها نار إلا وهي تنظر إلى التي تحتها مخافة أن تأكلها.
• وعن ابن جريج في قوله (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْءٌ مّقْسُومٌ) [الحجر: 44] قال أولها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية وفيها أبو جهل.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابن مسعود - رضي الله عنه - وسُئل أي أهل النار أشد عذابا، قالوا اليهود والنصارى والمجوس؟ قال لا ولكن المنافقين في الدرك الأسفل من النار في توابيت من نار مطبقة عليهم ليس لها أبواب.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن أبي هريرة في قوله تعالى إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار قال الدرك الأسفل بيوت لها أبواب تطبق عليها فيوقد من فوقهم ومن تحتهم قال تعالى: (لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) [الزمر: 16]

(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قال: إن رجالاً من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيقصونها على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيقول فيها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما شاء الله، وأنا غلام حديث السن، وبيتي المسجد قبل أن أنكح، فقلت في نفسي: لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء، فلما اضطجعت ليلة قلت: اللهم إن كنت تعلم فيَّ خيراً فأرني رؤيا، فبينما أنا كذلك إذ جاءني ملكان، في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد، يقبلان بي إلى جهنم، وأنا بينهما أدعو الله: اللهم أعوذ بك من جهنم، ثم أراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديد، فقال: لم ترع، نعم الرجل أنت، لو تكثر الصلاة.
فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطويَّة كطي البئر، لها قرون كقرون البئر، بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد، وأرى فيها رجالاً معلَّقين بالسلاسل، رؤوسهم أسفلهم، عرفت فيها رجالاً من قريش، فانصرفوا بي عن ذات اليمين.
فقصصتها على حفصة، فقصَّتها حفصة على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن عبد الله رجل صالح).
فقال نافع: لم يزل بعد ذلك يكثر الصلاة.

ذكر حجارة النار:

قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [التحريم: 6] و قال تعالى: (فَإِن لّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتّقُواْ النّارَ الّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدّتْ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة: 24] مسألة: ما هو نوع هذه الحجارة التي في قوله تعالى وقودها الناس والحجارة؟ • قال ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار: أكثر المفسرين على أن المراد بالحجارة حجارة الكبريت توقد بها النار ويقال إن فيها خمسة أنواع من العذاب ليس في غيرها من الحجارة سرعة الإيقاد ونتن الرائحة وكثرة الدخان وشدة الالتصاق بالأبدان وقوة حرها إذا أحميت.
• وأورد رحمه الله تعالى عن ابن مسعود في قوله تعالى (وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [التحريم 6] قال هي حجارة من الكبريت خلقها الله يوم خلق السموات والأرض في السماء الدنيا يعدها للكافرين.
• وقال مجاهد رحمه الله تعالى: حجارة من كبريت أنتن من الجيفة.

ذكر حيات جهنم وعقاربها:

(حديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن في النار حيات أمثال أعناق البخت، يلسعن اللسعة فيجد حموتها أربعين خريفا، إن فيها لعقارب كالبغال الموكفة، يلسعن اللسعة، فيجد حموتها أربعين خريفا.
البخت: واحدتها البختية وهى الناقة طويلة العنق ذات السنامين.
الموكفة: المحملة • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابن مسعود في قوله تعالى (زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ) [النحل: 88] قال: عقارب لها أنياب كالنخل الطوال.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابن مسعود في قوله تعالى: (قَالُواْ رَبّنَا مَن قَدّمَ لَنَا هََذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النّارِ) [ص: 61] قال: حيات وأفاعي.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن عبد الله بن عمرو قال إن لجهنم لسواحل فيها حيات وعقارب أعناقها كأعناق البخت.

ذكر سلاسل جهنم وأغلالها وأنكالها:

قال تعالى: (إِنّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً) [الإنسان: 4] و قال تعالى: (وَجَعَلْنَا الأغْلاَلَ فِيَ أَعْنَاقِ الّذِينَ كَفَرُواْ) [سبأ: 33] و قال تعالى: (إِذِ الأغْلاَلُ فِيَ أَعْنَاقِهِمْ والسّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ) [غافر 71، 72] وقال تعالى: (خُذُوهُ فَغُلّوهُ ثُمّ الْجَحِيمَ صَلّوهُ ثُمّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ) [الحاقة 30 - 32] و قال تعالى: (إِنّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً وَطَعَاماً ذَا غُصّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً) [المزمل 12 - 13] وقرأ ابن عباس (إِذِ الأغْلاَلُ فِيَ أَعْنَاقِهِمْ والسّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ) [غافر: 71] ينصب السلاسل وفتح ياء يسحبون قال هو أشد عليهم هم يسحبون السلاسل خرجه ابن أبي حاتم فهذه ثلاثة أنواع كما يلي: • (النوع الأول) الأغلال: وهي في الأعناق كما ذكر سبحانه قال الحسن بن صالح الغل تغل اليد الواحدة إلى العنق والصفد اليدان جميعا إلى العنق خرجه ابن أبي الدنيا وقال أسباط عن السدي الأصفاد تجمع اليدين إلى العنق.
وقال معمر عن قتادة في قوله تعالى: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مّقَرّنِينَ فِي الأصْفَادِ) [إبراهيم: 49]

قال مقرنين في القيود والأغلال.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن الحسن أنه ذكر النار فقال لو أن غلا منها وضع على الجبال لقصمها إلى الماء الأسود ولو أن ذراعا من السلسلة وضع على جبل لرضه.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن موسى بن أبي عائشة أنه قرأ قوله تعالى: (أَفَمَن يَتّقِي بِوَجْهِهِ سُوَءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [الزمر: 24] قال تشد أيديهم بالأغلال في النار فيستقبلون العذاب بوجوههم قد شدت أيديهم فلا يقدرون على أن يتقوا بها كلما جاء نوع من العذاب يستقبلون بوجوههم.
(النوع الثاني) الأنكال: وهي القيود.
• قال مجاهد والحسن وعكرمة وغيرهم قال الحسن قيود من نار.
• وقال أبو عمران الجوني: قيود لا تحل والله أبدا وواحد الأنكال نكل وسميت القيود • (النوع الثالث) السلاسل: • وروى سفيان عن بشير عن نوف الشامي في قوله تعالى: (ثُمّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ) [الحاقة: 32] قال إن الذراع سبعون باعا والباع من ها هنا إلى مكة وهو يومئذ بالكوفة.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار أن كعبا قال إن حلقة من السلسلة التي قال الله ذرعها سبعون ذراعا إن حلقة منها أكثر من حديد الدنيا.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن سفيان في قوله (فَاسْلُكُوهُ) قال بلغنا أنها تدخل في دبره حتى تخرج منه.

  • وقال أيضاً رحمه الله تعالى: قال ابن عباس السلسلة تدخل في إسته ثم تخرج من فيه ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود حتى يشوى.
    • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن سعيد بن جبير قال: لو انفلت رجل من أهل النار بسلسلة لزالت الجبال.
    • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن الضحاك في قوله تعالى: (فَيُؤْخَذُ بِالنّوَاصِي وَالأقْدَامِ) [الرحمن: 41] قال يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره.
    • وقال السدي في هذه الآية يجمع بين ناصية الكافر وقدميه فتربط ناصيته بقدمه وظهره ويفتل.
    • وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يؤخذ بناصيته وقدميه ويكسر ظهره كما يكسر الحطب في التنور.

سجن جهنم:

(حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمْ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ) أَيْ فِي الصِّغَرِ وَالْحَقَارَةِ (فِي صُوَرِ الرِّجَالِ) أَيْ مِنْ جِهَةِ وُجُوهِهِمْ.
أَوْ مِنْ حَيْثِيَّةِ هَيْئَتِهِمْ مِنَ انْتِصَابِ الْقَامَةِ (يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ) أَيْ يَأْتِيهِمْ (مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) أَيْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.
وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْمَذَلَّةِ وَالنَّقِيصَةِ يَطَؤُهُمْ أَهْلُ الْحَشْرِ بِأَرْجُلِهِمْ مِنْ هَوَانِهِمْ عَلَى اللَّهِ.
وَفِي النِّهَايَةِ: الذَّرُّ النَّمْلُ الْأَحْمَرُ الصَّغِيرُ وَاحِدُهَا ذَرَّةٌ (يُسَاقُونَ) بِضَمِّ الْقَافِ أَيْ يُسْحَبُونَ وَيُجَرُّونَ (إِلَى سِجْنٍ) أَيْ مَكَانِ حَبْسٍ مُظْلِمٍ مَضِيقٍ مُنْقَطِعٍ فِيهِ عَنْ غَيْرِهِ (يُسَمَّى) أَيْ ذَلِكَ السِّجْنُ (بَوْلَسَ) قَالَ فِي الْمَجْمَعِ: هُوَ بِفَتْحِ بَاءٍ وَسُكُونِ وَاوٍ وَفَتْحِ لَامٍ.
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: بُولَسُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ سِجْنُ جَهَنَّمَ وَقَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: هُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ اللَّامِ، انْتَهَى (تَعْلُوهُمْ) أَيْ تُحِيطُ بِهِمْ وَتَغْشَاهُمْ كَالْمَاءِ يَعْلُو الْغَرِيقَ (نَارُ الْأَنْيَارِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: لَمْ أَجِدْهُ مَشْرُوحًا وَلَكِنْ هَكَذَا يُرْوَى، فَإِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ نَارُ النِّيرَانِ، فَجَمَعَ النَّارَ عَلَى أَنْيَارٍ وَأَصْلُهَا أَنْوَارٍ لِأَنَّهَا مِنَ الْوَاوِ كَمَا جَاءَ فِي رِيحٍ وَعِيدٍ أَرْيَاحٌ وَأَعْيَادٌ وَهُمَا مِنَ الْوَاوِ، انْتَهَى.

ذكر دخان جهنم وشررها ولهبها:

قال تعالى: (وَأَصْحَابُ الشّمَالِ مَآ أَصْحَابُ الشّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ لاّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ) [الواقعة 41: 44] • قال ابن عباس رضي الله عنهما: (وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ): ظل من دخان وكذا قال مجاهد وعكرمة وغير واحد وعن مجاهد قال ظل من دخان جهنم وهو السموم وقال أبو مالك اليحموم ظل من دخان جهنم.
• وقال الحسن وقتادة في قوله (لاّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ) لا بارد المدخل ولا كريم المنظر.
والسموم: هو الريح الحارة قاله قتادة وغيره، وهذه الآية تضمنت ذكر ما يتبرد به في الدنيا من الكرب والحر وهو ثلاثة الماء والهواء والظل فهواء جهنم السموم وهو الريح الحارة الشديدة الحر وماؤها الحميم الذي قد اشتد حره وظلها اليحموم وهو قطع دخانها أجارنا الله من ذلك كله بكرمه ومنه.
و قال تعالى: (انطَلِقُوَاْ إِلَىَ ظِلّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ) [سورة: المرسلات - الأية: 30] • قال مجاهد: هو دخان جهنم اللهب الأخضر والأسود والأصفر الذي يعلو النار إذا أوقدت.
قال تعالى: (إِنّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ) [المرسلات: 32] • قال السدي: زعموا أن شررها ترمي به كأصول الشجر ثم يرتفع فيمتد.
• وقال القرظي: على جهنم سور فما خرج من وراء سورها يخرج منها في عظم القصور ولون القار.
• وقال الحسن والضحاك في قوله كالقصر هو كأصول الشجر العظام.
• وقال مجاهد: قطع الشجر والجبل.
• وصح عن ابن مسعود قال شرر كالقصور والمدائن.
• وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال (شرر: كالقصر) يقول كالقصر العظيم.
و قال تعالى: (كَأَنّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ) [المرسلات: 33] • قال ابن عباس رضي الله عنهما: حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض تكون كأوساط الرجال.
• قال ابن عباس رضي الله عنهما: وقال مجاهد: هي حبال الجسور.

ذكر أبواب جهنم وسرادقها:

للنار سبعة أبواب يدخل أهلها منها, وذلك لكثرة أهلها, ولكلِّ باب ٍمن الأتباع الغواة قدر معلومٌ متميز عن غيره, قال تعالى: (وَإِنّ جَهَنّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْءٌ مّقْسُومٌ) [الحجر 43: 44]

وَإِنَّ جَهَنَّمَ هِيَ مَكَانُ اللّقَاءِ وَالاجْتِمَاعِ (مَوْعِدُهُمْ) لِجَمِيعِ مَنِ اتَّبَعُوا إِبْلِيسَ وَهِيَ مَقَرُّهُمْ وَبِئْسَ المِهَادُ.
وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ لِجَهَنَّمَ سَبْعَةَ أَبْوَابٍ، وَقَدْ قَدَّرَ اللهُ لِكُلِّ بَابٍ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ السَّبْعَةِ نَصِيباً مُعَيّناً مِنْ أَتْبَاعِ إِبْلِيسَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ إِلَى جَهَنَّمَ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ.
(حديث عتبة بن عبد رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الجنة لها ثمانية أبواب و النار لها سبعة أبواب.
(حديث عتبة بن عبد السلمي رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال القتلى ثلاثة رجل مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو وقاتلهم حتى يقتل فذلك الشهيد الممتحن في جنة الله تحت عرشه لا يفضله النبيون إلا بفضل درجة النبوة ورجل فرق على نفسه من الذنوب والخطايا جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل فتلك ممصمصة محت ذنوبه وخطاياه إن السيف محاء للخطايا وأدخل من أي أبواب الجنة شاء فإن لها ثمانية أبواب ولجهنم سبعة أبواب وبعضها أفضل من بعض ورجل منافق جاهد بنفسه وماله حتى إذا لقي العدو قاتل في سبيل الله عز وجل حتى يقتل فذلك في النار إن السيف لا يمحو النفاق.

  • وقيل: الأبواب: الأطباق, طبقٌ فوق طبق.
    فعَنْ عَلِيّ, قَالَ: أَبْوَاب جَهَنَّم سَبْعَة بَعْضهَا فَوْق بَعْض, فَيَمْتَلِئ الْأَوَّل, ثُمَّ الثَّانِي, ثُمَّ الثَّالِث, ثُمَّ تَمْتَلِئ كُلّهَا 1. وعَنْ هُبَيْرَة بْن مَرْيَم, قَالَ: سَمِعْت عَلِيًّا يَقُول: إِنَّ أَبْوَاب جَهَنَّم بَعْضهَا فَوْق بَعْض, فَيُمْلَأ الْأَوَّل ثُمَّ الَّذِي يَلِيه, إِلَى آخِرهَا 2. وعَنْ اِبْن جُرَيْج, قَوْله: ﴿لَهَا سَبْعَة أَبْوَاب﴾ قَالَ: أَوَّلهَا جَهَنَّم, ثُمَّ لَظَى, ثُمَّ الْحُطَمَة, ثُمَّ السَّعِير, ثُمَّ سَقَر, ثُمَّ الْجَحِيم, ثُمَّ الْهَاوِيَة.
    3

• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن حطان الرقاشي قال سمعت عليا يقول هل تدرون كيف أبواب جهنم قلنا هي مثل أبوابنا هذه قال لا هي هكذا بعضها فوق بعض وفي رواية له أيضا بعضها أسفل من بعض.
• وأورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابن جريج في قوله لها سبعة أبواب قال أولها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم وفيها أبو جهل ثم الهاوية.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن الضحاك سمى الله أبواب جهنم (لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْءٌ مّقْسُومٌ) [الحجر: 44] باب لليهود وباب للنصارى وباب للمجوس وباب للصابئين وباب للمنافقين وباب للذين أشركوا وهم كفار العرب وباب لأهل التوحيد وأهل التوحيد يرجى لهم ولا يرجى للآخرين.
• وقال عطاء الخراساني إن لجهنم سبعة أبواب أشدها غما وكربا وحرا وأنتنها ريحا للزناة الذين ركبوه بعد العلم.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن كعب قال لجهنم سبعة أبواب باب منها للحرورية.
وهذا كله يدل أن على كل باب من الأبواب السبعة لعمل من الأعمال السيئة كما أن أبواب الجنة الثمانية كل باب منها لعمل من الأعمال الصالحة.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن وهب بن منبه قال: بين كل بابين مسيرة سبعين سنة كل باب أشد حرا من الذي فوقه.

أبواب جهنم مغلقة:

قد وصف الله أبوابها بأنها مغلقة على أهلها فقال تعالى: (إِنّهَا عَلَيْهِم مّؤْصَدَةٌ) [الهمزة: 8] وقال تعالى: (عَلَيْهِمْ نَارٌ مّؤْصَدَةُ) [البلد: 20] قال مجاهد هي بلغة قريش أصد الباب أغلقه يعني قوله مؤصدة وقال مقاتل يعني أبوابها مطبقة عليهم فلا يفتح لها باب ولا يخرج منها غم ولا يدخل فيها روح آخر الأبد.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن عطاء الخراساني وغيره في المؤصدة إنها المطبقة.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن الضحاك قال حائط لا باب له ومراده والله أعلم أن الأبواب أطبقت فصار الجدار كأنه لا باب له.
وقوله تعالى (إِنّهَا عَلَيْهِم مّؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مّمَدّدَةِ) [الهمزة 8، 9] معناه أطبقت عليهم بعمد.
وقال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم ثم شدت بأوتاد من حديد حتى يرجع عليهم غمها وحرها.

وعلى هذا فقوله ممددة صفة للعمد يعني أن العمد التي أوثقت بها الأبواب ممدة مطولة والمدود الطويل أرسخ وأثبت من القصير.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن قتادة: مؤصدة أي مطبقة أطبقها الله عليهم فلا ضوء فيها ولا فرج ولا خروج منها آخر الأبد.
وقد قال سفيان وغيره في قوله تعالى (لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ) [الأنبياء 103] قالوا هو طبق النار على أهلها] •

أبواب جهنم مغلقة قبل دخول أهلها إليها:

أبواب جهنم مغلقة قبل دخول أهلها إليها كما دل عليه ظاهر قوله تعالى: (وَسِيقَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَىَ جَهَنّمَ زُمَراً حَتّىَ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) [الزمر: 71] وقد روي أن أبوابها تفتح كل يوم نصف النهار، رأى خباب بن الأرت رجلا يصلي نصف النهار فنهاه وقال إنها ساعة تفتح فيها أبواب جهنم فلا تصل فيها.

إحاطة سرادق جهنم بالكافرين:

قال تعالى: (إِنّا أَعْتَدْنَا لِلظّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) [الكهف: 29] • قال الزجاج: السرادق كل ما أحاط بشيء نحو الشقة في المضرب والحائط المشتمل على الشيء.
• وقال ابن قتيبة: السرادقات الحرة التي تكون حول الفسطاط قيل هو الدهليز معرب وأصله بالفارسية سرادار وقال ابن عباس هو سرادق من نار.
وإحاطة السرادق بهم قريب من المعنى المذكور في غلق الأبواب، وهو شبه قول من قال إنه حائط لا باب له ولما كان إحاطة السرادق بهم موجب لهمهم وغمهم وكربهم وعطشهم لشدة وهج النار عليهم قال الله تعالى قال تعالى: (وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ بِئْسَ الشّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً) [الكهف: 29] و قال تعالى: (وَلَهُمْ مّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلّمَآ أَرَادُوَاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ) [الحج 21، 22] •

ظلمة جهنم وسوادها وشررها:

عن ابن مسعود،: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ (32) سورة المرسلات: أما إني لست أقول كالشجر، ولكن كالحصون والمدائن " 1

وعَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: النَّارُ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ، لاَ يُضِيءُ جَمْرُهَا، وَلاَ يَطْفَأُ لَهَبُهَا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (22) سورة الحج (1) (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أترونها حمراء كناركم هذه لهي أشد سوادا من القار.

وقود النار:

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ﴿التحريم:6﴾ يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، اعْمَلُوا بِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، وَاتَّقُوا مَعْصَيَتَهُ، وَأمُرُوا أَهْلَكُمْ بِالذّكْرِ والتَّقْوَى، وَعَلِّمُوهُمْ مَا فَرَضَ اللهُ عَلَيهِمْ، وَمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ، وَأمُرُوهُمْ بِطَاعَةِ اللهِ لِتُنقِذُوهُمْ وَأَنْفُسَكُمْ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، التِي يَكُونُ وَقُودُهَا النَّاسُ مِنَ الكَفَرَةِ، وَالحِجَارَةُ، وَتَقُومُ عَلَيهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ عَلَى أَهْلِ النَّارِ، أَشِدَّاءُ َعَلَيهِمْ، لاَ يُخَالِفُونَ رَبَّهُمْ فِي أَمْرٍ بِهِ، وَيُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ.
وقال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ﴿البقرة:24﴾1

فَإِنْ لَم يَسْتَطِيعُوا هُمْ وِشُرَكَاؤهُمْ وَشُهَداؤهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ (وَهُمْ لَنْ يَسْتَطِيعُوا ذلِكَ أَبَداً مَهْمَا طَالَ الزَّمَنُ) فَلْيَعْلَمُوا أَنَّ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ هُوَ مِنْ وَحيِ المُكَابِرِينَ المُعانِدِينَ المُكَذِّبينَ بِالحَقِّ، وَفِيما يُبَلِّغُهُ عَنْ رَبِّهِ، وَيَكُونُونَ هُمُ المُكَابِرِينَ المُعَانِدِينَ المُكَذِّبينَ بِالحَقِّ، وَعَلَيهِمْ أَنْ يَخْشَوْا عَذَابَ اللهِ وَنَارَهُ التِي يَكُونُ النَّاسُ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ أَصْنَامٍ وَحِجَارَةٍ... مِنَ الوَقُودِ الذِي تَشْتَعِلُ بِهِ، وَهِيَ مُعَدَّةٌ لِتَعْذِيبِ الكَافِرِينَ الجَاحِدِينَ المُعَانِدِينَ.
ولا يخفى ما في هذا من التهويل إذ أنَّ هذه النار توقد بنفس ما يراد إحراقه بها.
فعَنْ عَبْد اللَّه فِي قَوْله: ﴿وَقُودهَا النَّاس وَالْحِجَارَة﴾ قَالَ: هِيَ حِجَارَة مِنْ كِبْرِيت خَلَقَهَا اللَّه يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي السَّمَاء الدُّنْيَا يُعِدّهَا لِلْكَافِرِينَ.
وعَنْ ابْن مَسْعُود فِي قَوْله: ﴿وَقُودهَا النَّاس وَالْحِجَارَة﴾ قَالَ: حِجَارَة الْكِبْرِيت جَعَلَهَا اللَّه كَمَا شَاءَ.
وعَنْ ابْن عَبَّاس, وَعَنْ مُرَّة, عَنْ ابْن مَسْعُود, وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ﴿اتَّقُوا النَّار الَّتِي وَقُودهَا النَّاس وَالْحِجَارَة﴾ أَمَّا الْحِجَارَة فَهِيَ حِجَارَة فِي النَّار مِنْ كِبْرِيت أَسْوَد يُعَذَّبُونَ بِهِ مَعَ النَّار وعَنْ ابْن جُرَيْجٍ فِي قَوْله: ﴿وَقُودهَا النَّاس وَالْحِجَارَة﴾ قَالَ: حِجَارَة مِنْ كِبْرِيت أَسْوَد فِي النَّار.
(1) قال القرطبي: هي حجارة الكبريت الأسود- عن ابن مسعود والفرَّاء- وخصّت بذلك لأنها تزيد على جميع الأحجار بخمسة أنواع ٍمن العذاب: سرعة الاتقاد, نتن الرائحة, كثرة الدخان, شدة الالتصاق بالأبدان, قوة حرِّها إذا حَمِيت" (2). •

شدة حر جهنم وزمهريرها:

قال تعالى: (وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرّ قُلْ نَارُ جَهَنّمَ أَشَدّ حَرّاً لّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) [التوبة: 81]12

وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، إِغْرَاءً لَهُمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى المُنْكَرِ، وَتَثْبِيطاً لِعَزَائِمِ الْمُؤْمِنِينَ: لاَ تَخْرُجُوا إِلَى الجِهَادِ فِي الحَرِّ.
فَأَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إِنَّ نَارَ جَهَنَّمَ الَّتِي سَيَصِيرُونَ إِلَيْهَا، هِيَ أَشَدُّ حَرّاً مِنْ قَيْظِ الصَّحْرَاءِ الذِي فَرُّوا مِنْهُ.
وَلَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُدْرِكُونَ وَيَعْقِلُونَ لَمَا خَالَفُوا وَقَعَدُوا، وَلَمَا فَرِحُوا بِقُعُودِهِمْ.
وعن يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى كَعْبِ الأَحْبَارِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ يُحَدِّثُ، فَجَاءَ عُمَرُ، فَجَلَسَ فِي نَاحِيَةِ الْقَوْمِ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: وَيْحُك يَا كَعْبُ، خُوِّفْنَا، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ النَّارَ لَتُقَرَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، حَتَّى إِذَا أُدْنِيَتْ وَقُرِّبَتْ، زَفَرَتْ زَفْرَةً مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ، وَلاَ صِدِّيقٍ، وَلاَ شَهِيدٍ، إِلاَّ وَجَثَا لِرُكْبَتَيْهِ سَاقِطًا، حَتَّى يَقُولَ كُلُّ نَبِيٍّ، وَكُلُّ صِدِّيقٍ، وَكُلُّ شَهِيدٍ: اللَّهُمَّ لاَ أُكَلِّفُك الْيَوْمَ إِلاَّ نَفْسِي، وَلَوْ كَانَ لَكَ يَابْنَ الْخَطَّابِ عَمَلُ سَبْعِينَ نَبِيًّا، لَظَنَنْت أَنْ لاَ تَنْجُوَ، قَالَ عُمَرُ: وَاللهِ إِنَّ الأَمْرَ لَشَدِيدٌ.
1

وعن كعب قال: قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمًا وَأَنَا عِنْدَهُ: " يَا كَعْبُ خَوِّفْنَا " قَالَ: فَقُلْتُ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوَلَيْسَ فِيكُمْ كِتَابُ اللَّهِ وَحِكْمَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ " قَالَ: " بَلَى، وَلَكِنْ يَا كَعْبُ خَوِّفْنَا " قَالَ: قُلْتُ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اعْمَلْ عَمَلَ رَجُلٍ لَوْ وَافَيْتَ الْقِيَامَةَ بِعَمَلِ سَبْعِينَ نَبِيًّا لَازْدَرَأْتَ عَمَلَكَ مِمَّا تَرَى " قَالَ: فَأَطْرَقَ عُمَرُ وَأَنْكَسَ وَنَكَّسَ قَالَ: ثُمَّ أَفَاقَ قَالَ: " زِدْنَا يَا كَعْبُ زِدْنَا " قَالَ: قُلْتُ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ فُتِحَ مِنْ جَهَنَّمَ قَدْرُ مِنْخَرِ ثَوْرٍ بِالْمَشْرِقِ وَرَجُلٌ بِالْمَغْرِبِ لَغَلَا دِمَاغُهُ حَتَّى يَسِيلَ مِنْ حَرِّهَا " قَالَ: فَأَطْرَقَ عُمَرُ وَنُكِّسَ قَالَ: ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: " زِدْنَا يَا كَعْبُ " قَالَ: قُلْتُ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَتَزْفُرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ زَفْرَةً مَا بَقِيَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُصْطَفًى إِلَّا عَلَى رُكْبَتَيْهِ " قَالَ: " وَيَقُولُ: رَبِّ نَفْسِي نَفْسِي لَا أَسْأَلُكَ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي " قَالَ: عُمَرُ قَالَ: قُلْتُ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوَلَيْسَ تَجِدُونَ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ " قَالَ: " كَيْفَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: " قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ " 1 مليا: وقتا طويلا.
خر: سقط وهوى بسرعة.
الجثو: الجلوس على الركبتين.
أطرق: أمال رأسه إلى صدره وسكت فلم يتكلم.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فهو أشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ناركم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم.
قيل: يا رسول الله، إن كانت لكافية، قال: (فضلت عليهن بتسعة وستين جزءا، كلهن مثل حرها.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح:

(ناركم جزء): زاد مسلم في روايته جزء واحد قوله من سبعين جزءا في رواية لأحمد من مائة جزء والجمع بأن المراد المبالغة في الكثرة لا العدد الخاص أو الحكم للزائد، زاد الترمذي من حديث أبي سعيد لكل جزء منها حرها قوله أن كانت لكافية أن هي المخففة من الثقيلة أي أن نار الدنيا كانت مجزئة لتعذيب العصاة قوله فضلت عليهن كذا هنا والمعنى على نيران الدنيا وفي رواية مسلم فضلت عليها أي على النار قال الطيبي ما محصله إنما أعاد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حكاية تفضيل نار جهنم على نار الدنيا إشارة إلى المنع من دعوى الأجزاء أي لا بد من الزيادة ليتميز ما يصدر من الخالق من العذاب على ما يصدر من خلقه قوله مثل حرها زاد أحمد وابن حبان من وجه آخر عن أبي هريرة وضربت بالبحر مرتين ولولا ذلك ما انتفع بها أحد ونحوه للحاكم وابن ماجة عن أنس وزادا فإنها لتدعو الله أن لا يعيدها فيها وفي الجامع لابن عيينة عن بن عباس رضي الله عنهما هذه النار ضربت بماء البحر سبع مرات ولولا ذلك ما انتفع بها أحد أهـ. (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: هذه النار جزء من مائة جزء من جهنم.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أترونها حمراء كناركم هذه لهي أشد سوادا من القار.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون وفيهم رجل من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه لاحترق المسجد ومن فيه.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن كعب الأحبار أنه قال لعمر بن الخطاب لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه حتى يسيل من حره.

  • وقال أيضاً رحمه الله تعالى: قال عبد الملك بن عمير: لو أن أهل النار كانوا في نار الدنيا لقالوا فيها.
    وقال عبد الله بن أحمد أخبرت عن سيار عن ابن المعزى وكان من خيار الناس قال بلغني أن رجلا لو خرج منها إلى نار الدنيا لنام فيها ألفي سنة.

زمهرير جهنم:

إن زمهرير جهنم بيت يتميز فيه الكافر من برده يعني يتقطع ويتمزع.
• وروى ابن أبي الدنيا من طريق الأعمش عن مجاهد قال إن في النار لزمهريرا ولم يغلون فيه فيهربون منها إلى ذلك الزمهرير فإذا وقعوا فيه حطم عظامهم حتى يسمع نقيض.

• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن مجاهد قال الزمهرير الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من برده.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابن عباس قال يستغيث أهل النار من الحر فيغاثون بريح باردة يصدع العظام بردها فيسألون الحر.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن عبد الملك بن عمير قال بلغني أن أهل النار يسألون خازنها أن يخرجهم إلى جانبها فيخرجهم فيقتلهم البرد والزمهرير حتى يرجعوا إليها فيدخلوها مما وجدوا من البرد.
• وروى أبو نعيم باسناده عن ابن عباس أن كعبا قال إن في جهنم بردا هو الزمهرير يسقط اللحم حتى يستغيثوا بحر جهم.

ذكر سجر جهنم وتسعيرها:

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة فقال انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها قال فجاءها ونظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها قال فرجع إليه قال فوعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها فأمر بها فحفت بالمكاره فقال ارجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها قال فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره فرجع إليه فقال وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد قال اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها فإذا هي يركب بعضها بعضا فرجع إليه فقال وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها فأمر بها فحفت بالشهوات فقال ارجع إليها فرجع إليها فقال وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها.

تسجر جهنم كل يوم نصف النهار:

تسجر جهنم كل يوم نصف النهار، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: صَلِّ صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع فإنها تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار.
ثم صل فإن الصلاة مشهودة حتى يستقل الظل بالرمح ثم أقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم فإذا أقبل الفئ فَصَلِّ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار.

(حديث صفوان بن المعطل رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا صليت الصبح فأمسك عن الصلاة حتى تطلع الشمس فإنها تطلع بين قرني الشيطان فإذا طلعت فصل فإن الصلاة محضورة متقبلة حتى تعتدل على رأسك مثل الرمح فأمسك فإن تلك الساعة التي تسجر فيها جهنم و تفتح فيها أبوابها حتى ترتفع الشمس على حاجبك الأيمن فإذا زالت عن حاجبك الأيمن فصل فإن الصلاة محضورة متقبلة حتى تصلي العصر ثم دع الصلاة حتى تغيب الشمس.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة.

تسجر جهنم بخطايا بني آدم:

• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن قتادة يسعرها غضب الله وخطايا بني آدم خرجه ابن أبي حاتم وهذا يقتضي أن تسعير جهنم حيث سعرت إنما سعرت بخطايا بني آدم التي تقتضي غضب الله عليهم فتزداد جهنم حينئذ تلهبا وتسعرا يكون وهذا كما أن بناء دور الجنة غرس الأشجار يحصل بأعمال بني آدم الصالحة من الذكر وغيره وكذلك حسن ما فيها من الزوجات وغيرهن يتزايد بتحسين الأعمال الصالحة فكذلك جهنم تسعر وتزداد آلات العذاب فيها بكثرة ذنوب بني آدم وخطاياهم وغضب الرب تعالى عليهم نعوذ بالله من غضب الله ومن النار وما قرب إليها من قول وعمل بمنه وكرمه.
• وتسجر جهنم أيضا يوم القيامة: قال تعالى: (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعّرَتْ وَإِذَا الْجَنّةُ أُزْلِفَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مّآ أَحْضَرَتْ) [التكوير 12 - 14] وقرئ سعرت وسعرت بالتشديد والتخفيف قال الزجاج المعنى واحد إلا أن معنى المشدد أوقدت مرة بعد مرة قال قتادة وإذا الجحيم سعرت أوقدت وقال السدي أحميت.

تسجر جهنم على أهلها بعد دخولهم إليها:

قال تعالى: (وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىَ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مّأْوَاهُمْ جَهَنّمُ كُلّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً) [الإسراء: 97] • قال ابن عباس رضي الله عنهما: كلما طفئت أوقدت وقال ابن عباس خبت سكنت.

• وقال ابن قتيبة: خبت النار إذا سكن لهبها فاللهب يسكن والجمر يعمل وقال غيره من المفسرين تأكلهم فإذا صاروا فحما ولم تجد النار شيئا تأكله أعيد خلقهم خلقا جديدا فتعود لأكلهم.
وقوله (زِدْنَاهُمْ سَعِيراً): أي نارا تتسعر وتتلهب.

ذكر تغيظ النار وزفيرها:

قال تعالى: (إِنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنّا الْحُسْنَىَ أُوْلََئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا) [الأنبياء 101، 102] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن وهب بن منبه قال إذا سيرت الجبال فسمعت حسيس النار وتغيظها وزفيرها وشهيقها صرخت الجبال كما تصرخ النساء ثم يرجع أوائلها على أواخرها يدق بعضها بعضا.
و قال تعالى: (وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيراً إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيّظاً وَزَفِيراً) [الفرقان 11، 12] و قال تعالى: (وَلِلّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ عَذَابُ جَهَنّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيّزُ مِنَ الغَيْظِ) [الملك 6 - 8] والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار قال الربيع بن أنس الشهيق في الصدر.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابن عباس قال إن العبد ليجر إلى النار فتشهق إليه شهقة البغلة إلى الشفير ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف.
• وأورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن الضحاك قال إن لجهنم زفرة يوم القيامة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر ساجدا يقول رب نفسي نفسي.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن عبيد بن عمير قال تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك ولا نبي إلا وقع لركبتيه ترعد فرائصه يقول رب نفسي نفسي.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن عبد الرحمن بن حاطب قال: قال عمر رضي الله عنه لكعب خوفنا قال والذي نفسي بيده إن النار لتقرب يوم القيامة لها زفير وشهيق حتى إذا دنت وقربت زفرت زفرة ما خلق الله من نبي ولا شهيد إلا وجب لركبتيه ساقطا حتى يقول كل نبي وكل صديق وكل شهيد اللهم لا أكلفك اليوم إلا نفسي ولو كان لك يا ابن الخطاب عمل سبعين نبيا لظننت أن لا تنجو قال عمر والله إن الأمر لشديد.

• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن مطرف بن الشخير عن كعب قال كنت عند عمر فقال يا كعب خوفنا فقلت يا أمير المؤمنين إن جهنم لتزفر يوم القيامة زفرة لا يبقي ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر ساجدا على ركبتيه حتى إن ابراهيم خليله عليه السلام ليخر جاثيا ويقول نفسي نفسي لا أسألك اليوم إلا نفسي قال فأطرق عمر مليا قال قلت يا أمير المؤمنين أو لستم تجدون هذا في كتاب الله عز وجل قال عمر كيف قلت يقول الله عز وجل في هذه الآية (يَوْمَ تَأْتِي كُلّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نّفْسِهَا وَتُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) [النحل: 111] وقال مجاهد في قوله (وَهِيَ تَفُورُ) قال تغلي بهم كما يغلي القدر.
وقال ابن عباس: (تَمَيّزُ) تفرق وعنه قال يكاد يفارق بعضها بعضا وتتفطر.
وعن الضحاك تميز تفطر وقال ابن زيد التميز التفرق من شدة الغيظ على أهل معاصي الله عز وجل غضبا له عز وجل وانتقاما له.
• وكان سعيد الجرمي يقول في موعظته إذا وصف الخائفين كأن زفير النار في آذانهم.
• وعن الحسن أنه قال في وصفهم إذا مروا بآية فيها ذكر الجنة بكوا شوقا وإذا مروا بآية فيها ذكر النار ضجوا صراخا كأن زفير جهنم عند أصول آذانهم.
• وروى ابن أبي الدنيا عن أبي وائل قال خرجنا مع ابن مسعود ومعنا الربيع بن خيثم فأتينا على تنور على شاطئ الفرات فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوف قرأ هذه الآية (إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيّظاً وَزَفِيراً وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً مّقَرّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً) [الفرقان 12، 12] فصعق الربيع بن خثيم فاحتملناه إلى أهله فرابطه عبد الله حتى صلى الناس الظهر فلم يفق ثم رابطه إلى العصر فلم يفق ثم رابطه إلى المغرب فأفاق فرجع عبد الله إلى أهله.

ذكر طعام أهل النار وشرابهم:

• طعام أهل النار نار، شراب أهل النار نار.
• أولاُ طعام أهل النار:

قال تعالى: (إِنّ شَجَرَةَ الزّقّومِ طَعَامُ الأثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ) [الدخان 43: 46] قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره: يقول تعالى مخبرًا عما يعذب به [عباده] الكافرين الجاحدين للقائه: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأثِيمِ﴾

والأثيم أي: في قوله وفعله، وهو الكافر.
وذكر غير واحد أنه أبو جهل، ولا شك في دخوله في هذه الآية، ولكن ليست خاصة به.
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن تكون طعامه؟ قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (لو أن قطرة من الزقوم) شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم والريح ويكره أهل النار على تناولها (قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن تكون طعامه) قال: حين قرأ (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ حَقّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102] قال أبو الدرداء: يلقى عليهم الجوع حتى يعدل ما بهم من العذاب فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة وعذاب أليم، والقصد بهذا الحديث وما أشبهه التنبيه على أن أدوية القلوب استحضار أحوال الآخرة وأحوال أهل الشقاء وديارهم فإن النفس مشفولة بالتفكر في لذائذ الدنيا وقضاء الشهوات وما من أحد إلا وله في كل حالة ونفس من أنفاسه شهوة سلطت عليه واستزقته فصار عقله مسخراً لشهوته فهو مشغول بتدبير حيلته وصارت لذته في طلب الحيلة أو مباشرة قضاء الشهوة فعلاج ذلك أن تقول لقلبك ما أشد غباوتك في الاحتراز من الفكر في الموت وما بعده من أهوال الموقف ثم عذاب جهنم وطعام أهلها وشرابهم فيها يورد على فكرة مثل هذا الحديث ويقول كيف تصبر على مقاساته إذا وقع وأنت عاجز عن الصبر على أدنى آلام الدنيا أهـ. • قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه التبصرة تعليقاً على هذا الحديث: أسفاً لأهل النار قد هلكوا وشقوا، لا يقدر الواصف أن يصف ما قد لقوا، كلما عطشوا جيء بالحميم فسقوا، وهذا جزاؤهم إذ خرجوا عن الطاعة وفسقوا، قطعوا والله بالعذاب ومزقوا، وأفرد كل منهم عن فريقه وفرقوا، فلو رأيتهم قد كبلوا في السلاسل وأوثقوا، واشتد زفيرهم وتضرع أسيرهم وقلقوا، وتمنوا أن لم يكونوا وتأسفوا كيف خلقوا، وندموا إذا أعرضوا عن النصح وقد صدقوا، فلا اعتذارهم يسمع ولا بكاؤهم ينفع ولا أعتقوا.
أهـ • وقد دل القرآن على أنهم يأكلون منها حتى تمتلئ منها بطونهم فتغلي في بطونهم كما يغلي الحميم وهو الماء الذي قد انتهى حره ثم بعد أكلهم منها يشربون عليه من الحميم شرب الهيم.
• قال ابن عباس رضي الله عنهما: الهيم الابل العطاش.

• وقال السدي: هو داء يأخذ الإبل فلا تُرْوَى أبداً حتى تموت فكذلك أهل جهنم لا يروون من الحميم أبدا.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن سعيد بن جبير قال إذا جاع أهل النار استغاثوا من الجوع فأغيثوا بشجرة الزقوم فأكلوا منها فانسلخت وجوههم حتى لو أن ماراً مَرَّ عليهم يعرفهم لعرف جُلودَ وجوههم فإذا أكلوا منها ألقي عليه العطش فاستغاثوا من العطش فأغيثوا بماء كالمهل والمهل الذي قد انتهى حره فإذا أدنوه من أفواههم أنضج حره الوجوه فيصهر به ما في بطونهم ويضربون بمقامع من حديد فيسقط كل عضو على حياله يدعون بالثبور وقوله تعالى ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم [الصافات 86] أي بعد أكل الزقوم.
• قال سلام بن مسكين سمعت الحسن تلا هذه الآية إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم قال إنها هناك قد حميت عليها جهنم.
و قال تعالى: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزّقّومِ إِنّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لّلظّالِمِينَ إِنّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيَ أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنّهُ رُءُوسُ الشّيَاطِينِ فَإِنّهُمْ لاَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ثُمّ إِنّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ ثُمّ إِنّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ) [الصافات 62 - 68] • قال قتادة: في قوله فتنة للظالمين [الصافات 63] قال زادتهم تكذيبا حين أخبرهم أن في النار شجرة قال يخبرهم أن في النار شجرة والنار تحرق الشجر فأخبرهم أن غذاءها من النار.
و قال تعالى: (ثُمّ إِنّكُمْ أَيّهَا الضّآلّونَ الْمُكَذّبُونَ لاَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مّن زَقّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هََذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدّينِ) [الواقعة 51: 56] و قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرّؤيَا الّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لّلنّاسِ وَالشّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيَاناً كَبِيراً) [الإسراء: 60] قال تعالى: (إِنّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً وَطَعَاماً ذَا غُصّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً) [المزمل 12، 13] • قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله (وَطَعَاماً ذَا غُصّةٍ) قال: شوك يأخذ بالحلق لا يدخل ولا يخرج.

وقال تعالى: (لّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاّ مِن ضَرِيعٍ لاّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ) [الغاشية 6، 7] • قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله (لّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاّ مِن ضَرِيعٍ) قال: شجر في جهنم.
وقال مجاهد: الضريع الشبرق اليابس.
قال تعالى: (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ وَلاَ طَعَامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ لاّ يَأْكُلُهُ إِلاّ الْخَاطِئُونَ) [الحاقة 35 - 37] • قال ابن عباس رضي الله عنهما: من غسلين قال هو صديد أهل النار.
• ثانياً شرابُ أهل النار:

فهذه أربعة أنواع ذكرناها من شرابهم وقد ذكرها الله في كتابه: • (النوع الأول) الحميم.

قال تعالى: (وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطّعَ أَمْعَآءَهُمْ) [محمد: 15] و قال تعالى: (هََذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ) [ص 57، 58] قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ أي: حارا شديد الحر، لا يستطاع.
﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ أي: قطع ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء، عياذا بالله من ذلك.
• قال ابن عباس رضي الله عنهما: الحميم الحار الذي يحرق.
• وقال الحسن والسدي رحمهما الله تعالى: الحميم الذي قد انتهى حره.
• وقال الضحاك رحمه الله: يسقى من حميم يغلي يوم خلق الله السموات والأرض إلى يوم يسقونه ويصب على رؤوسهم.
• وقال ابن وهب عن ابن زيد: الحميم دموع أعينهم في النار يجتمع في حياض النار فيسقونه.
و قال تعالى: (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ) [الرحمن: 44] • قال ابن عباس رضي الله عنهما: (حَمِيمٍ آنٍ) الذي قد انتهى غليه.
وقال تعالى: (تُسْقَىَ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ) [الغاشية: 5] • قال مجاهد رحمه الله تعالى: قد بلغ حرها وحان شربها.
• وقال الحسن رحمه الله تعالى: كانت العرب تقول للشيء إذا انتهى حره حتى لا يكون شيء أحر منه قد آن حره، فقال الله عز وجل من عين آنية يقول قد أوقد الله عليها جهنم منذ خلقت وآن حرها وعنه قال إن طبخها منذ خلق السموات والأرض.
• وقال السدي رحمه الله تعالى: انتهى حرها فليس بعده حر.
(النوع الثاني) الغساق.

• قال ابن عباس رضي الله عنهما: الغساق ما يسيل من بين جلد الكافر ولحمه وعنه قال الغساق الزمهرير البارد الذي يحرق من برده ويدل عليه قوله تعالى: (لاّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً إِلاّ حَمِيماً وَغَسّاقاً) [النبأ 24، 25] فاستثنى من البرد الغساق ومن الشراب الحميم.
• و قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: الغساق القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهرق في المغرب لأنتنت أهل المشرق ولو أهرقت في المشرق لأنتنت أهل المغرب.
• قال مجاهد رحمه الله تعالى: غساق الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من برده.
• وقال كعب غساق عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية وعقرب وغير ذلك فيستنقع فيؤتى بالآدمي فيغمس فيها غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام ويتعلق جلده ولحمه في عقبيه وكعبيه ويجر لحمه كما يجر الرجل ثوبه.
• قال السدي رحمه الله تعالى: الغساق الذي يسيل من أعينهم من دموعهم يسقونه مع الحميم.
• وقال بلال بن سعد رحمه الله تعالى: لو أن دلوا من الغساق وضع على الأرض لمات من عليها، وعنه قال لو أن قطرة منه وقعت على الأرض لأنتن من فيها.
(النوع الثالث) الصديد.

قال تعالى: (مّن وَرَآئِهِ جَهَنّمُ وَيُسْقَىَ مِن مّآءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ) [إبراهيم 16، 17] • قال مجاهد رحمه الله تعالى في قوله تعالى (وَيُسْقَىَ مِن مّآءٍ صَدِيدٍ) [ابراهيم 16] قال يعني القيح والدم.
• قال قتادة رحمه الله تعالى: (وَيُسْقَىَ مِن مّآءٍ صَدِيدٍ) قال ما يسيل من بين لحمه وجلده.
وقال (يَتَجَرّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ) قال: هل لكم بهذا يدان أم لكم على هذا صبر طاعة الله أهون عليكم يا قوم فأطيعوا الله ورسوله.
(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كل مسكر حرام إن على الله عز وجل عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قالوا يا رسول الله وما طينة الخبال قال عرق أهل النار أو عصارة أهل النار.

(حديث بنُ عُمَرَ رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ يقبل الله لَهُ صَلاَة أرْبَعِينَ صَبَاحاً، فإنْ تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ، فإنْ عَادَ لَمْ يَقْبَلْ الله لَهُ صَلاَةً أَرْبَعِينَ صَبَاحاً، فإنْ تَابَ تابَ الله عَلَيهِ فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صبحاً فإن تاب تاب الله عليه.
فإنْ عَادَ الرابعة لَمْ يَقْبَل الله لَهُ صَلاَةُ أرْبَعِينَ صَبَاحاً، فإنْ تَابَ لَمْ يَتُبْ الله عَلَيْهِ وسقَاهُ مِنْ نَهْرِ الْخَبَالِ.
قِيلَ يا أبَا عَبْدِ الرحمَنِ ومَا نَهْرُ الْخَبَالِ؟ قالَ: نَهْرٌ مِنْ صَدِيدِ أهْلِ النّارِ».
(النوع الرابع) الماء الذي كالمهل: وقال تعالى: (وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ بِئْسَ الشّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً) [الكهف: 29] • قال ابن عباس رضي الله عنهما: (بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ) غليظ كدردي الزيت.
• قال علي بن أبي طالب عن بن عباس أسود كمهل الزيت وكذا قال سعيد بن جبير وغيره.
• قال مجاهد رحمه الله تعالى: (بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ) مثل القيح والدم أسود كعكر الزيت.

ذكر كسوة أهل النار ولباسهم فيها:

قال تعالى: (فَالّذِينَ كَفَرُواْ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نّارِ) [الحج: 19] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابراهيم التيمي أنه كان إذا تلا هذه الآية يقول سبحان من خلق من النار ثيابا.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابن عباس قال يقطع للكافر ثياب من نار حتى ذكر القباء والقميص والكمة.
قال تعالى: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مّقَرّنِينَ فِي الأصْفَادِ سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىَ وُجُوهَهُمْ النّارُ) [إبراهيم 49: 50] قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره: وقوله: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ أي: ثيابهم التي يلبسونها عليهم من قطران، وهو الذي تُهنأ به الإبل، أي: تطلى، قاله قتادة.
وهو ألصق شيء بالنار.
ويقال فيه: "قَطِران"، بفتح القاف وكسر الطاء، وبفتح القاف وتسكين الطاء، وبكسر القاف وتسكين الطاء، ومنه قول أبي النجم.
كأنّ قِطْرانًا إذَا تَلاهَا... تَرْمي به الرّيح إلى مَجْراها.

وكان ابن عباس يقول: القَطران هو: النحاس المذاب، وربما قرأها: "سَرَابيلهم من قَطِران" أي: من نحاس حار قد انتهى حره.
وكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، والحسن، وقتادة.
وقوله: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ كقوله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: 104] أهـ. وقال تعالى: (لَهُمْ مّن جَهَنّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ) [الأعراف: 41] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن محمد بن كعب والضحاك والسدي وغيرهم [المهاد: الفراش والغواش اللحف].
قال تعالى: (وَجَعَلْنَا جَهَنّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً) [الإسراء: 8] • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن الحسن في قوله (وَجَعَلْنَا جَهَنّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً) قال فراشا ومهادا.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن الحسن أنه كان إذا ذكر أهل النار قال في وصفهم قد حذيت لهم نعال من نار وسرابيل من قطران وطعامهم من نار وشرابهم من نار وفرش من نار ولحف من نار ومساكن من نار في شر دار وأسوء عذاب في الأجساد أكلا أكلاً وصهرا صهرا وحطما حطما.
• روى ابن أبي الدنيا بسنده عن وهب بن منبه قال أما أهل النار الذي هم أهلها فهم في النار لا يهدؤون ولا ينامون ولا يموتون ويمشون على النار ويجلسون على النار ويشربون من صديد أهل النار ويأكلون من زقوم النار فرشهم ولحفهم نار وقمصهم نار وقطران وتغشى وجوههم النار وجميع أهل النار في سلاسل بأيدي الخزنة أطرافها يجذبون مقبلين ومدبرين فيسيل صديدهم إلى حفر في النار فذلك شرابهم قال ثم بكى وهب حتى سقط مغشيا عليه.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن عطاء الخراساني أنه كان ينادي أصحابه في السفر يا فلان ويا فلان قيام هذا الليل وصيام هذا النهار أيسر من شراب الصديد ومقطعات الحديد ألواحا ثم ألواحا ثم ألواحا ثم يقبل على صلاته.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابن عباس في قوله (سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ) قال هو النحاس المذاب.
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
كما في الحديث الآتي:

(حديث المستورد رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أكل برجل مسلم أكله فإن الله يطعمه مثلها من جهنم ومن كسي ثوبا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة.
(حديث أبي موسى في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن: الفخر بالأحساب و الطعن في الأنساب و الاستسقاء بالنجوم والنياحة، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب.
(حديث أبي موسى في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: النياحة من أمر الجاهلية وإن النائحة إذا ماتت ولم تتب قطع الله لها ثيابا من قطران ودرعا من لهب النار.

فراش أهل النار وغطاؤهم:

قال تعالى: (لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) ﴿الأعراف:41﴾. وَلَهُمْ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ فُرُشٌ مِنْ تَحْتِهِمْ (مِهَادٌ)، وَلَهُمْ مِنْهَا أَغْطِيَةٌ مِنْ فَوْقِهِمْ تُغَطِّيهِمْ (غَوَاشٍ).
وَبِمِثْلِ هَذَا الجَزَاءِ يَجْزِي اللهُ الظَّالِمِينَ لأَنْفُسِهِمْ، المُضِلِّينَ لِلْنَّاسِ.
ومقصود الآية: أنهم يفترشون النار, ويلتحفون بألحفةٍ من النار, والعياذ بالله.
وقال تعالى: (لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) ﴿الزمر:16﴾ يَصِفُ اللهُ تَعَالَى حَالَ هَؤُلاَءِ الخَاسِرِينَ وَهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ يَكُونُونَ فِيهَا، وَمِنْ فَوْقِهِمْ طَبَقَاتٌ مُتَرَاكِمَةٌ مِنَ النَّارِ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَكَأَنَّهَا الظُّلَلُ، وَمِنْ تَحْتِهِمْ طَبَقَاتٌ مِثْلُهَا، فَتَغْمُرُهُمْ النَّارُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَاللهُ تَعَالَى يَقُصُّ عَلَى النَّاسِ مَا سَيَكُونُ عَلَيْهِ حَالُ الكُفَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُخَوِّفَهُمْ مِنْ أَهْوَالِ ذَلِكَ اليومِ، فَيَزْدَجِرَ العُقَلاَءُ عَنِ الكُفْرِ وَالمَعَاصِي، وَيَعْمَلُوا بِطَاعَةِ اللهِ، فَيَا عِبَادَ الله اتَّقُوا رَبَّكُمْ تَعَالَى، وَبَالِغُوا فِي الخَوْفِ والحَذَرِ، وَلاَ تَرْتَكِبُوا مَا يُسْخِطُ رَبَّكُمْ عَلَيْكُمْ.

وحتى لا يتوهم أحدٌ أنَّ هذه الظلل المذكورة تقي من الحر والعذاب قال (ظللٌ من النار) فهي ظللٌ مُحرِِقة,كما في قوله تعالى: (انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لاَ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ) ﴿المرسلات:30 - 31﴾ انْطَلِقُوا إِلَى ظِلِّ دُخَانِ نَارِ جَهَنَّمَ المُتَشَعِّبِ إِلَى ثَلاَثِ شُعَبٍ: شُعْبَةٍ عَنْ يَمِينِهِمْ، وَشُعْبَةٍ عَنْ شِمَالِهِمْ، وَشُعْبَةٍ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمْ.
وَهَذَا الظِّلُّ لَيْسَ بِظَلِيلٍ، أَيْ إِنَّهُ لاَ يُعْطِي ظِلاًّ يَقِي مِنْ حَرِّ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَلاَ يَدْفَعُ عَنْهُمْ حَرَّ لَهَبِ جَهَنَّمَ، الذِي هُمْ مُقِيمُونَ فِيهِ.
وَنَارُ جَهَنَّمَ، التِي تُحْدِثُ هَذَا الظِّلَّ مِنَ الدُّخَانِ، يَتَطَايَرُ مِنْهَا شَرَرٌ مُتَفَرِّقٌ فِي جِهَاتٍ كَثِيرَةٍ، كَأَنَّهُ القَصْرُ عِظَما وَارْتِفَاعاً.
وَكَأَنَّهُ الجِمَالُ الصُّفْرُ لَوْناً وَكَثرَةً.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ مَعْنَى (جِمَالَةٌ صُفْرٌ) هُوَ حِبَالُ السُّفُنِ الغَلِيظَةِ).
• البحار تسجر يوم القيامة:

المراد به أن البحار تفجر يوم القيامة فتصير بحرا واحدا ثم تسجر ويوقد عليها فتصير نارا وتزاد في نار جهنم وقد فسر غير واحد من السلف قوله تعالى: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجّرَتْ) [التكوير: 6] بنحو هذا وروي المبارك بن فضالة عن كثير أبي محمد عن ابن عباس قال تسجر حتى تصير نارا، وروى مجاهد عن شيخ من بجيلة عن ابن عباس وإذا البحار سجرت قال تكور الشمس والقمر والنجوم في البحر فيبعث الله عليها ريحا دبورا فتنفخه حتى يرجع نارا.

ذكر عِظَمِ خَلْقِ أهل النار فيها وَقُبْحِ صُوَرِهم وهيئاتهم:

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب السريع.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاث.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد وفخذه مثل البيضاء ومقعده من النار مسيرة ثلاث مثل الربذة.
َ• الْبَيْضَاءُ: جَبَلٌ مِثْلُ أُحُدٍ َ• مثل الربذة: مِثْلُ الرَّبَذَةِ كَمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالرَّبَذَةِ

جارٍ التحميل