فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 405-444

كتاب الرقائق

صفحات 405-444
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

((حديث عبد الله بن سلام الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يأيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام.
(التحذير من البخل بالسلام: ((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن أبخل الناس من بخل بالسلام وأعجز الناس من عجز عن الدعاء.

((آداب السلام:

للسلام آدابٌ ينبغي على الإنسان أن يتحلى بها منها ما يلي:

  1. رد السلام بتحيةٍ أحسن مثلها أو مثلها امتثالاً لقوله تعالى (وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدّوهَآ) (النساء / 86)
  2. يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير.
    ((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير.
  3. من السنة التسليم على الصبيان: ((حديث أنس الثابت في الصحيحين) أنه مرَّ على صبيان فسلَّم عليهم وقال: كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعله.
  4. ويجوز السلام على مجموعة من النساء: ((حديث أسماء بنت يزيد الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قالت: مرّ علينا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في نسوة ٍ فسلَّم علينا.
    ﴿تنبيه﴾: (إذا كانت المرأة واحدة فالأولى ألا يسلم عليها مخافة الفتنة ولا سيما إن كانت شابة لأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبر أنه ما ترك بعده فتنة أضر على الرجال من النساء ((حديث أسامة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما تركتُ بعدي فتنةً أضرُ على الرجال من النساء.
  5. أن يعيد إلقاء السلام إذا فارق أخاه ولو يسيرًا: ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه فإن حالت بينهما شجرة أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه.
  6. عدم الاكتفاء بالإشارة باليد أو الرأس، فإنه مخالف للسنة، إلا إذا كان المسلَّم عليه بعيدًا فإنه يسلم بلسانه ويشير بيده ولا يكتفي بالإشارة.

((حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وإن تسليم النصارى بالأكف» وإن أشار بالسلام لبعيد أو أصم فإنه يتلفظ به مع إشارته، وإن لم يسمع قوله؛ مخالفةً لمن أمرنا بمخالفتهم.
7) لا نبدأ اليهود والنصارى بالسلام: ((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تبدءوا اليهود و لا النصارى بالسلام و إذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه.
(8) السلام إذا دخل على أهل بيت: ((حديث قتادة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا دَخلتم بيتاً فسلموا على أهلِه, فإذا خرجتم, فأودِعوا أهلهُ بالسلام.
(9) سلام الرجل إذا دخل بيته: ((حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال أدركتم المبيت والعشاء.
((حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح الكلم الطيب) قال: قال لي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "يا بُني إذا دخلت على أهلك فسلِّم يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك".
((حديث أبي أمامة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ثلاثةٌ كلُّهمْ ضامنٌ على الله إن عاش رُزقِ وكُفِيَ, وإن ماتَ أدخلَهُ اللهُ الجنّة, من دخل بيتَه فَسَلَّمَ، فهو ضامنٌ على الله ومن خرج إلى المسجد فهو ضامن على الله ومن خرج في سبيل الله فهو ضامن على الله.
(10) السلام على النائم: ((حديث المقدام بن الأسود رضي الله عنه الثابت في صحيح الأدب المفرد) قال: كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجيء من الليل فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً, ويسمع اليقظان.
(11) السلام قبل السؤال: ((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: السلام قبل السؤال، فمن بدأكم بالسؤال قبل السلام فلا تجيبوه.
(12) أن يسلم ثلاثا تأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

((حديث أنس الثابت في الصحيحين) قال: كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا تكلم بكلمةٍ أعادها ثلاثاً حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قومٍ فسلَم عليهم سلَم عليهم ثلاثا.
(التحلي بالمصافحة من الرجل للرجل: ((حديث البراء الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا.
((حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا لقي المسلم أخاه المسلم، فأخذ بيده فصافحه، تناثرت خطاياهما من بين أصابعهما كما يتناثر ورق الشجر بالشتاء.
((حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قلنا يا رسول الله أينحني بعضنا لبعض قال لا قلنا أيعانق بعضنا بعضا قال لا ولكن تصافحوا.
((حديث أنس أبن مالك رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) قال: كان أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا.
(تحريم مصافحة النساء: ((حديث معقل ابن يسار في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيطٍ من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له.
((حديث أميمة بنت رقيقة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إني لا أصافح النساء.
(من دواعي إفشاء المحبة الهدية:

(تعريف الهدية لغةً واصطلاحاً: (الهدية لغةً:

قال الفيومي في (المصباح المنير): "هَدَيتُ العروسَ إلى بعلها هِداء بالكسر والمدّ فهي هَدِي وهَدِيَّة، ويُبنى للمفعول فيقال: هُدِيَت فهي مَهْديّة، وأَهديتها بالألف لغة قَيْس عَيْلان، فهي: مُهداة.. وأَهديت للرجل – كذا بالألف – بعثت به إليه إكراماً فهو هَديَّة بالتثقيل لا غير.
(الهدية اصطلاحاً:

هي تمليك في الحياة بغير عوض" (انظر: المغني8/ 239). وقال في (المجموع شرح المهذب 15/ 370): "والهبة والعطية والهدية والصدقة معانيها متقاربة، وكلها تمليك في الحياة بغير عوض واسم العطية شامل لجميعها وكذلك الهبة.
والصدقة والهدية متغايران، فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة.
(حكم الهدية:

الهدية مستحبة عند أهل العلم كما ذكر ذلك ابن قدامة في (المغني 8/ 239)

ويدل على الاستحباب قوله عليه السلام: "تهادوا تحابوا"، فهي جالبة للمحبة، ومشيعة للود والسرور بين المتهادين.
وقال القرطبي (13/ 132): "الهدية مندوب إليها، وهي ممّا تورث المودة وتذهب العداوة"، وقال: "ومن فضل الهدية مع اتباع السنّة أنها تزيل حزازات النفوس وتكسب المُهدي والمُهدَى إليه رنة في اللقاء والجلوس".
وقال في المجموع شرح المهذب (15/ 367): "الهبة مندوب إليها لما روت عائشة رضي الله عنها أنّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "تهادوا تحابوا".
وللهدية عظيم الأثر في استجلاب المحبة وإثبات المودة وإذهاب الضغائن وتأليف القلوب، فكم من ضغينة ذهبت بسسبب هدية!! وكم من مشكلة دفعت بسبب هدية!! وكم من صداقة ومحبة جلبت بسبب هدية!! وقد حثنا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الهدية والإثابة عليها، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: تهادوا تحابوا.
((حديث عائشة الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:كان يقبل الهدية ويثيب عليها.
((حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أجيبوا الداعي ولا تردوا الهدية ولا تضربوا المسلمين.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أتي بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة؟ فإن قيل صدقة قال لأصحابه: (كلوا) ولم يأكل وإن قيل: هدية ضرب بيده فأكل معهم.
(وكان الأنصار يهدون لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما في الحديث الآتي: ((حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) أنها قالت لعروة: ابن أختي، إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نار، فقلت: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جيران من الأنصار، كان لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أبياتهم فيسقيناه.
(الحث على الهدية ولو بالقليل:

((حديث أبي هريرة رضي الله عنه رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (لو دعيت إلى ذراع، أو كُراع، لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كُراع لقبلت).
كراع: والكراع من الدابة ما دون الكعب.
((قال الحافظ ابن حجر رحمه الله (فتح الباري:5/ 236): وخص الذراع والكراع بالذكر ليجمع بين الحقير والخطير لأن الذراع كانت أحب إليه من غيرها، والكراع لا قيمة له.
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارة لجارتها و لو فِرْسَن شاة.
فِرْسَن شاة: والفرسن هو موضع الحافر، والمراد أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حث المرأة على الإهداء لجارتها والجود بما تيسر عندها، وإن كان هذا المُهدى قليلا فهو خير من العدم، وهو دليل على المودة، وفي الحديث أيضا حث للمهدى إليها على قبول الهدية وإن قلت الهدية فهي دليل على تقدير المهدية للمهدى إليها.
(الحث على قبول الهدية: ((حديث عائشة الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:كان يقبل الهدية ويثيب عليها.
((حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أجيبوا الداعي ولا تردوا الهدية ولا تضربوا المسلمين.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أتي بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة؟ فإن قيل صدقة قال لأصحابه: (كلوا) ولم يأكل وإن قيل: هدية ضرب بيده فأكل معهم.
(إذا رددت الهدية فبين سبب ردها جبرا للخاطر تأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هذا إذا كان الخاطر يجبر بذلك، أما إذا كان الخاطر يكسر ببيان سبب الرد فلا تبين والله أعلم.
((حديث الصعب بن جثامة الليثي الثابت في الصحيحين) أنه أهدى لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودَّان فردَّه عليه فلما رأى ما في وجهه قال إنَّا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم.
(قبول الهدية من النساء:

فصل الخطاب في (قبول الهدية من النساء) أنه إذا أمنت الفتنة ـ كأن المرأة كبيرة السن ونحو ذلك ـ فإنه تقبل منها الهدية، وإن لم تؤمن الفتنة سُدَّ هذا الباب تماماً وعدم الاقتاب منه لأن المرأة هي شرُ فتنةٍ للرجال بنص السنة الصحيحة، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قال أهدت خالتي أم حفيد إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمنا وأقطا وأضبا فأكل من السمن والأقط وترك الضب تقذرا وأكل على مائدة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولو كان حراما ما أكل على مائدة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
((حديث أسامة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما تركتُ بعدي فتنةً أضرُ على الرجال من النساء.
((حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت في النساء.
(لا ترجع في هبتك:

((حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (ليس لنا مثلُ السوءِ الذي يعودُ في هِبته كالكلبِ يعودُ في قيئه) (إياك أن تُهْدِي ثم تَمُنُّ على من أهديت له فيبطل ثوابك: إياك أن تهدي ثم تمن على من أهديت له، فإن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: (قَوْلٌ مّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيّ حَلِيمٌ يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنّ وَالأذَىَ) [البقرة 263، 264] فلا تعطي الأعطيات وهب الهبات وتقدم الصدقات ثم تتبع ذلك بالمن فالمن يبطل ثواب الصدقات وثواب الهدايا فضلا عما يدخر للمنان من العذاب، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(

((حديث أبي ذر رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال فقرأها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاث مرار قال أبو ذر خابوا وخسروا من هم يا رسول الله قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب.
(الهدية للأقرب فالأقرب:

تهديها للأقرب فالأقرب، قرابة النسب وقرابة الجوار؛ وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث ميمونة الثابت في الصحيحين) أنها أعتقت وليدةً في زمان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: (لو أعطيتِها أخوالك كان أعظمُ لأجرك) فمع أنها أعتقت الأمة فهي ـ بلا شك إن شاء الله ـ مأجورة لعتقها الرقبة ولكن هنا فاق أجر الهدية أجر العتق لقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو أعطيتِها أخوالك كان أعظمُ لأجرك.
فالهدية في بعض الأحيان تفوق الصدقة في الأجر، وذلك إذا وقعت موقعها في التأليف والوصل وابتغاء الأجر والثواب.
((حديث عائشة الثابت في صحيح البخاري) قالت: قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي، قال: إلى أقربهما منك باباً" (فيستفاد من هذين الحديثين أن القريب يقدم على الغريب وأن الأقارب إذا استووا في درجة القرابة قدم الأقرب بابا، وهذا كله إذا كان هؤلاء محل احتياج، والله أعلم.
(حكم قبول هدية المشرك:

القول الذي دلت عليه السنة الصحيحة وتجتمع فيه الأدلة أن المسألة على التفصيل الآتي: (أنّ الامتناع من قبول الهدية في حقّ من يريد بهديته التودد والموالاة: وعليه يحمل قال تعالى: (لاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدّونَ مَنْ حَآدّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوَاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلََئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلاَ إِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [سورة: المجادلة - الأية: 22]

((حديث عياض بن حمار رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أنه أهدى للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هدية أو ناقة، فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "أسلمت؟ قال: لا.
قال: إنّي نُهيت عن زَبْد المشركين".
زَبْد المشركين: يعني هداياهم.
((حديث عامر بن مالك الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إنّي لا أقبل هدية مشرك".
(وقبول الهدية في حقّ من يرجى تأنيسه وتأليفه على الإسلام: (حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: غزونا مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تبوك، وأهدى ملك أيلة للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغلة بيضاء وكساه بردا.
((حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن يهودية أتت النبي بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها، فقيل: ألا نقتلها؟ قال: (لا).
فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله.
(حكم الإهداء إلى المشرك:

الأصل في الإهداء للمشركين الجواز، وتأمل في النصوص الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
قال تعالى: (لاّ يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرّوهُمْ وَتُقْسِطُوَاْ إِلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ إِنّمَا يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدّينِ وَأَخْرَجُوكُم مّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَىَ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلّهُمْ فَأُوْلََئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ) [الممتحنة 8، 9] ((حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة، في عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فاستفتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: (نعم، صلي أمك).
وأهدي عمر حلة لأخ له مشرك بمكة قبل أن يسلم أخوه:

(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريت هذه، فلبستها يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك.
فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة).
ثم جاءت رسول االله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منها حلل، فأعطى عمر بن الخطاب رضي الله عنه منها حلة، فقال عمر: يا رسول الله، كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت؟ قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إني لم أكسكها لتلبسها).
فكساها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخا له بمكة مشركا.
﴿تنبيه﴾: (لكن إذا كان هذا الكافر سيتقوى بهذه الهدية على المسلمين ويؤذيهم ويتمرد عليهم ويتجبر فحينئذ لا يهدي إليه و لا كرامة.
((حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) أنه ذُبِحت له شاة في أهله فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه.
(ضوابط قبول هدايا المشركين والإهداء إليهم:

(1) ألاّ يترتب على قبول الهدية أو إهدائها مودة أو محبة؛ قال تعالى: (لاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدّونَ مَنْ حَآدّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوَاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلََئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلاَ إِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [المجادلة: 22] (2) ألاّ تكون الهدية بمثابة الرشوة كأن يكون المُهدى إليه قد أهدي إليه بسبب توليه منصب أو جاه أو وظيفة يستفاد منها في إنجاز غرض غير مشروع كإحقاق باطل أو إبطال حق.
قال الجصاص في تفسيره (2/ 234) تعليقاً على حديث ابن اللتبية المشهور "وقد دلّ على هذا المعنى قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هلا جلس في بيت أبيه وأمه فنظر أيهدى له أم لا؟ ". فأخبر أنه إنّما أُهدي له؛ لأنه عمل ولولا أنه عامل لم يهدَ له، وقد روي أنّ بنت ملك الروم أهدت لأم كلثوم بنت علي امرأة عمر؛ فردها عمر ومنع قبولها" ا. هـ.

(3) ألاّ تكون الهدية ممّا يستعان به على الباطل من شرك أو كفر أو بدع أو معاصي كإهداء الصلبان أو الشموع للنصارى في أعيادهم وغيرها، أو إهداء آلات الطرب والغناء ونحوها.
وبهذا المعنى منع إهداء الكفار والمشركين في أعيادهم حتى لا تكون تشجيعاً لهم وإقراراً على باطلهم، فإن كان الإهداء لهم في يوم عيدهم تعظيماً لليوم فهو جدّ خطير.
قال أبو حفص الحنفي: "من أهدى فيه بيضة إلى مشرك تعظيماً لليوم فقد كفر بالله تعالى" (فتح الباري 2/ 315) (4) أن يغلب على الظن وجود مصلحة في الإهداء إلى الكافر أو قبول الهدية منه كتأليف قلبه على الإسلام وتحبيب الدين إلى نفسه.
فقد جعل الشارع الحكيم أحد مصارف الزكاة دفعها إلى المؤلفة قلوبهم على الإسلام، وهي فريضة واجبة، فكيف بالهدية المندوبة في أصلها؟ (5) ألا يترتب على الإهداء إلى الكافر أو قبول الهدية منه مفسدة ظاهرة كاستكبار الكافر واستعلائه، أو تكون الهدية للكافر مبالغ فيها؛ لعموم النهي عن التبذير.
(6) ألا يترتب على الإهداء إلى الكافر تفويت مصلحة راجحة كسد حاجة مسلم مضطر؛ لأنّ البدء بالأهم فالأهم منهج شرعي حكيم وعام.
ويدل على ذلك الحديث الآتي: ((حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين) قال.
قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمعاذٍ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم و ليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك و كرائم أموالهم و اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها و بين الله حجاب.
(وهناك هدايا لا ترد:

منها: الطيب.
((حديث أنس الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان لا يرد الطيب.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من عرض عليه ريحان فلا يرده فإنه خفيف المَحمِل طيب الريح.
(موانع الإهداء ومتى لا تقبل الهدية:

فهذه النصوص التي قدمناه نصوص تحث عل الإهداء وقبول الهدية، ولكن قد تأتي موانع تمنع من الإهداء من قبول الهدية.

ألا ترى أن ملكة سبأ أهدت لسليمان عليه السلام هدية فردها سليمان، مع أن إبراهيم عليه السلام قبل هاجر لما أهديت إلى زوجته، وقد قبل نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الهدية، فلماذا قبل نبينا الهدية وردها سليمان عليه السلام؟! ردها سليمان عليه السلام «لما كانت رشوة عن الدين»، فالمرأة أرسلت الهدية إلى سليمان كي يقرها على عبادتها للشمس ويسكت عنها، ولم يكن لسليمان ذلك، وخاصة أنه في مركز قوة واستغناء فمن ثم ردها لما كانت رشوة عن الدين.
قال تعالى: (وَإِنّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ فَلَمّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِي اللّهُ خَيْرٌ مّمّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنّهُم بِجُنُودٍ لاّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنّهُم مّنْهَآ أَذِلّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ) [النمل 35: 37] «فإذا كانت الهدية بمثابة الرشوة لإبطال الحق وإثبات الباطل فلا تقبل حينئذ».
(وكذلك إذا كانت الهدية للأمراء والوزراء والمسئولين (كالقضاة والشرط ونحوهم) كي يعطوك شيئا ليس لك من حقك أو يتجاوزوا لك عن شيء لا ينبغي لهم أن يتجاوزوا عنه فحينئذ يحرم عليك الإهداء ويحرم عليهم قبول الهدية، وقد استعمل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لفظا شديدا في الزجر في هذا الباب، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: استعمل النبي رجلا من الأزد، يقال له ابن اللتبية، على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي.
قال: (فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه، فينظر يهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحد منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاه تيعر، ثم رفع بيده حتى رأينا عفرة إبطيه: (اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت).
ثلاثا.
((حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: هدايا العمال غلول.
((حديث بريدة الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول.

ومن ثم روى البخاري معلقا (وقال عمر بن عبد العزيز: كانت الهدية في زمن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هدية، واليوم رشوة).
،قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وصله ابن سعد بقصة فيه، فروى من طريق فرات بن مسلم قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فلم يجد في بيته شيئا يشتري به فركبنا معه فتلقاه غلمان الدير بأطباق تفاح فتناول واحدة فشمها ثم رد الأطباق فقلت له في ذلك: لا حاجة لي فيه، فقلت: ألم يكن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقبل الهدية؟ فقال: إنها لأولئك هدية، وهي للعمال بعدهم رشوة.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف بإسناد صحيح لغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: السحت الرشوة في الدين.
قال سفيان: يعني الحكم.
(المصنف:14664)،وانظر السنن الكبرى للبيهقي (10/ 139) وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث عبد اله بن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لعن الله الراشي و المرتشي.
قال صاحب عون المعبود شرح سنن أبي داوود: قيل الرشوة ما يعطى لإبطال حق أو لإحقاق باطل أما إذا أعطى ليتوصل به إلى حق أو ليدفع به عن نفسه ظلما فلا بأس به وكذا الآخذ إذا أخذ ليسعى في إصابة صاحب الحق فلا بأس به لكن هذا ينبغي أن يكون في غير القضاة والولاة لأن السعي في إصابة الحق إلى مستحقه ودفع الظالم عن المظلوم واجب عليهم فلا يجوز لهم الأخذ عليه.
(وكذلك إذا كانت الهدية شيئا مسروقا أو شيئا محرما فلا تقبل لما في ذلك من أكل الحرام والمعاونة على الإثم والعدوان.
(وكذلك إذا كانت الهدية إنما أهداها صاحبها لأخذ أكثر منها وإن لم يأخذ أكثر منها يتسخط، فإذا عرف من عادته هذا فَلَك ـ والله أعلم ـ أن تتوقف في قبول هديته.
وقد قال تعالى: (وَمَآ آتَيْتُمْ مّن رّباً لّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللّهِ) [الروم: 39].
وهذا في مثل هذا الموطن، في رجل يهدي وينتظر من المهدي إليه أضعاف ما يقدمه له.
(أو إن كان المهدي يعتبر هديته بمثابة الدين عليك ن وأنت لا تريد أن تتحمل دينا شرعيا ولا عرفا، فَلَك في مثل هذه الحالة أن تتوقف مع اعتذار لطيف للمهدي، اعتذار لا يكسر له خاطر ولا يشوش عليه فكرا.
(وكذلك إذا كان المهدي منان يمن بهديته ويتحدث بها فلك في مثل هذه الحال أن تتوقف.
وكل هذا يقدر بقدره والأصل استحباب الهدية واستحباب قبولها والإثابة عليها.

(وكذلك يكره لك أن تهدي هدية لشخص سفيه يستعملها في معصية الله عز وجل وفي الفساد في الأرض، فإن الله تعالى يقول: (وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الفَسَادَ) [البقرة: 205] ويقول سبحانه: قال تعالى: (وَلاَ تُؤْتُواْ السّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ) [النساء: 5] (وكذلك فأثناء هديتك انتبه هل ستصلح في باب وتفسد في باب آخر أم أن الهدية كلها خير، فقد تهدي لابن من أبنائك دون الآخرين فتسبب مفسدة وضغينة بين الأولاد.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قال: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله، فأتى رسول الله فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله، قال: (أعطيت سائر ولدك مثل هذا).
قال: لا، قال: (فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم).
قال: فرجع فرد عطيته.
(وأيضا ينبغي أن يتحفظ الشخص ويتورع عن الهدية إن كانت تقوم مقام الربا فقد يقترض شخص من شخص مالا ويحل وقت السداد ولا يطيق المدين السداد؛ فيسلك مسلك الإهداء لصاحب المال حتى يسكته وحتى يصبر عليه فحينئذ من الورع ترك الهدايا، نعم إنه يجوز قبولها ما لم يشترط لكن الأورع ترك الهدية إذا كانت بهذه المثابة.
(ولا ينبغي أن تحرج أحدا وتحمله على الإهداء لك، فإنك إن فعلت أوشكت أن لا يبارك لك في هذا الشيء المهدى ولكن إن أهدي إليك أو أخذت الشيء بغير مسألة و لا إشراف نفس بورك لك فيه، ولتحرص على أن تكون نفس المهدي طيبة وهو يهدي إليك، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قال: سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعطيني العطاءَ، فأقولُ أعطهِ من هو أفقر مني فقال: (خذه، إذا جاءك من هذا المال شيءٌ، وأنت غير مشرفٍ ولا سائل، فخُذهُ، وما لا، فلا تُتْبعِه نفسك)

((حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: سألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال لي: (يا حكيم، إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى) ((حديث معاوية رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تلحفوا في المسألة فوالله لا يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته.
لا تُلْحِفُوا: أي لا تلحوا.
(من دواعي إفشاء المحبة الزهد فيما في أيدي الناس:

قال تعالى: (وَلاَ تَمُدّنّ عَيْنَيْكَ إِلَىَ مَا مَتّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ) [سورة: طه - الآية: 131] والاستدلال ظاهر، حيث نهي -عليه الصلاة والسلام- والنهي لأمته على وجه التبع، أن يمد المرء عينيه إلى ما متع به الخلق من زهرة الحياة الدنيا، ومن مد عينيه إلى ما متع به الخلق من زهرة الحياة الدنيا، فإنه يفوته الزهد في الدنيا؛ لأنه لا بد وأن يحصل بالقلب نوع تعلق بالدنيا، وهذا خلاف الزهادة.
((حديث سهل بن سعد الثابت في صحيح ابن ماجة) قال أتى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلٌ فقال يا رسول الله: دلني على عملٍ إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وازهد فيما عند الناس يحبك الناس]

ومعنى ازهد فيما عند الناس: لا يكن قلبك متعلقا فيما في أيدي الناس، فإذا فعلت ذلك، فأخرجت ما في أيدي الناس من التعلق ومن الاهتمام، وكان ما عند الناس في قلبك لا قيمة له، سواء أعظم أم قل، فإنه بذلك يحبك الناس؛ لأن الناس يرون فيه أنك غير متعلق بما في أيديهم، لا تنظر إلى ما أنعم الله به عليهم نظر رغبة، ولا نظر طلب، وإنما تسأل الله -جل وعلا -لهم التخفيف من الحساب، وتحمد الله -جل وعلا -على ما أعطاك، وما أنت فيه، فهذا إخراج ما في أيدي الناس من القلب، هذه حقيقة الزهادة فيما عند الناس، وإذا فعل ذلك المرء أحبه الناس؛ لأن الناس جبلوا على أنهم لا يحبون من نازعهم ما يختصون به، مما يملكون، أو ما يكون في أيديهم حتى إذا دخلت بيت أحد، ورأيت شيئا يعجبك، وظهر عند ذلك أنك أعجبت بكذا، فإنه يكون في نفس ذاك الآخر بعض الشيء.
وهذا يعكر صفو المحبة، فوطن نفسك أن ما عند الناس في قلبك شيء قليل لا قيمة له، حقير لا قيمة له، حقير قيمة له مهما بلغ، وهذا في الحقيقة لا يكون إلا لقلب زاهد متعلق بالآخرة، لا ينظر إلى الدنيا أما من ينظر إلى الدنيا، فإنه يكون متعلقا بما في أيدي الناس.
(وهذا الحديث أصل في بيان كيف يكون المرء محبوبا عند الله تعالى وعند الناس.
وهو أيضاً من أحاديث الوصايا؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجاب عن سؤال مضمونه طلب الوصية، قال سهل بن سعد رضي الله عنه: جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال يا رسول الله: دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس، وهذا السؤال يدل على علو الهمة؛ لأن محبة الله تعالى غاية المطالب ومحبة الناس للمرء، أو للعبد معناها أداء حقوقهم، والدين قائم على أداء حقوق الله وأداء حقوق العباد، فمن أدى حق الله تعالى أحبه الله، ومن أدى حقوق العباد وعاملهم بالعدل والإحسان، فإنه يثوب بمحبة الناس له، وهذا الذي يجمع بين الطرفين هو الصالح من عباد الله؛ لأن الصالح هو الذي يقوم بحق الله وحق العباد، والصلاح هو القيام بحقوق الله وحقوق الناس.

فهذا الحديث فيه ما يحصل به محبة الرب تعالى للعبد فقال: دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وهذا فيه تنبيه إلى أصل، وهو أن همة المرء ينبغي أن تكون مصروفة لما به يحب الله العبد، وليس أن تكون مصروفه لمحبته هو لله تعالى، فالعباد كثيرون منهم من يحبون الله تعالى، بل كل متدين بالباطل أو بالحق، فإنه ما تدين إلا لمحبة الله تعالى، وليس هذا هو الذي يميز الناس، وإنما الذي يميز الناس عند الله تعالى هو من الذي يحبه الله تعالى.
((وقد قال بعض أئمة السلف رحمهم الله: ليس الشأن أن تحِب، ولكن الشأن كل الشأن أن تُحَب، يريد أن محبة العبد لربه تعالى، هذه تحصل إما بموافقة مراد الله، أو بمخالفة مراد الله، فالنصارى يحبون الله، وعباد اليهود يحبون الله، وعباد الملل يحبون الله، وعباد جهلة المسلمين يحبون الله، ولكن ليس هؤلاء بمحبوبين لله تعالى إلا إذا كانوا على ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال.
إذاً فحصل من ذلك أن «السعي في محبة الله للعبد هذا هو المطلب»، وهذا إنما بالرغبة في العلم ومعرفة ما يحبه الله تعالى ويرضاه، فإذا عرفت كيف يحب الله العبد، أو إذا عرفت بما يحب الله تعالى العبد، حصل لك السعي في محبة الله تعالى.
((وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: "لا تزال كريما على الناس ولا يزال الناس يكرمونك ما لم تعاط ما في أيديهم، فإذا فعلت ذلك استخفوا بك وكرهوا حديثك وأبغضوك".
((وقال أيوب السختياني رحمه الله تعالى: "لا يقبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عما يكون منهم".
فمن زهد فيما في أيدي الناس وعف عنهم فإنهم يحبونه ويكرمونه لذلك ويسود به عليهم؛ كما قال أعرابي لأهل البصرة: من سيد أهل هذه القرية؟ قالوا: الحسن، قال: بم سادهم؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه واستغنى هو عن دنياهم.
وما أحسن قول بعض السلف في وصف الدنيا: وما هي إلا جيفة مستحيلة... عليها كلاب همهن اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها... وإن تجتذبها نازعتك كلابها.
(كيفية علاج ما اعوجّ من الأخلاق:

والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتلافى المِعْوَّجَ من أخلاق الناس بكرمه، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(

(حديث ابن أبي مليكة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهديت له أقبية من ديباج، مزررة بالذهب، فقسمها في ناس من أصحابه، وعزل منها واحدا لمخرمة بن نوفل، فجاء ومعه ابنه المسور بن مخرمة، فقام على الباب فقال: ادعه لي، فسمع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صوته، فأخذ قباء فتلقاه به، واستقبله بأزراره، فقال: (يا أبا المسور خبأت هذا لك، يا أبا المسور خبأت هذا لك).
وكان في خلقه شدة.
فكان عليه الصلاة والسلام يتلافى بحسن خلقه شدة أخلاق الناس، والأخلاق الحسنة تغطي على الأخلاق الرديئة، ولذلك وجه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأزواج إلى النظر إلى الناحية الإيجابية من أخلاق الزوجات فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر) كما في الحديث الآتي: ((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الأنصاري الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يفرك مؤمن مؤمنه إن كره منها خلقا رضي منها آخر.
لا يفرك: لا يكره.
وحكمة الله البالغة اقتضت أن يجعل في البشر أخلاقاً عالية، وكذلك أخلاقاً سافلة، وعند المقارنة يظهر حسن هذا وقبح ذاك؛ لأن الضد يظهر حسنه الضد، وبضدها تتميز الأشياء، فلولا الظلام ما عرفت فضيلة النور، ولولا أنواع البلايا ما عرفت قيمة العافية، ولولا خلق الشياطين والهوى والنفس الأمارة بالسوء لما حصلت عبودية الصبر والمجاهدة وترتب الأجر والجنة عليهما.
إذاً: عندنا محاسن الأخلاق ومساوئ الأخلاق، فإذا قلت: محاسن الأخلاق مثل: الصدق، والأمانة، والوفاء، والإيثار، والكرم، والعفة، وكظم الغيظ، والتواضع، والإخلاص، والعدل، وغير ذلك؛ فإنك إذا قارنتها بغيرها تتبين جمال هذه الأخلاق، وضدها مثل: الكذب، والنفاق، والغدر، والخيانة، والبخل، والرياء، والكبر، والعجب، والمفاخرة، والحسد، و الطمع، والحقد، والظلم، وغير ذلك من الأخلاق.
وكما أن حسن الخلق منجاة ونجاح، فسوء الخلق ضياع ودمار، ولا بد إذاً من الالتزام والتمسك بهذه الأخلاق الحسنة.
(اعتناء أهل العلم وكلامهم في الأخلاق:

وقد اعتنى العلماء رحمهم الله تعالى بجمع محاسن الأخلاق ومساوئ الأخلاق، وأفردوها بالمصنفات، وألف في ذلك ابن أبي الدنيا و الخرائطي رحمهما الله، وكذلك عدد من العلماء.
ومن أنفس ما قيل في محاسن الأخلاق كلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ((قال ابن القيم في تهذيب الأخلاق:

وكما قلنا؛ فإن العلماء رحمهم الله اهتموا بقضية جمع محاسن الأخلاق، وكذلك اهتموا بجمع مساوئ الأخلاق للتحذير منها، واهتموا كذلك بالكلام عن حقيقة الخلق وكيف تعالج الأخلاق الرديئة، وكيف يتخلص الإنسان من الأخلاق الرديئة، وهناك كلام نفيس ذكره أهل العلم في هذه المسألة.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في مسألة التخلص من الأخلاق الرديئة: اعلم أن أصعب ما على الطبيعة الإنسانية تغيير الأخلاق التي طبعت النفوس عليها، وأصحاب الرياضات الصعبة والمجاهدات الشاقة إنما عملوا عليها ولم يظفر أكثرهم بتبديلها... ثم قال: ونقدم مثلاً: نهر جارٍ في صببه ومنحدره، ومنتهٍ إلى تغريق أرض وعمران ودور، وأصحابه يعلمون أنه لا ينتهي هذا النهر حتى يخرب دورهم ويتلف أراضيهم، فانقسموا ثلاث فرق: فرقةٌ صرفت قواها وقوى أعمالها إلى سَكْره وحبسه وإيقافه، وقالوا: أحسن شيء أن نقفل النهر ونغلقه من أساسه، فلم تصنع هذه الفرقة كبير أمرٍ، فإنه يوشك أن يجتمع ثم يحمل على السكر الذي وضعوه للإغلاق، فيكون إفساده وتخريبه أعظم.
والفرقة الثانية: رأت هذه الحالة وعلمت أنه لا يغني عنها شيئاً، فقالت: لا خلاص من محذوره إلا من قطعه من أصل الينبوع، فرامت قطعه من أصله، فتعذر ذلك غاية التعذر، وأبت الطبيعة النهرية عليهم ذلك أشد الإباء، فهم دائماً في قطع الينبوع، وكلما سدوه من موضع نبع من موضع، فاشتغل هؤلاء بشأن هذا النهر عن الزرع والعمارة وغرس الأشجار، فإذاً لا الإغلاق نفع ولا سده من أصله نفع.
فجاءت فرقةٌ ثالثة خالفت رأي الفريقين، وعلموا أنهم قد ضاع عليهم كثير من مصالحهم؛ فأخذوا في صرف ذلك النهر عن مجراه المنتهي إلى العمران، فصرفوه إلى موضع ينتفعون بوصوله إليه ولا يتضررون، فصرفوه إلى أرض قابلةٍ للنبات وسقوها به.
فإذا تبين هذا المثل؛ فالله سبحانه قد اقتضت حكمته أن ركَّب الإنسان على طبيعةٍ محمولة على قوتين: غضبية وشهوانية، وهاتان القوتان هما الحاملتان لأخلاق الناس وصفاتها.

وعلاجها: إما بتر الخلق من أصله وهذا غير ممكن، والحل هو تحويل هذا الخلق السيئ إلى مجرى خير، فلو كان عند الإنسان حسد ـ مثلاً ـ فليصرفه في المنافسة على الخير (لا حسد إلا في اثنتين) صاحب القرآن وصاحب المال الذي ينفقه في الخير ويهلكه في الخير، ويحرص على التنافس مع أهل الخير كما قال الله: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26] ولو كان الإنسان فيه خيلاء فليختل على العدو في المعركة؛ لأن هذا النوع من الخيلاء مسموح به، وأيضاً لو أن إنساناً يعاني من الكذب، فإنه يصرفه إلى الكذب على العدو، والكذب للإصلاح بين المتخاصمين، وكذلك ما يكون بين الزوجين، كأن يقول: ما ذقت ألذ من هذا الطبخ! وهو قد ذاق ألذ منه، فإن هذا مسموح به بين الزوجين.
فإذاً: الإنسان الذي يريد سد النهر فإن الطبيعة النهرية تأبى ذلك، فأفضل حل هو أن يغير مجرى الخلق من الاتجاه السيئ إلى الاتجاه الحسن، وأن يروض نفسه، ولاشك أن الجبلة قابلة للتغيير، ولا يمكن أن نقول: إن الإنسان لا يمكنه التغيير، بل إنه يمكنه ذلك قطعاً، والدليل على ذلك: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتصبر يصبره الله) فمعلوم أن الحلم والصبر من الأخلاق، فلم يقل: إذا لم يكن عندك حلم فلن تكون حليماً أبداً، وإذا لم يكن عندك صبر فلن تصبر أبداً، وإنما قال: (والحلم بالتحلم) أي: إذا تكلفت الحلم حتى تتعود عليه صار ذلك طبيعةً لك وسجية، وكذلك الصبر إذا تصبرت فستصبح صبوراً.

(فصلٌ في منزلة التواضع:

(عناصر الفصل: (تعريف التواضع: (فضل التواضع: (أمورٌ من التواضع: (التواضع في اللباس: (تواضع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (ما جاء في الخمول: (ما جاء في الشهرة: (ذم الكبر: (ذم الاختيال: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (تعريف التواضع:

التواضع هو: عقد القلب على صَغار النفس المؤثر في عواطفه وميوله وجوارحه في مقابل اللَّه سبحانه وتعالى، وفي مقابل رسله وأوليائه المعصومين، وفي مقابل المؤمنين.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض وسُئِلَ: ما التواضع؟ قال: أن تخضع للحق وتنقاد له، ولو سمعته من صبي قبلته منه، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته منه.
وسألته: ما الصبر على المصيبة? قال: أن لا تبث.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:

(سئل الفضيل بن عياض عن التواضع فقال: يخضع للحق وينقاد له ويقبله ممن قاله.
(وقيل: التواضع أن لا ترى لنفسك قيمة فمن رأى لنفسه قيمة فليس له في التواضع نصيب وهذا مذهب الفضيل وغيره.
(وقال الجنيد بن محمد: هو خفض الجناح ولين الجانب.
(وقال أبو يزيد البسطامي: هو أن لا يرى لنفسه مقاما ولا حالا ولا يرى في الخلق شراً منه.
(وقال ابن عطاء: هو قبول الحق ممن كان والعز في التواضع فمن طلبه في الكبر فهو كتطلب الماء من النار.
(وقال إبراهيم بن شيبان: الشرف في التواضع والعز في التقوي والحرية في القناعة ويذكر عن سفيان الثوري رحمه الله أنه قال: أعز الخلق خمسة أنفس: عالم زاهد وفقيه صوفي وغني متواضع وفقير شاكر وشريف سني.
(وقال عروة بن الزبير رضي الله عنهما: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على عاتقه قربة ماء فقلت: يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك هذا فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دخلت نفسي نخوة فأردت أن أكسرها.
(وولي أبو هريرة رضي الله عنه إمارة مرة فكان يحمل حزمة الحطب على ظهره يقول طرقوا للأمير.
(وركب زيد بن ثابت مرة فدنا ابن عباس ليأخذ بركابه فقال: مه يا ابن عم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بكبرائنا فقال: أرني يدك فأخرجها إليه فقبلها فقال: هكذا أمرنا نفعل بأهل بيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(وقسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بين الصحابة رضي الله عنهم حللا فبعث إلى معاذ حلة مثمنة فباعها واشترى بثمنها ستة أعبد وأعتقهم فبلغ ذلك عمر فبعث إليه بعد ذلك حلة دونها فعاتبه معاذ فقال عمر: لأنك بعت الأولى فقال معاذ وما عليك ادفع لي نصيبي وقد حلفت لأضربن بها رأسك فقال عمر رضي الله عنه: رأسي بين يديك وقد يرفق الشاب بالشيخ.
(ومر الحسن بن علي صبيان معهم كسر خبز فاستضافوه فنزل فأكل معهم ثم حملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم وقال: اليد لهم لأنهم لا يجدون شيئا غير ما أطعموني ونحن نجد أكثر منه.
(ويذكر أن أبا ذر رضي الله عنه عَيَّرَ بلالا رضي الله عنه بسواده ثم ندم فألقى بنفسه فحلف: لا رفعت رأسي حتى يطأ بلال خدي بقدمه فلم يرفع رأسه حتى فعل بلال.
(وقال رجاء بن حيوة: قومت ثياب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو يخطب باثني عشر درهما وكانت قباء وعمامة وقميصا وسراويل ورداء وخفين وقلنسوة.

(ورأى محمد بن واسع ابنا له يمشي مشية منكرة فقال: تدري بكم شريت أمك بثلاثمائة درهم وأبوك لا كثر الله في المسلمين مثله أنا وأنت تمشي هذه المشية.
(وقال حمدون القصار: التواضع أن لا ترى لأحد إلى نفسك حاجة لا في الدين ولا في الدنيا.
(وقال إبراهيم بن أدهم: ما سررت في إسلامي إلا ثلاث مرات: كنت في سفينة وفيها رجل مضحاك كان يقول: كنا في بلاد الترك فأخذ العلج هكذا وكان يأخذ بشعر رأسي ويهزني لأنه لم يكن في تلك السفينة أحد أحقر مني والأخرى: كنت عليلا في مسجد فدخل المؤذن وقال: اخرج فلم أطق فأخذ برجلي وجرني إلى خارج والأخرى: كنت بالشام وعلي فرو فنظرت فيه فلم أميز بين شعره وبين القمل لكثرته فسرني ذلك وفي رواية: كنت يوما جالسا فجاء إنسان فبال علي.
(وقال بعضهم: رأيت في الطواف رجلا بين يديه شاكرية يمنعون الناس لأجله عن الطواف ثم رأيته بعد ذلك بمدة على جسر بغداد يسأل شيئا فتعجبت منه فقال لي: إني تكبرت في موضع يتواضع الناس فيه فابتلاني الله بالذل في موضع يترفع الناس فيه.
(وبلغ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: أن ابنا له اشترى خاتما بألف درهم فكتب إليه عمر: بلغني أنك اشتريت فصا بألف درهم فإذا أتاك كتابي فبع الخاتم وأشبع به ألف بطن واتخذ خاتما بدرهمين واجعل فصه حديدا صينيا واكتب عليه: رحم الله امرءا عرف قدر نفسه.
﴿تنبيه﴾: (إن من أهم الأسباب التي تعين الإنسان على التواضع أن يمقت الإنسان نفسه في جنب الله تعالى.
قال أبو الدرداء: " لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون أشد لها مقتاً ". وكان بعض السلف يقول في دعائه في عرفة (اللهم لا ترد الناس لأجلي)!، وقال محمد بن واسع: لو كان للذنوب ريحٌ ما قدر أحد أن يجلس إلىّ.
مع أنه من كبار العباد في هذه الأمة.
قال يونس بن عبيد: " إني لأجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن في نفسى منها واحدة ". دخل حمّاد بن سلمة على سفيان الثوري وهو يحتضر فقال: (يا أبا عبد الله أليس قد أمنت مما كنت تخافه وتقدم على من ترجوه وهو أرحم الراحمين؟!) قال: (يا أبا سلمة أتطمع لمثلي أن ينجو من النار) قال: (إي والله إني لأرجو لك ذلك).

وقال جعفر بن زيد: (خرجنا في غزاة إلى كابل وفي الجيش صلة بن أشيم فنزل الناس عند العتمة فصلوا ثم اضطجع فقلت: لأرمقنّ عمله، فالتمس غفلة الناس فانسلّ وثبا فدخل غيظة (مجموعة أشجار ملتفة) قريب منا، فدخلت على أثره فتوضأ ثم قام يصلي فجاء أسد حتى دنا منه فصعدت في شجرة فتراه التفت إليه أو عدّه جرو! فلما سجد قلت الآن يفترسه فجلس ثم سلّم ثم قال: (أيها السبع اطلب الرزق من مكان آخر)، فولّى وإن له زئيراً، فمازال كذلك يصلي حتى كان الصبح فجلس يحمد الله وقال: (اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار ومثلي يستحي أن يسألك الجنة)! ثم رجع وأصبح وكأنه بات على حشاياً، أما أنا فأصبح بي ما الله به عليم من هول ما رأيت! وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (اللهم اغفر لي ظلمي وكفري)، فقال قائل: (يا أمير المؤمنين هذا الظلم فما الكفر؟) قال: (إن الإنسان لظلوم كفّار)، فإذا تمعّن الإنسان حال السلف عرف حاله والبعد الشديد مابينه وبينهم.
(أورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن مالك بن دينار قال: «رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله تعالى، فكان لها قائدا» (وأورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن عن وهب بن منبه: «أن رجلا، تعبد زمانا، ثم بدت له إلى الله تبارك وتعالى حاجة، فصام تسعين سبتا، يأكل كل سبت إحدى عشرة تمرة، ثم سأل حاجته فلم يعطها، فرجع إلى نفسه، فقال: منك أوتيت، لو كان فيك خير أعطيت حاجتك، فنزل إليه عند ذلك ملك، فقال: يا ابن آدم ساعتك هذه التي أزريت فيها على نفسك خير من عبادتك التي قد مضت، وقد قضى الله حاجتك» أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل بن عياض قال: كيف ترى حال من كثرت ذنوبه وضعف علمه وفني عمره ولم يتزود لمعاده.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل بن عياض قال: يا مسكين أنت مسيء وترى أنك محسن وأنت جاهل وترى أنك عالم وتبخل وترى أنك كريم وأحمق وترى أنك عاقل أجلك قصير وأملك طويل.
قال الذهبي رحمه الله: قلت إي والله صدق وأنت ظالم وترى أنك مظلوم وآكل للحرام وترى أنك متورع وفاسق وتعتقد أنك عدل وطالب العلم للدنيا وترى أنك تطلبه لله.

أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شعيب بن حرب، قال: بينا أنا أطوف بالبيت إذا رجل يمد ثوبي من خلفي فالتفت فإذا بفضيل بن عياض، فقال: لو شفع في وفيك أهل السماء كنا أهلاً أن لا يشفع فينا، قال شعيب: ولم أكن رأيته قبل ذلك بسنة، قال: فكسرني وتمنيت أني لم أكن رأيته.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: أخذت بيد سفيان بن عيينة في هذا الوادي فقلت له: إن كنت تظن أنه بقى على وجه الأرض شر مني ومنك فبئس ما تظن.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن إبراهيم بن الأشعث قال سألت الفضيل عن التواضع قال التواضع أن تخضع للحق وتنقاد له ولو سمعته من صبي قبلته منه ولو سمعته من أجهل الناس قبلته منه.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن أبي صالح الفراء قال سمعت بن المبارك يقول رأس التواضع أن تضع نفسك عند من هو دونك في نعمة الدنيا حتى تعلمه أن ليس لك بدنياك عليه فضل وأن ترفع نفسك عمن هو فوقك في نعمة الدنيا حتى تعلمه أنه ليس له بدنياه عليك فضل.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن كعب قال ما أنعم الله عز وجل على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله وتواضع بها لله إلا أعطاه الله عز وجل نفعها في الدنيا ورفع له بها درجة في الآخرة وما أنعم الله عز وجل على عبد من نعمة في الدنيا فلم يشكرها لله ولم يتواضع بها لله عز وجل إلا منعه الله عز وجل نفعها في الدنيا وفتح له طبقا من النار يعذبه به إن شاء الله أو يتجاوز عنه.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن الأصبغ بن نباتة قال كأني أنظر إلى عمر بن الخطاب معلقا لحما في يده اليسرى وفي يده اليمنى الدرة يدور في الأسواق حتى دخل رحله.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن صالح بياع الأكسية عن أمه أو جدته قالت رأيت عليا اشترى تمرا بدرهم فحمله في ملحفته فقلت أحمل عنك يا أمير المؤمنين قال لا أبو العيال أحق أن يحمله.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن حماد بن زيد قال ما رأيت محمد بن واسع إلا وكأنه يبكي وكان يجلس مع المساكين والبكائين.

(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن بكر بن عبد الله المزني أنه كان يلبس الكسوة تساوي أربعة آلاف ويجالس المساكين ومعه الصرر فيها الدراهم فيدسها إلى ذا وإلى ذا قال وكان موسرا فمات ولم يخلف شيئا فقال الحسن رحمه الله إن بكرا عاش عيش الأغنياء ومات موت الفقراء.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن مسعر قال مر الحسين بن علي على مساكين وقد بسطوا كساء وبين أيديهم كسرا فقالوا هلم يا أبا عبد الله فحول وركه وقرأ (إِنّهُ لاَ يُحِبّ الْمُسْتَكْبِرِينَ) فأكل معهم ثم قال قد أجبتكم فأجيبوني فقال للرباب يعني امرأته أخرجي ما كنت تدخرين.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن صالح المري قال خرج الحسن ويونس وأيوب يتذاكرون التواضع فقال لهما الحسن وهل تدرون ما التواضع التواضع أن تخرج من منزلك فلا تلق مسلما إلا رأيت له عليك فضلا.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن يحيى بن كثير قال رأس التواضع ثلاث أن ترضى بالدون من شرف المجلس وأن تبدأ من لقيته بالسلام وأن تكره من المدحة والسمعة والرياء بالبر.
(فضل التواضع: إن للتواضع فضلٌ عظيم وأجرٌ جسيم، فهو نعمةٌ عظيمة، وَمِنَّةٌ جسيمة، نعمة كبرى، ومنحة عظمى، شأنه عظيم، ونفعه عميم، له فضائل لا تحصى، وثمرات لا تعد، وله أهمية كبرى، وثمرات جليلة، وفضائل عظيمة، وأسرار بديعة، وهو طريق النجاة، وسلم الوصول، ومطلب العارفين، ومطية الصالحين، وهو من أشرف العبادات و أجلّ الطاعات والتواضع يزيد الحكمة بنص السنة الصحيحة، وكفى بذلك فضلاً فإنه من يؤتى الحكمة فقد أُوتيَ خيراً كثيراً، والتواضع خلق حميد، وجوهر لطيف يستهوي القلوب، ويستثير الإعجاب والتقدير وهو من أخصّ خصال المؤمنين المتّقين، ومن كريم سجايا العاملين الصادقين، ومن شِيَم الصالحين المخبتين.
التواضع هدوء وسكينة ووقار واتزان، التواضع ابتسامة ثغر وبشاشة وجه ولطافة خلق وحسن معاملة، بتمامه وصفائه يتميّز الخبيث من الطيب، والأبيض من الأسود والصادق من الكاذب، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله، إن المتواضع يبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه، كريم الطبع، جميل العشرة، طلق الوجه، باسم الثغر رقيق القلب، متواضعا من غير ذلة، جواداً من غير سرف.

نعم.. فاقد التواضع عديم الإحساس، بعيد المشاعر، إلى الشقاوة أقرب وعن السعادة أبعد، لا يستحضر أن موطئ قدمه قد وطأه قبله آلاف الأقدام، وأن من بعده في الانتظار، فاقد التواضع لا عقل له، لأنه بعجبه وأنفته يرفع الخسيس، ويخفض النفيس، كالبحر الخضم تسهل فيه الجواهر والدرر، ويطفو فوقه الخشاش والحشاش.
فاقد التواضع قائده الكبر وأستاذه العجب، فهو قبيح النفس ثقيل الطباع يرى لنفسه الفضل على غيره.
إن التواضع لله تعالى خُلُق يتولّد من قلب عالم بالله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله وتعظيمه ومحبته وإجلاله.
إن التواضع هو انكسار القلب للرب جل وعلا وخفض الجناح والذل والرحمة للعباد، فلا يرى المتواضع له على أحد فضلاً ولا يرى له عند أحد حقاً، بل يرى الفضل للناس عليه، والحقوق لهم قبله.
فما أجمل التواضع، به يزول الكِبَرُ، وينشرح الصدر، ويعم الإيثار، وتزول القسوة والأنانية والتشفّي وحب الذات.
والكتاب والسنة طافحان بما يحث على التواضع وخفض الجناح وهاك غيضٌ من فيض وقليلٌ من كثير مما ورد في ذلك.
قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان: 63] أي سكينة ووقارا متواضعين غير أشرين ولا مرحين ولا متكبرين.
قال الحسن: علماء حلماء.
وقال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار وعفة لا يسفهون وإن سفه عليهم حلموا والهون بالفتح في اللغة: الرفق واللين و الهون بالضم: الهوان فالمفتوح منه: صفة أهل الإيمان والمضموم صفة أهل الكفران وجزاؤهم من الله النيران.

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 54] لما كان الذل منهم ذل رحمة وعطف وشفقة وإخبات عداه بأداة على تضمينا لمعاني هذه الأفعال فإنه لم يرد به ذل الهوان الذي صاحبه ذليل وإنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه ذلول فالمؤمن ذلول كما في الحديث: "المؤمن كالجمل الذلول والمنافق والفاسق ذليل وأربعة يعشقهم الذل أشد العشق: الكذاب والنمام والبخيل والجبار" وقوله: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ هو من عزة القوة والمنعة والغلبة قال عطاء رضي الله عنه: للمؤمنين كالوالد لولده وعلى الكافرين كالسبع على فريسته كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29] وهذا عكس حال من قيل فيهم: كبر علينا وجبنا عن عدوكم لبئست الخلتان الكبر والجبن قال تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [سورة: الشعراء - الآية: 215] وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث عِياضِ بن حمار في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد و لا يبغي أحد على أحد (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما نقصت صدقة من مال و ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا و ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله.
(حديث أنس في الصحيحين) أنه مرَّ على صبيان فسلَّم عليهم وقال: كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعله.
(حديث الأسود بن يزيد في صحيح البخاري) قال سُئلت عائشةُ رضي الله تعالى عنها ما كان يصنع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة.
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم، قال أصحابه وأنت؟ فقال نعم كنت أرعاها على قراريط َ لأهل مكة.
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لو دُعِيتُ إلى ذراعٍ أو كُرَاعٍ لأجبت و لو أُهْدِيَ إليَّ ذراعٍ أو كُرَاعٍ لقبلت....

(حديث أنس في صحيح البخاري) قال: كانت ناقةٌ لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تسمى العضباء وكانت لا تُسبق، فجاء أعرابي على قَعُودٍ له فسبقها فاشتد ذلك على المسلمين فقالوا: سُبقت العضباء! قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إن حقا على الله تعالى أن لا يرفع شيئا من أمر الدنيا إلا وضعه.
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد مَلك فإذا تواضع قيل للمَلك ارفع حكمته و إذا تكبر قيل للملك: دَعْ حكمته.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (ما من آدمي) من زائدة كما سبق وهي هنا تفيد عموم النفي وتحسين دخول ما على النكرة.
(إلا في رأسه حكمة) وهي بالتحريك ما يجعل تحت حنك الدابة يمنعها المخالفة كاللجام والحنك متصل بالرأس.
(بيد ملك) موكل به.
(فإذا تواضع) للحق والخلق.
(قيل للملك) من قبل اللّه تعالى.
(ارفع حكمته) أي قدره ومنزلته يقال فلان عالي الحكمة، فرفعها كناية عن الأعذار.
(فإذا تكبر قيل للملك ضع حكمته) كناية عن إذلاله فإن من صفة الذليل تنكيس رأسه فثمرة التكبر في الدنيا الذلة بين عباد اللّه وفي الآخرة نار الإيثار وهي عصارة أهل النار كما جاء في بعض الأخبار.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبو جعفر الحذاء، قال: سمعت فضيل بن عياض يقول: أخذت بيد سفيان بن عيينة في هذا الوادي فقلت له: إن كنت تظن أنه بقى على وجه الأرض شر مني ومنك فبئس ما تظن.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن المبارك قال: إذا عرف الرجل قدر نفسه يصير عند نفسه أذل من الكلب.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت إنكم لتغفلون أفضل العبادة التواضع.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن عون بن عبد الله قال كان يقال من كان في صورة حسنة وموضع لا يشينه ووسع عليه في الرزق ثم تواضع لله عز وجل كان من خالص الله عز وجل.
﴿تنبيه﴾: (التواضع تواضعان أحدهما محمود والآخر مذموم والتواضع المحمود ترك التطاول على عباد الله والإزراء بهم والتواضع المذموم هو تواضع المرء لذي الدنيا رغبة في دنياه، فالعاقل يلزم مفارقة التواضع المذموم على الأحوال كلها ولا يفارق التواضع المحمود على الجهات كلها.
(أمورٌ من التواضع:

(1) اتّهام النفس والاجتهاد في علاج عيوبها وكشف كروبها وزلاتها ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا.
وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (2) مداومة استحضار الآخرة واحتقار الدنيا، والحرص على الفوز بالجنة والنجاة من النار، وإنك لن تدخل الجنة بعملك، وإنما برحمة ربك لك.
(3) التواضع للمسلمين والوفاء بحقوقهم ولين الجانب لهم، واحتمال الأذى منهم والصبر عليهم قال تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر / 88] (4) معرفة الإنسان قدره بين أهله من إخوانه وأصحابه ووزنه إذا قُورن بهم (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما نقصت صدقة من مال و ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا و ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله.
(5) غلبة الخوف في قلب المؤمن على الرجاء، واليقين بما سيكون يوم القيامة قال تعالى: ﴿َوبَدَا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر /47] (6) التواضع للدين والاستسلام للشرع، فلا يُعارض بمعقول ولا رأي ولا هوى.
(7) الانقياد التام لما جاء به خاتم الرسل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن يُعبد الله وفق ما أمر، وأن لا يكون الباعث على ذلك داعي العادة.
(8) ترك الشهوات المباحة، والملذّات الكمالية احتساباً لله وتواضعاً له مع القدرة عليها، والتمكن منها (حديث معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من ترك اللباس تواضعا لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها.
معنى قوله (حلل الإيمان) يعني ما يعطى أهل الإيمان من حلل الجنة (9) التواضع في جنب الوالدين ببرّهما وإكرامهما وطاعتهما في غير معصية، والحنو عليهما والبِشْرُ في وجههما والتلطّف في الخطاب معهما وتوقيرهما والإكثار من الدعاء لهما في حياتهما وبعد مماتهما قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾.
[الإسراء /24] (10) التواضع للمرضى بعيادتهم والوقوف بجانبهم وكشف كربتهم، وتذكيرهم بالاحتساب والرضا والصبر على القضاء (11) تفقّد ذوي الفقر والمسكنة، وتصفّح وجوه الفقراء والمحاويج وذوي التعفف والحياء في الطلب, ومواساتهم بالمال والتواضع لهم في الحَسَب، يقول بشر بن الحارث: "ما رأيت أحسن من غني جالسٍ بين يدي فقير".
(التواضع في اللباس:

(حديث أبي أُمامةَ في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: البذاذةُ من الإيمان.
(البذاذة): رثاثة الهيئة وترك الترفه وإدامة التزين والتنعم في البدن والملبس إيثاراً للخمول بين الناس.
(حديث عائشة في الصحيحين) أنها أخرجت كساءاً وإزاراً غليظاً فقالت: قُبِضَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذين.
((حديث معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من ترك اللباس تواضعا لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها.
معنى قوله (حلل الإيمان) يعني ما يعطى أهل الإيمان من حلل الجنة.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن زيد بن وهب قال رأيت عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه خرج إلى السوق وبيده الدرة وعليه إزار فيه أربع عشرة رقعة بعضها آدم.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن عن أنس قال رأيت بين كتفي عمر رحمه الله أربع رقاع.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن أم عفيف قالت رأيت علي بن أبي طالب مؤتزرا ببرد أحمر من برود الحمالين فيه رقعة بيضاء.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن عمر بن قيس أن عليا رضى الله تعالى عنه رئي عليه إزار مرقوع فعوتب في لبوسه فقال يقتدي به المؤمن ويخشع له القلب.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن أبي سعيد رضيع عائشة قال دخلت عليها فرأيتها تخيط نقبة لها فقلت لها يا أم المؤمنين أليس قد أوسع الله عز وجل عليك قالت لا جديد لمن لا يلبس الخلق.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن سعد بن الحسن التميمي قال كان عبد الرحمن بن عوف لا يعرف من بين عبيده يعني من التواضع في الزي.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن سعيد بن سويد من حرس عمر بن عبد العزيز قال صلى بنا عمر بن عبد العزيز الجمعة ثم جلس وعليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه فقال له رجل يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل قد أعطاك فلو لبست وصنعت فنكس مليا حتى عرفنا أن ذلك قد ساءه ثم رفع رأسه إليه فقال إن أفضل القصد عند الجدة وأفضل العفو عند المقدرة.

(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن سفيان الثوري يقول أنفع ثيابك لك أهونها عليك.
(تواضع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

(حديث الأسود بن يزيد الثابت في صحيح البخاري) قال: سألت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صنع في البيت؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله، تعني خدمة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة.
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم، قال أصحابه وأنت؟ فقال نعم كنت أرعاها على قراريط َ لأهل مكة.
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لو دُعِيتُ إلى ذراعٍ أو كُرَاعٍ لأجبت و لو أُهْدِيَ إليَّ ذراعٍ أو كُرَاعٍ لقبلت.... (حديث أنس في صحيح البخاري) قال: كانت ناقةٌ لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تسمى العضباء وكانت لا تُسبق، فجاء أعرابي على قَعُودٍ له فسبقها فاشتد ذلك على المسلمين فقالوا: سُبقت العضباء! قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إن حقا على الله تعالى أن لا يرفع شيئا من أمر الدنيا إلا وضعه.
﴿تنبيه﴾: (وكلما زاد تواضع طالب العلم زاد مقدار الحكمة عنده وتعلم العلم ومتى تكبر قلَّت حكمته ومنع العلم (حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد ملك فإذا تواضع قيل للملك ارفع حكمته و إذا تكبر قيل للملك: دع حكمته.
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يخيط ثوبه و يخصف نعله و يعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم.
(حديث عائشة رضي الله عنهاالثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يفلي ثوبه و يحلب شاته و يخدم نفسه.
(حديث عمر في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تطروني لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله و رسوله.
(حديث سهل بن حنيف رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يأتي ضعفاء المسلمين و يزورهم و يعود مرضاهم و يشهد جنائزهم.
(حديث أبي الدرداء رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ابغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم.

(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يجلس على الأرض و يأكل على الأرض و يعتقل الشاة و يجيب دعوة المملوك على خبز الشعير.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يزور الأنصار ويسلّم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم".
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كانت الأمة من إماء أهل المدينة، لتأخذ بيد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتنطلق به حيث شاءت.
(حديث أبي مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) قال أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجل فكلمه فجعل ترعد فرائصه فقال له هون عليك فإني لست بملك إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد.
(القديد): هو اللحم المملح المجفف في الشمس (ما جاء في الخمول: إن للخمول فضلٌ عظيم وأجرٌ جسيم، فهو نعمةٌ عظيمة، وَمِنَّةٌ جسيمة، نعمة كبرى، ومنحة عظمى، شأنه عظيم، ونفعه عميم، له فضائل لا تحصى، وثمرات لا تعد، وله أهمية كبرى، وثمرات جليلة، وفضائل عظيمة، وأسرار بديعة، وهو طريق النجاة، وسلم الوصول، ومطلب العارفين، ومطية الصالحين، وهو من أشرف العبادات و أجلّ الطاعات، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك.
(حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى علىَّ أن لا أغفر لفلان إني قد غفرت له وأحبطت عملك) (ومعنى يتألى عليَّ: أي يقسم ويحلف.

(حديث ثوبان رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: حَوْضِي مِنْ عَدَنَ إِلَى عَمَّانَ الْبَلْقَاءِ مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ وَأَكَاوِيبُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا أَوَّلُ النَّاسِ وُرُودًا عَلَيْهِ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ «الشُّعْثُ رُءُوسًا الدُّنْسُ ثِيَابًا» الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ الْمُتَنَعِّمَاتِ وَلَا تُفْتَحُ لَهُمْ السُّدَدُ.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:

(إِلَى عُمَانَ الْبَلْقَاءِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَخِفَّةِ الْمِيمِ قَرْيَةٌ بِالْيَمَنِ لَا بِفَتْحِهَا وَشَدِّ الْمِيمِ فَإِنَّهَا قَرْيَةٌ بِالشَّامِ، وَقِيلَ بَلْ هِيَ الْمُرَادَةُ كَذَا فِي التَّيْسِيرِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ: عَمَّانُ هَذِهِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ لِلْأَكْثَرِ وَحُكِيَ تَخْفِيفُهَا وَتُنْسَبُ إِلَى الْبَلْقَاءِ لِقُرْبِهَا مِنْهَا وَالْبَلْقَاءُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ وَبِالْمَدِّ بَلَدٌ مَعْرُوفٌ مِنْ فِلَسْطِينَ (وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ) أَيِ الَّذِي مِنْهُ الجزء السابع (وَأَكْوَابُهُ) جَمْعُ كُوبٍ وَهُوَ الْكُوزُ الَّذِي لَا عُرْوَةَ لَهُ عَلَى مَا فِي الشُّرُوحِ، أَوْ لَا خُرْطُومَ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ (عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ عَدَدُ أَكْوَابِهِ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ (أَوَّلُ النَّاسِ وُرُودًا عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْحَوْضِ (فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ) الْمُرَادُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهُوَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَيِّدُهُمْ (الشُّعْثُ) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ أَشْعَثَ بِالْمُثَلَّثَةِ أَيِ الْمُتَفَرِّقُو الشَّعْرِ (رُءُوسًا) تَمْيِيزٌ (الدُّنْسُ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَقَدْ يُسَكَّنُ الدُّنْسُ وَهُوَ الْوَسَخُ (الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ أَيِ الَّذِينَ لَا يَتَزَوَّجُونَ (الْمُتَنَعِّمَاتِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ مِنَ التَّنَعُّمِ، وَقِيلَ هُوَ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْكَافِ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَوْ خَطَبُوا الْمُتَنَعِّمَاتِ مِنَ النِّسَاءِ لَمْ يُجَابُوا (وَلَا يُفْتَحُ لَهُمُ السُّدَدُ) بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْأُولَى الْمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ سُدَّةٍ وَهِيَ بَابُ الدَّارِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمَدْخَلَ يُسَدُّ بِهِ.
وَالْمَعْنَى: لَوْ دَقُّوا الْأَبْوَابَ وَاسْتَأْذَنُوا الدُّخُولَ لَمْ يُفْتَحْ لَهُمْ وَلَمْ يُؤْذَنْ.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن عبد الله بن المبارك قال:

ألا رب ذي طمرين في منزل غدا... زرابيه مبثوثة ونمارقه قد أطردت أنهاره حول قصره... وأشرق والتفت عليه حدائقه

(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن محمد بن المنكدر قال كنت في المسجد فإذا أنا برجل عند المنبر يدعو بالمطر فجاء المطر بصوت ورعد فقال يا رب ليس هكذا قال فمطرت فتبعته حتى تدخل دار حزم أو آل عمر فعرفت مكانه فجئت من الغد فعرضت عليه شيئا فأبى وقال لا حاجة لي بهذا فقلت فحج معي فقال هذا شيء لك فيه أجر فأكره أن أنفس عليك وأما شيء آخذه فلا.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن ابن مسعود قال كونوا ينابيع العلم مصابيح الهدى أحلاس البيوت سرج الليل «جدد القلوب خلقان الثياب» تعرفون في أهل السماء وتخفون في أهل الأرض.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كونوا أوعية الكتاب وينابيع العلم وسلوا الله رزق يوم بيوم وعدوا أنفسكم مع الموتى ولا يضركم ألا يكثر لكم.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن إبراهيم بن أدهم قال: ما فزت في الدنيا قط إلا مرة بت ليلة في بعض مساجد قرى الشام وكان في البطن فجر المؤذن رجلي حتى أخرجني من المسجد.
(ما جاء في الشهرة: إن الحرص على الشهرة داءٌ وبيل، بل وهو داءٌ عضال ومرض قتَّال أمره خطير وشره مستطير أشر من البرص وأضر من الجرب كالسرطان يأكل الخلايا، ومثل السوس الذي ينخر عظامهم من الداخل، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ فَلَا تَعُدُّوهُ.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:

قَوْلُهُ: (إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ حِرْصًا عَلَى الشَّيْءِ وَنَشَاطًا وَرَغْبَةً فِي الْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ (وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ التَّاءِ أَيْ وَهَنًا وَضَعْفًا وَسُكُونًا (فَإِنْ) شَرْطِيَّةٌ (صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ) أَيْ جَعَلَ صَاحِبُ الشِّرَّةِ عَمَلَهُ مُتَوَسِّطًا وَتَجَنَّبَ طَرَفَيْ إِفْرَاطِ الشِّرَّةِ وَتَفْرِيطِ الْفَتْرَةِ (فَأَرْجُوهُ) أَيْ أَرْجُو الْفَلَاحَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ الدَّوَامُ عَلَى الْوَسَطِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدُومُهَا (وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ) أَيِ اجْتَهَدَ وَبَالَغَ فِي الْعَمَلِ لِيَصِيرَ مَشْهُورًا بِالْعِبَادَةِ وَالزُّهْدِ وَسَارَ مَشْهُورًا مُشَارًا إِلَيْهِ (فَلَا تَعُدُّوهُ) أَيْ لَا تَعْتَدُّوا بِهِ وَلَا تَحْسَبُوهُ مِنَ الصَّالِحِينَ لِكَوْنِهِ مُرَائِيًا، وَلَمْ يَقُلْ فَلَا تَرْجُوهُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ قَدْ سَقَطَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ تَدَارُكُ مَا فَرَّطَ.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن أبي بكر بن الفضل قال سمعت أيوب يقول ما صدق الله عبد إلا سره أن لا يشعر بمكانه.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن به محمد بن العلاء وإذا فيه يا أخي من أحب الله أحب أن لا يعرفه الناس.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن سفيان قال: كثرة الإخوان من سخافة الدين.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن عثمان بن زائدة يقول كان يقال إذا رأيت الرجل كثير الأخلاء فاعلم أنه مخلط.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن فضالة بن صيفي قال كتب أبان بن عثمان إلى بعض إخوانه إن أحببت أن يسلم لك دينك فاقل من المعارف.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن عن يحيى بن سعيد عن خالد بن معدان أنه كان إذا كثرت حلقته قام مخافة الشهرة.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن أبي العالية أنه كان إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة قام.

(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن أبي بكر بن عياش قال سألت الأعمش كم رأيت أكثر ما رأيت عند إبراهيم قال أربعة خمسة.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن أبي رجاء قال رأى طلحة قوما يمشون معه أكثر من عشرة فقال ذبان طمع وفراش النار.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن سليم بن حنظلة قال بينا نحن حول أبي بن كعب نمشي خلفه إذ رآه عمر فعلاه بالدرة فقال انظر يا أمير المؤمنين ما تصنع فقال إن هذا ذلة للتابع وفتنة للمتبوع.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن الحسن قال خرج بن مسعود ذات يوم من منزله فاتبعه الناس فالتفت إليهم فقال علام تتبعوني والله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي ما اتبعني منكم رجلان.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن إبراهيم قال لا تلبس من الثياب ما يشتهرك الفقهاء ولا يزدريك السفهاء.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن سفيان الثوري قال كانوا يكرهون الشهرتين الثياب الجياد التي يشتهر فيها ويرفع الناس إليه فيها أبصارهم والثياب الرديئة التي يحتقر فيها ويستذل دينه.
(حديث ابن عمر في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من لبس ثوبَ شُهْرة ألبسه الله يوم القيامة ثوب مَذَلةٍ ثم يُلْهِبُ فيه النار.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن الحسن قال إن أقواما جعلوا الكبر في قلوبهم والتواضع في ثيابهم فصاحب الكساء بكسائه أعجب من صاحب المطرف بمطرفه ما لم تفاقروا.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن ابن عمر أنه رأى على ابنه ثوبا قبيحا دونا فقال لا تلبس هذا فإن هذا ثوب شهرة (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن الحسن بن عبيد قال قال رجل لبشر بن الحارث أوصني قال أخمل ذكرك وطيب مطعمك.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن عبد الصمد بن عبد الوارث قال كان حوشب يبكي ويقول بلغ اسمي مسجد الجامع.

(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن بشر بن الحارث رحمه الله أنه قال: لا أعلم رجلا أحب أن يعرف إلا ذهب دينه وافتضح قال وقال بشر بن الحارث لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس.
(ذم الكبر: الكبر والعياذ بالله داء ٌ عضال ومرض قتَّال أمره خطير وشره مستطير أشر من البرص وأضر من الجرب كالسرطان يأكل الخلايا، ومثل السوس الذي ينخر عظامهم من الداخل، والتكبر هو: التعالي على اللَّه سبحانه، وهذا كفر باللَّه، أو على رسوله أو الإمام، وهذا كفر بالرسول أو الإمام، أو على المؤمنين، وهذا هو التكبُّر المألوف بين المسلمين الذين لم يهذِّبوا أنفسهم، وهي معصية عظيمة.
وفرق التكبُّر عن الكِبر هو: أنّ الكِبْر مجرد تعاليه على غيره في نفسه.
أمّا التكبُّر فهو: إظهار الكِبْر وإبرازه بجوارحه.
وفرق الكبر عن العُجْب: أن الكِبْر يكون بالقياس إلى غيره، وهو اللَّه أو الرسول والإمام أو المؤمنون.
والعُجْب ما يكون في الإنسان من رؤيته إلى نفسه بالعظمة والزهو والتبختر بذلك ولو من دون قياس بغيره، وهذا - أيضاً - من المعاصي العظيمة.
وقد ذم الله تعالى الكبر في كتابه في أكثر من موضع، قال تعالى: قال تعالى: (وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً إِنّكَ لَن تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً) [الإسراء / 37] قال ابن كثير رحمه الله: يقول تعالى ناهيا عباده عن التجبر والتبختر في المشية (وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً) أي متبخترا متمايلا مشي الجبارين (إِنّكَ لَن تَخْرِقَ الأرْضَ): أي لن تقطع الأرض بمشيك (وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً) أي بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده كما ثبت في الصحيح (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بينما رجل يمشي في حُلةٍ تُعْجِبْه نَفْسُه مُرَّجِلٍ رأسَه إذ خسف الله به فهو يتجلجلُ في الأرض إلى يوم القيامة.
وكذلك أخبر الله تعالى عن قارون أنه خرج على قومه في زينته وأن الله تعالى خسف به وبداره الأرض وفي الحديث " من تواضع لله رفعه الله فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير ومن استكبر وضعه الله في نفسه كبير وعند الناس حقير حتى لهو أبغض إليهم من الكلب والخنزير.
قال القرطبي رحمه الله:

(وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً) هذا نهي عن الخيلاء وأمر بالتواضع.
والمرح: شدة الفرح.
وقيل: التكبر في المشي.
وقيل: تجاوز الإنسان قدره.
وقال قتادة: هو الخيلاء في المشي.
وقيل: هو البطر والأشر.
(إِنّكَ لَن تَخْرِقَ الأرْضَ): يعني لن تتولج باطنها فتعلم ما فيها ويقال: خرق الثوب أي شقه, وخرق الأرض قطعها.
والخرق: الواسع من الأرض.
أي لن تخرق الأرض بكبرك ومشيك عليها (وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً) أي لن تساوي الجبال بطولك ولا تطاولك.
" ولن تبلغ الجبال طولا " بعظمتك, أي بقدرتك لا تبلغ هذا المبلغ, بل أنت عبد ذليل, محاط بك من تحتك ومن فوقك, والمحاط محصور ضعيف, فلا يليق بك التكبر.
قال الطبري رحمه الله: (وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً): ولا تمش في الأرض مختالا مستكبرا (إِنّكَ لَن تَخْرِقَ الأرْضَ): إنك لن تقطع الأرض باختيالك (وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً) بفخرك وكبرك قال تعالى: (وَلاَ تُصَعّرْ خَدّكَ لِلنّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) [لقمان / 18] إن من نبذ خلق التواضع وتعالى وتكَبَّر، إنما هو في حقيقة الأمر معتدٍ على مقام الألوهية، طالباً لنفسه العظمة والكبرياء، متناسياً جاهلاً حق الله تعالى عليه، من عصاة بني البشر، متجرِّئٌ على مولاه وخالقه ورازقه، منازع إياه صفة من صفات كماله وجلاله وجماله، إذ الكبرياء والعظمة له وحده.
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تحاسدوا و لا تناجشوا و لا تباغضوا و لا تدابروا و لا يبع بعضكم على بيع بعض و كونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخْذُلُه و لا يَحْقره التقوى هاهنا - و أشار إلى صدره - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه و ماله و عرضه.

(حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمْ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ.
(حديث جندب بن عبد الله في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان! فقال الله تعالى من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان! إني قد غفرت له وأحبطتُ عملك.
(حديث حارثة بن وهب رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ جعظري مستكبر.
(حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن أهل النار كل جعظري جواظ مستكبر، جماع مناع، وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون.
(العتل): الغليظ الجافي.
(الجواظ): الذي جمع ومنع، (المستكبر): المتعاظم في نفسه، الذي يرد الحق، ويحتقر الناس كما في الحديث الآتي: (حديث ابن مسعود في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كبر فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبُه حسنا و نعله حسنة قال: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بَطَرُ الحقِ و غمطُ الناس.
بَطَرُ الحقِ: التكبر على الحق وعدم قبوله غمطُ الناس: احتقارهم وازدرائهم (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن الأحنف بن قيس أنه كان يجلس مع مصعب بن الزبير على سريره فجاء يوما ومصعب ماد رجليه فلم يقبضهما وقعد الأحنف فزحم بعض الزحم فرأى ذلك فيه فقال عجبا لابن آدم يتكبر وقد خرج من مجرى البول مرتين.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن الحسن قال من خصف نعليه ورقع ثوبه وعفر وجهه لله عز وجل فقد بريء من الكبر.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن يحيى بن جعدة قال من وضع وجهه لله عز وجل ساجدا فقد بريء من الكبر.
(ذم الاختيال:

إن الاختيال داء ٌ عضال ومرض قتَّال أمره خطير وشره مستطير أشر من البرص وأضر من الجرب كالسرطان يأكل الخلايا، ومثل السوس الذي ينخر عظامهم من الداخل، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا ينظرُ الله إلى من جرَّ إزاره بطراً.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقال أبو بكر: يا رسول اللّه إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده فقال له: إنك لست ممن يفعله خيلاء.
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بينما رجل يمشي في حُلةٍ تُعْجِبْه نَفْسُه مُرَّجِلٍ رأسَه إذ خسف الله به فهو يتجلجلُ في الأرض إلى يوم القيامة.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن الحسن قال تلقى أحدهم يتحرك في مشيته يسحب عظامه عظما عظما لا يمشي بطبيعته.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن أبي بكر الهذلي قال بينما نحن مع الحسن إذ مر عليه بن الأهتم يريد المقصورة وعليه جباب خز قد نضد بضعها فوق بعض على ساقه وانفرج عنها قباه وهو يمشي يتبختر إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال أف لك شامخ بأنفه ثاني عطفه مصعر خده ينظر في عطفيه أي حميق أنت تنظر في عطفيك في نعم غير مشكورة ولا مذكورة غير المأخوذ بأمر الله عز وجل فيها ولا المؤدي حق الله منها والله إن يمشي أحدهم طبيعته أن يتخلج تخلج المجنون، في كل عضو من أعضائه لله نعمة وللشيطان به لعنة فسمع بن الأهتم فرجع يعتذر فقال لا تعتذر إلي وتب إلى ربك عز وجل أما سمعت قوله تعالى: (وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً إِنّكَ لَن تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً) [الإسراء: 37] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن محمد بن واسع أنه رأى ابنا له يخطر بيده فدعاه فقال تدري من أنت أما أمك فاشتريتها بمئتي درهم وأما أبوك فلا أكثر الله عز وجل في المسلمين ضربه.

جارٍ التحميل