فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 160-199

كتاب الرقائق

صفحات 160-199
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

(قول عثمان ابن عفان عند حضور الموت:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عبد الله بن سلام أنه قال لمن حضر تشحط عثمان في الموت حين ضربه أبو رومان الأضحى: ماذا كان قول عثمان وهو يتشحط (1)؟ قالوا: سمعناه يقول: «اللهم اجمع أمة محمد، اللهم اجمع أمة محمد، اللهم اجمع أمة محمد» ثلاثا.
قال: والذي نفسي بيده لو دعا الله علي تلك الحال أن لا يجتمعوا أبدا ما اجتمعوا إلى يوم القيامة.
يتشحط: يتخبط ويتمرغ ويضطرب.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن هارون بن أبي يحيى السلمي، عن شيخ من ضبة، أن عثمان جعل يقول حين ضرب والدماء تسايل على لحيته: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني أستعديك عليهم، وأستعينك على جميع أموري، وأسألك الصبر على ما أبليتني.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن أبي قتادة قال: دخلت على عثمان وهو محصور - أنا ورجل من قومي - نستأذنه في الحج، فأذن لنا.
فلما خرجت استقبلني الحسن بن علي بالباب، فدخل وعليه سلاحه، فرجعت معه، فدخل، فوقف بين يدي عثمان وقال: يا أمير المؤمنين، ها أنذا بين يديك فمرني بأمرك، فقال له عثمان: «يا ابن أخي وصلتك رحم، إن القوم ما يريدون غيري، ووالله لا أتوقى بالمؤمنين، ولكن أوقي المؤمنين بنفسي.
فلما سمعت ذلك منه قلت له: يا أمير المؤمنين، إن كان من أمرك كون، فما تأمر؟ قال: انظروا ما أجمعت عليه أمة محمد، فإن الله لا يجمعهم على ضلالة، كونوا مع الجماعة حيث كانت» قال بشار: فحدث به حماد بن زيد، فرق، ودمعت عينه وقال: رحم الله أمير المؤمنين، حوصر نيفا وأربعين ليلة، لم تبد منه كلمة يكون لمبتدع فيها حجة.
(قول علي ابن أبي طالب عند حضور الموت:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن الأصبغ الحنظلي، قال: «لما كانت الليلة التي أصيب فيها علي رحمه الله أتاه ابن النباح حين طلع الفجر يؤذنه بالصلاة وهو مضطجع متثاقل، فعاد الثانية وهو كذاك، ثم عاد الثالثة، فقام علي يمشي وهو يقول: شد حيازيمك للموت فإن الموت آتيك ولا تجزع من الموت إذا حل بواديك فلما بلغ الباب الصغير شد عليه عبد الرحمن بن ملجم فضربه، فخرجت أم كلثوم بنت علي فجعلت تقول: ما لي ولصلاة الغداة؟ قتل زوجي أمير المؤمنين صلاة الغداة، وقتل أبي صلاة الغداة» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن هارون بن أبي نجيح، عن شيخ من قريش، أن عليا قال لما ضربه ابن ملجم: «فُزْتُ وربِ الكعبة» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن محمد بن علي، أن عليا، لما ضرب أوصى بنيه، ثم لم ينطق إلا بـ «لا إله إلا الله» حتى قبضه الله.
(قول معاوية بن أبي سفيان عند حضور الموت:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن سفيان بن عيينة قال: سمعت إسماعيل يحدث قال: سمعت هشاما، قال: أخرج معاوية ذراعيه كأنهما عسيبا (1) نخل ثم قال: «ما الدنيا إلا ما ذقنا وجربنا.
والله لوددت أني لم أغبر (2) فيكم ثلاثا حتى ألحق بالله.
قالوا: يا أمير المؤمنين، إلى رحمة الله وإلى رضوانه، قال: إلى ما شاء الله، قد علم الله أني لم آل (3). وما أنا إن يغير غير؟» (1) العسيب: جريدَة من النَّخْلِ.
وهي السَّعَفة ممَّا لا يَنْبُتُ عليه الخُوصُ (2) أغبر: أمكث (3) آلو: أُقَصِّر (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على معاوية في مرضه الذي مات فيه، وكأن ذراعيه سعفتان محترقتان، فقال: «إنكم تقلبون غدا فتى حولا قلبا، وأي فتى أهل بيت إن نجا غدا من النار؟» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عن أبي بردة قال: قال معاوية، وهو يقلب في مرضه، وقد صار كأنه سعفة (1) محترقة: «أي شيخ تقلبون إن نجاه الله من النار غدا؟» (1) السعف: هو ورق النخل وجريده

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عبد الملك بن عمير قال: دخل عمرو بن سعيد على معاوية في مرضه فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد انخرط أنفك، وذبلت شفتاك، وتغير لونك، وما رأيت أحدا من أهل بيتك في مثل حالك إلا ما ترى فقال معاوية: فإن الموت لم يخلق جديدا ولا هضبا توقله الوبار ولكن كالشهاب يضي ويخبو وحادي الموت عنه ما يحار فهل من خالد إما هلكنا وهل بالموت يا للناس عار.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن محمد بن سيرين يقول: أخذت معاوية قرة، واتخذ لحفا خفافا، فكانت تلقى عليه، فلا يلبث أن ينادي بها.
فإذا أخذت عنه سأل أن ترد عليه، فقال: «قبحك الله دارا، مكثت فيك عشرين سنة أميرا، وعشرين سنة خليفة، ثم صرت إلى ما أرى» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن الحسن بن جهور، عن شيخ من قريش قال: دخلت جماعة على معاوية فرأوا في جلده غضونا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد، فهل الدنيا أجمع إلا ما قد جربنا ورأينا؟ أما والله لقد استقبلنا زهرتها بجدتنا، وباستلذاذ منا لعيشنا، فما لبثنا الدنيا أن نقضت ذلك منا حالا بعد حال، وعروة بعد عروة، فأصبحت الدنيا وقد وترتنا، وأحلقتنا، واستلامت إلينا؛ فأف للدنيا من دار، ثم أف للدنيا من دار» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن ثمامة بن كلثوم: أن آخر، خطبة خطبها معاوية أن قال: «أيها الناس، إني من زرع قد استحصد، وإني قد وليتكم، ولن يليكم بعدي إلا من هو شر مني، كما كان قبلي خير مني.
ويا يزيد إذا وفى أجلي فول غسلي رجلا لبيبا، فإن اللبيب من الله بمكان، فلينعم الغسل، وليجهر بالتكبير، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ثياب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقراضة من شعره وأظفاره، فاستودع القراضة أنفي وفمي وأذني وعيني، واجعل الثوب يلي جلدي دون أكفاني.
ويا يزيد احفظ وصية الله في الوالدين، فإذا أدرجتموني في جريدتي، ووضعتموني في حفرتي، فخلوا معاوية وأرحم الراحمين»

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن ابن عباس قال: لما احتضر معاوية قال: «يا بني، إني كنت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الصفا، وإني دعوت بمشقص (1)، فأخذت من شعره، وهو في موضع كذا وكذا، فإذا أنا مت فخذوا ذلك الشعر فاحشوا به فمي ومنخري» فحدثني بعض أهل العلم، عن شيخ، من قريش: أن معاوية لما قال ذلك تمثلت ابنته: إذا مت مات الجود وانقطع الندى من الناس إلا من قليل مصرد وردت أكف السائلين وأمسكوا من الدين والدنيا بخلف مجدد كلا يا أمير المؤمنين، يدفع الله عنك، فقال معاوية متمثلا: وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع ثم أغمي عليه.
ثم أفاق فقال لمن حضره من أهله: اتقوا الله، فإن الله يقي من اتقاه، ولا تقى لمن لا يتقي الله.
ثم قضى.
(1) المشقص: نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن هشام بن محمد بن أبي السائب المخزومي قال: جعل معاوية يقول وهو يجود بنفسه: «إن تناقش يكن نقاشك يارب عذابا لا طوق لي بالعقاب أو تجاوز فأنت ربي رحيم عن مسيء ذنوبه كالتراب» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن الصلت بن حكيم، عن بعض رجاله، أن معاوية، لما احتضر جعل يقول: «لعمري لقد عمرت في الدهر برهة ودانت لي الدنيا بوقع البواتر وأعطيت جم المال والحلم والنهى وسلم قماقيم الملوك الجبابر فأضحى الذي قد كان مما يسرني كلمح مضى في المزمنات الغوابر فيا ليتني لم أغن في الملك ساعة ولم أغن في لذات عيش نواضر وكنت كذي طمرين (1) عاش ببلغة من الدهر حتى زار ضنك المقابر» (1) الطمر: الثوب الخلق الرث القديم (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن محمد بن عقبة قال: لما نزل بمعاوية الموت قال: «ليتني كنت رجلا من قريش بذي طوى، وأني لم أل من هذا الأمر شيئا» (قول عبد الملك بن مروان عند حضور الموت:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عبد العزيز بن عمران بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: لما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة، نظر إلى غسال بجانب دمشق يلوي ثوبا بيده ثم يضرب به المغسلة، فقال عبد الملك: والله ليتني كنت غسالا، أكلي كسب يدي يوما بيوم، وأني لم أل من أمر الناس شيئا قال عبد العزيز، عن أبيه: فأخبر بذلك أبو حازم، فقال: الحمد لله الذي جعلهم إذا حضرهم الموت يتمنون ما نحن فيه، وإذا حضرنا الموت لم نتمن ما هم فيه.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن ابن قبيصة بن ذؤيب، عن أبيه قال: كنا نسمع نداء عبد الملك بن مروان من وراء الحجاب: «يا أهل النعم، لا تغالوا منها شيئا مع العافية.
وكان قد أصابه داء في فمه» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن المفضل بن فضالة، عن أبيه، قال: استأذن قوم على عبد الملك بن مروان وهو شديد المرض، فقالوا: إنه لما به.
فقالوا: إنما ندخل فنسلم قياما ثم نخرج.
فدخلوا عليه وقد أسنده خصي إلى صدره، وقد اربد لونه، وجرى منخراه، وشخصت عيناه، فقال: «دخلتم علي في حال إقبال آخرتي وإدبار دنياي، وإني تذكرت أرجى عملي فوجدته غزوة غزوتها في سبيل الله وأنا خلو من هذه الأشياء؛ فإياكم وأبوابنا هذه الخبيثة أن تطيفوا بها» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن أبي مسهر: قيل لعبد الملك بن مروان في مرضه: كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟ قال: أجدني كما قال الله تعالى: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىَ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوّلَ مَرّةٍ وَتَرَكْتُمْ مّا خَوّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىَ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ لَقَد تّقَطّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلّ عَنكُم مّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ) [الأنعام: 94] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عن شعيب بن صفوان قال: «لما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة دعا بنيه فأوصاهم، ثم لم يزل بين مقالتين حتى فاضت نفسه: الحمد لله الذي لا يبالي صغيرا أخذ من ملكه أو كبيرا، والأخرى: فهل من خالد لما هلكنا وهل بالموت يا للناس عار؟»

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن ابن عامر الهذلي قال: دخل سليمان بن عبد الملك على الوليد بن عبد الملك وهو يجود بنفسه، فلما نظر إليه قال: «أجلسوني، فأجلس، فقال متمثلا: وتجلدي للشامتين أريهم أني لريب الدهر لا أتضعضع فقال سليمان: وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع» (قول سليمان بن عبد الملك عند حضور الموت:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن المثنى بن معاذ بن معاذ قال: سمعت أبي يقول: لما احتضر سليمان بن عبد الملك جعل يقول: «إن بني صبية صغار أفلح من كان له كبار قال: فيقول عمر بن عبد العزيز: أفلح المؤمنون يا أمير المؤمنين.
ويقول سليمان: إن بني صبية صيفيون أفلح من كان له شتويون قال: فيقول عمر: أفلح المؤمنون يا أمير المؤمنين» حدثنا عبد الله قال: وحدثني بعض أهل العلم: أن آخر ما تكلم به سليمان أن قال: أسألك منقلبا كريما.
ثم قضى.
(مقالة عمر بن عبد العزيز عند حضور الموت:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن المغيرة بن حكيم قال: قالت لي فاطمة بنت عبد الملك - امرأة عمر بن عبد العزيز -: كنت أسمع عمر في مرضه الذي مات فيه يقول: «اللهم أخف عليهم موتي ولو ساعة من نهار.
فلما كان اليوم الذي قبض فيه، خرجت من عنده، فجلست في بيت آخر، بيني وبينه باب، وهو في قبة له، فسمعته يقول: (تِلْكَ الدّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ) [القصص: 83] ثم هدأ.
فجعلت لا أسمع له حركة ولا كلاما.
فقلت لوصيف كان يخدمه: ويلك انظر أمير المؤمنين أنائم هو؟ فلما دخل عليه صاح فوثبت، فدخلت، فإذا هو ميت، قد استقبل القبلة، وأغمض نفسه، ووضع إحدى يديه على فيه، والأخرى على عينيه» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عمرو بن قيس قال: قالوا لعمر بن عبد العزيز لما حضره الموت: اعهد يا أمير المؤمنين.
قال: «أحذركم مثل مصرعي هذا، فإنه لا بد لكم منه.
وإذا وضعتموني في قبري، فانزعوا عني لبنة، ثم انظروا ما لحقني من دنياكم هذه»

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن أبي زيد الدمشقي قال: لما ثقل عمر بن عبد العزيز، دعي له طبيب، فلما نظر إليه قال: أرى الرجل قد سقي السم، ولا آمن عليه الموت.
فرفع عمر بصره إليه فقال: «ولا تأمن الموت أيضا على من لم يسق السم».
قال الطبيب: هل حسست بذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قد عرفت حين وقع في بطني.
قال: فتعالج يا أمير المؤمنين، فإني أخاف أن تذهب نفسك.
قال: «ربي خير مذهوب إليه.
والله لو علمت أن شفائي عند شحمة أذني ما رفعت يدي إلى أذني فتناولته.
اللهم خر لعمر في لقائه.
فلم يلبث إلا أياما حتى مات.
رحمه الله» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عن يحيى بن أبي كثير قال: لما حضر عمر بن عبد العزيز الموت بكى، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ أبشر، فإن الله قد أحيا بك سننا، وأظهر بك عدلا.
فبكى ثم قال: «أليس أوقف فأسأل عن أمر هذا الخلق؟ فو الله لو رأيت أني عدلت فيهم لخفت على نفسي أن لا تقوم بحجتها بين يدي الله إلا أن يلقنها حجتها، فكيف بكثير مما صنعنا؟ قال: ثم فاضت عيناه.
فلم يلبث إلا يسيرا بعدها حتى مات.
رحمه الله» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن ليث بن أبي رقية، عن عمر بن عبد العزيز قال: لما كان في مرضه الذي مات فيه قال: أجلسوني.
فأجلسوه، فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت.
ثلاث مرات.
ولكن لا إله إلا الله.
ثم رفع رأسه، فأحد النظر، فقال له: إنك لتنظر إلي نظرا شديدا يا أمير المؤمنين؟ قال: إني لأرى حضرة، ما هم إنس ولا جن.
ثم قبض.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن مسلمة بن عبد الملك قال: «لما احتضر عمر بن عبد العزيز كنا عنده في قبة، فأومأ إلينا أن اخرجوا.
فخرجنا، فقعدنا حول القبة، وبقي عنده وصيف، فسمعناه يقرأ هذه الآية: (تِلْكَ الدّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ) [القصص: 83].
ما أنتم بإنس ولا جان.
ثم خرج الوصيف، فأومأ إلينا أن ادخلوا، فدخلنا، فإذا هو قد قبض» (قول هشام ابن عبد الملك عند حضور الموت:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن شيخ من قريش قال: حبس هشام بن عبد الملك عياض بن مسلم ـ وكان كاتبا للوليد بن يزيد ـ وضربه وألبسه المسوح (1). فلم يزل محبوسا حتى مات هشام.
فلما ثقل هشام وصار في حد لا يرجى لمن كان في مثله الحياة، فرهقته غشية (2) وظنوا أنه قد مات، فأرسل عياض بن مسلم إلى الخزان: احتفظوا بما في أيديكم، فلا يصلن أحد إلى شيء.
وأفاق هشام من غشيته، فطلبوا من الخزان شيئا، فمنعوهم، فقال هشام: أرانا كنا خزانا للوليد ومات هشام من ساعته.
فخرج عياض من الحبس، فختم الأبواب والخزائن.
وأمر بهشام فأنزل عن فراشه، ومنعهم أن يكفنوه من الخزائن.
فكفنه غالب - مولى هشام - ولم يجدوا قمقما يسخن فيه الماء، حتى استعاروه فقال الناس: إن في هذا لعبرة لمن اعتبر (1) المسوح: جمع مِسْح، وهو كساء غليظ من الشعر.
(2) الغشي: فقدان الوعي، والإغماء (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن إسحاق أبي عمر الشيباني قال: لما احتضر هشام بن عبد الملك، أبصر أهله يبكون حوله، فقال: «جاد عليكم هشام بالدنيا، وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما جمع، وتركتم عليه ما حمل، ما أعظم متقلب هشام إن لم يغفر له» (قول هارون الرشيد عند حضور الموت:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن مسرور الخادم قال: «أمرني هارون أمير المؤمنين لما احتضر، أن آتيه بأكفانه.
فأتيته بها، فجعل ينتقيها على عينه، ثم أمرني فحفرت قبره، ثم أمر فحمل إليه، فجعل يتأمله ويقول: (مَآ أَغْنَىَ عَنّي مَالِيَهْ هّلَكَ عَنّي سُلْطَانِيَهْ) [الحاقة 28: 29] ويبكي، ثم تمثل ببيت شعر» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن حدثني أحمد بن محمد الأزدي قال: «جعل هارون أمير المؤمنين يقول وهو في الموت:» واسوءتاه من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « (قول المعتصم عند حضور الموت:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن سمعت علي بن الجعد قال: «لما احتضر المعتصم جعل يقول:» ذهبت الحيل، ليست حيلة «. حتى أصمت.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن شيخ من قريش: أنه جعل يقول: أؤخذ من بين هذا الخلق، حدثنا عبد الله قال: وحدثت أنه قال: لو علمت أن عمري هكذا قصير، ما فعلت ما فعلت.

(قول المنتصر عند حضور الموت:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عبد الله بن هارون بن معمر التغلبي قال: جعل المنتصر يقول وهو يكيد بنفسه، وقائل يقول: لا بأس عليك يا أمير المؤمنين، فقال: «ليس إلا هذا، لقد ذهبت الدنيا والآخرة» (قول عبد العزيز بن مروان عند حضور الموت:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن ابن أبي مليكة قال: رأيت عبد العزيز بن مروان حين حضره الموت وهو يقول: «ألا ليتني لم أك شيئا مذكورا، ألا ليتني كهذا الماء الجاري، أو كنابتة من الأرض، أو كراعي ثلة في طرف الحجاز من بني نصر بن معاوية، أو بني سعد بن بكر» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن داود بن المغيرة قال: لما حضرت عبد العزيز بن مروان الوفاة قال: «ائتوني بكفني الذي تكفنوني فيه.
فلما وضع بين يديه ولاهم ظهره، فسمعوه وهو يقول: أف لك، أف لك.
ما أقصر طويلك، وأقل كثيرك» (قول بشر بن مروان عند حضور الموت:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن أبي وائل قال: لما حُضِرَ (1) بشر بن مروان قال: والله لوددت أني كنت عبدا حبشيا لأسوأ أهل البادية ملكة، أرعى عليهم غنمهم، وأني لم أكن فيما كنت فيه.
فقال شقيق: الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا ولا نفر إليهم، إنهم ليرون فينا عبرا، وإنا لنرى فيهم غيرا.
(1) حُضِر: حضره الموت (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن مالك بن دينار قال: «مات بشر بن مروان فدفن، ثم مات أسود فدفن إلى جنبه، فمررت بقبرهما بعد ثالثة فلم أعرف أحدهما من قبر صاحبه، فذكرت قول الشاعر: والعطيات خساس بينهم وسواء قبر مثر ومقل» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عبد الله بن بسطام قال: «احتضر بعض الملوك، فجعل يقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه»

(

تعزية النفس عند الاحتضار بالصبر والاحتساب:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن إسماعيل بن عبيد الله قال: حدثتني أم الدرداء قالت: أغمي على أبي الدرداء، وبلال ابنه عنده، فقال: «اخرج عني.
ثم قال: من يعمل لمثل مضجعي هذا؟ من يعمل لمثل ساعتي هذه؟ (وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوّلَ مَرّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) [الأنعام: 110] ثم يغمى عليه، ثم يفيق فيقولها، حتى قبض» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عمرو بن قيس: أن معاذ بن جبل لما حضره الموت قال: انظروا أصبحنا؟ قال: فقيل: لم نصبح.
حتى أتي فقيل له: قد أصبحت.
قال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار.
مرحبا بالموت.
مرحبا، زائر مغب حبيب جاء على فاقة.
اللهم إنك تعلم أني كنت أخافك، فأنا اليوم أرجوك.
إني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار، ولا لغرس الشجر، ولكن لظمإ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن أسد بن وداعة قال: لما مرض حذيفة مرضه الذي مات فيه، قيل له: ما تشتهي؟ قال: «أشتهي الجنة.
قالوا: فما تشتكي؟ قال: الذنوب.
قالوا: أفلا ندعو لك الطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني.
لقد عشت فيكم على خلال ثلاث: للفقر فيكم أحب إلي من الغنى، وللضعة فيكم أحب إلي من الشرف، وإن من حمدني منكم ولامني في الحق سواء.
ثم قال: أصبحنا؟ أصبحنا؟ قالوا: نعم.
قال: اللهم إني أعوذ بك من صباح النار.
حبيب جاء على فاقة.
لا أفلح من ندم» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن رقبة بن مسقلة قال: لما احتضر الحسن بن علي قال: «أخرجوا فراشي إلى صحن الدار، قال: فرفع رأسه إلى السماء ثم قال: اللهم إني احتسبت نفسي عندك، فإنها أعز الأنفس علي»

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عن عمير بن إسحاق قال: دخلت أنا ورجل من قريش على الحسن بن علي، فقام، فدخل المخرج، ثم خرج فقال: «لقد لفظت طائفة من كبدي أقلبها بهذا العود، ولقد سقيت السم مرارا، وما سقيته مرة أشد من هذه.
قال: وجعل يقول لذلك الرجل: سلني قبل أن لا تسألني.
قال: ما أسألك شيئا.
يعافيك الله.
قال: فخرجنا من عنده، ثم عدنا إليه من غد وقد أخذ في السوق، فجاءه حسين حتى قعد عند رأسه فقال: أي أخي، من صاحبك؟ قال: تريد قتله؟ قال: نعم.
قال: لئن كان صاحبي الذي أظن لله أشد له نقمة، وإن لم يكن به ما أحب أن يقتل بريئا» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن أبي إسحاق قال: قال أبو سفيان بن الحارث لما حضره الموت لأهله: «لا تبكوا علي، فما تنطفت بخطيئة منذ أسلمت» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عيينة بن عبد الرحمن قال: حدثني أبي: أن أبا بكرة لما اشتكى عرض عليه بنوه أن يأتوه بطبيب، فأبى (1). فلما ثقل وعرف الموت من نفسه وعرفوه منه قال: «أين طبيبكم ليردها إن كان صادقا؟ قالوا: وما يغني الآن؟ قال: ولا قبل قال: فجاءت ابنته أمة الله، فلما رأت ما به بكت، فقال: أي بنية، لا تبكي.
قالت: يا أبتاه، فإن لم أبك عليك فعلى من أبكي؟ قال: لا تبكي، فو الذي نفسي بيده، ما في الأرض نفس أحب إلي أن تكون خرجت من نفسي هذه، ولا نفس هذا الذباب الطائر.
ثم أقبل على حمران ـ وهو عند رأسه ـ فقال: ألا أخبرك لماذا أخشيته؟ والله إن أمر فيحول بيني وبين الإسلام» (1) أبى: رفض وامتنع (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن يونس بن عبيد قال: لما حضرت الحسن الوفاة جعل يسترجع، فأكب عليه ابنه عبد الله فقال: يا أبه، إنك قد غممتنا، فهل رأيت شيئا؟ قال: «هي نفسي التي لم أصب بمثلها» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن سهل السراج، قال: لما حضر ابن سيرين الموت جعل يقول: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، فيقال له: قل: لا إله إلا الله، فيقول: (إنا لله وإنا إليه راجعون) (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن الحسن بن دينار: أن محمد بن سيرين كان يقول وهو في الموت: «في سبيل الله، نفسي أحب الأنفس علي»

139 - حدثنا عبد الله قال: وحدثنا عبد الرحمن بن صالح قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عبد الملك بن عمير قال: قيل للربيع بن خثيم: «ألا ندعو لك طبيبا؟ فقال: انظروا.
ثم تفكر فقال: (وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ الرّسّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً) [الفرقان: 38] فذكر من حرصهم على الدنيا ورغبتهم فيها، كانت فيهم مرضى، وكانت فيهم أطباء، فما أرى المداوي بقي، ولا المتداوي، هلك الناعت والمنعوت له» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن زكريا بن يحيى الكندي قال: دخلت على الشعبي وهو يشتكي، فقلت له: كيف تجدك؟ قال: «أجدني وجعا مجهودا.
اللهم إني أحتسب نفسي عندك فإنها أعز الأنفس علي» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن بشر الأمي الأفوه قال: قال أبو حازم لما حضره الموت: ما أتينا على شيء من الدنيا إلا على ذكر الله، وإن كان هذا الليل والنهار لا يأتيان على شيء إلا أخلقاه.
وفي الموت راحة للمؤمنين.
ثم قرأ: (وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لّلأبْرَارِ) [آل عمران:198] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عمر بن بكير النحوي، عن شيخ من قريش قال: دخل عمر بن عبد العزيز على ابنه في وجعه فقال: «يا بني كيف تجدك؟ قال: أجدني في الحق.
قال: يا بني، لأن تكون في ميزاني أحب إلي من أن أكون في ميزانك.
قال ابنه: وأنا يا أبه، لأن يكون ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عبد الله بن مسلم العبدي قال: قال مطرف لما حضره الموت: «اللهم خر لي في الذي قضيته علي من أمر الدنيا والآخرة.
قال: وأمرهم بأن يحملوه إلى قبره، فختم فيه القرآن قبل أن يموت» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن زهير بن أبي عطية قال: لما احتضر العلاء بن زياد العدوي بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: «كنت والله أحب أن أستقبل الموت بالتوبة.
قال: فافعل رحمك الله.
قال: فدعا بطهور، فتطهر، ثم دعا بثوب له جديد، فلبسه، ثم استقبل القبلة، فأومأ برأسه مرتين أو نحو ذلك، ثم اضطجع فمات» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن حدثنا ربيعة بن كلثوم بن جبر، عن أبيه قال: «لما اشتد وجع الحسن بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال:» نفيسة ضعيفة، وأمر هؤول عظيم، (إنا لله وإنا إليه راجعون)

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن محمد بن ثابت البناني قال: «ذهبت ألقن أبي عند الموت فقال: يا بني خل عني فإني في وردي السابع.
كأنه يقرأ ونفسه تخرج»

(

البكاء عند الموت مخافة سوء المرد:

(بكاء عمر بن الخطاب حين حضرته الوفاة:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن علي بن أبي طالب يقول: دخلت على عمر بن الخطاب حين وجأه أبو لؤلؤة وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: «أبكاني خبر السماء، أين يذهب بي، إلى الجنة أو إلى النار؟ فقلت: أبشر بالجنة، فإني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما لا أحصيه يقول:» سيدا أهل الجنة أبو بكر وعمر «. فقال: أشاهد أنت يا علي لي بالجنة؟ قلت: نعم، وأنت يا حسن فاشهد على أبيك رسول الله أن عمر من أهل الجنة.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن الشعبي قال: لما شرب عمر اللبن فخرج من طعنته قال: «الله أكبر.
وعنده رجال يثنون عليه، فنظر إليهم فقال: من غررتموه لمغرور؛ لوددت أني خرجت منها كما دخلت فيها؛ لو كان لي اليوم ما طلعت عليه الشمس وما غربت لافتديت به من هول المطلع» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عمرو بن ميمون قال: لما طعن عمر دخل عليه رجل شاب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله، قد كان لك من القدم في الإسلام والصحبة مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما قد علمت، ثم استخلفت فعدلت، ثم الشهادة.
قال: «يا ابن أخي، لوددت أني تركت كفافا، لا لي ولا علي» (بكاء ابن عمر حين حضرته الوفاة:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عن سعيد بن جبير قال: لما حضرت ابن عمر الوفاة قال: «ما آسى على شيء إلا على ظمأ الهواجر (1) ومكابدة الليل، وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت بنا.
يعني الحجاج» (1) الهواجر: مفردها الهاجِرة وهي اشتدادُ الحَرِّ نصفَ النهار (بكاء معاذ بن جبل حين حضرته الوفاة:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن الحسن: أن معاذ بن جبل لما احتضر دخل عليه وهو يبكي، فقيل: ما يبكيك، فقد صحبت محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: «ما أبكي جزعا من الموت إن حل بي، ولا على الدنيا أتركها بعدي، ولكن بكائي أن الله قبض قبضتين، فجعل واحدة في النار، وواحدة في الجنة، فلا أدري في أي القبضتين أكون؟» (بكاء حذيفة بن اليمان حين حضرته الوفاة:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن ليث بن أبي سليم قال: لما نزل بحذيفة بن اليمان الموت جزع جزعا شديدا، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: «ما أبكي أسفا على الدنيا، بل الموت أحب إلي، ولكني لا أدري على ما أقدم، على الرضا أم على سخط؟» (بكاء أبي الدرداء حين حضرته الوفاة:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عن جعفر بن زيد العبدي: أن أبا الدرداء لما نزل به الموت بكى، فقالت له أم الدرداء: وأنت تبكي يا صاحب رسول الله؟ قال: «نعم، وما لي لا أبكي ولا أدري على ما أهجم من ذنوبي؟» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن أبي عمران الجوني: أن أبا الدرداء لما نزل به الموت، دعا أم الدرداء، فضمها إليه وبكى وقال: يا أم الدرداء، قد ترين ما قد نزل من الموت، أنه والله قد نزل بي أمر لم ينزل بي قط أمر أشد منه، وإن كان لي عند الله خير فهو أهون ما بعده، وإن تكن الأخرى فو الله ما هو فيما بعده إلا كحلاب ناقة.
قال: ثم بكى، ثم قال: يا أم الدرداء، اعملي لمثل مصرعي هذا، يا أم الدرداء اعملي لمثل ساعتي هذه.
ثم دعا ابنه بلالا فقال: ويحك يا بلال اعمل لساعة الموت، اعمل لمثل مصرع أبيك، واذكر به صرعتك وساعتك فكأن قد.
ثم قبض.
(بكاء سلمان الفارسي حين حضرته الوفاة:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن الحسن قال: لما حُضِرَ (1) سلمان بكى؛ فقالوا: ما يبكيك وأنت صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: ما أبكي أسفا على الدنيا، ولا رغبة فيها، ولكن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عهد إلينا عهدا فتركناه، قال: «ليكن بلغة أحدكم مثل زاد الراكب».
قال: ما ترك بضعا وعشرين أو بضعا وثلاثين درهما.
(1) حُضِر: حضره الموت

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن الحسن قال: بكى سلمان عند الموت، فقيل: ما يبكيك؟ قال: «ما أبكي ضنا بدنياكم، ولا جزعا (1) من الموت، ولكن قلة الزاد (2)، وبعد المفاز» (1) الجزع: الخوف والفزع وعدم الصبر والحزن (2) الزاد: هو الطعام والشراب وما يُتَبَلَّغُ به، ويُطْلق على كل ما يُتَوصَّل به إلى غاية بعينها.
(بكاء معاوية ابن أبي سفيان حين حضرته الوفاة:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن محمد بن سيرين قال: مرض معاوية مرضا شديدا، فنزل عن السرير، وكشف ما بينه وبين الأرض، وجعل يلزق ذا الخد مرة بالأرض، وذا الخد مرة بالأرض، ويبكي ويقول: «اللهم إنك قلت في كتابك: (إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ) [النساء: 48].
اجعلني ممن تشاء أن تغفر له» (بكاء أبي هريرة حين حضرته الوفاة:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن سلم بن بشير بن جحل: أن أبا هريرة بكى في مرضه فقال: ما يبكيك؟ فقال: «ما أبكي على دنياكم هذه، ولكن أبكي علي بعد سفري، وقلة زادي، فإني أمسيت في صعود مهبطة على جنة ونار، ولا أدري أيتهما يؤخذ بي» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن ابن أبي كثير: أن أبا هريرة بكى في مرضه، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: «أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكن أبكي على بعد سفري، وقلة زادي، وأني أمسيت في صعود مهبط، على جنة أو نار، ولا أدري إلى أيهما يؤخذ بي» (بكاء عمرو بن العاص حين حضرته الوفاة:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبيه: أن عمرو بن العاص حين حضرته الوفاة ذرفت عيناه، فبكى، فقال له ابنه عبد الله: بالله ما كنت أخشى أن ينزل بك أمر الله إلا صبرت عليه.
فقال: «يا بني، إنه نزل بأبيك خصال ثلاثة: أما أولاهن: فانقطاع عمله.
وأما الثانية: فهول المطلع.
وأما الثالثة: ففراق الأحبة، وهي أيسرهن.
ثم قال: اللهم أمرت فتهاونت، ونهيت فعصيت، اللهم ومنك العفو والتجاوز» (بكاء الحسن ابن علي حين حضرته الوفاة:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: لما أن حضر الحسن بن علي الموت، بكى بكاء شديدا، فقال له الحسين: ما يبكيك يا أخي وإنما تقدم على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى علي وفاطمة وخديجة وهم ولدوك، وقد أجرى الله لك على لسان نبيه أنك «سيد شباب أهل الجنة»، وقاسمت الله مالك ثلاث مرات، ومشيت إلى بيت الله على قدميك خمس عشرة مرة حاجا؟ وإنما أراد أن يطيب نفسه.
قال: فو الله ما زاده إلا بكاء وانتحابا، وقال: «يا أخي، إني أقدم على أمر عظيم وهول لم أقدم على مثله قط (1)» قط: بمعنى أبدا، وفيما مضى من الزمان (بكاء عامر بن عبد الله حين حضرته الوفاة:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن سمعت يزيد الرقاشي يقول: بلغنا أن عامر بن عبد الله لما احتضر بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: «هذا الموت غاية الساعين، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
والله ما أبكي جزعا من الموت، ولكن أبكي على حر النهار وبرد الليل.
وإني أستعين بالله على مصرعي هذا بين يديه» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن قتادة: أن عامر بن عبد الله لما حُضِرَ (1) جعل يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: «ما أبكي جزعا من الموت، ولا حرصا على الدنيا، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر وقيام ليالي الشتاء» (1) حُضِرَ: حضره الموت (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن همام بن يحيى قال: بكى عامر بن عبد الله في مرضه الذي مات فيه بكاء شديدا، فقيل له: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: أية في كتاب الله: قال تعالى: (إِنّمَا يَتَقَبّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتّقِينَ) [المائدة: 27] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن حزم قال: قال محمد بن واسع وهو في الموت: «يا إخوتاه تدرون أين يذهب بي؟ يذهب بي ـ والله الذي لا إله إلا هو ـ إلى النار أو يعفو عني» (بكاء يزيد الرقاشي حين حضرته الوفاة:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن حوشب بن عقيل قال: سمعت يزيد الرقاشي يقول لما حضره الموت: قال تعالى: (كُلّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنّمَا تُوَفّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) [آل عمران: 185] ألا إن الأعمال محضرة، والأجور مكملة، ولكل ساع ما يسعى، وغاية الدنيا وأهلها إلى الموت.
ثم بكى وقال: يا من القبر مسكنه، وبين يدي الله موقفه، والنار غدا مورده، ماذا قدمت لنفسك؟ ماذا أعددت لمصرعك؟ ماذا أعددت لوقوفك بين يدي ربك؟ (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن درست القزاز قال: لما احتضر يزيد الرقاشي بكى، فقيل له: ما يبكيك رحمك الله؟ قال: «أبكي والله على ما يفوتني من قيام الليل، وصيام النهار.
ثم بكى وقال: من يصلي لك يا يزيد؟ ومن يصوم؟ ومن يتقرب لك إلى الله بالأعمال بعدك؟ ومن يتوب لك إليه من الذنوب السالفة؟ ويحكم يا إخوتاه، لا تغترن بشبابكم، فكأن قد حل بكم ما حل بي من عظيم الأمر وشدة كرب الموت.
النجاء النجاء، الحذر الحذر يا إخوتاه، المبادرة رحمكم الله» (بكاء عبد الرحمن بن الأسود حين حضرته الوفاة:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن الحكم قال: لما احتضر عبد الرحمن بن الأسود بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: «أسفا على الصوم والصلاة.
قال: ولم يزل يقرأ القرآن حتى مات.
قال: فرئي له أنه من أهل الجنة.
قال: وكان الحكم يقول: ولا يبعد من ذاك، لقد كان يعمل نفسه مجتهدا لهذا، حذرا من مصرعه الذي صار إليه» (بكاء إبراهيم النخعي حين حضرته الوفاة:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن سفيان الثوري، عن رجل قال: لما احتضر إبراهيم النخعي بكى؛ فقيل له: ما يبكيك؟ قال: «أنتظر رسل ربي: إما لجنة وإما لنار»

(

سكرات الموت:

إن للموت ألماً لا يعلمه إلا الذي يعالجه ويذوقه، فالميت ينقطع صوته، وتضعف قوته عن الصياح لشدة الألم والكرب على القلب، فإن الموت قد هد كل جزء من أجزاء البدن، وأضعف كل جوارحه، فلم يترك له قوة للاستغاثة أما العقل فقد غشيته وسوسة، وأما اللسان فقد أبكمه، وأما الأطراف فقد أضعفها، ويود لو قدر على الاستراحة بالأنين والصياح، ولكنه لا يقدر على ذلك، فإن بقيت له قوة سمع له عند نزع الروح وجذبها خوار وغرغرة من حلقه وصدره، وقد تغير لونه، وأزبد، ولكل عضو من أعضائه سكرة بعد سكرة، وكربة بعد كربة، حتى تبلغ روحه إلى الحلقوم، فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها، وتحيط به الحسرة والندامة إن كان من الخاسرين، أو الفرح والسرور إن كان من المتقين.
ولقد كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذي هو أفضل الأنبياء والمرسلين وخير البشر أجمعين يعاني من سكرات الموت وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح البخاري) قالت: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان بين يديه ركوة، أو: علبة فيها ماء - يشك عمر - فجعل يدخل يده في الماء، فيمسح بها وجهه، ويقول: (لا إله إلا الله، إن للموت سكرات).
ثم نصب يده فجعل يقول: (في الرفيق الأعلى).
حتى قبض ومالت يده.
السكرات: هي الشدائد والكربات.
(حديث عائشة الثابت في صحيح البخاري) قالت: مَا أَغْبِطُ أَحَدًا بِهَوْنِ مَوْتٍ بَعْدَ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ شِدَّةِ مَوْتِ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وتشديد الله تعالى على أنبيائه عند الموت رفعة في أحوالهم، وكمال لدرجاتهم، ولا يفهم من هذا أن الله تعالى شدد عليهم أكثر مما شدد على العصاة والمخلطين، فإن تشديده على هؤلاء عقوبة لهم ومؤاخذة على إجرامهم، فلا نسبة بينه وبين هذا.

(ولقد وصف لنا القرآن الكريم الشدة التي يعاني منها الكفرة عند الموت فقال عز من قائل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام: 93] قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره: قال الله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ أي: في سكراته وغمراته وكُرُباته.
﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بالضرب كما قال: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي [مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ]﴾ (3) الآية [المائدة: 28]، وقال: ﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ الآية [الممتحنة: 2].
وقال الضحاك، وأبو صالح: ﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بالعذاب.
وكما قال [تعالى] (4) ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: 50]؛ ولهذا قال: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بالضرب لهم حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم؛ ولهذا يقولون لهم: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ وذلك أن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنَّكال، والأغلال والسلاسل، والجحيم والحميم، وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرق روحه في جسده، وتعصى وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ [وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: اليوم تهانون غاية الإهانة، كما كنتم تكذبون على الله، وتستكبرون عن اتباع آياته، والانقياد لرسله.
﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾ أي: من النعم والأموال التي اقتنيتموها في الدار الدنيا

﴿وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ وثبت في الصحيح أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس".
وقال الحسن البصري: يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بَذَج فيقول الله، عَزَّ وجل، [له] (1) أين ما جمعت؟ فيقول يا رب، جمعته وتركته أوفر ما كان، فيقول: فأين ما قدمت لنفسك؟ فلا يراه قدم شيئا، وتلا هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا اتخذوا في [الدار] الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان، ظانين أن تلك تنفعهم (3) في معاشهم ومعادهم إن كان ثَمَّ (4) معاد، فإذا كان يوم القيامة تقطعت الأسباب، وانزاح الضلال، وضل عنهم ما كانوا يفترون، ويناديهم الرب، عَزَّ وجل، على رءوس الخلائق: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: 22] وقيل (5) لهم ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: 92، 93]؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ أي: في العبادة، لهم فيكم قسط في استحقاق العبادة لهم.
ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قُرئ بالرفع، أي شملكم، وقُرئ بالنصب، أي: لقد انقطع ما بينكم من الوُصُلات والأسباب والوسائل ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾ أي: وذهب عنكم

﴿مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ من رجاء الأصنام، كما قال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: 166، 167]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: 101]، وقال ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: 25]، وقال ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ الآية [القصص: 64]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: 22 - 24]، والآيات في هذا كثيرة جدا.

(

الثبات عند الموت:

مسألة: كيف يكون الثبات عند الموت؟ (قال الفقيه أبو الليث السمرقندي: ويكون التثبيت في ثلاثة أحوال، لمن كان مؤمنا مخلصا مطيعا لله تعالى: (أحدهما: في حال معاينة ملك الموت.
(ثانيها: في حال سؤال منكر ونكير.
(وثالثها: في حال سؤاله عند المحاسبة يوم القيامة.
وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (فأما التثبيت عند معاينة ملك الموت فهو على ثلاثة أوجه:

الأول: العصمة من الكفر، وتوفيق الاستقامة على التوحيد، حتى تخرج روحه وهو على الإسلام.
والثاني: أن تبشره الملائكة بالرحمة.
والثالث: أن يرى موضعه من الجنة.
(وأما التثبيت في القبر فهو على ثلاثة اوجه:

الأول: أن يلقنه الله تعالى الصواب، حتى يجيب الملكين بما يرضى عنه الرب.
والثاني: أن يزول عنه الخوف والهيبة والدهشة.
والثالث: أن يرى مكانه في الجنة، فيصير القبر روضة من رياض الجنة.
(وأما التثبيت عند الحساب فعلى ثلاثة أوجه:

الأول: أن يلقنه الحجة عما يسأل عنه.
والثاني: يسهل عليه الحساب.
والثالث: أن يتجاوز عنه الزلل والخطايا.
فالواجب على كل مسلم أن يستعيذ بالله تعالى من عذاب القبر، وأن يستعد له بالأعمال الصالحة قبل أن يدخل فيه، فإنه قد سهل عليه الأمر ما دام في الدنيا، فإذا دخل القبر فإنه يتمنى أن يؤذن له بحسنة واحدة أو يؤذن بأن يصلي ركعتين، أو يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ولو مرة واحدة، أو يؤذن له بتسبيحه واحدة، فلا يؤذن له، فيبقى في حسرة وندامة، ويتعجب من الأحياء كيف يضيعون أيامهم في الغفلة والبطالة؟! قد كان عمرك ميلا... فأصبح الميل شبرا وأصبح الشبر عقدا... فاحفر لنفسك قبرا

(

ما يسن عند الاحتضار:

(1) استحباب الذكر والدعاء لمن حضر الميت:

وذلك لأن الملائكة يؤمنون على ما يقولون (حديث أم سلمة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون قالت فلما مات أبو سلمة أتيت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت يا رسول الله إن أبا سلمة قد مات قال قولي اللهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبى حسنة قالت فقلت فأعقبني الله من هو خير لي منه محمدا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. و (حديث أم سلمة الثابت في صحيح مسلم) قالت دخل رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج ناس من أهله فقال لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ثم قال اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبة في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وأفسح له في قبره ونور له فيه.
(2) تلقين الميت لا إله إلا الله:

(لحديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله فإنه من كان آخر كلامه لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يوما من الدهر و إن أصابه قبل ذلك ما أصابه.
﴿تنبيهات﴾: ([الأول] يستحب تلقين الميت لا إله إلا الله ثلاث مرات لأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا تكلم بكلمةٍ أعادها ثلاثاً حتى تُفهم عنه

(لحديث أنس الثابت في الصحيحين) قال: كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا تكلم بكلمةٍ أعادها ثلاثاً حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قومٍ فسلَم عليهم سلَم عليهم ثلاثا.
[الثاني] كما يُكره تلقين الميت لا إله إلا الله أكثر من ثلاث مرات لئلا يضجر لشدة كربه وضيق حاله إلا أن يتكلم بشيءٍ بعد التلقين فيُسن حينئذٍ أن يعاد تلقينه بلا إله إلا الله حتى يكون آخر كلامه لا إله إلا الله.
(حديث معاوية الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة.
[الثالث] كما يجوز تلقين الكافر لا إله إلا الله وهاك الدليل على ذلك: (حديث سعيد ابن المسيَّب عن أبيه الثابت في الصحيحين) قال لما حضرت أبا طالبٍ الوفاة جاءه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أمية بن المغيرة فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يا عم قل لا إله إلا الله كلمةً أشهد لك بها عند الله، فقال ابوجهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أتر غبُ عن ملةِ عبد المطلب؟، فلم يزل رسول الله يعرضها عليه ويعيدُ له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملةِ عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أُنه عنك فأنزل الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوَاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوَاْ أُوْلِي قُرْبَىَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) [سورة: التوبة - الآية: 113] (3) يُسن تذكير الميت بأخبار الرجاء:

وذلك لسببين واضحين هما: الأول: أن تذكير الميت بأخبار الرجاء يحببه في لقاء الله تعالى ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه.
(حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه و من كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت، قال: (ليس ذاك، ولكنَّ المؤمن إذا حضره الموت بُشِّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بُشِّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله وكره الله لقاءه.
والثاني: أن تذكير الميت بأخبار الرجاء يجعله حسن الظن بالله تعالى.

(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله.
(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله.
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملٍ خيرٌ منهم، وإن تقَّرب إليَّ شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إليَّ ذراعا تقربت إليه باعا و إن أتاني مشيا أتيته هَرْوَلَةً.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه القبور عن ثابت البناني قال: «كان شاب له رهق، وكانت أمه تعظه، تقول: يابني، إن لك يوما، فاذكر يومك، إن لك يوما فاذكر يومك.
فلما نزل أمر الله، انكبت عليه أمه فجعلت تقول: يابني، قد كنت أحذرك مصرعك هذا وأقول لك: إن لك يوما فاذكر يومك.
قال: يا أمه، إن لي ربا كثير المعروف، وإني لأرجو أن لا يعدمني اليوم بعض معروف ربي أن يغفر لي.
قال: يقول ثابت: فرحمه الله لحسن ظنه بربه في حاله تلك» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه القبور عن أبي غالب قال: «كنت أختلف إلى الشام في تجارة، وعظم ما كنت أختلف من أجل أبي أمامة.
فإذا فيها رجل من قيس، من خيار الناس.
فكنت أنزل عليه، ومعنا ابن أخ له مخالف، يأمره وينهاه ويضربه، فلا يطيعه.
فمرض الفتى، فبعث إلى عمه، فأبى أن يأتيه.
فأتيته أنا به، حتى أدخلته عليه، فأقبل عليه يشتمه ويقول: أي عدو الله، الخبيث، ألم تفعل كذا؟ ألم تفعل كذا؟ قال: أفرغت أي عم؟ قال: نعم.
قال: أرأيت لو أن الله دفعني إلى والدتي، ما كانت صانعة بي؟ قال: إذا والله كانت تدخلك الجنة قال: فو الله لله أرحم بي من والدتي.
فقبض الفتى، فخرج عليه عبد الملك بن مروان، فدخلت القبر مع عمه، فخطوا له خطا.
ولم يلحدوا له، قال: فقلنا باللبن، فسويناه.
قال: فسقطت منها لبنة، فوثب عمه فتأخر، فقلت: ما شأنك؟ قال: ملئ قبره نورا، وفسح فيه مثل مد البصر»

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه القبور عن حميد قال: «كان لي ابن أخت مرهق، فمرض، فأرسلت إلي أمه، فأتيتها، فإذا هي عند رأسه تبكي، فقال: يا خالي، ما يبكيها؟ قلت: ما تعلم منك، قال: أليس إنما ترحمني؟ قلت: بلى، قال: فإن الله أرحم بي منها.
فلما مات أنزلته القبر مع غيري، فذهبت أسوي لبنه، فاطلعت في اللحد، فإذا هو مد بصري، فقلت لصاحبي: رأيت ما رأيت؟ قال: نعم، فليهنئك ذاك، فظننت أنه بالكلمة التي قالها» (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه القبور عن إدريس بن عبد الله المروزي قال: «مرض أعرابي، فقيل له: إنك تموت.
قال: إلى أين يذهب بي؟ قال: إلى الله.
قال: فما كراهتي أن أذهب إلى من لا أرى الخير إلا منه.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه القبور عن المعتمر بن سليمان قال: قال أبي حين حضرته الوفاة: «يا معتمر، حدثني بالرخص، لعلي ألقى الله وأنا حسن الظن به» (4) يُسن تغميض عينه والدعاء له:

(لحديث أم سلمة الثابت في صحيح مسلم) قالت دخل رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج ناس من أهله فقال لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ثم قال اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبة في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وأفسح له في قبره ونور له فيه.
(5) يُسن تغطيته بثوبٍ يستر جميع بدنه:

(لحديث عائشة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين تُوفيً سُجَى ببُردٍ حَبِرة.
(6) أن يُعَجِّلوا بتجهيزه وإخراجه:

(لحديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين)) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه و إن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم.
(7) المبادرة بقضاء دينه فإن نفسُ المؤمن معلقةٌ بدينه حتى يُقضى عنه:

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: نفسُ المؤمن معلقةٌ بدينه حتى يُقضى عنه.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه و من أخذها يريد إتلافها أتلفه الله.

﴿تنبيه﴾: (من مات من المسلمين وعليه دين استحق أن يُقضى عنه دينه من بيت مال المسلمين ويؤخذ من سهم الغارمين الذي هو أحد مصارف الزكاة الثمانية: (لحديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيقول هل ترك لدينه فضلا؟ فإن حدث أنه ترك لدينه وفاءاً صلى وإلا قال للمسلمين صلوا على صاحبكم فلما فتح الله عليه الفتوح قال أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي من المسلمين وعليه دين فعلي قضاؤه ومن ترك مالا فهو لورثته.
(8) إسراع تنفيذ وصيته:

لأن الوصية إن كانت واجبة فلإسراع إبراء الذمة وإن كانت في تطوع فلإسراع الأجر له.
﴿تنبيهات﴾: حديث (اقرءوا على موتاكم يس) ضعيف وعلى هذا فلا يسن قراءة يس على المحتضر.
قال بعض أهل العلم بأنه يسن توجيه الميت نحو القبلة لأنها أفضل المجالس واستدلوا بحديث (قبلتكم أحياءاً وأمواتا) وحديث (خير مجالسكم ما استقبلتم به القبلة) والحديثان ضعيفان لا يحتج بهما، والذي يظهر أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يكن يتقصد التوجه نحو الكعبة وكذا الصحابة لم يكونوا يتقصدون التوجه نحو الكعبة على الرغم من أنهم أحرص الناس على الخير وأعلم الناس بما يجيزه الشرع.

باب وجوب الصبر والاسترجاع لأهل الميت:

قال تعالى: (وَبَشّرِ الصّابِرِينَ الّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنّا للّهِ وَإِنّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولََئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولََئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة:157:155] (حديث أم سلمة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول! < إنا لله وإنا إليه راجعون >! اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها قالت فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخلف الله لي خيرا منه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (حديث أبي موسى الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك و استرجع فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة و سموه بيت الحمد.

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضتُ صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة.
(حديث أنس الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه - يريد بعينيه - ثم صبر عوضته منهما الجنة.
(حديث عطاء ابن أبي رباح الثابت في الصحيحين) قال: قال لي ابن عباس رضيَ الله عنهما ألا أُريك امرأةً من أهل الجنة؟ قلتُ بلى، قال هذه المرأةُ السوداء، أتت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت إني أُصرع وإني أتكشف فادعُ الله لي.
قال إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنة وإن شئتِ دعوتُ الله أن يُعافيكِ فقالت أصبر، فقالت إني أتكشف فادعُ الله لي ألا أتكشف فدعا لها.
﴿تنبيه﴾: (الصبر المحمود هو ما كان عند الصدمة الأولى أي عند مفاجأة المصيبة: (حديث أنس الثابت في الصحيحين) مر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بامرأة تبكي عند قبر فقال: اتقي الله واصبري فقالت إليك عني فإنك لم تُصب بمصيبتي ولم تعرفه، فقيل لها إنه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأتت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلم تجد عنده بوابين فقالت لم أعرفك فقال إنما الصبر عند الصدمة الأولى.
(حديث أبي ثعلبة الخُشَنِّي رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم.
قالوا: يا نبي الله! أو منهم؟ قال: بل منكم.
(أيام الصبر هي أيام الابتلاء في الدين والشهوات المستعرة والشبهات المستحكمة ومع ذلك المرء صابر لدينه.
فسماها أيام الصبر لأنه لا يستعمل فيها إلا الصبر ولا حلّ إلا الصبر والصبر هو القائد وهو الملاذ والحصن الحصين، الذي من دخله عُصِم.. (حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن من ورائكم زمان صبر للمتمسك فيه أجر خمسين شهيدا منكم.
﴿تنبيه﴾: (أيام الصبر هذه هي أيام غربة الدين كما في الأحاديث الآتية (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء.

(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غيبا كما بدأ، فطوبى للغرباء.
قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس.
(حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " طوبى للغرباء, قيل: و من الغرباء يا رسول الله ? قال: ناسٌ صالحون قليلٌ في ناسٍ سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم ". ﴿تنبيه﴾: (غربة الدين ستزول وسينتشر الإسلام انتشار النار في الهشيم قطعاً حتى يترك الله بيت مَدَر ولا وَبَر إِلا أدخله الله هذا الدين بعزِّ عزيز أو بذلِّ ذليل: (حديث تميم ابن أوس الداريِّ رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ليبلغنَّ هذا الأمرُ ما بلغ الليلُ والنهارُ، ولا يترك الله بيت مَدَر ولا وَبَر إِلا أدخله الله هذا الدين بعزِّ عزيز أو بذلِّ ذليل، عزّاً يعز الله به الإِسلامَ وأهلَه وذلا يذل الله به الكفر» (مَدَر) تراب ملبد أو قطع طين يابسة أو نحو ذلك (وَبَر) صوف.
قال الألباني رحمه الله تعالى: ومما لا شك فيه أن تحقيق هذا الانتشار يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء في معنوياتهم و مادياتهم و سلاحهم حتى يستطيعوا أن يتغلبوا على قوى الكفر و الطغيان.
وفي هذا الحديث بيان أن الظهور المذكور في الآية لم يتحقق بتمامه، وإنما يتحقق في المستقبل، ومما لا شك فيه أن دائرة الظهور اتسعت بعد وفاته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، ولا يكون التمام إلا بسيطرة الإسلام على جميع الكرة الأرضية، وسيتحقق هذا قطعاً لإخبار الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك.

باب ما ورد في البكاء على الميت:

مسألة: هل يجوز البكاء على الميت؟ الجواب: دلت السنة الصحيحة أنه يجوز البكاء على الميت وأن هذا لا ينافي الصبر بشرط أن يخلو من الجزع ولطم الخدود وشق الجيوب ونحوها:

(حديث أنس الثابت في الصحيحين) قال دخلنا مع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أبي سيف القين وكان ظئرا لإبراهيم عليه السلام فأخذ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إبراهيم فقبله وشمه ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه وأنت يا رسول الله فقال يا بن عوف إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى فقال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يُرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون.
﴿تنبيه﴾: ظئرا: أي زوج المرضعة وهو معنى مستعار.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا أو يرحم وأشار إلى لسانه.
(حديث ابن مسعود الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية.
(حديث أبو بردة بن أبي موسى الثابت في الصحيحين) قال وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فلم يستطع أن يرد عليها شيئا فلما أفاق قال أنا بريء ممن برئ منه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - برئ من الصالقة والحالقة والشاقة.
(حديث المغيرة ابن شعبة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن كذبا علي ليس ككذب على أحد من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار من نيح عليه يعذب بما نيح عليه.
(حديث عمر الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الميت ليعذب ببكاء الحي.
مسألة: هل يستحب إعلام قرابة الميت وأصحابه بموته؟ الجواب: دلت السنة الصحيحة على استحباب إعلام قرابة الميت وأصحابه بموته كما في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف أصحابه وكبر عليه أربعاً.

باب غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه:

(عناصر الباب:

(

غسل الميت:

(

تكفين الميت:

(الصلاة على الميت: (حمل الجنازة والسير بها: (الموعظة بالجنازة والاعتبار بها: (دفن الميت: (الأشياء التي تنفع الميت بعد موته: (ما ورد في التعزية وحكمها: (الحداد على الميت: (ما ورد في النهي عن سب الأموات:

وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (غسل الميت:

مسألة: ما حكم غسل الميت؟ غسل الميت فرض الكفاية.
(لحديث ابن عباس الثابت في الصحيحين) أن رجلاً كان مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوقصته ناقته وهو محرم فمات فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيبٍ ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[اغسلوه بماء وسدر] والأصل في الأمر الوجوب، ومن المعلوم أنه لا يريد من كل إنسان أن يغسل الميت وإنما يوجه الخطاب إلى عموم المسلمين فإن قام به البعض سقط عن الكل.
مسألة: من أولى الناس بغسل الميت؟ أولى الناس بغسل الميت من كان أعرف بسنة الغسل لا سيما إن كان وصيُّه أي الذي أوصى بأن يغسله فنكون قد جمعنا بين المصلحتين، فكونه أعرف بسنة الغسل يتم التغسيل على السنة وكونه وصيُّه يتم إنفاذ الوصية.
ويجوز للرجل أن يغسل زوجته ويجوز للمرأة أن تغسل زوجها.
(لحديث عائشة الثابت في صحيح ابن ماجة) قالت: لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غير نسائه.
(ولحديث عائشة الثابت في صحيح ابن ماجة) قالت: رجع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول وارأساه فقال بل أنا يا عائشة وارأساه ثم قال ما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك.
مسألة: إذا مات صبي عمره أقل من سبع سنوات هل تغسله امرأة؟ يجوز للمرأة أن تغسل صبي عمره أقل من سبع سنوات لأن عورة ما دون السبع لا حكم لها ولأن إبراهيم ابن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غسله النساء وكان د مات في الرضاعة قبل أن يفطم.
مسألة: هل يجوز للمسلم غسل الكافر ودفنه؟ لا يجوز للمسلم غسل الكافر ودفنه لقوله تعالى: (وَلاَ تُصَلّ عَلَىَ أَحَدٍ مّنْهُم مّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ) [سورة: التوبة - الآية: 84] الشاهد قوله تعالى: (وَلاَ تُصَلّ عَلَىَ أَحَدٍ مّنْهُم مّاتَ أَبَداً) فإذا نهيَ عن الصلاة على الكافر وهي أعظم ما يفعل بالميت وأنفع ما يكون للميت فما دونها من باب أولى.
مسألة: ما هي صفة غسل الميت؟ لغسل الميت صفتان: (أ) صفة الوجوب: وهي أن يعمم بدنه بالماء مرة واحدة ولو كان جنباً أو كانت حائضاً.
(ب) صفة كمال: وهي كالآتي:

[1] يوضع في مكانٍ مرتفع ويجرد من ثيابه ويوضع عليه ساتر يستر عورته ولا يحضر غسله إلا من تدعو الحاجة إلى حضوره وينبغي أن يكون الغاسل أمين لينشر ما يراه من الخير ويستر ما يظهر من الشر.
[2] يعصر بطن الميت عصراً رقيقاً لإخراج ما عسى أن يكون بها ثم يلف على يده خِرقة وينجي الميت حتى لا يمس عورته لأن ذلك حرام.
[3] يوضئه وضوئه للصلاة (حديث أم عطية الثابت في الصحيحين) قالت قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غسل ابنته ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها.
[4] يغسله بماءٍ وسدر فإن عُدِم السدر فأي منظف كالصابون على أن يبدأ باليمين لحديث أم عطية السابق.
[5] يكون غسله للميت ثلاث مرات أو خمس أو أكثر من ذلك حتى يحصل الإنقاء.
(حديث أم عطية الثابت في الصحيحين) قالت: دخل علينا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين توفيت ابنته فقال لنا اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن فإذا فرغتن فآذنني فلما فرغنا آذناه فنزع من حِقوه إزاره وقال أشعرنها إياه تعني إزاره.
﴿تنبيه﴾: (إذا لم يحصل الإنقاء بالثلاث يزيد الغاسل على الثلاث وِترا.
(حديث أم عطية الثابت في الصحيحين) قالت توفيت إحدى بنات النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأتانا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال اغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور فإذا فرغتن فآذنني فلما فرغنا آذناه فألقى إلينا حِقوه فضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناها خلفها.
﴿تنبيه﴾: (وإذا كان الميت امرأة تضفر شعرها ثلاثة قرون وألقيناها خلفها.
(حديث أم عطية الثابت في الصحيحين) قالت توفيت إحدى بنات النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأتانا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال اغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور فإذا فرغتن فآذنني فلما فرغنا آذناه فألقى إلينا حِقوه فضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناها خلفها.
[6] يجعل في آخر غسله كافورا أو أي شيء طيب الرائحة وإنما يفضل الكافور على غيره لأنه مع كونه طيب الرائحة إلا أن فيه صفة تبريد وقوة نفوذ وخاصة في تصلب بدن الميت وطرد الهوام عنه ومنع إسراع الفساد إليه.

(حديث أم عطية الثابت في الصحيحين) قالت توفيت إحدى بنات النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأتانا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال اغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور فإذا فرغتن فآذنني فلما فرغنا آذناه فألقى إلينا حِقوه فضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناها خلفها.
مسألة: ماذا يراعى في تغسيل المحرم؟ الذي يراعى في تغسيل المحرم أن لا يمس طيباَ ولا يخَمَّر رأسه ولا يلبس المخيط بل يعامل معاملة المحرم الحي.
(حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين) أن رجلاً كان مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوقصته ناقته وهو محرم فمات فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -... اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا.
مسألة: هل يغسل الشهيد؟ القول الذي دلت عليه السنة الصحيحة وتجتمع فيه الأدلة أن المسألة على التفصيل الآتي: [1] شهيد المعركة: الذي قتل بيد الكفار لا يغسل: (حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) قال كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول أيهم أكثر أخذا للقرآن فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم.
[2] أما القتلى الذين لم في المعركة بأيدي الكفار فقد أطل الشارع عليهم لفظ الشهداء وهؤلاء يغسلون.
فقد غسَّل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من مات منهم في حياته، والمسلمون غسلوا من بعده عمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم وهم جميعاً شهداء.
(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما ابن عتيك الثابت في صحيحي أبي داوود والنسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغرق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة.
﴿تنبيه﴾: (المطعون من مات بالطاعون والعياذ بالله تعالى، و ذات الجنب قروح تصيب الإنسان داخل جنبه، والمبطون من مات بمرض البطن، والمرأة تموت بجمع أي التي تموت عند الولادة.
﴿تنبيه﴾: (ومن هنا يتضح أن الشهداء ليسوا في منزلةٍ واحدة وأن شهيد المعركة الذي قتل بيد الكفار يفضل على غيره وهل وجدت أفضل من أن جاد بنفسه في سبيل الله تعالى.

(حكم الغسل من تغسيل الميت:

مسألة: ما حكم الغسل من تغسيل الميت؟ الغسل من تغسيل الميت من الأغسال المستحبة (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من غسّل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ.

(

تكفين الميت:

مسألة: ما حكم تكفين الميت؟ تكفين الميت فرض كفاية.
(حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين) أن رجلا كان مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوقصته ناقته وهو محرم فمات فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا.
وجه الدلالة: اغسلوه بماءٍ وسدر: الأصلُ في الأمر الوجوب، ومن المعلوم أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يريد من كل إنسان أن يغسل الميت وإنما يوجه الخطاب إلى عموم المسلمين فإن قام به البعض سقط عن الكل.
(حديث خباب ابن الأرت الثابت في صحيح البخاري) قال هاجرنا مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نلتمس وجه الله فوقع أجرنا على الله فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا منهم مصعب بن عمير ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها قتل يوم أحد فلم نجد ما نكفنه إلا بردة إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا رجليه خرج رأسه فأمرنا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الإذخر.
مسألة: ماذا يستحب في الكفن؟ يستحب في الكفن الأمور الآتية: [1] تحسين الكفن: (حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه.
[2] أن يكون الكفن أبيض: (حديث ابن عباس الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي... - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم و كفنوا فيها موتاكم و إن من خير أكحالكم الإثمد يجلوا البصر و ينبت الشعر.
[3] أن يكون ثلاث لفائف (حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة.
مسألة: هل يستحب في كفن المرأة أن يكون خمسة أثواب أم ثلاث مثل الرجل؟

قال بعض أهل العلم: أن المرأة تكفن في خمسة أثواب إزار وقميص وخمار ولفافتين واستدلوا بحديث أم عطية أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ناولها إزاراً ودرعاً (أي قميصاً) وخماراً (غطاء الرأس) وثوبين (تلف فيهما) ولكن هذا الحديث في إسناده نظر لأن فيه راوٍ مجهول.
(ولهذا قال بعض أهل العلم أن المرأة تكفن بما يكفن به الرجل أي في ثلاث أثواب يلف بعضها فوق بعض، وهذا القول هو الصحيح [لأن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام الشرعية إلا ما دلَ الدليل على اختصاص أحدهما بالآخر].

(

الواجب في الكفن:

مسألة: ما هو الواجب في الكفن؟ الواجب في الكفن ثوبٌ يستر جميع البدن، فإن لم يوجد إلا ثوبٌ قصير لا يكفي لجميع البدن غُطِيَ رأسُه وجُعِلَ على رجليه من الإذخر.
(لحديث خباب ابن الأرت الثابت في الصحيحين) قال: هاجرنا مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نلتمس وجه الله فوقع أجرنا على الله فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا منهم مصعب بن عمير ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها قتل يوم أحد فلم نجد ما نكفنه إلا بردة إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا رجليه خرج رأسه فأمرنا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الإذخر.
مسألة: ما هو كفن المحرم؟ كفن المحرم ثوبي إحرامه لأنه يبعث يوم القيامة ملبياً.
(لحديث ابن عباس الثابت في الصحيحين) أن رجلا كان مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوقصته ناقته وهو محرم فمات فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيبٍ ولا تخمروا رأسه فإن يبعث يوم القيامة ملبيا.

(

كيفية تكفين الميت:

مسألة: ما هي كيفية تكفين الميت؟ (1) تُرش اللفائف الثلاث بماءٍ ثم تبخر من أجل أن يعلق الدخان بها، ثم تبسط بعضها فوق بعض ثم يوضع عليها الحنوط (الطيب) (2) يوضع الميت على اللفائف الثلاث مستلقياً على ظهره لأن وضعه مستلقياً على ظهره أثبت وأسهل لإدراجه فيها، ويجعل من الحنوط في قطنٍ بين أليته وذلك لئلا يخرج شيئٌ من دبره كريه الرائحه، فإذا خرج شيئٌ من دبره فإن الحنوط يضيع هذه الرائحة الكريهة.
(3) نأتي بخرقةٍ مشقوقة الطرف نشدها على القطنة التي فيها الحنوط الموضوع بين أليته، بحيث تجمع هذه الخرقة أليته ومثانته أي تكون على السوأتين.

(4) يجعل الباقي من الحنوط على منافذ وجهه (عينيه ومنخريه وفمه) وكذا أذنه من أجل أن يمنع الهوام من دخول هذه المنافذ، وكذا نجعل شيئاً من الحنوط على مواضع السجود السبع من باب التشريف لها.
﴿تنبيه﴾: (وضع الحنوط في هذه الأماكن اجنهادٌ من العلماء، أما الحنوط من حيث مشروعيته فقد جاءت به السنة.
(5) يُردُ طرف اللفافة التي تلي الميت من الجانب الأيسر على شقه الأيمن ويرد طرفه الآخر فوقه، ثم يجعل الثانية والثالثة كذلك ويجعل أكثر الفاضل من الكفن من جهة الرأس.
(6) ثم يعقد اللفائف لئلا تنتشر وتتفرق ثم تُحل هذه العقد في القبر.
مسألة: هل يجوز النظر إلى الميت وتقبيله بعد أن يُدرج في أكفانه؟ الجواب: يجوز النظر إلى الميت وتقبيله بعد أن يُدرج في أكفانه بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (حديث عائشة الثابت في صحيح البخاري) أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مات وأبو بكرٍ بالسُّنحِ فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقال عمر ـ والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك ـ وليبعثنه الله فليقطعنَّ أيدي رجالٍ وأرجلهم، فجاء أبو بكرٍ فكشف عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقبَّله فقال بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبداً ثم خرج فقال: أيها الحالف على رَسْلِك، فلما تكلم جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت وقال: (إِنّكَ مَيّتٌ وَإِنّهُمْ مّيّتُونَ) وقال: (وَمَا مُحَمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفإِنْ مّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىَ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ)

(

الصلاة على الميت:

مسألة: ما هو حكم الصلاة على الميت؟ الصلاة على الميت فرض كفاية (لحديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيقول: هل ترك لدينه فضلاً؟ فإن حدِّث أنه ترك لدينه وفاءاً صلى وإلا قال للمسلمين: صلوا على صاحبكم، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن تُوفيََ من المسلمين وعليه دينٌ فعليَّ قضاؤه ومن ترك مالاً فلورثته.

(

فضل الصلاة على الميت:

مسألة: ما هو فضل الصلاة على الميت؟

للصلاة على الميت فضلٌ عظيم وأجرٌ جسيم بينته السنة الصحيحة (لحديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من اتبع جنازة مسلمٍ إيماناً واحتساباً وكان معه حتى يصلي عليها ويُفْرَغ من دفنها فإنه يرجع من الأجرِ بقيراطين كلُ قيراطٍ مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجعُ بقيراط.

(

مقصود الصلاة على الميت:

مسألة: ما هي مقصود الصلاة على الميت؟ مقصود الصلاة على الميت الشفاعة فيه (لحديث عائشة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شُفَِعوا فيه.
(شُفَِعوا فيه): أي قُبلت شفاعتهم (صنفان من الناس لا يجب الصلاة عليهما:

مسألة: هناك صنفان من الناس لا يجب الصلاة عليهما؟ [1] شهيد المعركة: (لحديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد ثم يقول: أيهما أكثرُ أخذاً للقرآن فإذا أُشير إلى أحدهما قدّمه في اللحد وقال: أنا شهيدٌ على هؤلاء يوم القيامة وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يُصلى عليهم.
[2] الصبي الذي لم يبلغ: (لحديث عائشة الثابت في صحيح أبي داود) مات إبراهيم بن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو بن ثمانية عشر شهرا فلم يصل عليه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

(

مقام الإمام من الميت:

مسألة: أين مقام الإمام من الميت؟ يقوم الإمام عند رأس الرجل ووسط المرأة (لحديث أنس الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أنه صلى على رجل فقام عند رأسه ثم صلى على امرأةٍ فقام حيال وسط السرير فقال له العلاء بن زياد هكذا رأيت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قام على الجنازة مقامك منها ومن الرجل مقامك منه؟ فلما فرغ قال احفظوا.
(وحديث سمرة بن جندب الثابت في الصحيحين) صليت وراء النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى على امرأة ماتت في نفاسها فقام وَسْطَها.
مسألة: إذا اجتمعت جنائز كثيرة من الرجال والنساء فما هو مقام الإمام منهم؟ يُجعل الرجال مما يلي الإمام والنساء يلين القبلة.
(لحديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح النسائي موقوفاً) أنه صلى على تسع جنائز جميعاً فجُعل الرجال يلون الإمام والنساء يلون القبلة.

(

صفة صلاة الجنازة:

مسألة: ما هي صفة صلاة الجنازة؟

(1) يتقدم الإمام ويكبر أربعا (لحديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال نعى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى أصحابه النجاشي ثم تقدَّم فصفوا خلفه فكبَّر أربعا.
(2) يقرأ بعد التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب (حديث طلحة بن عبد الله الثابت في صحيح البخاري) قال: صليت خلف ابن عباس رضيَ الله تعالى عنهما على جنازةٍ فقرأ بفاتحة الكتاب وقال لتعلموا أنها سنة.
(3) يصلي على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصلاة الإبراهيمية بعد التكبيرة الثانية لنقل الخلف عن السلف من طرقٍ متعددة وعمل المسلمين عليه.
والصلاة الإبراهيمية هي (اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد 000إلى قوله إنك حميدٌ مجيد) (4) بعد التكبيرة الثالثة ندعو للميت: (لحديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء.
﴿تنبيه﴾: (يجوز له أن يدعو بأي دعاء ويستحبُ له أن يدعو بالدعاء الأوفق للسنة.
(لحديث عوف ابن مالك الثابت في صحيح البخاري) صلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر أو من عذاب النار قال حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت (وحديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا صلىعلى جنازة فقال اللهم اغفر لحينا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده.
﴿تنبيه﴾: (إذا كان الميت طفلاً استحب أن يقول المصلي (اللهم اجعله سلفاً وفرطاً وذخرا) رواه البخاري من كلام الحسن.
(5) بعد التكبيرة الرابعة يقول: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده (6) ثم يسلم تسليمتين كمثل الصلاة المكتوبة إحداهما عن يمينه والأخرى عن يساره، ويجوز الإقتصار على التسليمة الأولى لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى على جنازةٍ فكبر عليها أربعاً وسلم تسليمةٍ واحدة، والحديث حسنه الألباني رحمه الله تعالى في كتاب الجنائز.

مسألة: الذي يصلي صلاة الجنازة هل يرفع يديه مع كل تكبيرة أم في التكبيرة الأولى فقط؟ الصحيح أنه يرفع يديه في التكبيرة الأولى فقط لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة ثم لا يعود.
والحديث قال عنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى أن رجاله ثقات.

(

هل يصلي الإمام على قاتل نفسه:

مسألة: هل يصلي الإمام على قاتل نفسه؟ الإمام الأعظم هو رئيس الدولة، والإمام لا يصلي على قاتل نفسه لأنه فعل كبيرة وترك الإمام الصلاة علية يكون نكالاً لما بعده (لحديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما ابن سمرة الثابت في صحيح مسلم) قال: أُتي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - برجلٍ قتل نفسه بمشاقص فلم يصلي عليه.
[مشاقص] سهام عِراض واحدها مشقص.
مسألة: هل عموم المسلمين يصلون على قاتل نفسه؟ عموم المسلمين يصلون على قاتل نفسه لأنه فعل كبيرة من الكبائر لكنه لم يكفر وعقيدة أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة أنه تحت مشيئة الإله النافذة إن شاء عفا عنه وإن شاء آخذه، يدخل الجنة يوماً من الأيام أصابه قبل ذلك اليوم ما أصابه.

(

الصلاة على السقط:

مسألة: هل يُصلى على السقط؟ (حديث ابن مسعود الثابت في الصحيحين) قال حدثنا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو الصادق المصدوق إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وان أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها.
مسألة: هل يجوز الصلاة على الكافر؟ لا يجوز الصلاة على الكافر لقوله تعالى: (وَلاَ تُصَلّ عَلَىَ أَحَدٍ مّنْهُم مّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ) [سورة: التوبة - الآية: 84] وقوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوَاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوَاْ أُوْلِي قُرْبَىَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) [سورة: التوبة - الآية: 113]

(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قال لما توفى عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليصلى عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما خيرني الله فقال! < استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة >! وسأزيده على سبعين قال إنه منافق فصلى عليه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأنزل الله عز وجل! < ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره.

(

حمل الجنازة والسير بها:

مسألة: ما هي الأمور التي تشرع في حمل الجنازة؟ الأمور التي تشرع في حمل الجنازة: (1) الإسراع بها: (حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها عليه وإن يك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم.
(2) من اتبع جنازةٍ فإن كان ماشياً فله أن يمشي أمامها أو خلفها أو حيث شاء، أما الراكب فيكون خلف الجنازة.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قال رأيت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبا بكرٍ وعمر يمشون أمام الجنازة.
(حديث المغيرة ابن شعبة الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها.
(3) إذا كان الميت أنثى يُستحب أن يوضع على النعش مِكبة مثل الخيمة وهي أعواد مقوسة توضع على النعش ويوضع عليها ستر فتكون مثل القبة وذلك لأنه أستر للمرأة، وقيل أول من فُعل بها هذا فاطمة بنت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأمرها.
مسألة: ما هي الأمور التي تكره في اتباع الجنائز؟ (1) يكره رفع الصوت عند الجنائز لحديث قيس ابن عباد قال: كان أصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يكرهون رفع الصوت عند الجنائز، وهذا الحديث قال عنه الألباني رحمه الله تعالى في كتاب الجنائز أن رجاله ثقات.
(2) يكره أن تتبع الجنازة بصوتٍ ولا نار.
لقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا تتبع الجنازة بصوتٍ ولا نار.
وهذا الحديث حسنه الألباني رحمه الله تعالى في كتاب الجنائز.
(3) يكره قعود من اتبع الجنازة حتى توضع على الأرض.

(حديث أبي سعيد الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا رأيتم الجنازة فقوموا فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع.
(4) يكره اتباع النساء للجنازة.
(حديث أم عطية الثابت في الصحيحين) قالت: نُهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزم علينا.
الشاهد: قولها [ولم يُعزم علينا] أي لم يؤكد علينا في النهي كغيره من المنهيات وهذا هو الذي أخرج الحكم من التحريم إلى الكراهة لأن الأصل في النهي التحريم.
مسألة: هل يجوز القيام للجنازة وإن لم يكن متبعاً لها؟ نعم يجوز ذلك (حديث أبي سعيد الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا رأيتم الجنازة فقوموا فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع.
(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قال مر بنا جنازة فقام لها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقمنا به فقلنا يا رسوال الله إنها جنازة يهودي؟ قال: إذا رأيتم الجنازة فقوموا.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: مقصود الحديث أن لا يستمر الإنسان على الغفلة عند رؤية الموت لما يشعر ذلك من التساهل بأمر الموت ومن ثمّ استوى كون الميت مسلماً أو غير مسلم.
(إنكار ابن مسعود على من ضحك في جنازة: وأخرج البيهقي عن يزيد بن عبيد الله عن بعض أصحابه قال: رأى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه رجلاً يضحك في جنازة فقال: أتضحك وأنت مع جنازة؟ والله لا أكلمك أبداً.
كذا في الكنز.

(

الموعظة بالجنازة والاعتبار بها:

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه القبور عن يحيى بن جابر قال خرج أبو الدرداء إلى جنازة وأتى أهل الميت يبكون عليه فقال مساكين موتى غد يبكون على ميت اليوم.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه القبور عن علي بن رفد السعدي قال مر بالأحنف بن قيس جنازة فقال رحم الله من أجهد نفسه لمثل هذا اليوم.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه القبور عن الأعمش يقول إن كنا لنتبع الجنازة فما ندري من نعزي من حزن القوم.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه القبور عن حوشب بن مسلم قال لقد أدركت الميت يموت في الحي فما يعرف حميمه من غيره من شدة جزعهم وكثرة البكاء عليه قال ثم بقيت حتى فقدت عامة ذلك.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه القبور عن عامر بن يساف قال كان يحيى بن أبي كثير إذا حضر جنازة لم يتعش تلك الليلة ولم يقدر أحد من أهله أن يكلمه من شدة حزنه.

جارٍ التحميل