كتاب الرقائق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
وَلاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ عَظَمَةَ مَا أَعَدَّهُ اللهُ تَعَالى لِهؤلاءِ الكِرامِ البَرَرَةِ وَأَخْفَاهُ فِي الجَنَّاتِ مِنَ النًَّعيمِ المُقِيمِ، واللذَائِذِ التِي لَمْ يَطَّلِعْ أَحَدٌ عَلى مِثْلِها، جَزَاءً وِفَاقاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، لَقَدْ أَخْفَوا أَعْمَالَهُمْ فَأَخْفَى اللهُ لَهُمْ مَا لَمْ تَرَهُ عَيْنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلبِ بَشَرٍ.
(30) من اصطفاهم الله تعالى من هذه الأمة:
قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35) [فاطر/32 - 35]
ثُمَّ جَعَلَ اللهُ تَعَالى القَائِمِينَ بالقُرآنِ العَظيمِ، هُمُ الذِينَ اصْطَفَاهُمْ مِنْ عِبَادِهِ، مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، وَأَوْرَثَهُمُ الكِتَابَ.
وَقَالَ تَعَالى في مَكَانٍ آخَرَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الذِينَ اصْطَفَاهُمُ اللهُ لِلقِيَامِ بِالقُرآنِ هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَعَلَهُمْ أقسَاماً ثَلاَثَةً:
- مِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُفَرِّطٌ فِي فِعْلِ بَعْضِ الوَاجِبَاتِ، مُرْتَكِبٌ بَعْضَ المُحَرَّمَاتِ.
- وَمِنْهُمْ مُقَتَصِدٌ، وَهُوَ القَائِمُ بِالوَاجِبَاتِ، التَّارِكُ لِلْمُحَرَّمَاتِ، وَقَدْ يُقَصِّرُ في فِعْلِ بَعْضِ المُسْتَحَبَّاتِ، وَيَفْعَلُ بَعْضَ المَكْرُوهَاتِ.- وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ - وَهُوَ الفَاعِلُ لِلْوَاجِبَاتِ، وَالمُسْتَحَبَّاتِ، التَّارِكُ لِلْمُحَرَّماتِ والمَكْرُوهَاتِ.
وَذَلِكَ المِيرَاثُ، وَذَلِكَ الاصْطِفَاءُ، فَضْلٌ عَظِيمٌ مِنَ اللهِ لاَ يُقَدَّرُ قَدْرُهُ.
وهؤلاءِ الكِرَامُ الذِينَ اصْطَفَاهُمْ اللهُ من عباده، الذين أُوْرِثُوا القُرآنَ، والكُتُبَ السَّابِقَةَ، سَتَكُونُ جَنَّاتُ الإِقَامَةِ (جَنَّاتُ عَدْنٍ) هِيَ مأْوَاهُمْ، يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَلْبَسُونَ فِيها حَلِيّاً مِنْ ذَهَبٍ، وَلُؤْلُؤٍ، وَيَلْبَسُونَ فِيهَا ثِيَاباً مِنْ حَرِيرٍ، وَهذِهِ الجَنَّاتُ هِيَ الفَضْلُ الكَبِيرُ الذِي مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيْهِمْ.
وَيَقُولُونَ حِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وَيَلْبَسُونَ الحَرِيرَ، وَيَتَحَلَّونَ بِالذَّهَبِ وَاللُؤْلُؤِ: الْحَمْدُ للهِ الذِي أَذْهَبَ عَنَّا الخَوْفَ (الحَزَنَ) مِمَّا كُنَّا نَحْذَرُ وَنَتَخَوَّفُ.
إِنَّ رَبَّنا سُبَحَانَهُ وَتَعَالى غَفُورٌ لِذُنُوبِ المُذْنِبِينَ، شُكُورٌ لأَفْعَالِ المُطِيعِينَ.
واللهُ تَعَالى هُوَ الذِي أَعْطَانَا هذِهِ المَنزِلَةَ وَهذَا المَقَامَ الكَرِيمَ مِنْ فَضْلِهِ وَمَنِّهِ وَرَحْمَتِهِ، وَلَمْ تَكُنْ أَعْمَالُنا لِتَبْلُغَ ذَلِكَ، لاَ يَمَسُّنا فِي هذِه الدَّارِ عَنَاءٌ وَلاَ تَعَبٌ وَلاًَ إِعْيَاءٌ.
(31) المخلصون:
وقال تعالى: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (52) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (54) [ص/45 - 54]
وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ أَيْضاً صَبْرَ عِبَادِ اللهِ: إِبْرَاهِيمَ وإِسْحَاقَ وَيَعْقًُوبَ، الذِينَ شَرَّفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِطَاعَتِهِ، وَقَوَّاهُمْ عَلَى العَمَلِ الصَّالِحِ الذِي يَرْضَى الله عَنْهُ، وَآتَاهُمُ البَصِيرَةَ فِي الدِّينِ والفِقْهِ فِي أَسْرَارِهِ، والعَمَلِ بِطَاعَةِ رَبِّهِمْ، فَجَعَلَهُمْ مِمَّنْ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَ بِأَيْدِيهِمْ، وَيَتَفَكَّرُونَ بِعُقُولِهِمْ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي مَعْنَى أُوْلِي الأَيْدِي: إنَّهُمْ ذَوُو قُوَّةٍ، وَقَالَ فِي مَعْنَى (وَالأَبْصَارِ)، إِنَّهُ الفِقْهُ فِي الدِّينِ).وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْلَصَهُمْ وَمَيَّزَهُمْ خَاصَّةٍ، هِيَ ذِكْرُهُمُ الدَّار الآخِرَةَ لِيَعْمَلُوا لَهَا، فَهَذِهِ مِيزَتُهُمْ وَرِفْعَتُهُمْ.
وَهَذِهِ السَّيرَةُ جَعَلَتْهُمْ عِنْدَ اللهِ مَجتَبْينَ أَخْيَاراً، وَمُصْطَفَيْنَ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ.
وَاذْكُر أَنْبِيَاءَ اللهِ إِسْمَاعِيلَ واليَسَعَ وَذَ الكِفْلِ الذِينَ شَرَّفَهُمُ اللهُ تَعَالَى، وَجَعَلَهُمْ مِنَ المُصْطَفَيْن الأَخْيَارِ وَتَأَمَّلْ صَبْرَهُمْ، وَرَحْمَةَ اللهِ بِهِمْ.
وَهَذَا الذِي تَقَدَّمَ سَرْدُهُ، مِنْ أَخْبَارِ الأَنْبِيَاءِ الكِرَامِ، فِيهِ ذِكْرٌ لَهُمْ، وَشَرَفٌ، وَإِشَادَةٌ بِمَحَاسِنِهِمْ، وَفِيهِ تَذْكِيرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ.
والمُؤْمِنُونَ السُّعَدَاءُ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ المُنْقَلبُ الحَسَنُ، وَالمآبُ الكَرِيمُ.
وَهَذَا المآبُ الحَسَنُ هُوَ جَنّاَتُ اسْتِقْرَارٍ وَإِقَامَةٍ مُفَتَّحَةٌ أَبْوَابُهَا إِكْرَاماً لَهُمْ لِيَدْخُلُوهَا آمِنِينَ.
وَيَجْلِسُون فِي الجَنَّةِ مُتَّكِئِينَ عَلَى الأَرَائِكِ فِي وَضْعِ المُطْمَئِنِّ المُرْتَاحِ فِي جَلْسَتِهِ، وَيَطْلُبُونَ مَا يَشَاؤُونَ مِنْ أَنْوَاعِ الفَوَاكِهِ والشَّرَابِ بِلاَ تَحْدِيدٍ، وَهَذَا هُوَ مُنْتَهَى النَّعِيمِ.
وَعِنْدَهُمْ نِسَاءٌ لاَ يَمْدُوْنَ أَبْصَارَهُنَّ إِلَى غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ حَيَاءً وَخَفَراً، وَهُنَّ مُتَسَاوِيَاتٌ فِي السِّنِّ مَعَهُمْ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى الوِفَاقِ بَيْنَهُمْ.
وَهَذَا النَّعِيمُ فِي الجَنَّاتِ التِي وَصَفَهَا اللهُ تَعَالَى، فَيمَا تَقَدَّمَ، هُوَ مَا وَعَدَ اللهُ عِبَادَهُ المُتَّقِينَ بِأَنَّهُ سَيجْزِيهِمْ بِهِ فِي يَوْمِ الحِسَابِ فِي الآخِرَةِ.
(32) من تابوا واتبعوا سبيل الله:
قال تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) [غافر/7 - 9] إِنَّ المَلاَئِكَةَ الذِينَ يَحْمِلُونَ عَرْشَ رَبِّهِمْ، وَالمَلاَئِكَةَ الذِينَ هُمْ مِنْ حَوْلِهِ يُنَزِّهُونَ اللهَ تَعَالَى، وَيَحْمَدُونَهُ عَلَى نِعَمِهِ وَآلاَئِهِ، وَلاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْأَلُونَهُ تَعَالَى أَنْ يَغْفِرَ لِلمُسِيِئينَ الذِينِ تَابُوا وَأَقْلَعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ، وَاتَّبَعُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَبُّهِمْ مِنْ فَعْلِ الخَيرِ، وَتَرَكِ المُنْكَرِ، وَيَسْأَلُونَهُ تَعَالَى أَنْ يُجَنِّبَ (يَقِي) هَؤُلاَءِ التَّائِبِينَ الْمُنِيبِينَ عَذَابَ النَّارِ.
وَتُتَابعَ المَلاَئِكَةُ الأَطْهَارُ دُعَاءَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ التَّائِبِينَ، فَيَسْأَلُونَ رَبَّهُم تَعَالَى أَنْ يُدْخِلَهُم الجَنَّاتِ التِي وَعَدَهُمْ تَعَالَى بِهَا عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ، وَأَنْ يُدْخِلَ مَعَهُم الجَنَّاتِ الصَّالِحِينَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِيَّاتِهِمْ لِتَقَرَّ بِهِمْ أَعْيُنُهُمْ، فَإِن الاجْتِمَاعَ بِالأَهْلِ والعَشِيرَةِ فِي مَوَاضِعِ السُّرُورُ يَكُونَ أَكْمَلَ لِلْبَهْجَةِ والأُنْسِ، فَأَنْتَ يَا رَبّ الغَالِبُ الذِي لاَ يُقَاوَمُ، الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَفَعْلِهِ وَتَدْبِيرِهِ.
وَاصْرِفْ عَنْهُمْ عَاقِبَةَ مَا اقْتَرَفُوهُ مِنْ فِعْلِ السَّيِّئَاتِ قَبْلَ تَوْبَتِهِمْ (أَوِ اصْرِفْ عَنْهُمْ فِعْلَ السَّيِّئاتِ)، وَمَنْ تَصْرِفْ عَنْهُ عَاقِبَةَ مَا ارْتَكَبَ مِنْ السَّيِّئَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَإِنَّكَ تَكُونَ قَدْ رَحِمْتَهُ، وَنَجَّيْنَهُ مِنْ عَذَابِكَ، وَهَذَا هُوَ الفَوْزُ الأَكْبَرُ الذِي لاَ يَعْدِلُهُ فَوْزٌ.
(33) طاعة الله والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
قال تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (17) [الفتح/17]
يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالى في هذِهِ الآيَةِ الأَعْذَارَ المُبِيحَةَ للقُعُودِ عَنِ الجِهَادِ، فَيَقُولُ: إِنَّهُ لا إِثمَ وَلاَ مَلاَمةَ عَلَى الذِينَ يَتَخَلَّفُونَ عنِ الخُرُوجِ إِلى الجِهَادِ مَعَ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ مَا بِهِمْْ مِنْ عِلَلٍ تَمْنَعُهُمْ مِنَ الخُرُوجِ، وَمِنَ القِتَالِ: كَالعَمَى وَالعَرَجِ وَالمَرضِ.
ثُمَّ حَثَّ اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ عَلى الجِهَادِ، وَرَغَّبَهُم فِيهِ، وَبَيَّنَ لَهُم مَا أَعَدَّهُ لِلْمَجَاهِدِينَ مِنْ أجرٍ وَثَوابٍ في الآخِرَةِ، فَقَالَ تَعَالى: وَمَنْ يُطِع اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُجِبِ الدَّعْوةَ إِلى مُجَاهَدَةِ الكُفَّارِ والمُشْرِكِينَ دِفَاعاً عَنْ دِينهِ، وَإعلاءً لِكَلِمَةِ رَبِّهِ، فَإِنَّ اللهَ سَيُدْخِلُهُ يَومَ القِيَامَةِ جِنَّاتٍ تَجري الأَنْهارُ مِنْ تَحْتِها، وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيَرْفُضِ الخُرُوجَ إِلى الجِهَادِ فإِنَّ اللهَ سَيُعَذِّبُه عَذَاباً أَلِيماً.
(34) الذين لا يوادون من حادَّ الله ورسوله:
قال تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22) (المجادلة)
لاَّ تَجِدُ قَوْماً يَجْمَعُونَ بَيْنَ الإِيْمَانِ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَبَينَ مُوَادَّةِ أَعْدَاءِ اللهِ وَأَعْدَاءِ رَسُولِهِ، لأَنَّ المُؤْمِنِينَ حَقّاً لاَ يُوَالُونَ الكَافِرِينَ، وَلَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ الكَافِرُونَ هُمْ أَهْلَهُمْ، وَأَقْرِبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ الذِينَ هُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيهِمْ، وَالمُؤْمِنُونَ الذِينَ يَمْتَنِعُونَ عَنْ مُوَادَّةِ الكَافِرِينَ، وَلَوْ كَانُوا أَقْرَبَاءَهُمْ وَعَشِيرَتَهُمْ، هُمُ الذِينَ ثَبَّتَ اللهُ الإِيْمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى، وَقَوَّاهُمْ بِطُمَأْنِينَةِ القَلْبِ، وَالثَّبَاتِ عَلَى الحَقِّ ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾، وَسَيُدْخِلُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ، وَيَبْقَوْنَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً، رَضِيَ اللهَ عَنْهُمْ، وَأَدْخَلَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، فَأَدْخَلَهُمُ الجَنَّاتِ، وَرَضُوا بِمَا آتَاهُم اللهُ عَنْهُمْ، وَأَدْخَلَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، فَأَدْخَلَهُمُ الجَنَّاتِ، وَرَضُوا بِمَا آتَاهُم اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَبِمَا عَوَّضَهُمْ بِهِ لاِسْخَاطِهِم الأَقَارِبَ وَالأَبْنَاءَ.
وَهَؤُلاَءِ هُم أَنْصَارُ اللهِ، وَجُنْدُهُ، وَحِزْبُهُ، وَأَهْلُ كَرَامَتِهِ، وَهُمْ أَهْلُ الفَلاَحِ وَالسَّعَادَةِ والنَّصْرِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
(35) الإيمان بالله ورسوله والمجاهدون في سبيله:
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) [الصف/10 - 13]
يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَالمُصَدِّقُونَ بِرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ وَآيَاتِهِ، أَلاَ تُرِيدُونَ أَنْ أَدُلِّكُمْ عَلَى صَفَقَةٍ رَابِحَةٍ، وَتِجَارَةٍ نَافِعَةٍ، تَفُوزُونَ فِيهَا بِالرِّبْحِ العَظِيمِ، وَتْنْقِذُكُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ الأَلِيمِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟
وَهِذِهِ الصَّفَقَةُ هِيَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَتَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَتَصَدِّقُوا بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، وَمَا أَنْزَلَهَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ وَتُجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ رَفْعِ كَلِمَةِ اللهِ، وَعِزَّةِ دِينِهِ، بِأَنْفُسِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، كَانَ ذَلِكَ خَيْراً لَكُمْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ فِي الدُّنْيَا: مِنَ النَّفْسِ وَالمَالِ وَالزَّوْجِ وَالوَلَدِ، هَذَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا أَعَدَّهُ اللهَ لِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ المُجَاهِدِينَ فِي الآخِرَةِ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
وَإِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ سَتَرَ اللهُ ذُنُوبِكُمْ وَمَحَاهَا، وَأَدْخَلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا، وَأَسْكَنَكُمْ مَسَاكِنَ طَيِبةً تَقَرُّ بِهَا العُيُونَ، وَهَذا هُوَ مُنْتَهَى ما تَصْبُوا إِليهِ النُّفُوسُ، وَهُوَ الفَوْزُ الذِي لاَ فَوْزَ أَعْظَمَ مِنْهُ.
وَلَكُمْ يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ المُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، مَعَ الفَوْزِ فِي الآخِرَةِ، الذِي وَعَدَكُمْ اللهُ بِهِ، نِعْمَةٌ أُخْرَى تُحِبُّونَها، وَهِيَ نَصْرٌ مِنَ اللهِ، وَفَتْحٌ قَرِيبٌ، تَجْنُونَ مَغَانِمَهُ، وَبَشِّرْ يَا مُحَمَّدُ المُؤْمِنينَ بِهَذَا الجَزَاءِ.
(36) أصحاب التوبة النصوح:
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8) [التحريم/8]
يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَتُوبُوا تَوْبَةً صَادِقَةً جَازِمَةً تَمْحُو مَا سَبَقَهَا مِنَ السَّيِّئَاتِ.
" وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ فَقَالَ: هُوَ النَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ حِينَ يَفْرُطُ مِنْكَ، فَتَسْتَغْفِرُ الله بِنَدَامَتِكَ مِنْهُ عِنْدَ الحَاضِرِ، ثُمَّ لاَ تَعُودُ إِليهِ أَبداً " (أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ).
ثُمَّ يُبَيِّنُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ إِنْ تَابُوا تَوْبَةً نَصُوحاً تَابَ اللهُ عَليهِمْ، وَغَفَرَ لَهُمْ، وَأَدخَلَهُمْ بِرَحْمَتِهِ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا فِي يَوْمِ القِيَامَةِ.
وَهُوَ اليومُ الذِي يَرْفَعُ الله فِيهِ قَدْرَ رَسُولِهِ الكَرِيمِ، وَقَدْرَ المُؤْمِنينَ مَعَهُ.
وَيَجْعَلُ نُورَهُمْ فِي ذَلِكَ اليَومِ يَسْعَى بَينَ أَيْدِيهِمْ، حِينَ يَمْشُونَ وَكُتُبُهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَيَسْأَلُونَ رَبَّهُمْ أَنْ يُبْقِي لَهُمْ نُورَهُمْ، فَلا يَطْفِئُهُ حَتَّى يجُوزُوا الصِّرَاطَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ رَبَّهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِم السَّالِفَةِ، وََيَقُولُونَ: رَبَّنَا العَظِيمَ إِنَّكَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَلاَ يُعْجِزُكَ شَيءٌ.
(37) من اتصفوا بالصفات التالية:
قال تعالى: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35) فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (37) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38) [المعارج/19 - 38]
إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ سَرِيعَ الانْفِعَالِ والتَّأَثُّرِ، فَهُوَ شَدِيدُ الجَزَعِ، إِذَا مَسَّهُ مَكْرُوهٌ، كَثِيرُ المَنْعِ، إِذَا نَزَلَتْ بِهِ نِعْمَةٌ.
ثُمَّ فَسَّرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ والتِي بَعْدَهَا مَعْنَى قَوْلِهِ (هَلُوعاً)، فَقَالَ: إِنَّ الإِنْسَانَ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ والضُّرُّ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الحُزْنُ، وَانْخَلَعَ قَلْبُهُ مِنْ شِدَّةِ الرُّعْبِ، وَيَئِسَ مِنْ أَنْ يَصِلَ إِلَيهِ خَيْرٌ بَعْدَهَا أَبَداً.
وَإِذَا حَصَلَتْ لَهُ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ بَخِلَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ، وَمَنَعَ حَقَّ اللهِ فِيهَا.
وَلاَ يَسْتَثْنِي اللهُ تَعَالَى مِنْ صِفَاتِ الإِنْسَانِ الذَمِيمَةِ، التِي تَتَمَثَّلُ بِالهَلَعِ وَالجَزَعِ وَالمَنْعِ، إِلاَّ المُؤْمِنِينَ الذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ إِلَى الخَيْرِ، وَهُمْ المُصَلُّونَ.
الذِينَ يُحَافِظُونَ عَلَى أَدَاءِ الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا، لاَ يَشْغَلُهُمْ عَنْهَا شَاغِلٌ، وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى فَضْلِ المُدَاوَمَةِ عَلَى العِبَادَةِ.
وَالذِينَ يَجْعَلُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَصِيباً مُعَيَّناً يُنْفِقُونَهُ تَقَرُّباً مِنَ اللهِ، وَطَلَباً لِمْرَضَاتِهِ.
يُنْفِقُونَهُ عَلَى ذَوِي الحَاجَاتِ والبَائِسِينَ الذِينَ يَسْأَلُونَهُمُ العَوْنَ.
وَالذِينَ يُؤْمِنُونَ بِيَوْمِ المَعَادِ وَالحِسَابِ فَيَعْمَلُونَ لَهُ وَتَظْهَرُ آثَارُ ذَلِكَ فِي أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ.
وَالذِينَ هُمْ خَائِفُونَ وَجِلُونَ مِنْ تَرْكِهِم الفُرُوضَ وَالوَاجِبَاتِ، وَمِنِ ارْتِكَابِ المَحْظُورَاتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَباً فِي حِرْصِهِمْ عَلَى أَدَاءِ.
وَلاَ يَنْبَغِي لِعَاقِلِ أَنْ يَأَمَنَ عَذَابَ اللهِ، وَإِنْ زَادَ فِي الطَّاعَاتِ، وَلاَ يَأْمَنُهُ أَحَدٌ إِلاَّ بِأَمَانٍ مِنَ اللهِ.
والذِينَ يَكُفُّونَ أَنْفُسَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّسَاءِ، وَيَحْرِصُونَ عَلَى أَلاَّ يُقَارِفُوا مُحَرَّماً لَمْ يُبِحْهُ اللهُ لَهُمْ.
وَلاَ يَقْرَبُونَ إِلاَّ مَا أَحَلَّهُ اللهُ مِنْ أَزْوَاجٍ، أَوْ مِنْ إِمَاءٍ يَمْلِكُونَهُنَّ، فَإِنَّهُمْ لاَ يَأْثَمُونَ، وَلاَ يُلاَمُونَ إِذَا أَتَوا نِسَاءَهُمْ وَإِمَاءَهُمْ.
وَمَنْ سَعَى إِلَى مُوَاقَعَةِ غَيْرِ مَنْ أَحَلَّهُنَّ اللهُ لَهُ مِنَ الأَزْوَاجِ وَالإِمَاءِ، فَهُوَ مُعْتَدٍ عَلَى حُرُمَاتِ اللهِ، مُتَجَاوِزٌ حُدُودَهُ.
وَالذِينَ إِذَا ائْتُمِنُوا عَلَى أَمَانَةٍ رَدُّوهَا إِلَى أَصْحَابِهَا، وَلَمْ يَخُونُوا، والذِينَ إٍِذَا عَاهُدُوا عَهْداً رَاعَوْهُ وَوَفَوْا بِهِ، وَلَمْ يَغْدِرُوا، وَلَمْ يَتَأَوَّلُوا.
وَالذِينَ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ، إِذَا دُعُوا إِلَى أَدَائِهَا عِنْدَ الحُكَّامِ، وَلاَ يَكْتمُونَهَا وَلاَ يُغَيِّرُونَهَا، والشَّهَادَةُ أَمَانَةٌ مِنَ الأَمَانَاتِ التِي أَمَرَ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَدَائِهَا عَلَى الوَجْهِ الأَكْمَلِ والصَّحِيحِ.
والذِينَ يُحَافِظُونَ عَلَى أَدَاءِ صَلَواتِهِمْ فِي أَوْقَاتِهَا، يُؤَدُّونَهَا حَقَّ أَدَائِهَا، وَيُتمُّونَهَا بِرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، وَخُشُوعِهَا، وَيَجْتِهِدُونَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلاَةِ أَنْ يَسْتَبْعِدوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُلْهِيَهُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وَفَهْمِ مَا يَقْرَؤُونَ مِنَ القُرْآنِ وَإِدْرَاكِ مَا يَفْعَلُونَ مِنْ ذِكْرِ اللهِ، وَمِنْ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ.
وَهَؤُلاَءِ الذِينَ يَتَمَتَّعُونَ بِالصِّفَاتِ السَّالِفَةِ وَيَقُومُونَ بِالعِبَادَاتِ عَلَى الوَجْهِ الأَكْمَلِ كَمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى يُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي جَنَّتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيُؤَمِّنُهُمْ مِنْ هَوْلِ الفَزَعِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، وَيُكْرِمُهُمْ بِفَيْضٍِ مِنَ الكَرَامَاتِ التِي اخْتَصَّ اللهُ بِهَا عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ المُخْلِصِينَ.
(38) الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر:
قال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) [آل عمران/104]
لِتَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ جَمَاعَةٌ مُتَخَصِّصَةٌ مُتَمَيِّزَةٌ تَعْرِفُ أَسْرَارَ الأَحْكَامِ، وَحِكْمَةَ التَّشْرِيعِ وَفِقْهَهُ، تَتَولَّى القِيَامَ بِالدَّعْوَةِ إلى الدِّين، وَتَأمُرُ بِالمَعْروفِ، وَتُحَارِبُ المُنْكَرَ، وَتَنْهَى عَنْهُ، وَمِنْ وَاجِبِ كُلِّ مُسْلِمِ أنْ يُحَارِبَ المُنْكَرَ مَا اسْتَطَاعَ إلى ذَلِكَ، وَهَؤُلاءِ هُمُ الفَائِزُونَ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.
وقال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) [التوبة/71، 72]
المُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَيْنَهُمْ أُخُوَّةٌ، وَمَوَدَّةٌ، وَتَعَاوُنٌ، وَتَرَاحُمٌ، وَيَتَّصِفُونَ بِالصِّفَاتِ الحَمِيدَةِ التِي يَأْمُرُهُمْ بِهَا دِينُهُمْ: فَيَتَنَاصَرُونَ وَيَتَعَاضَدُونَ وَيَفْعَلُونَ الخَيْرَ، وَيَأْمُرُونَ بِهِ، وَيَنْتَهُونَ عَنِ المُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْهُ، وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤَدُّونَهَا حَقَّ أَدَائِهَا، وَيُؤَدُّونَ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا، وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا أَمَرَ، وَيَتْرُكُونَ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ.
وَالمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الطَّيِّبَةِ الْكَرِيمَةِ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ عَزِيزُ الجَانِبِ، يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ حَكِيمٌ فِي قِسْمَتِهِ الصِّفَاتِ بَيْنَ خَلْقِهِ، فَجَعَلَ المُؤْمِنِينَ يَخْتَصُّونَ بِالصِّفَاتِ الحَمِيدَةِ، وَالمُنَافِقِينَ يَخْتَصُّونَ بِالصِّفِاتِ الذَمِيمَةِ المُنْكَرَةِ.
وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ أَنَّهُ سَيُدْخِلُهُمْ فِي الآخِرَةْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ، يُقِيمُونَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً، فِي مَسَاكِنَ طَيِّبَةْ حَسَنَةِ البِنَاءِ، وَطَيِّبَةِ القَرَارِ فِي هَذِهِ الجَنَّاتِ، وَوَعَدَهُمْ بِرِضْوَانٍ مِنْهُ أَكْبَرَ وَأَجَلَّ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ، وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَا أَهْلَ الجَنَّةِ.
فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَى يَا رَبُّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ.
فَيَقُولُ: أَلاَ أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: وَأَيُّ شَيءٍ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَداً " (رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَمَالِكُ)
(39) أن يكونوا من أولياء الله:
قال تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64) [يونس/62 - 64]
يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ، وَهُمُ الذِينَ آمَنُوا وَاتَّقَوا وَأَخْلَصُوا العِبَادَةَ لَهُ وَحْدَهُ، وَالتَّوَكُلَ عَلَيْهِ، لاَ خَوْفٌ عَلَيهِمْ مِمَّا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ أَهْوَالِ الآخِرَةِ، وَلاَ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا خَلَّفُوهُ وَرَاءَهُمْ فِي الدُّنْيَا.
وَيَقُولُ تَعَالَى مُعَرِّفاً (أَوْلِيَاءَ اللهِ): بِأَنَّهُمُ الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ، وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَكَانُوا يَتَّقُونَ اللهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، وَيُرَاقِبُونَهُ فِي سِرِّهِمْ وَعَلاَنِيَّتِهِمْ، فَلاَ يَقُومُونَ إِلاَّ بِمَا يُرْضِي اللهَ رَبَّهُمْ.
وَهَؤُلاَءِ المُؤْمِنُونَ المُتَّقُونَ، لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا بِالنَّصْرِ وَالعِزَّةِ، وَبِإِلْهَامِهِم الحَقَّ وَالخَيْرَ، وَبِالاسْتِخْلاَفِ فِي الأَرْضِ مَا أَقَامُوا شَرْعَ اللهِ، وَنَصَرُوا دِينَهُ الحَقَّ، وَأَعْلَوا كَلِمَتَهُ (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا العَبْدُ، أَوْ تُرَى لَهُ، وَهِيَ فِي الآخِرَةِ الجَنَّةُ ") (رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عن رَسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
وَهَذَا وَعْدٌ مِنَ اللهِ لاَ يُبَدَّلُ (لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ)، وَلاَ يُغَيَّرُ وَلاَ يُخْلَفُ، بَلْ مُقَرَّرٌ ثَابِتٌ كَائِنٌ لاَ مَحَالَةَ.
وَهَذِهِ البُشْرَى بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ هِيَ الفَوْزُ العَظِيمُ.
(40) من أقرض الله قرضا حسناً:
قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) [الحديد/11 - 12]
مَنْ هَذَا الذِي يُنْفِقُ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَطَمَعاً فِي مَثُوبَتِهِ وَمَرْضَاتِهِ، مُحْتَسِباً أَجْرَهُ عِنْدَ اللهِ، فَيَعُدُّ اللهُ لَهُ ذَلِكَ قَرْضاً للهِ تَعَالَى، فَيُضَاعِفُ لَهُ ذَلِكَ القَرْضَ أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً، وَيُثيبُهُ مَثُوبَةً كَرِيمةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ يَوْمَ القِيَامَةِ؟
وَفِي يَوْمِ القِيَامَةِ تَرَى المُتَصَدِّقِينَ، مِنَ المُؤْمِنينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهمْ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ، وَتَكُونُ كُتُبُهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَتَقُولُ لَهُمُ المَلاَئِكَةُ الكِرَامُ: أَبْشِرُوا بِجَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا جَزَاءً لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى إِيمَانِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ الصَّالِحَةِ، وَهَذَا الذِي فُزْتُمْ بِهِ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ.
(41) أن يحكموا الله والرسول في كل أمور حياتهم:
قال تعالى: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52) [النور/51، 52]
أَمَّا المُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ فَإِنَّهُمْ إِذَا دُعُوا إِلى اللهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: سَمْعاً وَطَاعَةً للهِ وَلِرَسُولِهِ، وَهَؤُلاءِ الذينَ يَقُولُونَ هَذَا القَوْلَ، هُمُ المُفْلِحُونَ، لأَنَّهُمْ يَنَالُونَ مَا يَطْلبُونَ، وَيَسْلَمُونَ مِمَّا يَرْهَبُونَ.
وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا أَمَرَا بِهِ، وَيَنْتَهِ عَمَّا نَهَيَا عَنْهُ، وَمَنْ يَخْشَ اللهَ فِيمَا صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَيَتَقَّهِ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمَانِ والأَعْمَالِ، فَهَؤُلاءِ هُمُ الفَائِزُونَ بِكُلِّ خَيْرٍ، وَالآمِنُونَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ.
(42) إعطاء المحتاجين حقهم:
قال تعالى: فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) [الروم/38]
وإِذا كَانَ اللهُ تَعَالى هُوَ الذِي يُبْسُطُ الرِّزْقَ، وَيَقْدِرُهُ، فأَعطِ يا أَيُّها النَّبِيُّ أَنتَ والمُؤِمِنُونَ، مَا تَستَطِيعُونَ إِعطَاءَهُ مِنَ المَالِ لِلفُقَراءِ والمُحْتاجِينَ مِنَ الأَقَارِبِ والمَسَاكِينِ الذينَ لا مالَ لَهُمْ، ولِلْمُسَافرينَ أبناءِ السَّبيلِ الذينَ انْقَطَعَتْ نَفَقَتُهُمْ، وَهُمْ بَعيدُونَ عَنْ أَهْلِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ لِيتَمَكَّنُوا مِنَ العَوْدَةِ إِلى بَلَدِهِمْ.
ثمَّ يَقُولُ تَعالى: إِنّ الإِعطَاءِ لهؤلاءِ المُحتاجِينَ فيهِ خيرٌ للمُعْطِينَ عندَ اللهِ، وهوَ الذِي يَتَقَبَّلُ العَملَ الصَّالِحَ، ويَجزِي بهِ فَاعِلَهُ الثَّوابَ الجَزيلَ، وَقَد رَبحَ هؤلاءِ المُعْطُونَ في صَفْقَتِهِمْ لأَنَّهُمْ أعْطَوا ما يَفْنَى، وَحَصَلُوا عَلى مَا يَبْقَى (وَقِيلَ إنَّ مَعْنَى: ﴿ذَلِكَ خَيرٌ لِمَنْ يُريدُ وَجْهَ اللهِ﴾ هُوَ: ذَلِكَ خيرٌ لِلذِينَ يُريدُون النَّظرَ إِلى وجهِ اللهِ يومَ القِيامة).
(43) الإيثار:
قال تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) [الحشر/9]
أَثْنَى اللهُ تَعَالَى عَلَى الأَنْصَارِ مُبِيِّناً فَضْلَهُمْ وَشَرَفَهُمْ وَكَرَمَهُمْ، حِينَ جَعَلَ اللهُ الفَيءَ لإِخْوَانِهِم المُهَاجِرِينَ دُونَهُمْ، فَقَالَ تَعَالَى: والذِينَ سَكَنُوا دَارَ الهِجْرَةِ قَبْلَ المُهَاجِرِينَ، وَآمَنُوا قَبْلَ كَثِيرٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ، يُحِبُّونَ المُهَاجِرِينَ، وَيَتَمَنَّوْنَ لَهُمْ الخَيْرَ، كَمَا يَتَمَنَّوْنَهُ لأَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ أَسْكَنُوا المُهَاجِرِينَ فِي دُورِهِمْ، وَأَشْرَكُوهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ حَتَّى نَزَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضِ نِسَائِهِ لِلْمُهَاجِرِينَ.
وَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَنُفُوسُهُمْ طَيِّيَةٌ، وَأَعْيُنُهُمْ قَرِيرَةٌ بِمَا يَفْعَلُونَ، لاَ يَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَسَداً لِلْمُهَاجِرِينَ.
وَلاَ ضِيقاً بِهِمْ لِمَا فَضَّلَهُمُ اللهُ بِهِ مِنَ المَنْزِلَةِ والشَّرَفِ وَالتَّقْدِيمِ فِي الذِّكْرِ والرُّتْبَةِ، وَلِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ مَغْنَمِ بَنِي النَّضِيرِ دُونَهُمْ.
(رُوِيَ أَنَّ المُهَاجِرِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قَوْمٍ قَدِمْنَا عَلَيْهِمْ حُسْنَ مُوَاسَاةٍ فِي قَليلٍ، وَلاَ حُسْنَ بَذْلٍ فِي كَثِيرٍ، لَقَدْ كَفَوْنَا المَؤُونَةَ، وَأَشْرَكُونَا فِي المَهْنَأ، حَتَّى لَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالأَجْرِ كُلِّهِ.
قَالَ: لاَ.
مَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ، وَدَعَوْتُمْ لَهُمُ اللهَ).وَهُمْ يُقَدِّمُونَ أَهْلَ الحَاجَةِ مِنَ المُهَاجِرِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَيَبْدَؤُونَ بِالنَّاسِ قَبْلَ أَنْفُسِهِمْ فِي حَالِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدُ المُقِلِّ ". (البُخَارِيُّ).وَمَنْ سَلِمَ مِنْ آفَةِ الحِرْصِ عَلَى المَالِ وَالبُخْلِ، فَقَدْ فَازَ وَأَفْلَحَ.
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ فَإِنَّ الظُلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، واتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُحَّ قَدْ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَطُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ ".
وقال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17) [التغابن/16 - 17]
فَابْذُلُوا فِي تَقْوَى اللهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنَ الجَهْدِ وَالطَّاقَةِ." وَقَدْ قَالَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَمَا نَهِيتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واسْمعُوا وَأَطِيعُوا مَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَاعْمَلُوا بِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ عَلَى الأَقَارِبِ وَالفُقَرَاءِ وَالمُحْتَاجِينَ، وَأَحْسِنُوا إِلَى عِبَادِ اللهِ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيكُمْ يَكْنْ ذَلِكَ خَيْراً لأَنْفُسِكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
وَمَنْ يَبْتَعِدْ عَنِ البُخْلِ وَالحِرْصِ عَلَى المَالِ، يَكُنْ مِنَ الفَائِزِينَ.
ومَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ مَالٍ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَتَقَرُّباً إِليهِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَعُدُّ ذَلِكَ الإِنْفَاقَ مُقَدَّماً إِلَيه تَعَالَى، وَهُوَ يُخْلفُهُ وَيَرُدُّهُ إِلَى المُنْفقِينَ - أَضْعَافاً كَثِيرَةً - الحَسَنَةُ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِها إِلَى سَبْعِمِئَةِ ضِعْفٍ - وَيَمْحُو عَنْكُمْ بِها سَيِّئَاتِكُمْ، وَيَسْتُرُهَا عَلَيْكُمْ، وَاللهُ شكُورٌ يَجْزِي عَلَى القَلِيل بِالكَثِيرِ، وَهُوَ كَثِيرُ الحِلْمِ وَالمَغْفِرَةِ، يَغْفِرُ وَيَسْتُرُ، وَلاَ يُعَاجِلُ بِالعُقُوبَةِ عِبَادَهُ عَلَى الذُّنُوبِ وَالأَخْطَاءِ لَعَلَّهُمْ يَتُوبُونَ وَيَرْجِعُونَ مُسْتَغْفِرْينَ.
(44) أن يتولوا الله ورسوله والمؤمنين:
قال تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) [المائدة/55 - 56]
يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَلَى مُوَالاَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤَدُّونَ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، وَيُسَاعِدُونَ المُحْتَاجِينَ مِنَ الضُعَفَاءِ وَالمَسَاكِينِ، وَهُمْ دَائِمُونَ الرُّكُوعِ للهِ.
وَكُلُّ مَنْ رَضِي بِمُوَالاَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالمُؤمِنِينَ هُوَ مُفْلِحٌ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، وَهُوَ مَنْصُورٌ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، لأنَّهُ يَكُونُ فَِي حِزْبِ اللهِ، وَحِزْبِ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ، وَلاَ يُغْلَبُ مَنْ يَتَوَلاَّهُمُ اللهُ.
(45) الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ:
قال تعالى: الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22) [التوبة/20 - 22]
فَالذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، هُمْ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ دَرَجَةً وَمَقَاماً، وَأَكْثَرُ مَثُوبَةً مِنَ الذِينَ عَمَّرُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ، وَسَقَوْا الحَاجَّ فِي الجَّاهِلِيةِ.
وَهَؤُلاَءِ المُؤْمِنُونَ المُجَاهِدُونَ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُمُ الفَائِزُونَ بِرَحْمَةِ اللهِ، وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّاتِهِ.
وَهَؤُلاَءِ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ فِي كِتَابِهِ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، وَعَلَى لِسَانِ مَلاَئِكَتِهِ حِينَ مَوْتِهِمْ، بِرَحْمَةٍ مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانٍ، وَبِأَنَّهُ سَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتِهِ الوَاسِعَةَ، وَسَيبقَوْنَ فِيهَا أَبَداً فِي نَعِيمٍ مُقِيمٍ، وَالرِضْوَانُ مِنَ اللهِ هُوَ نِهَايَةُ الإِحْسَانِ، وَأَعْلَى النَّعِيمِ، وَأَكْمَلُ الجَزَاءِ.
وَسَيَكُونُ هَؤُلاَءِ الكِرَامُ مُخَلَّدِينَ فِي الجَنَّةِ أَبَداً وَهَذا جَزَاءٌ لَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِم الصَّالِحَةِ، وَاللهُ تَعَالَى عِنْدَهُ الأَجْرُ العَظِيمُ لِمَنْ آمَنَ وَجَاهَدَ، وَقَامَ بِمَا فَرَضَهُ عَلَيْهِ الإِسْلاَمُ.
(
الطريق إلى الجنة:
واعلم يا عبد الله أن الجنة لا تنال بالعمل.. وإنما هي فضل من الله ورحمة، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (لن يُدخِل أحداً عملُه الجنة).
قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (لا، ولا أنا، إلا أن يتغمَّدني الله بفضلٍ ورحمة، فسدِّدوا وقاربوا، ولا يتمنينَّ أحدكم الموت: إما محسناً فلعله أن يزداد خيراً، وإما مسيئاً فلعله أن يستعتب.
وأما قول الله جل وعلا: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مّآ أُخْفِيَ لَهُم مّن قُرّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [السجدة 17] فإن الباء في قوله (بما كانوا يعملون) سببية.
أي بسبب أعمالهم فالله سبحانه جعل أعمالهم سبباً لفضله ورحمته حيث أدخلهم جنته.
فإذا عرفت ـ أخي الكريم ـ أن الجنة هي محض فضل الله ورحمته, وان رحمته وفضله إنما ينالان بفعل ما يرضاه ويريده فبادر إلى خير الأعمال وصالح الأفعال.
واحفظ الله, واسلك سبيله القويم يفض عليك من الرحمات ما يدخلك به أعالي الجنات في تلك الغرفات.
فاسلك سبيل المتقين... وظن خيراً بالكريم
واذكر وقوفك خائفاً... والناس في أمر عظيم
إما إلى دار الشقاوة... أو إلى العز المقيم
فاغنم حياتك واجتهد... وتب إلى الرب الرحيم
(وأما طريق الجنة: فهو كل ما يقربك من الله سبحانه من القربات والطاعات فقد ذكر الله جل وعلا طاعات وعبادات في كتابه العزيز جازى عليها بالجنة من عمل بها مخلصاً فمن ذلك ما يلي: (1) الإيمان والعمل الصالح:
فقد ذكر الله سبحانه في سورة العصر أن الإنسان خاسر إلا من أمن وعمل صالحاً فقال تعالى: (وَالْعَصْرِ إِنّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ إِلاّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصّبْرِ) [العصر1: 3]
وقال سبحانه: (وَبَشّرِ الّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ
[البقرة 25] ونظير هذا في القرآن كثير.
وذلك لأن الإيمان يوجب معرفة الله وخشيته ومراقبته وتوقيره ومتابعة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والعمل الصالح يوجب فعل ما أمر الله واجتناب ما نهى عنه من كبائر الإثم والفواحش.
(2) الصلاة:
قال تعالى: (إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللّهِ أَكْبَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [العنكبوت: 45]
فالصلاة ناهية عن الإثم والمنكر الموجب للحرمان من الجنة.
وهي الماحية للذنوب والخطايا كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسلُ فيه كلَ يومٍ خمسَ مراتٍ، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثلُ الصلوات الخمس يمحو الله بهنَّ الخطايا.
(حديث عثمان رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها و خشوعها و ركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة و ذلك الدهر كله.
فبادر ـ أخي الكريم ـ بالحفاظ على الصلاة فإنها نور المؤمن وعهده وفصل ما بينه وبين الكفر.
وتأمل في الحديث الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة.
(حديث بريدة الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر.
(3) أداء النوافل:
فهي تقرب إلى الله بعد الفرائض, وتكسبك ـ أخي الكريم ـ حلة الولاية لله سبحانه لأنها موجبة لحبه وحفظه, وهي علامة حبك لله وطاعتك وإخلاصك.
وتأمل في الحديث الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(
(حديث أم حبيبة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة.
(حديث عائشة الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من ثابر على اثنتي عشرة ركعة من السنة بنى الله له بيتا في الجنة أربع ركعات قبل الظهر و ركعتين بعده و ركعتين بعد المغرب و ركعتين بعد العشاء و ركعتين قبل الفجر.
(4) بر الوالدين:
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه قيل ومن يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة.
فاحرص ـ أخي الحبيب ـ على بر الوالدين وأطعهما في ما أمرا إذا لم يكن أمرهما معصية لله وأحسن إليهما في الدنيا يحسن الله إليك بجنته وفضله وجوده, واعلم أن عقوقهما من أكبر الكبائر فقد قرن الله طاعتهما بالتحذير من الشرك والأمر بتوحيده.
قال تعالى: (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) [النساء: 36]
(5) التوبة:
فالتوبة من أجلِّ القربات والعبادات وهي منزلة لا يفارقها الصالحون في رحلتهم في هذه الحياة الدنيا, بل ولا الأنبياء والمرسلون.
ذلك لأن الله تعالى أمر بها في كل وقت وحين وعلق الفلاح عليها.
فكل ابن آدم خطاء.. قال تعالى: (وَتُوبُوَاْ إِلَى اللّهِ جَمِيعاً أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: 31]
فتأمل حفظك الله كيف وصفهم الله بالإيمان ثم دعاهم إلى التوبة ليعلم كل مسلم أن التوبة لازمة للعبد في سائر منازله التي يسلكها في طريقه إلى الله.
وتذكر دائماً أن الجنة قد حفت بالمكاره وأن النار قد حفت بالشهوات وإلا كيف سيكون الاختبار و كيف يميز الصابر من الضاجر والمطيع من العاصي.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات".
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل وعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.
باب التخويف من النار:
• عناصر الباب: • التخويف من النار: •
أكثروا ذكر النار:
• صورٌ مشرقة لخوف السلف من النار:
• من الخائفين من منعه خوف جهنم من النوم:
• من السلف من منعه خوف النار من الضحك:
• من السلف من مَرِضَ من خوفه من النار:
• أحوال بعض الخائفين:
• من السلف من يُنَغَصُ عليهم طعامهم عند ذكر طعام أهل النار:
• تخويف أصناف الخلق بالنار:
• غير الحيوان من الجمادات وغيرها تخشى الله تعالى:
• البكاء من خشية النار ينجي منها:
• التعوذ من النار:
• أسباب عذاب النار:
• ذكر مكان جهنم:
• أسماء النار:
• وصف النار:
• سعة جهنم طولا وعرضا:
• ذكر قعر جهنم وعمقها:
• طبقات جهنم ودركاتها وصفتها:
• ذكر حجارة النار:
• ذكر حيات جهنم وعقاربها:
• ذكر سلاسل جهنم وأغلالها وأنكالها:
• سجن جهنم:
• ذكر دخان جهنم وشررها ولهبها:
• ذكر أبواب جهنم وسرادقها:
• أبواب جهنم مغلقة:
• أبواب جهنم مغلقة قبل دخول أهلها إليها:
• إحاطة سرادق جهنم بالكافرين:
• ظلمة جهنم وسوادها وشررها:
• وقود النار:
• شدة حر جهنم وزمهريرها:
• ذكر سجر جهنم وتسعيرها:
• تسجر جهنم كل يوم نصف النهار:
• تسجر جهنم بخطايا بني آدم:
• تسجر جهنم على أهلها بعد دخولهم إليها:
• ذكر تغيظ النار وزفيرها:
• ذكر طعام أهل النار وشرابهم:
• ذكر كسوة أهل النار ولباسهم فيها:
• فراش أهل النار وغطاؤهم:
• البحار تسجر يوم القيامة:
• ذكر عِظَمِ خَلْقِ أهل النار فيها وَقُبْحِ صُوَرِهم وهيئاتهم:
• تفاوت أهل النار في العذاب:
• أنواع عذاب أهل النار:
• ما يتحف به أهل النار عند دخولهم إليها:
• تخاصم أهل النار:
• ولأهل النار أنواع من العذاب لم يطلع الله عليها خلقه في الدنيا:
• عذاب الكفار في النار متواصل أبدا لا يفتر عنهم ولا ينقطع ولا يُخَفَف.
• أعظم عذاب أهل النار حجابهم عن الله تعالى:
• ذكر بكاء أهل النار وزفيرهم وشهيقهم وصراخهم:
• طلب أهل النار الخروج منها:
• أهل النار لا يزالون في رجاء حتى يذبح الموت:
• ذكر نداء أهل النار أهل الجنة وأهل الجنة أهل النار وتكليم بعضهم بعضا:
• وصف خزنة جهنم وزبانيتها:
• مجيء النار يوم القيامة وخروج عنق منها يتكلم:
• ذكر ورود النار نجانا الله منه برحمته:
• إذا وقف العبد بين يدي ربه تستقبله النار:
• خروج الموحدين من النار برحمة الله وشفاعة الشافعين:
• أهل النار الذين هم أهلها يخلدون فيها.
• صفة من يستحق دخول النار في الكتاب والسنة:
• أول من يدخل النار من عصاة الموحدين:
• أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة.
• أعمال أهل الجنة وأعمال أهل النار:
• أنقذوا أنفسكم من النار:
وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل:
• التخويف من النار:
قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاّ يَعْصُونَ اللّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6]
و قال تعالى: (فَإِن لّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتّقُواْ النّارَ الّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدّتْ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة: 24]
و قال تعالى: (وَاتّقُواْ النّارَ الّتِيَ أُعِدّتْ لِلْكَافِرِينَ) [آل عمران: 131]
و قال تعالى: (فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظّىَ) [الليل: 14]
و قال تعالى: (لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوّفُ اللّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَعِبَادِ فَاتّقُونِ) [الزمر: 16]
و قال تعالى: (وَمَا هِيَ إِلاّ ذِكْرَىَ لِلْبَشَر كَلاّ وَالْقَمَرِ وَاللّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَالصّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ إِنّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ نَذِيراً لّلْبَشَر لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدّمَ أَوْ يَتَأَخّرَ) [المدثر 31 - 37]
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن الحسن البصري رحمه الله تعالى في قوله تعالى (نَذِيراً لّلْبَشَر) قال والله ما أنذر العباد بشيءٍ قط أدهى منها خرجه ابن أبي حاتم.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن قتادة في قوله تعالى إنها لإحدى الكبر يعني النار.
(حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب يقول أنذرتكم النار أنذرتكم النار حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه.
[وعن عدي بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اتقوا النار قال وأشاح (حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدَّم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشِقِّ تمرة).
(حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فيها فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيها.
الحجز: جمع حجزة وهى معقد الإزار والسراويل.
تقحمون: تقعون
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أنا آخذ بحجزكم أقول إياكم وجهنم إياكم والحدود إياكم وجهنم إياكم والحدود إياكم وجهنم إياكم والحدود ثلاث مرات فإذا أنا مت تركتكم وأنا فرطكم على الحوض فمن ورد أفلح.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال: لما أنزلت هذه الآية (وأنذر عشيرتك الأقربين) دعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قريشا فاجتمعوا فعم وخص فقال يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما رأيت مثل النار نام هاربها ولا مثل الجنة نام طالبها.
وقد كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كثيرا ما يحذر من النار ويأمر بذلك في الصلاة وغيرها والأحاديث في ذلك كثيرة منها ما يلي:
(حديث أنَسٍ رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: كان أكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ "0
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح النسائي) قال: سمعت أبا القاسم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: في صلاته اللهم إني أعوذ بك من فتنة القبر ومن فتنة الدجال ومن فتنة المحيا والممات ومن حر جهنم.
(حديث عائشة في صحيح ابن ماجة) أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علمها هذا الدعاء اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله و آجله ما علمت منه و ما لم أعلم و أعوذ بك من الشر كله عاجله و آجله ما علمت منه و ما لم أعلم اللهم إني أسألك من خير ما سألك به عبدك و نبيك و أعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك و نبيك اللهم إني أسألك الجنة و ما قرب إليها من قول أو عمل و أعوذ بك من النار و ما قرب إليها من قول أو عمل و أسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرا.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لرجل ما تقول في الصلاة قال أتشهد ثم أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار أما والله ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال حولها ندندن.
مسألة: ما معنى حولها ندندن؟
الدندنة في اللغة: هي الكلام البليغ الذي يدور حول هدف معين، أو هي الصوت الهامس الذي تُسمع نغماته ولكن قد لا يُفهم معناه، طالما لم يجهر به قائله.
وجنة الفردوس هي هدفنا جميعاً ندندن حولها في كلّ عباداتنا، وكتاباتنا، وأقولنا، وأفعالنا، ندور في فلكها ونطوف حول محورها، سواء أكان هدفنا مباشراً أم غير مباشر، مستدلين في ذلك بهدي الهادي الأمين حبيبنا محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلوات والتسليم.
مسألة: ما هو الخوف المذموم والخوف المحمود؟
الخوف المذموم: هو (الإفراط في الخوف) وهو يدعو إلى اليأس والقنوط.
والخوف المحمود هو ما حجزك عن معصية الله تعالى.
- ولذلك قيل: ليس الخائف من يبكى ويمسح عينيه، بل من يترك ما يخاف أن يعاقب عليه، وقيل لذي النون المصري: متى يكون العبد خائفاً؟ قال: " إذا نزل نفسه منزلة السقيم الذي يحتمي مخافة طول السقام ".
فالخوف المحمود يحرق الشهوات المحرمة فتصير المعاصى المحبوبة عنده مكروهة، كما يصير العسل مكروهاً، عند من يشتهيه إذا عرف أن فيه سماً، فتحرق الشهوات بالخوف، وتتأدب الجوارح، ويحصل في القلب الخضوع والذلة والاستكانة ويفارقه الكبر والحقد والحسد، بل بصير مستوعب الهم بخوفه، والنظر في خطر عاقبته، فلا يتفرغ لغيره، ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة، والضنة بالأنفاس واللحظات، ومؤاخذة النفس بالخطرات، والخطوات والكلمات، ويكون حاله حال من وقع في مخلب سبع ضار، لا يدري أنه يغفل عنه فيفلت، أو يهجم عليه فيهلك، فيكون بظاهره وباطنه مشغولاً بما هو خائف منه لا متسع فيه لغيره، فهذا حال من غلبه الخوف.
قال تعالى: (إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) [الأنفال: 2]
قال الله تعالى: ﴿ْ إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ماَ آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (المؤمنون الآية 57 - 61).
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قالت: سألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن هذه الآية: (وَالّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) [المؤمنون: 60] قالت عائشة هم الذين يشربون الخمر ويسرقون قال لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات.
وقال تعالى: (إِنّمَا ذَلِكُمُ الشّيْطَانُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مّؤْمِنِينَ)
[آل عمران: 175]
•
أكثروا ذكر النار:
قال تعالى قال تعالى: (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً) [الواقعة: 73] قال مجاهد وغيره: يعني أن نار الدنيا تذكر بنار الآخرة] وقد كان كثيرٌ من السلف رحمهم الله تعالى كثير الهج بذكر النار ومن ذلك ما يلي: • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن عمر أنه قال: أكثروا ذكر النار، أكثروا ذكر النار، فإن قعرها بعيد وأن حرها شديد وإن مقامعها حدبد.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن المعلي بن زياد قال: كان هرم بن حيان يخرج في بعض الليالي وينادي بأعلى صوته عجبت من الجنة كيف نام طالبها وعجبت من النار كيف نام هاربها ثم يقول (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىَ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ) [الأعراف: 97]
• وأورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن أبي الجوزاء قال: لو وليت من أمر الناس شيئا اتخذت منارا على الطريق وأقمت عليها رجالا ينادون في الناس النار النار.
• وأورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن مالك بن دينار قال لو وجدت أعوانا لناديت في منار البصرة بالليل النار النار ثم قال لو وجدت أعوانا لفرقتهم في منار الدنيا يا أيها الناس النار النار.
• يا من ظلمتم خلق الله.. يا من جعلتم مناصبكم وقوتكم لظلم العباد!! أكثروا ذكر النار.
• يا من تحديتم الله جل وعلا.. يا من بارزتم الله بالمعاصي أكثروا ذكر النار
وتأملوا في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يؤتي بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت نعيماً قط؟ فيقول: لا والله ما رأيت نعيماً قط، ويؤتي بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة صبغة ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ فيقول: لا والله ما رأيت بؤساً قط.
هذا رجل من أهل النعيم والرفاهية والمال والسلطان في الدنيا وهو من أهل النار في الآخرة يغمس في النار غمسة واحدة ويقال له هل رأيت نعيما قط؟ فيقول: لا.
•
صورٌ مشرقة لخوف السلف من النار:
قد كان كثيرٌ من السلف رحمهم الله تعالى إذا ذُكِرَ النار اضطرب وتغيرت حاله ومن ذلك ما يلي: • أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن سليمان بن سحيم قال: أخبرني من رأى ابن عمر يصلي وهو يترجح ويتمايل ويتأوه حتى لو رآه غيرنا ممن يجهله لقال لقد أصيب الرجل وذلك لذكر النار إذ مر بقوله تعالى وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين [الفرقان 31]
وفي كتاب الزهد للإمام أحمد عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال قلت ليزيد بن مرثد مالي أرى عينك لا تجف قال وما مسألتك عنه؟ قلت عسى الله أن ينفعني به، قال يا أخي إن الله توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار والله لو لم يوعدني أن يسجنني إلا في الحمام لكنت حَرِيَاً أن لا تجف لي عين،
قلت له: فهكذا أنت في صلاتك؟
قال وما مسألتك عنه؟
قلت عسى الله أن ينفعني به.
قال: والله إن ذلك ليعرض لي حين أسكن إلى أهلي فيحول بيني وبين ما أريد وإنه ليوضع الطعام بين يدي فيعرض لي فيحول بيني وبينه وبين أكله حتى تبكي امرأتي وتبكي صبياننا ما يدرون ما أبكانا وربما أضجر ذلك امرأتي فتقول يا ويحها ما خصه من طول الحزن معك في الحياة الدنيا ما يقر لي معك عين.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن يزيد بن حوشب قال: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز كأن النار لم تخلق إلا لهما.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن حفص بن عمر قال بكى الحسن فقيل ما يبكيك قال أخاف أن يطرحني غدا في النار ولا يبالي.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن الفرات بن سليمان قال كان الحسن يقول إن المؤمنين قوم ذلت والله منهم الأسماع والأبصار والأبدان حتى حسبهم الجاهل مرضى وهم والله أصحاب القلوب ألا تراه يقول وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن [فاطر:43] والله لقد كابدوا في الدنيا حزنا شديدا وجرى عليهم ما جرى على من كان قبلهم والله ما أحزنهم ما أحزن الناس ولكن أبكاهم وأحزنهم الخوف من النار.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال سمعت عبد الله بن حنظلة يوما وهو على فراشه وعدته من علته فتلا رجل عنده هذه الآية لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش [الأعراف 14] فبكى حتى ظننت أن نفسه ستخرج وقال صاروا بين أطباق النار ثم قام على رجليه فقال قائل يا أبا عبد الرحمن اقعد قال منعني القعود ذكر جهنم ولا أدري لعلي أحدهم.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن عبد الرحمن بن مصعب أن رجلا كان يوما على شط الفرات فسمع تاليا يتلو (إِنّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنّمَ خَالِدُونَ) [الزخرف: 74] فتمايل فلما قال التالي (لاَ يُفَتّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) [الزخرف: 75] سقط في الماء فمات.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن أبي بكر بن عياش قال: صليت خلف فضيل بن عياض صلاة المغرب وإلى جانبي علي ابنه فقرأ الفضيل ألهاكم التكاثر فلما بلغ لترون الجحيم [التكاثر الذي 6] سقط علي مغشيا عليه وبقي الفضيل لا يقدر يجاوز الآية ثم صلى بنا صلاة خائف قال ثم رابطت عليا فما أفاق إلا في نصف الليل.
• وروى أبو نعيم باسناده عن الفضيل قال أشرفت ليلة على علي وهو في صحن الدار وهو يقول النار ومتى الخلاص من النار وكان علي يوما عند ابن عيينة فحدث سفيان بحديث فيه ذكر النار وفي يد علي قرطاس في شيءٍ مربوط فشهق شهقة ووقع ورمى بالقرطاس أو وقع من يده فالتفت إليه سفيان فقال لو علمت أنك ها هنا ما حدثت به، فما أفاق إلا بعدما شاء الله.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن علي بن خشرم قال: سمعت منصور بن عمار يقول تكلمت يوما في المسجد الحرام فذكرت شيئا من صفة النار فرأيت الفضيل بن عياض صاح حتى غشي عليه وطرح نفسه.
• وفي الحلية لأبي نعيم أن علي بن فضيل صلى خلف إمام قرأ في صلاته سورة الرحمن فلما سلم قيل لعلي أما سمعت ما قرأ الإمام (حُورٌ مّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ) [الرحمن: 72] فقال شغلني عنها ما قبلها (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مّن نّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ) [الرحمن: 35].
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابن أبي ذئب قال: حدثني من شهد عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة وقرأ عنده رجل (وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً مّقَرّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً) [الفرقان: 13] فبكى عمر حتى غلبه البكاء وعلا نشيجه فقام عن مجلسه ودخل بيته وتفرق الناس.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن أبي نوح الأنصاري قال: وقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين وهو ساجد فجعلوا ينادونه يا ابن رسول الله النار فما رفع رأسه حتى أطفئت فقيل ما الذي أَلْهَاك عنها؟ قال النار الأخرى.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن سرار أبي عبد الله قال: عاتبت عطاء السلمي في كثرة بكائه فقال لي يا سرار كيف تعاتبني في شيءٍ ليس هو لي إني إذا ذكرت أهل النار وما ينزل بهم من عذاب الله عز وجل وعقابه تمثلت لي نفسي بهم فكيف لنفسي تغل يداها عنقها وتسحب إلى النار أن لا تبكي وتصيح وكيف لنفس تعذب أن لا تبكي.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن العلاء بن زياد قال: كان إخوان مطرف عنده فخاضوا في ذكر الجنة والنار فقال مطرف لا أدري ما تقولون حال ذكر النار بيني وبين الجنة.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: لقد شغلت النار من يعقل عن ذكر الجنة.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن
أن يزيد الرقاشي عوتب على كثرة بكائه وقيل له لو كانت النار خلقت لك ما زدت على هذا فقال وهل خلقت النار إلا لي ولأصحابي ولإخواننا من الجن والإنس أما تقرأ (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيّهَا الثّقَلاَنِ) [الرحمن: 31]، أما تقرأ (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مّن نّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ) [الرحمن: 35] فقرأ حتى بلغ قال تعالى: (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ) [الرحمن: 44] وجعل يجول في الدار ويصرخ ويبكي حتى غشي عليه]
- وقال أيضاً رحمه الله تعالى: وقرئ على رابعة العدوية آية فيها ذكر النار فصرخت ثم سقطت فمكثت ما شاء الله لم تفق.
- وقال أيضاً رحمه الله تعالى: دخل ابن وهب الحمام فسمع قارئا يقرأ (وَإِذْ يَتَحَآجّونَ فِي النّارِ) [غافر: 47] علي فسقط مغشيا عليه فغسل عنه بالنورة وهو لا يعقل
- وقال أيضاً رحمه الله تعالى: لما أهديت معاذة العدوية إلى زوجها صلة بن أشيم أدخله ابن أخيه الحمام ثم أدخله بيتا مطيبا فقام يصلي حتى أصبح وفعلت معاذة كذلك فلما أصبح عاتبه ابن أخيه على فعله فقال له إنك أدخلتني بالأمس بيتا أذكرتني به النار ثم أدخلتني بيتا أذكرتني به الجنة فما زالت فكرتي فيهما حتى أصبحت.
- وقال أيضاً رحمه الله تعالى: كان الأوزاعي إذا ذكر النار لم يقطع ذكرها ولم يقدر أحد يسأله عن شيء حتى يسكت فأقول بيني وبين نفسي ترى بقي أحد في المجلس لم يتقطع قلبه حسرات.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن سعد بن الأخرم قال كنت أمشي مع ابن مسعود فمر بالحدادين وقد أخرجوا حديدا من النار فقام ينظر إليه ويبكي.
• وأورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن عطاء الخراساني قال كان أويس القرني يقف على موضع الحدادين فينظر إليهم كيف ينفخون الكير ويسمع صوت النار فيصرخ ثم يسقط.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن الأعمش قال: أخبرني من رأى الربيع بن خيثم مر بالحدادين فنظر إلى الكير وما فيه فخر.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن مطر الوراق قال: كان حممة وهرم بن حيان إذا أصبحا غديا فمرا باكورة الحدادين فنظرا إلى الحديد كيف ينفخ فيقفان ويبكيان ويستجيران من النار.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن العلاء بن محمد قال دخلت علي عطاء السلمي فرأيته مغشيا عليه فقلت لامرأته ما شأنه قالت سجرت جارة لنا التنور فلما نظر إليه غشي عليه.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن معاوية الكندي قال مر عطاء السلمي على صبي معه شعلة نار فأصابت النار الريح فسمع ذلك منها فغشي عليه.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن الحسن قال: كان عمر رضي الله عنه ربما توقد له النار ثم يدني يديه منها ثم يقول يا ابن الخطاب هل لك على هذا صبر.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن أن الأحنف بن قيس كان يجئ إلى المصباح بالليل فيضع أصبعه فيه ثم يقول حس حس ثم يقول يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا ما حملك على ما صنعت يوم كذا.
• من الخائفين من منعه خوف جهنم من النوم:
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن أسد بن وداعة قال: كان شداد بن أوس إذا أوى إلى فراشه كأنه حبة على مقلي فيقول اللهم إن ذكر جهنم لا يدعن أنام فيقوم إلى مصلاه.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن أبي سليمان الداراني قال: كان طاووس يفترش فراشه ثم يضطجع عليه فيتقلى كما تقلى الحبة على المقلى ثم يثب فيدرجه ويستقبل القبلة حتى الصباح ويقول طير ذكر جهنم نوم العابدين.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن مالك بن دينار قال: قالت ابنة الربيع بن خيثم يا أبت ما لك لا تنام والناس ينامون فقال إن النار لا تدع أباك ينام.
- وقال أيضاً رحمه الله تعالى: وكان صفوان بن محرز إذا جنه الليل يخور كما يخور الثور ويقول منع خوف النار مني الرقاد.
- وقال أيضاً رحمه الله تعالى: وكان عامر بن عبد الله يقول ما رأيت مثل الجنة نام طالبها وما رأيت مثل النار نام هاربها فكان إذا جاء الليل قال أذهب حر النار النوم فما ينام حتى يصبح وإذا جاء النهار قال أذهب حر النار النوم فما ينام حتى يمسي وروي عنه أنه كان يتلوى كما يتلوى الحب في المقلى ثم يقوم فينادي اللهم إن النار قد منعتني من النوم فاغفر لي وروي عنه أنه قيل له ما لك لا تنام قال إن ذكر جهنم لا يدعني أنام.
- وقال أيضاً رحمه الله تعالى: قال الحر بن حصين الفزاري رأيت شيخا من بني فزارة أمر له خالد بن عبد الله بمائة ألف فأبى أن يقبلها وقال أذهب ذكر جهنم حلاوة الدنيا من قلبي قال وكان يقوم إذا نام الناس فيصيح النار النار النار.
- وقال أيضاً رحمه الله تعالى: كان رجل من الموالي يقال له صهيب وكان يسهر الليل ويبكي فعوتب على ذلك وقالت له مولاته أفسدت على نفسك فقال إن صهيبا إذا ذكر الجنة طال شوقه وإذا ذكر النار طار نومه.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابن مهدي قال ما كان سفيان الثوري ينام إلا أول الليل ثم ينتفض فزعا مرعوبا ينادي النار النار شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات ثم يتوضأ ويقول على أثر وضوئه اللهم إنك عالم بحاجتي غير معلم وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار.
وفي هذا المعنى يقول عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: إذا ما الليل أظلم كابدوه... فيسفر عنهم وهم ركوع أطار الخوف نومهم فقاموا... وأهل الأمن في الدنيا هجوع
•
من السلف من منعه خوف النار من الضحك:
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن اسماعيل السدي قال: قال الحجاج لسعيد بن جبير بلغني أنك لم تضحك قط قال كيف أضحك وجهنم قد سعرت والأغلال قد نصبت والزبانية قد أعدت.
- وقال أيضاً رحمه الله تعالى: قال عثمان بن عبد الحميد: وقع في جيران غزوان حريق فذهب يطفئه فوقع شرارة على أصبع من أصابعه فقال ألا أراني قد أوجعتني نار الدنيا والله لا يراني الله ضاحكا حتى أعرف أينجيني من نار جهنم أم لا.
وقد كان جماعة من السلف قد عاهدوا الله أن لا يضحكوا أبدا حتى يعلموا أين مصيرهم إلى الجنة أم إلى النار منهم حممة الدوسي والربيع بن خراش وأخوه ربعي وأسلم العجلي ووهيب بن الورد وغيرهم.
•
من السلف من مَرِضَ من خوفه من النار:
• قال ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار: كان الحسن يقول في وصف الخائفين قد براهم الخوف فهم أمثال القداح ينظر إليه الناظر فيقول مرضى وما بهم مرض ويقول قد خولطوا وقد خالط القوم من ذكر الآخرة أمر عظيم.
- وقال أيضاً رحمه الله تعالى: سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يتهجد في الليل ويقرأ سورة الطور فلما بلغ إلى قوله تعالى (إِنّ عَذَابَ رَبّكَ لَوَاقِعٌ مّا لَهُ مِن دَافِعٍ) [الطور 7، 8] قال عمر قسم ورب الكعبة حق ثم رجع إلى منزله فمرض شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه.
- وقال أيضاً رحمه الله تعالى: وكان جماعة من عباد البصرة مرضوا من الخوف ولزموا منازلهم كالعلاء بن زياد وعطاء السلمي وكان عطاء قد صار صاحب فراش عدة سنين وكانوا يرون أن بدء مرض عمر بن عبد العزيز الذي مات فيه كان من الخوف.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن حفص بن عمرو الجعفي قال: اشتكى داود الطائي أياما وكان سبب علته أنه مر بآية فيها ذكر النار فكررها مرارا في ليلته فأصبح مريضا فوجدوه قد مات ورأسه على لبنة.
• أخرج أبو نعيم في الحلية عن منصور بن عمار قال: حججت حجة فنزلت سكة من سكك الكوفة فخرجت في ليلة مظلمة طخيا مسحنكة فإذا بصارخ يصرخ في جوف الليل وهو يقول: «إلهي وعزتك وجلالك ما أرادت بمعصيتي مخالفتك، وقد عصيتك إذ عصيتك وما أنا بنكالك جاهل، ولكن خطيئة عرضت وأعانني عليها شقائي، وغرني سترك المرخي علي، وقد عصيتك بجهدي، وخالفتك بجهلي، فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أتصل إن أنت قطعت حبلك، واشباباه».
قال: فلما فرغ من قوله تلوت آية من كتاب الله تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [التحريم: 6] الآية فسمعت دكدكة لم أسمع بعدها حساً، فمضيت فلما كان من الغد رجعت في مدرجتي فإذا أنا بجنازة قد أخرجت، وإذا أنا بعجوز قد ذهب متنها ـ يعني قوتها ـ فسألتها، عن أمر الميت ـ ولم تكن عرفتني ـ فقالت: هذا رجل لا جزاه إلا جزاءه من بابني البارحة وهو قائم يصلي فتلا آية من كتاب الله تعالى فتفطرت مرارته فوقع ميتاً، رحمه الله.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن عبد الوهاب قال بينا أنا جالس في الحدادين ببلخ إذ مر رجل فنظر إلى النار في الكور فسقط فقمنا ونظرنا فإذا هو قد مات.
- وقال أيضاً رحمه الله تعالى: إن علي بن فضيل مات من سماع قراءة هذه الآية (وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النّارِ فَقَالُواْ يَلَيْتَنَا نُرَدّ وَلاَ نُكَذّبَ بِآيَاتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الأنعام: 27]
- وقال أيضاً رحمه الله تعالى: قال يونس بن عبد الأعلى قرأ عبد الله بن وهب كتاب الأهوال فمر في صفة النار فشهق فغشي عليه فحمل إلى منزله وعاش أياما ثم مات رحمه الله.
• أحوال بعض الخائفين:
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: خطب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطبة ما سمعت مثلها قط قال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا).
قال فغطى أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجوههم لهم خنين.
ومعنى الحديث: لو أنكم علمتم ما أعلمه من عظمة الله عز وجل، وانتقامه ممن يعصيه، لطال بكاؤكم وحزنكم وخوفكم مما ينتظركم، ولما ضحكتم أصلاً، فالقليل هنا بمعنى المعدوم، وهو مفهوم من السياق.
(حديث أبي ذر رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما رأيت مثل النار نام هاربها ولا مثل الجنة نام طالبها.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن يحيى بن أبي كثير قال: قطع قلوب الخائفين طول الخلودين في الجنة أو النار.
- وقال أيضاً رحمه الله تعالى: قال ابن السماك: قطع قلوب العارفين بالله ذكر الخلودين الجنة والنار.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن بكر المزني أن أبا موسى الأشعري خطب الناس بالبصرة فذكر في خطبته النار فبكى حتى سقطت دموعه على المنبر قال وبكى الناس يومئذ بكاء شديدا.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابراهيم بن محمد البصري قال نظر عمر بن عبد العزيز إلى رجل عنده متغير اللون فقال له ما الذي أرى بك قال أسقام وأمراض يا أمير المؤمنين إن شاء الله فأعاد عليه عمر فأعاد عليه الرجل مثل ذلك ثلاث مرات فقال إذا أبيت إلا أن أخبرك فإني ذقت حلاوة الدنيا فصغر في عيني زهرتها وملاعبها واستوى عندي حجارتها وذهبها ورأيت كأن الناس يساقون إلى الجنة وأنا أساق إلى النار فأسهرت لذلك ليلي وأظمأت له نهاري وكل ذلك صغير حقير في جنب عفو الله وثواب الله عز وجل وجنب عقابه.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن سفيان قال كان عمر بن عبد العزيز ساكتا وأصحابه يتحدثون فقالوا ما لك لا تتكلم يا أمير المؤمنين قال كنت مفكرا في أهل الجنة كيف يتزاورون فيها وفي أهل النار كيف يصطرخون فيها ثم بكى.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن مغيث الأسود أنه كان يقول زوروا القبور كل يوم بفكركم وتوهموا جوامع الخير كل يوم في الجنة بعقولكم وشاهدوا الموقف كل يوم بقلوبكم وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة والنار بهممكم وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن أبي سليمان الداراني قال خرج مالك بن دينار بالليل إلى قاعة الدار وترك أصحابه في البيت فأقام إلى الفجر قائما في وسط الدار فقال لهم إني كنت في وسط الدار خطر ببالي أهل النار فلم يزالوا يعرضون علي بسلاسلهم وأغلالهم حتى الصباح.
- وقال أيضاً رحمه الله تعالى: كان سعيد الجرمي يقول في وصف الخائفين إذا مروا بآية من ذكر النار صرخوا منها فرقا كأن زفير النار في آذانهم وكأن الآخرة نصب أعينهم.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن الحسن إن لله عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين وكمن رأى أهل النار في النار معذبين، وقال أيضا والله ما صدق عبد بالنار قط إلا ضاقت عليه الأرض بما رحبت وإن المنافق لو كانت النار خلف ظهره لم يصدق بها حتى يهجم عليها.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن وهب بن منبه قال: كان عابد في بني اسرائيل قام في الشمس يصلي حتى اسود وتغير لونه فمر به إنسان فقال كأن هذا حرق بالنار قال إن هذا من ذكرها فكيف بمعاينتها.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن ابن عيينة قال: قال ابراهيم التيمي مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأعانق أبكارها ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها فقلت لنفسي أي شيءٍ تريدين قالت أريد أن أراد إلى الدنيا فأعمل صالحا قال فقلت فأنت في الأمنية فاعملي.
• من السلف من يُنَغَصُ عليهم طعامهم عند ذكر طعام أهل النار:
وكان كثير من الخائفين من السلف ينغص عليهم ذكر طعام أهل النار وشرابهم طعام الدنيا وشرابها حتى يمتنعوا من تناوله أحيانا لذلك.
• قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: الخوف يمنعني من أكل الطعام والشراب فلا أشتهيه.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن سعد بن ابراهيم قال أتى عبد الرحمن بن عوف بعشائه وهو صائم فقرأ (إِنّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً وَطَعَاماً ذَا غُصّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً) [المزمل 12، 13] فلم يزل يبكي حتى رفع طعامه وما تعشى وإنه لصائم.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن الحسن قال لقي رجلٌ رجلاً فقال له يا هذا أراك قد تغير لونك ونحل جسمك فمم هو؟
فقال آخر وإني لأرى ذلك فمم هو؟
قال أصبحت منذ ثلاثة أيام صائماً فلما أتيت بعشائي عرضت لي هذه الآية (يُسْقَىَ مِن مّآءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ) [إبراهيم 16، 17]
فلم أستطع أن أتعشاه فأصبحت صائما فلما أتيت بعشائي أيضا عرضت لي فلم أستطع أن أتعشاه في ثلاث منذ أنا صائم.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن خليد بن حسان الهجري قال أمسي الحسين صائما فأتى بعشائه فعرضت له هذه الآية (إِنّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً وَطَعَاماً ذَا غُصّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً) [المزمل 12، 13] فقلصت يده وقال ارفعوه فأصبح صائما فلما أمسى أتى بإفطاره عرضت له الآية فقال ارفعوه فقلنا يا أبا سعيد تهلك وتضعف فأصبح اليوم الثالث صائما فذهب ابنه إلى يحيى البكاء وثابت البناني ويزيد الضبي فقال أدركوا أبي فإنه هالك فلم يزالوا به حتى سقوه شربة ماء من سويق.
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن صالح المري قال: كان عطاء السلمي قد أضر بنفسه حتى ضعف فقلت له إنك قد أضررت بنفسك وأنا متكلف لك لشيء فلا ترد كرامتي قال أفعل قال فاشتريت سويقا من أجود ما وجدت وسمنا قال فجعلت له شريبة رسول فلتيتها وحليتها وأرسلت بها مع ابني وكوزاً من ماء فقلت له لا تبرح حتى يشربها فرجع فقال قد شربها فلما كان من الغد جعلت له نحوها ثم سرحت بها مع ابني فرجع بها لم يشربها قال فأتيته فلمته وقلت سبحان الله أرددت علي كرامتي إن هذا مما يعينك ويقويك على الصلاة وعلى ذكر الله تعالى فلما رآني قد وجدت من ذلك قال يا أبا بشر لا يسؤك والله لقد شربتها أول ما بعثت بها فلما كان الغد راودت نفسي على أن أسيغها فما قدرت على ذلك إذا أردت شربه ذكرت هذه الآية (يَتَجَرّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) [إبراهيم: 17] فبكى صالح عند هذا وقال قلت لنفسي ألا أراني في واد وأنت في آخر.
• وروى الإمام أحمد بإسناده عن صالح المري عن عطاء السلمي قال إنني إذا ذكرت جهنم ما يسيغني طعام ولا شراب.
• وروى عبد الله بن الإمام أحمد من طريق مرجى بن وداع قال انطلقت مع صالح المري فدخلنا لم على عطاء السلمي فقلنا له يا عطاء تركت الطعام والشراب قال إني إذا ذكرت صديد أهل النار لم أسغه.
• وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن عبد المؤمن الصايغ قال دعوت رباحا القيسي ذات ليلة إلى منزلي فجاءني في السحر فقربت إليه طعاما فأصاب منه شيئا فقلت أزد فما أراك شبعت قال فصاح صيحة أفزعتني فقال كيف أشبع أيام الدنيا وشجرة الزقوم بين يدي طعام الأثيم قال فرفعت الطعام من بين يديه وقلت أنت في شيء ونحن في شيء.
• وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سوار بن عبد الله القريعي قال كنا مع عمر بن درهم في بعض السواحل قال وكان لا يأكل إلا من السحر إلى السحر فجئنا بطعام فلما رفع الطعام إلى فيه سمع بعض المتهجدين يقرأ هذه الآية قال تعالى: (إِنّ شَجَرَةَ الزّقّومِ طَعَامُ الأثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ) [الدخان 43: 46] فغشي عليه وسقطت اللقمة من يده فلم يفق إلا بعد طلوع الفجر فمكث بذلك سبعا لا يطعم شيئا كلما قرب إليه طعام عرضت له الآية فيقوم ولا يطعم شيئا فاجتمع إليه أصحابه فقالوا سبحان الله تقتل نفسك فلم يزالوا به حتى أصاب شيئا.
• وروى ابن أبي الدنيا أيضا بإسناده عن عبد الله بن عمر أنه شرب ماء باردا فبكى واشتد بكاؤه فقيل ما يبكيك فقال ذكرت آية من كتاب الله قوله: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) [سبأ: 54] فعرفت أن أهل النار لا يشتهون شيئا شهوتهم الماء البارد وقد قال الله تعالى (أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ حَرّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) [الأعراف: 50].
• أورد ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه التخويف من النار عن عن سلام بن أبي مطيع قال أتي الحسن بكوز من ماء ليفطر عليه فلما أدناه إلى فيه بكى وقال ذكرت أمنية أهل النار وقولهم (أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللّهُ) وذكرت ما أجيبوا به (إِنّ اللّهَ حَرّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) [الأعراف:50].
•
تخويف أصناف الخلق بالنار:
النار خلقها الله تعالى لعصاة الجن والإنس وبهما تمتلئ قال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنّمَ كَثِيراً مّنَ الْجِنّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاّ يَسْمَعُونَ بِهَآ) [الأعراف: 179] و قال تعالى: (وَتَمّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ لأمْلأنّ جَهَنّمَ مِنَ الْجِنّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ) [هود: 119] قال تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا لاَتَيْنَا كُلّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلََكِنْ حَقّ الْقَوْلُ مِنّي لأمْلأنّ جَهَنّمَ مِنَ الْجِنّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ) [السجدة: 13]