فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 571-593

مقدمة في فضل علم الآداب:

صفحات 571-593
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

قال ابن كثير رحمه الله: القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا﴾.
يقول تعالى ذكره: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا﴾ بالحلم والسكينة والوقار غير مستكبرين, ولا متجبرين, ولا ساعين فيها بالفساد ومعاصي الله.
قال القرطبي رحمه الله: قال ابن عباس: بالطاعة والمعروف والتواضع.
وقال الحسن: حلماء إن جهل عليهم لم يجهلوا.
وقيل: لا يتكبرون على الناس.
قلت: وهذه كلها معان متقاربة, ويجمعها العلم بالله والخوف منه, والمعرفة بأحكامه والخشية من عذابه وعقابه ; جعلنا الله منهم بفضله ومنه.
(حديث عِياضِ بن حمار في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد و لا يبغي أحد على أحد.
تعريف التواضع: التواضع هو: عقد القلب على صَغار النفس المؤثر في عواطفه وميوله وجوارحه في مقابل اللَّه سبحانه وتعالى، وفي مقابل رسله وأوليائه المعصومين، وفي مقابل المؤمنين.
فضل التواضع: التواضع خلق حميد، وجوهر لطيف يستهوي القلوب، ويستثير الإعجاب والتقدير وهو من أخصّ خصال المؤمنين المتّقين، ومن كريم سجايا العاملين الصادقين، ومن شِيَم الصالحين المخبتين.
التواضع هدوء وسكينة ووقار واتزان، التواضع ابتسامة ثغر وبشاشة وجه ولطافة خلق وحسن معاملة، بتمامه وصفائه يتميّز الخبيث من الطيب، والأبيض من الأسود والصادق من الكاذب، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما نقصت صدقة من مال و ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله.
إن المتواضع يبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه، كريم الطبع، جميل العشرة، طلق الوجه، باسم الثغر رقيق القلب، متواضعا من غير ذلة، جواداً من غير سرف.
نعم.. فاقد التواضع عديم الإحساس، بعيد المشاعر، إلى الشقاوة أقرب وعن السعادة أبعد، لا يستحضر أن موطئ قدمه قد وطأه قبله آلاف الأقدام، وأن من بعده في الانتظار، فاقد التواضع لا عقل له، لأنه بعجبه وأنفته يرفع الخسيس، ويخفض النفيس، كالبحر الخضم تسهل فيه الجواهر والدرر، ويطفو فوقه الخشاش والحشاش.
فاقد التواضع قائده الكبر وأستاذه العجب، فهو قبيح النفس ثقيل الطباع يرى لنفسه الفضل على غيره.

إن التواضع لله تعالى خُلُق يتولّد من قلب عالم بالله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله وتعظيمه ومحبته وإجلاله.
إن التواضع هو انكسار القلب للرب جل وعلا وخفض الجناح والذل والرحمة للعباد، فلا يرى المتواضع له على أحد فضلاً ولا يرى له عند أحد حقاً، بل يرى الفضل للناس عليه، والحقوق لهم قبله.
فما أجمل التواضع، به يزول الكِبَرُ، وينشرح الصدر، ويعم الإيثار، وتزول القسوة والأنانية والتشفّي وحب الذات.
أنواع التواضع: التواضع نوعان هما: (1) محمود، وهو ترك التطاول على عباد الله والإزراء بهم.
(2) مذموم، وهو تواضع المرء لذي الدنيا رغبة في دنياه.
فالعاقل يلزم مفارقة التواضع المذموم على الأحوال كلها، ولا يفارق التواضع المحمود على الجهات كلها.
أمورٌ من التواضع: (1) اتّهام النفس والاجتهاد في علاج عيوبها وكشف كروبها وزلاتها ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا.
وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (2) مداومة استحضار الآخرة واحتقار الدنيا، والحرص على الفوز بالجنة والنجاة من النار، وإنك لن تدخل الجنة بعملك، وإنما برحمة ربك لك.
(3) التواضع للمسلمين والوفاء بحقوقهم ولين الجانب لهم، واحتمال الأذى منهم والصبر عليهم قال تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر / 88] (4) معرفة الإنسان قدره بين أهله من إخوانه وأصحابه ووزنه إذا قُورن بهم (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما نقصت صدقة من مال و ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا و ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله.
(5) غلبة الخوف في قلب المؤمن على الرجاء، واليقين بما سيكون يوم القيامة قال تعالى: ﴿وبَدَا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر /47] (6) التواضع للدين والاستسلام للشرع، فلا يُعارض بمعقول ولا رأي ولا هوى.
(7) الانقياد التام لما جاء به خاتم الرسل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن يُعبد الله وفق ما أمر، وأن لا يكون الباعث على ذلك داعي العادة.
(8) ترك الشهوات المباحة، والملذّات الكمالية احتساباً لله وتواضعاً له مع القدرة عليها، والتمكن منها (حديث معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من ترك اللباس تواضعا لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها.

معنى قوله (حلل الإيمان) يعني ما يعطى أهل الإيمان من حلل الجنة (9) التواضع في جنب الوالدين ببرّهما وإكرامهما وطاعتهما في غير معصية، والحنو عليهما والبِشْرُ في وجههما والتلطّف في الخطاب معهما وتوقيرهما والإكثار من الدعاء لهما في حياتهما وبعد مماتهما قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾.
[الإسراء /24] (10) التواضع للمرضى بعيادتهم والوقوف بجانبهم وكشف كربتهم، وتذكيرهم بالاحتساب والرضا والصبر على القضاء (11) تفقّد ذوي الفقر والمسكنة، وتصفّح وجوه الفقراء والمحاويج وذوي التعفف والحياء في الطلب, ومواساتهم بالمال والتواضع لهم في الحَسَب، يقول بشر بن الحارث: "ما رأيت أحسن من غني جالسٍ بين يدي فقير".
تواضع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حديث الأسود بن يزيد الثابت في صحيح البخاري) قال: سألت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صنع في البيت؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله، تعني خدمة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة.
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم، قال أصحابه وأنت؟ فقال نعم كنت أرعاها على قراريط َ لأهل مكة.
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لو دُعِيتُ إلى ذراعٍ أو كُرَاعٍ لأجبت و لو أُهْدِيَ إليَّ ذراعٍ أو كُرَاعٍ لقبلت.... (حديث أنس في صحيح البخاري) قال: كانت ناقةٌ لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تسمى العضباء وكانت لا تُسبق، فجاء أعرابي على قَعُودٍ له فسبقها فاشتد ذلك على المسلمين فقالوا: سُبقت العضباء! قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إن حقا على الله تعالى أن لا يرفع شيئا من أمر الدنيا إلا وضعه.
﴿تنبيه﴾: وكلما زاد تواضع طالب العلم زاد مقدار الحكمة عنده وتعلم العلم ومتى تكبر قلَّت حكمته ومنع العلم (حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد ملك فإذا تواضع قيل للملك ارفع حكمته و إذا تكبر قيل للملك: دع حكمته.
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يخيط ثوبه و يخصف نعله و يعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم.

(حديث عائشة رضي الله عنهاالثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يفلي ثوبه و يحلب شاته و يخدم نفسه.
(حديث عمر في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تطروني لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله و رسوله.
(حديث سهل بن حنيف رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يأتي ضعفاء المسلمين و يزورهم و يعود مرضاهم و يشهد جنائزهم.
(حديث أبي الدرداء رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ابغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم.
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يجلس على الأرض و يأكل على الأرض و يعتقل الشاة و يجيب دعوة المملوك على خبز الشعير.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يزور الأنصار ويسلّم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم".
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كانت الأمة من إماء أهل المدينة، لتأخذ بيد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتنطلق به حيث شاءت.
(حديث أبي مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) قال أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجل فكلمه فجعل ترعد فرائصه فقال له هون عليك فإني لست بملك إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد.
(القديد): هو اللحم المملح المجفف في الشمس ويقابله التكبُّر: والتكبر هو: التعالي على اللَّه سبحانه، وهذا كفر باللَّه، أو على رسوله أو الإمام، وهذا كفر بالرسول أو الإمام، أو على المؤمنين، وهذا هو التكبُّر المألوف بين المسلمين الذين لم يهذِّبوا أنفسهم، وهي معصية عظيمة.
وفرق التكبُّر عن الكِبر هو: أنّ الكِبْر مجرد تعاليه على غيره في نفسه.
أمّا التكبُّر فهو: إظهار الكِبْر وإبرازه بجوارحه.
وفرق الكبر عن العُجْب: أن الكِبْر يكون بالقياس إلى غيره، وهو اللَّه أو الرسول والإمام أو المؤمنون.
والعُجْب ما يكون في الإنسان من رؤيته إلى نفسه بالعظمة والزهو والتبختر بذلك ولو من دون قياس بغيره، وهذا - أيضاً - من المعاصي العظيمة.
وقد ذم الله تعالى الكبر في كتابه في أكثر من موضع، قال تعالى:

قال تعالى: (وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً إِنّكَ لَن تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً) [الإسراء / 37] قال ابن كثير رحمه الله: يقول تعالى ناهيا عباده عن التجبر والتبختر في المشية (وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً) أي متبخترا متمايلا مشي الجبارين (إِنّكَ لَن تَخْرِقَ الأرْضَ): أي لن تقطع الأرض بمشيك (وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً) أي بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده كما ثبت في الصحيح (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بينما رجل يمشي في حُلةٍ تُعْجِبْه نَفْسُه مُرَّجِلٍ رأسَه إذ خسف الله به فهو يتجلجلُ في الأرض إلى يوم القيامة.
وكذلك أخبر الله تعالى عن قارون أنه خرج على قومه في زينته وأن الله تعالى خسف به وبداره الأرض وفي الحديث " من تواضع لله رفعه الله فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير ومن استكبر وضعه الله في نفسه كبير وعند الناس حقير حتى لهو أبغض إليهم من الكلب والخنزير.
قال القرطبي رحمه الله: (وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً) هذا نهي عن الخيلاء وأمر بالتواضع.
والمرح: شدة الفرح.
وقيل: التكبر في المشي.
وقيل: تجاوز الإنسان قدره.
وقال قتادة: هو الخيلاء في المشي.
وقيل: هو البطر والأشر.
(إِنّكَ لَن تَخْرِقَ الأرْضَ): يعني لن تتولج باطنها فتعلم ما فيها ويقال: خرق الثوب أي شقه, وخرق الأرض قطعها.
والخرق: الواسع من الأرض.
أي لن تخرق الأرض بكبرك ومشيك عليها (وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً) أي لن تساوي الجبال بطولك ولا تطاولك.
" ولن تبلغ الجبال طولا " بعظمتك, أي بقدرتك لا تبلغ هذا المبلغ, بل أنت عبد ذليل, محاط بك من تحتك ومن فوقك, والمحاط محصور ضعيف, فلا يليق بك التكبر.
قال الطبري رحمه الله: (وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً): ولا تمش في الأرض مختالا مستكبرا (إِنّكَ لَن تَخْرِقَ الأرْضَ): إنك لن تقطع الأرض باختيالك (وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً) بفخرك وكبرك قال تعالى: (وَلاَ تُصَعّرْ خَدّكَ لِلنّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) [لقمان / 18]

إن من نبذ خلق التواضع وتعالى وتكَبَّر، إنما هو في حقيقة الأمر معتدٍ على مقام الألوهية، طالباً لنفسه العظمة والكبرياء، متناسياً جاهلاً حق الله تعالى عليه، من عصاة بني البشر، متجرِّئٌ على مولاه وخالقه ورازقه، منازع إياه صفة من صفات كماله وجلاله وجماله، إذ الكبرياء والعظمة له وحده.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى: العزُ إزاري والكبرياءُ ردائي فمن نازعني عذبته.
والعُجب من جملة أسباب الكبر، فإنَّ من أُعجب بنفسه تعالى على غيره.
والسنة طافحةُ بذم العجب وتشنيع فعله والتنفير منه.
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بينما رجل يمشي في حلةٍ تُعْجِبْه نفْسُه... مُرَّجِلٌ رأسَه يختالُ في مِشْيته إذ خسف الله به الأرض فهو يتجَلْجَلُ في الأرض إلى يوم القيامة.
مُرَّجِلٌ رأسَه: أي ممشطه يتجَلْجَلُ في الأرض: أي يغوصُ فيها (حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ثلاث منجيات: خشية الله تعالى في السر و العلانية و العدل في الرضا و الغضب و القصد في الفقر و الغنى و ثلاث مهلكات: هوى متبع و شح مطاع و إعجاب المرء بنفسه.
(حديث معاوية في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من سرَّه أن يتمثل له الرجال قياماً، فليتبوأ مقعده من النار.
(حديث معاوية في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من سرَّه أن يتمثل له الرجال قياماً، فليتبوأ مقعده من النار.
معنى يتمثل له الرجال قياماً: ينتصب له الرجال تعظيماً معنى فليتبوأ: أمر بمعنى الإخبار أي دخل النار إن سرَّه ذلك.
أورد الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا عن عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ َقَالَ: "الإعْجَابُ ضِدُّ الصَّوَابِ وَآفَةُ الألْبَابِ".
وَلَيْسَ إلَى مَا يُكْسِبُهُ الْكِبْرُ مِنْ الْمَقْتِ حَدٌّ، وَلاَ إلَى مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ الْعُجْبُ مِنْ الْجَهْلِ غَايَةٌ، حَتَّى إنَّهُ لَيُطْفِئَ مِنْ الْمَحَاسِنِ مَا انْتَشَرَ، وَيَسْلُبَ مِنْ الْفَضَائِلِ مَا اشْتَهَرَ.
وَنَاهِيَك بِسَيِّئَةٍ تُحْبِطُ كُلَّ حَسَنَةٍ وَبِمَذَمَّةِ تَهْدِمُ كُلَّ فَضِيلَةٍ، مَعَ مَا يُثِيرُهُ مِنْ حَنَقٍ وَيُكْسِبُهُ مِنْ حِقْدٍ.

حَكَى عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: قِيلَ لِلْحَجَّاجِ كَيْفَ وَجَدْت مَنْزِلَك بِالْعِرَاقِ؟ قَالَ: خَيْرُ مَنْزِلٍ لَوْ كَانَ اللَّهُ بَلَّغَنِي قَتْلَ أَرْبَعَةٍ فَتَقَرَّبْتُ إلَيْهِ بِدِمَائِهِمْ.
مُقَاتِلُ بْنُ مُسْمِعٍ وَلِي سِجِسْتَانَ فَأَتَاهُ النَّاسُ فَأَعْطَاهُمْ الأمْوَالَ، فَلَمَّا عُزِلَ دَخَلَ مَسْجِدَ الْبَصْرَةِ فَبَسَطَ النَّاسُ لَهُ أَرْدِيَتَهُمْ فَمَشَى عَلَيْهَا، وَقَالَ لِرَجُلٍ يُمَاشِيهِ: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانَ التَّيْمِيُّ خَوَّفَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ أَمْرٌ فَخَطَبَ خُطْبَةً أَوْجَزَ فِيهَا، فَنَادَى النَّاسُ مِنْ أَعْرَاضِ الْمَسْجِدِ: أَكْثَرَ اللَّهُ فِينَا مِثْلَك.
فَقَالَ: لَقَدْ كَلَّفْتُمْ اللَّهَ شَطَطًا.
وَأَبُو شِمَالٍ الأسَدِيُّ أَضَلَّ رَاحِلَتَهُ فَالْتَمَسَهَا النَّاسُ فَلَمْ يَجِدُوهَا، فَقَالَ: وَاَللَّهِ إنْ لَمْ يَرُدَّ إلَيَّ رَاحِلَتِي لاَ صَلَّيْتُ لَهُ صَلاَةً أَبَدًا.
فَالْتَمَسَهَا النَّاسُ فَوَجَدُوهَا، فَقَالُوا لَهُ: قَدْ رَدَّ اللَّهُ رَاحِلَتَك فَصَلِّ.
فَقَالَ: إنَّ يَمِينِي يَمِينُ مُصِرٍّ.
فَانْظُرْ إلَى هَؤُلاَءِ كَيْفَ أَفْضَيْ بِهِمْ الْعُجْبُ إلَى حُمْقٍ صَارُوا بِهِ نَكَالاً فِي الأوَّلِينَ، وَمَثَلًا فِي الآخرين.
وَلَوْ تَصَوَّرَ الْمُعْجَبُ الْمُتَكَبِّرُ مَا فُطِرَ عَلَيْهِ مِنْ جِبِلَّةٍ، وَبُلِيَ بِهِ مِنْ مِهْنَةٍ، لَخَفَضَ جَنَاحَ نَفْسِهِ وَاسْتَبْدَلَ لِينًا مِنْ عُتُوِّهِ، وَسُكُوتًا مِنْ نُفُورِهِ.
أورد الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا عن الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ: عَجِبْتُ لِمَنْ جَرَى فِي مَجْرَى الْبَوْلِ مَرَّتَيْنِ كَيْفَ يَتَكَبَّرُ.
التبذّل فى اللباس والهيئة: التبذل في اللباس والهيئة بالشعث والإغبار وهو أيضا من المقتضيات لإجابة الدعاء للحديث الآتي: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك.

أشعث أغبر: علامة على الابتذال والتذلل فهو أشعث في لباسه أغبر في هيئته في شكله في شعره.
(حديث ابن عباس الثابت في صحيح الترمذي) قال خرج النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للاستسقاء متبذللاً متواضعاً متخشِّعاً متضرعا.
وكان مطرف بن عبد الله قد حبس له ابن أخ فلبس خلقان ثيابه وأخذ عكازا بيده فقيل له ما هذا قال أستكين لربي لعله أن يشفعني في ابن أخي الثالث.
﴿تنبيه﴾: قد يوجد من لا يؤبه به لفقره وضعفه وذلته؛ لكنه عزيز على الله تعالى لا يرد له سؤالاً، ولا يخيب له دعوة فالعبرة بالصلاح لا بالقوة.
(22) الرغبة والرهبة: وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُواْ لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء /90] قال ابن كثير رحمه الله: قال الثوري رغبا فيما عندنا ورهبا مما عندنا " قال القرطبي رحمه الله: أي يفزعون إلينا فيدعوننا في حال الرخاء وحال الشدة.
وقيل: المعنى يدعون وقت تعبدهم وهم بحال رغبة ورجاء ورهبة وخوف, لأن الرغبة والرهبة متلازمان.
قال الطبري رحمه الله: رغبا أنهم كانوا يعبدونه رغبة منهم فيما يرجون منه من رحمته وفضله ورهبا يعني رهبة منهم من عذابه وعقابه, بتركهم عبادته وركوبهم معصيته.
فالرغبة في الدعاء هي الاتجاه إلى الله خشوعا من الإنسان، ورفعا للأمر إليه دائما، وهذا ما يضمن الصلة الدائمة بين العبد وربه.. فإذا أتى حسنة، دعا الله أن يتقبلها.. وإذا أتى عملا صالحا، دعا الله أن يبارك فيه.. وإذا أصابته شدة، دعا الله أن يخففها عنه.. وإذا جاءه خير شكر الله، ودعاه ألا يكون فتنة.. وإذا مشى خطوة، دعا الله أن يوفقه فيها.. وإذا اتخذ قرار، دعا الله ألا يكون ظالما فيه.. وهكذا هو يعيش مع الله في كل لحظة، رغبة في إرضائه، واتباع منهجه.
ثم يأتي المعنى الثاني وهو الرهبة.. أي الخوف من الله تعالى والإيمان بقدرته وقوته.. والدعاء هنا يجعل الداعي يذكر الحي القيوم القائم على ملكه، لا يتركه، ويجعل الداعي يعلم أن الله سبحانه لا تأخذه سنة ولا نوم.. ومن هنا فإنه يعرف يقينا أنه لا يستطيع أن يخدع الله، لأن المواجهة هنا ليست بين متساويين.. ولهذا فالذي يحاول أن يخدع الله فإنما يخدع نفسه.. لأن الله يملك كل القدرات بلا حدود ولا قيود.

وهذه الرهبة تجعل العبد لا يخالف منهج الله.. فهو يخشى الله حينما توسوس به نفسه من شر، فيستعيذ به.. هذه هي الرهبة هي قمة أخرى من قمم الإيمان.. تجعل الإنسان يرقب نفسه في السر والعلانية، ويعلم أن ما يخفيه في السر يعلمه الله.. ويؤمن بأنه لا يستطيع أن يخدع الله.. ولذلك فإن الذين يخشون الناس ولا يخشون الله إنما يعتقدون أنهم بخداعهم البشر هم أذكى منهم، وأنهم حصلوا على فوز كبير.. بينما هم في الحقيقة قد عموا عن أن الله سبحانه وتعالى يعلم سرهم وجهرهم.
(23) الدعاء في كل الأحوال في الشدة والرخاء، وفي المنشط والمكره: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد و الكرب فليكثر الدعاء في الرخاء.
﴿تنبيه﴾: إن من أهم أسباب رد الدعاء على صاحبه سوء حال الداعي فالكثير منا لا يدعو الله ولا يلجأ ولا يستغيث ولا يستنصر إلا في الشدة والضراء وعند الرخاء والسرور ننسى الله ونبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة.
والمعنى: من أحب أن يستجيب الله له عند الشدائد، وهي الحادثة الشاقة، والكُرَب: وهي الغم الذي يأخذ النفس، فليكثر الدعاء في حالة الصحة والفراغ والعافية، لأن من شيمة المؤمن أن يلجأ إلى الله تعالى ويكون دائم الصلة به، ويلتجئ إليه قبل الاضطرار (1). قال الله تعالى في يونس عليه الصلاة والسلام حينما دعاه فأنجاه واستجاب له: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (2). وقد حرص السلف رضوان الله عليهم على الدعاء في سائر شؤونهم فقد كانوا يسألون الله في كل شيء حتى العلف لدوابهم والملح في الطعام " وكثير من الناس لايدعو الله إلا في الشدائد والأزمات, وهذا مسلك خطأ والمشروع للمؤمن أن يدعو الله في السراء والضراء وإذا كان دائم الاتصال بالله أجيبت دعوته في الشدائد.

هذا يونس بن متّى نبي الله يسقط في لجج البحار فيبتلعه الحوت فهو في ظلمة جوف الحوت في ظلمة جوف البحر في ظلمة الليل, في ظلمات ثلاث, فلا أحد يعلم مكانه, ولا أحد يسمع نداءه, ولكن يسمع نداءه من لا يخفى عليه الكلام, ويعلم مكانه من لا يغيب عنه مكان, فدعا وقال وهو على هذه الحال: (وَذَا النّونِ إِذ ذّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنّ أَن لّن نّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىَ فِي الظّلُمَاتِ أَن لاّ إِلََهَ إِلاّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّي كُنتُ مِنَ الظّالِمِينَ) [الأنبياء / 87] فسمعت الملائكة دعائه, فقالت: صوت معروف في أرض غريبة, هذا يونس لم يزل يرفع له عمل صالح ودعوة مستجابة.
﴿تنبيه﴾: هذا الدعاء من أعظم أنواع الدعاء، لاشتماله على الآتي: أولاً: على توحيد الله (لا إله إلا أنت) وهو أعظم وسيلة إلى الله تعالى، وأعظم طاعة وأعظم وقربة.
ثم ثنى بالتنزيه (سبحانك) تنزيه الله عما لا يليق به عز وجل، فكل ما يفعل، وكل ما يقدر فله فيه الحكمة البالغة، فهو منزه عما لا يليق بجلاله وكماله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وعظيم شأنه.
ثم ثلث ببيان عجزه وضعفه وفقره وظلمه لنفسه، وهكذا كل عبد بالنسبة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ينبغي له أن يكون كذلك إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87] فيجئ الجواب الإلهي له: (فَلَوْلاَ أَنّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [الصافات 143، 144] أتاه الجواب بالنجاة (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجّيْنَاهُ مِنَ الْغَمّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء / 88] قال الحسن البصري: "ما كان ليونس صلاة في بطن الحوت, ولكن قدم عملاً صالحًا في حال الرخاء فذكره الله في حال البلاء, وإن العمل الصالح ليرفع صاحبه فإذا عثر وجد متكأً".
﴿تنبيه﴾: هنا نذكر قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفعلُ المعروف يقي مصارع السوء.
(حديث أبي سعيد الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (صدقةُ السر تُطفئُ غضب الرب، وصلةُ الرحم تزيدُ في العمر، وفعلُ المعروف يقي مصارع السوء) هناك فرق بين من عرف الله في الرخاء ومن ضيعه, فرق بين من أطاع الله في الرخاء ومن عصاه.
فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه عامله الله باللطف والإعانة في حال شدته.

أذكرك أخي خبر الثلاثة من بني إسرائيل الذين قص النبي عليه السلام قصتهم, وأخبر خبرهم, يوم أن آواهم المبيت إلى غار فتدهدهت عليهم صخرة عظيمة أغلقت فم الغار, فإذا الغار صندوق مغلق محكم الإغلاق, مقفل موثق الإقفال.
إن نادوا فلن يسمع نداؤهم, وإن استنجدوا فلا أحد ينجدهم, وإن دفعوا فسواعدهم أضعف وأعجز من أن تدفع صخرة عظيمة سدت باب هذا الغار, وكانت كربة, وكانت شدة, فلم يجدوا وسيلة يتوسلون بها في هذه الشدة إلا أن يتذكروا معاملتهم في الرخاء, فدعوا الله في الشدة بصالح أعمالهم في الرخاء.
وإليك الحديث: (حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: خرج ثلاثة يمشون فأصابهم المطر، فدخلوا في غار في جبل، فانحطت عليهم صخرة، قال: فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه.
فقال أحدهم: اللهم إني كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت أخرج فأرعى، ثم أجيء فأحلب فأجيء بالحلاب، فآتي أبواي فيشربان، ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي، فاحتبست ليلة، فجئت فإذا هما نائمان، قال: فكرهت أن أوقظهما، والصبية يتضاغون عند رجلي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما، حتى طلع الفجر، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فرجة نرى منها السماء، قال: ففرج عنهم.
وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني أحب امرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجل النساء، فقالت: لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار، فسعيت حتى جمعتها، فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركتها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فرجة، قال: ففرج عنهم الثلثين.
وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيرا بفرق من ذرة فأعطيته، وأبى ذلك أن يأخذ، فعمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، حتى اشتريت منه بقرا وراعيها، ثم جاء فقال: يا عبد الله أعطيني حقي، فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها فإنها لك، فقال: أتستهزئ بي؟ قال: فقلت: ما أستهزئ بك ولكنها لك، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا، فكشف عنهم).
﴿تنبيه﴾: انظر إلى حال هؤلاء الثلاثة:

دعا أحدهم ببره والديه, يوم أتى فوجدهما نائمين، وطعامهما قدح من لبن في يده، وصبيته يتضاغون من الجوع, وكان بين خيارين إما أن يوقظ الوالدين من النوم, وإما أن يطعم الصبية!! فلم يختر أيًا من هذين الخيارين, ولكن اختار خيارًا ثالثًا وهو أن يقف والقدح على يده والصبية يتضاغون عند قدميه، ينتظر استيقاظ الوالدين الكبيرين, والوالدان يغطان في نوم عميق حتى انبلج الصبح وأسفر الفجر فاستيقظا، وبدأ بهما وأعرض عن حنان الأبوة وقدم عليه حنان البنوة على الأبوة فشرب أبواه وانتظر بنوه.
((اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه)).
ثم دعا الآخر, فتوسل إلى الله بخشيته لله ومراقبته يوم أن قدر على المعصية, وتمكن من الفاحشة ووصل إلى أحب الناس إليه، ابنة عمه, بعد أن اشتاق إليها طويلاً وراودها كثيرًا وحاول فأعيته المحاولة, حتى إذا أمكنته الفرصة واستطاع أن يصل إلى شهوته وينال لذته خاطبت فيه تلك المرأة مراقبة الله فقالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه, فارتعد القلب واقشعر الجلد, ووجفت النفس وتذكر مراقبة الله تعالى فوقه، فقام عنها, وهي أحب الناس إليه وترك المال الذي أعطاها.
((اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه)).
ودعا الثالث فتوسل بعمل صالح قربه, وهو الصدق والأمانة حيث استأجر أجراء فأعطاهم أجرهم, وبقي واحد لم يأخذ أجره فنمّاه وضارب فيه, فإذا عبيد وماشية وثمر.
ثم جاء الأجير بعد زمن طويل يقول: أعطني حقي.
لقد كان يستطيع أن يقول: هذا حقك أصوعٌ من طعام, ولكنه كان أمينًا غاية الأمانة, نزيهًا غاية النزاهة, فقال: حقك ما تراه, كل هذا الرقيق, وكل هذه الماشية, كلها لك, فكانت مفاجأة لم يستوعبها عقل هذا الأجير الفقير, فقال: "اتق الله ولا تستهزء بي" فقال: يا عبد الله إني لا أستهزء بك, إن هذا كله لك, فاستاقه جميعًا, ولم يترك له شيئًا.
((اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه)).
وتنامت دعواتهم, وتنامت مناجاتهم، فإذا الشدة تفرج والضيق يتسع, وإذا النور يشع من جديد فيخرجون من الغار يمشون 1. فيامن يريد جواب دعاءه أصلح حالك في الرخاء مع ربك يكن معك في حال شدتك.
(24) اختيار الاسم المناسب من أسماء الله الحسنى، أو الصفة المناسبة حال الدعاء:

كأن يقول: يا رحيم ارحمني، يا كريم أكرمني، يا شافي اشفني، رب هب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب وهكذا.
ومن السنة الصحيحة ما يدل على ذلك، منها ما يلي: (حديث أبي بكرٍ الصديق في الصحيحين) أنه قال لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علمني دعاءاً أدعو به في صلاتي قال: قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.
(حديث عائشةَ في الصحيحين) قالت كان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أتى مريضاً أو أُتِيَ به إليه قال: أذْهِب البأس ربِ الناس اشفِ أنت الشافي لاشفاء إلا شفاءك شفاءاً لايُغادرُ سقماً.
(25) ألا يحجر رحمة الله في الدعاء: والمقصود بالتحجير تخصيص أناس معينين، واقتصار الدعاء لهم دون غيرهم كأن يقول: اللهم اسق مزرعتي وحدها، أو اللهم أصلح أولادي دون غيرهم، أو ربِّ ارزقني وارحمني دون سواي، فرحمت الله تعالى قريب من المحسنين، فلا يقول: اللهم اغفر لي ولا تغفر لأحد معي.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: قام رسول الله"في صلاة، وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فلما سلَّم النبي"قال للأعرابي: لقد حجَّرتَ واسعًا _ يريد رحمة الله.
أو يقول: اللهم لا تغفر لفلان من الناس، فرحمت الله وسعت كل شيء، ورحمته سبحانه سبقت غضبه، بل ربما أدى ذلك إلى خطورة عمل من قال به، فقد يوصله ذلك إلى أن يتآلى على الله تعالى وهذا أمرٌ خطير وشرٌ مستطير قد يكون سبب في إحباط اللهع تعالى عمل المتألي على الله تعالى إذا كان أقسم على الله تعالى عن عُجب والعياذ بالله تعالى من ذلك.
(حديث جندب بن عبد الله في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان! فقال الله تعالى من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان! إني قد غفرت له وأحبطتُ عملك.
(26) أن يسأل الله كل صغيرة وكبيرة: أن يسأل الله كل صغيرة وكبيرة: وهذا الأمر يغفل عنه كثير من الناس، فتراهم لا يلجأون إلى الله ولا يسألونه إلا إذا نزلت بهم عظائمُ الأمور، وشدائدها.
أما ما عدا ذلك فلا يسألونه؛ لظنهم أنه أمر يسير لا داعي لسؤال الله من أجله.
وهذا خطأ؛ فاللائق بالمسلم أن يسأل ربه كل صغيرة؛ فلو لم ييسر الله أكل الطعام _ مثلاً _ لما استطاع الإنسان أكله، ولو لم ييسر لبس النعل لما استطاع الإنسان لبسه.

قال": سلوا الله كل شيء، حتى الشسع 1، فإن الله _ تعالى _ لو لم ييسره لم ييسر.
2 فقوله: حتى الشسع إشارة أن ما فوقه أولى وأولى.
(27) يدعو لوالديه مع نفسه: أوصى الله تعالى ببر الوالدين في مواضع كثيرة من كتابه العزيز، بل وقرن حقهما بحقه مما يدل على فضل بر الوالدين وَعِظَمِ حقهما فقال تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى) (النساء: من الآية36) وقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) (الإسراء: من الآية23) وندب الله تعالى إلى الدعاء للوالدين حينما يدعو الإنسان لنفسه في غير ما موضع في كتابه العزيز منها ما يلي: وقال تعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم /41] وقال تعالى إخباراً عن نوح عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا﴾ [نوح /28] إن بر الوالدين يعنى الإحسان إليهما بالمال والجاه والنفع البدني وهو واجب، ولا شك إن من أعظم أمور البر للوالدين الدعاء لهما وخاصةً بعد موتهما ولذا ندب النبي إلى الدعاء لهما بعد موتهما وبين أن الدعاء للوالدين بعد موتهما من الأمور التي يصل ثوابها لميت بعد موته كما في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقةٍ جارية أو علمٍ ينتفع به أو ولدٌ صالحٌ يدعو له.

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الرجل لتُرْفَع درجته في الجنة فيقول: أنى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك.
مسألة: هل الدعاء للوالدين بعد موتهما أفضل أم الصدقة؟ دلت السنة الصحيحة بما لا يدع مجالاً للشك أن أنفع شيء للوالدين بعد موتهما هو الدعاء لهما، فالدعاء لهما بعد موتهما أنفع من سائر أعمال البر من الصدقة وغيرها.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: ذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدعاء بمقام التحديث عن العمل فكان هذا دليلا على أن الدعاء للوالدين بعد موتهما أفضل من الصدقة عنهما، وأفضل من العمرة لهما وأفضل من قراءة القرآن لهما وأفضل من الصلاة لهما لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يمكن أن يعدل عن الأفضل إلى المفضول، بل لابد أن يبين عليه الصلاة والسلام ما هو الأفضل، ويبين جواز المفضول، وقد بين في هذا الحديث ما هو الأفضل.
أما بيان جواز المفضول، ففي الحديث الآتي: (لحديث عائشة الثابت في الصحيحين) أن رجلا أتى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها قال نعم.
﴿تنبيه﴾: يتضح لنا من هذا الحديث فائدتان عظيمتان هما: [1] أن الدعاء للوالدين من أعظم أمور البر بهما [2] أن الدعاء للوالدين بعد موتهما أفضل من التصدق عنهما وأفضل من الحج والعمرة عنهما ما داما قد أديا الفريضة من حجٍ أو عمرة، ومن هنا يتضح لنا القاعدة الذهبية التي ذكرها الحافظ بن حجر في الفتح وهي: ﴿اتباع السنة أولة من كثرة العمل﴾ (28) أن يدعو لإخوانه المؤمنين: فهذا من مقتضيات الأخوة، ومن أسباب إجابة الدعوة؛ قال تعالى: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) [محمد / 19] وذكر عن نوح _ عليه السلام _ قوله قال تعالى: (رّبّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) [نوح / 28] (حديث عبادة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمنٍ حسنة.
ويحسن أن يُخص بالدعاء _ الوالدان، والعلماء، والصالحون، والعبَّاد، ومن في صلاحهم صلاح لأمر المسلمين كأولياء الأمور وغيرهم...

ويحسن به _ أيضًا _ أن يدعو للمستضعفين والمظلومين من المسلمين، وأن يدعو على الظالمين الذين في هلاكهم نصر للإسلام والمسلمين، وراحة للمستضعفين والمظلومين.
(29) أن يبدأ الداعي بنفسه: قال تعالى (رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ) [الحشر / 10] (حديث أبيِّ بن كعب رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه.
وهذا ليس بلازم لمن أراد أن يدعو لغيره كما هو وارد في كثير من الأدعية، حيث يدعو الإنسان لغيره دون نفسه.
وقد يقال: إذا أراد الدعاء لنفسه ولغيره فليبدأ بنفسه ثم يُثَنِّي بغيره، وإذا أراد الدعاء لغيره فَحَسْب فلا يلزم أن يبدأ بنفسه، كما مر في دعاء النبي"لعبيد بن عامر؛ حيث دعا لعبيد دون أن يدعو لنفسه.
(30) يترصد للدعاء الأوقات الشريفة: كيوم عرفة من السنة ن ورمضان من الشهور، ويوم الجمعة من الأسبوع، ووقت السحر من ساعات الليل، وقد ثيت في السنة الصحيحة بان فضل هذه الأوقات الشريفة وإليك بعض ما ورد في هذا: فضل يوم عرفة: (حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة.
(حديث أبي قتادة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في يوم عرفة: أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والمستقبلة.
فضل رمضان: (حديث أبي هريرة في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين و مردة الجن و غلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب و فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب و ينادي مناد كل ليلة: يا باغي الخير أقبل و يا باغي الشر أقصر و لله عتقاء من النار و ذلك كل ليلة.
فضل يوم الجمعة: (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذكر يوم الجمعة فقال فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه وأشار بيده يقللها فضل ساعة السحر: قال الله تعالى: (وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الذاريات /18] (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ينزل ربنا تبارك و تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له.

(حديث عَن أبي أُمَامَةَ الباهلي رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قَالَ: " قِيلَ لرَسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيّ الدّعَاءِ أسْمَعُ؟ قالَ: جَوْف اللّيْلِ الاَخِرُ، وَدُبُرَ الصّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ ". فضل الدعاء بين الآذان والإقامة: (حديث أنس في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يُردُ الدعاء بين الآذان والإقامة.
فضل الدعاء في السجود: (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أقربُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء.
(31) التأمين على الدعاء من المستمع: كما في قصة دعاء موسى وهارون _ عليهما السلام _ على فرعون وآله.
قال المفسرون: كان موسى يدعو، وهارون يؤمن.
1 ولهذا قال _ تعالى _: [قد أجيبت دعوتكما] يونس،89.
(32) تجنب الدعاء على الأهل، والمال، والنفس: لأن الدعاء يقصد منه جلب النفع ودفع الضر، والدعاء على الأهل، والمال، والنفس _ لا مصلحة وراءه، بل هو ضرر محض على الداعي نفسه؛ فماذا سيجني من فساد أهله، وماله، ونفسه؟ (حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا توافقوا من الله ساعةً يُسأل فيها عطاءً فيستجيب لكم.
(33) ألا يتكلف السجع: ذلك أن حال الداعي حال ذلة وضراعة، والتكلف لا يناسب ذلك.
قال بعضهم: ادع بلسان الذلة والافتقار، لا بلسان الفصاحة والانطلاق.
2 قال الخطابي: ويكره في الدعاء السجع، وتكلف صفة الكلام له.
3 فصل الخطاب في مسألة السجع: السجع المذموم في الدعاء، هو المتكلف، لأنه يذهب بالخشوع والخضوع والإخلاص، ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب،

(حديث عِكْرِمَةَ رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ حَدِّثِ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنِ فَإِنْ أَكْثَرْتَ فَثَلَاثَ مِرَارٍ وَلَا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ وَلَا أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِي الْقَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلُّهُمْ وَلَكِنْ أَنْصِتْ فَإِذَا أَمَرُوكَ فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ فَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ، يَعْنِي لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ الِاجْتِنَابَ ". فلا ينبغي للداعي أن يتكلف السجع، وصنعة الكلام، ويحاول أن يأتي بكلمات لا يفهمها أغلب الناس، بل يرفق بالناس ويأتي بدعاء مفهوم معلوم، لا تعقيد فيه ولا غموض، ولا يحتاج إلى فك لرموزه، وأما ما يحصل من ذلك بلا تكلف وإنما كان ناشئاً عن حفظ أو فصاحة وإعمال فكر ونحو ذلك فلا بأس به بل ربما كان حسناً، فلقد ثبت مثل ذلك عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما في الحديث الآتي: (حديث عَبْدَاللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ، هَازِمَ الْأَحْزَابَ، اهزمهم وانصرنا عليهم "، فهذا السجع كان يصدر من غير قصد، ولأجل هذا جاء في غاية الانسجام.
والسجع هو الكلام المقفى بدون وزن، والمنهي عنه من السجع هو التكلف فيه؛ لأنه ينافي الخشوع والخضوع _ كما مر _. (34) الإعراب بلا تكلف: فالإعراب عماد الكلام، وجماله، ووشيه؛ فيحسن بالعبد وهو يناجي ربَّه أن يُعْرب عما يقول قدر المستطاع، خصوصًا إذا كان إمامًا يدعو والناس يُؤَمِّنون خلفه، على ألا يَصِلَ ذلك إلى حد التكلف، وألا يجعل همته مصروفة إلى تقويم لسانه؛ لأن ذلك يذهب الخشوع الذي هو لب الدعاء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ينبغي للداعي إذا لم تكن عادته الإعراب ألا يتكلف الإعراب، قال بعض السلف: إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع.

وهذا كما يكره تكلف السجع في الدعاء، فإذا وقع بغير تكلف فلا بأس؛ فإن أصل الدعاء من القلب، واللسان تابع القلب، ومن جعل همته في الدعاء تقويم لسانه أضعف توجه قلبه.
(1) (35) أن تلقي باللوم على نفسك: وهي من أهمها، فقد يكون سبب عدم الإجابة وقوعك أنت في بعض المعاصي، أو التقصير وإخلالك بالدعاء أو تعديك فيه، فمن أعظم الأمور أن تتهم نفسك وتنسب التقصير وعدم الإجابة لنفسك، فهذا من أعظم الذل والافتقار لله.
قال ابن رجب رحمه الله يقول: إن المؤمن إذا استبطأ الفرج ويئس منه ولا سيما بعد كثرة الدعاء وتضرعه ولم يظهر له أثر الإجابة، رجع إلى نفسه باللائمة يقول لها إنما أتيت من قبلك، ولو كان فيك خيرا لأُجبت، وهذا اللوم أحب إلى الله من كثير من الطاعات، فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه، واعترافه له بأنه ليس بأهل لإجابة دعائه، فلذلك يسرع إليه حين إذ إجابة الدعاء، وتفريج الكرب، فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله، وعلى قدر الكسر يكون الجبر.
انتهى كلامه.
(36) الالتزام بالأدعية المأثورة: وذلك لأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الأعلم بربه جل وعلا والأتقى لله والأخشى لله، ولآنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث بجوامع الكلم: (حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: جاء ثلاث رهط إلى بيوت أزواج النبي، يسألون عن عبادة النبي، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله أتي لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، فبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي.

مراجع الكتاب:

1 القرآن الكريم (2) صحيح البخاري (3) صحيح مسلم (4) صحيح أبي داود (5) صحيح الترمذي (6) صحيح النسائي (7) صحيح ابن ماجة (8) صحيح الأدب المفرد (9) صحيح الجامع (10) السلسلة الصحيحة (11) صحيح الترغيب والترهيب (12) كتاب الزهد لابن المبارك

(13) أبو بكر الصديق شخصيته وعصره للدكتور علي محمد الصلابي.
(14) عمر ابن الخطاب شخصيته وعصره للدكتور علي محمد الصلابي.
(15) عثمان ابن عفان شخصيته وعصره للدكتور علي محمد الصلابي.
(16) علي ابن أبي طالب شخصيته وعصره للدكتور علي محمد الصلابي.
(17) إحياء علوم الدين للغزالي.
(18) كن من الزاهدين لأمير بن محمد المدري.
(19) تزكية النفوس للدكتور أحمد فريد (20) سير أعلام النبلاء للذهبي (21) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، لابن القيم (22) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (23) الترغيب والترهيب، للمنذري.
(24) جامع العلوم الحكم لابن رجب.
(25) جلاء الأفهام لابن القيم.
(26) الجواب الكافي، لابن القيم.
(27) رياض الصالحين، للنووي.
(28) الروح، لابن القيم.
(29) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، لابن القيم.
(30) عون المعبود بشرح سنن أبى داود، لشمس الحق أبادي.
(31) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر.
(32) مدارج السالكين، لابن القيم.
(33) مفتاح دار السعادة، لابن القيم.
(34) موعظة المؤمنين، للقاسم.
(35) الوابل الصيب، لابن القيم.
(36) كتاب التوابين لابن قدامة المقدسي (37) سلسلة أعمال القلوب للشيخ محمد المنجد.
(38) "حلية الأولياء" للحافظ أبو نُعيم (39) أسد الغابة لابن الأثير (40) "صفة الصفوة" لابن الجوزي: (41) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني (42) الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر 43) تذكرة الحفاظ للذهبي 44) طبقات الحفاظ للإمام السيوطي 45) حياة الصحابة للكاندهلوى 46) اللآلئ الحِسَان بِذِكر مَحاسِن الدعاةِ والأعلام لمهنا نعيم مصطفى نجم.
(47) المورد العذب المعين من آثار أعلام التابعين لمحمد خلف سلامة.
(48) مرآة الجنان وعبرة اليقظان لليافعي (49) أخبار القضاة لوكيع (50) طبقات الأسماء المفردة من الصحابة والتابعين للبرديحي (51) طبقات الحنابلة لأبي يعلى الحنبلي (52) طبقات المفسرين للسيوطي (53) طبقات المفسرين لأحمد الأدنروي (54) طبقات الفقهاء للشيرازي (55) البداية والنهاية لابن كثير (56) تهذيب الكمال للمزي (57) الآداب الشرعية لابن مفلح.
(58) أدب الدنيا والدين للماوردي.
(59) صور من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفت باشا (60) ذم الهوى لابن الجوزي.
(61) ذم الهوى والنفس للشيخ عبد الهادي حسن وهبي (62) تهذيب الكمال للحافظ المزي.
(63) التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي.

(64) الوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي.
(65) مختصر تاريخ دمشق للإمام محمد بن مكرم المعروف بابن منظور تحقيق: إبراهيم الزيبق.
(66) تاريخ أمراء المدينة المنورة تأليف عارف أحمد عبد الغني.
(67) طبقات الفقهاء تأليف: أبو إسحاق الشيرازي.
(68) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان.
(69) غاية النهاية في طبقات القراء محمد بن محمد بن الجزري.
(70) رجال حول الرسول لخالد محمد خالد.
(71) خلاصة تهذيب الكمال لأحمد بن عبد الله الخزرجي الأنصاري.
(72) الاستبصار في نسب الصحابة من الأنصار لابن قدامة المقدسي.
(73) تاريخ الإسلام للذهبي.
(74) جذوة المقتبس للحافظ أبي عبد الله الحميدي.
(75) التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة للإمام السخاوي.
(76) حاجتنا إلى الرقائق للشيخ عبد الرحمن العايد.
(77) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة للإمام القرطبي.
(78) كتاب التوابين لابن قدامة المقدسي.
(79) بحر الدموع لابن الجوزي.
(80) رؤوس القوارير لابن الجوزي.
(81) الجواب الكافي لابن القيم.
(81) الزهر الفاتح في ذكر من تنزه عن الذنوب والقبائح لمحمد بن محمد بن يوسف الجزيري.
(82) صيد الخاطر لابن الجوزي.
(83) شفاء العليل لابن القيم.
(84) التوبة وظيفة العمر لمحمد إبراهيم الحمد.
(85) لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي.
(86) طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم.
(87) الفوائد لابن القيم.
(88) الأخلاق والسير لابن حزم.
(89) أنين المذنبين لنبيل عطوة.
(90) تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن.
(91) روضة المحبين ونزهة المشتاقين لابن القيم.
(92) مجموع الفتاوى لابن تيمية.
(93) طوق الحمامة لابن حزم.
(94) العبودية لابن تيمية.
(95) جامع الرسائل لابن تيمية.
(96) العائدون إلى الله لمحمد بن عبد العزيز المسند.
(97) منازل السائرين للعلامة فريد الأنصاري.
(98) وقفات مع حفظ الوقت لسامي بن محمد بن جاد الله.
(99) أدب الإملاء والإستملاء للسمعاني.
(100) علو الهمة لمحمد بن إسماعيل.
(101) أهمية الوقت لسفر الحوالي.
(102) المواعظ لابن الجوزي.
(103) اللطائف لابن الجوزي.
(104) إرشاد العباد للاستعداد ليوم المعاد لعبد العزيز السلمان.
(105) أهوال القبور للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله.
(106) كتاب القبور لابن أبي الدنيا.
(107) كتاب المحتضرين لابن أبي الدنيا.
(108) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن قيم الجوزية.

(109) نعيم الجنة لزهير حسن حميدات.
(110) التخوبف من النار لابن رجب الحنبلي.
(111) وصف النار وأسباب دخولها وما ينجي منها لعبد الله ابن جار الله الجار الله.
(112) الترغيب بالجنة والتحذير من النار لعلي بن نايف الشحود.
(113) التبصرة لابن الجوزي.
(114) مدارج السالكين لابن قيم الجوزية.
(115) تفريغ شرح مدارج السالكين لمحمد حسين يعقوب.
(116) منازل العباد بين القوة العلمية والقوة العملية لأبي عاصم هشام بن عبد القادر بن محمد آل عقدة.
(117) بستان الواعظين ورياض السامعين لابن الجوزي.
(118) بستان العارفين للنووي: (119) الوابل الصيب من الكلم الطيب لابن القيم.
(120) طريق الهجرتين و باب السعادتين لابن القيم.
(121) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم لابن تيمية.
(122) أسباب المغفرة لابن رجب.
(123) بشارة المحبوب بتكفير الذنوب للأذر عي.
(124) بهجة المجالس لابن عبد البر.
(125) اعتلال القلوب للخرائطي.
(126) الترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك لابن شاهين: (127) الورع لابن أبي الدنيا.
(128) التواضع والخمول لابن أبي الدنيا.
(129) الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان لابن أبي الدنيا.
(130) الإخوان لابن أبي الدنيا.
(131) التوبيخ والتنبيه لأبي الشيخ الأصبهاني.
(132) امتحان القلوب للدكتور ناصر العمر.
(133) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء لابن حبان.
(133) المدهش لابن الجوزي.
(134) كشف الكربة في وصف أهل الغربة لابن رجب الحنبلي.
(135) ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين للسيوطي.
(136) نزهة المجالس ومنتخب النفائس للصفوري.
(137) أدب الدين والدنيا للماوردي.
(138) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر الخلال.
(139) السر المصون لابن الجوزي.
(140) أدب النفوس للآجري.
(141) أخلاق العلماء للآجري.
(142) أخلاق حملة القرآن للآجري.
(143) آداب الصحبة لأبي عبد الرحمن السلمي.
(144) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر بن الخلال.
(145) الحث على التجارة والصناعة لأبي بكر بن الخلال.
(146) منة الرحمن في نصيحة الأخوان للشيخ ياسر برهامي.
(147) أخلاق النبي لأبي الشيخ الأصبهاني: (148) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للمقدسي.
(149) قواعد مهمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ضوء الكتاب والسنة للدكتور حمود بن أحمد الرحيلي.

(150) التربية الأخلاقية وأثرها في بناء مستقبل الشباب.
إبراهيم بن صالح بن عبد الله الحميضي.
(151) مكارم الأخلاق للطبرسي.
(152) مكارم الأخلاق لمحمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى.
(153) آداب الزفاف في السنة المطهرة لللألباني رحمه الله تعالى: (154) كتاب آداب العزلة للخطابي: (155) الغرر السافر فيما يحتاج إليه المسافر للزركشي: (156) الفرق بين النصيحة والتعيير لابن رجب الحنبلي: (157) المراح في المزاح لأبي البركات الغزني: (158) حق الجار للذهبي: (159) حقوق آل البيت بين السنة والبدعة لشيخ الإسلام ابن تيمية: (160) كتاب الصمت وآداب اللسان لابن أبي الدنيا: (161) السلوك الإسلامي القويم للشوكاني: (162) قضاء الحوائج لابن أبي الدنيا

﴿تم بحمد الله تعالى ومنته﴾

جارٍ التحميل