فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 55-94

مقدمة في فضل علم الآداب:

صفحات 55-94
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

(وقال أبو يزيد: عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئا أشد علي من العلم ومتابعته ولولا اختلاف العلماء لبقيت واختلاف العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد وقال مرة لخادمه: قم بنا إلى هذا الرجل الذي قد شهر نفسه بالصلاح لنزوره فلما دخلا عليه المسجد تنخع ثم رمى بها نحو القبلة فرجع ولم يسلم عليه وقال: هذا غير مأمون على أدب من آداب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكيف يكون مأمونا على ما يدعيه وقال: لقد هممت أن أسأل الله تعالى أن يكفيني مؤنة النساء ثم قلت: كيف يجوز لي أن أسأل الله هذا ولم يسأله رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم أسأله ثم إن الله كفاني مؤنة النساء حتى لا أبالي استقبلتني امرأة أو حائط وقالوا: لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات إلى أن يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة.
(وقال أحمد بن أبي الحواري رحمه الله: «من عمل عملا بلا اتباع سنة فباطل عمله» (وقال أبو عثمان النيسابوري رحمه الله: الصحبة مع الله بحسن الأدب ودوام الهيبة والمراقبة، والصحبة مع الرسول باتباع سنته ولزوم ظاهر العلم ومع أولياء الله: بالاحترام والخدمة، ومع الأهل: بحسن الخلق ومع الإخوان: بدوام البشر ما لم يكن إثما ومع الجهال: بالدعاء لهم والرحمة زاد غيره: ومع الحافظين: بإكرامهما واحترامهما وإملائهما ما يحمدانك عليه ومع النفس: بالمخالفة ومع الشيطان: بالعداوة وقال أبو عثمان أيضا: «من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة» «ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة» قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54] (وقال أبو الحسين النووي: من رأيتموه يدعي مع الله عز وجل حالة تخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقربوا منه.
(وقال محمد بن الفضل البامجي من مشايخ القوم الكبار: ذهاب الإسلام من أربعة: لا يعملون بما يعلمون ويعملون بما لا يعلمون ولا يتعلمون ما يعملون ويمنعون الناس من التعلم والتعليم.
(وقال عمرو بن عثمان المكي: العلم قائد والخوف سائق والنفس حرون بين ذلك جموح خداعة رواغة فاحذرها وراعها بسياسة العلم وسقها بتهديد الخوف يتم لك ما تريد.
(وقال أبو سعيد الخراز: كل باطن يخالفه الظاهر فهو باطل.

(وقال ابن عطاء: «من ألزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة» ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب في أوامره وأفعاله وأخلاقه وقال: كل ما سألت عنه فاطلبه في مفازة العلم فإن لم تجده ففي ميدان الحكمة فإن لم تجده فزنه بالتوحيد فإن لم تجده في هذه المواضع الثلاثة فاضرب به وجه الشيطان وألقى بنان الحمال بين يدي السبع فجعل السبع يشمه ولا يضره فلما أخرج قيل له: ما الذي كان في قلبك حين شمك السبع قال: كنت أتفكر في اختلاف العلماء في سؤر السباع (وقال أبو حمزة البغدادي من أكابر الشيوخ وكان أحمد بن حنبل يقول له في المسائل: ما تقول يا صوفي من علم طريق الحق سهل عليه سلوكه ولا دليل على الطريق إلى الله إلا متابعة الرسول في أحواله وأقواله وأفعاله.
(ومر الشيخ أبو بكر محمد بن موسى الواسطي يوم الجمعة إلى الجامع فانقطع شسع نعله فأصلحه له رجل صيدلاني فقال: تدري لم انقطع شسع نعلي فقلت: لا فقال: لأني ما اغتسلت للجمعة فقال: ههنا حمام تدخله فقال: نعم فدخل واغتسل.
(وقال أبو إسحاق الرقي من أقران الجنيد: علامة محبة الله: إيثار طاعته ومتابعة رسوله.
(وقال أبو يعقوب النهرجوري: أفضل الأحوال ما قارن العلم.
(وقال أبو بكر الطمستاني من كبار شيوخ الطائفة: الطريق واضح والكتاب والسنة قائم بين أظهرنا وفضل الصحابة معلوم لسبقهم إلى الهجرة ولصحبتهم فمن صحب الكتاب والسنة وتغرب عن نفسه وعن الخلق وهاجر بقلبه إلى الله: فهو الصادق المصيب.
(وقال أبو عمرو بن نجيد: كل حال لا يكون عن نتيجة علم فإن ضرره على صاحبه أكثر من نفعه.
أهـ. وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ لكميل: " احفظ ما أقول لك: الناس ثلاثة، فعالم رباني، وعالم متعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على العمل، والمال ينقصه النفقة، ومحبة العالم دين يدان بها باكتساب الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد موته وصنيعه، وصنيعة المال تزول بزوال صاحبه، مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة ". فللعلم مقام عظيم في شريعتنا الغراء، فأهل العلم هم ورثة الأنبياء، وفضل العالم على العابد كما بين السماء والأرض.

فعن قيس بن كثير قال: قدم رجل من المدينة على أبي الدرداء وهو بدمشق فقال ما أقدمك يا أخي؟ فقال: حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قال: أما جئت لحاجة؟! قال: لا.
قال: أما قدمت لتجارة؟! قال: لا.
قال: ما جئت إلا في طلب هذا الحديث.
قال: فإني سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: " من سلك طريقا يبتغي فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إنَّ الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر (والعلماء هم أمناء الله على خلقه، وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحل لهم في الدين... خطير؛ لحفظهم الشريعة من تحريف المبطلين، وتأويل الجاهلين، والرجوع والتعويل في أمر الدين عليهم، فقد أوجب الحق سبحانه سؤالهم عند الجهل.
قال تعالى: " فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ " [النحل/ 43] (وهم أطباء الناس على الحقيقة، إذ مرض القلوب أكثر من الأبدان، فالجهل داء، ودواؤه العلم (لحديث جابر في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " فإنما شفاء العي السؤال.
ومرضى القلوب لا يعرفون مرضهم، كما أن من ظهر على وجهه برص ولا مرآة له لا يعرف برصه ما لم يعرفه غيره، والدنيا دار مرض؛ فكما أنَّه ليس في بطن الأرض إلا ميت، فكذلك ليس على ظهرها إلا سقيم، والأسقام تتفاوت وتتنوع، والعلم هو ترياقهم فتدبر في (حديث أسامة بن شريك في صحيح السنن الأربعة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " تداووا فإِنَّ اللّه تعالى لم يضع داءً إلا وضع له دواءً غير داءٍ واحدٍ: الهرم.
(والكتاب والسنة طافحان بما يدل على فضل العلم ومن ذلك ما يلي:

  1. قال الله تعالى: " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم " [آل عمران / 18] فأهل العلم هم الثقات العدول الذين استشهد الله بهم على أعظم مشهود، وهو توحيده جل وعلا، وهذا هو العلم الحقيقي، العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته، وموجب ذلك ومقتضاه من الإيمان برسله وكتبه والإيمان بالغيب حتى كأنه مشاهد محسوس.
    فهذه المزية الكبرى للعلم وأهله، أنَّه يدل على صراط الله المستقيم، أنَّه الوسيلة العظمى للقرب من الله تعالى، وموجب لإحاطة محبته بالقلب، فمتى عرفت الله اجتمع قلبك على محبته وحده جل وعلا؛ لأنَّ له وحده الأسماء الحسنى والصفات العلا.
    فهذا هو العلم وهذه هي ثمرته.
    رزقنا الله وإياك الشجرة والثمرة إنه جواد كريم
  2. وقد بوَّب الإمام البخاري بابًا فقال: " باب العلم قبل القول والعمل" لقوله تعالى: " فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك " [محمد/19] سئل سفيان بن عيينة عن فضل العلم فقال: ألم تسمع قوله حين بدأ به " فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك " [محمد/19] فأمر بالعمل بعد العلم.
    فالعلم مقدم على القول والعمل، فلا عمل دون علم، وأول ما ينبغي تعلمه " التوحيد " و "علم التربية " أو ما يُسمَّى بعلم " السلوك " فيعرف الله تعالى ويصحح عقيدته، ويعرف نفسه وكيف يهذبها، وأنت تلحظ هذا الارتباط بين العلم بالتوحيد " فاعلم أنَّه لا إله إلا الله " وبين التربية والتزكية التي من ثمارها المراقبة ودوام التوبة " واستغفر لذنبك "
  3. والعلم نور يبصر به المرء حقائق الأمور، وليس البصر بصر العين، ولكن بصر القلوب، " فإنَّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " [الحج/46]؛ ولذلك جعل الله الناس على قسمين: إمَّا عالم أو أعمى فقال الله تعالى: " أ فمن يعلم أنَّما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى " [الرعد/19].
    ولذلك عبَّر الله تعالى بفعل " رأى " دلالة على العلم في قوله تعالى: ويرى الذين أوتوا العلم الذي أُنزل إليك من ربك هو الحق " [سبأ /6] فلم يقل: " ويعلم " وهذا ـ والله أعلم ـ إشارة إلى العلم وأثره في القلوب، التي صارت به تبصر وترى الحق، ولا يلتبس عليها بالباطل.
    وهذا واضح في (حديث حذيفة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودا عُودا، فَأَيّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْل الصّفَا، فَلاَ تَضُرّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادا كَالْكُوزِ مُجَخّيا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرا، إِلاّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ.
  4. والعلم يورث الخشية:

قال الله تعالى: " إنَّما يخشى الله من عباده العلماء " [فاطر/28] وقال تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا " [الإسراء /107 - 109] 5) وقد مدح الله أهل العلم وأثنى عليهم، فجعل كتابه آيات بينات في صدورهم، به تنشرح وتفرح وتسعد.
قال الله تعالى: " بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون " [العنكبوت/49] 6) وقد أمرنا الله تعالى بالاستزادة من العلم وكفى بها من منقبة عظيمة للعلم.
قال الله تعالى: " وقل رب زدني علمًا " [طه/ 114] قال القرطبي: فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم.
7) والعلماء هم ورثة الأنبياء، وهم أهل الذكر، الذين أمر الناس بسؤالهم عن عدم العلم قال الله تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " [النحل/43] 8) وأخبر الله عن رفعة درجة أهل العلم والإيمان خاصة.
وقال تعالى (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)... (المجادلة/11) وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر من الآية: 9).
قال ابن عباس رضي الله عنهما: للعلماء درجاتٍ فوق المؤمنين بسبعمائة درجة بين كل درجتين مسيرة خمسمائة عام 9) والعلم أفضل الجهاد، إذ من الجهاد جهاد بالحجة والبيان، وهذا جهاد الأئمة من ورثة الأنبياء، وهو أعظم منفعة من الجهاد باليد واللسان، لشدة مؤنته، وكثرة العدو فيه.
قال تعالى: " ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادًا كبيرًا " [الفرقان / 51 - 52] يقول ابن القيم رحمه الله: " فهذا جهاد لهم بالقرآن، وهو أكبر الجهادين، وهو جهاد المنافقين أيضًا، فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين، بل كانوا معهم في الظاهر، وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم، ومع هذا فقد قال تعالى: " يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم " ومعلوم أنَّ جهاد المنافقين بالحجة والقرآن.

والمقصود أنَّ سبيل الله هي الجهاد وطلب العلم، ودعوة الخلق به إلى الله " وتدبر في (حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو في منزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاءه لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره " 10) ولم يجعل الله الغبطة إلا في أمرين: بذل المال، وبذل العلم، وهذا لشرف الصنيعين، وحث النَّاس على التنافس في وجوه الخير.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جارٌ له فقال: ليتني أوتيتُ مثل ما أُوتيَ فلانٌ فعملتُ مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالاً فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيتُ مثل ما أُوتيَ فلانٌ فعملتُ مثل ما يعمل) ﴿تنبيه﴾: (المقصود بالحسد هنا [الغبطة] لأن الحسد لا يحل في اثنتين ولا ثلاث.
11) ولا ينقطع عمل العالم بموته، بخلاف غيره ممن يعيش ويموت، وكأنَّه من سقط المتاع، أمَّا أهل العلم الربانيون الذين ينتفع بعلمهم من بعدهم فهؤلاء يضاعف لهم في الجزاء والأجر شريطة الإخلاص.
عن أبي هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " 12) وكل ما في الدنيا هالك وإلى زوال، تتنزل عليه اللعنات، والمرحوم من ذلك صنفان من النَّاس: أهل العلم وطلبته، والعابدون الذاكرون الله كثيرًا.
فتدبر في (حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما.
13) وبالعلم يعظم أجر المؤمن، ويصحح نيته، فيحسن عمله، وإذا كان النَّاس لا يشغفون بالمال عن العلم، فإنَّ فضل العلم على المال أعظم، وقد فصل لنا الشرع في هذه القضية، فقد قسَّم رسول الله النَّاس على أصناف أربعة، جعل الناجين منهم صنفين، وهما من تلبث بالعلم.

(حديث أبي كبشة الأنماري في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْماً فَهُوَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَحسنِ الْمَنَازِلِ عند الله وَرجلٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْماً وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الأجرِ سَوَاءٌ، وَرجلٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْماً فَهُوَ يَخْبِطُ في مَالِهِ لاَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فهو بِأَسوءِ الْمَنَازِلِ عند الله وَرجلٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالاً وَلاَ عِلْماً فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الوزر سَوَاءٌ.
والشاهد هنا أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل العلم الحقيقي هو العلم الذي يبصر المرء بحقائق الأمور، فصاحب المال إذا لم يتحلَ بالعلم فإنَّه سيسيء التصرف فيه، فتجده ينفقه على شهوات نفسه، ولا يعرف شكر هذه النعمة، ولذلك استحق أن يكون بِأَسوءِ المنازل، والعياذ بالله.
وجعل العالم يعرف قدر المال الحقيقي، فيم ينفق؟ فبعلمه نوى نية صالحة فصار بأحسن المنازل، وإن لم ينفق.
﴿تنبيه﴾: (هذا الحديث فيه فوائد جمة حيث بين فصل الخطاب في السعادة والشقاوة و أن السعادة بجملتها على العلم وموجبه والشقاوة بجملتها على الجهل وثمرته.
قال الإمام أحمد: الناس محتاجون إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب لأن الطعام والشراب يحتاج إليه فى اليوم مرة أو مرتين والعلم يحتاج إليه بعدد الأنفاس.
وقال سفيان بن عيينة: أرفع الناس منزلة من كان بين الله وبين عباده وهم الأنبياء والعلماء.
14) ومن رزق فقهًا في الدين فذاك الموفق على الحقيقة، فالفقه في الدين من أعظم المنن.
(حديث معاوية في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين و إنما أنا قاسم و الله يعطي و لن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله عز و جل.
15) والعلم مقدم على العبادة، فإنَّ فضلا في علم خير من فضل في عبادة، ومن سار في درب العلم سهل عليه طريق الجنة.

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة.
(حديث أبي الدرداء في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا من إلى الجنة و إن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم و إن العالم ليستغفر له من في السموات و من في الأرض حتى الحيتان في البحر و إن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب و إن العلماء ورثة الأنبياء و إن الأنبياء لم يورِّثوا دينارا و لا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.
وسلوك الطريق لالتماس العلم يدخل فيه سلوك الطريق الحقيقي وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلماء، ويدخل فيه سلوك الطريق المعنوية المؤدية إلى حصول العلم مثلُ حفظهِ ومدارسته.
وقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " سهل الله له به طريقاً إلى الجنة " قد يراد بذلك أن الله يسهل له العلم الذي طلبه وسلك طريقه، وييسره عليه، فإن العلم طريقٌ يوصل إلى الجنة، كما قال بعض السلف: " هل من طالب علمٍ فيعان عليه"، وقد يراد به طريق الجنة يوم القيامة وهو الصراط وما قبله وما بعده.
والعلم أيضاً يدل على الله تعالى من أقرب طريق، فمن سلك طريقه وصل إلى الله تعالى وإلى الجنة من أقرب طريق، والعلم أيضا يُهْتَدَى به في ظلمات الجهل والشبه والشكوك، ولهذا سمى الله كتابه نوراً، ولذا كان قبض العلم بقبض العلماء الربانيين الذين يدلون الناس على الخير ويحذرونهم من الشر.
(حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس ولكن يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جُهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ". قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (إن اللّه لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه) أي محواً من الصدور

(ولكن يقبض العلم بقبض العلماء) أي بموتهم فيقبض العلم بتضييع [ص 274] التعلم فلا يوجد فيمن بقي من يخلف من مضى وفي رواية للبخاري بدل هذا لكن ينتزعه منهم بقبض العلماء بعلمهم وتقديره ينتزعه بقبض العلماء مع علمهم ففيه نوع قلب وفي رواية لكن ذهابه قبض العلماء ومعانيها متقاربة قال ابن المنير: محو العلم من الصدور جائز في القدرة لكن الحديث دل على عدم وقوعه (حتى إذا لم يبق عالماً) وفي رواية يبق عالم بفتح الياء والقاف وفي رواية إذا لم يترك وعبر بإذا دون إن إيماء إلى أنه كائن لا محالة بالتدريج (اتخذ الناس رؤوساً جُهالاً) جهلاً بسيطاً أو مركباً (فسئلوا فأفتوا بغير علم) في رواية برأيهم أي استكباراً وأنفة عن أن يقولوا لا نعلم (فضلوا) في أنفسهم

(وأضلوا) من أفتوه وفي رواية وضلوا عن سواء السبيل.
وهذا تحذير من ترئيس الجهلة وأن الفتوى هي الرئاسة الحقيقية وذم من يقدم عليها بلا علم وأن قبض العلم موت حملته لا محوه منهم ولا يلزم من بقاء القرآن حينئذ بقاء العلم لأنه مستنبط منه ولا يلزم من المستنبط نفي المستنبط منه والعالم وإن كان قارئاً فهو أخص ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم وفيه جواز خلو الزمان عن مجتهد وعليه الجمهور خلافاً لأكثر الحنابلة وترئيس أهل الجهل ويلزمه الحكم بالجهل وهذا كما قال الكرماني: تعم القضاة الجاهلين إذ الحكم بشيء يستلزم الفتوى به ثم إن ذا لا يعارضه خبر لا تزال طائفة إلخ محل ذا على أصل الدين وذاك على فروعه أو أنه لا يقبض العلم إلى زمن مبادىء الأشراط قبل استحكام نهايتها فإذا أزفت الآزفة وأفرط قرب قيام الساعة وما أمر اللّه زال الكل فيحمل الخبر على زمنين مختلفين يزول التعارض من البين (تتمة) قال الراغب: لا شيء أوجب على السلطان من رعاية أحوال المتصدين للرياسة بالعلم فمنّ الاخلال بها ينتشر الشر ويكثر الأشرار ويقع بين الناس التباغض والتنافر وذلك أن السواس أربعة الأنبياء وحكمهم على الخاصة ظاهرهم وباطنهم والحكماء وحكمهم على بواطن الخاصة والوعاظ وحكمهم على بواطن العامة وصلاح العالم برعاية أمر هذه الساسات لتخدم العامة الخاصة وتسوس الخاصة العامة، وفساده في عكس ذلك، ولما ترشح قوم للزعامة في العلم بغير استحقاق وأحدثوا بجهلهم بدعاً استغنوا بها عامة واستجلبوا بها منفعة ورياسة فوجدوا من العامة مساعدة بمشاركتهم لهم وقرب جوهرهم منهم وفتحوا بذلك طرقاً منسدة ورفعوا به ستوراً مسبلة وطلبوا منزلة الخاصة فوصلوها بالوقاحة وبما فيهم من الشره فبدعوا العلماء وجهلوهم اغتصاباً لسلطانهم ومنازعة لمكانهم فأعزوا بهم أتباعهم حتى وطئوهم بأظلافهم وأخفافهم فتولد بذلك البوار والجور العام والعار.
وسُئل عبادة بنُ الصامت عن هذا الحديث فقال: " لو شئت لأخبرتك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع ". (وإنما قال عبادة - رضي الله عنه - هذا لأن العلم قسمان: أحدهما: ما كان ثمرته فى قلب الإنسان، هو العلم بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله المقتضى لخشيته، ومهابته، وإجلاله، ومحبته، ورجائه، والتوكل عليه، فهذا هو العلم النافع ولذا قال ابن مسعود: " إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع فى القلب فرسَخ فيه نفع"، وقال الحسن: " العلم علمان: علم اللسان فذاك حجة على ابن آدم، كما في الحديث " القرآن حجة لك أو عليك" (حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها أو مُوبِقها.
وعلم في القلب فذاك العلم النافع، فأول ما يرفع من العلم العلمُ النافع، وهو العلم الباطن الذى يخالط القلوب ويصلحها، ويبقى علم اللسان فيتهاون الناس به ولا يعملون بمقتضاه، لا حملته ولا غيرهم، ثم يذهب هذا العلم بذهاب حملته وتقوم الساعة على شرار الخلق ". 16) ويكفي صاحب العلم فضلاً أنَّ الله يسخر له كل شيء ليستغفر له ويدعو له: (حديث أبي الدرداء في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا من إلى الجنة و إن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم و إن العالم ليستغفر له من في السموات و من في الأرض حتى الحيتان في البحر و إن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب و إن العلماء ورثة الأنبياء و إن الأنبياء لم يورِّثوا دينارا و لا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.
17) وطلبة العلم هم وصية رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (حديث أبي سعيد في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: سيأتيكم أقوام يطلبون العلم فإذا رأيتموهم فقولوا لهم: مرحبا بوصية رسول الله و أقنوهم.
قلت للحكم: ما أقنوهم؟ قال: علموهم.
18) وأهل العلم الذين يبلغون الناس شرع الله تعالى هم أنضر الناس وجوهًا، وأشرفهم مقامًا، بدعاء رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لهم.
(حديث زيد بن ثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: نضر الله امرءاً سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه فرب حامل فقه إلى من هو أفقه و رب حامل فقه ليس بفقيه.
معنى نضَّر الله: الدعاء له بالنضارة وهي النعمة والبهجة قال سفيان ابن عيينة: ما من أحدٍ يطلب الحديث إلا في وجهه نضرة 19) ومن شرف العلم وفضله أنَّ الله امتن على أنبيائه ورسله بما آتاهم من العلم، دلالة على عظم المنَّة.

فذكر نعمته على نبينا محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال الله تعالى: " وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا " [النساء/113] ووصف خليله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بأنَّه كان أمة، أي جامعًا لصفات الكمال من العلم والعمل.
قال تعالى: " إنَّ إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين شاكرًا لأنعمه " [النحل/ 120 - 121] وقال جل وعلا عن نبيه يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: " ولما بلغ أشده آتيناه حكمًا وعلمًا وكذلك نجزي المحسنين " [يوسف / 22] وقال في كليمه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: " ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكمًا وعلمًا وكذلك نجزي المحسنين " [القصص/114] وقال في حق المسيح عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: " يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل " [المائدة / 110] 20) قال علي بن أبي طالب: ومن شرف العلم وفضله أنَّ كل من نسب إليه فرح بذلك، وإنْ لم يكن من أهله، وكل من دفع عنه ونسب إلى الجهل عزَّ عليه ونال ذلك من نفسه، وإنْ كان جاهلاً.
قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: لولا العلماء لصار الناس كالبهائم وقال معاذ ابن جبل رضيَ الله تعالى عنه: تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة والصاحب في الخلوة.
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: العلم لا يعدله شيء إذا صحت نيته.
21) وبين النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن فضل العلم على العبد كفضله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أدنانا: (حديث أبي أمامة في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم.
22) وبين النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن العلم يترتب عليه الأجر الوفير لدلالة الناس على الخير: (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا و من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا.
23) أثنى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على من أقبل على العلم تعلماً وتعليماً:

(حديث أبي موسى الأشعري في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: مثل ما بعثني الله به من الهدى و العلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ و العشب الكثير و كانت منها أخاذات أمسكت الماء فنفع الله بها الناس شربوا منها و سقوا وزرعوا و أصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء و لا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله و نفعه ما بعثني الله به فعلم و علم و مثل من لم يرفع بذلك رأسا و لم يقبل هدى الله الذي أرسلت به.
(شرح الحديث: قسَّم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الناس من حيث قبول العلم والانتفاع به إلى قسمين: (القسم الأول: وهو قسمٌ محمود، وينقسم إلى نوعين:

  1. نوعٌ كالأرض النقية التي تقبل الماء فتستفيد في نفسها ثم تفيد غيرها بإنبات الكلأ والعشب الكثير، وهؤلاء هم الفقهاء أولي الفهم لأنهم فهموا فاستفادوا ثم أفادوا.
  2. نوعٌ آخر محمود ولكنه دون النوع الأول، وهم كالأرض الصلبة (أخاذات) التي تجمع الماء وتحفظه لينتفع به الناس من السقي والزراعة والشرب، فهؤلاء كالمحدثين الذين لم يُرزقوا الفقه والفهم بل حفظوا العلم ونقلوه لغيرهم ليستفيدوا به.
    ﴿تنبيه﴾: (ليس المقصود بذلك أن كل محدثٍ ليس بفقيه فهناك كثيرٌ من العلماء جمعوا بين الحديث والفقه كالإمام أحمد والإمام البخاري رحمهما الله تعالى (القسم الثاني: قسمٌ مذموم لم يهتم بالعلم ولم يرفع بذلك رأساً ولم يشغل باله بالعلم لا تعلماً ولا تعليماً ولا حفظاً ولا سماعاً، فلم ينتفع بالهدى والعلم وعاش هائماً في الضلال بل ربما كان أضل من حمار أهله.
    وبين النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن طلب العلم من المسالك المؤدية إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإن العلم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء قال الإمام أحمد رحمه الله كما في طبقات الحنابلة (1/ 390): الناس يحتاجون إلى العلم مثل الخبز والماء، لأن العلم يحتاج إليه في كل ساعة، والخبز والماء في كل يوم مرة أو مرتين.
    روى ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/ 225) بإسناد صحيح عن الزهري قال: (ما عُبِدَ الله بِمِثْلِ العِلم).
    (والغرض من تعلم العلم الشرعي العمل به، وطلب الأجر والثواب من الله، ورفع الجهل عن النفس.

ولقد كان أصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل فتعلمنا القرآن والعمل جميعا.
ولم يكن السلف يطلقون اسم الفقيه إلا على من جمع بين العلم والعمل.
والعمل بالعلم سبب للثبات، قال تعالى: (وَلَوْ أَنّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ وَأَشَدّ تَثْبِيتاً) [النساء / 66] روى الخطيب البغدادي بسنده في اقتضاء العلم العمل: «عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل» 1. قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/ 704) قال عبد الملك بن إدريس رحمه الله: والعلم ليس بنافع أربابه... ما لم يفد عملاً وحسن تبصر سيان عندي من لم يستفد... عملاً به وصلاة من لم يطهر فاعمل بعلمك توف نفسك وزنها... لا ترض بالتضييع وزن المخسر

قال أبو الدرداء رضي الله عنه: «إن أخوف ما أخاف إذا وقفت على الحساب أن يقال لي: قد علمت فماذا عملت فيما علمت؟» 2. وقد كان السلف رحمهم الله يستعينون على حفظ الحديث والعلم بالعمل به.
قال الخطيب البغدادي في اقتضاء العلم العمل: «العلم شجرة، والعمل ثمرة... فلا تأنس بالعمل ما دمت مستوحشا من العلم، ولا تأنس بالعلم ما كنت مقصرا في العمل، ولكن اجمع بينهما وإن قل نصيبك منهما».
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: في زاد المعاد (3/ 10): السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانياً حتى يعرف الحق، ويعمل به، ويعلمه، فمن علم وعمل وعلم دعي عظيما في ملكوت السماوات.
(حديث أبي مدينة الدارمي وكانت له صحبة الثابت في السلسلة الصحيحة) قال كان الرجلان من أصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر والعصر إن الإنسان لفي خسر ثم يسلم أحدهما على الآخر.
قال الإمام ابن القيم:

في مفتاح دار السعادة عن سورة العصر (1/ 238): «فذكر تعالى المراتب الأربع في هذه السورة، وأقسم سبحانه في هذه السورة بالعصر أن كل أحد في خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهم الذين عرفوا الحق، وصدقوا به.
فهذه مرتبة.
وعملوا الصالحات، وهم الذين عملوا بما علموه من الحق.
فهذه مرتبة أخرى.
وتواصوا بالحق، وصى به بعضهم بعضاً، تعليماً وإرشاداً.
فهذه مرتبة ثالثة.
وتواصوا بالصبر، صبروا على الحق، ووصى بعضهم بعضاً بالصبر عليه، والثبات.
فهذه مرتبة رابعة.
وهذا نهاية الكمال، فإن الكمال أن يكون الشخص كاملاً في نفسه، مكملاً لغيره، وكماله بإصلاح قوتيه العلمية والعملية، فصلاح القوة العلمية بالإيمان، وصلاح القوة العملية بعمل الصالحات، وتكميله غيره، وتعليمه إياه، وصبره عليه، وتوصيته بالصبر على العلم والعمل.
فهذه السورة على اختصارها هي من أجمع سور القرآن للخير بحذافيره والحمد لله الذي جعل كتابه كافياً عن كل ما سواه، شافياً من كل داءٍ، هادياً إلى كل خير» ا. هـ. قال ابن الجوزي في صيد الخاطر (218): «فالله الله في العلم بالعمل، فإنه الأصل الأكبر، والمسكين كل المسكين من ضاع عمره في علم لم يعمل به، ففاتته لذات الدنيا وخيرات الآخرة، فقدم مفلسا، مع قوة الحجة عليه»

(

حكم تعلم العلم:

حكم تعلم العلم على التفصيل الآتي: (1) فرض عين: وهو ما يتعين وجوبه على الشخص، وعليه يحمل الحديث الآتي (حديث أنس في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم.
وهذا العلم هو علم التوحيد لأن التوحيد مقدَّمٌ على العمل والأصلُ الذي يترتب عليه غيره إذ لا ينفع مع الشرك عمل.، وهو كذلك ما لا بد منه لصحة العبادات كعلم الطهارة والصلاة والصيام والحج والزكاة.
(2) فرض كفاية: وهو التوسع في العلوم ودقائقها ومباحثها ويدخل في هذا النوع كل علم لا يُستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب فإنه ضروري في حاجة بقاء الأبدان على الصحة، والحساب فإنه ضروري في قسمة المواريث والوصايا وغيرهم.
(ماذا نعني بالعلم، وكيف يطلب؟

مسألة: ماذا نعني بالعلم، وكيف يطلب؟ حين نقول العلم، فإنما نريد أن تعلم الأمة، كل الأمة، جميع الأمة، صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً، حكاماً ومحكومين، فكل أفراد الأمة على التعيين عليهم

أنْ يعرفوا الله: الله جل وعلا الذي يعبدونه، الله الذي استسلموا له بالإسلام، أن يعرفوا الله.
من خلال عقيدة صحيحة صافية سليمة نقية واضحة.
وأن يعرفوا رسوله: فيعرفوه معرفة حقيقية؛ ليتبعوه، وليحبوه، وليوالوه، وليقتدوا ويتأسوا به، ولا يتركوا شيئاً من سنته وعمله إلا عملوه.
وأن يعرفوا ما تلزم معرفته من أمر الدنيا والدين إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وللوسائل حكم المقاصد.
وتدبر في (حديث أنس الثابت في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم.
وتأتى هذه الأهمية بعد قضية الإيمان بالله عز وجل، فأول واجب على كل مسلم الإيمان بالله تعالى، ويليه العلم؛ لأنَّك بالتعلم تصحح إيمانك وعقيدتك، وتصحح عملك، فالتعلم هو الوسيلة التي يتمكن بها المكلف من تصحيح إيمانه، ومن تصحيح عمله.
(والتعلم له طريقان بحسب طاقة الناس:

  1. فمن كان قادراً على تلقى العلم من شيوخه بالجلوس عند ركبهم، ودراسة العلوم عليهم، وجب عليه أن يتعلم الحد الواجب من العلوم بهذه الطريقة.
  2. ومن لم يكن قادراً على ذلك فليتعلم بطريقة السؤال؛ يسأل أهل الذكر وأهل العلم عن المسائل الضرورية التي يصحح بها عمله، ويصحح بها إيمانه.. قال الله تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إنْ كنتم لا تعلمون " [النحل /43] وقال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " فإنَّما شفاء العي السؤال " وهو ثابت في صحيح أبي داوود عن جابر رضي الله تعالى عنه.
    وقد سلك أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كلا المسلكين، كلٌ على قدر طاقته، وعلى قدر إمكاناته، فالمهاجرون والأنصار الذين كانوا معه في المدينة النبوية المباركة أكثرهم تلقوا العلم من فم رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ومن لم يسمعه من فمه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسمعه عمن سمعه منه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكانوا يتناوبون على سماع العلم منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
    (

(حديث بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ الثابت في الصحيحين) عن عمر قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ينزل يومًا، وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك.
وكثير من المسلمين في عهده الذين لم يستطيعوا التعلم بهذه الطريقة تلقوه بطريق السؤال، كانوا يأتون رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من كل حدب وصوب يسألون عن الضروري من أمور دينهم، فيجيبهم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأوجز وأبلغ عبارة، فيفهمون المراد، ويرجعون إلى بلادهم وأقوامهم، يبادرون إلى العمل.
فهذا رجل من ثقيف يأتي بعد أن امتن الله على قبيلته فدخلت في الإسلام لكن ذلك كان في فترة متأخرة، فيرغب في الخير الذي حصَّله من سبقه، فيسأل النبي سؤالاً جامعًا، ويجيبه النبي بإجابة بليغة وجيزة.
عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك ـ وفي رواية "غيرك " ـ قال: قل آمنت بالله فاستقم وهو ثابت في صحيح مسلم.
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يفرحون بمجيء أحد من الأطراف، خاصة إذا كان من البادية؛ لأنهم كانوا يسألون رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن مسائل كان الصحابة يتهيبون من سؤاله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنها.
ولذلك قال أنس: كنا نهاب أن نسأل رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن شيء، وكان يعجبنا أن يأتيه الرجل من أهل البادية فيسأله، ونحن نستمع.
(1) وذلك بعد أن أنزل الله تعالى قوله تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة/101] بل وحتى النساء كن يحرصن على سؤاله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وتعلم أمور الدين منه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فكانت المرأة من الصحابيات إذا استحيت أن تسأله مباشرة، سألته بواسطة بعض أمهات المؤمنين إذا كان الأمر يتعلق بشيء مما يستحي منه النساء، وأما في غير ذلك فيسألنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ويحرصن على تلقي العلم منه.
(حديث عائشة في الصحيحين) أن امرأة سألت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن غسلها من المحيض فأمرها كيف تغتسل.
قال خذي ِفرصةٍ من مسكٍ فتطهري بها.
قالت كيف أتطهر بها؟ قال تطهري بها.
قالت كيف؟ قال سبحان الله تطهري بها.
فاجتبذتها إليَّ فقلت تتبعي بها أثر الدم.

وسألته عن غسل الجنابة فقال: تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء.
فقالت عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
فهذه طريقتهم في طلب العلم وحرصهم عليه وحسن سؤالهم عن شئونهم الحقيقية، وتوصيفهم الصحيح لواقعهم بعد فهمهم الدين، فلم يكونوا يفترضون الأمثلة، ولا يطرحون الأمثلة للترف العلمي والفكري، فتعلموا ونقلوا الدين بأمانة، فوصلنا الدين من خلال هؤلاء الصحابة العلماء الأجلاء كاملاً مكملاً، فلا تجد ثغرة في ديننا ولا مسألة إلا وعندك منها علمًا، فجزى الله رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عنَّا وعن أمة الإسلام خير الجزاء، وجزى صحابته خير الجزاء، وإنما أعرضوا عمَّا لا ينفع، وهذا ما علمه لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لما جاءه رجل يقول: متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها.
اليوم أنت ـ أخي طالب العلم ـ من هؤلاء، وكيف تطلب؟ وعمَّ تسأل؟ وفيم تبحث؟!!!

(

آداب طالب العلم:

مسألة: ما هي الآداب التي يجب على طالب العلم أن يتحلى بها؟ لقد قدَّم الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد جملةً من الآداب التي يجب على طالب العلم أن يتحلى بها وهي في حقيقتها جملة من نصائحٍ ذهبية صادرةٌ عن إخلاصٍ وحسنِ طوية – نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكي على الله أحد _ أرجو أن تعرها سمعك وفكرك وأن تجد لك في سمعك مسمعاً وفي قلبك موقعاً وأن تتقبلها بقبولٍ حسن عسى الله تعالى أن ينفعك بها ويوفقك إلى تطبيقها.
وهي على الترتيب الآتي: أولا: آداب طالب العلم في نفسه ثانياً: آداب طالب العلم مع شيخه ثالثاً: آداب الزمالة رابعاً: آداب طالب العلم في حياته العلمية خامساً: التحلي بالعمل سادساً: تأدية زكاة العلم سابعاً: التحلي بعزة العلماء ثامناً: صيانة العلم تاسعاً: التحلي بالمدارة وليس المداهنة عاشراً: التحلي بالغرام بالكتب الحادي عشر: التخلي عن المحاذير التي لا تجعل العلم نافعاً فتقلبه من نورٍ على نار.
(وإليك أخي تفصيل هذه الآداب: (أولا: آداب طالب العلم في نفسه: (1) العلم عبادة: أصل الأصول في هذه "الحلية" بل ولكل أمر مطلوب علمك بأن العلم عبادة، قال بعض العلماء: العلم صلاة السر، وعبادة القلب.
وعليه، فإن شرط العبادة إخلاص النية لله سبحانه وتعالى، لقوله: قال تعالى: (وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلاّ لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصّلاَةَ وَيُؤْتُواْ الزّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيّمَةِ) [البينة / 5] وتدبر في (حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله و رسوله فهجرته إلى الله و رسوله و من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه.
فإن فقد العلم إخلاص النية، انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات، وانقلب من نورٍ إلى نار ولا شيء يحطم العلم مثل: الرياء؛ رياء شرك، أو رياء إخلاص، ومثل التسميع؛ بأن يقول مسمعاً: علمت وحفظت، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتُغيَ به وجهه.
(حديثُ أبي هريرةَ صحيح مسلم): أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال - قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاءِ عن الشرك، من عمل عملاً أشركَ فيه معي غيري تركته وشركه (حديثُ جندب ابن عبد الله في الصحيحين): أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال من سمَّعَ سمَّعَ الله به ومن يُرائي يُرائي الله به.
(حديثُ أبي أُمامة صحيح النسائي): أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إن الله تعالى لا يقبلُ من العملِ إلا ما كان خالصاً وابتُغيَ به وَجهُهُ (2) وعليه؛ فالتزم التخلص من كل ما يشوب نيتك في صدق الطلب؛ كحب الظهور، والتفوق على الأقران، وجعله سلماً لأغراض وأعراض، من جاه، أو مال، أو تعظيم، أو سمعة، أو طلب محمدة، أو صرف وجوه الناس إليك، فإن هذه وأمثالها إذا شابت النية، أفسدتها، وذهبت بركة العلم، يجب عليك أن تخلص النية في طلب العلم وأن تبتغي بذلك وجه الله تعالى وأن يكون قصدك من تعلم العلم أن تنفي الجهل عن نفسك فتستفيد ثم تفيد على قاعدة (اللهم اهدنا واهدي بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى) وليحذر أن يكون قصده أن يصيب عرضاً من الدنيا أو ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء فإن ذلك يحبط العمل ويجعله متعرضاً لسخط الله تعالى والله تعالى يقول (مَن كَان يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ،... أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) ﴿هود/15،16﴾ )

حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة.
(حديث جابر في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا تماروا به السفهاء و لا لتخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار.
ولهذا يتعين عليك أن تحمى نيتك من شوب الإرادة لغير الله تعالى، بل وتحمى الحمى.
وللعلماء في هذا أقوال ومواقف بينت طرفاً منها في المبحث الأول من كتاب "التعالم"، ويزاد عليه نهى العلماء عن "الطبوليات"، وهى المسائل التي يراد بها الشهرة.
وقد قيل:"زلة العالم مضروب لها الطبل".
وعن سفيان رحمه الله تعالى أنه قال: "كنت أوتيت فهم القرآن، فلما قبلت الصرة، سلبته".
فاستمسك رحمك الله تعالى بالعروة الوثقى العاصمة من هذه الشوائب؛ بأن تكون - مع بذل الجهد في الإخلاص - شديد الخوف من نواقضه، عظيم الافتقار والالتجاء إليه سبحانه.
ويؤثر عن سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله تعالى قوله: "ما عالجت شيئاً أشد على من نيتي".
وعن عمر بن ذر أنه قال لوالده "يا أبي! مالك إذا وعظت الناس أخذهم البكاء، وإذا وعظهم غيرك لا يبكون؟ فقال: يا بنى! ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة.
وفقك الله لرشدك آمين.
الخصلة الجامعة لخيري الدنيا والآخرة ومحبة الله تعالى ومحبة رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتحقيقها بتمحض المتابعة وقفوا الأسر للمعصوم.
قال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبّونَ اللّهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ) [آل عمران / 31] وبالجملة؛ فهذا أصل هذه "الحلية"، ويقعان منها موقع التاج من الحلة.
فيا أيها الطلاب! هاأنتم هؤلاء تربعتم للدرس، وتعلقتم بأنفس علق (طلب العلم)، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى في السر والعلانية، فهي العدة، وهى مهبط الفضائل، ومتنزل المحامد، وهى مبعث القوة، ومعراج السمو، والرابط الوثيق على القلوب عن الفتن، فلا تفرطوا.
(كن على جادة السلف الصالح:

كن سلفياً على الجادة، طريق السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم، فمن بعدهم ممن قفا أثرهم في جميع أبواب الدين، من التوحيد، والعبادات، ونحوها، متميزاً بالتزام آثار رسول الله وتوظيف السنن على نفسك، وترك الجدال، والمراء، والخوض في علم الكلام، وما يجلب الآثام، ويصد عن الشرع.
قال الذهبي رحمه الله تعالى: "وصح عن الدارقطني أنه قال: ما شيء أبغض إلي من علم الكلام.
قلت: لم يدخل الرجل أبداُ في علم الكلام ولا الجدال، ولا خاض في ذلك، بل كان سلفياً" ا هـ. وهؤلاء هم (أهل السنة والجماعة) المتبعون آثار رسول الله، وهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وأهل السنة: نقاوة المسلمين، وهم خير الناس للناس" اهـ. فالزم السبيل (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله).
2) ملازمة خشية الله تعالى: التحلي بعمارة الظاهر والباطن بخشية الله تعالى؛ محافظاً على شعائر الإسلام، وإظهار السنة ونشرها بالعمل بها والدعوة إليها؛ دالاً على الله بعلمك وسمتك وعلمك، متحلياً بالرجولة، والمساهلة، والسمت الصالح.
(وملاك ذلك خشية الله تعالى.
ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "أصل العلم خشية الله تعالى".
فالزم خشية الله في السر والعلن، فإن خير البرية من يخشى الله تعالى، وما يخشاه إلا عالم، إذن فخير البرية هو العالم، ولا يغب عن بالك أن العالم لا يعد عالماً إلا إذا كان عاملاً، ولا يعمل العالم بعلمه إلا إذا لزمته خشية الله.
وأسند الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى بسند فيه لطيفة إسنادية برواية آباء تسعة، فقال: أخبرنا أبو الفرج عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن زيد بن أكينة ابن عبد الله التميمي من حفظه؛ قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبى يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول: "هتف العلم بالعمل، فإن أجابه، وإلا ارتحل" ا هـ. وهذا اللفظ بنحوه مروي عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى.
3) التحلي بدوام المراقبة لله تعالى في السر والعلن، سائراً إلى ربك بين الخوف والرجاء، فإنهما للمسلم كالجناحين للطائر.
فأقبل على الله بكليتك، وليمتلئ قلبك بمحبته، ولسانك بذكره، والاستبشار والفرح والسرور بأحكامه وحكمه سبحانه.
4) خفض الجناح ونبذ الخيلاء والكبرياء:

تحل بآداب النفس، من العفاف، والحلم، والصبر، والتواضع للحق، وسكون الطائر، من الوقار والرزانة، وخفض الجناح، متحملاً ذل التعلم لعزة العلم، ذليلا للحق.
وعليه، فاحذر نواقض هذه الآداب، فإنها مع الإثم تقيم على نفسك شاهداً على أن في العقل علة، وعلى حرمان من العلم والعمل به، فإياك والخيلاء، فإنه نفاق وكبرياء، وقد بلغ من شدة التوقي منه عند السلف مبلغاً.
ومن دقيقه ما أسنده الذهبي في ترجمة عمرو بن الأسود العنسي المُتوفى في خلافة عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى: أنه كان إذا خرج من المسجد قبض بيمينه على شماله، فسئل عن ذلك؟ فقال: مخافة أن تنافق يدي.
قلت: يمسكها خوفاً من أن يخطر بيده في مشيته، فإن ذلك من الخيلاء اهـ. وهذا العارض عرض للعنسي رحمه الله تعالى.
5) واحذر داء الجبابرة: (الكبر)، فإن الكبر والحرص والحسد أول ذنب عصى لله به، فتطاولك على معلمك كبرياء، واستنكافك عمن يفيدك ممن هو دونك كبرياء، وتقصيرك عن العمل بالعلم حمأة كبر، وعنوان حرمان.
العلم حرب للفتى المعالي كالسيل حرب للمكان العالي فالزم - رحمك الله - اللصوق إلى الأرض، والإزراء على نفسك، وهضمها، ومراغمتها عند الاستشراف لكبرياء أو غطرسة أو حب ظهور أو عجب.. ونحو ذلك من آفات العلم القاتلة له، المذهبة لهيبته، المطفئة لنوره، وكلما ازددت علماً أو رفعة في ولاية، فالزم ذلك، تحرز سعادة عظمى، ومقاماً يغبطك عليه الناس.
وعن عبد الله ابن الإمام الحجة الراوية في الكتب السنة بكر بن عبد الله المزني رحمهما الله تعالى، قال: "سمعت إنساناً يحدث عن أبي، أنه كان واقفاً بعرفة، فرق، فقال: لولا أني فيهم، لقلت: قد غفر لهم".
خرجه الذهبي، ثم قال: "قلت: كذلك ينبغي للعبد أن يزري على نفسه ويهضمها"ا هـ. ﴿تنبيه﴾: (واحذر أخو الكبر في السوء وهو العُجْب والعياذ بالله تعالى فإنه من المهلكات: (حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ثلاث منجيات: خشية الله تعالى في السر و العلانية و العدل في الرضا و الغضب و القصد في الفقر و الغنى و ثلاث مهلكات: هوى متبع و شح مطاع و إعجاب المرء بنفسه.
6) التحلي بالقناعة والزهادة، وحقيقة الزهد:"الزهد بالحرام، والابتعاد عن حماه، بالكف عن المشتهات وعن التطلع إلى ما في أيدي الناس".
ويؤثر عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "لو أوصى إنسان لأعقل الناس، صرف إلى الزهاد".

وعن محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى لما قيل له: ألا تصنف كتابا في الزهد؟ قال: "قد صنفت كتاباً في البيوع".
يعنى:"الزاهد من يتحرز عن الشبهات، والمكروهات، في التجارات، وكذلك في سائر المعاملات والحرف" ا هـ. وعليه، فليكن معتدلاً في معاشه بما لا يشينه، بحيث يصون نفسه ومن يعول، ولا يرد مواطن الذلة والهون.
وقد كان شيخنا محمد الأمين الشنقيطى المتوفى في 17/ 12/1393هـ رحمه الله تعالى متقللاً من الدنيا، وقد شاهدته لا يعرف فئات العملة الورقية، وقد شافهني بقوله: "لقد جئت من البلاد - شنقيط - ومعي كنز قل أن يوجد عند أحد، وهو (القناعة)، ولو أردت المناصب، لعرفت الطريق إليها، ولكني لا أوثر الدنيا على الآخرة، ولا أبذل العلم لنيل المآرب الدنيوية".
فرحمه الله تعالى رحمه واسعة آمين.
7) التحلي برونق العلم: و (رونق العلم) حسن السمت، والهدى الصالح، من دوام السكينة، والوقار، والخشوع، والتواضع، ولزوم المحجة، بعمارة الظاهر والباطن، والتخلي عن نواقضها.
وعن ابن سيرين رحمه الله تعالى قال: "كانوا يتعلمون الهدى كما يتعلمون العلم".
وعن رجاء بن حيوة رحمه الله تعالى أنه قال لرجل: "حدثنا، ولا تحدثنا عن متماوت ولا طعان".
رواهما الخطيب في "الجامع"، وقال: 8) "يجب على طالب الحديث أن يتجنب: اللعب، والعبث، والتبذل في المجالس، بالسخف، والضحك، والقهقهة، وكثرة التنادر، وإدمان المزاح والإكثار منه، فإنما يستجاز من المزاح بيسيره ونادره وطريفة، والذي لا يخرج عن حد الأدب وطريقة العلم، فأما متصلة وفاحشة وسخيفه وما أوغر منه الصدور وجلب الشر، فإنه مذموم، وكثرة المزاح والضحك يضع من القدر، ويزيل المروءة" اهـ. وقد قيل:"من أكثر من شيء، عرف به".
فتجنب هاتيك السقطات في مجالستك ومحادثتك.
وبعض من يجهل يظن أن التبسط في هذا أريحية.
وعن الأحنف بن قيس قال: "جنبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام، إني أبغض الرجل يكون وصافاً لفرجه وبطنه".
وفي كتاب المحدث الملهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في القضاء: "ومن تزين بما ليس فيه، شانه الله".
وانظر شرحه لابن القيم رحمه الله تعالى.

  1. التحلي بـ (المروءة)، وما يحمل إليها، من مكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه، وإفشاء السلام، وتحمل الناس، والأنفة من غير كبرياء، والعزة في غير جبروت، والشهامة في غير عصبية، والحمية في غير جاهلية.
    وعليه فتنكب (خوارم المروءة)، في طبع، أو قول، أو عمل، من حرفة مهينة، أو خلة رديئة، كالعجب، والرياء، والبطر، والخيلاء، واحتقار الآخرين، وغشيان مواطن الريب.
  2. التمتع بخصال الرجولة: تمتع بخصال الرجولة، من الشجاعة، وشدة البأس في الحق، ومكارم الأخلاق، والبذل في سبيل المعروف، حتى تنقطع دونك آمال الرجال.
    وعليه، فاحذر نواقضها، من ضعف الجأش، وقلة الصبر، وضعف المكارم، فإنها تهضم العلم، وتقطع اللسان عن قوله الحق، وتأخذ بناصيته إلى خصومة في حالة تلفح بسمومها في وجوه الصالحين من عباده.
  3. عدم الاسترسال في التنعم والرفاهية: لا تسترسل في (التنعم والرفاهية)، فإن "البذاذة من الإيمان"، وإياك والتنعم وتدبر في (حديث أبي أمامة في صحيح بن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: البذاذة من الإيمان.
    وتدبر في (حديث معاذ في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إياك و التنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين.
    وخذ بوصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه في كتابه المشهور، وفيه: "وإياكم والتنعم وزي العجم، وتمعددوا، واخشوشنوا 000". وعليه، فازور عن زيف الحضارة، فإنه يؤنث الطباع، ويرخى الأعصاب، ويقيدك بخيط الأوهام، ويصل المجدون لغاياتهم وأنت لم تبرح مكانك، مشغول بالتأنق في ملبسك، وإن كان منها شيات ليست محرمة ولا مكروهة، لكن ليست سمتاً صالحاً، والحلية في الظاهر كاللباس عنوان على انتماء الشخص، بل تحديد له، وهل اللباس إلا وسيلة التعبير عن الذات؟! فكن حذراً في لباسك، لأنه يعبر لغيرك عن تقويمك، في الانتماء، والتكوين، والذوق، ولهذا قيل: الحلية في الظاهر تدل على ميل في الباطن، والناس يصنفونك من لباسك، بل إن كيفية اللبس تعطي للناظر تصنيف اللابس من: الرصانة والتعقل.
    أو التمشيخ والرهبنة.
    أو التصابي وحب الظهور.
    فخذ مم اللباس ما يزينك ولا يشينك، ولا يجعل فيك مقالا لقائل، ولا لمزا للامز، وإذا تلاقى ملبسك وكيفية لبسك بما يلتقي مع شرف ما تحمله من العلم الشرعي، كان أدعى لتعظيمك والانتفاع بعلمك، بل بحسن نيتك يكون قربة، إنه وسيلة إلى هداية الخلق للحق.

وفي المأثور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أحب إلي أن أنظر القارئ أبيض الثياب".
أي: ليعظم في نفوس الناس، فيعظم في نفوسهم ما لديه من الحق.
والناس - كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - كأسراب القطا، مجبولون على تشبه بعضهم ببعض.
(فإياك ثم إياك من لباس التصابي، أما اللباس الإفرنجي، فغير خاف عليك حكمه، وليس معنى هذا أن تأتى بلباس مشوه، لكنه الاقتصاد في اللباس برسم الشرع، تحفه بالسمت الصالح والهدي الحسن.
وتطلب دلائل ذلك في كتب السنة الرقاق، لا سيما في "الجامع" للخطيب.
ولا تستنكر هذه الإشارة، فما زال أهل العلم ينبهون على هذا في كتب الرقاق والآداب واللباس، والله أعلم.
12) الإعراض عن مجالس اللغو: لا تطأ بساط من يغشون في ناديهم المنكر، ويهتكون أستار الأدب، متغابياً عن ذلك، فإن فعلت ذلك، فإن جنايتك على العلم وأهله عظيمة.
الإعراض عن الهيشات: التصون من اللغط والهيشات، فإن الغلط تحت اللغط، وهذا ينافي أدب الطلب.
ومن لطيف ما يستحضر هنا ما ذكره صاحب "الوسيط في أدباء شنقيط" وعنه في "معجم المعاجم": "أنه وقع نزاع بين قبيلتين، فسعت بينهما قبيلة أخرى في الصلح، فتراضوا بحكم الشرع، وحكموا عالماً، فاستظهر قتل أربعة من قبيلة بأربعة قتلوا من القبيلة الأخرى، فقال الشيخ باب بن أحمد: مثل هذا لا قصاص فيه.
فقال القاضي: إن هذا لا يوجد في كتاب.
فقال: بل لم يخل منه كتاب.
فقال القاضي: هذا "القاموس" يعنى أنه يدخل في عموم كتاب - فتناول صاحب الترجمة "القاموس" وأول ما وقع نظره عليه: "والهيشة: الفتنة، وأم حبين، وليس في الهيشات قود"، أي: في القتيل في الفتنة لا يدرى قاتله، فتعجب الناس من مثل هذا الاستحضار في ذلك الموقف الحرج"أ هـ ملخصاً.
13) التحلي بالرفق: التزم الرفق في القول، مجتنباً الكلمة الجافية، فإن الخطاب اللين يتألف النفوس الناشزة.
وأدلة الكتاب والسنة في هذا متكاثرة منها ما يلي: (حديث جرير ابن عبد الله في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من يُحرم الرفق يُحرم الخير.
(حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه ولا ينزعُ من شيءٍ إلا شانه.
(حديث عائشة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يا عائشة إن الله رفيقٌ يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه.

  1. التحلي بالتأمل، فإن من تأمل أدرك، وقيل:"تأمل تدرك".
    وعليه، فتأمل عند التكلم: بماذا تتكلم؟ وما هي عائد ته؟ وتحرز في العبارة والأداء دون تعنت أو تحذلق، وتأمل عند المذاكرة كيف تختار القالب المناسب للمعنى المراد، وتأمل عند سؤال السائل كيف تتفهم السؤال على وجهه حتى لا يحتمل وجهين؟ وهكذا.
  2. الثبات والتثبت: تحل بالثبات والتثبت، لا سيما في الملمات والمهمات، ومنه: الصبر والثبات في التلقي، وطي الساعات في الطلب على الأشياخ، فإن "من ثبت نبت".
  3. أن يحرص على العلم وأن يُقبل عليه إقبال الظامئ على المورد العذب.
    وقد كان السلف يؤثرون العلم على كل شيء حتى الزواج ولذا فإن الإمام أحمد رحمه الله تعالى لم يتزوج إلا بعد الأربعين، وأُهديت إلى أبي بكرٍ الأنباري جاريةٌ فلما دخلت عليه تفكَّر في استخراج مسألةٍ فعزبت عنه فقال: أخرجوها إلى النخاس فقالت هل لي من ذنب؟ قال: لا إلا أن قلبي اشتغل بك، وما قدْرُ مِثْلِكِ أن يمنعني علمي.
  4. ينبغي له أن يحرص على حِلَقِ العلم ولو بالتناوب مع زميلٍ له عند ضيقِ الوقت فيحضر أحده.
    ما ويخبر صاحبه بالعلم الذي سمعه ويحضر الآخر ويخبر صاحبه بالعلم الذي سمعه فإنه كان من فعل الصحابة رضي الله عنهم (حديث عمر في صحيح البخاري) قال: وكان رجلاً من الأنصار إذا غاب عن رسول الله وشهدته أتيته بما يكون من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
  5. أن يلقي زمامه إلى المعلم إلقاء المريض إلى الطبيب فيتواضع له ويبالغ في خدمته، فقد كان ابن عباس رضي الله عنهما يأخذ بركاب زيدٍ ابن ثابت رضي الله عنه ويقول هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء.
    قال علىُّ رضي الله عنه: إن من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامةً وتخصه بالتحية، وأن تجلس أمامه ولا تشير عنده بيدك ولا تغمز بعينك ولا تكثر عليه السؤال ولا تعينه في الجواب ولا تلح عليه إذا كسل ولا تراجفُهُ إذا امتنع، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض ولا تفش له سراً، ولا تغتابنَّ عنده أحداً ولا تطلبنَّ عثرته وإن زلَّ قبلت معذرته، ولا تقولنَّ له: سمعت فلاناً يقول كذا ولا إن فلاناً يقول خلافك، ولا تصفنَّ عنده عالماً، ولا تعرضنَّ من طول صحبته، ولا ترفع نفسك عن خدمته وإذا عرضت له حاجةً سبقت القوم إليها فإنما هو بمنزلة النخلة تنتظر متى يسقط لك منها شيء.
    ﴿تنبيه﴾: (وكلما زاد تواضع طالب العلم زاد مقدار الحكمة عنده وتعلم العلم ومتى تكبر قلَّت حكمته وَمُنِعَ العلم.

(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد ملك فإذا تواضع قيل للملك ارفع حكمته و إذا تكبر قيل للملك: دع حكمته.
قال مجاهد رحمه الله تعالى: لا يتعلم العلم مستحيٍ ولا مستكبر (19) يجب عليه أن يكون علمه مرتكزاً على الكتاب والسنة الصحيحة، فيتمسك بهما ويعض عليهما بالنواجذ فيكونا له كالجناحين للطائر لأنهما سبب النجاة من الضلال بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:... تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله و سنتي و لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض.
﴿تنبيه﴾: (ويجب على طالب العلم أن يمسك بالوحيين كليهما (الكتاب والسنة) ولا ينزلق في هاوية من يتمسك بالقرآن ويدع السنة فإن ذلك ضلال وإضلال لأن ما حرَّم رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مثل ما حرم الله تعالى إذ هو مبَّلغ الشرع عن الله تعالى.
(حديث المقدام بن معد يكرب في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ألا إني أُوتيت الكتاب ومثله معه.
ومن المؤسف في زماننا هذا تجرئ بعض الجهلة ممن لا يُقَامُ لهم وزناً على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيقولون إنه بشرٌ مثلنا هات الدليل من القرآن فقط وهذا يدل – ولا شك – على أن قائل هذه العبارة أضلُ من حمار أهله وأنه جاهلٌ جهل مركب، وقد أخبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن ذلك سيقع في أمته (حديث المقدام ابن معد يكرب في صحيحي أبي داوود وزالترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يوشِكُ الرجلُ متكئاً على أريكته يُحدثُ بحديثٍ من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرامٍ حرَّمناه، ألا وإن ما حرَّم رسول الله مثل ما حرَّم الله.
قال أبو قلابة رحمه الله تعالى: إذا رأيت الرجل يقول دعنا من السنة وهات الكتاب فاعلم أنه ضال وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: دين النبي محمدٍ أخبارُ... نعم المطيةُ للفتى الآ ثارُ لا ترغبَّنَّ عن الحديثِ وأهله... فالرأيُ ليلٌ والحديثُ نهارُ

(20) أن يتبع سنة الخلفاء الراشدين المهدين فإنها وصية النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (حديث العرباض بن سارية في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أوصيكم بتقوى الله و السمع و الطاعة و أن أمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم بعدي فسيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها و عضوا عليها بالنواجذ و إياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة.
(21) يجب عليه ألا يستغرق عمره كله في فنٍ واحدٍ من العلوم بل يأخذ من كلِ شيء أحسنه فإن العلم كثير والعمر قصير، وليجعل جُل اهتمامه بعلم التوحيد لأن التوحيد مقدَّمٌ على العمل والأصلُ الذي يترتب عليه غيره إذ لا ينفعُ مع الشرك عمل ثم يهتم بفقه الأحكام حتى يصحح عمله، ثم يأخذ من باقي العلوم ما يفيده منها فيأخذ مثلاً من اللغة ما يصحح به ألفاظه ويأخذ منها ما يجعل الموضوع في جلباب الفصاحةِ الأغر الذي يجذب النفوس النافرة ويرد الأهواء الشاردة دون توسع، ويأخذُ من الرقائق المقدار الذي يُذيب به قسوة قلبه، ويأخذ من الأصول ما يستطيع به تأصيل المسألة، وهكذا قال ابن عباس رضيَ الله تعالى عنهما: ما أصعب العلم ما أوسعه... من ذا الذي يقدرُ أن يجمعه إن كنت له لا بد طالباً... فالتمس أنفعه

(22) ينبغي لطالب العلم أن يتعهد الناس بالموعظة ويراعي في ذلك شيئين أساسيين هما: الأول: أن تكون الموعظة خلال الأيام وليست كل يوم حتى لا يمل الناس.
(حديث أبن مسعودٍ في الصحيحين) قال: كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتخولنا بالموعظةِ خلال الأيام كراهة السآمة علينا.
السآمة: أي الملل الثاني: أن يعظَ الناس بما يستطيع ولو آية يعلم معناها الصحيح ولا ينتظر حتى يكتمل علمه فإن هذا لا يحصلُ غالباً فسبحان من له الكمال (حديث عبد الله ابن عمرو في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بلغوا عني و لو آية و حدثوا عن بني إسرائيل و لا حرج و من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.
23) ينبغي لطالب العلم أن يتعلم قسطاً من البلاغة لاستمالة القلوب بتحسين الأسلوب ويحسن به أن يقتبس من أسلوب الكتاب والسنة فليس هناك أبلغ من أسلوبهما وأن يستفيد كذلك من جوامع كلم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويتأسى به في ذلك فيعظ الناس بكلام مفيدٍ جامع.
(حديث أبي موسى في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أُعطيت الكلام وجوامعه وخواتمه.

﴿تنبيه﴾: (وليحذر طالب العلم من الإفراط في البلاغة والتقعر في الكلام فإن ذلك مذموم: (حديث عبد الله ابن عمرو في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله يُبْغِضُ البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخللَ الباقرةِ بلسانها.
معنى يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها: أن يتشدق بلسانه ويتقعر في الكلام ويتكلف الفصاحة فيلف الكلام لفاً كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفاً.
(24) ويجب على طالب العلم أن يتجنب الجدل العقيم الذي لا طائل من ورائه الذي لا يكن قصدُه بيان الحق وهداية الخلق وإنما يكن قصده مجرد المغالبة والعلو والعياذ بالله فإنه يكون سبباً في الضلال ثم هو أيضاً صفةٌ مذمومة يُبغضها الله تعالى (حديث أبي أمامة في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا قوله تعالى (بل هم قومٌ خَصِمون) (حديث أبي أمامة في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقا و بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب و إن كان مازحا و بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه.
معنى زعيم: أي ضمين ربض الجنة: حولها خارجٌ عنها تشبيهاً بالأبنية التي تكون حول المدن.
(حديث عائشة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إن أبغض الرجال عند الله الألدُ الخَصِم.
معنى الألد: شديدُ اللدودة أي شديدُ الجدال معنى الخَصِم: أي شديدُ الخصومة (25) وعلى طالب العلم أن يكتب ما يتعلمه ليرجع إلى الكتابة كلما أُشكل عليه شيء، لأن الكتابةَ أثبت للذهن (حديث عبد الله ابن عمرو في صحيح أبي داود) قال كنت أكتب كلَ شيء أسمعُهُ من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أريد حفظه فنهتني قريشٌ وقالت: أتكتبُ كلَ شيء ورسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بشرٌ يتكلم في الغضب والرضا فأمسكتُ عن الكتاب وذكرت ذلك لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال اكتب فوالدي نفسي بيده ما يخرجُ منه إلا حق.
(26) يجب على طالب العلم أن لا يتجرأ على الفتيا فإنه من أُفتِيَ بغيرِ علمٍ كان إثمه على من أفتاه، ولا يكن همُّه خلاص السائل وليكن همُّه خلاص نفسه فإن السلامةَ لا يعدلها شيء.

(حديث أبي هريرة صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أُُفْتِيَ بغير علم كان إثمه على من أفتاه و من أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه.
(27) ويجب على طالب العلم أن ينصح الناس ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر في الأمور التي يعلمها ولا يمنعه هيبة الناس أن يقول بحقٍ إذا علمه: (حديث أبي سعيد في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يمنعنَّ رجلاً هيبةُ الناس أن يقول بحقٍ إذا علمه أو شهده أو سمعه.
(ثانيا: آداب طالب العلم مع شيخه:

  1. رعاية حرمة الشيخ: بما أن العلم لا يؤخذ ابتداء من الكتب بل لا بد من شيخ تتقن عليه مفاتيح الطلب، لتأمن من العثار والزلل، فعليك إذاً بالتحلي برعاية حرمته، فإن ذلك عنوان النجاح والفلاح والتحصيل والتوفيق، فليكن شيخك محل إجلال منك وإكرام وتقدير وتلطف، فخذ بمجامع الآداب مع شيخك في جلوسك معه، والتحدث إليه، وحسن السؤال والاستماع، وحسن الأدب في تصفح الكتاب أمامه ومع الكتاب، وترك التطاول والمماراة أمامه، وعدم التقدم عليه بكلام أو مسير أو إكثار الكلام عنده، أو مداخلته في حديثه ودرسه بكلام منك، أو الإلحاح عليه في جواب، متجنباً الإكثار من السؤال، ولا سيما مع شهود الملأ، فإن هذا يوجب لك الغرور وله الملل.
    ولا تناديه باسمه مجرداً، أو مع لقبه كقولك: يا شيخ فلان! بل قل: يا شيخى! أو يا شيخنا! فلا تسمه، فإنه أرفع في الأدب، ولا تخاطبه بتاء الخطاب، أو تناديه من بعد من غير اضطرار.
    وانظر ما ذكره الله تعالى من الدلالة على الأدب مع معلم الناس الخير - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قوله تعالى: (لاّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الّذِينَ يَتَسَلّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [سورة: النور - الآية: 63] وكما لا يليق أن تقول لوالدك ذي الأبوة الطينية: ”يا فلان” أو: ”يا والدي فلان” فلا يجمل بك مع شيخك.
    والتزم توقير المجلس، وإظهار السرور من الدرس والإفادة به.

وإذا بدا لك خطأ من الشيخ، أو وهم فلا يسقطه ذلك من عينك، فإنه سبب لحرمانك من علمه، ومن ذا الذي ينجو من الخطأ سالماً؟ واحذر أن تمارس معه ما يضجره، ومنه ما يسميه المولدون: ”حرب الأعصاب”، بمعنى: امتحان الشيخ على القدرة العلمية والتحمل.
وإذا بدا لك الانتقال إلى شيخ آخر، فاستأذنه بذلك؛ فإنه أدعى لحرمته، وأملك لقلبه في محبتك والعطف عليك 000 إلى آخر جملة من الأدب يعرفها بالطبع كل موفق مبارك وفاء لحق شيخك في ”أبوته الدينية”، أو ما تسميه بعض القوانين باسم ”الرضاع الأدبى:، وتسمية بعض العلماء له ”الأبوة الدينية” أليق، وتركه أنسب.
واعلم أنه بقدر رعاية حرمته يكون النجاح والفلاح، وبقدر الفوت يكون من علامات الإخفاق.
﴿تنبيه﴾: (أعيذك بالله من صنيع الأعاجم، والطرقية، والمبتدعة الخلفية، من الخضوع الخارج عن آداب الشرع، من لحس الأيدي، وتقبيل الأكتاف، والقبض على اليمين باليمين والشمال عند السلام، كحال تودد الكبار للأطفال، والانحناء عند السلام، واستعمال الألفاظ الرخوة المتخاذلة: سيدي، مولاي، ونحوها من ألفاظ الخدم والعبيد.
وانظر ما يقوله العلامة السلفي الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الجزائري (م سنة 1380 هـ) رحمه الله تعالى في ”البصائر"؛ فإنه فائق السياق.
رأس مالك – أيها الطالب – من شيخك: القدوة بصالح أخلاقه وكريم شمائله، أما التلقي والتلقين فهو ربح زائد، لكن لا يأخذك الاندفاع في محبة شيخك فتقع في الشناعة من حيث لا تدرى وكل من ينظر إليك يدري، فلا تقلده بصوت ونغمة، ولا مشية وحركة وهيئة، فإنه إنما صار شيخاً جليلاً بتلك، فلا تسقط أنت بالتبعية له في هذه.
﴿التحذير من التلقي عن المبتدع﴾: (احذر ”أبا الجهل” المبتدع، الذي مسه زيغ العقيدة، وغشيته سحب الخرافة، يحكم الهوى ويسميه العقل، ويعدل عن النص، وهل العقل إلا في النص؟! ويستمسك بالضعيف ويبعد عن الصحيح، ويقال لهم أيضاً: ”أهل الشبهات” (1)، و ”أهل الأهواء”، ولذا كان ابن المبارك (2) رحمه الله تعالى يسمى المبتدعة: ”الأصاغر”.
وقال الذهبي رحمه الله تعالى:

“إذا رأيت المتكلم المبتدع يقول: دعنا من الكتاب والأحاديث، وهات (العقل)، فاعلم أنه أبو جهل، وإذا رأيت السالك التوحيدي يقول: دعنا من النقل ومن العقل، وهات الذوق والوجد، فاعلم أنه إبليس قد ظهر بصورة بشر، أو قد حل فيه، إن جبنت منه فاهرب، وإلا، فاصرعه، وابرك على صدره، واقرأ عليه آية الكرسي، واخنقه” اهـ. وقال أيضاً الذهبي رحمه الله تعالى: “وقرأت بخط الشيخ الموفق قال: سمعنا درسه –أي ابن أبى عصرون – مع أخي أبى عمر وانقطعنا، فسمعت أخي يقول: دخلت عليه بعد، فقال: لم انقطعتم عنى؟ قلت: إن أناساً يقولون: إنك أشعري، فقال: والله ما أنا أشعري.
هذا معنى الحكاية” اهـ. وعن مالك رحمه الله تعالى قال: “لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس، وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به”.
فيا أيها الطلب! إذا كنت في السعة والاختيار؛ فلا تأخذ عن مبتدع: رافضي، أو خارجي، أو مرجئ، أو قدري، أو قبوري، 000 وهكذا، فإنك لن تبلغ مبلغ الرجال – صحيح العقد في الدين، متين الاتصال بالله، صحيح النظر، تقفو الأثر – إلا بهجر المبتدعة وبدعهم.
وكتب السير والاعتصام بالسنة حافلة بإجهاز أهل السنة على البدعة، ومنابذة المبتدعة، والابتعاد عنهم، كما يبتعد السليم عن الأجرب المريض، ولهم قصص وواقعيات يطول شرحها (1)، لكن يطيب لي الإشارة إلى رؤوس المقيدات فيها: فقد كان السلف رحمهم الله تعالى يحتسبون الاستخفاف بهم، وتحقيرهم ورفض المبتدع وبدعته، ويحذرون من مخالطتهم، ومشاورتهم، ومؤاكلتهم، فلا تتوارى نار سني ومبتدع.
وكان من السلف من لا يصلى على جنازة مبتدع، فينصرف وقد شوهد من العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم (م سنة 1389 هـ) رحمه الله تعالى، انصرافه عن الصلاة على مبتدع.
وكان من السلف من ينهى عن الصلاة خلفهم، وينهى عن حكاية بدعهم، لأن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة.
وكان سهل بن عبد الله التستري لا يرى إباحة الأكل من الميتة.. للمبتدع عند الاضطرار، لأنه باغ، لقول الله تعالى: (فمن اضطر غير باغ 00) الآية، فهو باغ ببدعته.
(وكانوا يطردونهم من مجالسهم، كما في قصة الإمام مالك رحمه الله تعالى مع من سأله عن كيفية الاستواء، وفيه بعد جوابه المشهور:”أظنك صاحب بدعة”، وأمر به، فأخرج.

وأخبار السلف متكاثرة في النفرة من المبتدعة وهجرهم، حذراً من شرهم، وتحجيما لانتشار بدعهم، وكسرا لنفوسهم حتى تضعف عن نشر البدع، ولأن في معاشرة السني للمبتدع تزكية له لدى المبتدئ والعامي – والعامي: مشتق من العمى، فهو بيد من يقوده غالباً.
ونرى في كتب المصطلح، وآداب الطلب، وأحكام الجرح والتعديل: الأخبار في هذا.
(فيا أيها الطالب! كن سلفيا على الجادة، واحذر المبتدعة أن يفتنوك، فإنهم يوظفون للاقتناص والمخاتلة سبلا، يفتعلون تعبيدها بالكلام المعسول – وهو: (عسل) مقلوب – وهطول الدمعة، وحسن البزة، والإغراء الخيالات، والإدهاش بالكرامات، ولحس الأيدي، وتقبيل الأكتاف 00 وما وراء ذلك إلا وحم البدعة، ورهج الفتنة، يغرسها في فؤادك، ويعتملك في شراكه، فوالله لا يصلح الأعمى لقيادة العميان وإرشادهم.
(أما الأخذ عن علماء السنة، فالعق العسل ولا تسل.
وفقك الله لرشدك، لتنهل من ميراث النبوة صافياً، وإلا، فليبك على الدين من كان باكياً.
وما ذكرته لك هو في حالة السعة والاختيار، أما إن كنت في دراسة نظامية لا خيار لك، فاحذر منه، مع الاستعاذة من شره، باليقظة من دسائسه على حد قولهم:”اجن الثمار وألق الخشبة في النار”، ولا تتخاذل عن الطلب، فأخشى أن يكون هذا من التولي يوم الزحف، فما عليك إلا أن تتبين أمره وتتقى شره وتكشف ستره.
ومن النتف الطريفة أن أبا عبد الرحمن المقرئ حدث عن مرجئ، فقيل له: لم تحدث عن مرجئ؟ فقال:”أبيعكم اللحم بالعظام” فالمقرئ رحمه الله تعالى حدث بلا غرر ولا جهالة إذ بين فقال:”وكان مرجئاً”.
وما سطرته لك هنا هو من قواعد معتقدك، عقيدة أهل السنة والجماعة، ومنه ما في ”العقيدة السلفية” لشيخ الإسلام أبى عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (م سنة 449 هـ)، قال رحمه الله تعالى: ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالأذان وقرت في القلوب، ضرت وجرت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرت وفيه أنزل الله عز وجل قوله:”وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره” أ هـ.

وعن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له: صبيغ، قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن؟ فأرسل إليه عمر رضي الله عنه وقد أعد له عراجين النخل، فقال: من أنت؟ قال أنا عبد الله صبيغ، فأخذ عرجوناً من تلك العراجين، فضربه حتى دمى رأسه، ثم تركه حتى برأ ثم عاد ثم تركه حتى برأ، فدعي به ليعود، فقال: إن كنت تريد قتلى فاقتلني قتلاً جميلاً فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبى موسى الأشعري باليمن: لا يجالسه أحد من المسلمين.
[رواه الدارمي].
وقيل: كان متهماً برأي الخوارج.
والنووي رحمه الله تعالى قال في كتاب ”الأذكار”: “باب: التبري من أهل البدع والمعاصي”.
وذكر حديث أبى موسى رضي الله عنه:”أن رسول الله صلي الله عليه وسلم برئ من الصالقة، والحالقة، والشاقة”.
متفق عليه.
وعن ابن عمر براءته من القدرية.
رواه مسلم.
والأمر في هجر المبتدع ينبني على مراعاة المصالح وتكثيرها ودفع المفاسد وتقليلها، وعلى هذا تتنزل المشروعية من عدمها، كما حرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواضع.
والمبتدعة إنما يكثرون ويظهرون، إذا قل العلم، وفشا الجهل.
وفيهم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: “فإن هذا الصنف يكثرون ويظهرون إذا كثرت الجاهلية وأهلها، ولم يكن هناك من أهل العلم بالنبوة والمتابعة لها من يظهر أنوارها الماحية لظلمة الضلال، ويكشف ما في خلافها من الإفك والشرك والمحال” أ هـ. فإذا اشتد ساعدك في العلم، فاقمع المبتدع وبدعته بلسان الحجة والبيان، والسلام.
(ثالثاً آداب الزمالة:

  1. احذر قرين السوء: كما أن العرق دساس فإن ”أدب السوء دساس”، إذ الطبيعة نقال، والطباع سراقة، والناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض، فاحذر معاشرة من كان كذلك، فإنه العطب والدفع أسهل من الرفع”.
    (وعليه، فتخير للزمالة والصداقة من يعينك على مطلبك، ويقربك إلى ربك ويوافقك على شريف غرضك ومقصدك وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
    (حديث أبي سعيد الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تصاحب إلا مؤمنا و لا يأكل طعامك إلا تقي.
    وفي (حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل.

ومن نفيس كلام هشام بن عبد الملك ”م سنة 125هـ”قوله: “ما بقى من لذات الدنيا شئ إلا أخ أرفع مؤونة التحفظ بيني وبينه” أ هـ. ومن لطيف ما يفيد بعضهم: “العزلة من غير عين العلم: زلة ومن غير زاي الزهد: علة” (آداب طالب العلم في حياته العلمية:

  1. علو الهمة في العلم: من سجايا الإسلام التحلي بكبر الهمة، مركز السالب والموجب في شخصك، الرقيب على جوارحك، كبر الهمة يجلب لك بإذن الله خيراً غير مجذوذ، لترقى إلى درجات الكمال، فيجرى في عروقك دم الشهامة والركض في ميدان العلم والعمل، فلا يراك الناس واقفاً إلا على أبواب الفضائل، ولا باسطاً يديك إلا لمهمات الأمور.
    والتحلي بها يسلب منك سفاسف الآمال والأعمال، ويجتنب منك شجرة الذل والهوان والتملق والمداهنة، فكبير الهمة ثابت الجأش، لا ترهبه المواقف، وفاقدها جبان رعديد، تغلق فمه الفهاهة.
    ولا تغلط فتخلط بين علو الهمة والكبر، فإن بينهما من الفرق كما بين السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع.
    (كبر الهمة حلية ورثة الأنبياء، والكبر داء المرضى بعلة الجبابرة البؤساء.
    فيا طالب العلم ارسم لنفسك كبر الهمة، ولا تنفلت منه وقد أومأ الشرع إليها في فقهيات تلابس حياتك، لتكون دائماً على يقظة من اغتنامها، ومنها: إباحة التيمم للمكلف عند فقد الماء، وعدم إلزامه بقبول هبة ثمن الماء للوضوء، لما في ذلك من المنة التي تنال من الهمة منالاً، وعلى هذا فقس.
    (قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية: وَمَنْ نَظَرَ فِي سِيرَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّه وَتَرْجَمَةِ مَا سَبَقَ وَمَا يَأْتِي وَمَا لَمْ نَذْكُرْهُ وَجَدَ هِمَّتَهُ فِي الْخَيْرَاتِ وَالطَّاعَاتِ مِنْ أَعْلَى الْهِمَمِ, وَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّ دَغْفَلًا دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لَهُ أَيُّ بَيْتٍ أَفْخَرُ, قَالَ: قَوْلُ الشَّاعِرِ: لَهُ هِمَمٌ لَا مُنْتَهَى لِكِبَارِهَا وَهِمَّتُهُ الصُّغْرَى أَجَلُّ مِنْ الدَّهْرِ لَهُ رَاحَةٌ لَوْ أَنَّ مِعْشَارَ جُودِهَا عَلَى الْبَرِّ كَانَ الْبَرُّ أَنْدَى مِنْ الْبَحْرِ.
  2. النهمة في الطلب: إذا علمت الكلمة المنسوبة إلى الخليفة الراشد علي بن أبى طالب رضي الله تعالى عنه: ”قيمة كل امرئ ما يحسنه” وقد قيل: ليس كلمة أحض على طلب العلم منها، فاحذر غلط القائل: ما ترك الأول للآخر وصوابه: كم ترك الأول للآخر! فعليك بالاستكثار من ميراث النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وابذل الوسع في الطلب والتحصيل والتدقيق، ومهما بلغت في العلم، فتذكر:”كم ترك الأول للآخر”! وفي ترجمة أحمد بن عبد الجليل من ”تاريخ بغداد” للخطيب ذكر من قصيدة له: لا يكون السري مثل الدني... لا ولا ذو الذكاء مثل الغبي قيمة المرء كلما أحسن المر... ء قضاء من الإمام علي
  3. الرحلة للطلب: فمن لم يرحل في طلب العلم، للبحث عن الشيوخ، والسياحة في الأخذ عنهم، فيبعد تأهله ليرحل إليه، لأن هؤلاء العلماء الذين مضى وقت في تعلمهم، وتعليمهم، والتلقي عنهم: لديهم من التحريرات، والضبط، والنكات العلمية، والتجارب، ما يعز الوقوف عليه أو على نظائره في بطون الأفار.
    واحذر القعود عن هذا على مسلك المتصوفة البطالين، الذين يفضلون ”علم الخرق” على ”علم الورق”.
    وقد قيل لبعضهم: ألا ترحل حتى تسمع من عبد الرزاق؟ فقال ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الخلاق؟! وقال آخر: إذا خاطبوني بعلم الورق... برزت عليهم بعلم الخرق فاحذر هؤلاء، فإنهم لا للإسلام نصروا، ولا للكفر كسروا، بل فيهم من كان بأساً وبلاء على الإسلام.
  4. حفظ العلم كتابة: ابذل الجهد في حفظ العلم (حفظ كتاب)، لأن تقييد العلم بالكتابة أمان من الضياع، وقصر لمسافة البحث عند الاحتياج، لا سيما في مسائل العلم التي تكون في غير مظانها، ومن أجل فوائده أنه عند كبر السن وضعف القوى يكون لديك مادة تستجر منها مادة تكتب فيها بلا عناء في البحث والتقصي.
    وكتابة العلم من سنة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
    (حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح أبي داود) قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أريد حفظة فنهتني قريش وقالوا أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بشر يتكلم في الغضب والرضا فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال أكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق.

ولذا فاجعل لك (مذكرة) لتقييد الفوائد والفرائد والأبحاث المنثورة في غير مظانها، وإن استعملت غلاف الكتاب لتقييد ما فيه من ذلك، فحسن، ثم تنقل ما يجتمع لك بعد في مذكرة، مرتباً له على الموضوعات، مقيداً رأس المسألة، واسم الكتاب، ورقم الصفحة والمجلد، ثم اكتب على ما قيدته:”نقل”، حتى لا يختلط بما لم ينقل، كما تكتب:”بلغ صفحة كذا ”فيما وصلت إليه من قراءة الكتاب حتى لا يفوتك ما لم تبلغه قراءة.
وللعلماء مؤلفات عدة في هذا، منها: ”بدائع الفوائد” لابن القيم، و ”خبايا الزاويا” للزركشى، ومنها: كتاب ”الإغفال” و ”بقايا الخبايا” وغيرها.
وعليه فقيد العلم بالكتاب، لا سيما بدائع الفوائد في غير مظانها، وخبايا الزوايا في غير مساقها، ودراً منثورة تراها وتسمعها تحشى فواتها.... وهكذا فإن الحفظ يضعف، والنسيان يعرض.
قال الشعبي: ”إذا سمعت شيئاً، فاكتبه، ولو في الحائط”.
رواه خيثمة.
وإذا اجتمع لديك ما شاء الله أن يجتمع فرتبه في (تذكرة) أو (كناش) على الموضوعات، فإن يسعفك في أضيق الأوقات التي قد يعجز عن الإدراك فيها كبار الأثبات.
5) حفظ الرعاية: ابذل الوسع في حفظ العلم (حفظ رعاية) بالعمل والاتباع، قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: “ويجب على طالب الحديث أن يخلص نيته في طلبه، ويكون قصده وجه الله سبحانه.
وليحذر أن يجعله سبيلاً إلى نيل الأعراض، وطريقاً إلى أخذ الأعواض، فقد جاء الوعيد لمن ابتغى ذلك بعلمه.
وليتق المفاخرة والمباهاة به، وأن يكون قصده في طلب الحديث نيل الرئاسة واتخاذ الأتباع وعقد المجالس، فإن الآفة الداخلة على العلماء أكثرها من هذا الوجه.
وليجعل حفظه للحديث حفظ رعاية لا حفظ رواية، فإن رواة العلوم كثير، ورعاتها قليل، ورب حاضر كالغائب، وعالم كالجاهل، وحامل للحديث ليس معه منه شيء إذ كان في إطراحه لحكمه بمنزلة الذاهب عن معرفته وعلمه.
وينبغي لطالب الحديث أن يتميز في عامة أموره عن طرائق العوام باستعمال آثار رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما أمكنه، وتوظيف السنن على نفسه، فإن الله تعالى يقول:”لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة”.
أ. هـ. 6) تعاهد المحفوظات: تعاهد علمك من وقت إلى آخر، فان عدم التعاهد عنوان الذهاب للعلم مهما كان.

وتدبر في (حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها، أمسكها، وإن أطلقها، ذهبت.
قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: “وفي هذا الحديث دليل على أن من لم يتعاهد علمه، ذهب عنه أي من كان، لأن علمهم كان ذلك الوقت القرآن لا غير، وإذا كان القرآن الميسر للذكر يذهب إن لم يتعاهد، فما ظنك بغيره من العلوم المعهودة؟! وخير العلوم ما ضبط أصله، واستذكر فرعه، وقاد إلى الله تعالى، ودل على ما يرضاه” أ هـ. وقال بعضهم: كل عز لم يؤكد بعلم، فإلى ذلك مصيره أ هـ. 7) التفقه بتخريج الفروع على الأصول: من وراء الفقه: التفقه، ومعتمله هو الذي يعلق الأحكام بمداركها الشرعية.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(في (حديث زيدٍ بن ثابت الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال نضَّر الله امرءا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه و رب حامل فقه ليس بفقيه.
قال ابن خير رحمه الله تعالى في فقه الحديث: “وفيه بيان أن الفقه هو الاستنباط والاستدراك في معاني الكلام من طريق التفهم وفي ضمنه بيان وجوب التفقه، والبحث على معاني الحديث واستخراج المكنون من سره” أ هـ. وللشيخين، شيخ الإسلام ابن تيمية وتليمذه ابن قيم الجوزية رحمهما الله تعالى، في ذلك القدح المعلى، ومن نظر في كتب هذين الإمامين، سلك به النظر فيها إلى التفقه طريقاً مستقيماً.
ومن مليح كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قوله في مجلس للتفقه: “أما بعد، فقد كنا في مجلس التفقه في الدين والنظر في مدارك الأحكام المشروعة، تصويراً، وتقريراً وتأصيلا، وتفصيلاً، فوقع الكلام في.... فأقول لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا مبنى على أصل وفصلين... ”

واعلم أرشدك الله أن بين يدي التفقه: (التفكر)، فإن الله سبحانه وتعالى دعا عباده في غير آية من كتابه إلى التحرك بإحالة النظر العميق في (التفكر) في ملكوت السماوات والأرض وإلى أن يمعن المرء النظر في نفسه، وما حوله، فتحاً للقوى العقلية على مصراعيها، وحتى يصل إلى تقوية الإيمان وتعميق الأحكام، والانتصار العلمي: ”كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون”،”قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون".
وعليه فإن ”التفقه” أبعد مدى من (التفكر) إذ هو حصيلته وإنتاجه، وإلا ”فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً”.
لكن هذا التفقه محجوز بالرهان محجور عن التشهي والهوى: "ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير”.
فيا أيها الطالب! تحل بالنظر والتفكر، والفقه والتفقه، لعلك أن تتجاوز من مرحلة الفقيه إلى فقيه النفس كما يقول الفقهاء، وهو الذي يعلق الأحكام بمداركها الشرعية، أو فقيه البدن كما في اصطلاح المحدثين.
فأجل النظر عند الواردات بتخريج الفروع على الأصول، وتمام العناية بالقواعد والضوابط.
وأجمع للنظر في فرع ما بين تتبعه وإفراغه في قالب الشريعة العام من قواعدها وأصولها المطردة، كقواعد المصالح، ودفع الضرر والمشقة، وجلب التيسير، وسد باب الحيل، وسد الذرائع.
وهكذا هديت لرشدك أبداً فإن هذا يسعفك في مواطن المضايق وعليك بالتفقه كما أسلفت – في نصوص الشرع، والتبصر فيما يحف أحول التشريع، والتأمل في مقاصد الشريعة، فإن خلا فهمك من هذا أو نبا سمعك فإن وقتك ضائع وإن اسم الجهل عليك لواقع.
وهذه الخلة بالذات هي التي تعطيك التميز الدقيق والمعيار الصحيح لمدى التحصيل والقدرة على التخريج: فالفقيه هو من تعرض له النازلة لا نص فيها فيقتبس لها حكماً.
والبلاغي ليس من يذكر لك أقسامها وتفريعاتها، لكنه من تسرى بصيرته البلاغية من كتاب الله، مثلا فيخرج من مكنون علومه وجوهها وإن كتب أو خطب؛ نظم لك عقدها.
وهكذا في العلوم كافة.
8) اللجوء إلى الله تعالى في الطلب والتحصيل:

لا تفزع إذا لم يفتح لك في علم من العلوم، فقد تعاصت بعض العلوم على بعض الأعلام المشاهير، ومنهم من صرح بذلك كما يعلم من تراجمهم ومنهم الأصمعي في علم العروض والرهاوي المحدث في الخط، وابن الصلاح في المنطق وأبو مسلم النحوي في علم التصريف، والسيوطي في الحساب، وأبو عبيدة، ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري، وأبو الحسن القطيعي وأبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، وأبو حامد الغزالي، خمستهم لم يفتح لهم بالنحو.
فيا أيها الطالب! ضاعف الرغبة، وأفزع إلى الله في الدعاء واللجوء إليه والانكسار بين يديه.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كثيراً ما يقول في دعائه إذا استعصى عليه تفسير آية من كتاب الله تعالى: اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمني ويا مفهم سليمان فهمني فيجد الفتح في ذلك.
9) الأمانة العلمية: يجب على طالب العلم فائق التحلي بالأمانة العلمية، في الطلب، والتحمل والعمل والبلاغ، والأداء: “فإن فلاح الأمة في صلاح أعمالها، وصلاح أعمالها في صحة علومها، وصحة علومها في أن يكون رجالها أمناء فيما يروون أو يصفون، فمن تحدث في العلم بغير أمانة، فقد مس العلم بقرحة ووضع في سبيل فلاح الأمة حجر عثرة.
لا تخلو الطوائف المنتمية إلى العلوم من أشخاص لا يطلبون العلم ليتحلوا بأسنى فضيلة، أو لينفعوا الناس بما عرفوا من حكمة وأمثال هؤلاء لا تجد الأمانة في نفوسهم مستقراً، فلا يتحرجون أن يرووا ما لم يسمعوا، أو يصفوا ما لم يعلموا، وهذا ما كان يدعو جهابذة أهل العلم إلى نقد الرجال، وتمييز من يسرف في القول ممن يصوغه على قدر ما يعلم، حتى أصبح طلاب العلم على بصيرة من قيمة ما يقرؤونه، فلا تخفي عليهم منزلته، من القطع بصدقة أو كذبة أو رجحان أحدهما على الآخر، أو منزلته من القطع بصدقة أو كذبة أو رجحان أحدهما على الأخر أو احتمالها على سواء”أ.
هـ. 10) الصدق: صدق اللهجة: عنوان الوقار، وشرف النفس ونقاء السريرة، وسمو الهمة، ورجحان العقل، ورسول المودة مع الخلق وسعادة الجماعة، وصيانة الديانة، ولهذا كان فرض عين فيا خيبة من فرط فيه، ومن فعل فقد مس نفسه وعلمه بأذى.
قال الأوزاعي رحمه الله تعالى: “تعلم الصدق قبل أن تتعلم العلم”.
وقال وكيع رحمه الله تعالى: “هذه الصنعة لا يرتفع فيها إلا صادق”.

جارٍ التحميل