مقدمة في فضل علم الآداب:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن محمد بن يحيى الكحال، أنه قال لأبي عبد الله: يكون لنا الجار يضرب بالطنبور والطبل؟ قال: " انهه، قلت: أذهب به إلى السلطان؟ قال: لا، قلت: فلم ينته، يجزئني نهيي له؟ قال: نعم، إنما يكفيك أن تنهاه "
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن زكريا بن يحيى الناقد، أن أبا طالب، حدثهم: سئل أبو عبد الله،: إذا أمرت بالمعروف فلم ينته ما أصنع؟ قال:" دعه، قد أمرته، وقد أنكرت عليه بلسانك وجوارحك، لا تخرج إلى غيره، ولا ترفعه للسلطان يتعدى عليه، كان أصحاب عبد الله إذا تلاحى قوم قالوا: مهلا بارك الله فيكم، مهلا بارك الله فيكم "
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن عبد الله بن الطيب، قال: كان لي جار يؤذيني، يضرب الطنابير والعيدان، فأتيت أحمد بن حنبل، فقال لي: " انهه "، فقلت: قد نهيته، فعاد، فقال: هذا عليك: فقلت: السلطان؟ قال: " لا إنما عليك أن تنهاه "
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن المروذي، قال: قلت لأبي عبد الله: إن صالحا ابنك يريد أن يدخل هو وأبو يوسف إلى السلطان، فيخبروه بقصة شمخصة، أنه شتمك وقد أشهدوا عليه ـ وكان قد شهد عليه أبو بكر بن حماد المقرئ ـ فقال أبو عبد الله: " قل لهم لا تعرضوا له، وأنكر أن يذهبوا إلى السلطان "
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن أبي الهيثم دخين كاتب عقبة بن عامر، أنه قال لعقبة بن عامر: إن لنا جيرانا يشربون الخمر، وأنا داع، لهم الشرط، فيأخذونهم، قال: لا تفعل، ولكن عظهم وتهددهم، قال: ففعل، فلم ينتهوا، فجاء دخين، فقال: إني نهيتهم فلم ينتهوا، وإني داع لهم الشرط، فقال عقبة: " ويحك، لا تفعل، فإني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من ستر مؤمنا فكأنما استحيا موؤدة من قبرها.
(12) الرجل يغير المنكر الذي يقوى أن ينكر عليه:
مسألة: الرجل يرى المنكر الغليظ فلا يقدر أن ينهي عنه، ويرى منكرا صغيرا يقدر أن ينهي عنه، كيف العمل فيهما؟
أورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن سليمان بن الأشعث، قال: سئل أبو عبد الله عن رجل، له جار يعمل بالمنكر، لا يقوى على أن ينكر عليه، وضعيف يعمل بالمنكر أيضا، يقوى على هذا الضعيف أينكر عليه؟ قال:" نعم، ينكر على هذا الذي يقوى أن ينكر عليه " (13) ما يُوَسَّعُ على الرجل في ترك الأمر والنهي إذا رأى قوما سفهاء:
أورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن عباس العنبري، قال: كنت مارا مع أبي عبد الله بالبصرة قال: فسمعت رجلا، يقول لرجل: يا ابن الزاني، فقال له الآخر: يا ابن الزاني.
قال: فوقفت ومضى أبو عبد الله، فالتفت إلي، فقال لي: يا أبا الفضل، امش.
قال: فقلت: قد سمعنا، قد وجب علينا قال: " امض ليس هذا من ذلك "
وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن يحيى بن أبي كثير، قال: " موعظة الجاهل كالمغني عند رأس الميت "
(14) يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إن كان يظن أنه يقبل منه:
أورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن حنبل، قال: قلت لأبي عبد الله: ترى الرجل إذا رأى الرجل لا يتم ركوعها ولا سجودها، ولا يقيم أمر صلاته، ترى أن تأمره بالإعادة؟ وأن يحسن صلاته أو يمسك عنه؟ قال: " إن كان يظن أنه يقبل منه أمره، وقال له، ووعظه، حتى يحسن الصلاة، فإن الصلاة من تمام الدين "
أورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن محمد بن النضر، قال: سأل رجل الأوزاعي قال: من آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر؟ قال: " من ترى أنه يقبل منك "
أورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن أبي هريرة، أنه مر به رجل من قريش يجر شملة، فقال له: يا ابن أخي سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من جر ثوبه من الخيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة "، قال الفتى: قد سمعنا ما تقول، ثم مر به مرة أخرى وهو كذلك، فقال له أبو هريرة مثل ذلك، فقال: قد سمعنا ما تقول، لئن عدت الثالثة لأحملنك على عنقي، ثم لأكبن بك في الأرض، فقال أبو هريرة: لا أعود.
(15) يكره للرجل دخول مواضع النكرة:
أورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن محمد بن يحيى أنه قال لأبي عبد الله: أجيء إلى الدار وفيها الربض، وأسمع منها ما أكره؟ قال: " انههم، قلت: إن كان الرجل يشرب المسكر، ويجمع ما لا خير فيه؟ قال: أكره المدخل السوء " أورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن يحيى بن معين قال: رأيت وكيعا رأى امرأة عند عطار، والعطار يكلمها، فقال لإنسان: " اذهب إلى ذلك العطار؛ ففرق بينهما " (16) خطر التقاعس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
إن التقاعس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمره خطير وشره مستطير، وقد يكون سبباً في تعميم العقاب وعدم استجابة الدعاء.
قال تعالى: (لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ عَلَىَ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ، كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) [سورة: المائدة /78، 79]
قوله تعالى: [لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ] أي لعنهم الله سبحانه "على لسان داود وعيسى ابن مريم" أي في الزبور والإنجيل على لسان داود وعيسى بما فعلوه من المعاصي كاعتدائهم في السبت وكفرهم بعيسى.
قوله: [ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا] أي ذلك اللعن بسبب المعصية والاعتداء لا بسبب آخر.
ثم بين سبحانه المعصية والاعتداء بقوله تعالى [كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه] أي لا ينهي بعضهم بعضاً عن فعل المعاصي، وبيان العصيان والاعتداء بترك التناهي عن المنكر لأن من أخل بواجب النهي عن المنكر فقد عصى الله سبحانه وتعدى حدوده.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية وأجل الفرائض الشرعية، ولهذا كان تاركه شريكاً لفاعل المعصية ومستحقاً لغضب الله وانتقامه كما وقع لأهل السبت، فإن الله سبحانه مسخ من لم يشاركهم في الفعل ولكن ترك الإنكار عليهم، كما مسخ المعتدين فصاروا جميعاً قردة وخنازير "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد" ثم إن الله سبحانه قال مقبحاً لعدم التناهي عن المنكر "لبئس ما كانوا يفعلون" أي من تركهم لإنكار ما يجب عليهم إنكاره.
(حديث أبي بكر الصديق في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه.
(إن الناس) المطيقين لإزالة الظلم مع سلامة العافية
(إذا رأوا الظالم) أي علموا بظلمه
(فلم يأخذوا على يديه) أي لم يمنعوه من الظلم بفعل أو قول.
(أوشك) أي قارب أو أسرع
(أن يعمهم اللّه بعقاب منه) إما في الدنيا أو الأخرى أو فيهما لتضييع فرض اللّه بغير عذر وزاد قوله منه زيادة في التهويل والزجر والتحذير وقد أفاد بالخبر أن من الذنوب ما يعجل اللّه عقوبته في الدنيا ومنه ما يمهله إلى الآخرة والسكوت على المنكر يتعجل عقوبته في الدنيا بنقص الأموال والأنفس والثمرات وركوب الذل من المظلمة للخلق وقد تبين بهذا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية لا عين، إذ القصد إيجاد مصلحة أو دفع مفسدة لا تكليف فرد فرد فإذا أطبقوا على تركه استحقوا عموم العقاب لهم وفيه تحذير عظيم لمن سكت عن النهي فكيف بمن داهن فكيف بمن رضى فكيف بمن أعان؟ نسأل اللّه السلامة.
(حديث حذيفة في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لتأمُرنّ بالمعروف و لتنهَوْنَّ عن المنكر أو يبعث الله عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لهم.
تغليظ عقوبة من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وخالف قوله فعله:
قال تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) [سورة: البقرة - الآية: 44]
[أتأمرون الناس بالبر] استفهام معناه التوبيخ، بسبب ترك فعل البر المستفاد من قوله: "وتنسون أنفسكم" مع التطهر بتزكية النفس والقيام في مقام دعاة الخلق إلى الحق إيهاماً للناس وتلبيساً عليهم، والنسيان هنا بمعنى الترك: أي وتتركون أنفسكم،
وقوله: "وأنتم تتلون الكتاب" جملة حالية مشتملة على أعظم تقريع وأشد توبيخ وأبلغ تبكيت.
أي كيف تتركون البر الذي تأمرون الناس به وأنتم من أصل العلم العارفين بقبح هذا الفعل وشدة الوعيد عليه، كما ترونه في الكتاب الذي تتلونه والآيات التي تقرأونها من التوراة.
اعلم وفقك الله تعالى أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر، ولهذا ذم الله تعالى في كتابه قوماً كانوا يأمرون بأعمال البر ولا يعملون بها، وبخهم به توبيخاً يتلى على طول الدهر إلى يوم القيامة فقال: "أتأمرون الناس بالبر" الآية.
و قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ) [سورة: الصف /2،3]
الشاهد قوله تعالى [كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ]
و المقت أشد البغض.
(حديث أسامة في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يؤتى بالعالم يوم القيامة فيُلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور حولها كما يدور الحمار حول الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ويحك ما لك كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر فيقول كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه.
معنى [أقتابه]: أي أمعاءه
(حديث أنس في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أتيت ليلة أسري بي على قوم تُقْرَضُ شفاهُهم بمقاريضَ من نار كلما قُرِضَتْ وَفَتْ فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون و يقرءون كتاب الله و لا يعملون به.
أورد المقدسي رحمه الله تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال أوحى الله تبارك وتعالى إلى يوشع بن نون أني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم قال هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار قال إنهم لم يغضبوا لغضبي وكانو يواكلوهم ويشاربوهم.
أورد المقدسي رحمه الله تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن أبي عبد الرحمن العمري قال: إن من غفلتك عن نفسك إعراضك عن الله عز وجل بأن ترى ما يسخطه فتجاوره ولا تأمر فيه ولا تنهى عن منكر خوفا ممن لا يملك لك ضرا ولا نفعا وسمعته يقول من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مخافة المخلوقين نزعت منه هيبة الطاعة فلو أمر ولده أو بعض مواليه لا ستخف به.
أورد المقدسي رحمه الله تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن يحيى بن يعمر قال خطب علي رضي الله عنه ثم قال يا أيها الناس إنما هلك من هلك قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار فلما تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار أدركتهم العقوبات فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم الذي نزل بهم واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقا ولا يقرب أجلا.
أورد المقدسي رحمه الله تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن سلام بن مسكين قال سألت الحسن قلت يا أبا سعيد يأمر الرجل والديه بالمعروف وينهاهما عن المنكر قال يأمرهما إن قبلا وإن كرها سكت عنهما.
آداب عشرة النساء:
آداب عشرة النساء:
لعشرة النساء آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهاك آداب عشرة النساء جملةً وتفصيلا: أولاً آداب عشرة النساء جملةً: 1 الحث على الزواج وهو من السنة: (2) العشرة بالمعروف: (3) الرفق بالنساء والوصية بهن: (4) ملاطفة الزوجة وملاعبتها: (5) الصبر على الزوجة، وغض الطرف عن زلاتها: (6) وطء الزوجة من الحقوق الواجبة على الزوج: (7) تحريم نشر أسرار الاستمتاع بين الزوجين إلا لمصلحة شرعية: (8) وجوب العدل بين الزوجات: ثانيا آداب عشرة النساء تفصيلا:
(1) الحث على الزواج وهو من السنة:
لما كان الرجل ـ بطعبه الذي جبله الله عليه ـ ميالاً للنساء، وكانت المرأة تميل إلى الرجل بمقتضى الفطرة، أراد الشرع المطهر أن تُصرف هذه الفطرة في طريقٍ صحيحٍ يحفظ للناس أنسابهم، ويهذب نزواتهم حتى لا يصبحوا كالبهائم يركب بعضها بعضاً، وكان الطريق هو الزواج، ولذا رغب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه وبيَّن فوائده، وحث أمته عليه، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة (حديث ابن مسعود الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ.
(حديث أنس الثابت في الصحيحين) قَالَ: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِمْ فَقَالَ أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي.
(حديث ابن مسعود الثابت في الصحيحين) قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ لَنَا شَيْءٌ فَقُلْنَا أَلَا نَسْتَخْصِي فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [المائدة: 87]
(حديث سعد بن أبي وقاص الثابت في الصحيحين) قَالَ: رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا.
(حديث سعيد بن جبير الثابت في صحيح البخاري) قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ هَلْ تَزَوَّجْتَ قُلْتُ لَا قَالَ فَتَزَوَّجْ فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً.
(حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح النسائي) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: حُبِّبَ إِلَيَّ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ.
والعزوبة والعزوف عن الزواج ليس من هدي المرسلين، قال الامام أحمد: ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء، ومن دعاك إلى غير التزويج، فقد دعاك إلى غير الإسلام.
اهـ (1). ويجب الزواج على من كان قادراً عليه، وخاف على نفسه العنت، وكانت نفسه تتوق إليه، لأنه إن لم يفعل يُخشى عليه الوقوع في الفواحش كالزنا وغيره وهو محرم.
(2) العشرة بالمعروف:
الأصل في معاشرة النساء (وَلَهُنّ مِثْلُ الّذِي عَلَيْهِنّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ) [سورة: البقرة - الآية: 228]
أي: وللنساء على بعولتهن من الحقوق واللوازم، مثل الذي عليهن لأزواجهن من الحقوق اللازمة والمستحبة.
ومرجع الحقوق بين الزوجين إلى المعروف، وهو: العادة الجارية في ذلك البلد، وذلك الزمان من مثلها لمثله، ويختلف ذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة، والأحوال، والأشخاص، والعوائد.
وفي هذا دليل على أن النفقة والكسوة والمعاشرة والمسكن وكذلك الوطء- الكل يرجع إلى المعروف، فهذا موجب العقد المطلق.
وأما مع الشرط، فعلى شرطهما، إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً.
قاله ابن سعدي (2).
وقال ابن عباس: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة، لأن الله يقول: (وَلَهُنّ مِثْلُ الّذِي عَلَيْهِنّ بِالْمَعْرُوفِ) (3).
(حديث معاوية ابن حيدة الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) قَالَ
قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ قَالَ أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ أَوْ اكْتَسَبْتَ وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ.
(1).حاشية الروض المربع (6/ 226) حاشية رقم: (3)
(2). تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان.
(البقرة.
آية 228)
(3). تفسير ابن كثير (1/ 266) ط. دار الكتب العلمية.
(حديث عَمْروِ بنِ الأحْوَصِ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:"ألاَ واسْتَوْصُوا بالنّسَاءِ خَيراً، فإنّمَا هُنّ عَوانٌ عِنْدَكمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنّ شَيْئاً غَيْرَ ذلِكَ، إلاّ أَنّ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيّنَةٍ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهجُرُوهُنّ في المضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرّحٍ.
فَإنْ أطَعْنكُمُ فَلاَ تَبْغُوا علَيْهِنّ سَبِيلاً.
أَلاَ إنّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُم حَقّاً.
ولِنسَائِكمْ عَلَيْكُمْ حَقاً.
فَأَمّا حَقكّمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلاَ يُوطِئنَ فُرُشكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ ولاَ يَأْذَنّ في بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ.
ألاَ وحَقهُنّ عَلَيْكُمْ أنْ تُحسِنُوا إِلَيْهِنّ فِي كِسْوَتِهِنّ وطَعَامِهِن".
مسألة: هل يجب على الزوجة أن تخدم زوجها في الأمور المعتادة كتجهيز الطعام، وإصلاح البيت ونحو ذلك؟
الجواب:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
وتنازع العلماء: هل عليها أن تخدمه في مثل فراش المنزل، ومناولة الطعام والشراب والخبز، والطحن، والطعام لمماليكه، وبهائمه: مثل علف دابته ونحو ذلك؟ فمنهم من قال: لا تجب الخدمة.
وهذا القول ضعيف، كضعف قول من قال: لا تجب عليه العشرة بالوطء؛ فإن هذا ليس معاشرة له بالمعروف؛ بل الصاحب في السفر الذي هو نظير الإنسان وصاحبه في المسكن إن لم يعاونه على مصلحة لم يكن قد عاشره بالمعروف.
وقيل ـ وهو الصواب ـ وجوب الخدمة؛ فإن الزوج سيدها في كتاب الله؛ وهي عانية عنده بسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وعلى العاني والعبد الخدمة؛ ولأن ذلك هو المعروف.
ثم من هؤلاء من قال: تجب الخدمة اليسيرة.
ومنهم من قال: تجب الخدمة بالمعروف، وهذا هو الصواب، فعليها أن تخدمه الخدمة المعروفة من مثلها لمثله، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال؛ فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة.
اهـ (1).
(3) الرفق بالنساء والوصية بهن:
أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرجال أن يستوصوا بالنساء خيراً، وذلك لأن الضعف ملازمٌ للمرأة، فهي تحتاج إلى من يحسن إليها ويرفق بها، لا أن يقسو عليها ويعاملها معاملة الرجال؛ فمن أجل هذا وغيره أُمر الرجال بالوصية بالنساء والرفق بهن.
(1). الفتاوى (34/ 90 - 91)
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا.
(حديث أبي الأحْوَصِ الجُشَمِّي الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أَلاَ وَاسْتَوْصُوا بالنّسَاءِ خَيْراً، فإِنّمَا هُنّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهِنّ شَيْئاً غَيْرَ ذَلِكَ إِلاّ أَنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنّ في المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنّ ضَرْبَاً غَيْرَ مُبَرّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنّ سَبِيلاً.
أَلاَ وَإِنّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقّا، فأَمّا حَقّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلاَ يُوْطِئْنَ فُرُشَكُمْ من تَكْرَهُونَ، وَلا يَأْذَنّ في بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ.
أَلاَ وَإِنّ حَقّهُنّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهنّ في كِسْوَتِهِنّ وَطَعَامِهِنّ".
أورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن ابن عباس قال: كنت أطوف بالبيت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكفي في كفه، فإذا أعرابي يحمل امرأة كأنها مهاة يطوف بها يقول: صرت لهذي جملا ذلولا موطأ أتبع السهولا فقال له عمر: " من هذه المرأة؟ قال: يا أمير المؤمنين، امرأتي قال: ورب هذه البنية لقد جازيتها، فقال: أما إنها مع ذلك لحمقاء مرعامة، أكول قمامة، مشومة الهامة، ما تبقي لها حامة قال: فما تصنع بها يا أعرابي؟ قال: حسنا فلا تفرك وأم عيال فلا تترك، فقال: شأنك بها "
الهامة: الرأس.
وقال بعض الحكماء: لا ينبغي للعاقل أن يعاقب وادا وإن أغضبته ذنوبه واضطرته إلى الموجدة أجرامه، فإن خلق الواد خير من جديد غيره.
ومن الوصية بالنساء: تعليمهن ما يحتجنَّ إليه من أمور دينهن كأحكام الطهارة والحيض والنفاس، والصلاة، والزكاة إن كنَّ يملكنَّ مالاً.. الخ.
وإن كان لا يستطيع تعليمهنَّ لقلة علمه، وجب عليه أن يوفر لهن ما يجعلهنَّ يتعلمنَّ ما يحتجنَّ إليه من العلم الشرعي الذي لا تقوم عبادتهنَّ إلا به؛ كجلب الكتب الشرعية، والأشرطة السمعية، أو إحضارهنَّ إلى مجالس العلم، وغير ذلك من وسائل تحصيل العلم.
ومن الوصية بالنساء: تأديبهنَّ وإلزامهنَّ بإقامة فرائض الله التي أوجبها عليهنَّ، وإلزامهنَّ بالحجاب الشرعي.
قال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتّقْوَىَ) [طه: 132].
وقال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاّ يَعْصُونَ اللّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6]
(حديث مالك بن الحُويرث الثابت في الصحيحين) قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَكَانَ رَحِيمًا رَفِيقًا فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا قَالَ ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَصَلُّوا فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ.
فإذا تساهلة الزوجة في إقامة الفرائض، أو في الالتزام بالحجاب الشرعي، أو أبت عليه إذا دعاها إلى فراشه، أو عصته في أمرٍ تلزمها طاعته فيه؛ فإنه بموجب قوامته عليها يؤدبها بما يحصل به صلاحها واستقامتها.
والتأديب يكون على مراحل، فلا ينبغي للزوج أن يأخذ في الأخرى حتى يتعذر التي قبلها.
قال تعالى: (وَاللاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنّ فَعِظُوهُنّ وَاهْجُرُوهُنّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنّ سَبِيلاً إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً) [النساء: 34].
فالمرحلة الأولى: تكون بالوعظ والتذكير والتخويف بالله.
والمرحلة الثانية: تكون بهجر المضجع.
والمرحلة الثالثة: تكون بالضرب غير المبرح، ضرب تأديب لاضرب تنفيس عن الغيظ والسخط.
مسألة: من كانت له زوجة لا تصلي فهل له أن يأمرها بالصلاة؟ وإن لم تفعل فماذا يلزمه؟
الجواب:
نعم عليه أن يأمرها بالصلاة، ويجب عليه ذلك؛ بل يجب عليه أن يأمر بذلك كل من يقدر على أمره به إذا لم يقم غيره بذلك، وقد قال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتّقْوَىَ) [طه: 132].
وقال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاّ يَعْصُونَ اللّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6]
(حديث مالك بن الحُويرث الثابت في الصحيحين) قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَكَانَ رَحِيمًا رَفِيقًا فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا قَالَ ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَصَلُّوا فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ.
وينبغي مع ذلك الأمر أن يحضها على ذلك بالرغبة، كما يحضها على ما يحتاج إليها، فإن أصرت على ترك الصلاة فعليه أن يطلقها، وذلك واجب في الصحيح، وتارك الصلاة مستحق للعقوبة حتى يصلي باتفاق المسملين، والله أعلم.
(4) ملاطفة الزوجة وملاعبتها:
يجفو كثيرٌ من الرجال ويأنف من مداعبة زوجه ومضاحكتها، وقد يعده بعضهم نقصاً لرجولته، أو سقوطاً لهيبته ومنزلته عند نسائه، وهذا ليس بشيء؛ إذ لو كان هذا صحيحاً لكان أولاهم به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه كان يداعب أزواجه ويضاحكهن ويلاطفهن، والأخبار في هذا مشهورة معلومة.
فمنها ما يلي:
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح أبي داوود) أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ قَالَتْ فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَقَالَ هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ.
(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: كُلُ شَيءٍ َليْسَ مِنْ ذِكْرِ اللهِ لَهْوٌ وَلَعِبٌ إِلَا أَنْ يَكُونَ أَرْبَعَةٌ: مُلَاعَبَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَتَأْدِيُب الرَّجُلِ فَرَسَهُ وَمَشْيُ الرَّجُلِ بَيْنَ الغَرَضَيْنِ وَتَعْلِيْمُ الرَّجُلِ السِّبَاحَةَ.
(حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الثابت في الصحيحين) قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قَالَتْ فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ فَقَالَ أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتِ لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ قَالَتْ قُلْتُ أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ.
(5) الصبر على الزوجة، وغض الطرف عن زلاتها:
وذلك لأمور أهمها أن المرأة من طبيعتها الغيرة وغالباً ما تكون الغيرة سبباً يدفع الزوجة إلى فعل ما لا يرضاه الزوج.
وإذا انضاف إلى الغيرة ما جُبلت عليه المرأة من اعوجاج اللسان، كان ذلك أدعى للزوج أن يصبر على الأذى، وأن يغض الطرف ما استطاع، ويتجاوز عن الهنات والزلات، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا.
والمعنى: أن المرأة خُلقت من ضلع، وهو إشارة إلى أن خلق حواء كان من ضلع آدم.
وقوله: (وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ) أي أن أعوج ما في المرأة لسانها؛ وفيه تنبيه لطيف للرجال أن يصبروا على ما يأتيهم من زوجاتهم، لأنهن جُبلنَّ على ذلك ويصعب تقويمهن.
وقوله: (وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا... ) أي: إن اصررت على تقويم أخلاقها فإن ذلك لن يستقيم لك بحال، وإصرارك يفضي إلى كسرها وهو طلاقها، كما جاء عند مسلم: (إن المرأة خُلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها) (1).
وفي حديث أنس الآتي يظهر لنا جلياً صبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على بعض أزواجه من جراء غيرتها.
(حديث أَنَسٍ رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قَالَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ فَجَمَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِلَقَ الصَّحْفَةِ ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ غَارَتْ أُمُّكُمْ ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ.
قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة:
من آداب العشرة مع النسوان أن تعلم أن الله خلقهن ناقصات العقل والدين، فعاشرهن بالمعروف على حسب ما جلبهن الله عليه من نقصان العقل والدين، ولا تطالبهن بما لم يجعل الله لهن، فإن الله تعالى لنقصان دينهن جعل شهادة امرأتين بشهادة رجل.
وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لعقول الرجال ذوي الألباب منكن " الحديث ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " خيركم خيركم لأهله "
وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: عقل المرأة جمالها، وجمال الرجل عقله وسئل أبو حفص عن هذه الآية: وعاشروهن بالمعروف (1) فقال: هو حسن الصحبة مع من ساءك ومن كرهت صحبتها.
(6) وطء الزوجة من الحقوق الواجبة على الزوج: (1). مسلم (1468)
من حقوق الزوجة الواجبة على زوجها أن يطؤها بقدر حاجتها، ولا يشق عليها بتركها مدةً طويلة بدون وطء، فإن هذا من أعظم أسباب انحراف الزوجات.
وهناك إشقاق من نوع آخر يغفل عنه بعض الأزواج ألا وهو عدم مراعاة حال الزوجة أثناء الجماع، وعدم المبالاة بها أقضت نهمتها وأصابت حاجته منه أم لا.
ولعمر الله، لهذا أشدُ عليها من تركها مدةً طويلة بدون جماع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
يجب على الرجل أن يطأ زوجته بالمعروف؛ وهو من أوكد حقها عليه: أعظم من إطعامها.
والوطء الواجب قيل: إنه واجب في كل أربعة أشهر مرة.
وقيل: بقدر حاجتها وقدرته؛ كما يطعمها بقدر حاجتها وقدرته.
وهذا أصح القولين.
اهـ (1).
﴿فائدة﴾: من آداب الجماع:
(أولاً) التسمية قبل الوقاع: وفيه سنةٌ صحيحة.
(حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا.
قال ابن حجر رحمه الله في الفتح:
قوله: (لم يضره شيطان أبداً) أي: لم يضر الولد المذكور، بحيث يتمكن من إضراره في دينه أو بدنه، وليس المراد رفع الوسوسة من أصلها.
قاله في الفتح (2).
﴿تنبيه﴾: يُقال هذا الدعاء عند إرادة الجماع أي قبل الشروع في الجماع، وليس عند الشروع فيه، أفادنا ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث: (إذا أراد أن يأتي أهله).
(ثانياً) جواز التجرد من الثياب عند الجماع:
وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) قَالَتْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ.
(1). الفتاوى (32/ 271)
(2). (11/ 195)
(حديث معاوية بن حيده الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ قَالَ إِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا قَالَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنْ النَّاسِ.
﴿تنبيه﴾:وأما ما روى عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أنه قال: (إذا أتى أحدكم أهله، فليلقى على عجزه وعجزها شيئاً، ولا يتجردا تجرد العيرين)).
فمنكر، ولا يصح في المنع حديث.
ت- يستحب الوضوء لمن جامع امرأته، وأراد أن يعاود الجماع قبل أن يغتسل:
(حديث أبي سعيد الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ.
(ثالثاً) جواز العزل:
جواز العزل:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ.
(حديث أبي سَعِيدٍ رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ وَقُلْنَا نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ.
(حديث جَابِرٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قَالَ
قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا نَعْزِلُ فَزَعَمَتْ الْيَهُودُ أَنَّهَا الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى فَقَالَ كَذَبَتْ الْيَهُودُ إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَهُ فَلَمْ يَمْنَعْهُ.
(حديث جَابِرٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إِنَّ لِي جَارِيَةً هِيَ خَادِمُنَا وَسَانِيَتُنَا وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ فَقَالَ اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا فَلَبِثَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ إِنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ حَبِلَتْ فَقَالَ قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا.
الأولى ترك العزل:
(حديث معقل بن يسار الثابت في صحيحي أبي داوود و النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم.
(حديث جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الأَسَدِّيَة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنْ الْعَزْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ.
(حديث أبي سَعِيدٍ رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ وَقُلْنَا نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ.
مسألة: ما معنى العزل؟
معنى العزل:
العزل لغة: التنحية، تقول: عزلت الشيء عن غيره عزلا، من باب ضرب، وعزلته، فاعتزل وانعزل وتعزل، نحيته جانبا فتنحى.
ومنه: عزلت النائب كالوكيل، إذا أخرجته عما كان له من الحكم.
وعزل المجامع: أن يقارب الإنزال فينزع ويمني خارج الفرج (1).
والعزل اصطلاحا: لا يخرج عن معناه اللغوي.
قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:
العزل هو: أن يجامع فإذا قارب الإنزال نزع وأنزل خارج الفرج 1
قال ابن حجر رحمه الله في الفتح:
العزل هو النزع بعد الإيلاج، لينزل خارج الفرج 2.
أي إخراج الزوج آلته بعد إدخالها في فرج زوجته عند الجماع ليقذف ماءه أي منيه خارج فرج زوجته.
(7) تحريم نشر أسرار الاستمتاع بين الزوجين إلا لمصلحة شرعية:
شاع عند الجهلة من الناس، التحدث بما يجري بينه وبين زوجته من أمر الاستمتاع.
وذوي الجهل المركب يقولون: إنا نتحدث بأمور قد حللها الشرع لنا ولم نتكلم عن فعل محرم.
وجوابه أن يقال: جماع الزوجة والمملوكة والاستمتاع بهما حلال بالشرع، ولكن التحدث به للناس وإخبارهم بما كان منه عند خلوته بأهله محرم بالشرع.
بل إن العقل والذوق السليم يستقبح ذلك ويشمئز منه، وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة
(حديث أبي سعيد الخدري الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا.
(حديث أسماء بنت يزيد الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: عَسَى رَجُلٌ يُحَدِّثُ بِمَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ أَوْ عَسَى امْرِأَةٌ تُحَدِّثُ بِمَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجَهَا فَلَا تَفْعَلُوا فَإِنَّ مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ شَيْطَانٍ لَقِيَ شَيْطَانَةً فِي ظَهْرِ الطَّرِيْقِ فَغَشِيَهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرونَ.
قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:
وفي هذا الحديث تحريم إفشاء الرجل ما يجري بينه وبين امرأته من أمور الاستمتاع، ووصف تفاصيل ذلك وما يجري من المرأة فيه من قول أو فعل ونحوه.
فأما مجرد ذكر الجماع، فإن لم تكن فيه فائدة ولا إليه حاجه فمكروه لأنه خلافالمروءة.
وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت).
وإن كان إليه حاجه أو ترتب عليه فائدة بأن ينكر عليه إعراضه عنها أو تدعي عليه العجز عن الجماع أو نحو ذلك فلا كراهة في ذكره، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إني لأفعله أنا وهذه).
وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي طلحة: (أعرستم الليلة؟).
وقال لجابر: (الكيس الكيس) والله أعلم.
اهـ (1).
﴿تنبيه﴾: يجوز نشر مثل هذه الأسرار لمصلحة شرعية:
فهؤلاء هن زوجات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يذكرن هديه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في معاشرته، وتقبيله ومباشرته لهن، وذلك كله لرجحان المصلحة من ذكره.
بل أبلغ من ذلك:
فدل ذلك على جواز ذكر ما يدور بين الرجل والمرأة من أسرار الجماع للمصلحة الشرعية الراجحة من ذكرها.
وهذا ما فهمه الإمام النسائي، فذكر هذا الحديث في ((عشرة النساء)) من ((السنن الكبرى))، وبوب له: (الرخصة في أن يحدث الرجل بما يكون بينه وبين زوجته).
(8) وجوب العدل بين الزوجات:
قال تعالى: (وَلَن تَسْتَطِيعُوَاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتّقُواْ فَإِنّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رّحِيماً) [النساء/ 129]
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح السنن الأربعة) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ.
(1). شرح صحيح مسلم.
المجلد الخامس (10/ 8 - 9)
﴿تنبيه﴾: المقصود بالعدل: التسوية في حقوقهن التي يمكن للزوج التسوية فيها بينهن؛ من القَسْم والنفقة والكسوة، فيعدل بينهن في المأكول والمشروب والملبوس والسكنى والبيتوتة، وفي تهيئة مسكن لكل واحدة منهن على حدة، لكنه لا يطالب بالعدل فيما لا يملك كميل القلب والمحبة ونحوها، لقوله تعالى ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (النساء: 129)، ولذلك كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقسم بين نسائه ـ أي المبيت ـ فيعدل ويقول (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) رواه ابن حبان.
وعلى الأزواج أن يتقوا الله في نسائهم، ويعدلوا بينهن، وليحذروا من الجور عليهن؛ فإنهم إن فعلوا ذلك أثموا ونالتهم العقوبه، وإن عدلوا بينهن أُجروا على ذلك، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا.
آداب العشرة مع الخادم:
آداب العشرة مع الخادم:
آداب العشرة مع الخادم هو أن تستعمل فيهم أدبَ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث المعرور الثابت في الصحيحين) قال لقيتُ أبا ذرٍ بالرَّبذة وعليه حُلة وعلى غُلامه حُلة فسألته عن ذلك فقال إني ساببتُ رجلاً فعيّرته بأُمه فقال لي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يا أبا ذر! إنك امرؤ فيك جاهلية إخوانكم خَوَلكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فّلْيُطْعِمْه مما يأكل ولْيُلبِسْه مما يلبس ولا تُكَلفوهم ما يغلبهم، فإذا كلفتموهم فأعينوهم.
(حديث أنس في الصحيحين) قَالَ: أَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ قَالَ فَخَدَمْتُهُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَوَاللَّهِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا.
(حديث ابن مسعود في صحيح مسلم) قال: كنت أضربُ غلاماً لي فسمعتُ من خلفي صوتاً: اعلم أبا مسعود للهُ أقدر عليك منك عليه، فالتفتُ فإذا هو رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت ي رسول الله هو حرٌ لوجه الله فقال: أما لو لم تفعل للفحتك النار.
آداب الدعاء:
آداب الدعاء:
للدعاء آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون دعاؤه أرجى للقبول، وقد قال ابن القيم - رحمه الله - كلمة تلخص آداب الدعاء:
يقول: "ألا أدلك على دعاء لا يرد أبداً... ادعُ الله وأنت موقن بالإجابة، بخشوع، وارفع يديك، وألح في الدعاء، وتوسل إلى الله بأسمائه، وتملق إلى الله بإنعامه، واخشع له، وذل له، وتصدق بعد أن تدعو، هذا الدعاء لا يكاد يرد".
وهاك آداب الدعاء جملةً وتفصيلا:
أولاً آداب الدعاء جملةً:
1 الوضوء: (2) السواك: (3) استقبال القبلة ورفع اليدين: (4) حمد الله والثناء على الله قبل الدعاءِ، والصلاة على النبي: (5) الدعاء باسم الله الأعظم: (6) الإقرار بالذنب، والاعتراف بالخطيئة: (7) الجزم في الدعاء، والعزم في المسألة: (8) يعظم الرغبة فإن الله تعالى لا يتعاظمه شيء أعطاه: (9) الإلحاح بالدعاء: (10) الدعاء ثلاثًا: (11) أن يتخير جوامع الدعاء ومحاسن الكلام: (12) أن يقدم بين يدي دعائه عملاً صالحًا: (13) يتوسل إلى الله تعالى بأنواع التوسل المشروعة: (14) الطموح وعلو الهمة: (15) أن يكون غرض الداعي جميلاً حسنًا: (16) يخفِضُ صوته في الدعاء بين المخافتة والجهر: (17) إظهار الداعي الشكوى إلى الله، والافتقار إليه: (18) الخشوع والخضوع: (19) البكاء حال الدعاء: (20) التضرع إلى الله في الدعاء: (21) التواضع والتبذل في اللباس والهيئة: (22) الرغبة والرهبة: (23) الدعاء في كل الأحوال في الشدة والرخاء، وفي المنشط والمكره:
(24) اختيار الاسم المناسب من أسماء الله الحسنى، أو الصفة المناسبة حال الدعاء: (25) ألا يحجر رحمة الله في الدعاء: (26) أن يسأل الله كل صغيرة وكبيرة: (27) يدعو لوالديه مع نفسه: (28) أن يدعو لإخوانه المؤمنين: (29) أن يبدأ الداعي بنفسه: (30) يترصد للدعاء الأوقات الشريفة: (31) التأمين على الدعاء من المستمع: (32) تجنب الدعاء على الأهل، والمال، والنفس: (33) ألا يتكلف السجع: (34) الإعراب بلا تكلف: (35) أن تلقي باللوم على نفسك: (36) الالتزام بالأدعية المأثورة:
ثانياً آداب الدعاء تفصيلا:
(1) الوضوء:
(حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) لما فرغ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من حنين، وفيه قال: فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: ﴿اللهم اغفر لعبيد أبي عامر﴾ ورأيت بياض أبطيه.
(2) السواك: ووجه ذلك أن الدعاء عبادة باللسان؛ فتنظيف الفم عند ذلك أدب حسن؛ ولهذا جاءت السنة المتواترة بمشروعية السواك للصلاة، والعلة في ذلك تنظيف المحل الذي يكون الذكر به في الصلاة.
(1)
(حديث عائشة الثابت في صحيح النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)
(3) استقبال القبلة ورفع اليدين:
(حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: (اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ لا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ) فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ... الحديث.
قال النووي رحمه الله في شرح مسلم:
فِيهِ اِسْتِحْبَاب اِسْتِقْبَال الْقِبْلَة فِي الدُّعَاء، وَرَفْع الْيَدَيْنِ فِيهِ.
(حديث سلمان في صحيح أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا.
(حديث ابن عباس في صحيح أبي داوود موقوفاً) قال: المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما والاستغفار أن تشير بأُصبع واحدة والابتهال أن تمد يديك جميعا.
وفي البخاري: استقبل رسول الله"الكعبة فدعا على قريش.
1
ورفع اليدين إنما يكون في الدعاء العام، وما ورد الدليل على مشروعية رفع اليدين فيه، كرفع اليدين في الدعاء عند الصفا والمروة، وفي الاستسقاء يوم الجمعة ونو ذلك، لأن هناك أدعية لا ترفع فيها الأيدي مثل دعاء دخول المنزل، والخروج منه، ودخول الخلاء، والخروج منه.
﴿تنبيه﴾: عند رفع اليدين بالدعاء يكون باطن الكف إلى السماء على صفة الطالب المتذلل الفقير المنتظر أن يُعْطَى (حديث مالك بن يسار رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها.
مسألة: هل يضم يديه عند رفعهما أو يجعل بينهما فرجة؟
نص الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في "الشرح الممتع" (4/ 25) أنها تكون مضمومة.
ونص كلامه: " وأما التفريج والمباعدة بينهما فلا أعلم له أصلا لا في السنة ولا في كلام العلماء " انتهى.
(4) حمد الله والثناء على الله قبل الدعاءِ، والصلاة على النبي:
(حديث فضالة ابن عُبيد في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله تعالى و الثناء عليه ثم ليصل على النبي ثم ليدع بعد بما شاء.
(حديث عمر في صحيح الترمذي موقوفاً) قال: إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء إلى السماء حتى تصلي على نبيك - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قال الإمام النووي رحمه الله في الأذكار ص 176:
(أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد لله تعالى والثناء عليه، ثم الصلاة على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكذلك تختم الدعاء بهما، والآثار في هذا الباب كثيرة مرفوعة).
واعلم بأن الصلاة على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لها ثلاث مراتب:
" إحداها: أن يُصلى عليه قبل الدعاء، وبعد حمد الله تعالى لقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(حديث فضالة ابن عُبيد في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله تعالى و الثناء عليه ثم ليصل على النبي ثم ليدع بعد بما شاء.
(حديث عمر في صحيح الترمذي موقوفاً) قال: إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء إلى السماء حتى تصلي على نبيك - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
والمرتبة الثانية: أن يُصلى عليه في أول الدعاء وأوسطه وآخره.
والمرتبة الثالثة: أن يصلى عليه في أوله وآخره، ويجعل حاجته متوسطة بينهما "انتهى كلام ابن القيم بتصرف من كتاب جلاء الأفهام ص 531
(5) الدعاء باسم الله الأعظم:
(6) الإقرار بالذنب، والاعتراف بالخطيئة:
ولذلك فإن دعاء يونس _ عليه السلام_ من أعظم الأدعية إن لم يكن أعظمها، وما ذلك إلا لأنه ضمنه اعترافه بوحدانية الله _ عز وجل _ وإقراره بالذنب والخطيئة والظلم للنفس، كما قال_تعالى _ عنه: قال تعالى: (فَنَادَىَ فِي الظّلُمَاتِ أَن لاّ إِلََهَ إِلاّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّي كُنتُ مِنَ الظّالِمِينَ) [الأنبياء / 87]
وكذلك الحال بالنسبة للدعاء العظيم المسمى بسيد الاستغفار، والذي يعد أفضل صيغ الاستغفار، ومن أسباب أفضليته أنه تضمن الإقرار بالذنب، والاعتراف بالخطيئة،
(حديث شداد بن أوس في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: سيدُ الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني و أنا عبدك و أنا على عهدك و وعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي و أبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة و من قالها من الليل و هو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة.
(7) الجزم في الدعاء، والعزم في المسألة:
(حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت اللهم ارزقني إن شئت و ليعزم المسألة فإنه يفعل ما يشاء لا مكره له.
قال الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ:
"بخلاف العبد؛ فإنه قد يعطي السائل مسألته لحاجته إليه، أو لخوفه أو رجائه، فيعطيه مسألته وهو كاره، فاللائق بالسائل للمخلوق أن يعلق حصول حاجته على مشيئة المسئول، مخافة أن يعطيه وهو كاره، بخلاف رب العالمين؛ فإنه تعالى لا يليق به ذلك لكمال غناه عن جميع خلقه، وكمال جوده وكرمه، وكلهم فقير إليه، محتاج لا يستغني عن ربه طرفة عين، فاللائق بمن سأل الله أن يعزم المسألة، فإنه لا يعطي عبده شيئاً عن كراهة، ولا عن عظم مسألة" - فتح المجيد (ص 471) بتصرف يسير.
(8) يعظم الرغبة فإن الله تعالى لا يتعاظمه شيء أعطاه:
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه.
(9) الإلحاح بالدعاء:
الإلحاح: الإقبال على الشيء ولزوم المواظبة عليه، يقال: ألحَّ السحابُ: دام مطره، وألحَّت الناقة: لزمت مكانها، وألحَّ الجمل: لزم مكانه وحَرَن، وألحَّ فلان على الشيء: واظب عليه، وأقبل عليه 1.
فالعبد يكثر من الدعاء، ويكرره، ويلحُّ على الله بتكرير ربوبيته وإلهيته، وأسمائه وصفاته، وذلك من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء، والإلحاح من الآداب الجميلة، التي تدل على صدق الرغبة فيما عند الله _ عز وجل، فكن ملحاحاً في دعائك، راجياً عفو ربك، طالباً مغفرته، راغباً في جنته ونعيمه، طامعاً في عطائه وغناه فهو سبحانه يستحي أن يرد عبده خائباً إذا سأله.
وقال ابن القيم رحمه الله في "الداء والدواء" ص 25:
ومن أنفع الأدوية: الإلحاح في الدعاء اهـ.
الإلحاح على الله عز وجل بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يُطلب به إجابةُ الدعاء، للحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا فقال تعالى (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم) وقال (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك.
مستفاداً من قوله (يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب).
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة، من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائما، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يغثنا.
فرفع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يديه، ثم قال: (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا).
قال أنس: ولا والله، ما نرى في السماء من سحاب، ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار.
قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت.
فلا والله ما رأينا الشمس ستا.
ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة - يعني الثانية - ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائم يخطب، فاستقبله قائما، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا.
قال: فرفع رسول الله يديه، ثم قال: (اللهم حولينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية ومنابت الشجر).
قال: فأقلعت، وخرجنا نمشي في الشمس.
الشاهد: قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا).
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال: كان النبي... - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا دعا دعا ثلاثا وإذا سأل سأل ثلاثا.
وقال ابن كثير في وصف حال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة بدر: بات رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى جذع شجرة ويكثر في سجوده أن يقول: يا حي يا قيوم يكرر ذلك ويلظ عليه الصلاة والسلام بقيام الليل بالبكاء حتى الصباح وهو يقول " اللهم لا تودع منى، اللهم لا تخذلني، اللهم لا تتركني، اللهم أنشدك ما وعدتني " يكررها حتى يسقط رداؤه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من وراءه فقال يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك.. فأنزل الله (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ)
[الأنفال: 9]
وفي كتاب الزهد للإمام أحمد (305) عن قتادة:
قال مورق: ما وجدت للمؤمن مثلاً إلا رجلاً في البحر على خشبة فهو يدعو: يارب... يارب.. لعل الله أن ينجيه.
قال الأوزاعي: أفضل الدعاء الإلحاح على الله عز وجل والتضرع إليه.
قال أبوالدرداء: من يُكثر قرع الباب، باب الملك يوشك أن يُستجاب له ".
قال الترمذى: والإلحاح فى الدعاء مما يفتح الإجابة، ويدل على إقبال القلب، ويحصل بتكراره مرتين أو ثلاثاً وأكثر، لكن الاقتصار على الثلاث مرات أعدل إتباعاً للحديث " شرح سنن النسائي.
وإنما صار المُلِّحُ محبوباً لأنه لا ينقطع رجاؤه، فهو يسأل فلا يرى إجابة، فلا يزال يُلحُّ ولا ينقطع رجاؤه، ولا يدخله اليأس، فذلك لعلمه بالله تعالى، وصحة قلبه وصدق عبوديته، واستقامة وجهته، فمن صدق الله في دعوته استعمل اللسان، وانتظر القلب مشيئته، فلا يضيق ولا ييأس، لأن قلبه صار معلقا بمشيئته فانتظار المشيئة أفضل ما يَقْدُمُ به على ربه، وهو صفوة العبودية، واستعمال اللسان عبادة لأن في السؤال اعترافاً بأنها له، وانتظار مشيئته لقضائه عبادة فهو بين عبادتين وجهتين وأفضل الدعاء من داوم عليه.
وأهل اليقين يدعون ويلحون، فإن أجاب قبلوا، وإن تأخر صبروا، وإن منع رضوا وأحسنوا الظن، وهم في الأحوال سكنون مطمئنون ينتظرون مشيئته ".
" اللهم اجعلنا من أهل اليقين الذين يدعون ويلحون القابلين بقضاءك الصابرين على بلاءك المحسنين الظن بك الراضين الساكنين المطمئنين المنتظرين دائماً مشيئتك راضين بها.
"
إذاً فإذا دعوت ربك مرة أخي عند ضائقة أو كرب أو غير ذلك ولم تجد نتيجة فلا تجزع أو تيأس أو تترك الدعاء ولكن أَلِّحْ على الله فى التضرع والابتهال والدعاء لعل الله جل وعلا يحب سماع صوتك
﴿تنبيه﴾: أما حديث إن الله يحب الملحين في الدعاء ضعفه الألباني رحمه الله في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة المجلد الثاني.
(10) الدعاء ثلاثًا:
كما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود الطويل، وفيه:=فلما قضى النبي"صلاته _ رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، ثم قال: اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش.
1
قال النووي رحمه الله:
فِيهِ: اِسْتِحْبَاب تَكْرِير الدُّعَاء ثَلاثًا.
وَقَوْله: (وَإِذَا سَأَلَ) هُوَ الدُّعَاء, لَكِنْ عَطَفَهُ لاخْتِلافِ اللَّفْظ تَوْكِيدًا اهـ.
وقال البخاري رحمه الله:
بَاب تَكْرِير الدُّعَاء، ثم ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث عَائِشَة رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعا الله تعالى، وكَرَّرَ الدعاء لما سحره لبيد بن الأعصم اليهودي، قالت عائشة: حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ دَعَا ثُمَّ دَعَا... الحديث.
رواه البخاري (6391) ومسلم (2189) واللفظ له.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة، من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائما، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يغثنا.
فرفع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يديه، ثم قال: (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا).
قال أنس: ولا والله، ما نرى في السماء من سحاب، ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار.
قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت.
فلا والله ما رأينا الشمس ستا.
ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة - يعني الثانية - ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائم يخطب، فاستقبله قائما، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا.
قال: فرفع رسول الله يديه، ثم قال: (اللهم حولينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية ومنابت الشجر).
قال: فأقلعت، وخرجنا نمشي في الشمس.
الشاهد: قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا).
(11) أن يتخير جوامع الدعاء ومحاسن الكلام:
بدلاً من التطويل، والحشو، والتفصيل الذي لا لزوم له فقد كان رسول الله"يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك.
(حديث عائشة في صحيح أبي داود) قالت كان رسول الله يستحب الجوامع من الدعاء وَيَدَعُ ما سوى ذلك.
ومن المعلوم شرعاً أنه لا سبيل إلى تحصيل جوامع الدعاء إلا عن طريق الالتزام بأدعية النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأنه أُعطي جوامع الكلم كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي موسى في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أُعطيت الكلام وجوامعه وخواتمه.
وفي السنة الصحيحة ما تشتمل على جوامع الكلم بل تشتمل على خيري الدنيا والآخرة، منها ما يلي:
(حديث عائشة في صحيح ابن ماجة) أن رسول الله علمها هذا الدعاء اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله و آجله ما علمت منه و ما لم أعلم و أعوذ بك من الشر كله عاجله و آجله ما علمت منه و ما لم أعلم اللهم إني أسألك من خير ما سألك به عبدك و نبيك و أعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك و نبيك اللهم إني أسألك الجنة و ما قرب إليها من قول أو عمل و أعوذ بك من النار و ما قرب إليها من قول أو عمل و أسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرا.
(حديث عمار ابن ياسر في صحيح النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يدعو بهذا الدعاء اللهم بعلمك الغيب و قدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي و توفني إذا علمت الوفاة خيرا لي، اللهم وأسألك خشيتك في الغيب و الشهادة و أسألك كلمة الحق في الرضا و الغضب و أسألك القصد في الفقر و الغنى و أسألك نعيما لا ينفد و قرة عين لا تنقطع و أسألك الرضا بالقضاء و أسألك برد العيش بعد الموت و أسألك لذة النظر إلى وجهك و الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة و لا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان و اجعلنا هداة مهتدين.
(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داوود وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول: اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني وزدني علماَ.
﴿تنبيه﴾: مما يجب التنبيه عليه اَلتَّفْصِيلُ الزائد في اَلْدُّعَاءِ (كَثْرَةُ اَلألْفَاظِ) من صور الاعتداء في الدعاء:
(حديث أبي نَعَامَةَ الثابت في صحيح أبي داود) عن ابن لِسَعْدٍ أنه قال: سَمِعَنِي أبِي وَأنَا أقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَبَهْجَتَهَا وَكَذَا وَكَذَا وَأعُوذُ بِكَ مِنْ النَّارِ وَسَلاسِلِهَا وَأغْلالِهَا وَكَذَا وَكَذَا فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ " فَإِيَّاكَ أنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، إنَّكَ إِنْ أعْطِيتَ الْجَنَّةَ أعْطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الْخَيْرِ، وَإنْ أعِذْتَ مِنْ النَّارِ أعِذْتَ مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الشَّرِّ.
قال ابن تيمية 1:
الدُّعَاءُ ليس كُلُّهُ جائزاً، بل فيه عُدْوَانٌ مُحَرَّم، والمَشْرُوعُ 1 لا عُدْوَانَ فيه، وأن العُدْوَانَ يَكُونُ تَارَة ًبِكَثْرَةِ الألْفَاظِ، وتَارَةً في المَعَانِي، كما فَسَّرَ الصحابة ذلك 000 ثم أورد الأحاديث المذكورة سابقاً 0 قال في عون المعبود بشرح سنن أبي داود: الْجَامِعَة لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَة وَهِيَ مَا كَانَ لَفْظه قَلِيلاً وَمَعْنَاهُ كَثِيرًا، كما في قوله تعالى ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار﴾ ومِثل الدُّعَاء بِالْعَافِيَةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة 2 فمن صور الاعتداء تَكْثِيرُ الكلام الذي لا دَاعِيَّ له ولا حاجة إليه، والتَّكَلِِّفِ في ذِكْرِ التَّفَاصِيلِ، كأن يدعو ربَّهُ أن يرحمه إذا وُضِعَ في اللحد تحت التراب والثرى، وكذلك أن يرحمه إذا سالت العيون وبليت اللحوم، وأن يرحمه إذا تركه الأصحاب وتولى عنه الأهل والأحباب 3، أو يدعو على عدوه أن يُخْرِسَ الله لسانه ويُشِلَّ يده، ويُجَمِدَ الدَّمَ في عُرُوقِه000 0 ومما لا شك فيه أن النتيجة الطبيعية لهذا الاعتداء هو إصابة اَلْمُصَلِينَ بِاَلْمَلَلِ، والملل يُذْهِِبُ التَّدَبُرَ والخُشُوعِ ويُوِديِ بِاَلْمُصَلِي إلى الغَفْلَةِ، وهي حالة مَنْهِيٌّ عنها إذ لا تتناسب ومقام التَّذَلُّلِ والطَّلَبِ من الله تعالى اَلْمُطَّّلِعِ على أحوال النُّفُوسِ وما تُكِنُّهُ الصُّدُورِ 0 فَاَلإطَالَةِ اَلْمُمِلَّةِ تُرْهِقُ اَلْمُصَلِي وَتُصِيبُهُ بَاَلْمَلَلِ وَاَلْغَفْلَةِ، وَقَدْ وَرَدَ نَهْيُ اَلْغَافِلَةُ قُلُوبُهُمُ عَنْ اَلْدُّعَاءِ:
وكذلك يتخير لدعائه أحسن الألفاظ وأنبلها، وأجمعها للمعاني بما يليق بمناجاة الله تعالى: قال الخطابي رحمه الله تعالى: ولْيَتَخَيَّرْ لدعائه، والثناء على ربه أحسن الألفاظ، وأنبلها، وأجمعها للمعاني؛ لأنه مناجاة العبد سَيِّدَ السادات، الذي ليس له مثل، ولا نظير.
1
، ولا سبيل إلى تحصيل ذلك أيضاً إلا في الالتزام بأدعية النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأنه أعلم الناس بربه وأخشاهم له، وأعظمهم ثناءاً على ربه سبحانه، ومن السنة النبوية الكثير من ذلك منها منا يلي:
(حديث أبي سعيدٍ في صحيح مسلم) قال كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد ملئ السموات والأرض وما بينهما وملئ ما شيءت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد أحقُ ما قال العبد وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا مُعطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
(حديث علي في صحيح أبي داوود وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول في آخر وتره: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك و بمعافاتك من عقوبتك و أعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
(حديث ابن عباس في الصحيحين) قال كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا تهجد من الليل قال: اللهم لك الحمد أنت قيمُ السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق، والنبيون والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وأخرت وأسررت وأعلنت أنت المقدِّم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.
(12) أن يقدم بين يدي دعائه عملاً صالحًا:
أن يقدم بين يدي دعائه عملاً صالحًا: كأن يتصدق، أو يحسن إلى مسكين، أو يصلي ركعتين، أو يصوم، أو غير ذلك؛ ليكون هذا العمل وسيلة إلى الإجابة.
فإن نبي الله يونس عليه السلام لم يزل يرفع له عمل صالح ودعوة مستجابة.
فيجئ الجواب الإلهي له:
(فَلَوْلاَ أَنّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ)
[الصافات 143، 144]
أتاه الجواب بالنجاة (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجّيْنَاهُ مِنَ الْغَمّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ)
[الأنبياء / 88]
قال الحسن البصري:
"ما كان ليونس صلاة في بطن الحوت, ولكن قدم عملاً صالحًا في حال الرخاء فذكره الله في حال البلاء, وإن العمل الصالح ليرفع صاحبه فإذا عثر وجد متكأً".
﴿تنبيه﴾: هنا نذكر قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعلُ المعروف يقي مصارع السوء.
(حديث أبي سعيد الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (صدقةُ السر تُطفئُ غضب الرب، وصلةُ الرحم تزيدُ في العمر، وفعلُ المعروف يقي مصارع السوء)
ويدل على ذلك حديث الثلاثة الذي انطبقت عليهم الصخرة في الغار؛ فإن النبي"حكى عنهم أن كل واحد منهم توسل بأعظم أعماله التي عملها لله _ عز وجل _ فاستجاب الله دعاءهم، وارتفعت عنهم الصخرة، وكان ذلك بحكايته"سنة لأمته.
(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم، حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعو الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فناء بي في طلب شيء يوما، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، وكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج، قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي، فأدرتها عن نفسها فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها، قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله أد إلي أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون).
قال وهب بن منبة (رحمة الله):
العمل الصالح يبلغ الدعاء، ثم تلا قوه تعالى: (اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) [فاطر /10].
وقال بعضهم: يستحب لمن وقع في شدة أن يدعو بصالح عمله.
﴿تنبيه﴾: التوسل بالاعمال الصالحة لا يتحقق الا أهل الطاعات... الذين اضاءت انوار الصالحات من صحائفهم.
فاؤلئك هم الذين اذا توسلوا الى الله تعالى باعمالهم الصالحة قبل توسلهم وكان العمل الصالح خير شفيع لهم..
قال وهب بن منبه:
مثل الذي يدعو بغير عمل كمثل الذي يرمي بغير وتر.
(13) يتوسل إلى الله تعالى بأنواع التوسل المشروعة:
والوسيلة لغة: القربة، والطاعة، وما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به إليه.
يقال: وسَّل فلان إلى الله تعالى توسيلاً: عمل عملاً تقرب به إليه.
ويقال: وسَلَ فلان إلى الله تعالى بالعمل يَسِلُ وَسْلاً وتوسُّلاً وتوسيلاً: رغب وتقرب إليه.
أي: عمل عملاً تقرب به إليه 1.
قال الراغب الأصفهاني:
الوسيلة: التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من الوصيلة لتضمُّنها معنى الرغبة، قال تعالى: ﴿وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة /35]
وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى مراعاة سبيله بالعلم، والعبادة، وتحري مكارم الشريعة.
وهي كالقربة، والواسِلُ: الراغب إلى الله تعالى 2.
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه 3.
النوع الأول: التوسل في الدعاء باسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته، كأن يقول الداعي قي دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم، اللطيف الخبير، أن تعافيني، أو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
[الأعراف /180]
ومن دعاء سليمان عليه الصلاة والسلام ما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾... [النمل /19]
(حديث أنس في صحيح السنن الأربعة) قال سمع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى.
(حديث بريدة في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال سمع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلا يقول: اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين معلقاً على هذا الحديث:
فهذا توسل إلى الله بتوحيده، وشهادة الداعي له بالواحدانية، وثبوت صفاته المدلول عليها باسم الصمد وهو كما قال ابن عباس: العالم الذي كمل علمه القادر الذي كملت قدرته وفي رواية عنه هو السيد الذي قد كمل فيه جميع أنواع السؤدد، وقال أبو وائل هو السيد الذي انتهى سؤده وقال سعيد بن جبير هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله وأقواله
وبنفي التشبيه والتمثيل عنه بقوله ولم يكن له كفوا أحد وهذه ترجمة عقيدة أهل السنة والتوسل بالإيمان بذلك والشهادة به هو الاسم الأعظم.
(حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دعوة ذي النون إذ دعا بها و هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له.
وذو النون: هو نبي الله يونس _ عليه السلام _،
والنون: الحوت.
فهذا سيدنا يونس عليه السلام ألقي في اليم فالتقمه الحوت وأسدل الليل البهيم ستاره المظلم عليه، فالتجأ إلى الله ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فأنجاه الله، حتى إذا خرج إلى شاطئ السلامة، تلقفته يد الرحمة الإلهية والعناية الربانية فأظلته تحت شجرة اليقطين.
قال تعالى ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:87 - 88].
﴿تنبيه﴾: هذا الدعاء من أعظم أنواع الدعاء، لاشتماله على الآتي:
أولاً: على توحيد الله (لا إله إلا أنت)
وهو أعظم وسيلة إلى الله تعالى، وأعظم طاعة وأعظم وقربة.
ثم ثنى بالتنزيه (سبحانك) تنزيه الله عما لا يليق به عز وجل، فكل ما يفعل، وكل ما يقدر فله فيه الحكمة البالغة، فهو منزه عما لا يليق بجلاله وكماله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وعظيم شأنه.
ثم ثلث ببيان عجزه وضعفه وفقره وظلمه لنفسه، وهكذا كل عبد بالنسبة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ينبغي له أن يكون كذلك إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]
النوع الثاني: التوسل إلى الله تعالى بعملٍ صالح قام به الداعي، كأن يقول المسلم: اللهم بإيماني بك، أو محبتي لك، أو اتباعي لرسولك أن تغفر لي.
أو يقول: اللهم إني أسألك بمحبتي لمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإيماني به أن تفرج عني.
ومن ذلك أن يذكر الداعي عملاً صالحاً ذا بال، فيه خوفه من الله سبحانه، وتقواه إياه، وإيثاره رضاه على كل شيء، وطاعته له جل شأنه، ثم يتوسل به إلى الله في دعائه، ليكون أرجى لقبوله وإجابته.
ويدل على مشروعية ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران /16]
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾
[آل عمران /53]
ومن ذلك ما تضمنته قصة أصحاب الغار فإن كلاً منهم ذكر عملاً صالحاً تقرب به إلى الله ابتغاء وجهه سبحانه، فتوسل بعمله الصالح فاستجاب الله له.
(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم، حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعو الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فناء بي في طلب شيء يوما، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، وكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج، قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي، فأدرتها عن نفسها فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها، قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله أد إلي أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون).
النوع الثالث: التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح الحي الحاضر:
كأن يقع المسلم في ضيق شديد، أو تحل به مصيبة كبيرة، ويعلم من نفسه التفريط في جنب الله تبارك وتعالى، فيحب أن يأخذ بسبب قوي إلى الله تعالى، فيذهب إلى رجل يعتقد فيه الصلاح، والتقوى، أو الفضل والعلم بالكتاب والسنة فيطلب منه أن يدعو له ربه، ليفرج عنه كربه، ويزيل عنه همه.
ومن ذلك الحديث الآتي:
(حديث أنس الثابت في الصحيحين) قال أصابت الناس سنة على عهد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فبينا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب على المنبر يوم الجمعة قام أعرابي فقال يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا أن يسقينا قال فرفع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يديه وما في السماء قزعة قال فثار سحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته قال فمطرنا يومنا ذلك وفي الغد ومن بعد الغد والذي يليه إلى الجمعة الأخرى فقام ذلك الأعرابي أو رجل غيره فقال يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال فادع الله لنا فرفع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يديه وقال اللهم حوالينا ولا علينا قال فما جعل يشير بيده إلى ناحية من السماء إلا تفرجت حتى صارت المدينة في مثل الجوبة حتى سال الوادي وادي قناة شهرا ولم يجيء أحد من ناحية إلا حدث بالجود.
ومن ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطلب من العباس عم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يدعو لهم الله عز وجل أن يغيثهم فيغيثهم سبحانه.
(حديث عمر ابن الخطاب الثابت في صحيح البخاري) قال: كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال فيسقون.
ومن ذلك حديث أويس القرني الآتي:
(حديث عمر رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل.
(14) الطموح وعلو الهمة:
فمن الآداب التي يحسن بالداعي أن يتحلى بها _ أن يكون طموحًا، ذا نفس كبيرة، وهمة عالية، راغبًا فيما عند الله من عظيم الثواب.
ويومىء إلى هذا المعنى _ دعاء نبي الله سليمان _ عليه السلام _ عندما قال _ كما أخبر الله عنه قال تعالى: (رَبّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاّ يَنبَغِي لأحَدٍ مّن بَعْدِيَ إِنّكَ أَنتَ الْوَهّابُ) [ص / 35]
فنبي الله سليمان _ عليه السلام _ حصل منه ما حصل عندما آلى أن يطوف على نسائه جميعًا؛ لتلد كل واحدة منهن مجاهدًا يجاهد في سبيل الله، ولم يستثنِ _ عليه السلام _ ولم يقل: إن شاء الله.
1
وعندما أدرك ما وقع فيه لم يكتف بأن يسأل الله المغفرة فحسب، ولكنه _ لكبر نفسه، وعلو همته، وعلمه بسعة فضل ربه _ سأله مع ذلك أن يهب له ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده!
فماذا كانت النتيجة؟
لقد استجاب الله دعاءه، وسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، والشياطين كل بناء وغواص، وآخرين مقرنين في الأصفاد، ثم قال تعالى: (هََذَا عَطَآؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَإِنّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىَ وَحُسْنَ مَآبٍ) [ص 39، 40]
وعلو الهمة موضوع غاية في الأهمية يجب على كلِ مسلم أن يحيط به علماً وهاك غيضٌ من فيض مما ورد في علو الهمة ومسائلة:
تعريف علو الهمة:
الهمة في اللغة: ما هم به من الأمر ليفعل.
الهمة في الاصطلاح: الباعث على الفعل، وعرف بعضهم علو الهمة بأنه: استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور.
قال الشاعر مصوراً طموح المؤمن
إذا كنت في أمر مروم... فلا تقنع بما دون النجوم
وعرف ابن القيم علو الهمة بقوله:
"علو الهمة ألا تقف -أي النفس- دون الله وألا تتعوض عنه بشيء سواه ولا ترضى بغيره بدلاً منه ولا تبيع حظها من الله وقربه والأنس به والفرح والسرور والابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية، فالهمة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور لا يرضى بمساقطهم ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم، فإن الهمة كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها، وكلما نزلت قصدتها الآفات"
الحث على علو الهمة والتحذير من سقوطها:
قال الخليفة عمر الفاروق رضي الله عنه:
"لا تصغرنّ همتك فإني لم أر أقعد بالرجل من سقوط همته"
وقال ابن القيم: "لا بد للسالك من همة تسيره وترقيه وعلم يبصره ويهديه" وقال ابن نباتة رحمه الله:
حاول جسيمات الأمور ولا تقل... إن المحامد والعلى أرزاق
وارغب بنفسك أن تكون مقصرا... عن غاية في الطلاب سباق
أقسام الهمة:
تُقَسَّم الهمة تقسيمين فتقسم من حيث الرفعة وضدها إلى عالية وساقطة.
وتقسم من حيث الاستعداد الفطري إلى وهبية ومكتسبة.
وليس معنى أن منها ما هو فطري أنها لا سبيل لزيادة رفعتها بل هي مثل باقي الصفات العقلية والخلقية كالذكاء والذاكرة وحسن الخلق.
قال ابن القيم:
"وقد عرفت بالدليل أن الهمة مولودة مع الآدمي، وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات فإذا حثثت سارت ومتى رأيت في نفسك عجزاً فَسَلِ المنعم أو كسلاً فالجأ إلى الموفق، فلن تنال خيراً إلا بطاعته، ولن يفوتك خير إلا بمعصيته"
مراتب الهمم:
(حديث أبي كبشة الأنماري الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْماً فَهُوَ يَتَّقِى فِيهِ
رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَحسنِ الْمَنَازِلِ عند الله وَرجلٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْماً وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الأجرِ سَوَاءٌ، وَرجلٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْماً فَهُوَ يَخْبِطُ في مَالِهِ لاَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فهو بِأَسوءِ الْمَنَازِلِ عند الله وَرجلٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالاً وَلاَ عِلْماً فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الوزر سَوَاءٌ.
وعلى نحو هذا التقسيم والتمثيل النبوي ينقسم الناس وتتفاوت منازلهم في الهمة:
[^fn2162] منهم من يطلب المعالي بلسانه وليس له همة في الوصول إليها ويصدق عليه قول الشاعر:
وما نيل المطالب بالتمني... ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
(2) ومنهم من لا يطلب إلا سفاسف الأمور ودناياها ويجتهد في تحصيلها، وهذا -إن اهتدى- يكون سباقاً للخيرات: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا".
(3) وفريق ساقط الهمة يهوى سفاسف الأمور ويقعد به العجز عنها، فهو من سقط المتاع وهو كمن وصف الشاعر:
إني رأيت من المكارم حسبكم... أن تلبسوا خز الثياب وتشبعوا
فإذا تذكرت المكارم يوما... في مجلس أنتم به فتقنعوا
(4) وأعلى الهمم همة من تسمو مطالبه إلى ما يحبه الله ورسوله فهنيئاً له ومن أمثالهم الأسلمي وعكاشة بن محصن وبين كل مرتبتين مراتب كثيرة تتفاوت فيها الناس تفاوتاً بينا.
وإذا استعرضنا التاريخ نجد أن العلية من الناس والقادة الذين تركوا أثرهم في التاريخ هم أصحاب الهمم العالية.
نماذج من الصحابة لعلو الهمة:
(1) ربيعة ابن كعب الأسلمي: الذي سأل النبي مرافقته في الجنة.