كتاب الزهد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
أخرج الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي حفص الفلاس قال: توفي أبو عبيدة في سنة ثمان عشرة وله ثمان وخمسون سنة وكان يخضب بالحناء والكتم وكان له عقيصتان وقال كذلك في وفاته جماعة وانفرد ابن عائذ عن أبي مسهر أنه قرأ في كتاب يزيد إبن عبيدة أن أبا عبيدة توفي سنة سبع عشرة.
ثانيا
ً: صورٌ مشرقة من زهد أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه -:
لقد فهم أبي عبيدة ابن الجراح - رضي الله عنه - من خلال معايشته للقرآن الكريم، ومصاحبته للنبي الأمين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، وعليه فإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرر من سيطرة الدنيا بزخارفها، و زينتها، وبريقها، وطلقها ثلاثة ونفض يديه منها، وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهرا وباطنا، فكانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف، وقد وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق ما يلي:
(1) اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل كما قال النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.
(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
(2) أن هذه الدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله تبارك وتعالى:
(حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء.
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما.
(3) أن عمرها قد قارب على الانتهاء:
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بعثت أنا والساعة كهاتين قال وضم السبابة والوسطى.
(4) أن الآخرة هى الباقية، وهى دار القرار:
كما قال مؤمن آل فرعون:
(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر: 39، 40]
كانت هذه الحقائق قد استقرت في قلب أبي بكر، فترِفَّع رضي الله عنه عن الدنيا وحطامها وزهد فيها،
وهاك بعض صور زهده رضي الله عنه:
كتب عمر إلى أبي عبيدة في الطاعون إنه قد عرضت لي حاجة ولا غنى بي عنك فيها فعجل إليَّ، فلما قرأ الكتاب قال: عرفت حاجة أمير المؤمنين إنه يريد أن يستبقي من ليس بباقٍ.
سبحان الله - هو عمر كان يحب جداً أبا عبيدة بن الجراح وكان يرى فيه أمانة الأمة كلها مجتمعة في هذا الرجل فلما علم أن الطاعون نزل بأرض الشام علم أنه لابد أن يهلك والأمة تحتاج لمثله فانظروا إلى فقه عمر ثم انظروا إلى ما أروع من ذلك فقه أبي عبيدة بن الجراح، عمر بن الخطاب لما علم أن الطاعون قد نزل في الأرض التي فيها أبو عبيدة قال: إني قد عرضت لي حاجة ولا غنى بي عنك - يعني أريدك أن تأتي حتى يُنقذه الله من الطاعون - وهذا كان خلاف السنة كما في الحديث الآتي:
(حديث أسامة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الطاعون رجس، أرسل على طائفة من بني إسرائيل، أو: على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه).
فلما قرأ هذا الكتاب قال: عرفت حاجة أمير المؤمنين إنه يريد أن يستبقي من ليس بباقٍ، فكتب: إني قد عرفت حاجتك فحلّلِني من عزيمتك - يعني أنا في حلٍّ من أمرك - فإني في جند من أجناد المسلمين لن أرغب بنفسي عنهم، فلما قرأ عمر الكتاب بكى فقيل له مات أبو عبيدة؟ قال: لا وكأن قد، قال فتُوفي أبو عبيدة وانكشف الطاعون.
فانظر بعين البصيرة حرصه على تطبيق السنة بحذافيرها وعدم التفاته إلى الدنيا لأنها لا وزن لها عنده فلم تخطر له ببال ولا تدور في الخيال ولا يشغله إلا الموت على رضا الكبير المتعال، فقد وَعَى حقيقة الزهد بحذافيره وضرب أروع المثل في الزهد في الدنيا والعزوف عنها والرغبة في الآخرة والإقبال عليها ولا عجب فإنه أمين هذه الأمة بنص السنة الصحيحة.
ولما تفرغ الصديق من حرب أهل الردة وحرب مسيلمة الكذاب جهز أمراء الأجناد لفتح الشام، فبعث أبا عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة فتمت وقعة أجنادين بقرب الرملة ونصر الله المؤمنين فجاءت البشرى والصديق في مرض الموت، ثم كانت وقعة فِحْل ووقعة مرج الصُّفَّر وكان قد سير أبو بكر خالدا لغزو العراق ثم بعث إليه لجند الشام، فقطع المفاوز حتى برية السماوة، فأمَّره الصديق على الأمراء كلهم وحاصروا دمشق وتُوفي أبو بكر، فبادر عمر بعزل خالد، - وهذا الذي تبناه عمر دائماً أنه يعزل خالد بن الوليد ولكنه عاتب نفسه بعد ذلك حتى أنه بكى وقال رحم الله أبا بكر كان يعرف الرجال عني -، واستعمل على الكل أبا عبيدة فجاءه التقليد فكتمه مدة وكل هذا من دينه وحلمه - يعني عمر بن الخطاب عزل خالد وأمَّر أبا عبيدة ولكن أبو عبيدة حتى لا يفشل الجند وحتى لا تكون المسألة هوى في نفسه وأنه الأمير ويأتمرون بأمره ترك الكتاب جانبا نحا الكتاب جانبا وجعل الإمارة كما هي حتى انتهت المعركة فأبلغ خالد بما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -. فكتم هذا الكتاب وكل هذا من دينه ولينه وحلمه وتواضعه وزهده وايثاره الخمول وإنكار الذات، فكان فتح دمشق على يده فعند ذلك أظهر التقليد ليعقد الصلح للروم ففتحوا له باب الجابية صلحا، وإذا بخالد قد افتتح البلد عنوة من الباب الشرقي فأمضى لهم أبو عبيدة الصلح فعن المغيرة أن أبا عبيدة صالحهم على أنصاف كنائسهم ومنازلهم، ثم كان أبو عبيدة رأس الإسلام يوم وقعة اليرموك، التي استأصل الله فيها جيوش الروم، وقُتِلَ منهم خلق عظيم.
فانظر بعين البصيرة كيف امتثل حقيقة الزهد وهو " ترك ما لا ينفعُ في الآخرة " فقد نئى بنفسه عن الاختلاف وعمل بأمانة وهو أمين حق أمين على جمع كلمة المسلمين نابذاً الدنيا وحظوظها وراء ظهره، فلم يحرص على أن يكون له المكانة ولا أن يمون هو الأمير لأنه آيةٌ في الزهد فلا يحرص على سلطان الدنيا بل ويفر منه فرار المجذوم من الأسد، وللأنه يعلم أن الحرص على المكانة والجاه والشرف في الدين يضر دينه ويفسده فساداً كبيراً أكبر من الفساد الحاصل من إطلاق ذئبان جائعان على غنم وتأمل في الحديث الآتي بعين الاعتبار:
(حديث كعب بن مالك في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسدَ لها من حرص المرء على المال و الشرف لدينه.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(ما) بمعنى ليس
(ذئبان جائعان) صفة له وفي رواية عاديان والعادي الظالم المتجاوز للحد
(أرسلا في غنم) الجملة في محل رفع صفة
(بأفسد) خبر ما والباء زائدة أي أشد فساداً والضمير في
(لها) للغنم واعتبر فيه الجنسية فلذا أنث وقوله
(من حرص المرء على المال والشرف) عطف على المال والمراد به الجاه والمنصب
(لدينه) اللام فيه للبيان، نحوها في قوله ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ فكأنه قيل هنا بأفسد لأي شيء؟ قيل لدينه، ذكره الطيبي،
فمقصود الحديث أن الحرص على المال والشرف أكثر إفساداً [ص 446] للدين من إفساد الذئبين للغنم لأن ذلك الأشر والبطر يستفز صاحبه ويأخذ به إلى ما يضره وذلك مذموم لاستدعائه العلو في الأرض والفساد المذمومين شرعاً، قال الحكيم: وضع اللّه الحرص في هذه الأمة ثم زمه في المؤمنين بزمام التوحيد واليقين وقطع علائق الحرص بنور السبحات فمن كان حظه من نور اليقين ونور السبحات أوفر كان وثاق حرصه أوثق والحرص يحتاجه الآدمي لكن بقدر معلوم وإذا لم يكن لحرصه وثاق وهبت رياحه استفزت النفس فتعدى القدر المحتاج إليه فأفسد وعرف بعضهم الحرص بأنه مدد القوة الموضوعة في الآدمي ومثيرها وعمادها.
ومن الصور المشرقة من زهد أمين هذه الأمة أبي عبيدة بن الجراح:
أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب زار الشام، وسأل مستقبليه:
أين أخي.. ؟
فيقولون من.. ؟
فيجيبهم: أبو عبيدة بن الجراح
ويأتي أبو عبيدة، فيعانقه أمير المؤمنين عمر.. ثم يصحبه إلى داره، فلا يجد فيها من
الأثاث شيئا.. لا يجد إلا سيفه، وترسه ورحله..
ويسأله عمر وهو يبتسم:
" ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس".. ؟
فيجيبه أبو عبيدة:
" يا أمير المؤمنين، هذا يبلّغني المقيل".. !!
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن عمر أن عمر حين قدم الشام قال لأبي عبيدة اذهب بنا إلى منزلك قال وما تصنع عندي ما تريد إلا أن تعصر عينيك علي قال فدخل فلم ير شيئا قال أين متاعك لا أرى إلا لبدا وصحفة وشنا وأنت أمير أعندك طعام فقام أبو عبيدة إلى جونة فأخذ منها كسيرات فبكى عمر فقال له أبو عبيدة قد قلت لك إنك ستعصر عينيك علي يا أمير المؤمنين يكفيك ما يبلغك المقيل قال عمر: غَيَّرَتْنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة.
قال الذهبي رحمه الله: وهذا والله هو الزهد الخالص لا زهد من كان فقيرا معدما.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن مالك أن عمر أرسل إلى أبي عبيدة بأربعة آلاف أو بأربع مئة دينار وقال للرسول انظر ما يصنع بها قال فقسمها أبو عبيدة ثم أرسل إلى معاذ بمثلها قال فقسمها الا شيئا قالت له امرأته نحتاج إليه فلما أخبر الرسول عمر قال الحمد لله الذي جعل في الإسلام من يصنع هذا.
ومن الصور المشرقة من زهد أمين هذه الأمة أبي عبيدة بن الجراح:
أنه سار تحت راية الإسلام أنذى سارت، جنديّا، إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة، كأنه بفضله وبإقدامه الأمير.. وأميرا، كأن بتواضعه وبإخلاصه واحدا من عامة المقاتلين..
وعندما كان خالد بن الوليد.. يقود جيوش الإسلام في إحدى المعارك الفاصلة الكبرى.. واستهل أمير المؤمنين عمر عهده بتولية أبي عبيدة مكان خالد..
لم يكد أبا عبيدة يستقبل مبعوث عمر بهذا الأمر الجديد، حتى استكتمه الخبر، وكتمه هو في نفسه طاويا عليه صدر زاهد، فطن، أمين.. حتى أتمّ القائد خالد فتحه العظيم..
وآنئذ، تقدّم إليه في أدب جليل بكتاب أمير المؤمنين!!
ويسأله خالد:
" يرحمك الله يا أبا عبيدة.
و ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب".. ؟؟
فيجيبه أمين الأمة:
" إني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا نريد، ولا للدنيا نعمل، كلنا في الله إخوة".!!!
ويصبح أبا عبيدة أمير الأمراء في الشام، ويصير تحت إمرته أكثر جيوش الإسلام طولا وعرضا.. عتادا وعددا
فما كنت تحسبه حين تراه إلا واحدا من المقاتلين.. وفردا عاديا من المسلمين..
وحين ترامى إلى سمعه أحاديث أهل الشام عنه، وانبهارهم بأمير الأمراء هذا.. جمعهم وقام فيهم خطيبا..
فانظروا ماذا قال للذين رآهم يفتنون بقوته، وعظمته، ومكانته..
" يا أيها الناس: إني مسلم من قريش..
وما منكم من أحد، أحمر، ولا أسود، يفضلني بتقوى إلا وددت أني في إهابه".. ّّ
ثالثاً: نماذج من سير الزاهدين من أئمة التابعين رحمهم الله تعالى:
إن النفوس البشرية يصيبها الملل والسآمة والفتور، فكلل عن العمل وفتور عن الطاعة، لكنها ما إن يحدوها الحادي ويقودها الساعي ويذكرها الذاكر سير أولئك الأفذاذ وأخبار الأتقياء وإخبات الصالحين وخشوع الناسكين إلا وتنشط.
ويبدأ عملها من جديد.
فإذا الفتور يصبح حماساً، والكلل يصير عملاً، ولذلك قال أبو حنيفة النعمان بن ثابت: لسير الصالحين أحب إلينا من كثير من الفقه، ذلك لأن الفقه وحده ودراسة العلوم وحدها دون مواعظ تلين لها القلوب أو تذكرة ترق لها الأسماع.
تصبح القلوب أوعية للعلم ولا عمل، تصبح القلوب قاسية كالحجارة أو أشد قسوة فما أحوجنا أيها الأخوة وخاصة طلبة العلم لسير الصالحين وآدابهم واتباع سيرهم والاقتداء بسمتهم ودلّهم.
ولله درُّ من قال:
كرر علي حديثهم يا حادي... فحديثهم يجلو الفؤاد الصادي.
، وإن حياة التابعين فيها مواقف عظيمة تدل على مدى قوة إيمان هؤلاء الناس فلقد ملأوا الدنيا نورا بعلمهم وبأخلاقهم واستطاعوا أن يغتنموا كل وقتهم في طاعة الله تعالى والتقرب إليه، وهاك سير كوكبة مباركة منهم فتأمل بعين في سِيَرِهِم بعينِ البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
سيرة أويس القرني خير التابعين:
أويس القرني خير التابعين، من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، من الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة.
اسم أويس القرني ونسبه:
أويس بن عامر بن جزء بن مالك بن عمرو بن سعد بن عصوان بن قرن المذحجي المرادي.
وقرن بطن من مراد.
﴿تنبيه﴾: أويس القرني: أبو عمرو: أويس، بن عامر، بن جزء، بن مالك، القرني، المرادي اليماني، من سادات التابعين، والأولياء الصالحين، أدرك زمن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأسلم ولكنه لم يلقه، منعه من السفر إليه بره بأمه كما حكى ذلك الحافظ أبو نعيم في " حلية الأولياء " (2/ 87) عن أصبغ بن زيد، فليس هو من الصحابة، وإنما هو من التابعين، ولد ونشأ في اليمن.
مناقب أويس القرني رحمه الله:
قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
سيد العباد، وعلم الأصفياء من الزهاد؛ أويس بن عامر القرني.
بشر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ به، وأوصى به أصحابه.
قال عنه الإمام الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (4/ 19):
" القدوة الزاهد، سيد التابعين في زمانه، كان من أولياء الله المتقين، ومن عباده المخلصين".
وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقب أويس القرني رحمه الله تعالى جملةً وتفصيلاً:
أولاً مناقب أويس القرني جملةً:
(1) أويس القرني خير التابعين بنص السنة الصحيحة:
(2) بحث عمر - رضي الله عنه - عن أويس القرني وسؤاله أن يستغفر له:
(3) زهد أويس القرني:
(4) منزلة أويس القرني: (5) شهادة أويس القرني: ثانياً
مناقب أويس القرني
تفصيلاً:
(1) أويس القرني خير التابعين بنص السنة الصحيحة:
(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن خير التابعين رجل يقال له أويس وله والدة وكان به بياض فمروه فليستغفر لكم.
(2) بحث عمر - رضي الله عنه - عن أويس القرني وسؤاله أن يستغفر له:
(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن أهل الكوفة وفدوا إلى عمر وفيهم رجل ممن كان يسخر بأويس فقال عمر هل ها هنا أحد من القرنيين فجاء ذلك الرجل فقال عمر إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد قال إن رجلا يأتيكم من اليمن يقال له أويس لا يدع باليمن غير أم له قد كان به بياض فدعا الله فأذهبه عنه إلا موضع الدينار أو الدرهم فمن لقيه منكم فليستغفر لكم.
(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر حتى أتى على أويس فقال أنت أويس بن عامر قال نعم قال من مراد ثم من قرن قال نعم قال فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم قال نعم قال لك والدة قال نعم قال سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل فاستغفر لي فاستغفر له فقال له عمر أين تريد قال الكوفة قال ألا أكتب لك إلى عاملها قال أكون في غبراء الناس أحب إلي قال فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم فوافق عمر فسأله عن أويس قال تركته رث البيت قليل المتاع قال سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل فأتى أويسا فقال استغفر لي قال أنت أحدث عهدا بسفر صالح فاستغفر لي قال استغفر لي قال أنت أحدث عهدا بسفر صالح فاستغفر لي قال لقيت عمر قال نعم فاستغفر له ففطن له الناس فانطلق على وجهه قال أسير وكسوته بردة فكان كلما رآه إنسان قال من أين لأويس هذه البردة.
(3) زهد أويس القرني:
كان أويس زاهداً معرضاً عن ملذات الدنيا وزخارفها، وروي أنه كان لديه رداء يلبسه، إذا جلس مسَّ الأرض، وكان يردد قول (اللهم إني أعتذر إليك من كبد جائعة، وجسد عارٍ، وليس لي إلا ما على ظهري وفي بطني).
أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن الشعبي قال: مر رجل من مراد على أويس القرني، فقال: كيف أصبحت، قال: أصبحت أحمد الله، قال: كيف الزمان عليك، قال: كيف الزمان على رجل لو أصبح ظن أن لا يمسي، وإن أمسى ظن أن لا يصبح، فمنشر بالجنة، أو مبشر بالنار.
يا أخا مراد إن الموت وذكره لم يدع لمؤمن فرحاً، وإن علمه بحقوق الله لم يترك له في ماله فضة ولا ذهباً، وإن قيامه بالحق لم يترك له صديقاً.
(4) منزلة أويس القرني:
كانت لأويس منزلة رفيعة عند النبي والأئمة وهاك غيضٌ من فيض وقليلٌ من كثير مما ورد في ذلك:
(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن خير التابعين رجل يقال له أويس وله والدة وكان به بياض فمروه فليستغفر لكم.
بحث عمر - رضي الله عنه - عن أويس القرني وسؤاله أن يستغفر له:
(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن أهل الكوفة وفدوا إلى عمر وفيهم رجل ممن كان يسخر بأويس فقال عمر هل ها هنا أحد من القرنيين فجاء ذلك الرجل فقال عمر إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد قال إن رجلا يأتيكم من اليمن يقال له أويس لا يدع باليمن غير أم له قد كان به بياض فدعا الله فأذهبه عنه إلا موضع الدينار أو الدرهم فمن لقيه منكم فليستغفر لكم.
(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر حتى أتى على أويس فقال أنت أويس بن عامر قال نعم قال من مراد ثم من قرن قال نعم قال فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم قال نعم قال لك والدة قال نعم قال سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل فاستغفر لي فاستغفر له فقال له عمر أين تريد قال الكوفة قال ألا أكتب لك إلى عاملها قال أكون في غبراء الناس أحب إلي قال فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم فوافق عمر فسأله عن أويس قال تركته رث البيت قليل المتاع قال سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل فأتى أويسا فقال استغفر لي قال أنت أحدث عهدا بسفر صالح فاستغفر لي قال استغفر لي قال أنت أحدث عهدا بسفر صالح فاستغفر لي قال لقيت عمر قال نعم فاستغفر له ففطن له الناس فانطلق على وجهه قال أسير وكسوته بردة فكان كلما رآه إنسان قال من أين لأويس هذه البردة.
قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
سيد العباد، وعلم الأصفياء من الزهاد؛ أويس بن عامر القرني.
بشر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ به، وأوصى به أصحابه.
قال عنه الإمام الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (4/ 19):
" القدوة الزاهد، سيد التابعين في زمانه، كان من أولياء الله المتقين، ومن عباده المخلصين".
وقال عنه أحمد بن عبد الله الخزرجي الأنصاري في كتاب خلاصة تهذيب الكمال: أويس القرني سيد التابعين، وله مناقب مشهورة.
عقد الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم بابا في فضائله، وأورد تحته ما أخرجه الإمام مسلم رحمه الله من أحاديث في فضله، منها حديث رقم (2542):
عنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ:
(كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ) فَاسْتَغْفِرْ لِي.
فَاسْتَغْفَرَ لَهُ.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ.
قَالَ: أَلَا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ.
قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَوَافَقَ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسٍ قَالَ: تَرَكْتُهُ رَثَّ الْبَيْتِ قَلِيلَ الْمَتَاعِ.
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ) فَأَتَى أُوَيْسًا فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي.
قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ فَاسْتَغْفِرْ لِي.
قَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي.
قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ فَاسْتَغْفِرْ لِي.
قَالَ: لَقِيتَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ، فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ.
قَالَ أُسَيْرٌ: وَكَسَوْتُهُ بُرْدَةً، فَكَانَ كُلَّمَا رَآهُ إِنْسَانٌ قَالَ: مِنْ أَيْنَ لِأُوَيْسٍ هَذِهِ الْبُرْدَةُ؟)
كما عقد الإمام الحاكم في " المستدرك " (3/ 455) بابا في مناقبه، وقال عنه: " أويس راهب هذه الأمة " انتهى.
ولعل من أعظم ما روي في مناقبه الأحاديث الواردة في شفاعة رجل من أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأناس كثيرين، وقد جاءت من روايات كثيرة، أصحها حديث عبد الله بن أبي الجدعاء مرفوعا:
(حديث عبد الله بن أبي الجدعاء رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم.
فقد صح عن الحسن البصري أن هذا الشافع هو أويس القرني.
قد ذكر العلماء في ترجمته بعض القصص التي تدل على صلاحه وزهده رحمه الله، ومن أشهر مَن روى ذلك الحافظ أبو نعيم في كتابه العظيم " حلية الأولياء "، فكان مما جاء فيه بسنده (2/ 79) عن أبي نضرة عن أسير بن جابر قال: " كان محدث بالكوفة يحدثنا، فاذا فرغ من حديثه يقول: تفرقوا.
ويبقى رهط فيهم رجل يتكلم بكلام لا أسمع أحدا يتكلم بكلامه، فأحببته، ففقدته، فقلت لأصحابي: هل تعرفون رجلا كان مجالسنا كذا وكذا؟ فقال: رجل من القوم: نعم أنا أعرفه، ذاك أويس القرني.
قلت: أفتعرف منزله؟ قال: نعم.
فانطلقت معه حتى جئت حجرته، فخرج إلي فقلت: يا أخي ما حبسك عنا؟ قال: العري.
قال: وكان أصحابه يسخرون به ويؤذونه.
قال: قلت: خذ هذا البرد فالبسه.
قال: لا تفعل، فإنهم إذًا يؤذونني إذا رأوه.
قال: فلم أزل به حتى لبسه، فخرج عليهم، فقالوا: مَن ترون خدع عن برده هذا.
فجاء فوضعه فقال: أترى!
قال: فأتيت المجلس فقلت: ما تريدون من هذا الرجل! قد آذيتموه، الرجل يعرى مرة ويكتسي مرة.
قال: فأخذتهم بلساني أخذا شديدا " انتهى.
وكان لأويس القرني كثير من الكلمات النورانية التي تفيض بالحكمة والموعظة:
قال سفيان الثوري: كان لأويس القرني رداء إذا جلس مس الأرض وكان يقول:
" اللهم إني أعتذر إليك من كل كبد جائعة، وجسد عار، وليس لي إلا ما على ظهري وفي بطني " انتهى.
رواه الحاكم في " المستدرك " (3/ 458)
ومن كلامه أيضا رحمه الله في الحث على الخوف من الله ودوام مراقبته:
" كن في أمر الله كأنك قتلت الناس كلهم " انتهى.
رواه الحاكم في " المستدرك " (3/ 458)
وأخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن أصبغ بن زيد قال:" كان أويس القرني إذا أمسى يقول: هذه ليلة الركوع، فيركع حتى يصبح، وكان يقول إذا أمسى: هذه ليلة السجود، فيسجد حتى يصبح.
وكان إذا أمسى تصدق بما في بيته من الفضل من الطعام والثياب ثم يقول: اللهم من مات جوعا فلا تؤاخذني به، ومن مات عريانا فلا تؤاخذني به " انتهى.
أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن الشعبي قال: الشعبي قال: مر رجل من مراد على أويس القرني، فقال: كيف أصبحت، قال: أصبحت أحمد الله، قال: كيف الزمان عليك، قال: كيف الزمان على رجل لو أصبح ظن أن لا يمسي، وإن أمسى ظن أن لا يصبح، فمنشر بالجنة، أو مبشر بالنار.
يا أخا مراد إن الموت وذكره لم يدع لمؤمن فرحاً، وإن علمه بحقوق الله لم يترك له في ماله فضة ولا ذهباً، وإن قيامه بالحق لم يترك له صديقاً.
(5) شهادة أويس القرني:
قاتل أويس القرني رحمه الله بين يدي أمير المؤمنين على بن أبي طالب في وقعة صفين حتى استشهد أمامه، فلما سقط نظروا إلى جسده الشريف، فإذا به أكثر من أربعين جرح بين طعنة وضربة ورمية.
وكانت شهادته رحمه الله في سنة (37 هـ.)
وفاة أويس القرني رحمه الله:
وأكثر أهل العلم يذهبون إلى أن وفاته كانت يوم صفين سنة (37هـ)، حيث قاتل مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه واستشهد هناك، أسند ذلك الحاكم في " المستدرك " (3/ 460) إلى شريك بن عبد الله وعبد الرحمن بن أبي ليلى وغيرهما.
وذكر آخرون أنه غزا أذربيجان فاستشهد هناك.
انظر: " حلية الأولياء " (2/ 83).
والأول عليه الأكثر، والله أعلم.
سيرة الربيع بن خثيم رحمه الله:
اسم الربيع بن خثيم ونسبه:
الإمام القدوة العابد أبو يزيد الربيع بن خثيم الثوريُّ الكوفيُّ تلميذ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كان إذا رآه قال: " يا أبا يزيد لو رآك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين ". وكفى بهذا شهادة من الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضى الله عنه.
مناقب الربيع بن خثيم
رحمه الله:
كان الربيع بن خثيم رحمه الله من أئمة التابعين، من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، من الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة.
وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقبه رحمه الله تعالى جملة ً وتفصيلا:
أولاً
مناقب الربيع بن خثيم
جملة:
(1) ثناء العلماء على الربيع بن خثيم رحمه الله:
(2) خشية الربيع بن خثيم لله تعالى: (3) إنشغال الربيع بن خثيم بنفسه عن عيوب الناس: (4) وصية الربيع بن خثيم عند موته: (5) من دُررِ مواعظ الربيع بن خثيم: (6) ترك الربيع بن خثيم لفضول المخالطة: (7) تواضع الربيع بن خثيم رحمه الله: (8) حفظ الربيع بن خثيم للسانه: (9) حرص الربيع بن خثيم على صلاة الجماعة: (10) اجتهاد الربيع بن خثيم في قيام الليل: (11) إخفاء الربيع بن خيثم للعمل: ثانياً مناقب الربيع بن خثيم تفصيلا: (1) ثناء العلماء على الربيع بن خثيم رحمه الله:
قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
ومنهم المخبت الورع، المتثبت القنع، الحافظ لسره، الضابط لجهره، المعترف بذنبه، المفتقر إلى ربه، أبو يزيد الربيع بن خثيم، أحد الثمانية من الزهاد.
وقال عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
الربيع بن خيثم ابن عائذ الإمام القدوة العابد أبو يزيد الثوري الكوفي أحد الأعلام أدرك زمان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأرسل عنه وروى عن عبد الله بن مسعود وأبي أيوب الأنصاري وعمرو بن ميمون وهو قليل الرواية إلا أنه كبير الشأن حدث عنه الشعبي وإبراهيم النخعي وهلال بن يساف ومنذر الثوري وهبيرة بن خزيمة وآخرون وكان يعد من عقلاء الرجال روى عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال كان الربيع بن خثيم إذا دخل على ابن مسعود لم يكن له إذن لأحد حتى يفرغ كل واحد من صاحبه فقال له ابن مسعود يا أبا يزيد لو راك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأحبك وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين فهذه منقبة عظيمة للربيع أخبرني بها إسحاق الأسدي.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، قال: كان الربيع بن خثيم إذا دخل على عبد الله بن مسعود لم يكن عليه إذن لأحد حتى يفرغ كل واحد من صاحبه، قال: فقال عبد الله: يا أبا يزيد لو رآك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأحبك، وما رأيتك حتى رأيت المخبتين.
وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ياسين الزيات، قال: جاء ابن الكواء إلى الربيع بن خثيم، قال: دلني على من هو خير منك، قال: نعم من كان منطقه ذكراً، وصمته تفكراً وسيره تدبراً، فهو خير مني.
وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن علقمة بن مرثد، قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين فأما الربيع بن خثيم فقيل له حين أصابه الفالج: لو تداويت، فقال: لقد علمت أن الدواء حق ولكن ذكرت عاداً وثموداً وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً كانت فيهم الأوجاع وكانت لهم الأطباء فلا المداوي بقي ولا المداوى، فقيل له: ألا تذكر الناس؟ قال: ما أنا عن نفسي براض فأتفرغ من ذمها إلى ذم الناس، إن الناس خافوا الله تعالى في ذنوب الناس وأمنوا على ذنوبهم، وقيل له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحنا مذنبين، نأكل أرزاقنا، وننتظر آجالنا.
وكان ابن مسعود إذا رآه قال: وبشر المخبتين، أما إن محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لو رآك لأحبك.
وكان الربيع يقول: أما بعد فأعد زادك، وخذ في جهادك، وكن وصي نفسك.
وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان، قال: أخبرتني سرية الربيع بن خثيم، قالت: كان عمل الربيع كله سراً، إن كان ليجيء الرجل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه.
وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عن الشعبي وذكر أصحاب عبد الله فقال: أما الربيع فأورعهم ورعاً.
وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن منذر الثوري، قال: كان الربيع إذا أتاه الرجل يسأله، قال: اتق الله فيما علمت، وما استؤثر عليك فكله إلى عالمه، لأن عليكم في العمد أخوف مني عليكم في الخطأ، وما خيرتكم اليوم بخير، ولكنه خير من آخر شر منه، وما تتبعون الخير حق اتباعه، وما تفرون من الناس حق فراره، ولا كل ما أنزل إلى محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أدركتم، ولا كل ما تقرءون تدرون ما هو؟ ثم يقول: السرائر السرائر اللاتي تخفين من الناس وهن لله تعالى بواد، التمسوا دواءهن، ثم يقول: وما دواؤهن إلا أن تتوب ثم لا تعود.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن نسير بن ذعلوق، قال: كان الربيع بن خثيم يبكي حتى تبل لحيته دموعه فيقول: أدركنا أقواماً كنا في جنبهم لصوصاً.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض، يقول: كان الربيع بن خثيم يقول في دعائه: أشكو إليك حاجة لا يحسن بثها إليك، وأستغفر منها وأتوب إليك.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي يعلى، قال: كان الربيع إذا قيل له: كيف أصبحتم، يقول: ضعفاء مذنبين نأكل أرزاقنا وننتظر آجالنا.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن سيرين، عن الربيع بن خثيم، قال: أقلوا الكلام إلا بتسع: تسبيح، وتكبير، وتهليل، وسؤالك الخير، وتعوذك من الشر، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، وقراءة القرآن.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان، قال: صحبنا الربيع بن خثيم عشرين سنة فما تكلم إلا بكلمة تصعد.
وقال آخر صحبته سنتين فما كلمني إلا كلمتين.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان الثوري، عن رجل من بني تيم الله.
قال: جالست الربيع عشر سنين فما سمعته يسأل عن شيء من أمر الدنيا إلا مرتين، قال مرة: والدتك حية؟ وقال مرة: كم لكم مسجداً.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مبارك بن سعيد، عن أبيه، قال: قيل لأبي وائل: أأنت أكبر أم الربيع بن خثيم؟ قال: أنا أكبر منه سناً، وهو أكبر مني عقلاً.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عن رجل من أسلم من المبكرين إلى المسجد، قال: كان الربيع بن خثيم إذا سجد كأنه ثوب مطروح، فتجيء العصافير فتقع عليه.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الشعبي حدثنا الربيع وكان من معادن الصدق.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ياسين الزيات قال جاء ابن الكواء إلى الربيع بن خثيم فقال دلني على من هو خير منك قال نعم من كان منطقه ذكر وصمته تفكرا ومسيره تدبرا فهو خير مني.
(2) خشية الربيع بن خثيم رحمه لله تعالى:
كان الربيع بن خثيم رحمه لله تعالى مثلاً أعلى في خشيته لله تعالى ولعل من أبرز المواقف التي تُظهرُ ذلك ظهوراً جلياً موقفه الشريف عندما تعرضت له امرأةٌ بارعة الجمال، فكان موقفه منها موقف الرجل التقي النقي العفيف الحيي الحر الأبيِّ وليس موقف الفاجر الشقي العتي الغوي الذي يسير أسيراً ذليللاً وراء شهواته وهاك الموقف فتأمله بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
أمرَ قومٌ امرأةً ذات جمال بارع أن تتعرض للربيع ابن خيثم لعلها تفتنه، وجعلوا لها إن فعلت ذلك ألف درهم!
فلبست أحسن ما قدرت عليه من الثياب، وتطيبت بأطيب ما قدرت عليه، ثم تعرضت له حين خرج من مسجده.
فنظر إليها، فراعه أمرها، فأقبلت عليه وهي سافرة.
فقال لها الربيع: كيف بك لو قد نزلت الحمى بجسمك، فغيرت ما أرى من لونك وبهجتك؟ أم كيف بك لو قد نزل بك ملك الموت، فقطع منك حبل الوتين؟
أم كيف بك لو سألك منكر ونكير؟
فصرخت المرأة صرخة، فخرت مغشيا عليها، فوالله لقد أفاقت، وبلغت من عبادة ربها ما أنها كانت يوم ماتت كأنها جذع محترق.
﴿تنبيه﴾: للافتتان بالمرأة شرطان متلازمان:
(1) أن تخضع بالقول
(2) أن يكون الرجل في قلبه مرض مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (سورة الأحزاب/32)
فالمرأةُ خضعت بالقول لكن الربيع ابن خيثم لم يكن في قلبه مرض كحال الذين يسيل لعابهم وراء الشهوات والعياذ بالله فحصل له النجاة لذلك.
ودونك ما تيسر من المواقف الأخرى الدالة على مدى خشية الربيع بن خثيم رحمه لله تعالى:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن بكر بن ماعز، قال: انطلق الربيع بن خثيم وعبد الله بن مسعود إلى شاطئ الفرات فمر بتلك الحدادين فلما رأى تلك النيران خر مغشياً عليه، فرجع إليه فقال: يا ربيع، فلم يجبه، فانطلق فصلى بالناس العصر ثم رجع إليه، فقال: يا ربيع يا ربيع، فلم يجبه، ثم انطلق فصلى بالناس المغرب ثم رجع، فقال: يا ربيع يا ربيع، فلم يجبه، حتى ضربه برد السحر.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي وائل، قال: خرجنا مع عبد الله بن مسعود ومعنا الربيع بن خثيم، فمررنا على حداد فقام عبد الله ينظر حديدة في النار، فنظر ربيع إليها فتمايل ليسقط، فمضى عبد الله حتى أتينا على أتون على شاطئ الفرات فلما رأى عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ قوله تعالى: (إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيّظاً وَزَفِيراً وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً مّقَرّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً) [الفرقان 12: 13]. قال: فصعق الربيع فاحتملناه فجئنا به إلى أهله، قال: ثم رابطه إلى المغرب قلم يفق، ثم أنه أفاق فرجع عبد الله إلى أهله.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مالك بن دينار يقول: قالت ابنة الربيع للربيع: يا أبت لما لا تنام والناس ينامون؟ فقال: إن البيات النار لا تدع أباك أن ينام.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن غسان بن المفضل الغلابي، قال: سمعت من يذكر أن الربيع بن خثيم كان بالأهواز ومعه صاحب له، فنظرت إليه امرأة فتعرضت له فدعته إلى نفسها، فبكى الشيخ، فقال له صاحبه: ما يبكيك؟ قال: إنها تطمع في شيخين ألا رأت شيوخاً مثلنا.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الرحمن بن عجلان، قال: بت عند الربيع بن خثيم ذات ليلة فقام يصلي.
فمر بهذه الآية: (أَمْ حَسِبَ الّذِينَ اجْتَرَحُواْ السّيّئَاتِ أَن نّجْعَلَهُمْ كَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَوَآءً مّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية: 21].
فمكث ليلته حتى أصبح ما جاوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حماد الأصم الحماني، عمن حدثه، عن بعض أصحاب الربيع، قال: ربما علمنا شَعَرَهُ عند المساء وكان ذا وفرة ثم يصبح والعلامة كما هي، فيعرف أن الربيع لم يضع جنبه ليلة على فراشه.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان، قال: بلغنا أن أم الربيع بن خثيم كانت تنادي ابنها الربيع فتقول: يا بني يا ربيع ألا تنام؟ فيقول: يا أمه من جن عليه الليل وهو يخاف البيات حق له أن لا ينام.
قال: فلما بلغ ورأت ما يلقى من البكاء والسهر نادته فقالت: يا بني لعلك قتلت قتيلا؟ فقال: نعم يا والدة قد قتلت قتيلاً.
قالت: ومن هذا القتيل يا بني حتى يتحمل على أهله فيعفون؟ والله لو يعلمون ما تلقى من البكاء والسهر بعد لقد رحموك، فيقول: يا والدة هي نفسي.
(3) إنشغال الربيع بن خثيم بنفسه عن عيوب الناس:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الله بن محمد الكواء، أنه قال للربيع: ما تراك تعيب أحداً ولا تذمه؟ فقال: ويلك يا ابن الكواء ما أنا عن نفسي براض فأتفرغ من ذنبي إلى حديث، إن الناس خافوا الله تعالى على ذنوب الناس وآمنوه على نفوسهم.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عن بكر بن ماعز، قال: قال الربيع بن خثيم: الناس رجلان مؤمن وجاهل، فأما المؤمن فلا تؤذه، وأما الجاهل فلا تجاهله.
(4) وصية الربيع بن خثيم عند موته:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ربيع بن خيثم أنه أوصى عند موته، فقال: هذا ما أوصى به الربيع على نفسه وأشهد الله عليه وكفى به شهيداً، وجازياً لعباده الصالحين ومثيباً، إني رضيت بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً، ورضيت لنفسي ومن أطاعني بأن أعبد الله في العابدين، وأحمده في الحامدين، وأنصح لجماعة المسلمين.
(5) من دُررِ مواعظ الربيع بن خثيم:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الملك بن الأصبهاني، عن جدته، عن الربيع بن خثيم، أنه قال لأصحابه: تدرون ما الداء والدواء والشفاء؟ قالوا: لا، قال: الداء الذنوب، والدواء الاستغفار، والشفاء أن تتوب ثم لا تعود.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان يقول: قال الربيع بن خثيم: أريدوا بهذا الخير الله تنالوه لا بغيره، وأكثروا ذكر هذا الموت الذي لم تذوقوا قبله مثله، فإن الغائب إذا طالت غيبته وجبت محبته، وانتظره أهله، وأوشك أن يقدم عليهم.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الربيع بن المنذر، عن أبيه، قال: قال الربيع: يا منذر، قلت: لبيك، قال: لا يغرنك كثرة ثناء الناس من نفسك فإنه خالص إليك عملك.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي يعلى، عن الربيع بن خثيم، قال: ما غائب ينتظره المؤمن خير من الموت.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عن بكر بن ماعز، قال: كان الربيع يقول: أكثروا ذكر هذا الموت الذي لم تذوقوا قبله مثله.
(6) ترك الربيع بن خثيم لفضول المخالطة:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حسن يعني ابن صالح قال: قيل للربيع بن خثيم: لو جالستنا؟ فقال: لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة فسد علي.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الشعبي، قال: ما جلس الربيع في مجلس منذ تأزر، وقال: أخاف أن يظلم رجلاً فلا أنصره، أو يعتدي رجل على رجل فأكلف عليه الشهادة، ولا أغض البصر، ولا أهدي السبيل أو يقع الحامل فلا أحمل عليه.
(7) تواضع الربيع بن خثيم رحمه الله:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن منذر، عن الربيع بن خثيم: أنه كان يكنس الحش بنفسه، فقيل له: إنك تكفي هذا، قال: إني أحب أن آخذ نصيبي من المهنة.
وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ياسين الزيات، قال: جاء ابن الكواء إلى الربيع بن خثيم، قال: دلني على من هو خير منك، قال: نعم من كان منطقه ذكراً، وصمته تفكراً وسيره تدبراً، فهو خير مني.
(8) حفظ الربيع بن خثيم للسانه:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن بلال بن المنذر، قال: قال رجل: إن لم أستخرج اليوم سيئة من الربيع لأحد لم أستخرجها أبداً، قال: قلت: يا أبا يزيد قتل ابن فاطمة عليهما السلام، قال: فاسترجع ثم تلا هذه الآية: قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا يختلفون.
قال: قلت: ما تقول؟ قال: ما أقول: إلى الله إيابهم وعلى الله حسابهم.
(9) حرص الربيع بن خثيم على صلاة الجماعة:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبو حيان، قال: حدثني أبي، قال: كان الربيع بعد ما سقط شقه يهادى بين رجلين إلى مسجد قومه، وكان أصحاب عبد الله يقولون: يا أبا يزيد لقد رخص الله لك لو صليت في بيتك، فيقول: إنه كنا تقولون، ولكني سمعته ينادي حي على الفلاح، فمن سمع منكم ينادي حي على الفلاح فليجبه ولو زحفاً، ولو حبوا.
أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي حيان عن أبيه قال كان الربيع بن خثيم يقاد إلى الصلاة وبه الفالج فقيل له قد رخص لك قال إني أسمع وحي على الصلاة فإن استطعتم أن تأتوها ولو حبوا.
(10) اجتهاد الربيع بن خثيم في قيام الليل:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الرحمن بن عجلان، قال: بت عند الربيع بن خثيم ذات ليلة فقام يصلي.
فمر بهذه الآية: (أَمْ حَسِبَ الّذِينَ اجْتَرَحُواْ السّيّئَاتِ أَن نّجْعَلَهُمْ كَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَوَآءً مّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية: 21].
فمكث ليلته حتى أصبح ما جاوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حماد الأصم الحماني، عمن حدثه، عن بعض أصحاب الربيع، قال: ربما علمنا شَعَرَهُ عند المساء وكان ذا وفرة ثم يصبح والعلامة كما هي، فيعرف أن الربيع لم يضع جنبه ليلة على فراشه.
وأورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابنة الربيع قالت كنت أقول يا أبتاه ألا تنام فيقول كيف ينام من يخاف البيات.
(11) إخفاء الربيع بن خيثم للعمل:
كان الربيع بن خيثم آيةًً في إخفاء العمل بمتثل قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحديث الآتي:
(حديث سعد ابن أبي وقاص في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي.
الغني: الغني عن الناس
الخفي: من لا يريد علواً في الأرض ولا مناصب ولا جاه.
الخامل المنقطع إلى العبادة والانشغال بأمور نفسه.
وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان، قال: أخبرتني سرية الربيع بن خثيم، قالت: كان عمل الربيع كله سراً، إن كان ليجيء الرجل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه.
﴿تنبيه﴾: عمل الخلوة كان أحب إلى السلف من عمل الجلوة، وكان السلف يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح لا يعلم عنها زوجة ولا غيرها، امتثالاً للحديث الآتي:
(حديث الزبير بن العوام في صحيح الجامع أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من استطاع منكم أن يكون له خَبِءٌ من عمل صالح فليفعل.
خَِبٌِء من عمل صالح: أي من الأعمال الخفيّة التي لا يطّلع عليها أحد من الناس, خالية من الرياء, فتكون خالصة لله تبارك و تعالى مثل صلاة النافلة في جوف الليل أو صدقة السر أو أي عمل آخر من الأعمال الصالحة.
وفاة الربيع بن خيثم:
قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: قيل توفي الربيع بن خيثم سنة خمس وستين.
سيرة أبي مسلم الخولاني رحمه الله:
اسم أبي مسلم الخولاني ونسبه:
قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: اسمه على الأصح عبد الله بن ثوب وقيل اسمه عبد الله بن عبد الله وقيل عبد الله بن ثواب وقيل ابن عبيد ويقال اسمه يعقوب بن عوف قدم من اليمن وقد أسلم في أيام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فدخل المدينة في خلافة الصديق.
مناقب أبي مسلم الخولاني
رحمه الله تعالى:
كان من أئمة التابعين، من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، من الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة.
وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقب أبي مسلم الخولاني جملةً وتفصيلا:
أولاً مناقب أبي مسلم الخولاني جملةً:
(1) ثناء العلماء على أبي مسلم الخولاني:
(2) نصح أبي مسلم الخولاني للولاة:
(3) زهد أبي مسلم الخولاني في الدنيا: (4) اجتهاد أبي مسلم الخولاني في العبادة: (5) النار لم تضر أبو مسلم الخولاني حين طُرِح فيها: (6) أبو مسلم الخولاني مستجاب الدعوة: ثانياً مناقب أبي مسلم الخولاني تفصيلا: (1) ثناء العلماء على أبي مسلم الخولاني:
قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
ومنهم المتخلي عن الهموم والكرب، المتسلي بالأوراد والنوب، الخولاني أبو مسلم عبد الله بن ثوب، حكيم الأمة وممثلها، ومديم الخدمة ومحررها.
قال عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
سيد التابعين وزاهد العصر اسمه على الأصح عبد الله بن ثوب قدم من اليمن وقد أسلم في أيام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يلقى النبي فدخل المدينة في خلافة الصديق.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن علقمة بن مرثد، قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين منهم أبو مسلم الخولاني، وكان لا يجالس أحداً قط، ولا يتكلم في شيء من أمر الدنيا إلا تحول عنه، فدخل ذات يوم المسجد فنظر إلى نفر قد اجتمعوا فَرَجَا أن يكونوا على ذكر خير فجلس إليهم، فإذا بعضهم يقول قدم غلامي فأصاب كذا وكذا، وقال آخر: جهزت غلامي، فنظر إليهم، فقال: سبحان الله أتدرون ما مثلي ومثلكم؟ كرجل أصابه مطر غزير وابل فالتفت فإذا هو بمصراعين عظيمين، فقال: لو دخلت هذا البيت حتى يذهب عني هذا المطر، فدخل فإذا البيت لا سقف له، جلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على ذكر وخير فإذا أنتم أصحاب الدنيا.
وقال له قائل.
حين كبر ورق: لو قصرت عن بعض ما تصنع؟ فقال: أرأيتم لو أرسلتم الخيل في الحلبة ألستم تقولون لفارسها دعها وارفق بها، حتى إذا رأيتم الغاية فلا تستبقوا منها شيئاً؟ قالوا: بلى، قال: فإني أبصرت الغاية وإن لكل ساع غاية، وغاية كل ساع الموت، فسابق ومسبوق.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن لهيعة، قال: حدثنا ابن هبيرة: أن كعباً كان يقول: إن حكيم هذه الأمة أبو مسلم الخولاني.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان، قال: سمعت أبا هارون موسى بن عيسى، يقول: كان يقال أن أبا مسلم الخولاني ممثل هذه الأمة.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شرحبيل بن مسلم: أن رجلين أتيا أبا مسلم الخولاني في منزله، فقال بعض أهله: هو في المسجد، فأتيا المسجد فوجداه يركع فانتظرا انصرافه وأحصيا ركوعه فأحصى أحدهما أنه ركع ثلثمائة، والآخر أربعمائة قبل أن ينصرف.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عطية بن قيس: أن أناساً من أهل دمشق أتوا أبا مسلم الخولاني في منزله وكان غازياً بأرض الروم فوجدوه قد احتفر في فسطاطه حفرة ووضع في الحفرة قطعاً وأفرغ ماء فهو يتصلق فيه وهو صائم، فقال له النفر: ما يحملك على الصيام وأنت مسافر وقد رخص الله تعالى لك الفطر في السفر والغزو، فقال: لو حضر قتال لأفطرت وتقويت للقتال، إن الخيل لا تجري الغايات وهي بدنى، إنما تجري وهي ضمرات، إن بين أيدينا أياماً لها نعمل.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عثمان بن أبي العاتكة، قال: كان من أمر أبي مسلم الخولاني أن علق سوطاً في مسجده ويقول: أنا أولى بالسوط من الدواب، فإذا دخلته فترة مشق ساقه سوطاً أو سوطين.
وكان يقول: لو رأيت الجنة عياناً ما كان عندي مستزاد، ولو رأيت النار عياناً ما كان عندي مستزاد.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن محمد بن شعيب، عن بعض مشيخة دمشق، قال: أقبلنا من أرض الروم، قال: فلما خرجنا من حمص متوجهين إلى دمشق مررنا بالعمير الذي يلي حمص على نحو من أربعة أميال في آخر الليل، فلما سمع الراهب الذي في الصومعة كلامنا اطلع إلينا.
فقال: من أنتم؟ فقلنا: ناس من أهل دمشق أقبلنا من أرض الروم، فقال: هل تعرفون أبا مسلم الخولاني؟ فقلنا: نعم، قال: فإذا أتيتموه فأقرئوه السلام وأعلموه أنا نجده في الكتب رفيق عيسى بن مريم عليه السلام، أما إنكم إن كنتم تعرفونه لا تجدونه حياً.
قال: فلما أشرفنا الغوطة بلغنا موته.
(2) نصح أبي مسلم الخولاني للولاة:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي عبد الله الحرسي وكان من حرس عمر بن عبد العزيز قال: دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان وقال: السلام عليكم أيها الأجير، فقال الناس الأمير يا أبا مسلم، ثم قال: السلام عليك أيها الأجير، فقال الناس: الأمير؟ فقال: معاوية دعوا أبا مسلم هو أعلم بما يقول، قال أبو مسلم: إنما مثلك مثل رجل استأجر أجيراً فولاه ماشيته وجعل له الأجر على أن يحسن الرعية ويوفر جزازها وألبانها، فإن هو أحسن رعيتها ووفر جزازها حتى تلحق الصغيرة وتسمن العجفاء أعطاه أجره وزاد من قبله زيادة، وإن هو لم يحسن رعيتها وأضاعها حتى تهلك العجفاء وتعجف السمينة ولم يوفر جزازها وألبانها غضب عليه صاحب الأجر فعاقبه ولم يعطه الأجر، فقال معاوية: ما شاء الله كان.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبيد الله بن شميط، عن أبيه، قال: كان أبو مسلم الخولاني يطوف بنعي الإسلام، فأتى معاوية فقيل له فأرسل إليه فدعاه فقال له: ما اسمك؟ قال معاوية: قلت: بل أنت حدوثة قبر عن قليل، إن عملت خيراً أجزيت به وإن عملت شراً أجزيت به، يا معاوية إن عدلت على أهل الأرض جميعاً ثم جرت على رجل واحد مال جورك بعدلك.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي مسلم الخولاني: أنه نادى معاوية بن أبي سفيان وهو جالس على منبر دمشق، فقال: يا معاوية إنما أنت قبر من القبور إن جئت بشيء كان لك شيء، وإن لم تجيء بشيء فلا شيء لك يا معاوية، لا تحسبن الخلافة جمع المال وتفرقه ولكن الخلافة العمل بالحق، والقول بالمعدلة، وأخذ الناس في ذات الله عز وجل، يا معاوية إنا لا نبالي بكدر الأنهار ما صفت لنا رأس عيننا وإنك رأس عيننا، يا معاوية إياك أن تخيف على قبيلة من قبائل العرب فيذهب حيفك بعدلك فلما قضى أبو مسلم مقالته أقبل عليه معاوية فقال: يرحمك الله.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي مسلم الخولاني، عن معاوية بن أبي سفيان: أنه خطب الناس وقد حبس العطاء شهرين أو ثلاثة فقال له أبو مسلم: يا معاوية إن هذا المال ليس بمالك ولا بمال أبيك ولا مال أمك، فأشار معاوية إلى الناس أن امكثوا.
ونزل فاغتسل ثم رجع فقال: أيها الناس إن أبا مسلم ذكر أن هذا المال ليس بمالي وليس بمال أبي ولا أمي وصدق أبو مسلم، إني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: الغضب من الشيطان، والشيطان من النار، والماء يطفئ النار، فإذا غضب أحدكم فليغتسل، اغدوا على عطاياكم على بركة الله عز وجل.
(3) زهد أبي مسلم الخولاني في الدنيا:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمر بن سيف الخولاني أنه سمع أبا مسلم الخولاني، يقول: لأن يولد لي مولود يحسن الله نباته حتى إذا استوى على شبابه وكان أعجب ما يكون إلي قبضه الله مني أحب إلي من أن يكون لي الدنيا وما فيها.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي مسلم الخولاني، أنه كان إذا وقف على خربة، قال: يا خربة أين أهلك؟ ذهبوا وبقيت أعمالهم، وانقطعت الشهوات وبقيت الخطيئة، ابن آدم ترك الخطيئة أهون من طلب التوبة.
(4) اجتهاد أبي مسلم الخولاني في العبادة:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شرحبيل بن مسلم: أن رجلين أتيا أبا مسلم الخولاني في منزله، فقال بعض أهله: هو في المسجد، فأتيا المسجد فوجداه يركع فانتظرا انصرافه وأحصيا ركوعه فأحصى أحدهما أنه ركع ثلثمائة، والآخر أربعمائة قبل أن ينصرف.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عطية بن قيس: أن أناساً من أهل دمشق أتوا أبا مسلم الخولاني في منزله وكان غازياً بأرض الروم فوجدوه قد احتفر في فسطاطه حفرة ووضع في الحفرة قطعاً وأفرغ ماء فهو يتصلق فيه وهو صائم، فقال له النفر: ما يحملك على الصيام وأنت مسافر وقد رخص الله تعالى لك الفطر في السفر والغزو، فقال: لو حضر قتال لأفطرت وتقويت للقتال، إن الخيل لا تجري الغايات وهي بدنى، إنما تجري وهي ضمرات، إن بين أيدينا أياماً لها نعمل.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عثمان بن أبي العاتكة، قال: كان من أمر أبي مسلم الخولاني أن علق سوطاً في مسجده ويقول: أنا أولى بالسوط من الدواب، فإذا دخلته فترة مشق ساقه سوطاً أو سوطين.
وكان يقول: لو رأيت الجنة عياناً ما كان عندي مستزاد، ولو رأيت النار عياناً ما كان عندي مستزاد.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يزيد يعني ابن جابر قال: كان أبو مسلم الخولاني يكثر أن يرفع صوته بالتكبير حتى مع الصبيان، وكان يقول: اذكروا الله حتى يرى الجاهل أنكم مجانين.
(5) النار لم تضر أبو مسلم الخولاني حين طُرِح فيها:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شرحبيل الخولاني، قال: بينا الأسود بن قيس ابن ذي الحمار العنسي باليمن فأرسل إلى أبي مسلم، فقال له: أتشهد أن محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله؟ قال: نعم، قال: فتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: فأمر بنار عظيمة فأججت وطرح فيها أبو مسلم فلم تضره، فقال له أهل مملكته: إن تركت هذا في بلدك أفسدها عليك، فأمره بالرحيل فقدم المدينة وقد قبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واستخلف أبو بكر، فعقل على باب المسجد وقام إلى سارية من سواري المسجد يصلي إليها، فبصره به عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فأتاه فقال: من أين الرجل؟ قال: من اليمن، قال: فما فعل عدو الله بصاحبنا الذي حرقه بالنار فلم تضره، قال: ذاك عبد الله بن ثوب، قال: نشدتك بالله أنت هو؟ قال: اللهم نعم، قال: فقبل ما بين عينيه ثم جاء به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر، وقال: الحمد لله الذي يمتني من الدنيا حتى أراني في أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن عليه السلام، قال الحوطي: قال إسماعيل: فأنا أدركت قوماً من المدادين الذين مدوا من اليمن يقولون لقوم عن عنس: صاحبكم الذي حرق صاحبنا بالنار فلم تضره.
وأورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن شرحبيل بن مسلم قال أتى أبو مسلم الخولاني المدينة وقد قبض النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَواستخلف أبو بكر فحدثنا شرحبيل أن الأسود تنبأ باليمن فبعث إلى أبي مسلم فأتاه بنار عظيمة ثم إنه ألقى أبا مسلم فيها فلم تضره فقيل للأسود إن لم تنف هذا عنك افسد عليك من اتبعك فأمره بالرحيل فقدم المدينة فاناخ راحلته ودخل المسجد يصلي فبصر به عمر رضي الله عنه فقام إليه فقال ممن الرجل قال من اليمن قال ما فعل الذي حرقه الكذاب بالنار قال ذاك عبد الله بن ثوب قال نشدتك بالله أنت هو قال اللهم نعم فاعتنقه عمر وبكى ثم ذهب به حتى أجلسه فيما بينه وبين الصديق فقال الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في امة محمد من صنع به كما صنع بإبراهيم الخليل.
(6) أبو مسلم الخولاني مستجاب الدعوة:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن بلال بن كعب العكي، قال: كان الظبي يمر بأبي مسلم الخولاني فيقول له الصبيان: ادع الله يحبسه علينا نأخذه بأيدينا، فكان يدعو الله عز وجل فيحبسه حتى يأخذوه بأيديهم.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، قال: كان أبو مسلم الخولاني إذا انصرف إلى منزله من المسجد كبر على باب منزله فتكبر امرأته، فإذا كان في صحن داره كبر فتجيبه امرأته، وإذا بلغ باب بيته كبر فتجيبه امرأته، فانصرف ذات ليلة فكبر عند باب داره فلم يجبه أحد، فلما كان في الصحن كبر فلم يجبه أحد فلما كان عند باب بيته كبر فلم يجبه أحد، وكان إذا دخل بيته أخذت امرأته رداءه ونعليه ثم أتته بطعامه، قال: فدخل البيت فإذا البيت ليس فيه سراج وإذا امرأته جالسة في البيت منكسة تنكت بعود معها، فقال لها: مالك؟ قالت: أنت لك منزلة من معاوية وليس لنا خادم فلو سألته فأخدمنا وأعطاك، فقال: اللهم من أفسد على امرأتي فأعم بصرها، قال: وقد جاءتها امرأة قبل ذلك، فقالت لها: زوجك له منزلة من معاوية فلو قلت له يسأل معاوية يخدمه ويعطيه عشتم، قال: فبينا تلك المرأة جالسة في بيتها إذ أنكرت بصرها، فقالت: ما لسراجكم طفئ؟ قالوا: لا، فعرفت ذنبها فأقبلت إلى أبي مسلم تبكي وتسأله أن يدعو الله عز وجل لها أن يرد عليها بصرها، قال: فرحمها أبو مسلم فدعا الله لها فرد عليها بصرها.
وفاة أبي مسلم الخولاني رحمه الله:
قال سعيد بن عبد العزيز: مات أبو مسلم بأرض الروم وكان مع بسر بن أبي أرطاة فأدركه أجله فعاده بسر فقال له أبو مسلم: يا بسر اعقد لي على من مات في هذه الغزاة فإني أرجو أن آتي بهم يوم القيامة على لوائهم.
قال أحمد بن حنبل: حُدِّثنا عن محمد بن شعيب عن بعض المشيخة قال: أقبلنا من أرض الروم مررنا بالعمير على أربعة أميال من حمص في آخر الليل، فاطلع راهب من صومعة، فقال: هل تعرفون أبا مسلم الخولاني؟ قلنا: نعم.
قال: إذا أتيتموه، فأقرِئُوه السلام؛ فإنا نجده في الكتب رفيق عيسى ابن مريم.
أما إنكم لا تجدونه حيا.
قال: فلما أشرفنا على الغُوطة، بلغنا موته.
قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: يعني سمعوا ذلك، وكانت وفاته بأرض الروم.
وروى إسماعيل بن عيَّاش، عن شُرَحْبيل بن مسلم، عن سعيد بن هانئ قال، قال معاوية: إنما المصيبة كل المصيبة بموت أبي مسلم الخولاني، وكُرَيب بن سيف الأنصاري.
سيرة الحسن البصري رحمه الله:
إنه الحسن بن أبي الحسن يسار، الإمام شيخ الإسلام أبو سعيد البصري المشهور بالحسن البصري، وصف الحسن البصري رحمه الله بأنه من كان من سادات التابعين وكبرائهم، وجمع كل فن من علم وزهد وورع وعبادة ومن القلائل الذين أجرى الله الحكمة على ألسنتهم فكان كلامه حكمة وبلاغة إنه التابعي الجليل الحسن البصري، ولا غَرْوَ ولا عجب فقد وُلِدَ رحمه الله تعالى في بيت تقى وصلاح، وفي بيت علم وهداية، وُلِدَ في بيتٍ تُلِيَ فيه القرآن تلي وعلى أصحابه تنزل، فقد كان مولده في بيت أم سلمة رضي الله عنها، إذ كانت أمه مولاة لها، وزاده قَدَرُ الله مَيْزَة أخرى، فلم يكن بيت أم سلمة رضي الله عنها مولده فحسب، بل لقد كان حجرها غطاءه، وصدرها سقاءه، فأدفته بصدرها، وأرضعته لبنها، وشاء الله أن يدر له منها لبنًا، فكان لبنًا مباركًا، غذى به ذرب اللسان، قوي الحجة والبيان، إن تحدث فجدير لأن يسمع له، وإن سئل فجدير بأن يجيب، إن وعظ علا صوته، وجرى دمعه، وبدا إخلاصه، فيظهر على الناس الأثر، يسبق فعله كلامه، كما يسبق ضوء الفجر وهج الشمس، مَنَّ الله تعالى عليه بأمور كثيرة رفعه بها بين الناس، وإن لم يكن ذا نسب رفيع، لكنه رفعه علمه وفضله وتقاه، طلب الحكام منه النصيحة فنصحهم، والعظة فوعظهم، وأعطوه أجرًا فرده وزجرهم، فهو لا يريد من البشر أجرًا إنما كان شعاره " إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى " [هود: 29] فنعم الأجر هو، ونعم الرجل كان، إنه حليف الخوف والحزن، أليف الهم والشجن، إنه الحسن البصري رحمه الله.
اسم الحسن البصري ونسبه:
هو أبو سعيد، الحسن بن أبي الحسن بن يسار، كان أبوه مولى لزيد بن ثابت الأنصاري، وكان يسار من سبي حسان، سكن المدينة، وأعتق وتزوج في خلافة عمر رضي الله عنه بأم الحسن واسمها خيرة، كانت مولاة لأم المؤمنين أم سلمة المخزومية.
نشأة الحسن البصري رحمه الله:
ولد الحسن رحمه الله لسنتين بقيتا من خلافه عمر رضي الله عنه وذهب به إلى عمر فحنكه، ولما علمت أم المؤمنين أم سلمة بالخبر أرسلت رسولاً ليحمل إليها الحسن، وأمه لتقضي نفاسها في بيت أم سلمة رضي الله عنها، فلما وقعت عينها على الحسن وقع حبه في قلبها، فقد كان الوليد الصغير قسيمًا وسيمًا، بهي الطلعة، تام الخلقة، يملأ عين مجتليه، ويأسر فؤاد رائيه، ويسر عين ناظريه، وسمته أم المؤمنين رضي الله عنها بالحسن، ولم تكن البشرى لتقتصر على بيت أم سلمة رضي الله عنها فحسب؛ بل عمت الفرحة دار الصحابي الجليل زيد بن ثابت رضي الله عنه، فهو مولى أبي، وكان كرم الله على الحسن أن نشأ في بيت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، وكانت أمه تتركه عند أم المؤمنين، وتذهب لقضاء حوائجها، فكان الحسن إذا بكى ألقمته أم المؤمنين ثديها، فيدر عليه لبنًا بأمر الله، على الرغم من كبر سنها فضلا عن أنه لم يكن لها ولد وقتها، فكانت أم سلمة رضي الله عنها أمًا للحسن من جهتين: الأولى كونها زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهي أم له وللمؤمنين، والثانية كونها أمًا له من الرضاعة، فلما أرضعته أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها إذا هو يرتوي حكمة وفصاحة وتقى، فما إن شب صاحبنا إلا وينابيع الحكمة تنبع من لسانه وجمال الأسلوب ورصانة العبارة وفصاحة اللسان تتحدر من كلامه.
ولم يكن الحسن رضي الله عنه قاصرًا في نشأته على بيت أم سلمة رضي الله عنها فحسب؛ بل كان يدور على بيوت أمهات المؤمنين رضي الله عنهنَّ، وكان هذا داعيًا لأن يتخلق الغلام الصغير بأخلاق أصحاب البيوت، وكان هو يحدث عن نفسه، ويخبر بأنه كان يصول ويجول في داخل بيوتهنَّ رضي الله عنهنَّ حتى أنه كان ينال سقوف بيوتهنَّ بيديه وهو يقفز فيها قفزًا.
مناقب الحسن البصري
:
كان الحسن البصري رحمه الله من أئمة التابعين، من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، من الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة.
وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقبه جملةً وتفصيلا:
أولاً مناقب الحسن البصري جملةً:
(1) ثناء العلماء على الحسن البصري رحمه الله:
(2) خشية الحسن البصري لله تعالى:
(3) طول حزن الحسن البصري رحمه الله: (4) من درر مواعظ الحسن البصري رحمه الله: (5) زهد الحسن البصري رحمه الله تعالى: (6) دعاء الحسن البصري على الظالم:
(7) الحسن البصري يصدع بكلمة الحق في وجه الحجاج: (8) نصح الحسن للولاة: (9) سعة علم الحسن البصري وأسبابها: ثانيا مناقب الحسن البصري تفصيلا: (1) ثناء العلماء على الحسن البصري رحمه الله:
قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
ومنهم حليف الخوف والحزن، أليف الهم والشجن، عديم النوم والوسن أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن.
الفقيه الزاهد، المتشمر العابد، كان لفضول الدنيا وزينتها نابذاً، ولشهوة النفس ونخوتها واقذاً.
وقال عنه أحد العلماء: كان جائعاً عالماً عالياً رفيعاً فقيها ثقة مأموناً عابداً ناسكاً كبير العلم فصيحاً جميلاً وسيماً، كانت أمه "خيرة" مولاة لأم سلمة زوج النبي وكان مولده قبل نهاية خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بسنتين.
وكانت أمه تخرج إلى السوق أحياناً فتدعه عند أم سلمة فيصيح جوعاً فتلقمه أم سلمة ثديها لتعلله به، إلى أن تجيء أمه - وإذا برحمة الله تنزل على الثدي فيدر لبناً فيرضع الطفل حتى يرتوي.
فإذا هو يرتوي حكمة وفصاحة وتقى، فما إن شب صاحبنا إلا وينابيع الحكمة تنبع من لسانه وجمال الأسلوب ورصانة العبارة وفصاحة اللسان تتحدر من كلامه.
إنه الحسن بن أبي الحسن يسار، الإمام شيخ الإسلام أبو سعيد البصري المشهور بالحسن البصري، يقال: مولى زيد بن ثابت، ويقال: مولى جميل بن قطبة، وأمه خيرة مولاة أم سلمة، نشأ إمامنا في المدينة النبوية وحفظ القرآن في خلافة عثمان.
وكانت أمه وهو صغير تخرجه إلى الصحابة فيدعون له، وكان في جملة من دعا له عمر بن الخطاب.
قال: اللهم فقهه في الدين، وحببه إلى الناس.
فكان الحسن بعدها فقيهاً وأعطاه الله فهماً ثابتاً لكتابه وجعله محبوباً إلى الناس.
ولازم أبا هريرة وأنس بن مالك وحفظ عنهم أحاديث النبي، فكان كلما سمع حديثاً عن المصطفى ازداد إيماناً وخوفاً من الله، إلى أن أصبح من نساك التابعين ومن أئمتهم ومن وعاظهم ودعاتهم، وصار يرجع إليه في مشكلات المسائل وفيما اختلف فيه العلماء، فهذا أنس بن مالك سُئل عن مسألة فقال: سلوا مولانا الحسن، قالوا: يا أبا حمزة نسألك، تقول: سلوا الحسن؟ قال: سلوا مولانا الحسن.
فإنه سمع وسمعنا فحفظ ونسينا
وقال أنس بن مالك أيضاً:
إني لأغبط أهل البصرة بهذين: الشيخين الحسن البصري ومحمد بن سيرين
وقال قتادة:
وما جالست رجلاً فقيهاً إلا رأيت فضل الحسن عليه، وكان الحسن مهيباً يهابه العلماء قبل العامة.
قال أيوب السختياني:
كان الرجل يجالس الحسن ثلاث حجج (سنين) ما يسأله عن مسألة هيبةً.
وكان الحسن البصري إلى الطول أقرب، قوي الجسم، حسن المنظر، جميل الطلعة مهايباً يهابه
العلماء قبل العامة، قال أيوب السختياني: كان الرجل يجالس الحسن ثلاث حجج (سنين)
ما يسأله عن مسألة هيبة.
وكان الحسن البصري إلى الطول أقرب، قوي الجسم، حسن المنظر، جميل الطلعة مهايباً.
قال عاصم الأحول:
قلت للشعبي: لك حاجة؟ قال: نعم، إذا أتيت البصرة فأقرئ الحسن مني السلام، قلت: ما أعرفه، قال: إذا دخلت البصرة فانظر إلى أجمل رجل تراه في عينيك وأهيبه في صدرك فأقرئه مني السلام، قال: فما عدا أن دخل المسجد فرأى الحسن والناس حوله جلوس فأتاه وسلّم عليه.
وكان الحسن صاحب خشوع وإخبات ووجل من الله،
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن علقمة بن مرثد، قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين؛ فمنهم الحسن بن أبي الحسن فما رأينا أحداً من الناس كان أطول حزناً منه، ما كنا نراه إلا أنه حديث عهد بمصيبة، ثم قال: نضحك ولا ندري لعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا، فقال: لا أقبل منكم شيئاً، ويحك يا ابن آدم لك بمحاربة الله طاقة؟ إنه من عصي الله فقد حاربه.
والله لقد أدركت بدرياً أكثر لباسهم الصوف، ولو رأيتموهم قلتم مجانين، ولو رأوا خياركم لقالوا: ما لهؤلاء من خلاق، ولو رأوا شراركم لقالوا ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب، ولقد رأيت أقواماً كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه، ولقد رأيت أقواماً يمشي أحدهم وما يجد عنده إلا قوتاً فيقول لا أجعل هذا كله في بطني، لأجعلن بعضه لله عز وجل فيتصدق ببعضه، وإن كان هو أحوج ممن تصدق به عليه.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أيوب، قال: لو رأيت الحسن لقلت أنك لم تجالس فقيهاً قط.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي، قال: كان الحسن ابناً لجارية أم سلمة زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فبعثت أم سلمة جاريتها في حاجتها فبكى الحسن بكاءً شديداً فرقت عليه أم سلمة رضي الله تعالى عنها، فأخذته فوضعته في حجرها فألقمته ثديها فدر عليه فشرب منه، فكان يقال: إن المبلغ الذي بلغه الحسن من الحكمة من ذلك اللبن الذي شربه من أم سلمة زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الأعمش، يقول: ما زال الحسن البصري يعي الحكمة حتى نطق بها، وكان إذا ذكر عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، قال: ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن خالد بن صفوان، قال: لما لقيت مسلمة بن عبد الملك بالحيرة، قال: يا خالد أخبرني عن حسن أهل البصرة، قلت: أصلح الله الأمير أخبرك عنه بعلم أن جاره إلى جنبه وجليسه في مجلسه، وأعلم من قبلي به، أشبه الناس سريرة بعلانية وأشبه قولاً بفعل، إن قعد على أمر قام به، وإن قام على أمر قعد عليه، وإن أمر بأمر كان أعمل الناس به، وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له، رأيته مستغنياً عن الناس ورأيت الناس محتاجين إليه، قال: حسبك يا خالد كيف يضل قوم هذا فيهم.
(2) خشية الحسن البصري لله تعالى:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن: إن المؤمن يصبح حزيناً ويمسي حزيناً ولا يسعه غير ذلك، لأنه بين مخافتين؛ بين ذنب قد مضى لا يدري ما الله يصنع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما يصيب فيه من المهالك.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: يحق لمن يعلم أن الموت مورده وان الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله تعالى مشهده، أن يطول حزنه.
قال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز،
كأن النار لم تخلق إلا لهماً.
(3) طول حزن الحسن البصري رحمه الله:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحجاج بن دينار، قال: كان الحكم بن حجل صديقاً لابن سيرين، فلما مات ابن سيرين حزن عليه حتى جعل يعاد كما يعاد المريض، فحدث بعد قال: رأيت أخي في المنام يعني ابن سيرين فرأيته في قصر فذكر من هيئته وأنه على أفضل حال، فقلت له: أي أخي قد أراك في حال يسرني فما صنع الحسن؟ قال: رفع فوقي بتسعين درجة، فقلت: ومما ذاك? قال: بطول حزنه.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبيد الله بن شميط، حدثني أبي، قال: سمعت الحسن، يقول: إن المؤمن يصبح حزيناً ويمسي حزيناً وينقلب باليقين في الحزن، ويكفيه ما يكفي العنيزة: الكف من التمر والشربة من الماء.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم بن عيسى اليشكري، قال: ما رأيت أحداً أطول حزناً من الحسن، وما رأيته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبته.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: طول الحزن في الدنيا تلقيح العمل الصالح.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن أنه قال: والله لا يؤمن عبد بهذا القرآن إلا حزن وذبل، وإلا نصب، وإلا ذاب، وإلا تعب.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حوشباً، يقول: سمعت الحسن يحلف بالله يقول: والله يا ابن آدم لئن قرأت القرآن ثم آمنت به، ليطولن في الدنيا حزنك، وليشتدن في الدنيا خوفك، وليكثرن في الدنيا بكاؤك.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: يحق لمن يعلم أن الموت مورده وان الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله تعالى مشهده، أن يطول حزنه.
قال مطر الوراق:
الحسن كأنه رجل كان في الآخرة ثم جاء يتكلم عنها، وعن أهوالها.
فهو بخبر عما رأي وعاين.
وقال حمزة الأعمى:
وكنت أدخل على الحسن منزله وهو يبكي، وربما جئت إليه وهو يصلي
فأسمع بكاءه ونحيبه فقلت له يوماً: إنك تكثر البكاء، فقال: يا بني، ماذا يصنع المؤمن إذا لم يبكِ؟
يا بني إن البكاء داع إلى الرحمة.
فإن استطعت أن تكون عمرك باكيا فافعل، لعله تعالى أن يرحمك.
وقال حكيم بن جعفر: قال لي من رأى الحسن: لو رأيت الحسن لقلت: قد بث عليه حزن الخلائق، من طول تلك الدمعة وكثرة ذلك النشيج.
وعن حفص بن عمر قال: بكى الحسن فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أخاف أن يطرحني غداً في النار ولا يبالي.
(4) من درر مواعظ الحسن البصري رحمه الله:
كان الحسن البصري صاحب مواعظ وتذكير، ولكلامه أثر في النفوس حيث يستميل القلوب بتحسين الأسلوب والتخويف من علاَّم الغيوب، والتحذير من عاقبة الإثم والحوب مما يجعل الإنسان من الخوف منحوب ويُقْلِعُ عن الذنوب، مواعظٌ تُفري الأكباد وتُذيب الأجساد وتبعث على إعداد الزاد ليوم المعاد، مواعظٌ تُبْكِي الصخور وترهب الصدور، فيلتزم المأمور ويجتنب المحظور ويصبر على المقدور ويتفكر في قبره المحفور وما فيه من الدواهي والأمور تحت الجنادل والصخور فيتضرع إلى ربه أن يرحم غربته في القبور، مواعظٌ تُقَوِّمُ المائلين وتنبه الغافلين وتُذَكِّرُ السالكين وتستدر دموع السامعين، وكان رحمه الله تعالى فصيح اللسان عنده حسنُ منطق وعذوبة ألفاظ، كأنما سُخِّرَ له الكلام، كأنما لين له الكلام كما لين لداوود الحديد، وكان رحمه الله تعالى لديه فصاحة غريزية لا يتكلفها، بمثل كلامه تُستمال القلوب النافرة وتُرَدُ الأهواء الشاردة، كلامه يجذب النفوس إليه انجذاب الحديد للمغناطيس، كلاماً يبعث الهمم للتعرضِ إلى النفحات ويُثيرُ العزائم إلى اغتنام الفرص قبل الممات، كلاماً يٌقربُ الأقصى بلفظٍ مُوجَزِ ويبسط البذل بوعدٍ منجز.
قال الأعمش: ما زال الحسن يعي الحكمة حتى نطق بها.
وكان أبو جعفر الباقر إذا ذكره يقول: ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء.
وهاك بعض مواعظه:
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي حميد الشامي، قال: كتب الحسن على عمر بن عبد العزيز:
اعلم أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به، والندم على الشر يدعو إلى تركه، وليس ما يفنى وإن كان كثيراً يعدل ما يبقى وإن كان طلبه عزيزاً، واحتمال المؤونة المنقطعة التي تعقب الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مؤونة باقية، فاحذر هذه الدار الصارعة الخادعة الخاتلة التي قد تزينت بخدعها، وغرت بغرورها، وقتلت أهلها بأملها، وتشوفت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلولة.
العيون إليها ناظرة، والنفوس لها عاشقة، والقلوب إليها والهة، ولألبابها دامغة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة.
فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر بما رأى من الأول مزدجر، ولا اللبيب بكثرة التجارب منتفع، ولا العارف بالله والمصدق له حين أخبر عنها مدكر، فأبت القلوب لها إلا حباً، وأبت النفوس بها إلا ضناً، وما هذا منالها إلا عشقاً، ومن عشق شيئاً لم يعقل غيره، ومات في طلبه أو يظفر به، فهما عاشقان طالبان لها؛ فعاشق قد ظفر بها واغتر وطغى ونسي بها المبدأ والمعاد.
فشغل بها لبه، وذهل فيها عقله، حتى زلت عنها قدمه، وجاءته أسر ما كانت له منيته فعظمت ندامته، وكثرت حسرته، واشتدت كربته مع ما عالج من سكرته.
واجتمعت عليه سكرات الموت بألمه، وحسرة الموت بغصته، غير موصوف ما نزل به.
ولآخر مات قبل أن يظفر منها بحاجته فذهب بكربه وغمه لم يدرك ما طلب، ولم يرح نفسه من التعب والنصب.
خرجا جميعاً بغير زاد، وقدما على غير مهاد.
فاحذرها الحذر كله فإنها مثل الحية لين مسها وسمها يقتل، فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها لما عانيت من فجائعها وأيقنت به من فراقها، وشدد ما اشتد منها لرخاء ما يصيبك وكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور له أشخصته عنها بمكروه، وكلما ظفر بشيء منها وثنى رجلاً عليه انقلبت به، فالسار فيها غار، والنافع فيها غدا ضار، وصل الرخاء فيها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء، سرورها مشوب بالحزن، وآخر الحياة فيها الضعف والوهن، فانظر إليها نظر الزاهد المفارق، ولا تنظر نظر العاشق الوامق، واعلم أنها تزيل الثاوي الساكن، وتفجع المغرور الآمن، لا يرجع ما تولى منها فأدبر، ولا يدري ما هو آت فيها فينتظر.
فاحذرها فإن أمانيها كاذبة، وإن آمالها باطلة، عيشها نكد، وصفوها كدر، وأنت منها على خطر.
إما نعمة زائلة، وإما بلية نازلة، وإما مصيبة موجعة، وإما منية قاضية، فلقد كدرت عليه المعيشة إن عقل، وهو من النعماء على خطر، ومن البلوة على حذر، ومن المنايا على يقين؛ فلو كان الخالق تعالى لم يخبر عنها بخير، ولم يضرب لها مثلاً، ولم يأمر فيها بزهد؛ لكانت الدار قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل، فكيف وقد جاء من الله تعالى عنها زاجر، وفيها واعظ.
فما لها عند الله عز وجل قدر، ولا لها عند الله تعالى وزن من الصغر، ولا تزن عند الله تعالى مقدار الحصا، ولا مقدار ثراة في جميع الثرى، ولا خلق خلقاً فيما بلغت أبغض إليه من الدنيا، ولا نظر إليها منذ خلقها مقتاً لها، ولقد عرضت على نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمفاتيحها وخزائنها ولم ينقصه ذلك عنده جناح بعوضة فأبى أن يقبلها، وما منعه من القبول لها، ولا ينقصه عند الله تعالى شيء إلا أنه علم أن الله تعالى أبغض شيئاً فأبغضه، وصغر شيئاً فصغره، ووضع شيئاً فوضعه، ولو قبلها كان الدليل على حبه إياها قبولها، ولكنه كره أن يحب ما أبغض خالقه، وأن يرفع ما وضع مليكه.
لو لم يدله على صغر هذه الدار إلا أن الله تعالى حقرها أن يجعل خيرها ثواباً للمطيعين، وأن يجعل عقوبتها عذاباً للعاصين.
فأخرج ثواب الطاعة منها وأخرج عقوبة المعصية عنها.
وقد يدلك على شر هذه الدار أن الله تعالى زواها عن أنبيائه وأحبائه اختباراً، وبسطاً لغيرهم اعتباراً واغتراراً؛ ويظن المغرور بها والمفتون عليها أنه إنما أكرمه بها، ونسي ما صنعه بمحمد المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وموسى المختار عليه السلام بالكلام له ومناجاته، فأما محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فشد الحجر على بطنه من الجوع، وأما موسى عليه السلام فرئي خضرة البقل من صفاق بطنه من هذاله، ما سأل الله تعالى يوم أوى إلى الظل إلا طعاماً يأكله من جوعه.
ولقد جاءت الروايات عنه أن الله تعالى أوحى إليه؛ أن يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلاً فقل مرحباً بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى قد أقبل فقل ذنب عجلت عقوبته.
وإن شئت ثلثته بصاحب الروح والكلمة ففي أمره عجيبة، كان يقول: أدمي الجوع وشعاري الخوف، ولباسي الصوف ودابتي رجلي، وسراجي بالليل القمر، وصلايتي في الشتاء الشمس، وفاكهتي وريحاني ما أنبتت الأرض للسباع والأنعام.
أبيت وليس لي شيء وليس أحد أغنى مني.
ولو شئت ربعت بسليمان بن داود عليهما السلام، فليس دونهم في العجب.
يأكل خبز الشعير في خاصته ويطعم أهله الخشكار والناس الدرمك فإذا جنه الليل لبس المسوح وغل اليد إلى العنق وبات باكياً حتى يصبح، يأكل الخشن من الطعام ويلبس الشعر من الثياب.
كل هذا يبغضون ما أبغض الله عز وجل، ويصغرون ما صغر الله تعالى، ويزهدون فيما زهد.
ثم اقتص الصالحون بعد منهاجهم، وأخذوا بآثارهم وألزموا الكد والعبر وألطفوا التفكر، وصبروا في مدة الأجل القصير، عن متاع الغرور الذي إلى الفناء يصير، ونظروا إلى آخر الدنيا ولم ينظروا إلى أولها، ونظروا إلى عاقبة مرارتها ولم ينظروا إلى عاجلة حلاوتها؛ ثم ألزموا أنفسهم الصبر وأنزلوها من أنفسهم بمنزلة الميتة التي لا يحل الشبع منها إلا في حال الضرورة إليها؛ فأكلوا منها بقدر ما يرد النفس ويقي الروح ويسكن القرم وجعلوها بمنزلة الجيفة التي اشتد نتن ريحها فكل من مر بها أمسك على أنفه منها، فهم يصيبون منها لحال الضر ولا ينتهون منها إلى الشبع من النتن، فغربت عنهم وكانت هذه منزلتها من أنفسهم، فهم يعجبون من الآكل منها شبعاً، والمتلذذ بها أشراً.
ويقولون في أنفسهم: أما ترى هؤلاء لا يخافون من الأكل، أما يجدون ريح النتن? وهي والله يا أخي في العاقبة والآجلة أنتن من الجيفة المرصوفة، غير أن أقواماً استعجلوا الصبر فلا يجدون من ريح النتن، والذي نشأ في ريح الإهاب النتن لا يجد نتنه، ولا يجد من ريحه ما يؤذي المارة والجالس عنده، وقد يكفي العاقل منهم أنه من مات عنها وترك مالاً كثيراً سره أنه كان فيها فقيراً، أو شريفاً أنه كان فيها وضيعاً، أو كان فيها معافى سره أنه كان فيها مبتلي، أو كان مسلطنا سره أنه كان فيها سوقه.
وإن فارقتها سرك أنك كنت أوضع أهلها ضعة، وأشدهم فيها فاقة، أليس ذلك الدليل على خزيها لمن يعقل أمرها.
والله لو كانت الدنيا من أراد منها شيئاً وجده إلى جنبه من غير طلب ولا نصب غير أنه إذا أخذ منها شيئاً لزمته حقوق الله فيه وسأله عنه ووقفه على حسابه لكان ينبغي للعاقل أن لا يأخذ منها إلا قدر قوته وما يكفى، حذر السؤال وكراهية لشدة الحساب، وإنما الدنيا إذا فكرت فيها ثلاثة أيام؛ يوم مضى لا ترجوه، ويوم أنت فيه ينبغي أن تغتنمه، ويوم يأتي لا تدري أنت من أهله أم لا? ولا تدري لعلك تموت قبله.
فأما أمس فحكيم مؤدب، وأما اليوم فصديق مودع، غير أن أمس وإن كان قد فجعك بنفسه فقد أبقى في يديك حكمته، وإن كنت قد أضعته فقد جاءك خلف منه وقد كان عنك طويل الغيبة وهو الآن عنك سريع الرحلة، وغدا أيضاً في يديك منه أمله.
فخذ الثقة بالعمل، واترك الغرور بالأمل قبل حلول الجل، وإياك أن تدخل على اليوم هم غد أو هم ما بعده، زدت في حزنك وتعبك وأردت أن تجمع في يومك ما يكفيك أيامك، هيهات كثر الشغل وزاد الحزن وعظم التعب وأضاع العبد العمل بالأمل.
ولو أن الأمل في غدك خرج من قلبك أحسنت اليوم في عملك، واقتصرت لهم يومك، غير أن الأمل منك في الغد دعاك إلى التفريط، ودعاك إلى المزيد في الطلب، ولئن شئت واقتصرت لأصفن لك الدنيا ساعة بين ساعتين، ساعة ماضية، وساعة لآتية، وساعة أنت فيها.
فأما الماضية فليس تجد لراحتهما لذة، ولا لبلائهما ألماً.
وإنما الدنيا ساعة أنت فيها فخدعتك تلك الساعة عن الجنة وصيرتك إلى النار.
وإنما اليوم إن عقلت ضيف نزل بك وهو مرتحل عنك، فإن أحسنت نزله وقراه شهد لك وأثنى عليك بذلك وصدق فيك، وإن أسأت ضيافته ولم تحسن قراه جال في عينيك.
وهما يومان بمنزلة الأخوين نزل بك أحدهما فأسأت إليه ولم تحسن قراه فيما بينك وبينه، فجاءك الآخر بعده، فقال: إني قد جئتك بعد أخي فإن إحسانك إلي يمحو إساءتك إليه، ويغفر لك ما صنعت، فدونك إذ نزلت بك وجئتك بعد أخي المرتحل عنك فقد ظفرت بخلف منه إن عقلت، فدارك ما قد أضعت.
وإن ألحقت الآخر بالأول فما أخلقك أن تهلك بشهادتهما عليك.
إن الذي بقي من العمر لا ثمن له ولا عدل، فلو جمعت الدنيا كلها ما عدلت يوماً بقي من عمر صاحبه، فلا تبع اليوم وتعدله من الدنيا بغير ثمنه، ولا يكونن المقبور أعظم تعظيماً لما في يديك منك وهو لك فلعمري لو أن مدفوناً في قبره قيل له هذه الدنيا أولها إلى آخرها تجعلها لولدك من بعدك يتنعمون فيها من ورائك، فقد كنت وليس لك هم غيرهم.
أحب إليك أم يوم تترك فيه تعمل لنفسك لاختار ذلك، وما كان ليجمع مع اليوم شيئاً إلا اختار اليوم عليه رغبة فيه وتعظيماً له، بل لو اقتصر على ساعة خيرها وما بين أضعاف ما وصفت لك وأضعافه يكون لسواه إلا اختار الساعة لنفسه على أضعاف ذلك ليكون لغيره، بل لو اقتصر على كلمة يقولها تكتب له وبين ما وصفت لك وأضعافه لاختار الكلمة الواحدة عليه، فانتقد اليوم لنفسك وأبصر الساعة وأعظم الكلمة واحذر الحسرة عند نزول السكرة، ولا تأمن أن تكون لهذا الكلام حجة، نفعنا الله وإياك بالموعظة، ورزقنا وإياك خير العواقب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبيدة سعيد بن زربي، قال: سمعت الحسن يعظ أصحابه يقول: إن الدنيا دار عمل من صحبها بالنقص لها والزهادة فيها سعد بها ونفعته صحبتها، ومن صحبها على الرغبة فيها والمحبة لها شقي بها وأجحف بحظه من الله عز وجل ثم أسلمته إلى ما لا صبر له عليه ولا طاقة له به من عذا الله، فأمرها صغير، ومتاعها قليل، والفناء عليها مكتوب، والله تعالى ولي ميراثها، وأهلها محولون عنها إلى منازل لا تبلى ولا يغيرها طول الثواء منها يخرجون.
فاحذروا ولا قوة إلا بالله ذلك الموطن، وأكثروا ذكر ذلك المنقلب، واقطع يا ابن آدم من الدنيا أكثر همك، أو لتقطعن حبالها بك فينقطع ذكر ما خلقت له من نفسك ويزيغ عن الحق قلبك، وتميل إلى الدنيا فترديك، وتلك منازل سوء بين ضرها، منقطع نفعها مفضية والله بأهلها إلى ندامة طويلة وعذاب شديد، فلا تكونن يا ابن آدم مغتراً، ولا تأمن ما لم يأتك الأمان منه، فإن الهول الأعظم ومفظعات الأمور أمامك لم تخلص منها حتى الآن، ولا بد من ذلك المسلك وحضور تلك الأمور إما يعافيك من شرها وينجيك من أهوالها، وإما الهلكة.
وهي منازل شديدة مخوفة محذورة مفزعة للقلوب، فلذلك فاعدد، ومن شرها فاهرب، ولا يلهينك المتاع القليل الفاني، ولا تربص بنفسك فهي سريعة الانتقاص من عمرك فبادر أجلك ولا تقلل غدا فإنك لا تدري متى إلى الله تصير واعلموا أن الناس أصبحوا جادين في زينة الدنيا يضربون في كل غمرة وكل معجب بما هو فيه، راض به حريص على أن يزداد منه، فما لم يكن من ذلك لله عز وجل في طاعة الله فقد خسر أهله وضاع سعيه، وما كان من ذلك في الله في طاعة الله فقد أصاب أهله به وجه أمرهم، ووفقوا فيه بحظهم، عندهم كتاب الله وعهده وذكر ما مضى وذكر ما بقى، والخير عمن وراءهم.