كتاب الزهد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
وفي جميع المشاهد والغزوات، كان طلحة في مقدّمة الصفوف يبتغي وجه الله، ويفتدي راية رسوله.
ويعيش طلحة وسط الجماعة المسلمة، يعبد الله مع العابدين، ويجاهد في سبيله مع المجاهدين، ويرسي بساعديه مع سواعد إخوانه قواعد الدين الجديد الذي جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور.. فإذا قضى حق ربه، راح يضرب في الأرض، ويبتغي من فضل الله منمّيا تجارته الرابحة، وأعماله الناجحة.
فقد كان طلحة رضي الله عته من أكثر المسلمين ثراء، وأنماهم ثروة.. وكانت ثروته كلها في خدمة الدين الذي حمل مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رايته... كان ينفق منها بغير حساب.. وكان ربه ينمّيها له بغير حساب! لقد لقّبه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بـ طلحة الخير، وطلحة الجود، وطلحة الفيّاض اطراء لجوده المفيض.
وما أكثر ما كان يخرج من ثروته مرة واحدة، فاذا الله الكريم يردها اليه مضاعفة.
تحدّثنا زوجته سعدى بنت عوف فتقول:" دخلت على طلحة يوما فرأيته مهموما، فسألته ما شانك.. ؟ فقال المال الذي عندي.. قد كثر حتى أهمّني وأكربني.. وقلت له ما عليك.. اقسمه.. فقام ودعا الناس، واخذ يقسمه عليهم حتى ما بقي منه درهم"... ومرّة أخرى باع أرضا له بثمن مرتفع، ونظر إلى كومة المال ففاضت عيناه من الدمع ثم قال:" إن رجلا تبيت هذه الأموال في بيته لا يدري ما يطرق من أمر، لمغرور بالله"... ثم دعا بعض أصحابه وحمل معهم أمواله هذه، ومضى في شوارع المدينة وبيوتها يوزعها، حتى أسحر وما عنده منها درهم.. !! ويصف جابر بن عبد الله جود طلحة فيقول:" ما رأيت أحد أعطى لجزيل مال من غير مسألة، من طلحة بن عبيد الله".وكان أكثر الناس برّا بأهله وبأقربائه، فكان يعولهم جميعا على كثرتهم.. وقد قيل عنه في ذلك:".. كان لا يدع أحدا من بني تيم عائلا إلا كفاه مؤنته، ومؤنة عياله.. وكان يزوج أيامهم، ويخدم عائلهم، ويقضي دين غارمهم".. ويقول السائب بن زيد:" صحبت طلحة بن عبيد الله في السفر والحضر فما وجدت أحدا، أعمّ سخاء على الدرهم، والثوب والطعام من طلحة".. !!
- مناقب طلحة ابن عبيد الله - رضي الله عنه -:
لطلحة ابن عبيد الله - رضي الله عنه - مناقب عظيمة وفضائل جسيمة وهاك غيضٌ من فيض ونقطةٌ من بحر مما ورد في ذلك جملةً وتفصيلاً: أولاً مناقب طلحة ابن عبيد الله - رضي الله عنه - جملة ً:
(1) طلحة أحد العشرة المبشرين بالجنة:
(2) طلحة شهيد يمشي على الأرض:
(3) طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ:
(4) إنفاق طلحة في سبيل الله تعالى:
(5) شجاعة طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه:
(6) موقف طلحة بن عبيد الله من الفتنة:
ثانياً مناقب طلحة ابن عبيد الله - رضي الله عنه - تفصيلا ً:
(1) طلحة أحد العشرة المبشرين بالجنة:
(حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعليٌ في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعدُ ابن أبي وقاص في الجنة وسعيدُ ابن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة.
(حديث قيس ابن حازم رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: رأيت يد طلحة شلاء، وقى بها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم أحد.
(حديث الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قَالَ: كَانَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِرْعَانِ يَوْمَ أُحُدٍ فَنَهَضَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَأَقْعَدَ طَلْحَةَ تَحْتَهُ فَصَعِدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الصَّخْرَةِ فَقَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ أَوْجَبَ طَلْحَةُ.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(كَانَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِرْعَانِ) َفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى جَوَازِ الْمُبَالَغَةِ فِي أَسْبَابِ الْمُجَاهَدَةِ وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ وَالتَّسْلِيمَ بِالْأُمُورِ الْوَاقِعَةِ الْمُقَدَّرَةِ (يَوْمَ أُحُدٍ) بِضَمَّتَيْنِ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ (فَنَهَضَ) أَيْ قَامَ مُتَوَجِّهًا (إِلَى الصَّخْرَةِ) أَيِ الَّتِي كَانَتْ هُنَاكَ يَسْتَوِي عَلَيْهَا وَيَنْظُرُ إِلَى الْكُفَّارِ وَيُشْرِفُ عَلَى الْأَبْرَارِ
(أَوْجَبَ طَلْحَةُ) أَيِ الْجَنَّةَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَثْبَتَهَا لِنَفْسِهِ بِعَمَلِهِ هَذَا أَوْ بِمَا فَعَلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَإِنَّهُ خَاطَرَ بِنَفْسِهِ يَوْمَ أُحُدٍ وَفَدَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعَلَهَا وِقَايَةً لَهُ حَتَّى طُعِنَ بِبَدَنِهِ وَجُرِحَ جَمِيعُ جَسَدِهِ حَتَّى شُلَّتْ يَدُهُ بِبِضْعٍ وَثَمَانِينَ جِرَاحَةً كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الشعبي يقول أدركت خمس مئة أو أكثر من الصحابة يقولون علي وعثمان وطلحة والزبير في الجنة.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت لأنهم من العشرة المشهود لهم بالجنة ومن البدريين ومن أهل بيعة الرضوان ومن السابقين الأولين الذين أخبر تعالى أنه رضي عنهم ورضوا عنه ولأن الأربعة قتلوا ورزقوا الشهادة فنحن محبون لهم باغضون للأربعة الذين قتلوا الأربعة.
أهـ
(2) طلحة شهيد يمشي على الأرض:
(حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من سَرَّهُ أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
" مَنْ سَرَّهُ" أَيْ: أَحَبَّهُ وَأَعْجَبَهُ وَأَفْرَحَهُ " فَلْيَنْظُرْ إِلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مناقبه " هَذَا مَعْدُودٌ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ اسْتُشْهِدَ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ أهـ
لم تكن ثمة بشرى يتمنّاها أصحاب رسول الله، وتطير قلوبهم شوقا إليها أكثر من هذه التي قلّدها النبي طلحة بن عبيد الله.. لقد اطمأن اذن الى عاقبة أمره ومصير حياته.. فسيحيا، ويموت، وهو واحد من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ولن تناله فتنة، ولن يدركه لغوب.. ولقد بشّره الرسول بالجنة.
شهد له النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالشهادة في عدة مواضع منها ما يلي:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان على حراء هو و أبو بكر و عمر و عثمان و علي و طلحة و الزبير فتحركت الصخرة، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد.
(حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اثبت حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد، وعدهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وابن عوف وسعيد بن زيد.
﴿تنبيه﴾: وهذا يصدق على كل من وقف في هذا الموقف؛ لأنه قال: (أو شهيد) و (شهيد) نكرة في سياق النفي فتفيد العموم.
(3) طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ:
(حديث معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
﴿" طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ "﴾ (1) قَالَ فِي النِّهَايَةِ النَّحْبُ: النَّذْرُ كَأَنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ أَنْ يَصْدُقَ أَعْدَاءَ اللَّهِ فِي الْحَرْبِ فَوَفَّى بِهِ، وَقِيلَ: النَّحْبُ الْمَوْتُ كَأَنَّهُ يُلْزِمُ نَفْسَهُ أَنْ يُقَاتِلَ حَتَّى يَمُوتَ.
انْتَهَى، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: النَّذْرُ وَالنَّحْبُ الْمُدَّةُ، وَالْوَقْتُ، وَمِنْهُ قَضَى فُلَانٌ نَحْبَهُ إِذَا مَاتَ وَعَلَى الْمَعْنَيَيْنِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {فَمِنْهُمْ مّن قَضَىَ نَحْبَهُ) [الأحزاب: 23] فَعَلَى النَّذْرِ أَيْ: نَذْرَهُ فِيمَا عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الصِّدْقِ فِي مَوَاطِنِ الْقِتَالِ وَالنُّصْرَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى الْمَوْتِ: أَيْ: مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَاهَدُوا اللَّهَ أَنْ يَبْذُلُوا نُفُوسَهُمْ فِي سَبِيلِهِ فَأَخْبَرَ أَنَّ طَلْحَةَ مِمَّنْ وَفَّى بِنَفْسِهِ، أَوْ مِمَّنْ ذَاقَ الْمَوْتَ فِي سَبِيلِهِ وَإِنْ كَانَ حَيًّا أهـ.
فيكون معنى قضى نحبه:
أي صدق في عهده أو صدق في نذره حتى لقي ربه وهو شهيد صادق وعاهد الله على الشهادة ونذر حياته لذلك حتى مات على الشهادة في سبيل الله فلم يبدل ولم يحرف ولم يقع في خيانة.
(4) إنفاق طلحة في سبيل الله تعالى:
1 علم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه رضي الله عنهم كيف ينفقون الأموال وما أعطاهم الله تبارك وتعالى في سبيل الله ومواقع رضاء الله، وكيف كان ذلك أحبَّ إليهم من الإِنفاق على أنفسهم، وكيف كانوا يُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة
ولقد ضرب طلحة ابن عبيد الله أروع المثل في ذلك حتى سمَّاه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طلحة الخير وطلحة الفياض وطلحة الجود.
(حديث طلحة ابن عبيد الله رضي الله عنه الثابت في ظلال الجنة تخريج السنة) قال كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا رآني قال سلفي في الدنيا والآخرة وسماني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طلحة الخير وفي غزوة ذات العسيرة طلحة الفياض ويوم حنين طلحة الجود وقال من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن سُعدى إمرأة طلحة رضي الله عنهما قالت: فقد تصدّق طلحة يوماً بمائة ألف درهم، ثم حبسه عن الرواح إلى المسجد أن جمعت له بين طرفي ثوبه.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سُعْدَى بنت عوف المرية قالت دخلت على طلحة يوما وهو خاثر فقلت ما لك لعل رابك من أهلك شيء قال لا والله ونعم حليلة المسلم أنت ولكن مال عندي قد غمني فقلت ما يغمك عليك بقومك قال يا غلام ادع لي قومي فقسمه فيهم فسألت الخازن كم أعطى قال أربع مئة ألف.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه قال كان طلحة يغل بالعراق أربع مئة ألف ويغل بالسراة عشرة آلاف دينار أو (أقل أو) أكثر (وبالأعراض له غلات) وكان لا يدع أحدا من بني تيم عائلا إلا كفاه وقضى دينه ولقد كان يرسل إلى عائشة (إذا جاءت غلته) كل سنة بعشرة آلاف ولقد قضى عن فلان التيمي ثلاثين ألفا.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عثمان بن عبد الرحمن أن طلحة بن عبيد الله قضى عن عبيد الله بن معمر وعبد الله بن عامر بن كريز ثمانين ألف درهم.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن موسى بن طلحة عن أبيه أنه أتاه مال من حضرموت سبع مئة ألف فبات ليلته يتململ فقالت له زوجته: مَالَكَ؟ قال تفكرت منذ الليلة فقلت ما ظن رجل بربه يبيت وهذا المال في بيته قالت فأين أنت عن بعض أخلائك فإذا أصبحت فادع بجفان وقصاع فقسمه فقال لها رحمك الله إنك موفقة بنت موفق وهي أم كلثوم بنت الصديق فلما أصبح دعا بجفان فقسمها بين المهاجرين والأنصار فبعث إلى علي منها بجفنة، فقالت له زوجته أبا محمد أما كان لنا في هذا المال من نصيب قال فأين كنت منذ اليوم فشأنك بما بقي قالت فكانت صرة فيها نحو ألف درهم.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن علي بن زيد قال جاء أعرابي إلى طلحة يسأله فتقرب إليه برحم فقال إن هذه لرحم ما سألني بها أحد قبلك، إن لي أرضا قد أعطاني بها عثمان ثلاث مئة ألف فاقبضها وإن شئت بعتها من عثمان ودفعت إليك الثمن فقال الثمن فأعطاه.
(5) شجاعة طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه:
(حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح النسائي) قال: لما كان يوم أحد وولى الناس كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ناحية في أثنى عشر رجلا من الأنصار وفيهم طلحة بن عبيد الله فأدركهم المشركون فالتفت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال من للقوم فقال طلحة أنا قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما أنت فقال رجل من الأنصار أنا يا رسول الله فقال أنت فقاتل حتى قتل ثم التفت فإذا المشركون فقال من للقوم فقال طلحة أنا قال كما أنت فقال رجل من الأنصار أنا فقال أنت فقاتل حتى قتل ثم لم يزل يقول ذلك ويخرج إليهم رجل من الأنصار فيقاتل قتال من قبله حتى يقتل حتى بقي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وطلحة بن عبيد الله فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من للقوم فقال طلحة أنا فقاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى ضربت يده فقطعت أصابعه فقال حس فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون ثم رد الله المشركين.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عائشة وأم إسحاق بنتي طلحة قالتا جرح أبونا يوم أحد أربعا وعشرين جراحة وقع منها في رأسه شجة مربعة وقطع نساه يعني العرق وشلت أصبعه وكان سائر الجراح في جسده وغلبه الغشي ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكسورة رباعيته مشجوج في وجهه قد علاه الغشي وطلحة محتمله يرجع به القهقرى كلما أدركه أحد من المشركين قاتل دونه حتى أسنده إلى الشعب.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن موسى بن طلحة أن معاوية سأله كم ترك ابو محمد من العين قال ترك ألفي ألف درهم ومئتي ألف درهم ومن الذهب مئتي ألف دينار فقال معاوية عاش حميدا سخياً شريفاً وقتل فقيدا رحمه الله وأنشد الرياشي لرجل من قريش أيا سائلي عن خيار العباد صادفت ذا العلم والخبرة خيار العباد جميعا قريش وخير قريش ذوو الهجرة وخير ذوي الهجرة السابقون ثمانية وحدهم نصره علي وعثمان ثم الزبير وطلحة وإثنان من زهرة وبران قد جاورا أحمدا وجاور قبرههما قبره فمن كان بعدهم فاخرا فلا يذكرن بعدهم فخره
(6) موقف طلحة بن عبيد الله من الفتنة:
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن علقمة بن وقاص الليثي قال لما خرج طلحة والزبير وعائشة للطلب بدم عثمان عرجوا عن منصرفهم بذات عرق فاستصغروا عروة بن الزبير وأبا بكر بن عبد الرحمن فردوهما قال ورأيت طلحة وأحب المجالس إليه أخلاها وهو ضارب بلحيته على زوره فقلت يا أبا محمد إني أراك وأحب المجالس إليك أخلاها إن كنت تكره هذا الأمر فَدَعْهُ فقال يا علقمة لا تلمني كنا أمس يدا واحدة على من سوانا فأصبحنا اليوم جبلين من حديد يزحف أحدنا إلى صاحبه ولكنه كان مني شيء في أمر عثمان مما لا أرى كفارته إلا سفك دمي وطلب دمه.
قال الذهبي رحمه الله: قلت: الذي كان منه في حق عثمان تمغفل وتأليب فعله باجتهاد ثم تغير عندما شاهد مصرع عثمان فندم على ترك نصرته رضي الله عنهما وكان طلحة أول من بايع عليا أرهقه قتلة عثمان واحضروه حتى بايع.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن حكيم بن جابر قال قال طلحة إنا داهنا في أمر عثمان فلا نجد اليوم أمثل من أن نبذل دماءنا فيه اللهم خذ لعثمان مني اليوم حتى ترضى.
قتل طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه -:
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن قيس قال رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذ بسهم فوقع في ركبته فما زال ينسح حتى مات.
قال الذهبي رحمه الله: قلت: قاتل طلحة في الوزر بمنزلة قاتل علي.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الشعبي قال رأى علي طلحة في واد ملقى فنزل فمسح التراب عن وجهه وقال عزيز علي أبا محمد بأن أراك مجدلا في الأودية تحت نجوم السماء إلى الله أشكو عجري وبجري قال الأصمعي معناه سرائري وأحزاني التي تموج في جوفي عبد الله بن إدريس عن ليث عن طلحة بن مصرف أن عليا إنتهى إلى طلحة وقد مات فنزل عن دابته وأجلسه ومسح الغبار عن وجهه ولحيته وهو يترحم عليه وقال ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن عبد الله من الأنصار عن أبيه أن عليا قال بشروا قاتل طلحة بالنار.
أخرج الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي حبيبة مولى لطلحة قال دخلت على علي مع عمران بن طلحة بعد وقعة الجمل فرحب به وأدناه ثم قال إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك ممن قال فيهم (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَاناً عَلَىَ سُرُرٍ مّتَقَابِلِينَ) [الحجر: 47] فقال رجلان جالسان أحدهما الحارث الاعور الله أعدل من ذلك أن يقبلهم ويكونوا إخواننا في الجنة قال قوما أبعد أرض وأسحقها فمن هو إذا لم أكن أنا وطلحة يا ابن أخي إذا كانت لك حاجة فائتنا.
ثانيا
ً: صورٌ مشرقة من زهد طلحة ابن عبيد الله - رضي الله عنه -:
لقد فهم طلحة ابن عبيد الله - رضي الله عنه - من خلال معايشته للقرآن الكريم، ومصاحبته للنبي الأمين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، وعليه فإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرر من سيطرة الدنيا بزخارفها، و زينتها، وبريقها، وطلقها ثلاثة ونفض يديه منها، وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهرا وباطنا، فكانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف، وقد وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق ما يلي: (1) اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل كما قال النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.
(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
(2) أن هذه الدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله تبارك وتعالى:
(حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء.
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما.
(3) أن عمرها قد قارب على الانتهاء:
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بعثت أنا والساعة كهاتين قال وضم السبابة والوسطى.
(4) أن الآخرة هى الباقية، وهى دار القرار:
كما قال مؤمن آل فرعون:
(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر: 39، 40]
كانت هذه الحقائق قد استقرت في قلب أبي بكر، فترِفَّع رضي الله عنه عن الدنيا وحطامها وزهد فيها،
وهاك بعض صور زهده رضي الله عنه:
لقد وعى طلحة ابن عبيد الله رضي الله عنه حقيقة الزهد وأن الزهد أن يكون المال في يدك وليس في قلبك فكان آيةً في الجود والسخاء والبذل والإنفاق في سبيل الله تعالى، فكان المال في يده ولم يقترب من قلبه الشريف رضي الله عنه،
وكان طلحة رضي الله عنه من أكثر المسلمين ثراء، وأنماهم ثروة وكانت ثروته كلها في خدمة الدين الذي حمل مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رايته كان ينفق منها بغير حساب وكان الله ينمّيها له بغير حساب، فكان كلما أخرج منها الكثير، أعاده الله إليه مضاعفا
لقد لقّبه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بـ طلحة الخير، وطلحة الجود، وطلحة الفيّاض إطراء لجوده المفيض.
وما أكثر ما كان يخرج من ثروته مرة واحدة، فاذا الله الكريم يردها اليه مضاعفة
عن الحسن قال: باع طلحة أرضا له بسبعمائة ألف، فبات ذلك المال عنده ليلة، فبات أَرِقا من مخافة ذلك المال، حتى أصبح ففرَّقه.
وعن جابر بن قَبيصة قال: صحبتُ طلحة، فما رأيتُ رجلا أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه http://qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=6025&version=1&template_id=119&parent_id=13 - _ftn14.
تحدّثنا زوجته سُعدى بنت عوف فتقول: دخل عليَّ طلحة ورأيتُه مغموما فقلتُ: ما لي أراك كالح الوجه؟ وقلتُ: ما شأنك، أرابك مني شيء فأعتبك (أي أسترضيك)؟ قال: لا.
ولنعم حليلةُ المسلم أنت! قلتُ: فما شأنك؟ قال: المال الذي عندي قد كثر وكَرَبَني! قلتُ: وما عليك، اقسمه.
قالت: فقسمه حتى ما بقي منه درهم.
قال يحيى بن طلحة: فسألتُ خازن طلحة: كم المال؟ قال: أربعمائة ألف.
وقالت سُعدى بنت عوف أيضاً: لقد تصدَّق طلحة يوما بمائة ألف، ثم حبسه عن المسجد أن جمعتُ له بين طرفي ثوبه.
تعني: لم يستطع الذهاب إلى المسجد حتى رقع ثوبه!!
ومرّة أخرى باع أرضاً له بثمن مرتفع، ونظر الى كومة المال ففاضت عيناه من الدمع ثم قال: إن رجلاً تبيت هذه الأموال في بيته لا يدري ما يطرق من أمر، لمغرور بالله
ثم دعا بعض أصحابه وحمل معهم أمواله هذه، ومضى في شوارع المدينة وبيوتها يوزعها، حتى أسحر وما عنده منها درهم
ويصف جابر بن عبد الله جود طلحة فيقول: ما رأيت أحد أعطى لجزيل مال من غير مسألة، من طلحة بن عبيد الله
وكان أكثر الناس برّا بأهله وبأقربائه، فكان يعولهم جميعا على كثرتهم.. وقد قيل عنه في ذلك: كان لا يدع أحدا من بني تيم عائلا إلا كفاه مؤنته، و مؤنة عياله وكان يزوج أياماهم، ويخدم عائلهم، ويقضي دين غارمهم
ويقول السائب بن زيد: صحبت طلحة بن عبيد الله في السفر والحضر فما وجدت أحداً، أعمّ سخاء على الدرهم، والثوب والطعام من طلحة.
ويتجلى زهد طلحة ابن عبيد الله رضي الله عنه كذلك في تركه ما لا ينفع في الآخرة وعدم إصراره على الخطأ إن صدر منه، فكان وَقَّافاً لحدود الله تعالى وكان إذا ذُكِّرَ ذكر ويظهر هذا وضوحاً جلياً في موقف من الفتنة في خلافة عثمان وهاك موقفه بإيجاز:
نشبت الفتنة المعروفة في خلافة عثمان رضي الله عنه ويؤيد طلحة حجة المعارضين لعثمان، ويزكي معظمهم فيما كانوا ينشدونه من تغيير وإصلاح، لكن هل كان بموقفه هذا، يدعو إلى قتل عثمان، أو يرضى به.. ؟؟ كلا
ولو كان يعلم أن الفتنة ستتداعى حتى تتفجر آخر الأمر حقداً مخبولاً، ينفس عن نفسه في تلك الجناية البشعة التي ذهب ضحيتها ذو النورين عثمان رضي الله عنه نقول: لو كان يعلم أن الفتنة ستتمادى إلى هذا المأزق والمنتهى لقاومها، ولقاومها معه بقية الأصحاب الذين آزروها أول أمرها باعتبارها حركة معارضة وتحذير، لا أكثر على أن موقف طلحة هذا، تحوّل إلى عقدة حياته بعد الطريقة البشعة التي حوصر بها عثمان وقتل، فلم يكد الإمام عليّ يقبل بيعة المسلمين بالمدينة ومنهم طلحة والزبير، حتى استأذن الاثنان في الخروج إلى مكة للعمرة ومن مكة توجها إلى البصرة، حيث كانت قوات كثيرة تتجمّع للأخذ بثأر عثمان وكانت وقعة الجمل حيث التقى الفريق المطالب بدم عثمان، والفريق الذي يناصر عليّا.. وكان عليّ كلما أدار خواطره على الموقف العسر الذي يجتازه الإسلام والمسلمون في هذه الخصومة الرهيبة، تنتفض همومه، وتهطل دموعه، ويعلو نشيجه لقد اضطر إلى المأزق الوعر فبوصفه خليفة المسلمين لا يستطيع، وليس من حقه أن يتسامح تجاه أي تمرّد على الدولة، أو أي مناهضة مسلحة للسلطة المشروعة وحين ينهض لقمع تمرّد من هذا النوع، فإن عليه أن يواجه إخوانه وأصحابه وأصدقاءه، وأتباع رسوله ودينه، أولئك الذين طالما قاتل معهم جيوش الشرك، وخاضوا معا تحت راية التوحيد معارك صهرتهم وصقلتهم، وجعلت منهم إخواناً بل إخوة متعاضدين فأي مأزق هذا.. ؟ وأي ابتلاء عسير.. ؟ وفي سبيل التماس مخرج من هذا المأزق، وصون دماء المسلمين لم يترك الإمام علي وسيلة إلا توسّل بها، ولا رجاء إلا تعلق به ولكن العناصر التي كانت تعمل ضدّ الإسلام، وما أكثرها، والتي لقيت مصيرها الفاجع على يد الدولة المسلمة، أيام عاهلها العظيم عمر، هذه العناصر كانت قد أحكمت نسج الفتنة، وراحت تغذيها وتتابع سيرها وتفاقمها بكى عليّ رضي الله عنه بكاء غزيرا، عندما أبصر أم المؤمنين عائشة في هودجها على رأس الجيش الذي يخرج الآن لقتاله وعندما أبصر وسط الجيش طلحة والزبير، حوراييّ رسول الله فنادى طلحة والزبير ليخرجا إليه، فخرجا حتى اختلفت أعناق أفراسهم فقال لطلحة: يا طلحة، أجئت بعرس رسول الله تقاتل بها وخبأت عرسك في البيت.. ؟؟ ثم قال للزبير: يا زبير، نشدتك الله، أتذكر يوم مرّ بك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونحن بمكان كذا، فقال لك: يا زبير، ألا تحبّ عليّا.. ؟
فقلت: ألا أحب ابن خالي، وابن عمي، ومن هو على ديني.. ؟؟ فقال لك: يا زبير، أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم قال الزبير رضي الله عنه: نعم أذكر الآن، وكنت قد نسيته، والله لا أقاتلك وأقلع الزبير وطلحة عن الاشتراك في هذه الحرب الأهلية أقلعا فور تبيّنهما الأمر، وعندما أبصرا عمار بن ياسر يحارب في صف عليّ، تذكرا قول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمّار: تقتلك الفئة الباغية فإن قتل عمّار إذن في هذه المعركة التي يشترك فيها طلحة، فسيكون طلحة باغياً انسحب طلحة والزبير من القتال، ودفعا ثمن ذلك الانسحاب حياتهما، ولكنهما لقيا الله قريرة أعينهما بما منّ عليهما من بصيرة وهدى.. أما الزبير فقد تعقبه رجل اسمه عمرو بن جرموز وقتله غيلة وغدرا وهو يصلي وأما طلحة فقد رماه مروان بن الحكم بسهم أودى بحياته كان مقتل عثمان قد تشكّل في نفسية طلحة، حتى صار عقدة حياته.. كل هذا، مع أنه لم يشترك بالقتل، ولم يحرّض عليه، وإنما ناصر المعارضة ضدّه، يوم لم يكن يبدو أن المعارضة ستتمادى وتتأزم حتى تتحول إلى تلك الجريمة البشعة وحين أخذ مكانه يوم الجمل مع الجيش المعادي لعلي بن أبي طالب والمطالب بدم عثمان، كان يرجو أن يكون في موقفه هذا كفّارة تريحه من وطأة ضميره.. وكان قبل بدء المعركة يدعو ويضرع بصوت تخنقه الدموع، ويقول: اللهم خذ مني لعثمان اليوم حتى ترضى فلما واجهه عليّ هو والزبير، أضاءت كلمات عليّ جوانب نفسيهما، فرأيا الصواب وتركا أرض القتال.. بيد أن الشهادة من حظ طلحة يدركها وتدركه أيّان يكون ألم يقل الرسول عنه: هذا ممن قضى نحبه، ومن سرّه أن يرى شهيداً يمشي على الأرض، فلينظر الى طلحة لقي الشهيد اذن مصيره المقدور والكبير، وانتهت وقعة الجمل
وأدركت أم المؤمنين أنها تعجلت الأمور فغادرت البصرة إلى البيت الحرام فالمدينة، نافضة يديها من هذا الصراع، وزوّدها الإمام علي في رحلتها بكل وسائل الراحة والتكريم.. وحين كان عليّ يستعرض شهداء المعركة راح يصلي عليهم جميعا، الذين كانوا معه، والذين كانوا ضدّه و لما رأى على طلحة مقتولاً جعل يمسح التراب عن وجهه و قال: عزيز علي أبا محمد أن أراك مجولاً تحت نجوم السماء ثم قال: إلى الله أشكو عجري و بجري و ترحم عليه وقال: ليتني من قبل هذا اليوم بعشرين سنة و بكى هو وأصحابه عليه ولما فرغ من دفن طلحة، والزبير، وقف يودعهما بكلمات جليلة، اختتمها قائلا: إني لأرجو أن أكون أنا، وطلحة والزبير وعثمان من الذين قال الله فيهم: ونزعنا ما صدورهم من غلّ إخوانا على سرر متقابلين، ثم ضمّ قبريهما بنظراته الحانية الصافية الآسية وقال: سمعت أذناي هاتان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: طلحة والزبير، جاراي في الجنّة.
سيرة الزبير بن العوام - رضي الله عنه -
و صورٌ من زهده:
وسوف نتناول شيئين أساسيين في هذه السيرة العطرة وهما: أولاً: لمحات من سيرة الزبير ابن العوام - رضي الله عنه -: ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد الزبير ابن العوام - رضي الله عنه -: وهاك تفصيل ذلك: أولاً: لمحات من سيرة الزبير ابن العوام - رضي الله عنه -:
قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
وقرينه الزبير بن العوام، الثابت القوام، صاحب السيف الصارم، والرأي الحازم، كان لمولاه مستكيناً، وبه مستعيناً، قاتل الأبطال، وباذل الأموال.
مدح حسان بن ثابت الزبير، فقال في مديحه للزبير:
فكم كربة ذب الزبير بسيفه... عن المصطفي والله يعطي ويجزل
فما مثله فيهم ولا كان قبله... وليس يكون الدهر مادام يذبل
ثناؤك خير من فعال معاشر... وفعلك يا بن الهاشمية أفضل
قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء:
الزبير بن العوام ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب حواري رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وابن عمته صفية بنت عد المطلب وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أهل الشورى وأول من سل سيفه في سبيل الله أبو عبد الله رضي الله عنه أسلم وهو حدث له ست عشرة سنة وقد ورد أن الزبير كان رجلا طويلا إذا ركب خطت رجلاه الأرض وكان خفيف اللحية والعارضين روى أحاديث يسيرة حدث عنه بنوه عبد الله ومصعب وعروة وجعفر ومالك بن أوس بن الحدثان والأحنف بن قيس وعبد الله بن عامر بن كريز ومسلم بن جندب وأبو حكيم مولاه وآخرون.
قال موسى بن طلحة: كان علي والزبير وطلحة وسعد عذار عام واحد يعني ولدوا في سنة.
وقال المدائني: كان طلحة والزبير وعلي أترابا.
وقال عروة أن الزبير: كان طويلا تخط رجلاه الارض إذا ركب الدابة أشعر وكانت أمه صفية تضربه ضربا شديدا وهو يتيم فقيل لها قتلته أهلكته قالت إنما أضربه لكي يدب ويجر الجيش ذا الجلب قال وكسر يد غلام ذات يوم فجيء بالغلام إلى صفية فقيل لها ذلك فقالت كيف وجدت وبرا أأقطا أم تمرا أم مشمعلا صقرا
وفيه يقول عامر بن صالح بن عبد الله بن الزبير:
جدي ابن عمة أحمد ووزيره... عند البلاء وفارس الشقراء
وغداة بدر كان أول فارس... شهد الوغى في اللامة الصفراء
نزلت بسيماه الملائك نصرة... بالحوض يوم تألب الاعداء
- اسم الزبير بن العوام - رضي الله عنه - وكنيته:
أبو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب يلتقي مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الجد الخامس (قصي) أمه: صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمته: أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها زوجته: وزوجته أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين رضي الله عنها وهي أم عبد الله بن الزبير أول مولود للمسلمين بعد الهجرة
- مولد الزبير بن العوام - رضي الله عنه - ونشأته:
كَانَ عَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ، وَسَعْدٌ، أترابا، يَعْنِي: وُلِدُوا فِي سَنَةٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ صَفِيَّةُ تَضْرِبُهُ ضَرْباً شَدِيْداً، وَهُوَ يَتِيْمٌ.
فَقِيْلَ لَهَا: قَتَلْتِهِ، أَهْلَكْتِهِ.
قَالَتْ: إِنَّمَا أَضْرِبُهُ لِكَي يَدِبّ وَيَجُرَّ الجَيْشَ ذَا الجَلَبْ.
- إسلام الزبير بن العوام - رضي الله عنه -:
أسلم الزبير بن العوام وعمره خمس عشرة سنة أو أقل، وكان من السبعة الأوائل الذين سارعوا بالإسلام.
- ثبات الزبير بن العوام - رضي الله عنه - في الإسلام:
كان للزبير -رضي الله عنه- نصيبا من العذاب على يد عمه، فقد كان يلفه في حصير ويدخن عليه بالنار كي تزهق أنفاسه، ويناديه: (اكفر برب محمد أدرأ عنك هذا العذاب) 000فيجيبه الفتى الزبير رضي الله عنه: (لا والله، لا أعود للكفر أبدا)
- سيفه هو أول سيف شهر بالإسلام:
ففي أيام الإسلام الأولى سرت شائعة بأن الرسول الكريم قد قتل، فما كان من الزبير إلا أن استل سيفه وامتشقه، وسار في شوارع مكة كالإعصار، وفي أعلى مكة لقيه الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فسأله ماذا به؟ فأخبره النبأ فصلى عليه الرسول ودعا له بالخير ولسيفه بالغلب.
- مَنَاقِبِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ - رضي الله عنه -:
للزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ - رضي الله عنه - مناقب عظيمة وفضائل جسيمة وهاك غيضٌ من فيض ونقطةٌ من بحر مما ورد في ذلك جملةً وتفصيلاً: أولاً مناقب مَنَاقِبِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ - رضي الله عنه - جملة ً:
(1) الزبير ابن عمة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وحواريه:
(2) الزبير أحد العشر المبشرين بالجنة ومن الستة أصحاب الشورى:
(3) تبشيره بالشهادة:
(4) جَمَعَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له أَبَوَيْهِ:
(5) شجاعة الزبير بن العوام رضي الله عنه:
(6) إنفاق الزبير في سبيل الله عز وجل:
(7) الزبير من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح:
(8) الزبير ركن من أركان الدين:
(9) اعتزال الزبير للفتنة:
ثانياً مناقب مَنَاقِبِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ - رضي الله عنه - تفصيلا ً:
(1) الزبير ابن عمة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وحواريه:
(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من يأتني بخبر القوم).
يوم الأحزاب، قال الزبير: أنا، ثم قال: (من يأتيني بخبر القوم).
قال الزبير: أنا، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن لكل نبي حواريا، وحواري الزبير.
(حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الزبير ابن عمتي و حواريي من أمتي.
﴿إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا"﴾ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا أَيْ: نَاصِرًا مُخْلِصًا " ﴿وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ مناقب الزبير﴾ (1) " أَيْ: خَاصَّتِي مِنْ أَصْحَابِي وَنَاصِرِي قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَالَ الْقَاضِي: اخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ فَضَبَطَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ بِفَتْحِ الْيَاءِ كَمُصْرِخِيَّ، وَضَبَطَهُ أَكْثَرُهُمْ بِكَسْرِهَا، وَالْحَوَارِيُّ النَّاصِرُ وَقِيلَ: الْخَاصَّةُ.
انْتَهَى
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أسماء بنت أبي بكر قالت مر الزبير بمجلس من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحسان ينشدهم من شعره وهم غير نشاط لما يسمعون منه فجلس معهم الزبير ثم قال مالي أراكم غير أذنين لما تسمعون من شعر ابن الفريعة فلقد كان يعرض به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيحسن استماعه ويجزل عليه ثوابه ولا يشتغل عنه فقال حسان يمدح الزبير أقام على عهد النبي وهديه حواريه والقول بالفعل يعدل أقام على منهاجه وطريقه يوالي ولي الحق والحق اعدل هو الفارس المشهور والبطل الذي يصول إذا ما كان يوم محجل إذا كشفت عن ساقها الحرب حشها بأبيض سباق إلى الموت يرقل وإن امرءا كانت صفية أمه ومن أسد في بيتها لمؤثل له من رسول الله قربى قريبة ومن نصرة الاسلام مجد مؤثل فكم كربة ذب الزبير بسيفه عن المصطفى والله يعطي فيجزل ثناؤك خير من فعال معاشر وفعلك يا ابن الهاشمية أفضل
(2) الزبير أحد العشر المبشرين بالجنة ومن الستة أصحاب الشورى:
(حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعليٌ في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعدُ ابن أبي وقاص في الجنة وسعيدُ ابن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الشعبي يقول أدركت خمس مئة أو أكثر من الصحابة يقولون علي وعثمان وطلحة والزبير في الجنة.
قال الذهبي رحمه الله:1
قلت لأنهم من العشرة المشهود لهم بالجنة ومن البدريين ومن أهل بيعة الرضوان ومن السابقين الأولين الذين أخبر تعالى أنه رضي عنهم ورضوا عنه ولأن الأربعة قتلوا ورزقوا الشهادة فنحن محبون لهم باغضون للأربعة الذين قتلوا الأربعة.
أهـ
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عمرو بن ميمون قال قال عمر إنهم يقولون استخلف علينا فإن حدث بي حدث فالأمر في هؤلاء الستة الذين فارقهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهوعنهم راض ثم سماهم.
(3) تبشيره بالشهادة:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان على حراء هو و أبو بكر و عمر و عثمان و علي و طلحة و الزبير فتحركت الصخرة، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد.
(حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اثبت حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد، وعدهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وابن عوف وسعيد بن زيد.
﴿تنبيه﴾: وهذا يصدق على كل من وقف في هذا الموقف؛ لأنه قال: (أو شهيد) و (شهيد) نكرة في سياق النفي فتفيد العموم.
(4) جَمَعَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له أَبَوَيْهِ:
(حديث الزبير ابن العوام رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: من يأت بني قريظة فيأتيني بخبرهم.
فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبويه فقال: (فداك أبي وأمي).
قَوْلُهُ: (جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَوَيْهِ) أَيْ: فِي التَّفْدِيَةِ " فَقَالَ بِأَبِي وَأُمِّي" أَيْ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، وَفِي هَذِهِ التَّفْدِيَةِ تَعْظِيمٌ لِقَدْرِهِ وَاعْتِدَادٌ بِعَمَلِهِ وَاعْتِبَارٌ بِأَمْرِهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُفَدِّي إِلَّا مَنْ يُعَظِّمُهُ فَيَبْذُلُ نَفْسَهُ، أَوْ أَعَزَّ أَهْلِهِ لَهُ.
(5) شجاعة الزبير بن العوام رضي الله عنه:
أخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيِّب قال: إن أول من سلّ سيفاً في الله الزبير بن العوام رضي الله عنه، بين هو ذات يوم قائل إذ سمع نغمةً: قُتِلَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخرج متجِّداً بالسيف صلتاً، فلقيها كُنَةً كَنَةً قال: "مالك يا زبير" فقال: سمعت أنك قُتلت.
قال: "فما أردت أن تصنع؟ " قال: أردت ـ والله ـ أستعرض أهل مكة.
فدعا له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخير، وفي ذلك يقول الأسَديّ:
هاذاك أول سيف سُلّ في غضب
لله سيف الزبير المرتَضى أنَفَا
حميَّةٌ سبقت من فضل نجدته
قد يحبس النجدات المحبس الأرفا
وعند ابن عساكر أيضاً وأبي نعيم في الحلية عن عروة أن الزبير بن العوَّام رضي الله عنهما سمع نفخة من الشيطان أن محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخذ، بعدما أسلم، وهو ابن إثنتي عشرة سنة؛ فسلّ سيفه، وخرج يشتدّ في الأزقة حتى أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وهو بأعلى مكة ـ والسيف في يده.
فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "ما شأنك؟ " قال: سمعت أنك قد أخذت.
فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "ما كنت تصنع؟ " قال: كنت أضرب بسيفي هذا من أخذك.
فدعا له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولسيفه، وقال: "انصرف".
وكان أول سيف سُلّ في سبيل الله.
كذا في منتخب كنز العمال.
وأخرجه الزبير بن بكار، كما في الإِصابة.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الثوري قال هؤلاء الثلاثة نجدة الصحابة حمزة وعلي والزبير.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن علي قال: حاربني خمسة أطوع الناس في الناس عائشة وأشجع الناس الزبير وأمكر الناس طلحة لم يدركه مكر قط واعطى الناس يعلى بن منية وأعبد الناس محمد بن طلحة كان محمودا حتى استزله أبوه وكان يعلى يعطي الرجل الواحد ثلاثين دينارا والسلاح والفرس على أن يحاربني.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن علي بن زيد أخبرني من رأى الزبير وفي صدره أمثال العيون من الطعن والرمي.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عروة قال كان في الزبير ثلاث ضربات بالسيف إحداهن في عاتقه إن كنت لأدخل أصابعي فيها ضرب ثنتين يوم بدر وواحدة يوم اليرموك.
قتله طلحة العبدري يوم أُحد:
وذكر يونس عن ابن إسحاق أن طلحة بن أبي طلحة العبدري حاملَ لواء المشركين يوم أُحد دعا إلى البراز، فأحجم عنه الناس؛ فبرز إليه الزبير بن العوام رضي الله عنه.
فوثب حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الأرض، فألقاه عنه، وذبحه بسيفه، فأثنى عليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: "إنَّ لكل نبي حوارِيّاً، وحوارِيّ الزبير"، وقال: "لو لم يبرز إِليه لبرزت أنا إليه، لِمَا رأيت من إحجام الناس عنه".
كذا في البداية.
قتله نوفل المخزومي وقصته في قتل رجل آخر:
وذكر يونس عن ابن إسحاق قال: خرج نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي ـ أي يوم الخندق ـ، فسأل المبارزة.
فخرج إليه الزبير بن العوام رضي الله عنه فضربه، فشقّه باثنتين حتى فلّ في سيفه فلا؛ وانصرف وهو يقول:
إني أمرؤ أُحمي وأحتمي
عن النبي المصطفى الأمي
كذا في البداية.
وقد أخرج ابن جرير عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت؛ أقبل رجل من المشركين وعليه السلاح، حتى صعد على مكان مرتفع من الأرض فقال: من يبارز؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لرجل من القوم: "أتقوم إليه؟ " فقال له الرجل: إن شئت يا رسول الله.
فأخذ الزبير رضي الله عنه يتطلَّع، فنظر إليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: "قم يا ابن صفية" فانطلق إِليه حتى استوى معه، فاضطربا ثم عانق أحدهما الآخر، ثم تدحرجا.
فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أيهما وقع الحضيض أول فهو المقتول"، فدعا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودعا الناس فوقع الكافر، ووقع الزبير رضي الله عنه على صدره فقتله.
كذا في منتخب الكنز.
حملة الزبير يوم الخندق ويوم اليرموك:
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: جُعلت يوم الخندق مع النساء والصبيان في الأُطُم، ومعي عمر بن أبي سلمة، فجعل يطأطىء لي، فأصعد على ظهره، فأنظر.
قال: فنظرت إلى أبي وهو يحمل مرة ها هنا، ومرة ها هنا، فما يرتفع له شيء إلا أتاه.
فلما أمسى جاءنا إلى الأُطُم قلت: يا أبت رأيتك اليوم وما تصنع.
قال: ورأيتني يا بني؟ قلت: نعم.
قال: فدىً لك أبي وأمي.
كذا في البداية.
وأخرج البخاري عن عروة رضي الله عنه أن أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالوا للزبير رضي الله عنه يوم اليرموك: لا تشدّ فنشدّ معك؟ فقال: إني إن شددت كذبتم.
فقالوا: لا نفعل.
فحمل عليهم حتى شقّ صفوفهم فجاوزهم، وما معه أحد، ثم رجع مقبلاً، فأخذوا بلجامه، فضربوه ضربتين على عاتقه، بينهما ضربة ضُربها يوم بدر.
قال عروة رضي الله عنه: كنت أدخل أصابعي في تلك الضربات، ألعب وأنا صغير.
قال عروة رضي الله عنه: وكان معه عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما يومئذٍ، وهو ابن عشر سنين؛ فحمله على فرس ووكّل به رجلاً.
وذكره في البداية ـ بمعناه وزاد: ثم جاؤوا إليه مرّة ثانية، ففعل كما فعل في المرة الأولى.
(6) إنفاق الزبير في سبيل الله عز وجل:
أخرج أبو نُعيم في الحلية عن سعيد بن (عبد) العزيز قال: كان للزبير بن العوام رضي الله عنه ألف مملوك يؤدُّون إِليه الخراج، فكان يقسمه كل ليلة، ثم يقوم إِلى منزله وليس معه منه شيء.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن مغيث بن سمي قال كان للزبير بن العوام ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فلا يدخل بيته من خراجهم شيئا.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عروة بن الزبير قال: قال أوصى إلى الزبير سبعة من الصحابة منهم عثمان وابن مسعود وعبد الرحمن فكان ينفق على الورثة من ماله ويحفظ أموالهم.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن جويرية بن أسماء باع الزبير دارا له بست مئة ألف فقيل له يا أبا عبد الله غبنت قال كلا هي في سبيل الله.
(7) الزبير من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح:
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) قالت: (الّذِينَ اسْتَجَابُواْ للّهِ وَالرّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) [آل عمران: 172] قالت لعروة: يا ابن أختي، كان أبوك منهم: الزبير وأبو بكر، لما أصاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: (من يذهب في إثرهم).
فانتدب منهم سبعون رجلا، قال: كان فيهم أبو بكر والزبير.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح:
قوله القرح: الجراح هو تفسير أبي عبيدة وكذا أخرجه بن جرير من طريق سعيد بن جبير مثله،
قوله استجابوا: أجابوا ويستجيب يجيب هو قول أبي عبيدة قال في قوله تعالى (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبّهُمْ أَنّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ [آل عمران: 195] أي أجابهم تقول العرب استجيتك أي أجبتك.
وحاصل القصة: لما انصرف المشركون من أحد وأصاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اصحابه ما أصابهم خاف أن يرجعوا فقال من ينتدب لهؤلاء في آثارهم حتى يعلموا أن بنا قوة فانتدب أبو بكر والزبير في سبعين فخرجوا في آثار المشركين فسمعوا بهم فانصرفوا قال تعالى (فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوَءٌ وَاتّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) [آل عمران:
(7) الزبير من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح:
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عمرو بن ميمون قال قال عمر إنهم يقولون استخلف علينا فإن حدث بي حدث فالأمر في هؤلاء الستة الذين فارقهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهوعنهم راض ثم سماهم.
الشاهد: أن هذا هو قول عمر وقول عمر رضي الله تعالى عنه سنة متبعة لأنه من الخلفاء الراشدين للحديث الآتي:
(حديث العرباض بن سارية الثابت في صحيح أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أوصيكم بتقوى الله و السمع و الطاعة و إن أمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم بعدي فسيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها و عضوا عليها بالنواجذ و إياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة.
(8) الزبير ركن من أركان الدين:
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عروة بن الزبير قال: قال أوصى إلى الزبير سبعة من الصحابة منهم عثمان وابن مسعود وعبد الرحمن فكان ينفق على الورثة من ماله ويحفظ أموالهم.
الشاهد: أنه هذا قول عمر وقول عمر رضي الله تعالى عنه سنة متبعة لأنه من الخلفاء الراشدين.
(حديث العرباض بن سارية الثابت في صحيح أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أوصيكم بتقوى الله و السمع و الطاعة و إن أمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم بعدي فسيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها و عضوا عليها بالنواجذ و إياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة.
(9) اعتزال الزبير للفتنة:
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عن مطرف قلت للزبير ما جاء بكم ضيعتم الخليفة حتى قتل ثم جئتم تطلبون بدمه قال إنا قرأنا على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بكر وعمر وعثمان قال تعالى: (وَاتّقُواْ فِتْنَةً لاّ تُصِيبَنّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصّةً) [الأنفال: 25] لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الأسود بن قيس حدثني من رأى الزبير يقتفي آثار الخيل قعصا بالرمح فناداه علي يا أبا عبد الله فأقبل عليه حتى التفت أعناق دوابهما فقال أنشدك بالله أتذكر يوم كنت أناجيك فأتانا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال تناجيه فوالله ليقاتلنك وهو لك ظالم قال فلم يعد أن سمع الحديث فضرب وجه دابته وذهب.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي جرو المازني قال شهدت عليا والزبير حين تواقفا فقال علي يا زبير أنشدك الله أسمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول إنك تقاتلني وأنت لي ظالم قال نعم ولم أذكره إلا في موقفي هذا ثم انصرف.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: انصرف الزبير يوم الجمل عن علي فلقيه ابنه عبد الله فقال جبنا جبنا قال قد علم الناس أني لست بجبان ولكن ذكرني علي شيئا سمعته من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحلفت أن لا أقاتله ثم قال ترك الامور التي أخشى عواقبها في الله أحسن في الدنيا وفي الدين وقيل إنه أنشد ولقد علمت لو أن علمي نافعي أن الحياة من الممات قريب فلم ينشب أن قتله ابن جرموز.
قتل الزبير بن العوام - رضي الله عنه -:
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عمرو بن جاوان قال قتل طلحة وانهزموا فأتى الزبير سفوان فلقيه النعر المجاشعي فقال يا حواري رسول الله أين تذهب تعال فأنت في ذمتي فسار معه وجاء رجل إلى الأحنف فقال إن الزبير بسفوان فما تأمر إن كان جاء فحمل بين المسلمين حتى إذا ضرب بعضهم حواجب بعض بالسيف أراد أن يلحق ببنيه قال فسمعها عمير بن جرموز وفضالة بن حابس ورجل يقال له نفيع فانطلقوا حتى لقوه مقبلا مع النعر وهم في طلبه فأتاه عمير من خلفه وطعنه طعنة ضعيفة فحمل عليه الزبير فلما استلحمه وظن أنه قاتله قال يا فضالة يا نفيع قال فحملوا على الزبير حتى قتلوه.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن زر قال استأذن ابن جرموز على علي وأنا عنده فقال علي بشر قاتل ابن صفية بالنار سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (لكل نبي حواري وحواري الزبير.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عروة ابن الزبير قال: بلغ حصة عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل زوجة الزبير من ميراثه ثمانين ألف درهم وقالت ترثيه غدر ابن جرموز بفارس بهمة يوم اللقاء وكان غير معرد يا عمرو لو نبهته لوجدته لا طائشا رعش البنان ولا اليد ثكلتك أمك إن ظفرت بمثله فيما مضى مما تروح وتغتدي كم غمرة قد خاضها لم يثنه عنها طرادك يا إبن فقع الفدفد والله ربك ان قتلت لمسلما حلت عليك عقوبة المتعمد
ثانيا
ً: صورٌ مشرقة من زهد الزبير بن العوام - رضي الله عنه -:
لقد فهم الزبير ابن العوام - رضي الله عنه - من خلال معايشته للقرآن الكريم، ومصاحبته للنبي الأمين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، وعليه فإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرر من سيطرة الدنيا بزخارفها، و زينتها، وبريقها، وطلقها ثلاثة ونفض يديه منها، وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهرا وباطنا، فكانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف، وقد وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق ما يلي:
(1) اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل كما قال النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.
(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
(2) أن هذه الدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله تبارك وتعالى:
(حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء.
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما.
(3) أن عمرها قد قارب على الانتهاء:
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بعثت أنا والساعة كهاتين قال وضم السبابة والوسطى.
(4) أن الآخرة هى الباقية، وهى دار القرار:
كما قال مؤمن آل فرعون:
(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر: 39، 40]
كانت هذه الحقائق قد استقرت في قلب أبي بكر، فترِفَّع رضي الله عنه عن الدنيا وحطامها وزهد فيها،
وهاك بعض صور زهده رضي الله عنه:
كان يدير تجارة رابحة ناجحة، وكان ثراؤه عريضا، ولكنه أنفقه في الإسلام حتى مات مدينا!!
وكان توكله على الله منطلق جوده، ومنطلق شجاعته وفدائيته..
حتى وهو يجود بروحه، ويوصي ولده عبد الله بقضاء ديونه قال له:
" ذا أعجزك دين، فاستعن بمولاي"..
وسأل عبد الله: أي مولى تعني.. ؟
فأجابه: الله، نعم المولى ونعم النصير"..
يقول عبد الله فيما بعد:
" فو الله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقضي دينه، فيقضيه".
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عروة ابن الزبير قال لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه فقال يا بني أنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم واني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلوما وإن من أكبر همي لديني أفترى ديننا يبقى من مالنا شيئا يا بني بع ما لنا فاقض ديني فأوصي بالثلث وثلث الثلث إلى عبد الله فإن فضل من مالنا بعد قضاء الدين شيء فثلث لولدك قال هشام وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير خبيب وعباد وله يومئذ تسع بنات قال عبد الله فجعل يوصيني بدينه ويقول يا بني إن عجزت عن شيء منه فاستعن بمولاي قال فوالله ما دريت ما عنى حتى قلت يا أبة من مولاك؟ قال الله عز وجل قال فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت يا مولى الزبير اقض عنه فيقضيه، قال وقتل الزبير ولم يدع دينارا ولا درهما إلا أرضين بالغابة ودارا بالمدينة ودارا بالبصرة ودارا بالكوفة ودارا بمصر قال وإنما كان الذي عليه أن الرجل يجيء بالمال فيستودعه فيقول الزبير لا ولكن هو سلف إني أخشى عليه الضيعة وما ولي إمارة قط ولا جباية ولا خراجا ولا شيئا إلا أن يكون في غزو مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو مع أبي بكر وعمر وعثمان فحسبت دينه فوجدته ألفي ألف ومئتي ألف فلقي حكيم بن حزام الأسدي عبد الله فقال يا إبن أخي كم على أخي من الدين فكتمه وقال مئة ألف فقال حكيم ما أرى أموالكم تتسع لهذه فقال عبد الله أفرأيت إن كانت الفي الف ومئتي ألف قال ما أراكم تطيقون هذا فإن عجزتم عن شيء فاستعينوا بي وكان الزبير قد اشترى الغابة بسبعين ومئة ألف فباعها عبد الله بألف ألف وست مئة ألف وقال من كان له على الزبير دين فليأتنا بالغابة فأتاه عبد الله بن جعفر وكان له على الزبير أربع مئة ألف فقال لابن الزبير إن شئت تركتها لكم قال لا قال فاقطعوا لي قطعة قال لك من هاهنا إلى هاهنا قال فباعه بقضاء دينه قال وبقي منها أربعة أسهم ونصف فقال المنذر بن الزبير قد اخذت سهما بمئة ألف وقال عمرو بن عثمان قد اخذت سهما بمئة ألف وقال إبن ربيعة قد أخذت سهما بمئة ألف فقال معاوية كم بقي قال سهم ونصف قال قد اخذت بمئة وخمسين ألفا قال وباع ابن جعفر نصيبه من معاوية بست مئة ألف فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه قال بنو الزبير أقسم بيننا ميراثنا قال لا والله حتى أنادي بالموسم أربع سنين ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه فجعل كل سنة ينادي بالموسم فلما مضت أربع
سنين قسم بينهم فكان للزبير أربع نسوة قال فرفع الثلث فأصاب كل إمرأة ألف ألف ومئة ألف فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف.
زهد الزبير بن العوام - رضي الله عنه -:
لقد وعى الزبير ابن العوام رضي الله عنه حقيقة الزهد وأن الزهد أن يكون المال في يدك وليس في قلبك فكان آيةً في الجود والسخاء والبذل والإنفاق في سبيل الله تعالى، فكان المال في يده ولم يقترب من قلبه الشريف رضي الله عنه.
أَوْصَى إِلَى الزُّبَيْرِ سَبْعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُم: عُثْمَانُ، وَابْنُ مَسْعُوْدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى الوَرَثَةِ مِنْ مَالِهِ، وَيَحْفَظُ أَمْوَالَهُمْ.
وقد كَانَ لِلزُّبَيْرِ بنِ العَوَّام أَلفُ مَمْلُوْكٍ يُؤَدُّوْنَ إِلَيْهِ الخَرَاجَ، فَلاَ يُدْخِلُ بَيْتَهُ مِنْ خَرَاجِهِمْ شَيْئاً.
بَلْ يَتَصَدَّقُ بِهَا كُلِّهَا.
قَالَ جُوَيْرِيَةُ بنُ أَسْمَاءَ: بَاعَ الزُّبَيْرُ دَاراً لَهُ بِسِتِّ مَائَةِ أَلفٍ، فَقِيْلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ! غُبِنْتَ.
قَالَ: كَلاَّ، هِيَ فِي سَبِيْلِ اللهِ.
ويتجلى زهد الزبير ابن العوام رضي الله عنه كذلك في تركه ما لا ينفع في الآخرة وعدم إصراره على الخطأ إن صدر منه، فكان وَقَّافاً لحدود الله تعالى وكان إذا ذُكِّرَ ذكر ويظهر هذا وضوحاً جلياً في موقف من الفتنة في خلافة عثمان وهاك موقفه بإيجاز:
نشبت الفتنة المعروفة في خلافة عثمان رضي الله عنه ويؤيد طلحة والزبير حجة المعارضين لعثمان، ويزكي معظمهم فيما كانوا ينشدونه من تغيير وإصلاح، لكن هل كان بموقفه هذا، يدعو إلى قتل عثمان، أو يرضى به.. ؟؟ كلا
ولو كان يعلم أن الفتنة ستتداعى حتى تتفجر آخر الأمر حقداً مخبولاً، ينفس عن نفسه في تلك الجناية البشعة التي ذهب ضحيتها ذو النورين عثمان رضي الله عنه نقول: لو كان يعلم أن الفتنة ستتمادى إلى هذا المأزق والمنتهى لقاومها، ولقاومها معه بقية الأصحاب الذين آزروها أول أمرها باعتبارها حركة معارضة وتحذير، لا أكثر
على أن موقف طلحة هذا، تحوّل إلى عقدة حياته بعد الطريقة البشعة التي حوصر بها عثمان وقتل، فلم يكد الإمام عليّ يقبل بيعة المسلمين بالمدينة ومنهم طلحة والزبير، حتى استأذن الاثنان في الخروج إلى مكة للعمرة ومن مكة توجها إلى البصرة، حيث كانت قوات كثيرة تتجمّع للأخذ بثأر عثمان
وكانت وقعة الجمل حيث التقى الفريق المطالب بدم عثمان، والفريق الذي يناصر عليّا.. وكان عليّ كلما أدار خواطره على الموقف العسر الذي يجتازه الإسلام والمسلمون في هذه الخصومة الرهيبة، تنتفض همومه، وتهطل دموعه، ويعلو نشيجه ويصير في قلقٍ دءوب وهمٍ مستمر وحَيْرَةٍ لا تنقطع يتقلب في همٍ وغم كأنما يبكي الدم.
لقد اضطر إلى المأزق الوعر فبوصفه خليفة المسلمين لا يستطيع، وليس من حقه أن يتسامح تجاه أي تمرّد على الدولة، أو أي مناهضة مسلحة للسلطة المشروعة وحين ينهض لقمع تمرّد من هذا النوع، فإن عليه أن يواجه إخوانه وأصحابه وأصدقاءه، وأتباع رسوله ودينه، أولئك الذين طالما قاتل معهم جيوش الشرك، وخاضوا معا تحت راية التوحيد معارك صهرتهم وصقلتهم، وجعلت منهم إخواناً بل إخوة متعاضدين فأي مأزق هذا.. ؟ وأي ابتلاء عسير.. ؟
وفي سبيل التماس مخرج من هذا المأزق، وصون دماء المسلمين لم يترك الإمام علي وسيلة إلا توسّل بها، ولا رجاء إلا تعلق به ولكن العناصر التي كانت تعمل ضدّ الإسلام، وما أكثرها، والتي لقيت مصيرها الفاجع على يد الدولة المسلمة، أيام عاهلها العظيم عمر، هذه العناصر كانت قد أحكمت نسج الفتنة، وراحت تغذيها وتتابع سيرها وتفاقمها
بكى عليّ رضي الله عنه بكاء غزيرا، عندما أبصر أم المؤمنين عائشة في هودجها على رأس الجيش الذي يخرج الآن لقتاله وعندما أبصر وسط الجيش طلحة والزبير، حوراييّ رسول الله فنادى طلحة والزبير ليخرجا إليه، فخرجا حتى اختلفت أعناق أفراسهم فقال لطلحة: يا طلحة، أجئت بعرس رسول الله تقاتل بها وخبأت عرسك في البيت.. ؟؟
ثم قال للزبير: يا زبير، نشدتك الله، أتذكر يوم مرّ بك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونحن بمكان كذا، فقال لك: يا زبير، ألا تحبّ عليّا.. ؟
فقلت: ألا أحب ابن خالي، وابن عمي، ومن هو على ديني.. ؟؟
فقال لك: يا زبير، أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم
قال الزبير رضي الله عنه: نعم أذكر الآن، وكنت قد نسيته، والله لا أقاتلك وأقلع الزبير وطلحة عن الاشتراك في هذه الحرب الأهلية
أقلعا فور تبيّنهما الأمر وهذا مثلاً أعلى منهما يُحْتَذى به في تركهما ما لا ينفع في الآخرة وهو قمة الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، كيف لا وهما اثنين من العشرة المبشرين بالجنة فأَبْصِرْ وَتَعَلَمْ من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة أصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ورضي الله تعالى عنهم.
، وعندما أبصرا عمار بن ياسر يحارب في صف عليّ، تذكرا قول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمّار: تقتلك الفئة الباغية فإن قتل عمّار إذن في هذه المعركة التي يشترك فيها طلحة، فسيكون طلحة باغياً
انسحب طلحة والزبير من القتال، ودفعا ثمن ذلك الانسحاب حياتهما، ولكنهما لقيا الله قريرة أعينهما بما منّ عليهما من بصيرة وهدى.. أما الزبير فقد تعقبه رجل اسمه عمرو بن جرموز وقتله غيلة وغدرا وهو يصلي
وأما طلحة فقد رماه مروان بن الحكم بسهم أودى بحياته
كان مقتل عثمان قد تشكّل في نفسية طلحة، حتى صار عقدة حياته.. كل هذا، مع أنه لم يشترك بالقتل، ولم يحرّض عليه، وإنما ناصر المعارضة ضدّه، يوم لم يكن يبدو أن المعارضة ستتمادى وتتأزم حتى تتحول إلى تلك الجريمة البشعة
وحين أخذ مكانه يوم الجمل مع الجيش المعادي لعلي بن أبي طالب والمطالب بدم عثمان، كان يرجو أن يكون في موقفه هذا كفّارة تريحه من وطأة ضميره.. وكان قبل بدء المعركة يدعو ويضرع بصوت تخنقه الدموع، ويقول: اللهم خذ مني لعثمان اليوم حتى ترضى
فلما واجهه عليّ هو والزبير، أضاءت كلمات عليّ جوانب نفسيهما، فرأيا الصواب وتركا أرض القتال.. بيد أن الشهادة من حظ طلحة يدركها وتدركه أيّان يكون ألم يقل الرسول عنه: هذا ممن قضى نحبه، ومن سرّه أن يرى شهيداً يمشي على الأرض، فلينظر الى طلحة لقي الشهيد اذن مصيره المقدور والكبير، وانتهت وقعة الجمل
وأدركت أم المؤمنين أنها تعجلت الأمور فغادرت البصرة إلى البيت الحرام فالمدينة، نافضة يديها من هذا الصراع، وزوّدها الإمام علي في رحلتها بكل وسائل الراحة والتكريم.. وحين كان عليّ يستعرض شهداء المعركة راح يصلي عليهم جميعا، الذين كانوا معه، والذين كانوا ضدّه و لما رأى على طلحة مقتولاً جعل يمسح التراب عن وجهه و قال: عزيز علي أبا محمد أن أراك مجولاً تحت نجوم السماء ثم قال: إلى الله أشكو عجري و بجري و ترحم عليه وقال: ليتني من قبل هذا اليوم بعشرين سنة و بكى هو وأصحابه عليه ولما فرغ من دفن طلحة، والزبير، وقف يودعهما بكلمات جليلة، اختتمها قائلا: إني لأرجو أن أكون أنا، وطلحة والزبير وعثمان من الذين قال الله فيهم: ونزعنا ما صدورهم من غلّ إخوانا على سرر متقابلين ثم ضمّ قبريهما بنظراته الحانية الصافية الآسية وقال: سمعت أذناي هاتان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: طلحة والزبير، جاراي في الجنّة.
سيرة عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - و صورٌ من زهده:
وسوف نتناول شيئين أساسيين في هذه السيرة العطرة وهما: أولاً: لمحات من سيرة عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -: ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -: وهاك تفصيل ذلك: أولاً: لمحات من سيرة عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -:
قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
عبد الرحمن بن عوف، فكان حاله فيما بسط له حال الأمناء والخزان، يفرقه في سبيل المنعم المنان، يستخير بالله من التفتين فيه والطغيان، وتتصل منه المناحة والأحزان، خوف الانقطاع عن إخوته والأخدان، أدرك الودق، وسبق الرنق، كثير الأموال، منين الحال، تجود يده بالعطات، وعينه وقلبه بالعبرات، وهو قدوة ذي الثروة والجدات، في الإنفاق علي المتقشفين من ذوي الفاقات.
وقال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء:
عبد الرحمن بن عوف ابن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي أبو محمد أحد العشرة وأحد الستة أهل الشورى وأحد السابقين البدريين القرشي الزهري وهو أحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام له عدة أحاديث روى عنه ابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك وبنوه إبراهيم وحميد وأبو سلمة وعمرو ومصعب بنو عبد الرحمن ومالك بن أوس وطائفة سواهم.
وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو وقيل عبد الكعبة فسماه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد الرحمن وحدث عنه أيضا من الصحابة جبير بن مطعم وجابر بن عبد الله والمسور بن مخرمة وعبد الله بن عامر بن ربيعة وقدم الجابية مع عمر فكان على الميمنة وكان في نوبة سرغ على الميسرة.
اسم عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - وكنيته:
أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لُؤي، كان اسمه في الجاهلية عبد العمرو وقيل عبد الحارث وقيل عبد الكعبة فسماه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد الرحمن.
هذه فيها دلالة على أن الاسم الذي لا يجوز شرعاً لابد أن يغيره الإنسان هذه هي من السنة، اسم يعبد بغير الله فيغير أو اسم فيه تزكية يتضمن تزكية لقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبريرة أنه غير اسمها إلى زينب لأن بريرة من البر فهذه فيه تزكية للنفس، فمن السنة إن كان الاسم فيه تزكية للنفس فلابد أن يغير وإن كان هو مطابق له، والأمر الثاني إذا عُبد لغير الله كعبد علي وعبد الحسين وعبد الرسول كل ذلك وجوباً لابد أن يغير اسمه، أما بالنسبة لاسم الإسلام والإيمان أيضاً لا يجوز تسمية الإسلام والإيمان.
هذه هي القاعدة العريضة يعني القاعدة الأصلية ألا تسمي أسماء قد نهى عنها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن هناك أسماء أيضاً تضمن تزكية ولم يغيرها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كمحمد، وما التزكية في محمد؟ أينعم تعني كثيرة الحمد إما أن المحامد بحسن خلقه أو جميل صفاته أو كثير الحمد لله جل في علاه، وأيضاً خالد وصالح لأن يوجد نبي من أنبياء اسمه صالح وصالح فيه تزكية، فنقول القاعدة الأصلية أن كل اسم فيه تزكية للنفس يُغير إلا ما جاء الدليل به فنمكث عليه.
مولد عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -:
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المدائني قال: ولد عبد الرحمن بعد عام الفيل بعشر سنين.
إسلام عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -:
أسلم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه قديماً قبل أن يدخل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دار الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين وشاهد المشاهد كلها وهذه من فضائله الجميلة وثبت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم أحد، وترى كل المؤرخين دائما يُبينون أن الصحابة منهم من ثبت في غزوة أحد لأن كثير من الصحابة فروا يوم أحد ومنهم عثمان بن عفان لكن تداركهم الله برحمته وقال " ولقد عفا الله عنهم "، وثبت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم أحد وصلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلفه في غزوة تبوك.
وهذه هي تكرمة الله لهذه الأمة ما من أمة صلى خلف أحاد هذه الأمة نبيها إلا هذه الأمة وليست مرة واحدة بل مرتين، وقبل يوم القيامة في علامات يوم الساعة من علامات يوم الساعة أن يصلي نبي خلف أحاد هذه الأمة - من الأفاضل طبعاً - فصلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلف أبي بكر عندما ذهب يُصلح بين فريقين فقام بلال فاستأذن أبا بكر في الصلاة فصلى بهم أبو بكر ثم جاء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل في الصف فأخذ الناس يضربون بالأكف حتى تراجع أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه ودخل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى بالناس بعدما أشار عليه أن مكانك ورفع يديه في الصلاة يحمد الله على هذه الفضيلة ثم صلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهم، فقال لأبي بكر لمَ لم تكن مكانك إذ أمرتك؟ قال: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وفي مرة أخرى في صلاة العصر تأخر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيضاً في نفس المسألة فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف فصلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد سبقه عبد الرحمن بن عوف وقام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكمل ما فاته من الصلاة.
وهذه كما قلت فضيلة هذه الأمة، ويوم القيامة هذه الفضيلة أيضاً لهذه الأمة عندما ينزل عيسى عليه السلام على جناح الملك وتكون الصلاة قد أقيمت والمهدي قام ليصلي فينظر إلى عيسى فيعرفه فيقدم عيسى بن مريم عليه السلام فيقول عيسى لا إمامكم منكم تكرمة الله لهذه الأمة.
وهذه أيضاً فضيلة عظيمة لعبد الرحمن بن عوف، ذهب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للطهارة فجاء عبد الرحمن بن عوف وقد بهم ركعة فصلى خلفه وأتم الذي فاته وقال ما قبض نبي حتى يصلي خلف رجل صالح من أمته.
وعن أبي سلمة عن أبيه أنه كان مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر فذهب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحاجته فأدركهم وقت الصلاة فأقاموا الصلاة فتقدمهم عبد الرحمن فجاء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصلى مع الناس خلفه ركعة فلما سلم قال أصبتم أو قال أحسنتم، وقد اختاروا أفضلهم وأقرأهم فقد أمَّ بهم.
صفات عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - الخَلْقِية:
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سهلة بنت عاصم قالت كان عبد الرحمن بن عوف أبيض أعين أهدب الاشفار أقنى طويل النابين الأعليين ربما أدمى نابه شفته له جمة أسفل من أذنيه أعنق ضخم الكتفين.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن إسحاق قال كان ساقط الثنيتين أهتم أعسر أعرج كان أصيب يوم أحد فهتم وجرح عشرين جراحة بعضها في رجله فعرج.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن يعقوب بن عتبة قال وكان عبد الرحمن رجلا طوالا حسن الوجه رقيق البشرة فيه جنأ أبيض مشرباً حمرة لا يغير شيبه.
مَنَاقِبِ عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -:
لعبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - مناقب عظيمة وفضائل جسيمة وهاك غيضٌ من فيض ونقطةٌ من بحر مما ورد في ذلك جملةً وتفصيلاً: أولاً مناقب عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - جملة ً:
(1) عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة وأنه من أهل بدر ومن الذين بايعوا تحت الشجرة:
(2) بر عبد الرحمن بن عوف بأمهات المؤمنين:
(3) خوف عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وبكاؤه على بسط الدنيا:
(4) تواضع عبد الرحمن بن عوف:
(5) كان عبد الرحمن بن عوف تاجراً موفقاً:
(6) إنفاق عبد الرحمن بن عوف في سبيل الله:
(7) ومن أفضل مناقب عبد الرحمن عزله نفسه من الأمر وقت الشورى واختياره للأمة من أشار به أهل الحل.
(8) زهد عبد الرحمن بن عوف في الإمارة:
(9) مكانة عبد الرحمن بن عوف بين الصحابة:
ثانياً مناقب عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - تفصيلا ً:
(1) عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة وأنه من أهل بدر ومن الذين بايعوا تحت الشجرة:
ومن مناقب عبد الرحمن بن عوف أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شهد له بالجنة وأنه من أهل بدر الذين قيل لهم (اعملوا ما شئتم، ومن أهل هذه الآية (لّقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشّجَرَةِ) [الفتح: 18] وقد صلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وراءه.
(حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعليٌ في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعدُ ابن أبي وقاص في الجنة وسعيدُ ابن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
قَالَ الْمُنَاوِيُّ: تَبْشِيرُ الْعَشَرَةِ لَا يُنَافِي مَجِيءَ تَبْشِيرِ غَيْرِهِمْ أَيْضًا فِي غَيْرِ مَا خَبَرٍ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ لَا يَنْفِي الزَّائِدَ، وَقَالَ الْقَارِي: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ هُوَ الْمَذْكُورُ عَلَى لِسَانِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ ذِكْرُ اسْمِ الرَّاوِي بَيْنَ الْأَسْمَاءِ وَإِلَّا كَانَ مُقْتَضَى التَّوَاضُعِ أَنْ يَذْكُرَهُ فِي آخِرِهِمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي تَرْتِيبِ الْبَقِيَّةِ مِنَ الْعَشَرَةِ.
انْتَهَى
ومن أعظم مناقب عبد الرحمن بن عوف أنه من أهل بدر:
أهل بدر:
أهل بدر هم الذين قاتلوا في غزوة بدر من المسلمين، وعددهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا.
والفضيلة التي حصلت لهم أن الله اطلع عليهم وقال: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ومعناه أن ما يحصل منهم من المعاصي يغفره الله بسبب الحسنة الكبيرة التي نالوها في غزوة بدر، ويتضمن هذا بشارة بأنه لن يرتد أحد منهم عن الإسلام.
(حديث رفاعة بن رافع الزُرْقِي رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: جاء جبريل إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: (من أفضل المسلمين).
أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة.
(حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: بعثني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنا والزبير والمقداد، فقال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها).
فذهبنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإذا فيه: من حاطب ابن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين ممن بمكة، يخبرهم ببعض أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما هذا يا حاطب).
قال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امرأ من قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم، أن أصطنع إليهم يدا يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا، ولا ارتدادا عن ديني.
فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنه قد صدقكم).
فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال: (إنه شهد بدرا، وما يدريك؟ لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
(2) بره بأمهات المؤمنين:
علم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه رضي الله عنهم كيف ينفقون الأموال وما أعطاهم الله تبارك وتعالى في سبيل الله ومواقع رضاء الله، وكيف كان ذلك أحبَّ إليهم من الإِنفاق على أنفسهم، وكيف كانوا يُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة
ولقد ضرب عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أروع المثل في ذلك ومن ذلك بره بأمهات المؤمنين.
(حديث أَبِي سَلَمَة ابن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) عَنْ عَائِشَةَ أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ إِنَّ أَمْرَكُنَّ مِمَّا يُهِمُّنِي بَعْدِي وَلَنْ يَصْبِرَ عَلَيْكُنَّ إِلَّا الصَّابِرُونَ قَالَ ثُمَّ تَقُولُ عَائِشَةُ فَسَقَى اللَّهُ أَبَاكَ مِنْ سَلْسَبِيلِ الْجَنَّةِ تُرِيدُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَكَانَ قَدْ وَصَلَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَالٍ يُقَالُ بِيعَتْ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
إِنَّ أَمْرَكُنَّ" أَيْ: شَأْنَكُنَّ " لَمِمَّا" اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ وَمَا مَوْصُولَةٌ " يُهِمُّنِي" بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، أَوْ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْهَاءِ أَيْ: يُوقِعُنِي فِي الْهَمِّ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: هَمَّهُ الْأَمْرُ هَمًّا حَزَّنَهُ كَأَهَمَّهُ " بَعْدِي" أَيْ: بَعْدَ وَفَاتِي حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْ لَهُنَّ مِيرَاثًا، وَهُنَّ قَدْ آثَرْنَ الْحَيَاةَ الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا حِينَ خُيِّرْنَ " وَلَنْ يَصْبِرَ عَلَيْكُنَّ" أَيْ: عَلَى بَلَاءِ مُؤْنَتِكُنَّ " إِلَّا الصَّابِرُونَ" أَيْ: عَلَى مُخَالَفَةِ النَّفْسِ مِنَ اخْتِيَارِ الْقِلَّةِ وَإِعْطَاءِ الزِّيَادَةِ (قَالَ) أَيْ: أَبُو سَلَمَةَ (فَسَقَى اللَّهُ أَبَاكَ) أَيْ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ (مِنْ سَلْسَبِيلِ الْجَنَّةِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: السَّلْسَبِيلُ: اللَّبَنُ الَّذِي لَا خُشُونَةَ فِيهِ، وَالْخَمْرُ، وَعَيْنٌ فِي الْجَنَّةِ.
انْتَهَى
(حديث أَبِي سَلَمَة ابن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَوْصَى بِحَدِيقَةٍ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِيعَتْ بِأَرْبَعِ مِائَةِ أَلْفٍ.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(بِيعَتْ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ) هَذَا مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الدِّرْهَمُ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الدِّينَارُ.
(3) خوف عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وبكاؤه على بسط الدنيا:
(حديث إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أتي بطعام، وكان صائما، فقال: قتل مصعب بن عمير، وهو خير مني، كفن في بردة: إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه.
وأراه قال: وقتل حمزة، وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام.
وعن نوفل بن اياس الهذلي قال كان عبد الرحمن لنا جليساً وكان نعم الجليس - لأنه دائما يذكرهم بالله جل في علاه ويذكرهم بحديث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كان لنا جليساً وكان نعم الجليس وإنه انقلب بنا يوماً حتى دخلنا بيته ودخل فاغتسل ثم خرج فجلس معنا وأتينا بصحفة فيها خبز ولحم فلما وُضعت بكى عبد الرحمن بن عوف، فقلنا له يا أبا محمد ما يُبكيك؟ فقال: هلك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعني مات - ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير ولا أرانا إلا عُجلت لنا طيباتنا في هذه الحياة الدنيا.
فليخشى كل امرئ فُتحت عليه الدنيا أن الله جل في علاه إن لم يرى في هذا المال حقه فإن الله جل وعلا قد استدرجه بهذا المال.
(4) تواضع عبد الرحمن بن عوف:
وعن سعيد بن حسين قال كان عبد الرحمن بن عوف لا يُعرف من بين عبيده، لأنه كان متواضعاً كأنه مثل الرقيق يحمل كما يحملون يأكل كما يأكلون يسير كما يسيرون.
والتواضع سمة الصالحين المتقين المؤمنون.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سعد بن الحسن قال كان عبد الرحمن بن عوف لا يعرف من بين عبيده.
(5) كان عبد الرحمن بن عوف تاجراً موفقاً:
كان -رضي الله عنه- محظوظا بالتجارة إلى حد أثار عَجَبه فقال: ﴿لقد رأيتني لو رفعت حجرا لوجدت تحته فضة وذهبا﴾.
كذا في البداية
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن بن عبد البر كان مجدودا في التجارة خلف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومئةفرس وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحا.
قال الذهبي رحمه الله:
قلت هذا هو الغني الشاكر وأويس فقير صابر وأبو ذر أو أبو عبيدة زاهد عفيف.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أنس قال رأيت عبد الرحمن بن عوف قسم لكل امرأة من نسائه بعد موته مئة ألف.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن سيرين قال اقتسمن ثمنهن ثلاث مئة ألف وعشرين ألفا.
﴿تنبيه﴾: وكانت التجارة عند عبد الرحمن بن عوف عملاً وسعياً لا لجمع المال ولكن للعيش الشريف، وهذا ما نراه حين آخى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين المهاجرين والأنصار، فآخى بين عبد الرحمن بن عوف و سعد بن ربيع، فقال سعد لعبد الرحمن: ﴿أخي أنا أكثر أهل المدينة مالا، فانظر شطر مالي فخذه، وتحتي امرأتان، فانظر أيتهما أعجب لك حتى أطلّقها وتتزوجها﴾.
فقال عبد الرحمن: ﴿بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلوني على السوق﴾ وخرج إلى السوق فاشترى وباع وربح00
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة، فآخى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق، فربح شيئا من أقط وسمن، فرآه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أيام وعليه وضر من صفرة، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مهيم يا عبد الرحمن).
قال: يا رسول الله، تزوجت امرأة من الأنصار، قال: (فما سقت فيها).
فقال: وزن نواة من ذهب، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أولم ولو بشاة).
(6) إنفاق عبد الرحمن بن عوف في سبيل الله:
كان عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - يقرض الله قرضا حسنا، فيضاعفه الله له أضعافا، فقد باع يوما أرضا بأربعين ألف دينار فرّقها جميعا على أهله من بني زُهرة وأمهات المسلمين وفقراء المسلمين، وقدّم خمسمائة فرس لجيوش الإسلام، ويوما آخر ألفا وخمسمائة راحلة، وعند موته أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله، وأربعمائة دينار لكل من بقي ممن شهدوا بدرا حتى وصل للخليفة عثمان نصيبا من الوصية فأخذها وقال: ﴿أن مال عبد الرحمن حلال صَفْو، وإن الطُعْمَة منه عافية وبركة﴾.
وبلغ من جود عبد الرحمن بن عوف أنه قيل: ﴿أهل المدينة جميعا شركاء لابن عوف في ماله، ثُلث يقرضهم، وثُلث يقضي عنهم ديونهم، وثلث يصِلَهم ويُعطيهم﴾.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال كان أهل المدينة عيالا على عبد الرحمن بن عوف ثلث يقرضهم ماله وثلث يقضي دينهم ويصل ثلثا.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن قتادة (الّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطّوّعِينَ) [التوبة: 79]
قال تصدق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله أربعة آلاف دينار فقال أناس من المنافقين إن عبد الرحمن لعظيم الرياء.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن جعفر بن برقان قال بلغني أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألف بيت.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الزهري قال تصدق ابن عوف على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشطر ماله أربعة آلاف ثم تصدق بأربعين ألف دينار وحمل على خمس مئة فرس في سبيل الله ثم حمل على خمس مئة راحلة في سبيل الله وكان عامة ماله من التجارة.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عروة أن عبد الرحمن بن عوف أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله فكان الرجل يعطى منها ألف دينار.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الزهري أن عبد الرحمن أوصى للبدريين فوجدوا مئة فأعطى كل واحد منهم أربع مئة دينار فكان منهم عثمان.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الزهري أن عبد الرحمن أوصى بألف فرس في سبيل الله.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي سلمة عن أبيه قال رأيت الجنة وأني دخلتها حبوا ورأيت أنه لا يدخلها إلا الفقراء.
قال الذهبي رحمه الله: قلت إسناده حسن فهو وغيره منام والمنام له تأويل وقد انتفع ابن عوف رضي الله عنه بما رأى وبما بلغه حتى تصدق بأموال عظيمة أطلقت له ولله الحمد قدميه وصار من ورقة الفردوس فلا ضير.
(7) ومن أفضل مناقب عبد الرحمن عزله نفسه من الأمر وقت الشورى واختياره للأمة من أشار به أهل الحل.
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء:
ومن أفضل مناقب عبد الرحمن بن عوف عزله نفسه من الأمر وقت الشورى واختياره للأمة من أشار به أهل الحل والعقد فنهض في ذلك أتم نهوض على جمع الأمة على عثمان ولو كان محابيا فيها لأخذها لنفسه أو لولاها ابن عمه وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي وقاص.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن عمر أن عبد الرحمن قال لأهل الشورى هل لكم أن اختار لكم وأنفصل منها قال علي نعم أنا أول من رضي فإني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (إنك أمين في أهل السماء وأمين في أهل الارض.
(8) زهد عبد الرحمن بن عوف في الإمارة:
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن سعد بن أبي وقاص أرسل إلى عبد الرحمن رجلا وهو قائم يخطب أن ارفع رأسك إلى أمر الناس أي ادع إلى نفسك فقال عبد الرحمن ثكلتك أمك إنه لن يلي هذا الأمر أحد بعد عمر إلا لامه الناس.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الرحمن بن أزهر عن أبيه أن عثمان اشتكى رعافا فدعا حمران فقال اكتب لعبد الرحمن العهد من بعدي فكتب له وانطلق حمران إلى عبد الرحمن فقال البشرى قال وما ذاك قال إن عثمان قد كتب لك العهد من بعده فقام بين القبر والمنبر فدعا فقال اللهم إن كان من تولية عثمان إياي هذا الأمر فأمتني قبله فلم يمكث الا ستة أشهر حتى قبضه الله.
(9) مكانة عبد الرحمن بن عوف بين الصحابة:
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال كنا نسير مع عثمان في طريق مكة إذ رأى عبد الرحمن بن عوف فقال عثمان ما يستطيع أحد أن يعتد على هذا الشيخ فضلا في الهجرتين جميعا.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن المسيب قال كان بين طلحة وابن عوف تباعد فمرض طلحة فجاء عبد الرحمن يعوده فقال طلحة أنت والله يا أخي خير مني قال لا تفعل يا أخي قال بلى والله لأنك لو مرضت ما عدتك.
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن علي أنه قال يوم مات عبد الرحمن بن عوف اذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوها وسبقت رنقها.
الرنق: الكدر
وفاة عبد الرحمن بن عوف:
أرخ المدائني والهيثم بن عدي وجماعة وفاته في سنة إثنتين وثلاثين وقال المدائني ودفن بالبقيع وقال يعقوب بن المغيرة عاش خمسا وسبعين سنة.
ثانيا
ً: صورٌ مشرقة من زهد عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -:
لقد فهم عبد الرحمن ابن عوف - رضي الله عنه - من خلال معايشته للقرآن الكريم، ومصاحبته للنبي الأمين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، وعليه فإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرر من سيطرة الدنيا بزخارفها، و زينتها، وبريقها، وطلقها ثلاثة ونفض يديه منها، وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهرا وباطنا، فكانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف، وقد وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق ما يلي:
(1) اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل كما قال النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.
(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
(2) أن هذه الدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله تبارك وتعالى:
(حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء.
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما.
(3) أن عمرها قد قارب على الانتهاء:
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بعثت أنا والساعة كهاتين قال وضم السبابة والوسطى.
(4) أن الآخرة هى الباقية، وهى دار القرار:
كما قال مؤمن آل فرعون:
(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر: 39، 40]
كانت هذه الحقائق قد استقرت في قلب أبي بكر، فترِفَّع رضي الله عنه عن الدنيا وحطامها وزهد فيها،
وهاك بعض صور زهده رضي الله عنه:
- يتجلى زهد عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه في إنفاقه للمال في سبيل الله تعالى: فقد وَعَى حقيقة الزهد بحذافيره وأيقن أن الزهد ليس بأن لا تملك المال بل الزهد أن تملك الدنيا كلها لكنها تكون في يدك وليست في قلبك، كانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف رضي الله عنه فكان آيةً في الجود والسخاء والبذل والإنفاق في سبيل الله تعالى، ويتجلى ذلك في المواقف الآتية:
على الرغم من أن عبد الرحمن بن عوف تاجراً موفقاً فقد كان -رضي الله عنه- محظوظا بالتجارة إلى حد أثار عَجَبه فقال: ﴿لقد رأيتني لو رفعت حجرا لوجدت تحته فضة وذهبا﴾.
إلا أن التجارة كانت عند عبد الرحمن بن عوف عملاً وسعياً لا لجمع المال ولكن للعيش الشريف، وهذا ما نراه حين آخى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين المهاجرين والأنصار، فآخى بين عبد الرحمن بن عوف و سعد بن ربيع، فقال سعد لعبد الرحمن: ﴿أخي أنا أكثر أهل المدينة مالا، فانظر شطر مالي فخذه، وتحتي امرأتان، فانظر أيتهما أعجب لك حتى أطلّقها وتتزوجها﴾.
فقال عبد الرحمن: ﴿بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلوني على السوق﴾ وخرج إلى السوق فاشترى وباع وربح00