فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 414-453

كتاب الزهد

صفحات 414-453
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

قصة رجل من أهل الذمة مع عمر رضي الله عنه: وأخرج أبو عبيد عن يزيد بن أبي مالك قال: كان المسلمون بالجابية وفيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأتاه رجل من أهل الذمة يخبره أنَّ الناس قد أسرعوا في عنبه.
فخرج عمر رضي الله عنه حتى لقي رجلاً من أصحابه يحلم ترساً عليه عنب، فقال عمر: وأنت أيضاً؟ فقال: يا أمير المؤمنين أصابتنا مجاعة، فانصرف عمر رضي الله عنه وأمر لصاحب الكرم بقيمة عنبه.
كذا في كنز العمال.
قصة قضائه رضي الله عنه ليهودي خلاف مسلم: وأخرج مالك عن سعيد بن المسيِّب أنَّ مسلماً ويهودياً إختصما إلى عمر رضي الله عنه، فرأى الحق لليهودي فقضى له مر به.
فقال له اليهودي: والله لقد قضيت بالحق، فضربه عمر بالدِّرة وقال: وما يدريك؟ فقال اليهودي: والله إنا نجد في التوراة: ليس قاض يقضي بالحق إلا كان عن يمينه مَلَك وعن شماله ملك يسدِّدانه ويوفقانه ما دام مع الحق، فإذا ترك الحق عرجا وتركاه.
كذا في الترغيب.
قصة عمر وإياس بن سلمة: وأخرج الطبري عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: مر عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في السوق ومعه الدِّرَّة، فخفقني بها خفقة فأصاب طرف ثوبي فقال: أمط عن الطريق.
فلما كان في العام المقبل لقيني فقال: يا سلمة تريد الحج؟ فقلت: نعم.
فأخذ بيدي فانطلق بي إلى منزله فأعطاني ست مائة درهم وقال: إستعن بها على حجَّك، واعلم أنها بالخفقة التي خفقتك.
قلت: يا أمير المؤمنين ما ذكرتها.
قال: وأنا ما نسيتها.
قصة عدل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في طائر:

أخرج الإِمام الشافعي في مسنده (ص 47) عن نافع بن عبد الحارث قال: قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه مكة، فدخل دار النَّدْوة في يوم الجمعة، وأراد أن يستقرب منها الرواح إِلى المسجد، فألقى رداءه على واقف في البيت، فنقع عليه طير من هذا الحمام فأطاره، فانتهزته حيّة فقتلته.
فلما صلَّى الجمعة دخلت عليه أنا وعثمان بن عفان رضي الله عنه فقال: إحكما عليّ في شيء صنعته اليوم: إني دخلت هذه الدار وأردت أن أستقرب منها الرواح إلى المسجد، فألقيت ردائي على هذا الواقف، فوقع عليه طير من هذا الحمام، فخشيت أن يطلخه بسَلْحه فأَطرته عنه، فوقع على (ظهر) هذا الواقف الآخر، فانتهزته حيّة فقتلته.
فوجدت في نفسي أني أطرته من منزل كان فيه آمناً إِلى موقعة كان فيها حتفه.
فقلت لعثمان بن عفان رضي الله عنه: كيف ترى في عنزٍ ثنيةٍ عفراء تحكم بها على أمير المؤمنين؟ فقال: إني أرى ذلك، فأمر بها عمر رضي الله عنه.
قصة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مع عربية ومولاة لها: وأخرج البيهقي عن عيسى بن عبد الله الهاشمي عن أبيه عن جده قال: أتت علياً رضي الله عنه إمرأتان تسألانه عربية ومولاة لها، فأمر لكل واحدة منهما بُكُرَ من طعام، وأربعين درهماً، أربعين درهماً.
فأخذت المولاة الذي أعطيت وذهبت.
وقالت العربية: يا أمير المؤمنين تعطيني مثل الذي أعطيت هذه وأنا عربية وهي مولاة؟ قال لها علي رضي الله عنه: إِني نظرت في كتاب الله عزَّ وجلَّ فلم أرَ فيه فضلاً لولد إِسماعيل على ولد إِسحاق.
لقد قامت دولة الخلفاء الراشدين على مبدأ العدل وما أجمل ما قاله ابن تيمية: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة،... بالعدل تستصلح الرجال وتستغزر الأموال 1. قصة جلد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عامله قدامة خال حفصة: وأخرج عبد الرزاق عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عمر رضي الله عنه استعمل قُدامة بن مظعون رضي الله عنه على البحرين وهو خال حفصة وعبد الله بني عمر ـ رضي الله عنهم، فقدم الجارود ـ رضي الله عنه ـ سيد عبد القيس على عمر من البحرين فقال: يا أمير المؤمنين، إن قدامة شرب فسكر، وإني رأيت حدّاً من حدود الله حقاً عليَّ أن أرفعه إليك.
قال: من يشهد معك؟ قال: أبو هريرة، فدعا أبا هريرة فقال: بم تشهد؟ قال: لم أره شرب ولكني رأيته سكران يقيء.
فقال: لقد تنطَّعت في الشهادة

ثم كتب إلى قدامة أن يقدم عليه من البحرين، فقدم، فقال الجارود: أقم على هذا كتاب الله، فقال عمر: أخصم أنت أم شهيد؟ فقال: شهيد، فقال: قد أدَّيت شهادتك.
قال: فصمت الجارود ثم غدا على عمر فقال: أقم على هذا حد الله، فقال عمر: ما أراك إلاَّ خصماً وما شهد معك إلاَّ رجل واحد، فقال الجارود: أنشدك الله، فقال عمر: لتمسكنَّ لسانك أو لأسوأنَّك، فقال: يا عمر، ما ذلك بالحق أن يشرب ابن عمك الخمر وتسوؤني؟ فقال أبو هريرة: يا أمير المؤمنين، إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فاسألها وهي امرأة قُدامة.
فأرسل عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها، فأقامت الشهادة على زوجها.
فقال عمر لقُدامة: إني حادُّك، فقال: لو شربت كما تقول ما كان لكم أن تحدُّوني، فقال عمر: لم؟ قال قدامة: قال الله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ (سورة المائدة، الآية: 93) ـ الآية.
فقال عمر: أخطأت التأويل إنك إذا اتَّقيت الله اجتنبت ما حرم الله، ثم أقبل عمر على الناس فقال: ما ترون في جلد قُدامة؟ فقالوا: لا نرى أن تجلده ما دام مريضاً.
فسكت على ذلك أياماً ثم أصبح وقد عزم على جلده، فقال: ما ترون في جلد قدامة؟ فقالوا: لا نرى أن تجلده ما دام وَجِعاً.
فقال عمر: لأن يلقى الله تحت السياط أحب إليَّ من أن ألقاه وهو في عنقي، ائتوني بسوط تام، فأمر به فجُلد.
فغاضب عمر قُدامة، وهجره، فحج عمر وحج قُدامة وهو مغاضِب له.
فلما قفلا من حجهما ونزل عمر بالسُّقْيا نام.
فلما استيقظ من نومه قال: عجِّلوا بقدامة، فوالله لقد أتاني آتٍ في منامي فقال لي: سالِمْ قدامة فإنه أخوك، فعجِّلوا عليَّ به، فلما أتَوه أبى أن يأتي، فأمر به عمر أن يجروه إليه؛ فكلمه واستغفر له.
وأخرجها أبو علي ابن السَّكَن.
كذا في الإِصابة.
وأما المساواة: وأما مبدأ المساواة الذي اعتمده الفاروق في دولته، فيعد أحد المبادئ العامة التي أقرها الإسلام قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)﴾ (الحجرات، آية:13).

إن الناس جميعاً في نظر الإسلام سواسية، الحاكم والمحكوم، الرجال والنساء، العرب والعجم، الأبيض والأسود، لقد ألغى الإسلام الفوارق بين الناس بسبب الجنس واللون أو النسب أو الطبقة، والحكام والمحكومون كلهم في نظر الشرع سواء 1، وجاءت ممارسة الفاروق لهذا المبدأ خير شاهد وهذه بعض المواقف التي جسدت مبدأ المساواة في دولته:

ـ أصاب الناس في إمارة عمر رضي الله عنه سَنَة (جدب) بالمدينة وما حولها، فكانت تسقي إذا ريحت 1 تراباً كالرماد، فسمي ذلك العام عام الرمادة، فآلى (حلف) عمر ألا يذوق سمناً ولا لبناً ولا لحماً حتى يحي الناس من أول الحياء، فقدمت السوق عُكَّة من سمن، ووطب من لبن، فاشتراهما غلام لعمر بأربعين، ثم أتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، قد أبر الله يمينك، وعظم أجرك، قدم السوق وطب من لبن، وعكة من سمن، فابتعناهما بأربعين، فقال عمر: أغليت بهما، فتصدق بهما، فإني أكره أن آكل إسرافاً، وقال عمر: كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسني ما مسهم 2، هذا موقف أمير المؤمنين عام القحط الذي سمي عام الرمادة، ولم يختلف موقفه عام الغلاء، فقد: أصاب الناس سنة غلاء، فغلا السمن، فكان عمر يأكل الزيت، فتقرقر بطنه، فيقول: قرقر ما شئت، فو الله لا تأكل السمن حتى يأكله الناس 3، ولم يقتصر مبدأ المساواة في التطبيق عند خلفاء الصدر الأول على المعاملة الواحدة للناس كافة، وإنما تعداه إلى شؤون المجتمع الخاصة، ومنها ما يتعلق بالخادم والمخدوم، فعن ابن عباس أنه قال: قدم عمر بن الخطاب حاجاً، فصنع له صفوان بن أمية طعاماً، فجاؤوا بجفنه يحملها أربعة، فوضعت بين يدي القوم يأكلون وقام الخُدّام فقال عمر: أترغبونه عنهم؟ فقال سفيان بن عبد الله: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكنا نستأثر عليهم، فغضب عمر غضباً شديداً، ثم قال: ما لقوم يستأثرون على خدامهم، فعل الله بهم وفعل، ثم قال للخدام: اجلسوا فكلوا، فقعد الخدام يأكلون، ولم يأكل أمير المؤمنين 4، وكذلك فإن عمر رضي الله عنه لم يأكل من الطعام ما لا يتيسر لجميع المسلمين، فقد كان يصوم الدهر، فكان زمن الرمادة إذا أمسى أتى بخبز قد ثُرد بالزيت، إلى أن نحروا يوماً من الأيام جزوراً 5، فأطعمها الناس وغرفوا له طيبها فأتي به، فإذا قديد من سنام ومن كبد، فقال: أنى هذا؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين، من الجزور التي نحرناها اليوم.

فقال: بخ بخ، بئس الوالي أنا إن أكلت طيبها، وأطعمت الناس كرادسها، ارفع هذه الجفنة، هات غير هذا الطعام، فأتي بخبز وزيت، فجعل يكسر بيده ويثرد ذلك الخبز (1) ولم يكن عمر ليطبق مبدأ المساواة في المدينة وحدها، من غير أن يعلمه لعماله في الأقاليم، حتى في مسائل الطعام والشراب (2) فعندما قدم عتبة بن فرقد أذربيجان أتى بالخبيص، فلما أكله وجد شيئاً حلواً طيباً، فقال: والله لو صنعت لأمير المؤمنين من هذا، فجعل له سفطين عظيمين، ثم حملهما على بعير مع رجلين، فسرّح بهما إلى عمر.
فلما قدما عليه فتحهما، فقال: أي شيء هذا؟ قالوا: خبيص فذاقه، فإذا هو شيء حلو.
فقال: أكل المسلمين يشبع من هذا في رحله؟ قال: لا.
قال: أما لا فارددهما.
ثم كتب إليه: أما بعد، فإنه ليس من كد أبيك ولا من كد أمك.
أشبع المسلمين مما تشبع منه في رحلك (3).

(20) شدة خوف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من الله تعالى بمحاسبته لنفسه:

كان رضي الله عنه يقول: أكثروا من ذكر النار، فإن حرّها شديد، وقعرها بعيد، ومقامها حديد 4، وجاء ذات يوم أعرابي، فوقف عنده وقال: يا عمر الخير جزيت الجنة... جهِّز بُنيَّاتي وأمهنَّه أقسم بالله لتفعلنه قال: فإن لم أفعل ماذا يكون يا أعرابي؟ قال: أقسم أني سوف أمضينه قال: فإن مضيت ماذا يكون يا أعرابي؟ قال: والله عن حالي لتسألنه... ثم تكون المسألات ثمّه والواقف المسئول بينهنّه... إما إلى نار وإما جنة123

فبكى عمر حتى اخضلت لحيته بدموعه، ثم قال: يا غلام أعطه قميصي هذا لذلك اليوم، لا لشعره، والله ما أملك قميصاً غيره 1، وهكذا بكى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه بكاءً شديداً تأثراً بشعر ذلك الأعرابي الذي ذكّره بموقف الحساب يوم القيامة، مع أنه لا يذكر أنه ظلم أحداً من الناس، ولكنه لعظيم خشيته وشدة خوفه من الله تعالى تنهمر دموعه أمام كل من يذكّره بيوم القيامة 2، وكان رضي الله عنه من شدة خوفه من الله تعالى يحاسب نفسه حساباً عسيراً، فإذا خيل إليه أنه أخطأ في حق أحد طلبه، وأمره بأن يقتص منه، فكان يقبل على الناس يسألهم عن حاجاتهم، فإذا أفضوا إليه بها قضاها، ولكنه ينهاهم عن أن يشغلوه بالشكاوى الخاصة إذا تفرغ لأمر عام، فذات يوم كان مشغولاً ببعض الأمور العامة 3، فجاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، انطلق معي فأعني على فلان، فإنه ظلمني، فرفع عمر الدرة، فخفق بها رأس الرجل، وقال: تتركون عمر وهو مقبل عليكم، حتى إذا اشتغل بأمور المسلمين أتيتموه، فانصرف الرجل متذمراً، فقال عمر علَيَّ بالرجل: فلما أعادوه ألقى عمر بالدرة إليه، وقال، أمسك الدرة، واخفقني كما خفقتك قال الرجل: لا يا أمير المؤمنين، أدعها لله ولك قال عمر: ليس كذلك: إما أن تدعها لله وإرادة ما عنده من الثواب، أو تردها عليّ، فأعلم ذلك، فقال الرجل: أدعها لله يا أمير المؤمنين، وانصرف الرجل، أما عمر فقد مشى حتى دخل بيته 4 ومعه بعض الناس منهم الأحنف بن قيس الذي حدثنا عمّا رأى:... فافتتح الصلاة فصلى ركعتين ثم جلس، فقال: يا ابن الخطاب كنت وضيعاً فرفعك الله، وكنت ضالاً فهداك الله، وكنت ذليلاً فأعزك الله، ثم حملك على رقاب المسلمين، فجاء رجل يستعديك، فضربته، ما تقول لربك غداً إذا أتيته؟ فجعل يعاتب نفسه معاتبة ظننت أنه خير أهل الأرض 5، وعن إياس بن سلمة عن أبيه قال: مر عمر رضي الله عنه وأنا في السوق، وهو مار في حاجة، ومعه الدرة، فقال: هكذا أمِطْ 6

عن الطريق يا سلمة، قال: ثم خفقني بها خفقة فما أصاب إلا طرف ثوبي، فأمطت عن الطريق، فسكت عني حتى كان في العام المقبل، فلقيني في السوق، فقال: يا سلمة أردت الحج العام؟ قلت نعم يا أمير المؤمنين، فأخذ بيدي، فما فارقت يدي يده حتى دخل بيته، فأخرج كيساً في ست مائة درهم فقال: يا سلمة استعن بهذه واعلم أنها من الخفقة التي خفقتك عام أول، قلت والله يا أمير المؤمنين، ما ذكرتها حتى ذكرتنيها قال: والله ما نسيتها بعد 1، وكان رضي الله عنه يقول في محاسبة النفس ومراقبتها: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا، وتهيئوا للعرض الأكبر ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18)﴾ 2، وكان من شدة خشيته لله ومحاسبته لنفسه يقول: لو مات جدْي بطف 3 الفرات لخشيت أن يحاسب الله به عمر 4، وعن علي رضي الله عنه قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على قتب يعدو، فقلت: يا أمير المؤمنين أين تذهب؟ قال: بعير ندَّ 5 من إبل الصدقة أطلبه فقلت: أذللت الخلفاء بعدك، فقال يا أبا الحسن لا تلمني فوالذي بعث محمداً بالنبوة لو أن عناقاً 6 أخذت بشاطئ الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة 7، وعن أبي سلامة قال: انتهيت إلى عمر وهو يضرب رجالاً ونساء في الحرم على حوض يتوضئون منه، حتى فرق بينهم، ثم قال: يا فلان، قلت: لبيك، قال لا لبيك ولا سعديك، ألم آمرك أن تتخذ حياضاً للرجال وحياضاً للنساء، قال: ثم اندفع فلقيه علي رضي الله عنه فقال: أخاف أن أكون هلكت قال: وما أهلكك؟ قال ضربت رجالاً ونساءً في حرم الله -عز وجل- قال: يا أمير المؤمنين أنت راع من الرعاة، فإن كنت على نصح وإصلاح فلن يعاقبك الله، وإن كنت ضربتهم على غش فأنت الظالم 8

وعن الحسن البصري أنه قال: بينما عمر رضي الله عنه يجول في سكك المدينة إذ عرضت له هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ فانطلق إلى أبي بن كعب فدخل عليه بيته وهو جالس على وسادة فانتزعها أبي من تحته وقال: دونكها يا أمير المؤمنين قال: فنبذها برجله وجلس، فقرأ عليه هذه الآية وقال: أخشى أن أكون أنا صاحب الآية، أوذي المؤمنين، قال: لا تستطيع إلا أن تعاهد رعيتك، فتأمر وتنهى فقال عمر: قد قلت والله أعلم 1، وكان عمر رضي الله عنه ربما توقد النار ثم يدلي يده فيها، ثم يقول: ابن الخطاب هل لك على هذا صبر 2. وأخرج هنَّاد، وأبو نُعيم في الحلية، والبيهقي عن الضحاك قال: قال عمر رضي الله عنه: يا ليتني كنت كبش أهلي، يسمِّنوني ما بدا لهم، حتى إذا كنت أسمن ما أكون زارهم بعض من يحبون، فجعلوا بعضي شِواء، وبعضي قديداً، ثم أكلوني، فأخرجوني عَذِرَةً، ولم أكن بشراً.
وعند ابن المبارك، وابن سعد، وابن أبي شيبة، ومسدِّد، وابن عساكر عن عامر بن ربيعة قال: رأيت عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أخذ تبنة من الأرض فقال: يا ليتني كنت هذه التبنة، ليتني لم أُخلق، ليتني لم أكن شيئاً، ليت أُمي لم تلدني، ليتني كنت نَسْياً مَنْسياً.
وعند أبي نُعيم في الحلية عن عمر رضي الله عنه قال: لو نادى منادٍ من السماء: يا أيها الناس، إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلاً واحداً لخفتُ أن أكون أنا هو.
ولو نادى منادٍ: أيها الناس، إِنكم داخلون النار إلا رجلاً واحداً لرجوت أن أكون أن هو.
وعند ابن عساكر عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر لقي أبا موسى الأشعري رضي الله عنه، فقال له: يا أبا موسى، أيسرك أنَّ عملك الذي كان مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَص لك، وأنك خرجت من عملك كفافاً، خيره بشره، وشره بخيره كفافاً، لا لك، ولا عليك؟ قال: لا يا أمير المؤمنين.
والله قدمت البصرة وإن الجفاء فيهم لفاشٍ، فعلَّمتهم القرآن والسنّة، وغزوت بهم في سبيل الله، وإني لأرجو بذلك فضله.
قال عمر رضي الله عنه: لكن وددتُ أني خرجت من عملي خيره بشره، وشره بخيره كفافاً، لا علي ولا لي، وخَلَص لي عملي مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المخلص.
كذا في منتخب الكنز.

وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما طُعن مر رضي الله عنه دخلت عليه فقلت له: أبشر يا، فإن الله قد مصَّر بك الأمصار، ودفع بك النفاق، وأفشَى بك الرزق.
قال: أفي الإِمارة تثني عليّ يا ابن عباس؟ فقلت: وفي غيرها.
قال: والذي نفسي بيده، لوددت أني خرجت منها كما دخلت فيها، لا أجر ولا وزر.
وأخرجه الطبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما في حديث طويل، وأبو يَعْلى كذلك عن أبي رافع كما في المجمع.
وأخرجه ابن سعد عن ابن عباس رضي الله عنهما بنحوه.
وأخرج أيضاً من طريق آخر عنه ـ فذكر الحديث، وفيه: فقلت: أبشر بالجنة.
صاحبت رسول الله فأطلت صحبته؛ ووُلِّيتَ أمر المؤمنين فقويت، وأديت الأمانة.
فقال: أما تبشيرك إياي بالجنة فو الله الذي لا إِله إلا هو، لو أنّ لي الدنيا وما فيها لافتديت به من هول ما أمامي قبل أن أعلم الخبر.
وأما قولك في بإمرة المؤمنين، فو الله لوددتُ أن ذلك كفاف لا لي ولا عليَّ.
وأما ما ذكرت من صحبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذاك.
وأخرجه أيضاً من حديث عبد الله بن عبيد بن عُمَير مطوَّلاً، وزاد فيه: فقال عمر رضي الله عنه: أجلسوني.
فلما جلس قال لابن عباس رضي الله عنه: أعد عليَّ كلامك، فلما أعاد عليه قال: أتشهد بذلك عند الله يوم تلقه؟ فقال ابن عباس رضي الله عنه: نعم.
قال: ففرح عمر رضي الله عنه بذلك وأعجبه.
وعند أبي نعيم في الحلية عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رأس عمر على فخذي في مرضه الذي مات فيه.
فقال لي: ضَعْ رأسي على الأرض.
قال: فقلت: وما عليك، كان على فخذي أم على الأرض؟ قال: ضعه على الأرض.
قال: فوضعته على الأرض، فقال: ويلي وويلَ أمي إن لم يرحمني ربي.
وعن المِسْوَر قال: لما طُعن مر رضي الله عنه قال: والله لو أنَّ لي طِلاعَ الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله من قبل أن أراه.
بكاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على مجاهدة راهب: وأخرج البيهقي وابن المنذر والحاكم عن أبي عمران الجوني قال: مرّ عمر رضي الله عنه براهب فوقف ونودي بالراهب فقيل له: هذا أمير المؤمنين، فاطَّلَع فإذا إنسان به من الضر والاجتهاد وترْكِ الدنيا، فلما رآه عمر بكى، فقيل له: إنه نصراني، فقال عمر: قد علمت ولكني رحمته، ذكرت قول الله عزّ وجلّ: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ (الغاشية: 3، 4) رحمتُ نصبَه واجتهاده وهو في النار، كذا في كنز العمال.

خوف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وبكاؤه على بسط الدنيا: أخرج البيهقي عن المِسْوَر بن مخرمة رضي الله عنه قال: أُتيَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بغنائم من غنائم القادسية، فجعل يتصفَّحها وينظر إليها وهو يبكي معه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فقال له عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين، هذا يوم فرح وهذا يوم سرور، قال: فقال: أجل، ولكن لم يُؤتَ هذا قوم قطُّ إلا أورثهم العداوة والبغضاء.
وأخرجه الخرائطي أيضاً عن المِسْوَر مثله، كما في الكنز.
وعند البيهقي أيضاً عن الحسن أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أُتي بفروة كسرى، فوضعت بين يديه وفي القوم سُراقة بن مالك بن جُعْشُم رضي الله عنه، قال: فألقى إليه سِوارَيْ كسرى بن هرمز، فجعلها في يده فبلغا مَنكبيه، فلما رآهما في يدي سراقة قال: الحمد لله سواري كسرى بن هرمز في يدِ سُراقة بن مالك بن جُعْشُم، أعرابيَ من بني مُدْلج ثم قال: اللهمَّ إني قد علمت أن رسولك صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يحب أن يصيب مالاً فينفقَه في سبيلك وعلى عبادك، وزويت ذلك عنه نظراً منك له وخياراً، ثم قال: اللهَّم إِني قد علمت أن أبا بكر رضي الله عنه كان يحب أن يصيب مالاً فينفقِ في سبيلك وعلى عبادك، فزويت ذلك عنه عنه نظراً منك له وخياراً، اللهمَّ إِني أعوذ بك أن يكون هذا مكراً منك بعمر، ثم تلا: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى الْخَيْراتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ (المؤمنون: 55، 56). وأخرجه عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن عساكر عن الحسن مثله، كما في منتخب الكنز.

وأخرج الحُميدي وابن سعد والبزَّار، وسعيد بن منصور، والبيهقي وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنها قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا صلَّى صلاة جلس للناس، فمن كان له حاجة كلَّمه، وإن لم يكن لأحد حاجة قام، فصلَّى صلوات للناس لا يجلس فيهن، فقلت: يا يرفأ أبأمير المؤمنين شَكاة؟ فقال: ما بأمير المؤمنين شكو، فجلست فجاء عثمان بن عفان رضي الله عنه فجلس، فخرج يَرْفأ فقال: قم يا ابن عفان، قم يا ابن عباس.
فدخلنا على عمر فإذا بين يديه صُبَرٌ من مال على كل صُبْرة منها كتف، فقال: إِني نظرت إِلى أهل المدينة فوجدتكما من أكثر أهلها عشيرة، فخذا هذا المال فاقتسماه، فما كان من فَضْل فردّا.
فأمّا عثمان فجثا، وأما أنا فجثوت لركبتي وقلت: وإن كان نقصاناً رددت علينا؟ فقال عمر: شِنْشِنَةٌ من أخشن ـ (قال سفيان): يعني حجراً من جبل ـ أما كان هذا عند الله إذ محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه يأكلون القِد: فقلت؛ بلى، والله لقد كان هذا عند الله ومحمد حيّ، ولو عليه فُتِح لصنع فيه غير الذي تصنع؛ فغضب عمر وقال: إذن صنع ماذا؟ قلت: إذاً لأكل وأطعمنا.
فنشج عمر حتى اختلفت أضلاعه، ثم قال: وددتُ أني خرجت منها كفافاً لا لي ولا عليّ.
كذا في الكنز؛ وقال الهيثمي: رواه البزّار وإسناده جيد.
ا هـ. عن ابن عباس رضي الله عنها قال: دعاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأتيته، فإذا بين يديه نِطَعٌ فيه الذهب منثور.
قال: هلمَّ فاقسم هذا بين قومك، فالله أعلم حيث زوى هذا عن نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن أبي بكر فأُعطيته، لخير أعطيته أم لشر؟ ثم بكى وقال: كلا والذي نفسي بيده، ما حبسه عن نبيه وعن أبي بكر إِرادة الشرِّ لهما وأعطاه عمر إرادة الخير له.
كذا في الكنز.

وأخرج أبو عُبَيد العدني عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: بعث إليَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأتيته، فلما بلغت الباب سمعت نحيبه، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون أعتُري ـ والله ـ أمير المؤمنين، فدخلت فأخذت بمنكبه وقلت: لا بأس لا بأس يا أمير المؤمنين.
قال: بل أشد البأس، فأخذ بيدي فأدخلني الباب، فإذا حقائق بعضها فوق بعض فقال: الآن هان آل الخطاب على الله، إنَّ الله لو شاء لجعل هذا إلى صاحبيَّ ـ يعني النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبا بكر ـ فسنَّا لي فيه سُنّة أقتدي بها، قلت: إجلس بنا نفكر، فجعلنا لأمهات المؤمنين أربعة آلاف أربعة آلاف، وجعلنا للمهاجرين أربعة آلاف أربعة آلاف، ولسائر الناس ألفين ألفين، حتى وزعنا ذلك المال.
كذا في الكنز.

(21) لين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وشدته:

أخرج الحاكم عن سعيد بن المسيِّب رضي الله عنه قال: لما وَلي عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ خطب الناس على منبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فد الله وأثنى عليه ثم قال:

يا أيها الناس، إِني قد علمت أنكم تؤنسون مني شدة وغلظة، وذلك أني كنت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكنت عبده وخادمه، وكان كما قال الله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 128). فكنت بين يديه كالسيف المسلول إلا أن يغمدني أو ينهاني عن أمر فأكفَّ، وإلا قدمت على الناس لمكان لينه، فلم أزل مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذلك حتى توفاه الله وهو عني راضٍ، والحمد لله على ذلك كثيراً، وأنا به أسعد.
ثم قمت ذلك المقام مع أبي بكر خليفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعده.
وكان قد علمتم في كرمه، ودَعته ولينه، فكنت خادمه كالسيف بين يديه أخلط شدتي بلينه؛ إِلا أن يتقدم إليّ فأكف وإِلا قدمت.
فلم أزل على ذلك حتى توفاه الله وهو عني راضٍ، والحمد لله على ذلك كثيراً، وأنا به أسعد.
ثم صر أمركم إِليَّ اليوم، وأنا أعلم فسيقول قائل: كان يشتد علينا والأمر إِلى غيره فكيف به إِذا صار إليه؟ واعلموا أنكم لا تسألون عني أحداً، قد عرفتموني، وجربتموني، وعرفتم من سنّة نبيكم ما عرفت، وما أصبحت نادماً على شيء أكون أحب أن أسأل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه إلا وقد سألته." فاعلموا أن شدَّتي التي كنتم ترون قد ازدادت أضعافاً إِذا صار الأمر إليّ على الظالم، والمعتدي، والأخذ للمسلمين لضعيفهم من قويهم، وإني بعد شدتي تلك واضع خدِّي بالأرض لأهل العفاف والكفّ منكم والتسليم، وإني لا آبى إن كان بيني وبين أحد منكم شيء من أحكامكم أن أمشي معه إلى من أحببتم منكم، فلينظر فيما بيني وبينه أحد منكم.
فاتَّقوا الله عباد الله، وأعينوني على أنفسكم بكفّها عني، وأعينوني على نفسي (بالأمر) بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإحضاري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم ثم نزل كذا في كنز العمال.

وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن محمد بن زيد رضي الله عنه قال: إجتمع عليّ، وعثمان، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد ـ رضي الله عنهم ـ وكان أجرأهم على عمر عبدُ الرحمن بن عوف قالوا: يا عبد الرحمن، لو كلمتَ أمير المؤمنين للناس فإنَّه يأتي الرجل طالب الحاجة فتمنعه هيبتك أن يكلمك في حاجته حتى يرجع ولم يقضِ حاجته، فدخل عليه فكلَّمه.
فقال: يا أمير المؤمنين، لِنْ للناس فإنه يقدم القادم فتمنعه هيبتك أن يكلمك (في حاجته حتى يرجع ولم يكلمك).
قال: يا عبد الرحمن، أنشدك الله أعلي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد أمروك بهذا؟ قال: اللهمّ نعم.
قال: يا عبد الرحمن، والله لقد لنت للناس حتى خشيت الله في اللِّين، ثم اشتددت عليهم حتى خشيت الله في الشدّة، فأين المخرج؟ فقام عبد الرحمن يبكي يجرّ رداءه يقول بيده: أفَ لهم بعدك (أفَ لهم بعدك).
وعند ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما ولِيَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له رجل: لقد كاد بعض الناس أن يحيد هذا الأمر عنك.
قال عمر: وما ذاك؟ قال: يزعمون أنك فظ.
قال عمر: الحمد لله (الذي) ملأ قلبي لهم رُحْماً، وملأ قلوبهم لي رُعْباً.
كذا في منتخب الكنز.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يزيد بن الأصم: أن رجلاً كان ذا بأس وكان يوفد على عمر لبأسه وكان من أهل الشام، وأن عمر فقده فسأل عنه فقيل له: تتابع في هذا الشراب فدعا كاتبه فقال اكتب: من عمر بن الخطاب إلى فلان، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، ثم دعا وأمن من عنده ودعوا له أن يقبل الله بقلبه وأن يتوب عليه، فلما أتت الصحيفة الرجل جعل يقرأ ويقول: غافر الذنب قد وعدني الله أن يغفر لي، وقابل التوب شديد العقاب.
قد حذرني الله عقابه، ذي الطول والطول الخير الكثير، لا إله إلا هو إليه المصير، فلم يزل يرددها على نفسه ثم بكى ثم نزع فاحسن النزع، فلما بلغ عمر أمره، قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاً لكم زل فسددوه ووفقوه وادعوا الله أن يتوب عليه.

(22) رحمة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:

وأخرج ابن المنذر، والحاكم، والبيهقي عن بُرَيدة قال: كنت جالساً عند عمر رضي الله عنه إِذ سمع صائحة، فقال: يا يَرْفأ أنظر ما هذا الصوت؟ فنظر ثم جاء فقال: جارية من قريش تبع أمها.
فقال عمر رضي الله عنه: أدع لي المهاجرين والأنصار، فلم يمكث إلا ساعة حتى امتلأ الدار والحجرة.
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد: فهل تعلمونه كان فيما جاء به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القطيعة؟ قالوا: لا.
فإنها أصبحت فيكم فاشية ثم قرأ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الاْرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾ (محمد: 22) ثم قال: وأي قطيعة أقطع من أن تباع أم إمرأة فيكم وقد أوسع الله لكم؟.
قالوا: فاصنع ما بدا لك.
فكتب في الآفاق أن لا تباع أمُّ حرَ فأنها قطيعة رحم وإنه لا يحل".
كذا في كنز العمال.
وأخرج البيهقي وهَنَّاد عن أبي عثمان النَّهْدي قال: إستعمل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً من بني أسد على عمل، فجاء يأخذ عهده، (قال فأُتي عمرُ ببعض ولده فقبّله.
فقال الأسديّ: أتقبل هذا يا أمير المؤمنين؟ والله ما قبّلت ولداً قط قال عمر رضي الله عنه: فأنت ـ والله ـ بالناس أقل رحمة، هاتِ عهدنا، لا تعمل لي عملاً أبداً، فردّ عهده.
كذا في الكنز.
وأخرجه الدِّينَوَري عن محمد بن سلام وفي حديثه؛ قال عمر: فما ذنبي إن كان نزع من قلبك الرحمة، إنَّ الله لا يرحم من عباده إلا الرحماء، ونزعه عن عمله فقال: أنت لا ترحم ولدك فكيف ترحم الناس.
كذا في الكنز.

(23) ومن أعظم مناقب عمر - رضي الله عنه - اعترافه بفضل أبي بكرٍ عليه إذعاناً للحق:

(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح النسائي) قال لما قبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: الأنصار منا أمير ومنكم أمير فأتاهم عمر فقال ألستم تعلمون أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أمر أبا بكر أن يصلي بالناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر قالوا نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر.

وأخرج البيهقي عن ابن سِيرين قال: ذكر رجال على عهد عمر رضي الله عنه فكأنهم فضَّلوا عمر على أبي بكر، فبلغ ذلك عمر فقال: والله لليلةٌ من أبي بكر خيرٌ من آل عمر، وليومٌ من أبي بكر خيرٌ من آل عمر.
لقد خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر، فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه، حتى فطن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: "يا أبا بكر، مالك تمشي ساعة خلفي وساعة بين يدي؟ " فقال: يا رسول الله، أذكر الطَلَب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرَّصَد، فأمشي بين يديك.
فقال: "يا أبا بكر، لو كان شيء لأحببتَ أن يكون بك دوني؟ " قال: نعم، والذي بعثك بالحق.
فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك ـ يا رسول الله ـ حتى استبرىء لك الغار.
فدخل فاستبرأه، حتى إذا كان ذكر أنه لم يستبرىء الجِحَرَةَ، فقال: مكانك ـ يا رسول الله ـ حتى أستبرأ، فدخل فاستبرأ، ثم قال: إنزل يا رسول الله، فنزل.
ثم قال عمر: والذي نفسي بيده، لتلك الليلة خيرٌ من آل عمر.
كذا في البداية.
وأخرجه الحاكم أيضاً كما في منتخب كنز العمال.
وأخرجه البغوي عن ابن مُلَيكة مرسلاً بمعناه.
قال ابن كثير: هذا مرسل حسن كما في كنز العمال.
إنكار عمر على من فضَّله على أبي بكر وتهديده في ذلك: وأخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة عن جبير بن نُفير أن نفراً قالوا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: والله ما رأينا رجلاً أقضى بالقسط، ولا أقولَ بالحق، ولا أشد على المنافقين منك يا أمير المؤمنين فأنت خير الناس بعد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال عوف بن مالك رضي الله عنه: كذبتم ـ والله ـ لقد رأينا خيراً منه بعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: من هو يا عوف؟ فقال: أبو بكر، فقال عمر: صدق عوف وكذبتم، والله لقد كان أبو بكر أطيب من ريح المسك وأنا أضل من بعير أهلي.
قال ابن كثير: إسناده صحيح.
كذا في منتخب الكنز.

(24) شجاعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

أخرج ابن عساكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ما علمت أحداً هاجر إلا مختفياً إلا عمرَ بن الخطاب فإنه لما همّ بالهجرة تقلّد سيفه، وتنكّب قوسه، وانتضى في يده أسهُماً، وأتى الكعبة ـ وأشراف قريش بفِنائها ـ فطاف سبعاً، ثم صلَّى ركعتين عند المَقام، ثم أتى حِلَقهم واحدة واحدة فقال: شاهت الوجوه.
من أراد أن تثكله أمه، ويُؤتَم ولده، وتَرْمُل زوجته؛ فليقني وراء هذا الوادي.
فما تبعه منهم أحد.
كذا في منتخب كنز العمال.

(25) حكم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على الناس بظاهر الأعمال مما يدل على رسوخ العلم والإيمان في قلبه - رضي الله عنه -:

(حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة.
وأخرج ابن سعد والبيهقي عن الحسن قال: إن أول خطبة خطبها عمر رضي الله عنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد: فقد ابتليت بكم، وابتليتم بي، وخلفت فيكم بعد صاحبيَّ؛ فمن كان بحضرتنا باشرناه بأنفسنا؛ ومهما غاب عنا ولّيناه أهل القوة والأمانة.
فمن يحسن نزده حسناً، ومن يسيء نعاقبه؛ ويغفر الله لنا ولكم".
كذا في الكنز.

(26) ورع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:

أخرج مالك والبيهقي عن زيد بن أسلم قال: شرب عمر رضي الله عنه لبناً فأعجبه فسأل الذي سقاه: من أين لك هذا اللبن؟ فأخبره أنه ورد على ماء فإذا نَعَم من نعم الصدقة وهم يسقون، فحلبوا لنا من ألبانها فجعلته في سقائي هذا، فأدخل عمر أصبعه فاستقاءه.
كذا في المنتخب وأخرج ابن سعد عن المِسْوعر بن مَخْرمة رضي الله عنه قال: كنا نلزم عمر بن الخطاب نتعلم منه الورع.
ما وقع بين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وابنته حفصة في شأن مال المسلمين: وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن قال: جيء إلى عمر رضي الله عنه بمال، فبلغ ذلك حفصة إبنة عمر رضي الله عنهما، فجاءت فقالت: يا حقُّ أقربائك من هذا المال، قد أوصى الله عزّ وجلّ بالأقربين، فقال لها: يا بنيَّة حقُّ أقربائي في مالي، فأما هذا ففيء المسلمين، غَشَشْتِ أباك، قومي، فقامت تجرُّ ذَيلَها.
كذا في منتخب الكنز.

وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن أسلم قال: رأيت عبد الله بن الأرقم جاء إلى عمر رضي الله عنهما فقال: يا أمير المؤمنين، عندنا حِلية من حِلية جَلُولاء آنية فضة، فانظر أن تفرغ يوماً فيها فتأمرنا بأمرك، فقال: إِذا رأيتني فارغاً فذنِّي، فجاء يوماً فقال: إني أراك اليوم فارغاً، قال: أجل، أبسُط لي نِطْعاً فأر بذلك المال فأُفيض عليه، ثم جاء حتى وقف عليه فقال: اللهمَّ إنك ذكرت هذا المال فقلت: ﴿زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ (آل عمران: 14) ـ حتى فرغ من الآية ـ وقلت: ﴿لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ ءاتَاكُمْ﴾ (الحديد: 23)، وإنَّ لا نستطيع إلا أن نفرح بما زيَّنت لنا.
اللهمَّ فجعلنا ننفقه في حقَ، وأعوذ بك من شره.
قال: فأُتي بابن له يُحمل يقال له عبد الرحمن بن بهية، فقال: يا أبت هَبْ لي خاتَماً، قال: إذهب إِلى أمك تسقيك سَوِيقاً، قال: فوالله ما أعطاه شيئاً.
كذا في منتخب الكنز.
قصة قَسْم المسك والعنبر الذي جاء من البحرين: أخرج أحمد في الزند عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقّاص قال: قدم على عمر رضي الله عنه مسك وعنبر من البحرين، فقال عمر: والله لوددتُ أنِّي وجدت إمرأة حسنة الوزن تزن لي هذا الطيب حتى أقسمه بين المسلمين، فقالت له إمرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنهما: أنا جيّدة الوزن فهلمَّ أزن لك؟ قال: لا، قلت: لِمَ؟ قال: إني أخشى أن تأخذيه فتجعليه هكذا ـ أدخل أصابعه في صدغيه وتمسحين به عنقك، فأصبت فَضْلاً على المسلمين.
كذا في منتخب الكنز.
قصة ابن عمر مع أبيه رضي الله عنها في بنت ابن عمر: وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة، وابن عساكر عن الحسن أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى جارية تطيش هزالاً، فقال: من هذه الجارية؟ فقال عبد الله رضي الله عنه: هذه إحدى بناتك، قال: وأيّ بناتي هذه قال: إبنتي، قال: ما بلغ بها ما أرى؟ قال: عملك، لا تنفق عليها، قال: إني ـ والله ـ ما أغرك من ولدك، فأَوسع على ولدك أيها الرجل.
كذا في المنتخب.
قصة عاصم بن عمر في هذا الأمر:

وأخرج ابن سعد، وأبو عبيد في الأموال عن عاصم بن عمر رضي الله عنهما قال: لما زوجني عمر أنفق عليَّ من مال الله شهراً، ثم أرسل إليّ عمر يرفأ فأتيته فقال: والله ما كنت أرى هذا المال يحلُّ لي من قبل أن ألِيَه إِلا بحقِّه، وما كان قط أحرم عليّ منه إِذ وليته فعاد أمانتي، وقد أنفقت عليك شهراً من مال الله ولست بزائدك ولكني معينك بثمر مالي بالغابة، فأجْدُدْه فبِعْه، ثم إئتِ رجلاً من قومك من تجّارهم فقم إلى جنبه، فإِذا اشترى فاستشركه فاستنفق وأنفق على أهلك.
كذا في المنتخب.
قصة إمرأة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - معه في هذا الأمر: وأخرج الدِّينوَري في المجالسة عن مالك بن أوس بن الحَدَثان قال: قدم بريد ملك الروم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاستقرضت إمرأة عمر بن الخطاب ديناراً، فاشترت به عطراً، وجعلته في قوارير، وبعثت به مع البريد إلى إمرأة ملك الروم.
فلما أتاها فرَّغتهن وملأتهن جواهر، وقالت: إذهب إلى إمرأة عمر بن الخطاب.
فلما أتاها فرغتهن على البساط، فدخل عمر بن الخطاب فقال: ما هذا؟ فأخبرته بالخبر، فأخذ عمر الجواهر فباعه، ودفع إلى إمرأته ديناراً، وجعل ما بقي من ذلك في بيت المال للمسلمين.
كذا في منتخب الكنز.
قصة إبل بن عمر مع والده عمر في ذلك: وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إشتريت إِبلاً وارتجعتها إلى الحِمَى، فلمّا سمنت قدمت بها، فدخل عمر السوق فرأى إبلاً سماناً، فقال: لمن هذه الإِبل؟ فقيل: لعبد الله بن عمر، فجعل يقول: يا عبد الله بن عمر، بَخٍ بخٍ، ابن أمير المؤمنين، فجئت أسعى فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين؟ قال: ما هذه الإِبل؟ قلت: بل اشتريتها وبعثت بها إلى الحِمَى أبتغي ما يبتغي المسلمون، فقال: أرعوا إبل ابن أمير المؤمنين أسقوا إبل ابن أمير المؤمنين يا عبد الله بن عمر أُغْدُ على رأس مالك واجعل الفَضْل في بيت مال المسلمين.
كذا في المنتخب.
زجر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لصهره حين طلب من بيت المال شيئا: وأخرج ابن سعد وابن جرير، وابن عساكر عن محمد بن سيرين أنَّ صِهْراً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه قدم على عمر، فعرَّض له أن يعطيه من بيت المال، فانتهره عمر وقال: أردتَ أن ألقى الله مَلِكاً خائناً؟ فلما كان بعد ذلك أعطاه من صُلْب ماله عشرة آلاف درهم.
كذا في كنز العمال.

قصة إِعطاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رجلا أصابته ضربة في سبيل الله: وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: بينما الناس يأخذون أَعطِيتهم بين يدي عمر إذ رفع رأسه فنظر إلى رجل في وجهه ضربة، قال: فسأله فأخبره أنه أصابته في غزاة كان فيها، فقال: عُدُّوا له ألفاً، فأعطى الرجل ألف درهم، ثم حول المال ساعة، ثم قال: عدُّوا له ألفاً، فأعطى الرجل ألفاً أخرى؛ قال له أربع مرات كل ذلك يعطيه ألف درهم.
فاستحيَى الرجل من كثرة ما يعطيه فخرج، قال: فسأل عنه فقيل له: إنا رأينا أنه استحيَى من كثرة ما أُعطي فخرج؛ فقال عمر: أما ـ والله ـ لو أنه مكث ما زلت أعطيه ما بقي من المال درهم، رجل ضُرب ضربة في سبيل الله خضَّرت وجهه.
قَسْم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جميع ما في بيت المال: أخرج البيهقي عن يحيى بن سعيد عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن الأرقم رضي الله عنهما: إقسم بيت مال المسلمين في كل شهر مرة، إقسم مال المسلمين في كل جمعة مِرة، ثم قال: إقسم بيت المال في كل يوم مرة، قال: فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين، لو أبقيت في بيت مال المسلمين بقية تعدّها لنائبة أو صوت ـ يعني خارجة ـ قال: فقال عمر للرجل الذي كلَّمه: جرى الشيطان على لسانك، لقَّنني لله حجتها ووقاني شرها، أعدّ لها ما أعدّ لها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طاعة الله عزّ وجلّ ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وعند أبي نعيم في الحلية عن ابن عمر رضي الله عنها قال: قدم على عمر مال من العراق فأقبل يقسمه، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين لو أبقيت من هذا المال لعدو إن حصر أو نائبة إن نزلت.
فقال عمر: ما لك قاتلك الله؟ نطق بها على لسانك شيطان، لقَّاني الله حجَّتها، والله لا أعصينَّ الله اليوم لغدٍ، لا، ولكن أعدُّ لهم ما أعدَّ لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وعند ابن عساكر عن سَلَمة بن سعيد قال: أُتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمال، فقام إِليه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين لو حبست من هذا المال في بيت المال لنائبة تكون أو أمر يحدث، فقال: كلمة ما عرض بها إلا شيطان، لقَّاني الله حجَّتها ووقاني فتنتها، أعصي الله العام مخافة قابل؟ أعدّ لهم تقوى الله، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ مّنكُمْ وَأَقِيمُواْ الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلّ شَىْء قَدْراً﴾ (الطلاق: 2، 3)؛ ولتكون فتنة على من يكون بعدي.
كذا في منتخب الكنز.
كتاب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى أبي موسى الأشعري في ذلك: وأخرج ابن سعد وابن عساكر كما في الكنز عن الحسن قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى رضي الله عنهما: "أما بعد: فأعلم يوماً من السنة لا يبقى في بيت المال درهم، حتى يكتسح إكتساحاً، حتى يعلم الله أني قد أدَّيت إِلى كل ذي حقَ حقَّه".
كتاب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إِلى حذيفة في ذلك: وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: كتب عمر إلى حذيفة رضي الله عنهما أن أعطِ الناس أعطيتهم وأرزاقهم فكتب إليه: إنَّا قد فعلنا وبقي شيء كثير.
فكتب إليه عم: إنَّه فيئهم الذي أفاء الله عليهم، ليس هو لعمر ولا لآل عمر؛ إقسمه بينهم.
رأي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في حق المسلمين في المال:

أخرج البيهقي عن أسلم قال: سمعت عمر رضي الله عنه يقول: إجتمعوا لهذا المال فانظروا لمن ترونه.
ثم قال لهم: إني أمرتكم أن تجتمعوا لهذا المال فتنظرا لمن ترونه، وإِني قد قرأت آيات من كتاب الله سمعت الله يقول: ﴿مَّآ أَفَآء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَى لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الاْغْنِيَآء مِنكُمْ وَمَآ ءاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِلْفُقَرَآء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحشر: 7، 8) والله ما هو لهؤلاء وحدهم ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ (الحشر: 9) ـ الآية ـ. والله ما هو لهؤلاء وحدهم ﴿وَالَّذِينَ جَآءوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ (الحشر: 10) ـ الآية ـ، والله ما من أحد من المسلمين إلا وله حق في هذا المال أُعطي منه أو مُنع حتى راعٍ بعَدَن.

وأخرج أيضاً عن مالك بن أوس بن الحَدَثان رضي الله عنه في قصة ذكرها قال: ثم تلا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآء وَالْمَسَاكِينِ﴾ (التوبة: 60) ـ إلى الآية ـ، فقال: هذه لهؤلاء، ثم تلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (الأنفال: 41) ـ إلى آخر الآية ـ، ثم قال: هذ لهؤلاء، ثم تلا: ﴿مَّآ أَفَآء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ ـ إلى آخر الآية ـ، ثم قرأ: ﴿لِلْفُقَرَآء الْمُهَاجِرِينَ﴾ ـ إلى آخر الآية ـ، ثم قال: هؤلاء المهاجرون، ثم تلا: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ـ إلى آخر الآية ـ، فقال: هؤلاء الأنصار، قال: وقال: ﴿والذين جاؤوا من بعدم يقولون ربنا إغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ ـ إلى آخر الآية ـ. قال: فهذه إستوعبت الناس، ولم يبق أحد من المسلمين إلا وله في هذا المال حق إلا ما تملكون من رقيقكم، فإن أعِشْ ـ إن شاء الله ـ لم يبقَ أحد من المسلمين إلا سيأتيه حقُّه حتى الراعي بسروِ حمير يأتيه حقه ولم يعرق فيه جبينه.
وأخرجه أيضاً ابن جرير عن مالك بن أوس نحوه، كما في التفسير لابن كثير.

(27) كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقافاً عند حدود الله تعالى:

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حُمَيد والخرائطي عن المِسْور بن مَخْرَمة عن عبد الرحمن بن عوف أنه حرس مع عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنهما ـ ليلةً المدينة، فبينما هم يمشون شبَّ لهم سراج في بيت، فانطلقوا يؤمونه، فلما دنوا منه إذاباب مُجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولَغَط.
فقال عمر ـ وأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف ـ: أتدري بيت من هذا؟ قال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خَلَف وهم الآن شَرْب فما ترى؟ قال: أرى أن قد أتينا ما نهى الله عنه، قال الله: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُواْ﴾ (سورة الحجرات: الآية: 12) فقد تجسسنا فانصرف عنهم عمر رضي الله عنه وتركهم.
قصة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مع رجل ومع جماعة في هذا الشأن:

وأخرج ابن المنذر وسعيد بن منصور عن الشَّعْبي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد رجلاً من أصحابه، فقال لابن عوف رضي الله عنه: انطلق بنا إلى منزل فلان فننظر، فأتيا منزله فوجدا بابه مفتوحاً وهو جالس وامرأته تصب له في الإناء فتناوله إياه، فقال عمر لابن عوف: هذا الذي شغله عنا.
فقال ابن عوف لعمر: وما يُدريك ما في الإِناء؟ فقال عمر: أتخاف أن يكون هذا هو التجسس؟ قال: بل هو التجسس.
قال: وما التوبة من هذا؟ قال: لا تُعلمه بما اطَّلعت عليه من أمره، ولا يكونَنَّ في نفسك إلاَّ خيراً، ثم انصرفا.
كذا في الكنز.
تسوّر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على المُغَنِّي بيته: وأخرج الخرائطي عن ثَوحر الكندي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يَعُس بالمدينة من الليل، فسمع صوت رجل في بيت يتغنَّى، فتسوَّر عليه فقال: يا عدو الله، أظننت أن الله يسترك وأنت في معصية فقال: وأنت يا أمير المؤمنين لا تعجل عليَّ؛ إن أكن عصيت الله واحدة فقد عصيت الله في ثلاث قال: "ولا تجسسوا" وقد تجسست.
وقال: ﴿وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِهَا﴾ (سورة البقرة، الآية: 189) وقد تسوَّرت عليَّ، ودخلت عليَّ بغير إذن وقال الله تعالى: ﴿لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا﴾ (سورة النور، الآية: 27) قال عمر: فهل عندك من خير إن عفوت عنك؟ قال: نعم، فعفا عنه وخرج وتركه.
كذا في الكنز.
قصة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مع شيخ كبير في هذا الشأن:

وأخرج أبو الشيخ عن السُّدِّي قال: خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإذا هو بضوء نار ومعه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فأتْبَع الضوء حتى دخل داراً فإذا بسراج في بيت، فدخل وذلك في جوف الليل، فإذا شيخ جالس وبين يديه شراب وقَيْنة تغنِّيه، فلم يشعر حتى هجم عليه عمر، فقال عمر: ما رأيت كالليلة منظراً أقبح من شيخ ينتظر أجله فرفع رأسه إليه، فقال: بلى، يا أمير المؤمنين ما صنعت أنت أٌبح أتجسست وقد نُهي عن التجسس، ودخلت بغير إذن؟ فقال عمر: صدقت.
ثم خرج عاضاً على ثوبه يبكي وقال: ثكلت عمر أمه إن لم يغفر له ربه، يجد هذا كان يستخفي به من أهله فيقول الآن رآني عمر فيتتابع فيه.
وهجر الشيخ مجلس عمر حيناً، فبينا عمر بعد ذلك جالس إذ به قد جاء شبه المستخفي حتى جلس في أخريات الناس، فرآه عمر فقال: عليَّ بهذا اشيخ، فأُتي فقيل له: أجب، فقام وهو يرى أن عمر سيسوءه بما رأى منه، فقال عمر: ادنُ مني، فما زال يدنيه حتى أجلسه بجنبه، فقال: إدنِ مني أذنك، فالتقم أذنه فقال: أما والذي بعث محمداً بالحق رسولاً ما أخبرت أحداً من الناس بما رأيت منك ولا ابن مسعود فإنه كان معي، فقال: يا أمير المؤمنين أدنِ مني أذنك، فالتقم أذنه فقال: ولا أنا والذي بعث محمداً بالحق رسولاً ما عدت إليه حتى جلست مجلسي هذا، فرفع عمر صوته يكبِّر، فما يدري الناس من أي شيء يكبر.
كذا في الكنز.
قصة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مع أبي محجن الثقفي: وأخرج الطبراني عن أبي قِلابة أن عمر رضي الله عنه حُدِّث أن أبا محجن الثقفي يشرب الخمر في بيته هو وأصحاب له، فانطلق عمر حتى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلا رجل، فقال أبو محجن: يا أمير المؤمنين إن هذا لا يحل لك قد نهاك الله عن التجسس؛ فقال عمر: ما يقول؟ فقال له زيد بن ثابت وعبد الرحمن بن الأرقم ـ رضي الله عنهما ـ: صدق يا أمير المؤمنين، هذا من التجسس، فخرج عمر وتركه.
كذا في الكنز.

أخرج البخاري وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم عيينة بن حصن (بن حذيفة) بن بدر رضي الله عنه فنزل على ابن أخيه الحرِّ بن قيس رضي الله عنه ـ وكان من النفر الذين يُدينهم عمر رضي الله عنه، وكان القرّاء أصحاب مجلس عمر ومشورته كهولاً كانوا أو شباناً ـ، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، فاستأذن له فأذن له (عمر)، فلما دخل عليه قال: هِي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجَزْل، ولا تحكم بيننا بالعدل فغضب عمر حتى همَّ أن يُوقع به، فقال الحر: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ ﴿وَأَعْرِض عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (سورة الأعراف، الآية: 119). وإنَّ هذا من الجاهلين.
فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله عز وجل.
كذا في المنتخب.
وعند ابن سعد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما رأيت عمر غضب قط فذُكر الله عنده أو خُوِّف، أو قرأ عنده إنسان آية من القرآن إلا رقد عما كان يريد.
وعند أسلم قال قال بلاد رضي الله عنه: يا أسلم كيف تجدون عمر؟ قلت: خير، إذا غضب فهو أمر عظيم، فقال بلال: لو كنت عنده إذا غضب قرأت عليه القرآن حتى يذهب غضبه.
وعن مالك الدار قال: صاح عليَّ عمر رضي الله عنه يوماً وعلاني بالدِّرَّة فقلت: أذكِّرك بالله، فطرحها فقال: لقد ذكرتني عظيماً.
كذا في المنتخب.

(28) إكرام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لأهل البيت:

أخرج ابن سعد وابن راهَوَيه والخطيب عن حسين بن علي رضي الله عنهما قال: صعدت إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه المنبر فقلت له: انزل عن منبر أبي واصعد منبر أبيك، فقال: إن أبي لم يكن له منبر، فأقعدني معه.
فلما نزل ذهب إلى منزله فقال: أيْ بني من علَّمك هذا؟ قلت: ما علمنيه أحد.
قال: أيْ بني لو جعلت تأتينا وتغشانا، فجئت يوماً وهو خالٍ بمعاوية، وابنُ عمر بالباب لم يُؤذن له فجرعت.
فلقيني بعد فقال: يا بني لم أرَك أتيتنا؟ قلت: جئت وأنت خالٍ بمعاوية، فرأيت ابن عمر رجع فرجعت.
فقال: أنت أحق بالإِذن من عبد الله بن عمر، إنما أنبت في رؤوسنا ما ترى الله، ثم أنتم، ووضع يده على رأسه.
كذا في الكنز.
قال في الإِصابة: سنده صحيح.
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يخطب أم كلثوم بنت علي لشرف النسب:

وأخرج البيهقي عن حسن بن حسن عن أبيه أن عمر بن الخطاب خطب أم كلثوم، فقال له علي ـ رضي الله عنه ـ إنها تصغر عن ذلك، فقال عمر: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي" فأحبُّ أن يكون لي من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبب ونسب، فقال علي للحسن والحسين رضي الله عنهم: زوِّجا عمكما، فقالا: هي امرأة من النساء تختار لنفسها.
فقام علي مُغْضباً، فأمسك الحسن بثوبه وقال: لا صبر لي على هجرانك يا أبتاه، قال: فزوَّجاه.
كذا في الكنز.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور عن أبي جعفر رضي الله عنه قال: خطب عمر رضي الله عنه إلى علي رضي الله عنه ابنته، فقال: أبعث بها إليك فإن رضيت فهي امرأتك، فبعث إليه فكشف عن ساقها فقالت له: أرسل فلولا أنك أمير المؤمنين لصككتُ عينك.
كذا في الكنز.
وأخرجه ابن عمر المقدسي عن محمد بن علي نحون، كما في الإصابة.
وعند ابن سعد عن محمد أن عمر خطب أم كلثوم رضي الله عنها إلى علي، فقال: إنما حسبت بناتي على بني جعفر.
فقال: زوِّجنيها ـ فوالله ـ ما على ظهر الأرض رجل يُرْصد من كرامتها ما أرصد، قال: قد فعلت، فجاء عمر إلى المهاجرين فقال: زُفُّوني فزفُّوه، فقالوا: بمن تزوجت؟ قال: بنت علي، إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "كل نسب وسبب سيقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي" وكنت قد صاهرت فأحببت هذا أيضاً.
ومن طريق عطاء الخراساني أن عمر أمهرها أربعين ألفاً.
كذا في الإصابة.

(29) توقير عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للصحابه:

ضرب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رجلين لأجل ابن مسعود: وأخرج ابن عساكر عن أبي وائل أن ابن مسعود رضي الله عنه رأى رجلاً قد أسبل فقال: ارفع إزارك، فقال: وأنت يا ابن مسعود ارفع إزارك، فقال له عبد الله: إني لست مثلك إن بساقيَّ حُموشةً وأنا أؤم الناس.
فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه، فجعل يضرب الرجل ويقول: أتردُّ على ابن مسعود؟ كذا في الكنز.
وأخرج يعقوب بن سفيان وابن عساكر عن العلاء عن أشياخ لهم قال: كان عمر على دار لابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ بالمدينة ينظر إلى بنائها.
فقال رجل من قريش: يا أمير المؤمنين إنك تُكفى هذا، فأخذ لبنة فرمى بها، وقال: أترغب بي عن عبد الله؟ كذا في الكنز.
ضرب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رجلاً لأجل أم سلمة:

وأخرج أبو عبيد في الغريب وسفيان بن عيينة واللألكائي عن أبي وائل أن رجلاً كان له حقٌّ على أم سَلَمة رضي الله نها، فأقسم عليها، فضربه عمر رضي الله عنه ثلاثين سوطاً تَبضَع وتَحدِر.
كذا في المنختب.
إنكار عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على رجل نال من علي: وأخرج ابن عساكر عن عروة رضي الله عنه أن رجلاً وقع في علي بمحضر من عمر رضي الله عنهما.
فقال عمر: تعرف صاحب هذا القبر؛ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب بن عبد المطلب لا تذكر علياً إلا بخير، فإنك إن آذيته آذيت هذا في قبره.
كذا في المنتخب.
وأخرج أبو يَعْلَى عن أبي بكر بن خالد بن عُرْفْطة أنه أتى سعد بن مالك رضي الله عنه فقال: بلغني أنكم تُعرَضون على سبِّ علي بالكوفة فهل سببته؟ قال: مَعاذ الله والذي نفس سعد بيده لقدسمعت من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول في علي شيئاً لو وُضع المنشار على مفرقي ما سببته أبداً.
قال الهيثمي: إسناده حسن.

(30) تواضع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:

أخرج ابن أبي حاتم والدارمي والبيهقي عن أبي يزيد قال: لقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأة يقال لها خولة ـ رضي الله عنها ـ وهي تسير مع الناس، فاستوقفته فوقف لها، ودنا منها وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على مَنْكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت.
فقال له رجل: يا أمير المؤمنين حبست رجالات قريش على هذا العجوز؟ قال: ويك أتدري من هذه؟ قال: لا، قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت حتى تُقضي حاجتها.
وعند البخاري في تاريخه وابن مَرَدَوَيه عن ثُمامة بن حَزْن رضي الله عنه قال: بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسير على حماره لقيته امرأة فقالت: قف يا عمر، فوقف فأغلظت له القول، فقال رجل: يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم، قال: وما يمنعني أن أسمع لها وهي التي سمع الله لها وأنزل فيها ما أنزل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا﴾ (سورة المجادلة، الآية: 1).
كذا في الكنز.

وأخرج ابن سعد عن الشَّعبي قال: جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب فقالت: أشكو إليك خير أهل الدنيا إلا رجلاً سبقه بعمل أو عمل مثل عمله.
يقوم الليل حتى يصبح، ويصوم النهار حتى يمسي، ثم تجلاّها الحياء، فقالت: أقِلْني يا أمير المؤمنين، فقال: جزاك الله خيراً؛ فقد أحسنت الثناء.
قد أقتلك، فلما ولّت قال كعب بن سخور: يا أمير المؤمنين لقد أبلغت إليك في الشكوى، فقال: ما اشتكت؟ قال: زوجَها، قال: عليَّ المرأة (فأرسل إلى زوجها فجاء)، فقال لكعب: اقضِ بينهما، قال: أقضي وأنت شاهد قال: إنك قد فطنت إلى ما لم أفطن له، قال: فإن الله تعال يقول: (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النّسَآءِ مَثْنَىَ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) [النساء: 3] صم ثلاثة أيام وأفطر عندها يوماً، وقم ثلاث ليالٍ وبتْ عندها ليلة.
فقال عمر: لهَذا أعجب إليَّ من الأول؛ فبعثه قاضياً لأهل البصرة.
أخرج أبو عبيد وابن عساكر عن عبد الله بن قيس أو ابن أبي قيس قال: كنت فيمن تلقَّى عمر رضي الله عنه مع أي عبيدة رضي الله عنه مَقْدَمه الشام، فبينا عمر يسير إذ لقيه المقلَّسون من أهل أذرعات بالسيوف فقال: مَهْ، ردُّوهم وانعوهم، فقال: أبو عبيد رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين هذه سنة العجم، فإنَّك إن تمنعهم منها يروا أن في نفسك نقضاً لعهدهم، فقال عمر: دعوهم (عمر وآل عمر) في طاعة أبي عبيدة، كذا في الكنز.
وأخرج المحاملي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر سابق الزبير رضي الله عنه فسبقه الزبير، فقال: سبقتك ورب الكعبة، ثم إن عمر سابقه مرة أخرى فسبقه عمر فقال عمر: سبقتك ورب الكعبة كذا في الكنز.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الشعبي، قال: غزا رجل من المسلمين من الأنصار وأوصى جاراً له بأهله، قال: فكان يهودي يأتي أهله، فذكر ذلك للرجل فرصده ليلة فإذا هو مستلق على فراش الرجل واضعاً إحدى رجليه على الأخرى وهو يقول: وأشعث غره الإسلام مني... خلوت بعرسه يوم التمام أبيت على ترائبها ويضحي... على قباء لا حقة الحزام كأن مجامع الربلات منها... ثمام قد جمعن إلى ثمام قال: فنزل الرجل فقمصه بسيفه حتى قتله، فلما أصبح ذكر ذلك لعمر رضي الله تعالى عنه، فقال: اعزم على من كان يعلم من هذا شيئاً إلا قام، فقام الرجل فقال: كان من أمره كيت وكيت، فخبره بالقصة، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: إن عادوا فعد.

مقتل عمر وجعله الأمر للستة أصحاب الشورى:

أخرج الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما طعن أبو لؤلؤة عمر رضي الله عنه طعنه طعنتين، فظن عمر أنَّ له ذنباً في الناس لا يعلمه، فدعا ابن عباس رضي الله عنهما ـ وكان يحبه ويدنيه ويسمع منه ـ فقال: أحب أن نعلم: عن ملأ من الناس كان هذا؟ فخرج ابن عباس فكان لا يمر بملأ من الناس إلا وهم يبكون، فرجع إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، ما مررتُ على ملأ إلا رأيتهم يبكون، كأنهم فقدوا اليوم أبكار أولادهم.
فقال من قتلني؟ فقال: أبو لؤلؤة المجوسي عبد المغيرة بن شعبة.
قال ابن عباس: فرأيت البشْر في وجهه، فقال: الحمد لله الذي لم يبتلني أحد يحاجّني بقول لا إله إلا الله.
أما إِني قد نهيتكم أن تجلبوا إلينا من العلوج أحداً فعصيتموني.
ثم قال: أدعوا لي إِخواني.
قالوا: ومن؟ قال: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنهم ـ فأرسل إليهم، ثم وضع رأسه في حِجْري.
فلما جاؤوا قلت: هؤلاء قد حضروا، قال: نعم، نظرت في أمر المسلمين فوجدتكم ـ أيها الستة ـ رؤوس الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إِلا فيكم، ما استقمتم يستقم أمر الناس، وإن يكن إختلاف يكن فيكم ـ فما سمعته ذكر الإختلاف والشقاق وإِن يكن؛ ظننت أنَّه كائن، لأنه قلَّما قال شيئاً إلا رأيتُه ثم نزفه الدم، فهمسوا بينهم حتى خشيت أن يبايعوا رجلاً منهم، فقلت: إِن أمير المؤمنين حيّ بعد ولا يكون خليفتان ينظر أحدهما إلى الآخر.
فقال: إحملوني فحملناه، فقال: تشاوروا ثلاثاً، ويصلِّي بالناس صُهَيب.
قالوا: من نشاور يا أمير المؤمنين؟ قال: شاوروا المهاجرين والأنصار وسَرَاة من هنا من الأجناد.

ثم دعا بشَرْبة من لبن فشرب، فخرج بياض اللبن من الجرحين، فعرف أنَّه الموت، فقال: الآن لو أنَّ لي الدنيا كلَّها لافتديت بها من هول المُطَّلَع، وما ذاك ـ والحمد لله ـ أن أكون رأيت إلا خيراً.
فقال (ابن عباس) وإن قلت فجزاك الله خيراً، أليس قد دعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يعزَّ الله بك الدين والمسلمين إِذ يخافون بمكة، فلما أسلمت كان إِسلامك عزَّاً، وظهر بك الإِسلام ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه، وهاجرت إلى المدينة فكانت هجرتك فتحاً، ثم لم تَغِب عن مشهد شهده رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قتال المشركين من يوم كذا ويوم كذا.
ثم قُبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو عنك راضٍ، فوازرت الخليفة بعده على منهاج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فضربت بمن أقبل على من أدبر حتى دخل الناس في الإِسلام طوعاً وكرهاً.
ثم قُبض الخليفة وهو عنك راضٍ.
ثم وَلِيت بخير ما وليَ الناس، مصَّرَ الله بك الأمصار، وجبى بك الأموال، ونفى بك العدو، وأدخل الله بك على كل أهل بيت من توسِعتهم في دينهم وتوسِعتهم في أرزاقهم؛ ثم ختم لك بالشهادة؛ فهنيئاً لك.
فقال: والله إنّ المغرور من تَغرونه، ثم قال: أتشهد لي يا عبد الله عند الله يوم القيامة؟ فقال: نعم، فقال: اللهمَّ لك الحمد، ألصِق خدي بالأرض يا عبد الله بن عمر فوضعته من فخذي على ساقي فقال: ألصق خدي بالأرض، فترك لحيته وخدَّه حتى وقع بالأرض، فقال: ويلك وويلَ أمك يا عمر إن لم يغفر الله لك يا عمر ثم قُبض رحمه الله.
فلما قُبض أرسلوا إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فقال: لا آتيكم إن لم تفعلوا ما أمرك به من مشاورة المهاجرين والأنصار وسَراة من هنا من الأجناد.
قال الحسن ـ وذُكر له فعل عمر رضي الله عنه عند موته وخشيته من ربه ـ فقال: هكذا المؤمن جمع إحساناً وشفقة، والمنافق جمع إساءة وغرَّة، والله ما وجدت فيما مضى ولا فيما بقي عبداً إزداد إساءة إلا إزداد غرَّة.
قال الهيثمي: وإسناده حسن.

دَيْن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ودفنه مع صاحبيه واستخلافه النفر الستة:

وأخرج بن سعد، وأبو عبيد، وابن أبي شيبة، والبخاري، والنِّسائي وغيرهم عن عمرو بن ميمون ـ فذكر الحديث في قصة شهادة عمر رضي الله عنه ـ وفيه: فقال لعبد الله بن عمر: أنظر ما عليَّ من الدَّين فأحسبه، فقال: ستة وثمانون ألفاً.
فقال: إِن وفَى بها مال آل عمر فأدِّها عني من أموالهم، وإلا فسَلْ بني عدي بن كعب، فإن تفِ أموالهم وإِلا فسَلْ قريشاً، ولا تعْدُهم إلى غيرهم فأدِّها عني.
إذهب إلى عائشة أم المؤمنين فسلِّم وقل: يستأذن عمر بن الخطاب ـ ولا تقل: أمير المؤمنين فإني لست اليوم بأمير المؤمنين ـ أن يدفن مع (صاحبيه).
فأتاها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فوجدها قاعدة تبكي فسلَّم ثم قال: يستأذن عمر بن الخطاب أن يُدفن مع (صاحبيه).
قالت: قد كنت ـ والله ـ أريده لنفسي، ولأوثرنَّه اليوم على نفسي.
فلما جاء قال: ما لديك؟ قال: أذنت لك.
فقال عمر: ما كان شيء بأهمَّ عندي من ذلك، ثم قال؛ إذا أنا متُّ فاحملوني على سريري، ثم استأذن فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لك فأدخلني وإن لم تأذن فردَّني إلى مقابر المسلمين.

فلا حُمل كأنَّ الناس لم تصبهم مصيبة إلا يومئذٍ، فسلَّم عبد الله بن عمر، فقال: يستأذن عمر بن الخطاب فأذنت له (فدفن رحمه الله) حيث أكرمه (الله مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بكر).
فقالوا له حين حضره الموت: إستخلف، فقال: لا أجد أحداً أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو عنهم راضٍ، فأيهم إستخلفوا فهو الخليفة بعدي، فسمَّى علياً، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعداً ـ رضي الله عنهم ـ فإن أصابت الإِمرة سعداً فذاك، وإلا فأيُّهم إستخلف فليستعن به، فإني لم أنزعه عن عجز ولا خيانة، وجعل عبد الله يشاورونه معهم وليس له من الأمر شيء.
إجتمعوا قال عبد الرحمن بن عوف: إجعلوا أمركم إلى ثلاثة نفر، فجعل الزبير أمره إلى عليٌّ، وجعل طلحة أمره إلى عثمان، جعل سعد أمره إلى عبد الرحمن.
فأتمر أولئك الثلاثة حين جُعل الأمر لهم.
فقال عبد الرحمن: أيكم يتبرأ من الأمر، ويجعل الأمر ليّ؟ ولكم الله عليَّ أن لا آلو عن أفضلكم وخيركم للمسلمين.
قالا: نعم، فخَلا بعليِّ فقال: إن لك من القرابة من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والتقدم، ولي الله عليك لئن أستُخلف لتعدلنَّ ولئن إستخلفتُ عثمان لتسمعنَّ ولتطيعنَّ.
قال: نعم.
وخلا بعثمان فقال له مثل ذلك، فقال عثمان؛ نعم.
ثم قال لعثمان: إبسط يدك يا عثمان، فبسط يده، فبايعه وبايعه عليٌّ والناس.
وصية عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لولي الأمر من بعده: أخرج ابن أبي شيبة، وأبو عُبَيد في الأموال، أبو يَعْلى، والنِّسائي، وابن حِبّان، والبيهقي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "أُوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأوَّلين أن يعلم لهم حقَّهم، ويحفظ لهم حرمتهم.
وأوصيه بالأنصار الذين تبوؤا الدار والإِيمان من قبلهم؛ أن يقبل من محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم.
وأوصيه بأهل الأمصار خيراً، فإنَّهم رِدْء الإِسلام، وجُباة الأموال، وغَيْظ العدو، وأن يأخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيراً فإنهم أصل العرب ومادة الإِسلام؛ أن يأخذ من حواشي أموالهم فيرد على فقرائهم.
وأوصيه بذمّة الله وذمّة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلَّفهم إلا طاقتهم".
كذا في المنتخب.

وأخرج ابن سعد، وابن عساكر عن القاسم بن محمد قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ليَعْلم من وُلِّيَ هذا الأمر من بعدي أنْ سَيريدُه عنه القريبُ والبعيدُ، إني لأقاتل الناس عن نفسي قتالاً، ولو علمتُ أنَّ أحداً من الناس أقوى عليه مني لكنت أُقدَّمُ فتُضربُ عنقي أَحبُّ إليَّ من أن أَليَه".
كذا في الكنز.

  • ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:

عمر بن الخطاب هو ثاني الخلفاء الراشدين و أول من تسمى بلقب أمير المؤمنين، كان أزهد الأمة بعد نبيها وبعد أبي بكرٍ الصديق، لقد فهم عمر ابن الخطاب رضي الله عنه رضي الله عنه من خلال معايشته للقرآن الكريم، ومصاحبته للنبي الأمين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، وعليه فإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرر من سيطرة الدنيا بزخارفها، و زينتها، وبريقها، وطلقها ثلاثة ونفض يديه منها، وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهرا وباطنا، فكانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف، وقد وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق ما يلي: (1) اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل كما قال النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.
(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
(2) أن هذه الدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله تبارك وتعالى: (حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء.
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما.
(3) أن عمرها قد قارب على الانتهاء: (حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بعثت أنا والساعة كهاتين قال وضم السبابة والوسطى.
(4) أن الآخرة هى الباقية، وهى دار القرار: كما قال مؤمن آل فرعون:

(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر: 39، 40] كانت هذه الحقائق قد استقرت في قلب أبي بكر، فترِفَّع رضي الله عنه عن الدنيا وحطامها وزهد فيها، وهاك

بعض صور زهده رضي الله عنه:

  • يتجلى زهد الفاروق عمر رضي الله عنه في إنفاقه للمال في سبيل الله تعالى: فقد وَعَى حقيقة الزهد بحذافيره وأيقن أن الزهد ليس بأن لا تملك المال بل الزهد أن تملك الدنيا كلها لكنها تكون في يدك وليست في قلبك، كانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف رضي الله عنه فكان آيةً في الجود والسخاء والبذل والإنفاق في سبيل الله تعالى، ويتجلى ذلك في المواقف الآتية: 1 إنفاقه نصف ماله في غزوة تبوك: علم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أصحابه كيف ينفقون الأموال وما أعطاهم الله تبارك وتعالى في سبيل الله ومواقع رضاء الله، وكيف كان ذلك أحبَّ إليهم من الإِنفاق على أنفسهم، وكيف كانوا يُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
    وقد ضرب الفاروق عمر أروع المثل في ذلك يوم أنفق نصف ماله.
    حث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصحابة في غزوة تبوك على الإنفاق بسبب بعدها، وكثرة المشركين فيها، ووعد المنفقين بالأجر العظيم من الله، فأنفق كل حسب مقدرته وكان عثمان - رضي الله عنه - صاحب القدح المعلى في الإنفاق في هذه الغزوة (1). وتصدق عمر بن الخطاب بنصف ماله وظن أنه سيسبق أبابكر بذلك ونترك الفاروق يحدثنا بنفسه عن ذلك.
    (حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) قال: أمرنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوما أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، فجئت بنصف مالي، فقال [لي] رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "" ما أبقيت لأهلك؟ "" فقلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر [رضي الله عنه] بكل ما عنده، فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "" ما أبقيت لأهلك؟ "" قال: أبقيت لهم الله ورسوله قلت: لا أسابقك إلى شىء أبدا.
    قال صاحب تحفة الأحوذي: قَوْلُهُ: (أَنْ نَتَصَدَّقَ) أَيْ: فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ

(وَوَافَقَ ذَلِكَ عِنْدِي مَالًا) أَيْ: صَادَفَ أَمْرُهُ بالتَّصَدُّقِ حُصُولَ مَالٍ عِنْدِي، فَعِنْدِي حَالٌ مِنْ مَالٍ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِمَّا قَبْلَهُ يَعْنِي: وَالْحَالُ أَنَّهُ كَانَ لِي مَالٌ كَثِيرٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ (الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ من مناقبه) أَيْ: بِالْمُبَارَزَةِ، أَوْ بِالْمُبَالَغَةِ (إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا) أَيْ: مِنَ الْأَيَّامِ وَإِنْ شَرْطِيَّةٌ دَلَّ عَلَى جَوَابِهَا مَا قَبْلَهَا، أَوِ التَّقْدِيرُ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا فَهَذَا يَوْمُهُ، وَقِيلَ: إِنْ نَافِيَةٌ أَيْ: مَا سَبَقْتُهُ يَوْمًا قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ (قَالَ) أَيْ: عُمَرُ (قُلْتُ مِثْلَهُ) أَيْ: أَبْقَيْتُ مِثْلَهُ يَعْنِي نِصْفَ مَالِهِ (بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ) أَيْ: مِنَ الْمَالِ (اللَّهَ وَرَسُولَهُ) مَفْعُولُ: أَبْقَيْتُ أَيْ: رِضَاهُمَا (لا أسابقك إلى شىء أبدا) أَيْ: مِنَ الْفَضَائِلِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُغَالَبَتِهِ حِينَ كَثْرَةِ مَالِهِ وَقِلَّةِ مَالِ أَبِي بَكْرٍ فَفِي غَيْرِ هَذَا الْحَالِ أَوْلَى أَنْ لَا يَسْبِقَهُ.
أهـ كان فعل عمر فيما فعله من المنافسة والغبطة مباحاً ولكن حال الصديق - رضي الله عنه - أفضل منه لأنه خال من المنافسة مطلقاً ولا ينظر إلى غيره 1. (2) جعل أنفس ماله وقفاً لله تعالى: (حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري): أن عمر بن الخطاب أصاب أرضا بخيبر، فأتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها).
قال: فتصدق بها عمر: أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول.
هذا الموقف العمري فيه فضيلة ظاهرة للفاروق رضي الله عنه ورغبته في المسارعة للخيرات، وإيثاره الحياة الآخرة على الحياة الفانية.

عن نافع قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: (والله ما شمل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بيته ولا خارج بيته ثلاثة أثواب، ولا شمل أبا بكر في بيته ثلاثة أثواب، غير أني كنت أرى كساهم إذا أحرموا، كان لكل واحد منهم مئزر ومشمل لعلها كلها بثمن درع أحدكم، والله لقد رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرقع ثوبه، ورأيت أبا بكر تخلل بالعباءة، ورأيت عمر يرقع جبته برقاع من أدم وهو أمير المؤمنين، وإني لأعرف في وقتي هذا من يجيز المائة، ولو شئت لقلت ألفاً ["تاريخ عمر بن الخطاب" لابن الجوزي ص102]. وقالت حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما لعمر: يا أمير المؤمنين لو لبسْتَ ثوباً هو ألين من ثوبك، وأكلت طعاماً هو ألين من طعامك، وقد وسَّع الله من الرزق وأكثر من الخير، فقال: إني سأخصمك إلى نفسك، ألا تذكرين ما كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلقى من شدة العيش؟ فما زال يُذكِّرها حتى أبكاها، فقال لها: أما والله لئن استطعتُ لأشاركهما في مثل عيشهما الشديد لعلِّي أدرك معهما عيشهما الرخي ["تاريخ عمر بن الخطاب" لابن الجوزي ص104] وعن قتادة رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبطأ عن الناس يوم الجمعة، قال: ثم خرج فاعتذر إليهم في احتباسه وقال: إنما حبسني غسل ثوبي هذا، كان يُغسل ولم يكن لي ثوب غيره) ["تاريخ عمر بن الخطاب" ص102]. يقول طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه.
ما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأولنا إسلامًا، ولا أقدمنا هجرة، ولكنه كان أزهدنا في الدنيا، وأرغبنا في الآخرة.
ويقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: والله ما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقدمنا هجرة وقد عرفت بأي شيء فَضَلنا، كان أزهدنا في الدنيا.
روى ابن الجوزي ان اعرابيا اتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأنشده: يا عمر الخير رزقت الجنة... اكس بنياتي وامهنه وكن لهم من الزمن جنة... اقسم بالله لتفعلنه فأجاب عمر: "فان لم أفعل يكون ماذا؟:قال اذا ابا حفص لأمضينه فقال عمر: " فان مضيت يكون ماذا؟ " فقال الاعرابي: تكون عن حالي لتسالنه...... يوم تكون الاعطيات منة وموقف المسئول عندهنه........... اما الى النار واما جنة فبكى عمر حتى بلت دموعه لحيته ثم قال لغلامه: " يا غلام اعطه قميصي هذا لموقف ذلك اليوم لا لشعره أما والله اني لا املك غيره".

اليكم هذه الابيات التي تبين زهد الخيلفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين: إن جاع في شدة قومٌ شركتهم... في الجوع أو تنجلي عنهم غواشيها جوع الخليفة و الدنيا بقبضته... في الزهد منزلة سبحان موليها فمن يباري أبا حفص و سيرته... أو من يحاول للفاروق تشبيها يوم اشتهت زوجه الحلوى فقال لها... من أين لي ثمن الحلوى فأشريها لا تمتطي شهوات النفس جامحة... فكسرة الخبز عن حلواك تجزيها و هل يفي بيت مال المسلمين بما... توحي إليك إذا طاوعت موحيها قالت لك الله إني لست أرزؤه... مالا لحاجة نفس كنت أبغيها لكن... أجنب شيأ من وظيفتنا... في كل يوم على حال أسويها حتى إذا ما ملكنا ما يكافئها... شريتها ثم إني لا أثنيها قال اذهبي و اعلمي إن كنت جاهلة... أن القناعة تغني نفس كاسيها و أقبلت بعد خمس و هي حاملة... دريهمات لتقضي من تشهيها فقال نبهت مني غافلا فدعي... هذي الدراهم إذ لا حق لي فيها ويلي على عمر يرضى بموفية... على الكفاف و ينهى مستزيدها ما زاد عن قوتنا فالمسلمين به... أولى فقومي لبيت المال رديها كذاك أخلاقه كانت و ما عهدت... بعد النبوة أخلاق تحاكيها

قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: أتيت مجلساً في جامع البصرة، فإذا أنا بنفر من أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتذاكرون زهد أبي بكر وعمر وحُسن سيرتهما، وما فتح الله عليهما من الخير، قال الحسن: فدنوت من القوم، فإذا فيهم الأحنف بن قيس، فسمعته يقول: أخرجنا عمر بن الخطاب في سرية إلى العراق، ففتح الله علينا العراق وبلاد فارس، فاكتسينا من أقمشتها الجميلة وثيابها الناعمة المترفة، ثم قدمنا المدينة المنورة، فلما دخلنا على عمر بن الخطاب أعرض عنا بوجهه، وجعل لا يكلمنا، فاشتد ذلك على أصحاب النبي الكريم منا، قال الأحنف: فأتينا عبد الله بن عمر، وهو جالس في المجلس، فشكونا ما نزل بنا من الجفاء والإعراض من أمير المؤمنين عمر، فقال ابنه عبد الله أن أمير المؤمنين رأى عليكم لباساً ناعماً مترفاً، لم ير رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلبسه، ولا الخليفة من بعده أبو بكر، فهذا سبب إعراضه عنكم، وجفوته لكم، قال الأحنف: فأتينا منازلنا، فنزعنا ما كان علينا من ثياب، وأتينا عمر في البزة وفي الثياب الخشنة التي كان يعهدنا فيها، فلما دخلنا عليه ورآنا، قام لنا فرحاً مستبشراً وسلم علينا رجلاً رجلاً، وعانقنا رجلاً رجلاً، حتى كأنه لم يرنا قبل ذلك، فقدمنا إليه الغنائم، فقسمها بيننا بالسوية، وكان من بينها أنواع الحلويات الفاخرة فذاقها عمر، فوجدها لذيذة الطعم، طيبة الرائحة، فأعرض عنها، ثم أقبل علينا بوجهه وقال: يا معشر المهاجرين والأنصار: والله ليقتلن الابن أباه، والأخ أخاه، على زهرة هذه الحياة الدنيا، ثم أمر عمر، بتلك المجامع من الحلويات، أن توزع على أبناء الشهداء والأيتام، ثم إن عمر قام منصرفاً، فمشى وراءه أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال بعضهم لبعض: ألا ترون يا معشر المهاجرين والأنصار إلى زهد هذا الرجل وإلى حليته؟ لقد تقاصرت إلينا أنفسنا، منذ فتح الله على يديه، ديار كسرى وقيصر، وطرفي المشرق والمغرب، فها هي وفود العرب والعجم يأتونه، فيرون عليه هذه الجبة العتيقة قد رقعها اثنتي عشرة رقعة، فلو سألتموه تغييرها واستبدالها بثوب لين يهاب فيه منظره.

جارٍ التحميل