فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 374-413

كتاب الزهد

صفحات 374-413
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

[^fn254][^fn255][^fn256][^fn257][^fn258][^fn259] أخرج ابن سعد عن أستق قال: كنت مملوكاً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأنا نصراني.
فكان يعرض عليَّ الإِسلام ويقول: إِنَّك إن أسلمت إستعنت بك على أمانتي، فإنه لا يحلُّ لي أن أستعين بك على أمانة المسلمين ولست على دينهم، فأبيت عليه، فقال: لا إِكراه في الدين.
فلما حضرته الوفاة، أعتقني وأنا نصراني، وقال: إذهب حيث شئت.
وأخرجه أيضاً سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم بنحوه مختصراً.
كذا في الكنز وأخرجه أبو نعيم في الحلية عن وسق الرومي مثله، إلا أنّ في روايته: على أمانة المسلمين فإنه لا ينبغي لي أن أستعين على أمانتهم بمن ليس منهم.
وأخرج الدارقطني، وابن عساكر عن أسلم قال: لمَّا كنَّا بالشام أتيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بماء توضأ منه.
فقال: من أين جئت بهذا الماء؟ فما رأيت ماء عذباً ولا ماء السماء أطيب منه.
قلت: جئت به من بيت هذه العجوز النصرانية.
فلما توضأ أتاها فقال: أيتها العجوز، أسلمي، بعث الله تعالى محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحق، فكشفت عن رأسها فإذا مثل الثغامة، فقالت: عجوز كبيرة وإنما أموت الآن.
فقال عمر: اللَّهم أشهد.
كذا في الكنز.

- هجرة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:

لما أراد عمر الهجرة إلى المدينة أبى إلا أن تكون علانية يقول ابن عباس رضي الله عنهما: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما علمت أن أحداً من المهاجرين هاجر إلا متخفياً، إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما همّ بالهجرة، تقلد سيفه، وتنكّب قوسه، وانتضى في يده أسهماً، واختصر عنزته 1، ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعاً متمكناً، ثم أتى المقام، فصلى متمكناً، ثم وقف على الحلق واحدة، واحدة، فقال لهم: شاهت الوجوه، لا يُرغم الله إلا هذه المعاطس 2، من أراد أن تثكله أمه، ويوتم ولده، أو يرمل زوجه فليلقني وراء هذا الوادي.
قال عليُّ رضي الله عنه: فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علمهم، وأرشدهم ومضى لوجهه 3.

وكان قدوم عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى المدينة قبل مقدم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إليها، وكان معه من لحق به من أهله وقومه، وأخوه زيد بن الخطاب، وعمرو وعبد الله ابنا سراقة بن المعتمر، وخنيس بن حذافة السهمي، زوج ابنته حفصة، وابن عمه سعيد بن زيد، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وواقد بن عبد الله التميمي، حليف لهم، وخولى بن أبي خولى، ومالك بن أبي خولى، حليفان لهم من بني عجل وبنو البكير، وإياس وخالد، وعاقل، وعامر، وحلفاؤهم من بني سعد بن ليث، فنزلوا على رفاعة بن عبد المنذر في بني عمرو بن عوف بقباء 1. يقول البراء بن عازب رضي الله عنه: أول من قدم علينا مصعب بن عمير، وابن أبي مكتوم، وكانوا يُقرئون الناس، فقدم بلال، وسعد، وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين نفراً من أصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثم قدم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 2.

  • مناقب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:

هو الخليفة الثاني وأفضل الصحابة الكرام بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنهم جميعاً وقد حثنا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأمرنا باتباع سنتهم والاهتداء بهديهم كما في الحديث الآتي: (حديث العرباض بن سارية في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أوصيكم بتقوى الله و السمع و الطاعة و أن أمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم بعدي فسيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها و عضوا عليها بالنواجذ و إياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة.
فعمر - رضي الله عنه - خير الصالحين بعد الأنبياء والمرسلين وأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وقد قال فيهما رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر وعمر كما في الحديث الآتي: (حديث حذيفة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اقتدوا باللذين بعدي أبي بكر وعمر.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:

فقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (اقتدوا باللذين من بعدي) أي: بالخليفتين اللذين يقومان من بعدي وهما أبوبكر وعمر وحث على الاقتداء بهما لحسن سيرتهما وصدق سريرتهما، وفي الحديث إشارة لأمر الخلافة (1). والسنة طافحةٌ بما يدل على فضائل الفاروق وهذا غيضٌ من فيض ونقطةٌ من بحر مما ورد في ذلك جملةً وتفصيلاً:

أولاً مناقب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جملة ً:

1 إيمانه وعلمه ودينه: (2) هيبة عمر وخوف الشيطان منه: (3) عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مُلْهَمُ هذه الأمة: (4) لم أر عبقرياً ينزع نزع عمر: (5) غَيْرَةُ عمر رضي الله وبشرى رسول الله له بقصر في الجنة: (6) عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أحب أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إليه بعد أبي بكر: (7) بشرى لِعُمَرَ بالجنة: (8) موافقات عمر للقرآن الكريم: (9) إلمام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بأسباب النزول: (10) تفسير عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لبعض الآيات وبعض تعليقاته: (11) ملازمة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (12) من صدقات عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ووقفه: (13) دعاء رسول الله لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: (14) زواج حفصة بنت عمر رضي الله عنهما من رسول الله: (15) فراسة عمر الصادقة في أبي مسلم الخولاني: (16) مشورة عمر على أبي بكر بجمع القرآن: (17) تفقد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لأحوال أمراءه: (18) قبول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للحق إذا سمعه من الرعية وعدم استنكافه من ذلك: (19) تحقيقه للعدل والمساواة رضي الله عنه: (20) شدة خوف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من الله تعالى بمحاسبته لنفسه: (21) لين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وشدته: (22) رحمة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: (23) ومن أعظم مناقب عمر - رضي الله عنه - اعترافه بفضل أبي بكرٍ عليه إذعاناً للحق: (24) شجاعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (25) حكم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على الناس بظاهر الأعمال مما يدل على رسوخ العلم والإيمان في قلبه - رضي الله عنه -: (26) ورع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: (27) كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقافاً عند حدود الله تعالى: (28) إكرام عمر لأهل البيت: (29) توقير عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للصحابه: (30) تواضع عمر:

(31) غيرة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على أعراض المسلمين: ثانياً مناقب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - تفصيلا ً:

(1) إيمان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وعلمه ودينه:

(حديث عمر في صحيح البخاري) أن عمر رضي الله عنه للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إنك لأحب إلى من كل شيء إلا من نفسي.
قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك.
قال: الآن والله لأنت أحب إلى من نفسي.
فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الآن يا عمر " وأما علمه:

(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن، فشربت منه، حتى إني لأرى الرِّيَّ يخرج من أظفاري، ثم أعطيت فضلي - يعني - عمر).
قالوا: فما أوَّلته يا رسول الله؟ قال: (العلم).
وجه التعبير:

وجه التعبير بذلك من جهة اشتراك اللبن والعلم في كثرة النفع وكونهما سبباً للصلاح، فاللبن للغذاء البدني والعلم للغذاء المعنوي وفي الحديث فضيلة - ومنقبة لعمر رضي الله عنه - وإن الرؤيا من شأنها أن لا تحمل على ظاهرها وإن كانت رؤيا الأنبياء من الوحي لكن منها ما يحتاج إلى تعبير ومنها ما يحمل على ظاهره.. والمراد بالعلم - في الحديث - سياسة الناس بكتاب الله وسنة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واختص عمر بذلك لطول مدته بالنسبة إلى أبي بكر وباتفاق الناس على طاعته بالنسبة إلى عثمان فإن مدة أبي بكر كانت قصيرة فلم تكثر فيها الفتوح التي هي أعظم الأسباب في الاختلاف ومع ذلك فساس عمر فيها مع طول مدته الناس بحيث لم يخالفه أحد ثم ازدادت اتساعاً في خلافة عثمان فانتشرت الأقوال واختلفت الآراء ولم يتفق له ما اتفق لعمر في طواعية الخلق له فنشأت من ثم الفتن إلى أن أفضى الأمر إلى قتله واستخلف عليُّ فما ازداد الأمر إلا اختلافاً والفتن إلا انشاراً.
وأما دينه:

(حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (بينا أنا نائم، رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره).
قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: (الدين).

(2) هيبة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وخوف الشيطان منه:

(حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إيه يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً (1) قط إلا سلك فجاً غير فجك.
قال ابن حجر: فيه فضيلة لعمر تقتضي أن الشيطان لا سبيل له عليه لا أن ذلك يقتضي وجود العصمة إذ ليس فيه إلا فرار الشيطان منه أن يشاركه في طريق يسلكها، ولا يمنع ذلك من وسوسته له بحسب ما تصل إليه قدرته، فإن قيل عدم تسليطه عليه بالوسوسة يؤخذ بطريق مفهوم الموافقة لأنه إذا منع من السلوك في طريق فأولى أن لا يلابسه بحيث يتمكن من وسوسته له فيمكن أن يكون حفظ من الشيطان، ولا يلزم من ذلك ثبوت العصمة له لأنها في حق النبي واجبة وفي حق غيره ممكنة ووقع في حديث حفصة عند الطبراني في الأوسط بلفظ: إن الشيطان لا يلقى عمر منذ أسلم إلا فر لوجهه.
وهذا دال على صلابته في الدين، واستمرار حاله على الجد الصرف والحق المحض، وقال النووي: هذا الحديث محمول على ظاهره وأن الشيطان يهرب إذا رآه: وقال عياض: يحتمل أن يكون ذاك على سبيل ضرب المثل وأن عمر فارق سبيل الشيطان وسلك طريق السداد فخالف كل ما يحبه الشيطان قال ابن حجر والأول أولى (2). (حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: رأيت شياطين الإنس و الجن فروا من عمر.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (رأيت شياطين الإنس والجن فروا من عمر) بن الخطاب لأن القلب إذا كان مطهراً عن مرعى الشيطان وقوته وهو الشهوات وكان له حظ من سلطان الجلال والهيبة لم يثبت لمقاومته شيء وهابه كل من رآه قال ابن عباس: كانت درته أهيب عند الناس من سيوف غيره وكانوا إذا أرادوا أن يكلموه رفعوا إلى بنته حفصة هيبة له.

(3) عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مُلْهَمُ هذه الأمة:

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لقد كان فيما كان قبلكم من الأمم ناس مُحَدَثُون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر.12

قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم) (أناس مُحَدَثُون) قال القرطبي: الرواية بفتح الدال اسم مفعول جمع محدث بالفتح أي ملهم أو صادق الظن وهو من ألقى في نفسه شيء على وجه الإلهام والمكاشفة من الملأ الأعلى أو من يجري الصواب على لسانه بلا قصد أو تكلمه الملائكة بلا نبوّة أو من إذا رأى رأياً أو ظنّ ظناً أصاب كأنه حدث به وألقى في روعه من عالم الملكوت فيظهر على نحو ما وقع له وهذه كرامة يكرم اللّه بها من شاء من صالح عباده وهذه منزلة جليلة من منازل الأولياء (فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر) هذا شأنه وفي رواية بدله وإن يك في أمتي من أحد

(فإنه عمر) كأنه جعله في انقطاع قرينه في ذلك كأنه نبيّ فلذلك أتى بلفظ إن بصورة الترديد قال القاضي: ونظير هذا التعليق في الدلالة على التأكيد والاختصاص قولك إن كان لي صديق فهو زيد فإن قائله لا يريد به الشك في صداقته بل المبالغة في أن الصداقة مختصة به لا تتخطاه إلى غيره وقال القرطبي: قوله فإن يكن دليل على قلة وقوعه وندرته وعلى أنه ليس المراد بالمحدثين المصيبون فيما يظنون لأنه كثير في العلماء بل وفي العوام من يقوى حدسه فتصح إصابته فترتفع خصوصية الخبر وخصوصية عمر ومعنى الخبر قد تحقق ووجد في عمر قطعاً وإن كان النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يجزم بالوقوع وقد دلّ على وقوعه لعمر أشياء كثيرة كقصة الجبل يا سارية الجبل وغيره وأصح ما يدلّ على ذلك شهادة النبي صلى اللّه عليه وسلم له بذلك حيث قال: إن اللّه جعل الحق على لسان عمر وقلبه وليس لك أن تقول [ص 508] هذا كالصريح في تفضيل الفاروق على الصديق لأنا نمنعه بأن الصديق لا يتلقى عن قلبه بل عن مشكاة النبوة وهي معصومة والمحدث تارة يتلقى عنها وتارة عن قلبه وهو غير معصوم ولهذا كان عمر يزن الوارد بميزان الشرع فإن وافق وإلا لم يلتفت إليه قال ابن حجر: وقد كثر هؤلاء المحدثون بعد العصر الأول وحكمته زيادة شرف هذه الأمة بوجود أمثالهم فيها ومضاهاة بني إسرائيل في كثرة الأنبياء فلما فات هذه الأمة المحمدية كثرة الأنبياء لكون نبيهم خاتم الأنبياء عوضوا تكثير الملهمين ومما تقدم عرف أنه ليس لأحد من الأولياء العمل بالوارد حتى يزنه بالميزان فإن وافق انتفع به هو ومن كاشفه به ممن يعتقد صدقة وزادهم إيماناً (تنبيه) قال الغزالي: قال بعض العارفين سألت بعض الأبدال عن مسألة من مشاهد النفس فالتفت إلى شماله وقال ما تقول رحمك اللّه ثم إلى يمينه كذلك ثم أطرق إلى صدره فقال ما تقول ثم أجاب فسألته عن التفاته فقال لم يكن عندي علم فسألت الملكين فكل قال لا أدري فسألت قلبي فحدثني بما أجبت فإذا هو أعلم منهما قال الغزالي: وكأن هذا معنى الحديث.

(4) لم أر عبقرياً ينزع نزع عمر:

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بينا أنا نائم، رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع بها ذَنُوبَا أو ذَنُوبَيْن، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن).
قال الشافعي رحمه الله: رؤيا الأنبياء وحي وقوله: وفي نزعه ضعف قصر مدته وعجلة موته وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والتزيد الذي بلغه عمر في طول مدته 1. قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:

رأيتني على قليب عليها دلو: أما القليب فهي البئر غير المطوية والدلو يذكر ويؤنث، والذنوب: بفتح الذال الدلو المملوءة، والغرب بفتح الغين المعجمة وإسكان الراء وهي الدلو العظيمة، والنزع الاستقاء، والضعف بضم الضاد وفتحها لغتان مشهورتان الضم أفصح، ومعنى استحالت صارت وتحولت من الصغر إلى الكبر، وأما العبقري فهو السيد وقيل الذي ليس فوقه شيء، ومعنى ضرب الناس بعطن أي أرووا إبلهم ثم آووها إلى عطنها وهو الموضع الذي تساق إليه بعد السقي لتستريح.
قال العلماء: هذا المنام مثال واضح لما جرى لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما في خلافتهما وحسن سيرتهما وظهور آثارهما وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن بركته وآثار صحبته، فكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو صاحب الأمر، فقام به أكمل قيام، وقرر قواعد الإسلام، ومهد أموره وأوضح أصوله وفروعه ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وأنزل الله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ ثم توفي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخلفه أبو بكر رضي الله عنه سنتين وأشهراً وهو المراد بقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذنوباً أو ذنوبين وهذا شك من الراوي والمراد ذنوبان كما صرح به في الرواية الأخرى، وحصل في خلافته قتال أهل الردة وقطع دابرهم واتساع الإسلام ثم توفي فخلفه عمر رضي الله عنه فاتسع الإسلام في زمنه، وتقرر لهم من أحكامه ما لم يقع مثله، فعبر بالقليب عن أمر المسلمين لما فيها من الماء الذي به حياتهم وصلاحهم وشبه أميرهم بالمستقى لهم وسقيه هو قيامه بمصالحهم وتدبير أمورهم.
وأما قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أبي بكر رضي الله عنه وفي نزعه ضعف فليس فيه حط من فضيلة أبي بكر ولا إثبات فضيلة لعمر عليه وإنما هو إخبار عن مدة ولايتهما وكثرة انتفاع الناس في ولاية عمر لطولها ولاتساع الإسلام وبلاده والأموال وغيرها من الغنائم والفتوحات ومصر الأمصار ودون الدواوين.
وأما قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: والله يغفر له فليس فيه تنقيص له ولا إشارة إلى ذنب وإنما هي كلمة كان المسلمون يدعمون بها كلامهم ونعمت الدعامة، وقد سبق في الحديث في صحيح مسلم أنها كلمة كان المسلمون يقولونها افعل كذا والله يغفر لك.
قال العلماء: وفي كل هذا إعلام بخلافة أبي بكر وعمر وصحة ولايتهما وبيان صفتها وانتفاع المسلمين بها.

قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فجاءني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليروحني" قال العلماء: فيه إشارة إلى نيابة أبي بكر عنه وخلافته بعده وراحته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بوفاته من نصب الدنيا ومشاقها كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مستريح ومستراح منه الحديث، والدنيا سجن المؤمن، ولا كرب على أبيك بعد اليوم.
قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فلم أر عبقرياً من الناس يفري فريه" أما يفري فبفتح الياء وإسكان الفاء وكسر الراء، وأما فريه فروي بوجهين: أحدهما فريه بإسكان الراء وتخفيف الياء والثانية كسر الراء وتشديد الياء وهما لغتان صحيحتان، وأنكر الخليل التشديد وقال هو غلط اتفقوا على أن معناه لم أر سيداً يعمل عمله ويقطع قطعه، وأصل الفري بالإسكان القطع يقال فريت الشيء أفريه فرياً قطعته للإصلاح فهو مفري وفرى وأفريته إذا شققته على جهة الإفساد، وتقول العرب: تركته يفري الفرى إذا عمل العمل فأجاده، ومنه حديث حسان لأفرينهم فري الأديم أي أقطعهم بالهجاء كما يقطع الأديم.
قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "حتى ضرب الناس بعطن" سبق تفسيره، قال القاضي: ظاهره أنه عائد إلى خلافة عمر خاصة، وقيل يعود إلى خلافة أبي بكر وعمر جميعاً لأن بنظرهما وتدبيرهما وقيامهما بمصالح المسلمين تم هذا الأمر وضرب الناس بعطن لأن أبا بكر قمع أهل الردة وجمع شمل المسلمين وألفهم وابتدأ الفتوح ومهد الأمور وتمت ثمرات ذلك وتكاملت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

(5) غَيْرَةُ عمر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وبشرى رسول الله له بقصر في الجنة:

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) بينا نحن عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ قال: (بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فذكرت غيرته، فوليت مدبرا).
فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله.
هذا الحديث يشتمل على فضيلة ظاهرة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث أخبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - برؤيته قصراً في الجنة للفاروق وهذا يدل على منزلته عند الله تعالى (1).

(6) عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أحب أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إليه بعد أبي بكر:

1 (حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: (عائشة).
فقلت: من الرجال؟ فقال: (أبوها).
قلت: ثم من؟ قال: (عمر بن الخطاب).
فعد رجالا.

(7) بشرى لِعُمَرَ بن الخطاب - رضي الله عنه - بالجنة:

(حديث أبي موسى رضي الله عنه قال الثابت في صحيح البخاري): كنت مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (افتح له وبشره بالجنة).
ففتحت له، فإذا هو أبو بكر، فبشرته بما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (افتح له وبشره بالجنة).
ففتحت له فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحمد الله، ثم استفتح رجل، فقال لي: (افتح له وبشره بالجنة، على بلوى تصيبه).
فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحمد الله، ثم قال: الله المستعان.
(حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعليٌ في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعدُ ابن أبي وقاص في الجنة وسعيدُ ابن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة.

(8) موافقات عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للقرآن الكريم:

(حديث عمر رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: وافقت ربي في ثلاث: فقلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فأنزلت: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾.
وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الغيرة عليه، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن، أن يبدله أزواجا خيرا منكن، فأنزلت هذه الآية.
ومن موافقته في ترك الصلاة على المنافقين:

(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قال: لما توفي عبد الله، جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليصلي، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: يا رسول الله تصلي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنما خيرني الله فقال: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة﴾.
وسأزيده على السبعين).
قال: أنه منافق، قال: فصلى عليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأنزل الله: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره﴾.
موافقته في أسرى بدر: (حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي بكر وعمر ما ترون في هؤلاء الأسارى فقال أبو بكر يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما ترى يا بن الخطاب قلت لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه وتمكني من فلان نسيبا لعمر فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها فهوى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر قاعدين يبكيان قلت يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة شجرة قريبة من نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنزل الله عز وجل! < ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض >! إلى قوله! < فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا >! الأنفال فأحل الله الغنيمة لهم موافقته في الاستئذان:

أرسل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غلاماً من الأنصار إلى عمر بن الخطاب.
وقت الظهيرة ليدعوَه، فدخل عليه وكان نائماً وقد انكشف بعض جسده، فقال: اللهم حرّم الدخول علينا في وقت نومنا وفي (رواية) قال: يا رسول الله وددت لو أن الله أمرنا ونهانا في حال الاستئذان (1) فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ﴾ (النور، آية:58) (2). عمر ودعاؤه في تحريم الخمر: (حديث عمر رضي الله عنه الثابت في صحيح النسائي) قال: لما نزل تحريم الخمر قال عمر اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت الآية التي في البقرة فدعي عمر فقرئت عليه فقال عمر اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت الآية التي في النساء يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى فكان منادي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أقام الصلاة نادى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى فدعي عمر فقرئت عليه فقال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت الآية التي في المائدة فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ فهل أنتم منتهون قال عمر رضي الله عنه انتهينا انتهينا.

(9) إلمام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بأسباب النزول:

حفظ عمر القرآن كله 3، في الفترة التي بدأت بإسلامه، وانتهت بوفاة الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقد حفظه مع أسباب التنزيل إلا ما سبق نزوله قبل إسلامه، فذلك مما جمعه جملة ولا مبالغة إذا قلنا: أن عمر كان على علم بكثير من أسباب التنزيل، وبخاصة في الفترة الإسلامية من حياته، ثم لشدة اتصاله بالتلقي عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم هو قد حفظ منه ما فاته، فإن يلم بأسباب النزول والقرآن بكر التنزيل، والحوادث لا تزال تترى فذلك أمر يسير 4. وقد كان عمر سبباً في التنزيل لأكثر من آية، بعضها متفق على مكيته، وبعضها مدني، بل كان بعض الآيات يحظى من عمر بمعرفة زمانه ومكانه على وجه دقيق، منها ما يلي:12

(حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلتـ لاتخذنا ذلك اليوم عيدا.
قال: أي آية؟ قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾.
قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو قائم بعرفة يوم جمعة.
، وقد كان عمر - وحده أو مع غيره - سبباً مباشراً في تنزيل بعض الآيات منها، قول الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22)﴾ (التوب22:19). (النعمان بن بشير رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال: كنت عند منبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال رجل ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج وقال آخر ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام وقال آخر الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم فزجرهم عمر وقال لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه فأنزل الله عز وجل: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:19].

ولما نزل قول الله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45)﴾ (القمر، آية:45).
قال عمر: أي جمع يهزم؟ أي جمع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يثبت في الدرع وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ فعرفت تأويلها يومئذ (1). (حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال وهو في قبة يوم بدر: "" اللهم أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن تشأ لا تعبد بعد اليوم "" فأخذ أبو بكر بيده فقال حسبك يا رسول الله! ألححت على ربك فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول: "" [سيهزم الجمع ويولون الدبر].

(10) تفسير عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لبعض الآيات وبعض تعليقاته:

كان عمر يتحرّج في تفسير القرآن برأيه ولذلك لما سئل عن قوله تعالى ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ قال: هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقوله ما قلته، قيل: ﴿فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا﴾.
قال: السحاب، ولولا أني سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقوله ما قلته، قيل: ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾؟ قال: السفن، ولولا أني سمعت رسول الله يقوله ما قلته، قيل: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾؟ قال: هي الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقوله ما قلته 2، وكان رضي الله عنه له منهج في تفسيره للآيات، فإنه رضي الله عنه إذا وجد لرسول الله تفسيراً أخذ به، وكان هو الأفضل مثل ما مرّ معنا من تفسيره وإذا لم يجد طلبه في مظانه عند بعض الصحابة مثل: ابن عباس، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود ومعاذ وغيرهم - رضي الله عنهم _ وهذا مثال على ذلك1

فقد قال عمر رضي الله عنه يوماً لأصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فيم ترون هذه الآية نزلت ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الأيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)﴾ (البقرة، آية:266)، قالوا: الله أعلم.
فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أولا نعلم.
فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين.
قال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك.
قال ابن عباس: ضربت مثلاً لعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل.
قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله عز وجل، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله 1، وفي رواية قال ابن عباس: عني بها العمل، ابن آدم أفقر ما يكون إلى جنته إذا كبر سنه وكثر عياله، وابن آدم أفقر ما يكون إلى عمله يوم يبعث، فقال عمر: صدقت يا ابن أخي 2. وكانت له بعض التعليقات على بعض الآيات مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾ (البقرة، آية:156،157). فقال: نعم العدلان ونعم العلاوة 3، ويقصد بالعدلين الصلاة والرحمة والعلاوة الاهتداء 4. وسمع القارئ يتلو قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الأنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6)﴾ (الانفطار، آية:6).
فقال عمر: الجهل 5. وفسر قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7)﴾ (التكوير، آية:7).
بقوله: الفاجر مع الفاجر والطالح مع الطالح 6، وفسر قول الله تعالى: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (التحريم، آية:8).
بقوله: أن يتوب ثم لا يعود، فهذه التوبة الواجبة التامة 7

وذات يوم مر بدير راهب فناداه يا راهب فأشرف الراهب، فجعل عمر ينظر إليه ويبكي فقيل له يا أمير المؤمنين: ما يبكيك من هذا؟ قال ذكرت قول الله عز وجل في كتابه ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4)﴾ (الغاشية، آية:4،3). فذاك الذي أبكاني (1)، وفسر الجبت بالسحر، والطاغوت بالشيطان في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ (2) (النساء، آية:51).

(11) ملازمة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لرسول الله -

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

إن الرافد القوي الذي أثر في شخصية عمر وصقل مواهبه، وفجر طاقاته وهذب نفسه هو مصاحبته لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتتلمذه على يديه في مدرسة النبوة، ذلك أن عمر لازم الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مكة بعد إسلامه كما لازمه كذلك في المدينة المنورة - حيث سكن العوالي - وهي ضاحية من ضواحي المدينة، وإن كانت قد اتصلت بها الآن وأصبحت ملاصقة لمسجد الرسول، حيث امتد العمران، وتوسعت المدينة، وزحفت على الضواحي، في هذه الضاحية نظم عمر نفسه، وحرص على التلمذة في حلقات مدرسة النبوة في فروع شتى من المعارف والعلوم على يدي معلم البشرية وهاديها، والذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، وقد كان لا يفوته علم من قرآن، أو حديث أو أمر أو حدث أو توجيه وإن لم يحدث بنفسه تناوب هو وأحدٌ من أصحابه فيحضر هذا مرة ويأتيه بما يكون من رسول الله ويحضر الآخر مرة ويأتيه بما يكون من رسول الله.
قال عمر: كنت أنا وجار لي من الأنصار من بني أمية بن زيد - وهي من عوالي المدينة - وكنا نتناوب النزول على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئت بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك 3. (حديث عمر في صحيح البخاري) قال: وكان رجلاً من الأنصار إذا غاب عن رسول الله وشهدته أتيته بما يكون من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.12

وهذا الخبر يوقفنا على الينبوع المتدفق، الذي استمد منه عمر علمه وتربيته وثقافته، وهو كتاب الله الحكيم، الذي كان ينزل على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منجماً على حسب الوقائع والأحداث، وكان الرسول يقرأه على أصحابه، الذين وقفوا على معانيه، وتعمقوا في فهمه، وتأثروا بمبادئه، وكان له عميق الأثر في نفوسهم وعقولهم وقلوبهم وأرواحهم وكان عمر واحداً من هؤلاء الذين تأثروا بالمنهج القرآني في التربية والتعليم، وظل عمر ملازماً للرسول يتلقى عنه ما أنزل عليه، حتى تم له حفظ جميع آياته وسوره، وقد أقرأه الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعضه وحرص على الرواية التي أقرأه بها الرسول 1 وكان لعمر أحياناً شرف السبق إلى سماع بعض آياته فور نزوله كما عني بمراجعة محفوظه منه 2، فقد تربى عمر رضي الله عنه على المنهج القرآني وكان المربي له رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، و كان عمر شديد الحرص على ملازمة رسول الله وكان رضي الله عنه إذا جلس إلى رسول الله لم يترك المجلس حتى ينفض، فهو واحد من الجمع القليل الذي لم يترك رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يخطب حين قدمت عير إلى المدينة 3، وكان يجلس في حلقات ودروس ومواعظ رسول الله نشطاً يستوضح، ويستفهم، ويلقي الأسئلة بين يدي رسول الله في الشؤون الخاصة والعامة 4، ولذلك فقد روى عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خمسمائة حديث وتسعة وثلاثين حديثاً 5، وفي رواية: خمسمائة وسبعة وثلاثين حديثاً 6، اتفق الشيخان في صحيحيهما على ستة وعشرين منها، وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين ومسلم بواحد وعشرين 7، والبقية في كتب الأحاديث الأخرى 8،

وقد وفقه الله إلى رواية أحاديث لها قيمتها الأولوية في حقيقة الإيمان والإسلام والإحسان والقضاء والقدر، وفي العلم والذكر والدعاء وفي الطهارة والصلاة والجنائز، والزكاة والصدقات، والصيام، والحج، وفي النكاح والطلاق والنسب، والفرائض، والوصايا والاجتماع، وفي المعاملات والحدود، وفي اللباس والأطعمة والأشربة والذبائح، وفي الأخلاق والزهد والرقاق والمناقب والفتن والقيامة، وفي الخلافة والإمارة والقضاء، وقد أخذت هذه الأحاديث مكانها في مختلف العلوم الإسلامية، ولا تزال رافداً يمد هذه العلوم 1 وإليك بعض المواقف التعليمية والتربوية والاجتماعية من حياة الفاروق مع رسول الله في المدينة.
أولاً: رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسأل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن السائل:

(حديث عمر بن الخطاب الثابت في صحيح مسلم) قال: بينما نحن عند رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال صدقت قال فعجبنا له يسأله ويصدقه قال فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت قال فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال فأخبرني عن الساعة قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل قال فأخبرني عن إمارتها قال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان قال ثم انطلق فلبثت مليا ثم قال لي يا عمر أتدري من السائل قلت الله ورسوله أعلم قال فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم.
وهذا الحديث يبين أن الفاروق تعلم معاني الإسلام والإيمان والإحسان بطريقة السؤال والجواب من أفضل الملائكة وأفضل الرسل.
ثانياً: نهي رسول الله عن الحلف بالآباء وحثه على التوكل على الله:

(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أدرك عمر بن الخطاب في ركب وهو يحلف بأبيه، فقال: (ألا، إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله، أو ليصمت).
قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: "لئن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً" (حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك.
ثالثاُ: رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً:

(حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري): أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج، فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي؟ فقال: (أبوك حذافة).
ثم أكثر أن يقول: (سلوني).
فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نبيا، فسكت.
رابعاً: حكم العائد في صدقته:

(حديث عمر رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنه قال: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه، وظننت أنه يبيعه برخص، فسألت النبي فقال: (لا تشتره، ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه).
(حديث ابن عباس الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه.

(12) من صدقات عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ووقفه:

(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري): أن عمر بن الخطاب أصاب أرضا بخيبر، فأتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها).
قال: فتصدق بها عمر: أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول.

هذا الموقف العمري فيه فضيلة ظاهرة للفاروق رضي الله عنه ورغبته في المسارعة للخيرات، وإيثاره الحياة الآخرة على الحياة الفانية.
قصة بنت خفاف بن إِيماء الغفاري مع عمر رضي الله عنهم: أخرج البخاري، والبيهقي عن أسلم قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى السوق، فلحقت عمر إمرأة شابة فقالت: يا أمير المؤمنين، هلك زوجي، وترك صبية صغاراً.
والله ما يُنضحون كراعاً ولا هم زرع ولا ضرع، وخشيت أن يأكلهم الضَّبعُ وأنا بنت خَفاف بن أيماء الغِفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوقف معها عمر ولم يمضِ، ثم قال: مرحباً بنسب قريب.
ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطاً في الدار، فحمل عليه غِرارتين ملأهما طعاماً، وجعل بينها نفقة وثياباً، ثم ناولها خِطامه، ثم قال: إقتاديه فلن يفنى حتى يأتيَكم الله بخير.
فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أكثرت لها فقال عمر: ثكلتك أمك شهد أبها الحديبية مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والله إِني لأرى أبا هذه وأخاها وقد حاصرا حصناً زماناً فافتتحناه، ثم أصبحنا نستفيء سهمانَنا فيه.
كذا في الكنز.
صنيع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عام الرمادة في ضيافة العرب: وأخرج ابن سعد عن أسلم قال: لمَّا كان عام الرمادة تجلَّبت العرب من كل ناحية فقدموا المدينة.
فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أمر رجالاً يقومون عليهم ويقسمون عليهم أطعمتهم وإدامهم، فكان يزيد بن أخت النمر، وكان المِسْوَر بن مَخْرَمة، وكان عبد الرحمن بن عبد القاريّ، وكان عبد الله بن عتبة بن مسعود رضي الله عنهم، فكانوا إذا أمسَوا إجتمعوا عند عمر فيخبرونه بكل ما كانوا فيه، وكان كل رجل منهم على ناحية من المدينة؛ وكان الأعراب حلولاً فيما بين رأس الثنية إلى راتج، إلى بني حارثة، إلى بني عبد الأشهل، إلى البقيع، إلى بني قريظة، ومنهم طائفة بناحية بني سَلِمة؛ هم محدقون بالمدينة.
فسمعت عمر يقول ليلة ـ وقد تعشَّى الناس عنده ـ أحصُوا من تعشَّى عندنا.
فأحصَوهم من القابلة فوجدوهم سبعة آلاف رجل.
وقال: أحصوا العيالات الذين لا يأتون والمرضى والصبيان فأحصَوا فوجدوهم أربعين ألفاً.

ثم مكثنا ليالي فزاد الناس، فأمر بهم، فأُحصوا، فوجدوا من تعشَّى عنده عشرة آلاف الآخرين خمسين ألفاً.
فما برحوا حتى أرسل الله السماء، فلما مطرت رأيت عمر قد وكل كل قوم من هؤلاء النفر بناحيتهم يُخرجونهم إلى البادية، ويعطونهم قوتاً وحُمْلاناً إلى باديتهم؛ ولقد رأيت عمر يخرجهم هو بنفسه.
قال أسلم: وقد كان وقع فيهم الموت فأراه مات ثلثاهم وبقي ثلث، وكانت قدور عمر يقوم إليها العمال في السَّحَر يعملون الكركور حتى يصبحوا، ثم يطعمون المرضى منهم، ويعملون العصائد وكان عمر يأمر بالزيت فيفار في القدور الكبار على النار حتى يذهب حمته وحره، ثم يُثْرَد الخبز ثم يؤدَم بذلك الزيت.
t فكانت العرب يُحمُّون من الزيت.
وما أكل عمر في بيت أحد من ولده ولا بيت أحد من نسائه ذَواقاً زمان الرمادة؛ إِلا ما يتعشَّى مع الناس حتى أحيا الله الناس أول ما أُحْيَوا.
قصة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مع أهل البيت جياع:

وأخرج الدِينَوَري، وابن شاذان، وابن عساكر عن أسلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه طاف ليلة، فإذا هو بامرأة في جوف دار له وحولَها صبيان يبكون.
وإذا قِدْر على النار قد ملأتها ماءً، فدنا عمر من الباب فقال: يا أمةَ الله، ما بكاء هؤلاء الصبيان؟ قالت: بكاؤهم من الجوع، قال: فما هذا القدر التي على النار؟ قالت: قد جعلت ماءً هو ذا أعلِّلهم به حتى يناموا وأوهمهم أن فيها شيئاً.
فبكى عمر، ثم جاء إلى دار الصَّدَقة، وأخذ غِرارة، وجعل فيها شيئاً من دقيق وشحم وسمن وتمر وثياب ودراهم حتى ملأ الغِرارة، ثم قال: يا أسلم إحملْ عليَّ.
فقلت: يا أمير المؤمنين أنا أحمله عنك، فقال لي: لا أمَّ لك يا أسلم أنا أحمله لأني أنا المسؤول عنهم في الآخرة؛ فحمله حتى أتى به منزل المرأة، فأخذ القدر فجعل فيها دقيقاً وشيئاً من شحم وتمر وجعل يحركه بيده وينفخ تحت القِدْر، فرأيت الدخان يخرج من خَلَل لحيته حتى طبخ لهم، ثم جعل غرف بيده ويطعمهم حتى شبعوا.
ثم خرج وربض بحذائهم كأنه سُبُع خفت أن أكلّمه، فلم يزل كذلك حتى لعب الصبيان وضحكوا.
ثم قام فقال: يا أسلم تدري لم ربضت بحذائهم؟ قلت: لا، قال: رأيتهم يبكون، فكرهت أن أذهب وأدعهم حتى أراهم يضحكون، فلما ضحكوا طابت نفسي.
كذا في منتخب الكنز.
وذكر في البداية عن أسلم قال: خرجت ليلة مع عمر إلى حرَّة وأقِم حتى إذا كنا بصرار إِذا بنار، فقال: يا أسلم ها هنا رَكُب قد قَصَّر بهم الليل، إنطلق بنا إليهم.
فأتيناهم، فإذا إمرأة معها صبيان لها ـ فذكره بمعناه.
وأخرجه الطبري بمعناه مع زيادات.
كتاب عمر إلى عمرو بن العاص رضي الله عنهما عام الرمادة وجوابه إليه: وأخرج ابن عبد الحَكَم عن الليث بن سعد أن الناس بالمدينة أصابهم جَهْد شديد في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سنة الرمادة، فكتب إِلى عمرو بن العاص رضي الله عنه وهو بمصر: "من عبد الله عمر أمير المؤمنين إِلى العاصي بن العاصي، سلام، أما بعد: فلعمري ـ يا عمرو ـ ما تبالي إِذا شبعت أنت ومن معك أن أهلك (أنا) ومن معي، فيا غوثاه، ثم يا غوثاه".
يردّد قوله.
فكتب إليه عمرو بن العاص: "لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص أما بعد: فيا لبيك، ثم يا لبيك، وقد بعثت إِليك بعيرٍ أولها عندك وآخرها عندي.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته".
تقسيم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الطعام الذي أرسله عمرو بين سكان المدينة المنوّرة:

وبعث عمرو بعيرٍ عظيمة، فكان أولها بالمدينة وآخرها بمصر، يتبع بعضها بعضاً، فلما قدمت على عمر وسَّع بها على الناس، ودفع إلى أهل كل بيت بالمدينة وما حولها بَعيراً بما عليه من الطعام، وبعث عبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم يقسمونها على الناس، فدفعوا إلى أهل كل بيت بعيراً بما عليه من الطعام أن يأكلوا الطعام وينحروا البعير، فيأكلوا لحمه ويأتدموا شحمه، ويحتذوا جلده، وينتفعوا بالوعاء الذي كان فيه الطعام لما أرادوا من لحاف أو غيره؛ فوسَّع الله بذلك على الناس ـ فذكر الحديث بطوله في حفر الخليج من النيل إلى القلزُم لحمل الطعام إلى المدينة ومكة.
كذا في المنتخب.
قصة عمر رضي الله عنه مع سبطي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك: وأخرج ابن سعد عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قدم على عمر رضي الله عنه حُلَلٌ من اليمن فكسا الناس، فراحوا في الحلل وهو بين القبر والمنبر جالس، والناس يأتونه فيسلِّمون عليه ويدعُون له، فخرج الحسن، والحسين رضي الله عنهما من بيت أمهما فاطمة رضي الله عنها يتخطَّيان الناس، وليس عليهما من تلك الحلل شيء، وعمر قاطب صارٌّ بين عينيه، ثم قال: والله ما هنأ لي ما كسوتكم، قالوا: يا أمير المؤمنين، كسوت رعيتك فأْسنت، قال: من أجل الغلامين يتخطَّيان الناس وليس عليهما منها شيء، كَبُرت عنهما وصغرا عنها، ثم كتب إلى اليمن: أن أبعث بحلَّتين لحسنٍ، وحسينٍ وعجِّل.
فبعث إليه بحلَّتين فكساهما، كذا في كنز العمال.

(13) دعاء رسول الله لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:

(حديث ابن عمر في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى على عمر قميصاً أبيضاً فقال: ثوبك هذا غسيلٌ أم جديد؟ قال لا بل غسيل، قال: البس جديدا و عش حميدا و مت شهيدا.

(14) زواج حفصة بنت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عنهما من رسول الله:

(حديث ا بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) يحدث: أن عمر بن الخطاب، حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله، فتوفي بالمدينة، فقال عمر ابن الخطاب: أتيت عثمان بن عفان، فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا.
قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئا، وكنت أوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئا؟ قال عمر: قلت: نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي، إلا أني كنت علمت أن رسول الله قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله، ولو تركها رسول الله قبلتها.

(15) فراسة عمر الصادقة في أبي مسلم الخولاني:

كان عمر رضي الله عنه يتمتع بفراسة يندر وجودها في هذه الحياة فقد روى الذهبي: أن الأسود العنسي تنبأ باليمن - ادعى النبوة - فبعث إلى أبي مسلم الخولاني، فأتاه بنار عظيمة، ثم إنه ألقى أبا مسلم فيها، فلم تضره... فقيل للأسود: إن لم تنف هذا عنك أفسد عليك من اتبعك، فأمره بالرحيل، فقدم المدينة، فأناخ في راحلته، ودخل المسجد فبصر به فقام إليه، فقال: ممن الرجل؟ قال: من اليمن قال: وما فعل الذي حرقه الكذاب بالنار؟ قال: ذاك عبد الله بن ثُوَب.
قال نشدتك بالله، أنت هو؟ قال: اللهم نعم.
فأعتنقه عمر، وبكى، ثم ذهب به حتى أجلسه فيما بينه وبين الصديق، فقال: الحمد لله الذي لم يُمتني حتى أراني في أمة محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من صنُع به كما صُنع بإبراهيم الخليل (1).

(16) مشورة عمر على أبي بكر بجمع القرآن:

1 قال أبو بكر رضي الله عنه: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر (1) يوم اليمامة بقراء القرآن الكريم، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن (2)، كلها فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟!! فقال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: وإنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فتتبع القرآن فاجمعه (3). قال زيد: فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل عليَّ مما كلفني به من جمع القرآن (4).

(17) تفقد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لأحوال أمراءه:

أخرج البيهقي عن الأسود (بن يزيد) قال: كان عمر رضي الله عنه إذا قدم عليه الوفد سألهم عن أميرهم: أيعود المريض؟ أيجيب العبد؟ كيف صنيعه؟ من يقوم على بابه؟، (فإن قالوا لخصلةٍ منها لا؛ عزله).
كذا في الكنز.
وأخرجه الطبري عن الأسود بمعناه.
وعند هَنَّاد عن إبراهيم قال: كان عمر رضي الله عنه إذا استعمل عاملاً فقدم إِليه الوفد من تلك البلاد قال: كيف أميركم؟ أيعود المملوك؟ أيتبع الجنازة؟ كيف بابه؟ ألَينٌ هو؟ فإن قالوا: بابه لين، ويعود المملوك، تركه، وإلا بعث إليه بنزعه.
كذا في كنز العمال.
شرائط عمر على العمال: وأخرج البيهقي عن عاصم بن أبي النُّجُود أنِّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا بعث عماله شرط عليهم أن لا تركبوا بِرْذوناً، ولا تأكلوا نقيّاً، ولا تلبسوا رقيقاً، ولا تغلقوا أبوابكم دون حوائج الناس، فإن فعلتم شيئاً من ذلك فقد حلّت بكم العقوبة؛ ثم يُشيِّعهم.
فإذا أراد أن يرجع قال: إني لم أسلطكم على دماء المسلمين، ولا على أبشارهم، ولا على أعراضهم، ولا على أموالهم، ولكني بعثتكم لتقيموا بهم الصلاة، وتقسموا فيهم فَيْئهم، وتحكموا بينهم بالعدل، فإذا أشكل عليكم شيء فارفعوه إليّ.
ألا فلا تضربوا العرب فتذلّوها، ولا تحمِّروها فتفتنوا، ولا تَعْتَلوا عليها فتُحرَموها، جرِّدوا القرآن.
كذا في الكنز.1234

وأخرجه الطبري عن أبي حُصَين بمعناه مختصراً، وزاد: جرِّدوا القرآن، وأقلِّوا الرواية عن محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا شريككم، وكان يُقِصُّ من عماله، وإذا شُكِي إِليه عامل له جمع بينه وبين من شكاه، فإن صحَّ عليه أمرٌ يجب أخذُه به أخذه به.
قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في فرائض الأمير: وأخرج ابن سعد، وابن عساكر عن عبد الرحمن بن سابط قال: أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى سعيد بن عامر الجمحي فقال: إِنا مستعملوك على هؤلاء تسير بهم إلى أرض العدو فتجاهد بهم، فقال: يا عمر لا تفتيِّ.
فقال عمر: والله لا أدعكم، جعلتموها في عنقي ثم تخلَّيتم عني، إِنا أبعثك على قوم لست أفضلهم، ولست أبعثك لتضرب أبشارهم، ولتنتهك أعراضهم؛ ولكن تجاهد بهم عدوهم، وتقسم بينهم فيْئَهم.
كذا في الكنز.
كتاب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إِلى عمرو بن العاص في كسر المنبر: وأخرج ابن عبد الحكم عن أبي تميم الجيشاني رضي الله عنه قال: كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص - رضي الله عنه -: "أما بعد: فإنه بلغني أنك اتخذت منبراً ترقى به على رقاب الناس، أو ما بحسبك أن تقوم قائماً والمسلمون تحت عقبيك.
فعزمت عليك لما كسرته".
كذا في الكنز.
كتاب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إِلى عتبة بن فرقد في أن لا يترفع عن الرعية: وأخرج مسلم عن أبي عثمان رضي الله عنه قال؛ كتب إِلينا عمر رضي الله عنه ونحن بأذربيجان: "يا عتبة بن فرقد، إنَّه ليس من كدِّك ولا من كدِّ أبيك ولا من كدِّ أمك، فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رَحْلك؛ وإياكم والتنعّم وزيّ أهل الشرك ولبوس الحرير".
مؤاخذة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أمير حمص على بنائه العِلَيَّة:

وأخرج ابن عساكر عن عروة بن رُوَيم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تصفَّح الناس، فمر به أهل حمص، فقال: كيف أميركم؟ قالوا: خير أمير إلا أنّه بني عِلِيَّة يكون فيها.
فكتب كتاباً وأرسل بريداً، وأمره أن يحرقها.
فلما جاءها جمع حطباً وحرق بابها.
فأخبر بذلك فقال: دعوه فإنه رسول؛ ثم ناوله الكتاب، فلم يضعه من يده حتى ركب إِليه.
فلما رآه عمر رضي الله عنه قال: إلحقني إلى الحرَّة ـ وفيها إبل الصدقة ـ. قال: إنزع ثيابك، فألقى إِليه نمرة من أوبار الإِبل، ثم قال: إفتح واسق هذه الإِبل، فلم يزل ينزل حتى تعب، ثم قال: متى عهدك بهذا؟ قال: قريب يا أمير المؤمنين، قال: فلذلك بنيت العِلِّيَّة وارتفعت بها على المسكين، والأرملة، واليتيم.
إرجع إلى عملك لا تَعُدْ.
كذا في كنز العمال.
مؤاخذة عمر سعداً إذا اتخذ قصرا: وأخرج ابن المبارك، وابن راهَوَيْه، ومسدَّد عن عَتّاب بن رِفاعة قال: بلغ عمر بن الخطاب أنَّ سعداً ـ رضي الله عنه ـ إتخذ قصراً وجعل عليه باباً، وقال: إنقطع الصوت.
فأرسل عمر محمد بن مسلمة رضي الله عن ـ وكان عمر إذا أحب أن يُؤتى بالأمر كما يريد بعثه ـ فقال: إئتِ سَعْداً وأحرق عليه بابه.
فقدم الكوفة، فلما أتى الباب أخرج زَنْده فاستوَى ناراً ثم أحرق الباب، فأُتي سعدٌ فأُخبر، ثم وُصِف له صفته، فعرفه.
فخرج إليه سعد، فقال محمد: إنه بلغ أمير المؤمنين عنك أنك قلت: إنقطع الصوت.
فحلف سعد بالله ما قال ذلك، فقال محمد: نفعل الذي أمرنا ونؤدِّي عنك ما تقول.
وأقبل يعرض عليه أن يزوّده فأبى، ثم ركب راحلته حتى قدم المدينة.
فلما أبصره عمر رضي الله عنه قال: لولا حسن الظن بك ما رأينا أنك أدَّيت، وذكر أنه أسرع السير، وقال: قد فعلتُ، وهو يعتذر ويحلف بالله ما قال فقال عمر: هل أمر لك بشيء؟ قال: ما كرهت من ذلك إنَّ أرض العراق أرض رقيقة، وإنَّ أهل المدينة يموتون حولي من الجوع، فخشيت أن آمر لك فيكون لك البارد ولي الحار) أما سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا يشبع المؤمن دون جاره".
كذا في الكنز ما وقع بين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وجماعة من الصحابة في الشام:

وأخرج ابن عساكر، واليشكري عن جُوَيرية رضي الله عنها ـ قال بعضه عن نافع، وبعضه عن رجل من ولد أبي الدرداء ـ قال: إستأذن أبو الدرداء عمرَ في أن يأتي الشام.
فقال: لا آذن لك إلا أن تعمل.
قال: فإني لا أعمل.
قال: فإني لا آذن لك.
قال: فأنطلقُ، فأُعلّمُ الناس سنّة نبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصلِّي بهم، فأذن له.
فخرج عمر رضي الله عنه إلى الشام، فلما كان قريباً منهم أقام حتى أمسى.
فلما جنّه الليل قال: يا يرفأ إنطلق إلى يزيد ابن (أبي) سفيان، أبصره عنده سُمَّار، ومصباح، مفترشاً ديباجاً، وحريراً من فيء المسلمين، فتسلِّم عليه فيرد عليك السلام، وتستأذن فلا يأذن لك حتى يعلم من أنت.
فانطلقنا حتى انتهينا إلى بابه فقال: السلام عليكم.
فقال: وعليكم السلام.
قال: أدخل؟ قال: ومن أنت؟ قال يرفأ: هذا من يسوءك، هذا أمير المؤمنين.
ففتح الباب.
فإذا سمّار، ومصباح، وإذا هو مفترش ديباجاً وحريراً.
فقال: يا يرفأ، الباب، الباب.
ثم وضع الدِّرَّة بين أذنيه ضرباً، وكوَّر المتاع فوضعه وسط البيت، ثم قال للقوم: لا يبرح منكم أحد حتى أرجع إليكم.
ثم خرجا من عنده ثم قال: يا يرفأ إنطلق بنا إلى عمرو بن العاص أبصر عنده سمّار، ومصباح، مفترش ديباجاً من فيء المسلمين، فتسلِّم عليه فيرد عليك، وتستأذن عليه فلا يأذن لك حتى يعلم من أنت.
فانتهينا إلى بابه، فقال عمر: السلام عليكم.
قال: وعليكم السلام.
قال: أدخل؟ قال: ومن أنت؟ قال يرفأ: هذا من يسوءك، هذا أمير المؤمنين.
ففتح الباب.
فإذا سُمّار ومصباح، وإذا هو مفترش ديباجاً وحريراً.
قال: يا يرفأ، الباب، الباب.
ثم وضع الدِّرَّة بين أذنيه ضرباً، ثم كوَّر المتاع فوضعه في وسط البيت.
ثم قال للقوم: لا تبرحُنَّ حتى أعود إِليكم.
فخرجا من عنده فقال: يا يرفأ إنطلق بنا إلى أبي موسى أبصره عنده سُمّار، ومصباح، مفترشاً صوفاً من مال فيء المسلمين، فتستأذن عليه، فلا يأذن لك حتى يعلم من أنت.
فانطلقنا إليه وعنده سُمَّار ومصباح مفترشاً صوفاً، فوضع الدِّرَّة بين أذنيه ضرباً وقال: أنت أيضاً يا أبا موسى؟ فقال: يا أمير المؤمنين هذا وقد رأيت ما صنع أصحابي، أما والله لقد أصبت مثل ما أصابوا.
قال: فما هذا؟ قال: زعم أهل البلد أنه لا يصلح إلا هذا.
فكوَّر المتاع فوضعه في وسط البيت وقال للقوم: لا يخرجنَّ منكم أحد حتى أعود إليكم.

فلما خرجنا من عنده قال: يا يرفأ إنطلق بنا إلى أخي لنبصرنه، ليس عنده سمّار، ولا مصباح، وليس لبابه غَلَق، فتسلِّم عليه فيرد عليك السلام، وتستأذن فيأذن لك من قبل أن يعلم من أنت.
فانطلقنا حتى إذا قمنا على بابه قال: السلام عليكم.
قال: وعليك السلام.
قال: أأدخل؟ قال: أدخل.
فدفع الباب فإذا ليس له غَلَق.
فدخلنا إلى بيت مظلم، فجعل عمر رضي الله عنه يلمسه حتى وقع عليه، فجسّ وساده فإذا برذعة، وجسّ فراشه فإذا بطحاء، وجسّ دثاره فإذا كساء رقيق.
فقال أبو الدرداء رضي الله عنه: من هذا أمير المؤمنين؟ قال: نعم.
قال: أما ـ والله ـ لقد إستبطأتك منذ العام.
قال عمر رضي الله عنه: رحمك الله، ألم أوسع عليك؟ ألم أفعل بك؟ فقال له أبو الدرداء رضي الله عنه: أتذكر حديثاً حدَّثناه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يا عمر؟ قال: أيّ حديث؟ قال: "لِيَكُنْ بَلاغُ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب".
قال: نعم.
قال: فماذا فعلنا بعده يا عمر؟ قال: فما زالا يتجاوبان بالبكاء حتى أصبحا.
كذا في كنز العمال.
رعاية الأمير المسلمين فيما نزل بهم قصة عمر وأبي عبيدة في ذلك في طاعون عَمَواس أخرج ابن عساكر عن طارق بن شهاب عن أبي موسى أن أمير المؤمنين كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح ـ رضي الله عنه ـ حيث سمع بالطاعون الذي أخذ الناس بالشام: إنِّي بدت لي حاجة إليك فلا غنى لي عنك فيها، فإن أتاك كتابي ليلاً فإني أعزم عليك أن تصبح حتى تركب إليّ، وإِن أتاك نهاراً فإِني أعزم عليك أن تمسي حتى تركب إليّ.
فقال أبو عبيدة رضي الله عنه: قد علمت حاجة أمير المؤمنين التي عرضت، وإنه يريد أن يستبقي من ليس بباقٍ.
فكتب إِليه: إِني في جند من المسلمين لن أرغب بنفسي عنهم، وإِني قد علمت حاجتك التي عرضت لك، وإنك تستبقي من ليس بباقٍ، فإذا أتاك كتابي هذا فحلِّلني من عزمك، وائذن لي في الجلوس.

فلما قرأ عمر رضي الله عنه كتابه فاضت عيناه وبكى.
فقال له من عنده: يا أمير المؤمنين، مات أبو عبيدة؟ قال: لا، وكأنْ قد.
فكتب إِليه عمر رضي الله عنه أن الأردن أرض وبئة وكان قد كتب عمقه، وأن الجابية أرض نَزِهة، فاظهرْ بالمهاجرين إليها.
قال أبو عبيدة حين قرأ الكتاب: أمّا هذا فنسمع فيه أمر أمير المؤمنين ونطيعه، فأمرني أن أركب وأبوّىء الناس منازلهم.
فطُعنت إمرأتي، فجئت أبا عبيدة فانطلق أبو عبيدة يبوىء الناس منازلهم، فطُعن فتوفي، وانكشف الطاعون.
قال أبو الموجِّه: زعموا أن أبا عبيدة كان في ستة وثلاثين ألفاً من الجند، فماتوا فلم يبقَ إلا ستة آلاف رجل.
وروى سفيان بن عيينة أخصر منه.
كذا في الكنز.
تفقده لأحوال سعيد ابن عامر حين استعمله على حمص: أخرج أبو نعيم في الحلية عن خالد بن معدان قال: إستعمل علينا عمر بن الخطاب بحمص سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي ـ رضي الله عنه ـ. فلما قدم عمر بن الخطاب حمص قال: يا أهل حمص، كيف وجدتم عاملكم؟ فشكوه إليه ـ وكان يقال لأهل حمص الكُوَيفة الصغرى لشكايتهم العمال ـ قالوا: نشكوا أربعاً: لا يخرج إِلينا حتى يتعالَى النهار.
قال: أعْظِم بها.
قال: وماذا قالوا: لا يجيب أحداً بليل.
قال: وعظيمة.
قال: وماذا؟ قالوا: وله يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا.
قال: عظيمة.
قال: وماذا؟ قالوا: يغنظ الغنظة بين الأيام ـ يعني تأخذه مُوتَة ـ.

قال: فجمع عمر رضي الله عنه بينهم وبينه وقال: اللهمّ لا تفل رأيي فيه اليوم، ما تشْكون منه؟ قالوا: لا يخرج إِلينا حتى يتعالى النهار.
قال: والله إن كنت لأكره ذكره؛ ليس لأهلي خادم، فأعجن عجيني، ثم أجلس حتى يختمر، ثم أخبز خبزي، ثم أتوضأ ثم أخرج إليهم.
فقال: ما تشْكون منه؟ قالوا: لا يجيب أحداً بليل.
قال ما تقول؟ قال: إن كنت لأكره ذكره؛ إنِّي جعلت النهار لهم، وجعلت الليل لله عزّ وجلّ.
قال: وما تشكون؟ قالوا: إنَّ له يوماً في الشهر لا يخرج إلينا فيه.
قال: ما تقول؟ قال: ليس لي خادم يغسل ثيابي ولا لي ثياب أبلها.
قال: ما تشكون منه؟ قالوا: يغنظ الغنظة بين الأيام.
قال: ما تقول؟ قال: شهدت مصرع خُبَيب الأنصاري رضي الله عنه بمكة، وقد بضَّعت قريش لحمه، ثم حملوه على جذعة فقالوا؛ أتحب أن محمداً مكانك؟ فقال: والله ما أحب أنِّي في أهلي وولدي وأن محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شِيك بشوكة، ثم نادى: يا محمد، فما ذكرت ذلك اليوم، وتَرْكي نُصرته في تلك الحال، وأنا مشرك لا أؤمن بالله العظيم؛ إلا ظننت أن الله عزّ وجلّ لا يغفر لي بذلك الذنب أبداً.
قال: فتصيبني تلك الغنظة.
فقال عمر: الحمد لله الذي لم يفل فراستي.
فبعث إليه بألف دينار وقال: إستعن بها على أمرك، فقالت إمرأته: الحمد لله الذي أعنانا عن خدمتك، فقال لها: فهل لك في خير من ذلك؟ ندفعها إِلى من يأتينا بها أحوج ما نكون إليها، قالت: نعم.
فدعا رجلاً من أهل بيته يثق به فصرَّرها صرراً، ثم قال: إنطلق بهذه إلى أرملة آل فلان، وإِلى يتيم آل فلان، وإِلى مسكين آل فلان، وإِلى مُبتَلى آل فلان.
فبقيت منها ذُهيبة.
فقال: أنفقي هذه، ثم عاد إلى عمله.
فقالت: ألا تشتري لنا خادماً؟ ما فعل ذلك المال.
قال: سيأتيك أحوج ما تكونين.

(18) قبول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للحق إذا سمعه من الرعية وعدم استنكافه من ذلك:

أخرج ابن راهَوَيْه عن الحسن أنَّ عمر بن الخطاب ردّ عن أُبيّ بن كعب ـ رضي الله عنهما ـ قراءة آية، فقال أبيّ: لقد سمعتها من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنت يلهيك ـ يا عمر ـ الصَّفْق بالبقيع.
فقال عمر رضي الله عنه: صدقت إنما أردت أن أجربكم هل منكم من يقول الحق؟ فلا خير في أمير لا يُقال عنده الحق ولا يقوله.
كذا في كنز العمال.

وعند عبد بن حُمَيد، وابن جرير، وابن عديّ عن أبي مِجْلَزم أن أُبي بن كعب قرأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الاْوْلَيَانِ﴾ [المائدة: 107] فقال عمر رضي الله عنه: كذبت.
قال: أنت أكذب.
فقال رجل: تكذِّب أمير المؤمنين؟ قال: أنا أشد تعظيماً لحقِّ أمير المؤمنين منك، ولكن كذَّبه في تصديق كتاب الله، ولم أُصدِّق أمير المؤمنين في تكذيب كتاب الله.
فقال عمر: صدق.
كذا في الكنز.
قول بشير بن سعد لعمر: لو فعلت ذلك قوَّمناك تقويم القدح: وأخرج ابن عساكر، وأبو ذر الهَرَوِي في الجامع عن النعمان بن بشير أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال في مجلس وحوله المهاجرين والأنصار: أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمور ما كنتم فاعلين؟ فسكتوا.
فقال ذلك مرتين وثلاثاً، فقال بشير بن سعد: لو فعلت ذلك قوَّمناك تقويم القِدْح.
فقال عمر: أنتم إذاً، أنتم إذاً كذا في الكنز.
قصة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ومحمد بن مسلمة في ذلك: وعند ابن المبارك عن موسى بن أبي عيسى قال: أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه مَشْرَبة بني حارثة فوجد محمد بن مسلمة، فقال عمر: كيف تراني يا محمد؟ قال: أراك ـ والله ـ كما أحب وكما يحب من يحب لك الخير، أراك قوياً على جمع المال، عفيفاً عنه، عَدْلاً في قَسْمه، ولو مِلْتَ عدَّلْناك كما يعدل السهم في الثِّقاب.
فقال عمر رضي الله عنه: هاه وقال: لو ملت عدَّلناك كما يعدل السهم في الثقاب.
فقال: الحمد لله الذي جعلني في قوم إذا مِلْت عدَّلوني.
كذا في منتخب كنز العمال.
نصيحة سعيد بن عامر لأمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه -: أخرج ابن سعد، وابن عساكر عن مكحول أنَّ سعيد بن عامر بن جِذْيم الجُمحي من أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إِني أريد أن أوصيك يا عمر، قال: أجل فأوصني، قال: "أوصيك أن تخشى الله في الناس، ولا تخشَ الناس في الله، ولا يختلف قولك وفعلك، فإن خير القول ما صدَّقه الفعل، لا تقض في أمر واحد بقضاءين فيختلف عليك أمرك وتزيغ عن الحق، وخُذْ بالأمر ذي الحجة تأخذ بالفَلْج، ويعينك الله ويصلح رعيتك على يديك، وأقم وجهك وقضاءك لمن ولاك الله أمره من بعيد المسلمين وقريبهم، وأحبّ لهم ما تحب لنفسك وأهل بيتك، واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك، وخُضْ الغمراتِ إلى الحق، ولا تخف في الله لومة لائم".

فقال عمر: من يستطيع ذلك؟ فقال سعيد: مثلك، من ولاه الله أمر أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم لم يحل بينه وبين الله أحد.
كذا في منتخب الكنز.
كتاب أبي عبيدة ومعاذ إلى عمر وكتابه إليهما: وأخرح أبو نعيم في الحلية عن محمد بن سُوقة قال: أتيت نُعيم بن أبي هند فأخرج إليّ صحيفة فإذا فيها: من أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل إِلى عمر بن الخطاب: سلام عليك، أما بعد: فإن عهدناك وأمر نفسك لك مهمٌّ، فأصبحت قد وُليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يديك الشريف والوضيع، العدو والصديق، ولكل حصتُه من العدل، فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر.
فإنا نحذِّرك يوماً تَعْنا فيه الوجوه، وتجفّ فيه القلب، وتنقطع فيه الحجج لحجة ملك قهرهم بجبروته؛ فالخلق داخرون له، يرجون رحمته، ويخافون عقابه.
وإِنّا نُحدَّث أنَّ أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها إِلى أن يكونوا إِخوان العلانية، أعداء السريرة؛ وإنا نعوذ بالله أن ينزل كتابنا إِليك سوى المنزل الذي نزل من قلوبنا، فإنما كتبنا به نصيحة لك، والسلام عليك".
فكتب إِليهما عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: "من عمر بن الخطاب إِلى أبي عبيدة، ومعاذ، سلام عليكما.
أما بعد: أتاني كتابما، تَذْكران أنكما عهدتماني وأمر نفسي لي مهم، فأصبحت قد وُلِّيت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يديَّ الشريف والوضيع، والعدو والصديق، ولكل حصته من العدل؛ كتبتما: فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر.
وإنَّه لا حول ولا قوة لعمر عند ذلك إلا بالله عزّ وجلّ.
وكتبتما تحذِّراني ما حُذِّرت منه الأمم قبلنا، وقديماً كان إختلاف الليل والنهار بآجال الناس يقرِّبان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود حتى يصير الناس إلى منازلهم من الجنة والنار.
كتبتما تحذراني: أنَّ أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها إلى أن يكونوا إِخوان العلانية أعداء السريرة، ولستم بأولئك، وليس هذا بزمان ذاك، وذلك زمان تظهر فيه الرغبة والرهبة، تكون رغبة الناس بعضهم إلى بعض لصلاح دنياهم.
كتبتما تعوذاني بالله أن أُنزل كتابكما سوى المنزل الذي نزل من قلوبكما؛ وإنكما كتبتما به نصيحة لي وقد صدَقتُما، فلا تَدَعا الكتاب إِليَّ فإنه لا غنى بي عنكما، والسلام عليكما".
﴿تنبيه﴾: كان عمر - رضي الله عنه - يقبل الحق بتسليم تام لعلمه علم اليقين بالحديث الآتي فتأمله بعين البصيرة:

(حديث معاوية رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ستكون أئمة من بعدي يقولون فلا يرد عليهم قولهم يتقاحمون في النار كما تقاحم القردة.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (ستكون أئمة من بعدي يقولون فلا يرد عليهم قولهم يتقاحمون في النار) أي يقعون فيها كما يقتحم الإنسان الأمر العظيم وتقحمه رمى نفسه بلا روية وتثبت (كما تقاحم القردة) قال بعضهم: إذا اتصف القلب بالمكر والخديعة والفسق وانصبغ بذلك صبغة تامة صار صاحبه على خلق الحيوان الموصوف بذلك من القردة والخنازير وغيرهما ثم لا يزال يتزايد ذلك الوصف فيه حتى يبدو على صفحات وجهه بدواً خفياً ثم يقوى ويتزايد حتى يصير ظاهراً جلياً عند من له فراسة فيرى على صور الناس مسخاً من صور الحيوانات التي تخلقوا بأخلاقها باطناً فقل أن ترى محتالاً مكاراً مخادعاً إلا على وجهه مسخة قرد وأن ترى شرهاً نهماً إلا على وجهه مسخة كلب فالظاهر [ص 101] مرتبط بالباطن أتم ارتباط.
(1).

(19) تحقيقه للعدل والمساواة رضي الله عنه:

كان عمر رضي الله عنه آيةً في العدل، وهاك بعض مواقفه في إقامته للعدل والقسط بين الناس: وهاك بعض المواقف الدالة على عدله - رضي الله عنه -: أخرج ابن عساكر، وسعيد بن منصور، والبيهقي عن الشَّعْبي قال: كان بين عمر وبين أُبيّ بن كعب ـ رضي الله عنهما ـ خصومة.
فقال عمر: أجلع بيني وبينك رجلاً، فجعلا بينهما زيد بن ثابت رضي الله عنه.
فأتياه فقال عمر: أتيناك لتحكم بيننا وفي بيته يُؤتى الحَكَمُ.
فلما دخلا عليه وسَّع له زيد عن صدر فراشه فقال: ها هنا أمير المؤمنين.
فقال له عمر: هذا أول جَوْر جُرْت في حكمك، ولكن أجلس مع خصمي، فجلسا بين يديه.
فادّعى أُبيّ وأنكر عمر، فقال زيد لأُبيّ: أعفِ أمير المؤمنين من اليمين وما كنت لأسألها لأحد غيره، فحلف عمر، ثم أقسم: لا يدرك زيدٌ القضاءَ حتى يكون عمرُ ورجلٌ من عُرْض المسلمين عنده سواء.
وعند ابن عساكر عن الشَّعْبي قال: تنازع في جعذاذ نخل أبيّ بن كعب، وعمر بن الخطاب ـ رضي الله عنهما ـ، فبكى أبيّ ثم قال: أفي سلطانك يا عمر؟ فقال عمر: إجعل بيني وبينك رجلاً من المسلمين.
قال أبيّ: زيد، قال: رِضًى، فانطلقا حتى دخلا على زيد ـ فذكر الحديث كما في كنز العمال.
قصة العباس وعمر في توسيع المسجد النبوي:

وأخرج عبد الرزاق عن زيد بن أسلم قال: كان للعباس بن عبد المطلب ـ رضي الله عنه ـ دار إلى جنب مسجد المدينة، فقال له عمر رضي الله عنه: بِعْنيها، فأراد عمر أن يزيدها في المسجد، فأبى العباس أن يبيعها إِيّاه.
فقال عمر: فهَبْها لي، فأبى.
فقال: فوسِّعْها أنت في المسجد، فأبى.
فقال عمر: لا بدّ لك من إِحداهنّ، فأبى عليه.
فقال: خذ بيني وبينك رجلاً، فأخذ أبيّ بن كعب رضي الله عنه، فاختصما إليه.
فقال أبيّ لعمر: ما أرى أن تخرجه من داره حتى ترضيَه.
فقال له عمر: أرأيت قضاءك هذا في كتاب الله وجدته أم سنّةً من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال أبيّ: بل سنّة من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال عمر: وما ذاك؟ فقال: إِني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "إن سليمان بن داود ـ عليهما الصلاة والسلام ـ لما بنى بيت المقدس جعل كلّما بني حائطاً أصبح منهدماً، فأوحى الله إليه أن لا تبني في حقِّ رجل حتى ترضيَه".
فتركه عمر، فوسَّعها العباس بعد ذلك في المسجد.
قصة عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب وأبي سَرْوعة: وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: شرب أخي عبد الرحمن، وشرب معه أبو سَرْوَعة عُقْبة بن الحارث ـ وهما بمصر ـ في خلافة عمر رضي الله عنه، فسكرا.
فلما أصبحا إنطلقا إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه ـ وهو أمير مصر ـ فقالا: طهِّرنا، فإن قد سكرنا من شرب شربناه.
قال عبد الله؛ فذكر لي أخي أنه سكر، فقلت: أدخل الدار أطهرك لم أشعر أنها قد أتيا عَمْراً، فأخبرني أخي أنه قد أخبر أمير المؤمنين بذلك.
فقلت لا تُحلق اليوم على رؤوس الناس، أدخل الدار أحلقك، وكانوا إِذْ ذاك يحلقون مع الحد، فدخلا الدار.
قال عبد الله فحلقت أخي بيدي ثم جلدهم عمرو.
فسمع بذلك عمر فكتب إِلى عمرو رضي الله عنهما: أن أبعث إليّ بعبد الرحمن على قَتَب، ففعل ذلك.
فلما قدم على عمر رضي الله عنه جلده وعاقبه لمكانه منه.
ثم أرسله فلبث شهراً صحيحاً ثم أصابه قدره فمات، فيحسب عامة الناس إنما مات من جلد عمر، ولم يمت من جلد عمر.
قال في منتخب كنز العمال: وسنده صحيح.
حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وامرأة مغيبة:

وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي عن الحسن قال: أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى إمرأة مُغَيِّبة كان يُدخل عليها، فأنكر ذلك، فأرسل إليها فقيل له: أجيبي عمر؛ فقالت: يا ويلها ما لها ولعمر فبينما هي في الطرق فزعت فضربها الطَّلْق، فدخلت داراً؛ فألقت ولدها؛ فصاح الصبي صيحتين ثم مات: فاستشار عمر أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأشار عليه بعضهم أن ليس عليك شيء، إنما أنت والٍ ومؤدب؛ وصمت علي رضي الله عنه، فأقبل على علي فقال: ما تقول؟ قال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، أرى أنَّ ديته عليك فإنك أنت أفزعتها، وألقت ولدها في سببك؛ فأمر علياً رضي الله عنه أن يقسم عَقْله على قريش يعني يأخذ عقله من قريش لأنه خطأ كذا في كنز العمال.
ما كان يعمله عمر رضي الله عنه في الموسم للعدل بين الناس: وأخرج ابن سعد عن عطاء: قال كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأمر عماله أن يوافوه بالمَوْسم، فإذا اجتمعوا قال:"يا أيها الناس، إني لم أبعث عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم، ولا من أموالكم، (ولا من أعراضكم) إِنما بعثتهم ليحجزوا بينكم، وليقسموا فيئكم بينكم، فمن فعل به غير ذلك فليقم".
فما قام أحد إلا رجل، قام فقال: يا أمير المؤمنين إِنَّ عاملك فلاناً ضربني مائة سوط.
قال: فيم ضربته؟ قم فاقتص منه.
فقام عمرو بن العاص رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين إنك إن فعلت هذا يكثر عليك، وتكن سنّة يأخذ بها مَنْ بعدك.
فقال: أنا لا أُقيد وقد رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقيد في نفسه؟ قال: فدعنا لنرضيه.
قال: دونكم فأرضوه، فافتدى منه بمائتي دينار عن كل سَوْط بدينارين.
وأخرجه أيضاً ابن راهويه؛ كما في منتخب الكنز.
قصة مصري وابن عمرو بن العاص:

وأخرج ابن عبد الحكم عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً من أهل مصر أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين عائذ بك من الظلم.
قال: عذتَ معَاذاً.
قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن الأكرمين.
فكتب عمر إلى عمرو ـ رضي الله عنهما ـ يأمره بالقدوم ويقدَم بابنه معه.
فقدم فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط ضرب.
فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: إضرب ابن الألأمَينْ.
قال أنس: فضرب والله لقد ضربه ونحن نحب ضربه؛ فلما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه.
ثم قال للمصري: ضَعْ على صلعة عمرو.
فقال: يا أمير المؤمنين إِنّما ابنه الذي ضربني وقد استَقَدْت منه.
فقال عمر لعمرو؛ مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ قال: يا أمير المؤمنين لم أعلم ولم يأتني.
كذا في منتخب كنز العمال.
قصة أبي موسى ورجل وكتاب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في ذلك: وأخرج البيهقي عن جرير أنَّ رجلاً كان مع أبي موسى - رضي الله عنه - فغنموا مغنماً، فأعطاه أبو موسى نصيبه ولم يُوَفِّه، فأبى أن يأخذه إلا جميعه، فضربه أبو موسى عشرين سوطاً وحلق رأسه.
فجمع شعره وذهب به إلى عمر رضي الله عنه.
فأخرج شَعَراً من جيبه فضرب به صدر عمر.
قال: ما لك؟ فذكر قصته.
فكتب عمر إلى أبي موسى:"سلام عليك، أما بعد، فإن فلان بن فلان أخبرني بكذا وكذا، وإني أقسم عليك إن كنت فعلت ما فعلت في ملأ من الناس (إلا) جلست له في ملأ فاقتصَّ منك، وإِن كنت فعلت ما فعلت في خلأ فاقعد له في خلأ فليقتص منك".
فلما دُفع إليه الكتاب قعد للقصاص.
فقال الرجل: قد عفوت عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كذا في كنز العمال.
قصة جارية وعدل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رضي الله عنه:

وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن عساكر، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاءت جارية إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالت إن سيدي إتهمني فأقعدني على النار حتى احترق فرجي.
فقال لها عمر: هل رأى ذلك عليك؟ قالت: لا.
قال: فهل اعترفت له بشيء؟ قالت: لا.
فقال عمر: عليَّ به.
فلما رأى عمر الرجل قال: أتعذِّب بعذاب الله؟ قال: يا أمير المؤمنين إتهمتها في نفسها.
قال: أرأيت ذلك عليها؟ قال: لا.
قال: فاعترفت لك به؟؟ قال: لا.
قال: والذي نفسي بيده لو لم أسمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "لا يُقاد مملوك من مالكه، ولا ولد من والده" لأقدتها منك، وضربه مائة سوط، وقال للجارية: إذهبي فأنت حرة لوجه الله، وأنت مولاة الله ورسوله؛ أشهد لسمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "من حُرِق بالنار أو مُثِّل به فهو حرٌّ، وهو مولى الله ورسوله".
كذا في الكنز.
قصة عوف بن مالك الأشجعي مع يهودي وعدل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:

وأخرج أبو عُبيد، والبيهقي، وابن عساكر عن سُوَيد بن غَفْلة رضي الله عنه قال: لما قدم عمر رضي الله عنه الشام قام إليه رجل من أهل الكتاب فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ رجلاً من المؤمنين صنع بي ما ترى، فقال: ـ وهو مشجوج مضروب ـ. فغضب عمر رضي الله عنه غضباً شديداً، ثم قال لصهيب رضي الله عنه: إنطلق وانظر مَنْ صاحبه فأتني به.
فانطلق صهيب فإذا هو عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه، فقال: إن أمير المؤمنين قد غضب عليك غضباً شديداً فأتِ معاذ بن جبل فلْيكلِّمْه، فإنِّي أخاف أن يَعْجَل إليك.
فلما قضى عمر الصلاة قال: أين صهيب؟ أجئت بالرجل؟ قال: نعم.
وقد كان عوف أتى معاذاً فأخبره بقصته، فقام معاذ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه عوف بن مالك فاسمع منه ولا تَعْجَل إليه.
فقال له عمر: ما لك ولهذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، رأيت هذا يسوق بامرأة مسلمة على حمار، فنخس بها ليصرع بها، فلم يصرع بها، فدفعها فصُرِعت فغَشِيَها أو أكب عليها.
فقال له: إئتني بالمرأة فلتصدِّق ما قلت.
فأتاها عوف فقال له أبوها وزوجها: ما أردت إلى صاحبتنا قد فضحتنا.
فقالت: والله لأذهبنَّ معه، فقال أبوها وزوجها: نحن نذهب فنبلِّغ عنك.
فأتيا عمر رضي الله عنه فأخبراه بمثل قول عوف، وأمر عمر باليهودي فصُلِب.
وقال: ما على هذا صالحناكم، ثم قال: أيها الناس، اتقوا الله في ذمَّة محمد، فمن فعل منهم هذا فلا ذمَّة له.
قال سويد: فذلك اليهودي أول مصلوب رأيته في الإِسلام.
كذا في الكنز.
وأخرجه الطبراني عن عوف بن مالك رضي الله عنه مختصراً.
قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
انتهى.
إجراء عمر من بيت المال على شيخ من أهل الذمة: وأخرج ابن عساكر، والواقدي عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي رضي الله عنهما قال: لما قدمنا مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجابية؛ إِذا هو بشيخ من أهل الذمة يستطعم، فسأل عنه فقال: هذا رجل من أهل الذمة كبر وضعف.
فوضع عنه عمر رضي الله عنه الجزية التي في رقبته، وقال: كلّفتموه الجزية حتى إذا ضعف تركتموه يستطعم؟؟ فأجرى عليه من بيت المال عشرة دراهم وكان له عيال.
وعند أبي عُبيد، وابن زنجويه، والعُقَيلي عن عمر رضي الله عنه أنه مرَّ بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب المساجد.
فقال: ما أنصفناك.
كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك، ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه.
كذا في الكنز (2301 ـ 302).

جارٍ التحميل