فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 334-373

كتاب الزهد

صفحات 334-373
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ صريح في مشاركة الصديق للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذه المعية التي اختص بها الصديق لم يشركه فيها أحد من الخلق... وهي تدل على أنه معهم بالنصر والتأييد والإعانة على عدوهم - فيكون النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد أخبر أن الله ينصرني وينصرك يا أبابكر، ويعيننا عليهم، نصر إكرام ومحبة كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (سورة غافر، الآية 51).
وهذا غاية المدح لأبي بكر؛ إذ دل على أنه ممن شهد له الرسول بالايمان المقتضي نصر الله له مع رسوله في مثل هذه الحال التي يخذل فيها عامة الخلق إلا من نصره الله 1. وقال الدكتور عبد الكريم زيدان عن المعية في هذه الآية الكريمة وهذه المعية الربانية المستفادة من قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ أعلى من معيته للمتقين والمحسنين في قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ لأن المعية هنا لذات الرسول وذات صاحبه، غير مقيدة بوصف هو عمل لهما، كوصف التقوى والإحسان بل هي خاصة برسوله وصاحبه مكفولة هذه المعية بالتأييد بالآيات وخوارق العادات 2. 7 - أنه صاحبه في حال إنزال السكينة والنصر: قال تعالى ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا... ﴾ (سورة التوبة، الآية 40) فإن من كان صاحبه في حال الخوف الشديد فلأن يكون صاحبه في حضور النصر والتأييد أولى وأحرى، فلم يحتج أن يذكر صحبته له في هذه الحال لدلالة الكلام والحال عليها.
وإذا علم أنه صاحبه في هذه الحال علم أنما حصل للرسول من إنزال السكينة والتأييد بالجنود التي لم يرها الناس لصاحبه فيها أعظم مما لسائر الناس.
وهذا من بلاغة القرآن وحسن بيانه 3. ح- قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (سورة التوبة، آية:100) الآية

ووجه دلالة الآية على أحقية الصديق بالإمامة بعد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن الهجرة فعل شاق على النفس ومخالف للطبع فمن أقدم عليه أولاً صار قدوة لغيره في هذه الطاعة وكان ذلك مقوياً لقلب الرسول عليه الصلاة والسلام وسبباً لزوال الوحشة عن خاطره وكذلك السبق في النصرة فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة فلاشك أن الذين سبقوا إلى النصرة والخدمة فازوا بمنصب عظيم وإذا ثبت هذا فإن أسبق الناس إلى الهجرة أبو بكر الصديق فإنه كان في خدمة المصطفى عليه الصلاة والسلام وكان مصاحباً له في كل مسكن وموضع فكان نصيبه من هذا المنصب أعلى من نصيب غيره وإذا ثبت هذا صار محكوماً عليه بأنه رضي الله عنه ورضي هو عن الله وذلك في أعلى الدرجات من الفضل، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون إماماً حقاً بعد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فصارت هذه الآية من أدل الدلائل على فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وعلى صحة إمامتهما 1. خ- قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور آية:55).
هذه الآية منطبقة على خلافة الصديق - رضي الله عنه - وعلى خلافة الثلاثة بعده فلما وجدت هذه الصفة من الاستخلاف والتمكين في أمر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي دل ذلك على أن خلافتهم حق 2، وقال الحافظ بن كثير: وقال بعض السلف خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حق في كتاب الله ثم تلا هذه الآية 3.

د-قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (سورة الفتح، آية:16) قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: (وقد دل على إمامة أبي بكر في سورة براءة فقال للقاعدين عن نصرة نبيه عليه السلام والمتخلفين عن الخروج معه: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ (سورة التوبة، آية:83).
وقال في سورة أخرى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ يعني الى قوله: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ ثم قال الله تعالى ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلا قَلِيلا﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ -يعني تعرضوا عن إجابة الداعي لكم الى قتالكم- كما ﴿تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (سورة الفتح، آيتان: 15 - 16). والداعي لهم إلى ذلك غير النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال الله -عزوجل- له ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ وقال في سورة الفتح: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ فمنعهم عن الخروج مع نبيه عليه السلام وجعل خروجهم معه تبديلاً لكلامه فوجب بذلك أن الداعي الذي يدعوهم إلى القتال داع يدعوهم بعد نبيه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 1،

وقد قال مجاهد في قوله: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيد﴾.
هم فارس والروم وبه قال الحسن البصري.
قال عطاء: هم فارس وهو أحد قولي ابن عباس - رضي الله عنه -، وفي رواية أخرى عنه أنهم بنو حنيفة يوم اليمامة فإن كانوا أهل اليمامة فقد قوتلوا في أيام أبي بكر: وهو الداعي إلى قتال مسيلمة وبني حنيفة من أهل اليمامة، وإن كانوا أهل فارس والروم (1)، فقد قوتلوا في أيام أبي بكر وقاتلهم عمر من بعده وفرغ منهم وإذا وجبت إمامة عمر وجبت إمامة أبي بكر كما وجبت إمامة عمر لأنه العاقد له الإمامة فقد دل القرآن على إمامة الصديق والفاروق رضي الله عنهما، وإذا وجبت إمامة أبي بكر بعد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وجب أنه أفضل المسلمين - رضي الله عنه - (2). هـ- قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (سورة الحشر، الآية: 8).
وجه دلالة هذه الآية على خلافته - رضي الله عنه - أن الله عز وجل سماهم (صادقين) ومن شهد له الرب - جل وعلا- بالصدق فإنه لا يقع في الكذب ولا يتخذه خلقاً بحال وقد أطبق هؤلاء الموصوفون بالصدق على تسمية الصديق - رضي الله عنه - (خليفة رسول الله) (3) - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومن هنا كانت الآية دالة على ثبوت خلافته - رضي الله عنه - (4).

الأحاديث الدالة على خلافة أبي بكر - رضي الله عنه -:

وأما الأحاديث النبوية التي جاء التنبيه فيها على خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - فكثيرة شهيرة متواترة ظاهرة الدلالة إما على وجه التصريح أوالإشارة ولاشتهارها وتواترها صارت معلومة من الدين بالضرورة بحيث لا يسع أهل البدعة إنكارها 5 ومن تلك الأحاديث.1234

1 (جبير بن مطعم رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: أتت امرأة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأمرها أن ترجع إليه قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك - كأنها تقول الموت- قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إن لم تجديني فأتي أبابكر.
قال ابن حجر رحمه الله: وفي الحديث أن مواعيد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانت على من يتولى الخلافة بعده تنجيزها وفيه رد على الشيعة في زعمهم أنه نص على استخلاف علي والعباس (1). 2 (حديث حذيفة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اقتدوا باللذين بعدي أبي بكر وعمر.
قال لعلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: فقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (اقتدوا باللذين من بعدي) أي: بالخليفتين اللذين يقومان من بعدي وهما أبوبكر وعمر وحث على الاقتداء بهما لحسن سيرتهما وصدق سريرتهما، وفي الحديث إشارة لأمر الخلافة (2). 3 (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بينا أنا نائم، رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع بها ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن).
قال الشافعي رحمه الله: رؤيا الأنبياء وحي وقوله: وفي نزعه ضعف قصر مدته وعجلة موته وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والتزيد الذي بلغه عمر في طول مدته (3). 4 (حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح مسلم) قالت: قال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مرضه ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى اكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر.
دل هذا الحديث دلالة واضحة على فضل الصديق - رضي الله عنه - حيث أخبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بما سيقع في المستقبل بعد التحاقه بالرفيق الأعلى وأن المسلمين يأبون عقد الخلافة لغيره - رضي الله عنه - وفي الحديث إشارة أنه سيحصل نزاع ووقع كل ذلك كما أخبر عليه الصلاة والسلام ثم اجتمعوا على أبي بكر - رضي الله عنه - (4).

(5) (حديث أبي موسى الثابت في الصحيحين) قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت عائشة إنه رجل رقيق إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس.
قال مروا أبا بكر فليصل بالناس، فعادت فقال مُري أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف، فأتاه فصلى بالناس في حياة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ولذا قال عمر رضي الله عنه: أفلا نرضى لدنيانا من رضيه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لديننا؟! هذا الحديث اشتمل على فوائد عظيمة منها: فضيلة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وترجيحه على جميع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وتفضيله، وتنبيه على أنه أحق بخلافة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من غيره ومنها أن الإمام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة استخلف من يصلي بهم وأنه لا يستخلف إلا أفضلهم، ومنها فضيلة عمر بعد أبي بكر - رضي الله عنه - لأن أبابكر - رضي الله عنه - لم يعدل الى غيره 1. مسألة: ما المراد بقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صواحب يوسف؟ قال الإمام ابن حجر رحمه الله والمراد أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن.
ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زليخا استدعت النسوة وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة ومرادها زيادة على ذلك وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف ويعذرنها في محبته وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه ومرادها زيادة على ذلك وهو أن لا يتشاءم الناس به.
أهـ ومن هنا يتبين أن من صفات المرأة أنها تظهر شيئاً لا تريده وتُخْفي في نفسها وبين جنبيها شيئاً آخر هو الذي تريده.
(6) (حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: خطب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: (إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله).
فبكى أبو بكر رضي الله عنه، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ؟ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله، فكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا، قال: يا أبا بكر لا تبك، إن أمنَّ الناس علي في صحبته وماله أبي بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر.

(7) قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: لما قبض رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير قال: فأتاهم عمر - رضي الله عنه - فقال: يامعشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد أمر أبابكر يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبابكر - رضي الله عنه - فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبابكر (1). (8) روى ابن سعد بإسناده الى الحسن قال: قال علي: لما قبض النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد قدم أبابكر في الصلاة فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لديننا فقدمنا أبابكر (2). وقد علق أبو الحسن الأشعري على تقديم رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأبي بكر في الصلاة فقال: وتقديمه له أمر معلوم بالضرورة من دين الاسلام قال: وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء: أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنّة، فإن كانوا في السنّة سواء فأكبرهم سناً، فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم إسلاماً) - قال ابن كثير- وهذا من كلام الأشعري رحمه الله مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق - رضي الله عنه - وأرضاه (3).

انعقاد الإجماع على خلافة الصديق - رضي الله عنه -:

123 أجمع أهل السنّة والجماعة سلفاً وخلفاً على أن أحق الناس بالخلافة بعد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لفضله وسابقته ولتقديم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إياه في الصلوات على جميع الصحابة وقد فهم أصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مراد المصطفى عليه الصلاة والسلام من تقديمه في الصلاة فأجمعوا على تقديمه في الخلافة ومتابعته ولم يتخلف منهم أحد ولم يكن الرب جل وعلا ليجمعهم على ضلالة فبايعوه طائعين وكان لأوامره ممتثلين ولم يعارض أحد في تقديمه 1، فعندما سئل سعيد بن زيد متى بويع أبو بكر؟ قال: يوم مات رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة 2، وقد نقل جماعة من أهل العلم المعتبرين إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل السنّة والجماعة على أن أبابكر - رضي الله عنه - أولى بالخلافة من كل أحد 3 وهذه بعض أقوال أهل العلم: قال الخطيب البغدادي -رحمه الله- أجمع المهاجرون والأنصار على خلافة أبي بكر قالوا له: ياخليفة رسول الله ولم يسم أحد بعده خليفة، وقيل: إنه قبض النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ثلاثين ألف مسلم كل قال لأبي بكر: ياخليفة رسول الله ورضوا به من بعده رضي الله عنهم 4. وقال ابو الحسن الأشعري: أثنى الله -عز وجل- على المهاجرين والأنصار والسابقين الى الاسلام، ونطق القرآن بمدح المهاجرين والأنصار في مواضع كثيرة وأثنى على أهل بيعة الرضوان فقال عز وجل: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (سورة الفتح، الآية 18).
قد أجمع هؤلاء الذين أثنى الله عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وسموه خليفة رسول الله وبايعوه وانقادوا له وأقروا له بالفضل وكان أفضل الجماعة في جميع الخصال التي يستحق بها الإمامة من العلم والزهد وقوة الرأي وسياسة الأمة وغير ذلك 5.

قال ابن تيمية رحمه الله: والتحقيق أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقوله وأفعاله وأخبر بخلافته إخبار رضي بذلك حامد له وعزم على أن يكتب بذلك عهداً ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك... فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بياناً قاطعاً للعذر ولكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبابكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصود ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر... ) الى أن قال: (فخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له بها وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختياراً استندوا فيه الى ما عملوه من تفضيل الله ورسوله فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعاً لكن النص دل على رضا الله ورسوله بها وأنها حق وأن الله أمر بها وقدرها وأن المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها لأنه حينئذ كان يكون طريق ثبوتها مجرد العهد، وأما إذا كان المسلمون قد اختاروه من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم فيما فعلوه ورضا الله ورسوله بذلك كان ذلك دليلاً على أن الصديق كان فيه من الفضائل التي بان بها عن غيره ما علم المسلمون به أنه أحقهم بالخلافة فإن ذلك لايحتاج فيه الى عهد خاص 1. ﴿تنبيه﴾: على الرغم من أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - كان أحق الناس بالخلافة بالكتاب والسنة والإجماع إلا أنه لم يكن حريصاً على الخلافة ولا يوماً واحداً فقد ضرب أروع المثل في الزهد في الدنيا والعزوف عنها والرغبة في الآخرة والإقبال عليها إقبال الظامئ على المورد العذب:

وعند العُشّاري عن أبي الجحَّاف قال: لما بُويع أبو بكر رضي الله عنه أغلق بابه ثلاثة أيام يخرج إليهم في كل يوم فيقول: أيها الناس، قد أقلتكم بيعتكم فبايعوا من أحببتم.
وكل ذلك يقوم إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيقول: لا نُقيلك ولا نستقيلك وقد قدّمك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمن ذا يؤخرك؟ كذا في الكنز.
وأخرجه ابن النجار عن زيد بن علي عن آبائه رضي الله عنهم قال: قام أبو بكر رضي الله عنه على منبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: هل من كاره فأقيله؟ ثلاثاً يقول ذلك فعند ذلك يقوم علي بن أبي طالب فيقول: لا والله لا نُقيلك ولا نستقيلك، من ذا الذي يؤخرك وقد قدّمك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
كذا في الكنز.
وأخرج ابن راهَوَيْه، والعدَني، والبَغَوي، وابن خُزيمة عن رافع بن أبي رافع قال: لما استخلف الناس أبا بكر رضي الله عنه قلت: يا صاحبي الذي أمرني أن لا أتأمر على رجلين، فارتحلت فانتهيت إلى المدينة فتعرَّضت لأبي بكر فقلت له: يا أبا بكر أتعرفني؟ قال: نعم.
قلت: أتذكر شيئاً قلته لي؛ أن لا أتأمَّر على رجلين وقد وَلِيتَ أمر الأمة؟ فقال: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبض والناس حديثو عهد بكفر، فخفت عليهم أن يرتدوا وأن يختلفوا؛ فدخلت فيها وأنا كاره، ولم يزل بي أصحابي.
فلم يزل يعتذر حتى عذرته.
كذا في الكنز.
الحزن على قبول الخلافة قول أبي بكر لعمر: أنت كلفتني هذا الأمر: وأخرج ابن راهَوَيْه، وخيثمة في فضائل الصحابة وغيرهُما عن رجل من آل ربيعة أنه بلغه: أن أبا بكر رضي الله عنه حين استُخلف قعد في بيته حزيناً، فدخل عليه عمر رضي الله عنه، فأقبل عليه يلومه وقال: أنت كلّفتني هذا الأمر، وشكا إليه الحُكْمَ بين الناس.
فقال له عمر: أوَ ا علمت أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إن الوالي إذا اجتهد فأصاب الحق فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ الحق فله أجر واحد"؛ فكأنه سهَّل على أبي بكر رضي الله عنه، كذا في الكنز.

(38) أعماله العظيمة:

من أعظم أعمال الصديق - رضي الله عنه - سبقه إلى الإسلام وهجرته مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن أعماله قبل الهجرة أنه أعتق سبعة كلهم يُعذّب في الله، وهم: بلال بن أبي رباح، وعامر بن فهيرة، وزنيرة، والنهدية وابنتها، وجارية بني المؤمل، وأم عُبيس.

  • ومن أعظم أعماله التي قام بها بعد تولّيه الخلافة حرب المرتدين:

فقد كان رجلا رحيما رقيقاً ولكنه في ذلك الموقف، في موقف حرب المرتدين كان أصلب وأشدّ من عمر رضي الله عنه الذي عُرِف بالصلابة في الرأي والشدّة في ذات الله وقد أشار بعض الصحابة ومنهم عمر على الصديق بأن يترك مانعي الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن الإيمان من قلوبهم ثم هم بعد ذلك يزكون فامتنع الصديق عن ذلك وأباه 1، (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: لمَّا توفي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكان أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، قال عمر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله).
فقال: والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقُّ المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لقاتلتهم على منعها.
قال عمر: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر فعرفت أنه الحق.
(عناقاً): صغير الماعز.
ثم قال عمر بعد ذلك؛ والله لقد رجح إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة جميعاً في قتال أهل الردة 2، وبذلك يكون أبو بكر قد كشف لعمر (وهو يناقشه) عن ناحية فقهية مهمة أجلاها له، وكانت قد غابت عنه وهي أن جملة جاءت في الحديث النبوي الشريف الذي احتج به عمر هي الدليل على وجوب محاربة من منع الزكاة حتى وإن نطق بالشهادتين وهي قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها 3، وفعلاً كان رأي أبو بكر في حرب المرتدين رأياً ملهماً، وهو الرأي الذي تمليه طبيعة الموقف لمصلحة الإسلام والمسلمين، وأي موقف غيره سيكون فيه الفشل والضياع والهزيمة والرجوع إلى الجاهلية، ولولا الله ثم هذا القرار الحاسم من أبي بكر لتغير وجه التاريخ وتحولت مسيرته، ورجعت عقارب الساعة إلى الوراء، ولعادت الجاهلية تعيث في الأرض فساداً 4.

لقد تجلى فهمه الدقيق للإسلام، وشدة غيرته على هذا الدين، وبقائه على ما كان عليه في عهد نبيه في الكلمة التي فاض بها لسانه ونطق بها جنانه، وهي الكلمة التي تساوي خطبة بليغة طويلة وكتاباً حافلاً، وهي قوله عندما امتنع كثير من قبائل العرب أن يدفعوا الزكاة الى بيت المال، أو منعوها مطلقاً وأنكروا فرضيتها: قد انقطع الوحي وتم الدين، أينقص وأنا حي 1 وفي رواية قال عمر: فقلت يا خليفة رسول الله تألف الناس وأرفق بهم، فقال لي: أجبّار في الجاهلية خوَّار في الإسلام، قد انقطع الوحي، وتم الدين أينقص وأنا حي 2. لقد سمع أبو بكر وجهات نظر الصحابة في حرب المرتدين وما عزم على خوض الحرب إلا بعد أن سمع وجهات النظر بوضوح، إلا أنه كان سريع القرار حاسم الرأي فلم يتردد لحظة واحدة بعد ظهور الصواب له وعدم التردد كان سمة بارزة من سمات أبي بكر -هذا الخليفة العظيم- في حياته كلها 3، ولقد اقتنع المسلمون بصحة رأيه ورجعوا إلى قوله واستصوبوه.
لقد كان أبو بكر - رضي الله عنه - أبعد الصحابة نظراً، وأحقهم فهماً، وأربطهم جناناً في هذه الطامة العظيمة 4، والمفاجئة المذهلة، ومن هنا أتى قول سعيد بن المسيب رحمه الله: وكان أفقهم، يعني الصحابة، وأمثلهم رأياً 5. من خطباء الإيمان.
لقد سُجِّل هذا الموقف الصلب القوي لأبي بكر رضي الله عنه حتى قيل: نصر الله الإسلام بأبي بكر يوم الردّة، وبأحمد يوم الفتنة.
فحارب رضي الله عنه المرتدين ومانعي الزكاة، وقتل الله مسيلمة الكذاب في زمانه.
ومع ذلك الموقف إلا أنه أنفذ جيش أسامة الذي كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أراد إنفاذه نحو الشام.
وفي عهده فُتِحت فتوحات الشام، وفتوحات العراق.
-:ومن أجَّلِ أعماله جمع القرآن الكريم:

(حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: بعث إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: إنَّ عمر أتاني فقال: إنَّ القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بقرَّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرَّ القتل بقرَّاء القرآن في المواطن كلِّها، فيذهب قرآن كثير، و إني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني في ذلك حتَّى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر.
قال زيد: قال أبو بكر: وإنك رجل شابّ عاقل لا نتَّهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فتتبَّع القرآن فاجمعه.
قال زيد: فوالله لو كلَّفني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل عليَّ ممَّا كلَّفني من جمع القرآن.
قلت كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال أبو بكر: هو والله خير، فلم يزل يحثُّ مراجعتي حتى شرح الله صدري للَّذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، ورأيت في ذلك الذي رأيا، فتتبَّعت القرآن أجمعه من العُسُبِ والرقاع و اللخاف وصدور الرجال، فوجدت في آخر سورة التوبة: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾.
إلى آخرها مع خزيمة، أو أبي خزيمة، فألحقتها في سورتها، فكانت الصحف عند أبي بكر حياته حتى توفاه الله عز وجل، ثم عند عمر حياته حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر.
اللخاف: يعني الخزف.
إنَّ القتل قد استحرَّ: أي اشتد وكثر

كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثير من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أن قام أبو بكر - رضي الله عنه - بمشورة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بجمع القرآن حيث جمع من الرقاع والعظام والسعف ومن صدور الرجال 1، وأسند الصديق هذا العمل العظيم المشروع الحضاري الضخم إلى الصحابي الجليل زيد بن ثابت الأنصاري - رضي الله عنه -، يروي زيد بن ثابت - رضي الله عنه - فيقول: بعث إليّ أبو بكر - رضي الله عنه - لمقتل أهل اليمامة 2، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر - رضي الله عنه -: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر 3 يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل استحر 4 يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن 5، كلها فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 6؟!! فقال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر.
قال زيد: قال أبو بكر: وإنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك 7، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فتتبع القرآن فاجمعه 8 قال زيد: فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل عليّ مما كلفني به من جمع القرآن، فتتبعت القرآن من العسب 9، واللخاف 10، وصدور الرجال، والرقاع 11، والأكتاف 12. قال: حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره.

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (سورة التوبة، آية:128) حتى خاتمة براءة وكانت الصحف عند أبي بكر حياته حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهم 1 وعلق البغوي على هذا الحديث فقال: فيه البيان الواضح أن الصحابة -رضي الله عنهم- جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من غير أن يزادوا فيه أو ينقصوا منه شيئاً والذي حملهم على جمعه ما جاء في الحديث وهو أنه كان مفرقاً في العسب، واللخاف، وصدور الرجال، فخافوا ذهاب بعضه بذهاب حفظته، ففزعوا فيه إلى خليفة رسول الله، ودعوه إلى جمعه، فرأى في ذلك رأيهم فأمر بجمعه في موضع واحد باتفاق من جميعهم، فكتبوه كما سمعوا من رسول الله من غير أن قدموا شيئاً أو أخروا، أو وضعوا له ترتيباً لم يأخذوه من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُلقى أصحابه، ويعلمهم ما ينزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل صلوات الله عليه، إياه على ذلك، وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقيب آية كذا في السور التي يذكر فيها كذا 2، وهكذا يتضح للقارئ الكريم أن من أوليات أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -: أنه أول مَنْ جمع القرآن الكريم، يقول صعصعة بن صوحان رحمه الله: أول من جمع بين اللوحين، وورت الكلالة 3: أبو بكر 4. وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: يرحم الله أبا بكر هو أول من جمع بين اللوحين 5. وقد اختار أبو بكر - رضي الله عنه - زيد بن ثابت لهذه المهمة العظيمة، وذلك لأنه رأى فيه المقومات الأساسية للقيام بها وهي: 1 - كونه شاباً، حيث كان عمره 21 سنة، فيكون أنشط، لما يطلب منه.

2 - كونه أكثر تأهيلاً، فيكون أوعى له، إذ من وهبه الله عقلا راجحاً فقد يسر له سبيل الخير.
3 - كونه ثقة، فليس هو موضعاً للتهمة، فيكون عمله مقبولاً، وتركن إليه النفس، ويطمئن إليه القلب.
4 - كونه كاتباً للوحي، فهو بذلك ذو خبرة سابقة في هذا الأمر، وممارسة عملية له فليس غريباً عن هذا العمل، ولا دخيلاً عليه 1. هذه الصفات الجليلة جعلت الصديق يُرشِّح زيداً لجمع القرآن، فكان به جديراً، وبالقيام به خبيراً.
5 - ويضاف لذلك أنه أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كما في الحديث الآتي: (حديث قتادة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه: من جمع القرآن على عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ ابن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد.
وأما الطريقة التي اتبعها زيد في جمع القرآن فكان لا يثبت شيئاً من القرآن، إلا إذا كان مكتوباً بين يدي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ومحفوظاً من الصحابة، فكان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة، خشية أن يكون في الحفظ خطأ أو وهم، وأيضاً لم يقبل من أحد شيئاً جاء به إلا إذا أتى معه شاهدان يشهدان أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأنه من الوجوه التي نزل بها القرآن 2، وعلى هذا المنهج استمر زيد - رضي الله عنه - في جمع القرآن حذراً متثبتاً مبالغاً في الدقة والتحري.
-:ومن أجل استخلاف الصديق لعمر بن الخطاب:

في شهر جمادي الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة النبوية مرض الخليفة أبو بكر - رضي الله عنه -، واشتد به المرض 3 فلما ثقل واستبان له من نفسه -جمع الناس إليه فقال: إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظنني إلا ميت لما بي وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم فأمَّروا عليكم من أحببتم فإنكم إن أمرتم في حياة منِّي كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي 4. وقد قام أبو بكر - رضي الله عنه - بعدة إجراءات لتتم عملية اختيار الخليفة القادم: 1 - استشارة أبي بكر كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار:

وتشاور الصحابة رضي الله عنهم، وكل يحاول أن يدفع الأمر عن نفسه ويطلبه لأخيه إذ يرى فيه الصلاح والأهلية، لذا رجعوا إليه، فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله رأيك، قال: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده، فدعا أبو بكر عبد الرحمن بن عوف فقال له: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال له: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني: فقال أبو بكر: وإن فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم دعا عثمان بن عفان.
فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب.
فقال: أنت أخبرنا به.
فقال: على ذلك يا أبا عبد الله فقال عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله.
فقال أبو بكر: يرحمك الله والله لو تركته ما عَدَتْك ثم دعا أسيد بن حضير فقال له: مثل ذلك، فقال أسيد: اللهم أعلمه الخيرة بعدك، يرضى للرضا، ويسخط للسخط، والذي يسر خير من الذي يعلن، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه، وكذلك استشار سعيد بن زيد وعدداً من الأنصار والمهاجرين، وكلهم تقريباً كانوا برأي واحد في عمر إلا طلحة بن الله خاف من شدته، فقد قال لأبي بكر ما أنت قائل لرَبِّك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني أبالله تخوفوني؟ خاب من تزوَّدَ من أمركم بظلم أقول اللهم استخلفت عليهم خيْرَ أهْلكَ 1. وبين لمن نبهه إلى غلظة عمر وشدته فقال: ذلك لأنه يراني رقيقاً ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيراً مما عليه 2. 2 - ثم كتب عهداً مكتوباً يقرأ على الناس في المدينة وفي الأنصار عن طريق أمراء الأجناد فكان نص العهد: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني أستخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاستمعوا له وأطيعوا، وإني لم آلُ الله ورسوله ودينه ونفسي، وإياكم خيراً، فإن عَدَلَ فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت ولا أعلم الغيب ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ 3 (سورة الشعراء، آية:227).

إن عمر هو نصح أبي بكر الأخير للأمة، فقد أبصر الدنيا مقبلة تتهادى وفي قومه فاقة قديمة يعرفها، فإذا ما أطلوا لها استشرفتهم شهواتها، فنكلت بهم واستبدت، وذاك ما حذرهم رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إياه 1، قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فو الله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بُسِطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم 2. لقد أبصر أبو بكر الداء فأتى لهم - رضي الله عنه - بدوء ناجع.. جبل شاهق، إذا ما رأته الدنيا أيست وولت عنهم مدبرة، إنه الرجل الذي قال فيه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده مالقيك الشيطان سالكا فجاً قط إلا سلك فجّاً غير فجّك 3. إن الأحداث الجسام التي مرت بالأمة، قد بدأت بقتل عمر، هذه القواصم خير شاهد على فراسة أبي بكر وصدق رؤيته في العهد لعمر، فعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: أفرس الناس ثلاثة صاحبة موسى التي قالت: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، وصاحب يوسف حيث قال: أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا، وأبو بكر حين استخلف عمر 4، فقد كان عمر هو سد الأمة المنيع الذي حال بينها وبين أمواج الفتن 5. ما وقع بين أبي بكر وبين عبد الرحمن وعثمان في إستخلاف عمر: وسمع بعض أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدخول عبد الرحمن، وعثمان على أبي بكر ـ رضي الله عنهم ـ وخَلْوتهما به، فدخلوا على أبي بكر فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن إستخلافك عمر علينا وقد ترى غِلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني، أبالله تُخوِّقوني، خاب من تزوَّد من أمركم بظلم أقول: اللهم إستخلفت عليهم خير أهلك.
أبلغ عني ما قلت لك مَنْ وراءك، ثم اضطجع ودعا عثمان بن عفان، فقال أكتب:

بسم الله الرحمن الرحيم.
هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده من الدنيا خارجاً منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدُق الكاذب: إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا وإِني لم آلُ الله ورسولَ ودينَه ونفسي وإِياكم خيراً، فإن عدل فذلك ظنِّي به، وعلمي فيه؛ وإن بدّل فلكل امرىء ما اكتسب (من الإِثم).
الخيرَ أردتُ، ولا أعلم الغيب ﴿ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ﴾ (الشعراء: 227) والسلام عليكم ورحمة الله.
ثم أمر بالكتاب فختمه.
ثم قال بعضهم: لما أملَى أبو بكر رضي الله عنه صَدْر هذا الكتاب بقي ذِكْرُ عمر، فذُهب به قبل أن يُسمّي أحداً.
فكتب عثمان رضي الله عنه: إني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب.
ثم أفاق أبو بكر فقال: إقرأ عليّ ما كتبت.
فقرأ عليه ذكر عمر، فكبَّر أبو بكر وقال: أراك خفت إن أقبلت نفسي في غشيتي تلك فتختلف، فجزاك الله عن الإِسلام وأهله خيراً، والله إِنْ كنت لها لأهلاً.
ثم أمره فخرج بالكتاب مختوماً ومعه عمر بن الخطاب وأُسَيد بن سعيد القرظي، فقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم.
وقال بعضهم: قد علمنا به ـ قال ابن سعد: عليٌّ القائل ـ وهو عمر.
فأقرُّوا بذلك جميعاً.
ورضوا به وبايعوا.
ثم دعا أبو بكر عمر خالياً وأوصى به بما أوصاه به، ثم خرج من عنده فرفع أبو بكر يديه مدّاً فقال؛ اللهمَّ إني لم أُرِدْ بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، فعملت فيهم بما أنت أعلم به واجتهدت لهم رأيي، فولَّيت عليهم خيرهم، وأقواهم عليهم، وأحصرهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر فأخلفني فيهم، فهم عبادك ونواصيهم بيدك أصلِحْ لهم وإليَهم، واجعله من خلفائك الراشدين يتبع هَدْي نبي الرحمة وهَدْي الصالحينَ بعده، وأصلح له رعيته.
وكذا في الكنز.
جواب أبي بكر لطلحة إذ خالفه في استخلاف عمر:

وعند الّلكالئي عن عثمان بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهم ـ قال: لما حضرت أبا بكر الصديق الوفاةُ دعا عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ فأملى عليه عهده، ثم أُغمِي على أبي بكر قبل أن يملي أحداً، فكتب عثمان: عمر بن الخطاب، فأفاق أبو بكر فقال لعثمان: كتبتَ أحداً؟ فقال: ظننتك لمآبك وخشيت الفُرقة فكتبت عمر بن الخطاب.
فقال: يرحمك الله أما لو كتبت نفسك لكنت لها أهلاً.
فدخل عليه طلحة بن عبيد الله فقال: أنا رسول مَنْ ورائي إليك، يقولون: قد علمت غِلظة عمر علينا في حياتك فكيف بعد وفاتك إذا أفضيت إليه أُمورنا؟ والله سائلك عنه، فانظر ما أنت قائل.
فقال: أجلسوني.
أبالله تخوِّقوني، قد خاب أمرؤ ظنَّ من أمركم وهماً، إذا سألني الله قلت: إستخلفت على أهلك خيرهم لهم، فأبلْغهم هذا عنِّي.
وصية أبي بكر لعمر لما أراد أن يستخلفه: أخرج ابن عساكر عن سالم بن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهم ـ قال: لما حضر أبا بكر رضي الله عنه الموتُ أوصى: "بسم الله الرحمن الرحيم.
هذا عهد من أبي بكر الصدِّيق، عند آخر عهده بالدنيا، خارجاً منها، وأول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويتَّقي الفاجر، ويصدّق الكاذب: إني استخلفت من بعدي عمر بن الخطاب.
فإن عدل فذلك ظنِّي فيه، وإِن جار وبدَّل فالخيرَ أردت، ولا أعلم الغيب.

ثم بعث إلى عمر رضي الله عنه فدعاه فقال: "يا عمر، أبغضك مبغض، وأحبك محب، وقِدْماً يُبغض الخير ويُحب الشر ـ قال: فلا حاجة لي فيها ـ قال: لكن لها بك حاجة، وقد رأيتَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصحبتَه، ورأيت أثرته أنفسنا على نفسه، حتى إِن كنا لنهدي لأهله فضل ما يأتينا منه، ورأيتني وصحبتني وإِنما اتبعت أثر من كان قبلي، والله ما نمت فحلمت، ولا شهدت فتوهَّمت، وإِني لعلى طريق ما زغت، تَعَلَّم يا عمر، إِنَّ لله حقاً في الليل لا يقبله بالنهار، وحقاً بالنهار لا يقبله بالليل، وإِنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتَّباعهم الحق، وحُقَّ الميزان أن يثقل لا يكون فيه إِلا الحق، وإِنما خفَّت موازين من خفَّت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل، وحُقَّ لميزان أن يخفَّ لا يكون فيه إلا الباطل.
إنَّ أول ما أحذرك نفسك، وأحذرك الناس فإنَّهم قد طمحت أبصارهم، وانتفخت أهواؤهم، وأن لهم الخيرة عن زلّة تكون، فإياه تكونه، فإنهم لن يزالوا خائفين لك فرقين منك ما خفت الله وفرقته.
وهذه وصيتي، وأقرأُ عليك السلام".
كذا في الكنز.

وعند ابن المبارك، وابن أبي شيبة، وهَنَّاد، وابن جرير، وأبي نُعَيم في الحلية عن عبد الرحمن بن سابط، وزيد بن زبيد بن الحارث، ومجاهد قالوا: لما حضر أبا بكر الموتُ دعا عمر - رضي الله عنه - وقال له: "إتَّق الله يا عمر، واعلم أن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل، وعملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تُؤدى الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في دار الدنيا وثقله عليهم، وحُقّ لميزان يوضع فيه الحق غداً أن يكون ثقيلاً، وإنما خفَّت موازين من خفَّت موازينه يوم القيامة باتَّباعهم الباطل في الدنيا وخفَّته عليهم، وحُقّ لميزان يوضع فيه الباطل غداً أن يكون خفيفاً.
وأن الله تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئته، فإذا ذكرتهم قلت: إِني لأخاف أن لا ألحق بهم؛ وأن الله تعالى ذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم، وردَّ عليهم أحسنه؛ فإذا ذكرتهم قلت: إِني أخاف أن أكون مع هؤلاء وذكر آية الرحمة وآية العذاب ـ فيكون العبد راغباً راهباً، ولا يتمنَّى على الله غير الحق، ولا يقنط من رحمته، ولا يُلقي بيديه إلى الهلكة.
فإن أنت حفظت وصيتي فلا يكُ غائب أحب إليك من الموت وهو آتيك وإن أنت ضيَّعت وصيتي فلا يكُ.
غائب أبغض إليك من الموت، ولست بمعجِزِه".
كذا في منتخب الكنز.

(39) إكرامه لأهل البيت:

أخرج أبو نُعيم والجابري في جزئه عن عبد الرحمن بن الأصبهاني قال: جاء الحسن بن علي إلى أبي بكر رضي الله عنهم وهو على منبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: انزل عن مجلس أبي، قال: صدقت، إنه مجلس أبيك، وأجلسه في حجره وبكى.
فقال علي رضي الله عنه: والله ما هذا عن أمري.
فقال: صدقتَ والله ما اتهمتك.
وعند ابن سعد عن عروة أن أبا بكر خطب يوماً فجاء الحسن فصعد إليه المنبر، فقال: انزل عن منبر أبي، فقال علي: إن هذا شيء من غير ملأ منا.
كذا في الكنز.
وأخرج ابن سعد وأحمد والبخاري والنسائي والحاك عن عقبة بن الحارث قال: خرجت مع أبي بكر رضي الله عنه من صلاة العصر بعد وفات رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بليال، وعلي رضي الله عنه يمشي إلى جنبه.
فمر بحسن بن علي يلعب مع غِلمان، فاحتمله على رقبته وهو يقول: بأبي شبيهُ بالنبي ليس شبيهاً بعلي وعلي يضحك.
كذا في الكنز.

- وفاة الصديق - رضي الله عنه -:

قالت عائشة رضي الله عنها: أول ما بُدئ مرض أبي بكر أنه اغتسل، وكان يوماً بارداً فحُمّ خمسة عشرة يوماً لا يخرج إلى صلاة، وكان يأمر عمر بالصلاة، وكانوا يعودونه، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه 1، ولما اشتد به المرض قيل له: ألا تدعو لك الطبيب؟ فقال: قد رآني فقال إني فعال لما أريد 2، وقالت عائشة رضي الله عنها قال أبو بكر: انظروا ماذا زاد في مالي منذ دخلت في الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة بعدي.
فنظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه، وإذا ناضح 3 كان يسقي بستاناً له.
فبعثنا بهما إلى عمر، فبكى عمر وقال: رحمة الله على أبي بكر لقد أتعب من بعده تعباً شديداً 4. وقالت عائشة رضي الله عنها: لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه، دخلت عليه وهو يعالج مايعالج الميت ونفسه في صدره فتمثلت هذا البيت: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر فنظر إليّ كالغضبان، ثم قال: ليس كذلك يا أم المؤمنين، ولكن قول الله أصدق ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (سورة ق، آية:19).
ثم قال: يا عائشة: إنه ليس أحد من أهلي أحب إليَّ منك، وقد كنت نحلتك حائطاً 5، وإن في نفسي منه شيئاً فردِّيه إلى الميراث.
قالت: نعم فرددته.
وقال - رضي الله عنه -: أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم ديناراً ولا درهماً، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر، وابرئي منهن ففعلت، فلما جاء الرسول إلى عمر بكى حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض، ويقول: رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده، رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده، رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده 6.

ويظهر من هذه المواقف ورع الصديق في المال العام، فقد ترك هذا الخليفة العظيم تجارته وتخلى عن ذرائع كسبه اشتغالاً عنها بأمور المسلمين وقياماً بوظائف الخلافة فيضطر الى أخذ نفقته من بيت المال بما لايزيد عن الحاجة الى سد الجوع وستر العورة، ثم هو يؤدي للمسلمين خدمة هيهات أن تؤدي حقها الخزائن ولما أشرف على وفاته، وعنده فضلة من مال المسلمين وهي ذلك المتاع الحقير، يأمر بردها إلى المسلمين ليلقى ربه آمناً مطمئناً، نزيه القلب، طاهر النفس، خفيف الحمل إلا من التقوى، فارغ اليدين إلا من الإيمان، إن في هذا لبلاغاً وانها لموعظة لقوم يعقلون 1. وقد استمر مرض أبي بكر مدة خمسة عشر يوماً حتى كان يوم الاثنين ليلة الثلاثاء في الثاني والعشرين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة للهجرة، قالت عائشة -رضي الله عنها-: إن أبا بكر قال لها: في أي يوم مات رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قالت في يوم الإثنين، قال: إني لأرجو فيما بيني وبين الليل، قال: ففيم كفنتموه؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية ليس فيها قميص، ولاعمامة فقال أبو بكر: انظري ثوبي هذا فيه ردع زعفران أو مشق فاغسليه واجعلي معه ثوبين آخرين 2، فقيل له قد رزق الله وأحسن نكفنك في جديد، قال: إن الحي هو أحوج إلى الجديد ليصون به نفسه عن الميت، إنما يصير الميت إلى الصديد، وإلى البلى 3، وقد أوصى أن تغسله زوجه أسماء بنت عميس، وأن يدفن بجانب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان آخر ما تكلم به الصديق في هذه الدنيا قول الله تعالى: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ 4 (سورة يوسف، آية:101).

وارتجّت المدينة لوفاة أبي بكر الصديق، ولم تر المدينة منذ وفاة الرسول يوماً، أكثر باكياً، وباكية من ذلك المساء الحزين وأقبل علي بن أبي طالب مسرعاً، باكياً، مسترجعاً ووقف على البيت الذي فيه أبو بكر فقال: رحمك الله يا أبا بكر.. كنت إلف رسول الله وأنيسه ومستراحه وثقته وموضع سره ومشاورته، وكنت أول القوم إسلاماً، وأخلصهم يقيناً، وأشدهم لله يقيناً، وأخوفهم لله، وأعظمهم غناء في دين الله عز وجل، وأحوطهم على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأحدبهم على الإسلام، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، وأرفعهم درجة وأقربهم وسيلة، وأشبههم برسول الله هدياً وسمتاً، وأشرفهم منزلة، وأرفعهم عنده، وأكرمهم عليه، فجزاك الله عن رسول الله وعن الإسلام أفضل الجزاء.
صدقت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين كذبه الناس، وكنت عنده بمنزلة السمع والبصر، سماك الله في تنزيله، صديقاً فقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (سورة الزمر، آية:33).
واسيته حين بخلوا، وقمت معه على المكاره حين قعدوا، وصحبته في الشدة أكرم الصحبة، ثاني اثنين صاحبه في الغار، والمُنَّزل عليه السكينة، ورفيقه في الهجرة، وخليفته في دين الله وأمته، أحسن الخلافة حين ارتدوا، فقمت بالأمر مالم يقم به خليفة نبي، ونهضت حين وهن أصحابه وبرزت حين استكانوا، وقويت حين ضعفوا، ولزمت منهاج رسول الله إذ وهنوا، وكنت كما قال رسول الله ضعيفاً في بدنك قوياً في أمر الله تعالى، متواضعاً في نفسك عظيماً عند الله تعالى، جليلاً في أعين الناس كبيراً في أنفسهم، لم يكن لأحدهم فيك مغمز، ولا لقائل فيك مهمز، ولا لمخلوق عندك هوادة، الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ بحقه القريب والبعيد عنك في ذاك سواء، وأقرب الناس عندك أطوعهم لله عز وجل، وأتقاهم...

شأنك الحق والصدق والرفق قولك حكم وحتم، وأمرك حلم وحزم، ورأيك علم وعزم، اعتدل بك الدين وقوي بك الإيمان وظهر أمر الله، فسبقت -والله- سبقاً بعيداً، واتعبت من بعدك إتعاباً شديداً، وفزت بالخير فوزاً مبيناً، فإنا لله وإنا إليه راجعون رضينا عن الله عز وجل قضاءه وسلمنا له أمره، والله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله بمثلك أبداً، كنت للدين عزاً، وحرزاً وكهفاً فألحقك الله عز وجل بنبيك محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولا حرمنا أجرك، ولا أضلنا بعدك، فسكت الناس حتى قضى كلامه، ثم بكوا حتى علت أصواتهم وقالوا: صدقت 1 وجاء في رواية: إن علياً قال عندما دخل على أبي بكر بعدما سُجِّي أنه قال: ما أحد ألقى الله بصحيفته أحب إليّ من هذا المُسَجَّى 2 هذا وقد توفي الصديق رحمه الله وهو ابن ثلاث وستين سنة... مجمع على ذلك في الروايات كلها، استوفى سن رسول الله، وغسلته زوجه أسماء بنت عميس، وكان قد أوصى بذلك 3، ودفن جانب رسول الله، وقد جعل رأسه عند كتفي رسول الله 4، وصلى عليه خليفته عمر بن الخطاب، ونزل قبره عمر وعثمان وطلحة وابنه عبد الرحمن، وألصق اللحد بقبر رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 5.

  • ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد أبي بكر الصدَّيق - رضي الله عنه -:

لقد فهم أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه رضي الله عنه من خلال معايشته للقرآن الكريم، ومصاحبته للنبي الأمين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، وعليه فإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرر من سيطرة الدنيا بزخارفها، و زينتها، وبريقها، وطلقها ثلاثة ونفض يديه منها، وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهرا وباطنا، فكانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف، وقد وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق ما يلي: (1) اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل كما قال النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.

(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
(2) أن هذه الدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله تبارك وتعالى: (حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء.
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما.
(3) أن عمرها قد قارب على الانتهاء: (حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بعثت أنا والساعة كهاتين قال وضم السبابة والوسطى.
(4) أن الآخرة هى الباقية، وهى دار القرار: كما قال مؤمن آل فرعون: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر: 39، 40] كانت هذه الحقائق قد استقرت في قلب أبي بكر، فترِفَّع رضي الله عنه عن الدنيا وحطامها وزهد فيها، وهاك بعض صور زهده رضي الله عنه:

  • يتجلى زهد الصديق رضي الله عنه في إنفاقه للمال في سبيل الله تعالى: فقد وَعَى حقيقة الزهد بحذافيره وأيقن أن الزهد ليس بأن لا تملك المال بل الزهد أن تملك الدنيا كلها لكنها تكون في يدك وليست في قلبك، كانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف رضي الله عنه فكان آيةً في الجود والسخاء والبذل والإنفاق في سبيل الله تعالى، ويتجلى ذلك في المواقف الآتية: 1 إنفاقه الأموال لتحرير المعذبين في الله:

فقد أعتق بلال ابن رباح رضي الله عنه و عامر بن فهيرة الذي شهد بدراً وأحداً، وقتل يوم بئر معونة شهيداً و وأم عبيس، وزنِّيرة التي أصيب بصرها حين أعتقها فقالت قريش: ماأذهب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كذبوا وبيت الله ما تضر اللات والعزى وماتنفعان، فرد الله بصرها (1)،وأعتق النهدية وبنتها وكانتا لامرأة من بني عبد الدار مرّ بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهي تقول: والله لا أعتقكما أبداً: فقال أبو بكر - رضي الله عنه - حِلُّ 2 يأم فلان فقالت: حل أنت، أفسدتهما فأعتقهما؛ قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا.
وقال: قد أخذتهما وهما حرتان ألينها طحينها.
قالتا: أو نفرغ منه ياأبابكر ثم نرده إليها؟ قال: وذلك إن شئتما 3. وغيرهم ن وهكذا كان الصديق يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، ولا عجب إذا كان الله سبحانه أنزل في شأن الصديق قرآناً يتلى الى يوم القيامة قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى - وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى - وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى - وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى - إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى - وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى - فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى - لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى - الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى - وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى - الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى - وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى - إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى - وَلَسَوْفَ يَرْضَى -﴾ 4 (سورة الليل، الآيات: 5 - 21). (2) نفقة الصديق في تبوك: حث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصحابة في غزوة تبوك على الإنفاق بسبب بعدها، وكثرة المشركين فيها، ووعد المنفقين بالأجر العظيم من الله، فأنفق كل حسب مقدرته وكان عثمان - رضي الله عنه - صاحب القدح المعلى في الإنفاق في هذه الغزوة 5. وتصدق عمر بن الخطاب بنصف ماله وظن أنه سيسبق أبابكر بذلك ونترك الفاروق يحدثنا بنفسه عن ذلك.

(حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) قال: أمرنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوما أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، فجئت بنصف مالي، فقال [لي] رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "" ما أبقيت لأهلك؟ "" فقلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر [رضي الله عنه] بكل ما عنده، فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "" ما أبقيت لأهلك؟ "" قال: أبقيت لهم الله ورسوله قلت: لا أسابقك إلى شىء أبدا.
قال صاحب تحفة الأحوذي: قَوْلُهُ: (أَنْ نَتَصَدَّقَ) أَيْ: فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ (وَوَافَقَ ذَلِكَ عِنْدِي مَالًا) أَيْ: صَادَفَ أَمْرُهُ بالتَّصَدُّقِ حُصُولَ مَالٍ عِنْدِي، فَعِنْدِي حَالٌ مِنْ مَالٍ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِمَّا قَبْلَهُ يَعْنِي: وَالْحَالُ أَنَّهُ كَانَ لِي مَالٌ كَثِيرٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ (الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ من مناقبه) أَيْ: بِالْمُبَارَزَةِ، أَوْ بِالْمُبَالَغَةِ (إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا) أَيْ: مِنَ الْأَيَّامِ وَإِنْ شَرْطِيَّةٌ دَلَّ عَلَى جَوَابِهَا مَا قَبْلَهَا، أَوِ التَّقْدِيرُ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا فَهَذَا يَوْمُهُ، وَقِيلَ: إِنْ نَافِيَةٌ أَيْ: مَا سَبَقْتُهُ يَوْمًا قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ (قَالَ) أَيْ: عُمَرُ (قُلْتُ مِثْلَهُ) أَيْ: أَبْقَيْتُ مِثْلَهُ يَعْنِي نِصْفَ مَالِهِ (بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ) أَيْ: مِنَ الْمَالِ (اللَّهَ وَرَسُولَهُ) مَفْعُولُ: أَبْقَيْتُ أَيْ: رِضَاهُمَا (لا أسابقك إلى شىء أبدا) أَيْ: مِنَ الْفَضَائِلِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُغَالَبَتِهِ حِينَ كَثْرَةِ مَالِهِ وَقِلَّةِ مَالِ أَبِي بَكْرٍ فَفِي غَيْرِ هَذَا الْحَالِ أَوْلَى أَنْ لَا يَسْبِقَهُ.
أهـ كان فعل عمر فيما فعله من المنافسة والغبطة مباحاً ولكن حال الصديق - رضي الله عنه - أفضل منه لأنه خال من المنافسة مطلقاً ولا ينظر إلى غيره 1.

  • وكان أبو بكرٍ الصديق من أزهد الناس وأتقى الناس.

(حديث عائشة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قالت:" دخلت على أبي بكر رضي الله عنه، فقال: في كم كفنتم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة.
وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قالت: يوم الاثنين.
قال: فأي يوم هذا؟ قالت: يوم الاثنين.
قال: أرجو فيما بيني وبين الليل.
فنظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه، به ردع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين، فكفنوني فيها.
قلت: إن هذا خَلَق؟ قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة.
فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء.
ودفن قبل أن يصبح " (البخاري 1321). قال الإمام ابن حجر في الفتح: في كم كفنتم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟: أي كم ثوبا كفنتم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه.
وقوله في كم معمول مقدم لكفنتم قيل ذكر لها أبو بكر ذلك بصيغة الإستفهمام توطئة لها للصبر على فقده واستنطاقا لها بما يعلم أنه يعظم عليه ذكره لما في بداءته لها بذلك من إدخال الغم العظيم عليها لأنه يبعد أن يكون أبو بكر نسي ما سأل عنه مع قرب العهد ويحتمل أن يكون السؤال عن قدر الكفن على حقيقته لأنه لم يحضر ذلك لإشتغاله بأمر البيعة وأما تعيين اليوم فنسيانه أيضا محتمل لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دفن ليلة الأربعاء فيمكن أن يحصل التردد هل مات يوم الإثنين أو الثلاثاء.
قلت: إن هذا خَلَق: خلق بفتح المعجمة واللام أي غير جديد، وظاهره أن أبا بكر كان يرى عدم المغالاة في الأكفان ويؤيده قوله بعد ذلك إنما هو للمهلة، ولا يعارضه حديث جابر في الأمر بتحسين الكفن أخرجه مسلم فإنه يجمع بينهما بحمل التحسين على الصفة وحمل المغالاة على الثمن.
أهـ قال شيخ الإسلام ابن تيمية:" أهل العلم يقولون: أبو بكر الصديق أزهد الناس بعد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزهد الشرعي أبو بكر وعمر " (المنهاج)

  • مات أبو بكر رضي الله عنه وما ترك درهما ولا دينارا:

قال الحسن بن علي - رضي الله عنه:" لما احتضر أبو بكر - رضي الله عنه - قال: يا عائشة انظري اللقحة التي كنا نشرب من لبنها، والجفنة التي كنا نصطبح فيها، والقطيفة التي كنا نلبسها، فإنا كنا ننتفع بذلك حين كنا في أمر المسلمين فإذا مت فرديه إلى عمر، فلما مات أبو بكر - رضي الله عنه - أرسلت به إلى عمر - رضي الله عنه - فقال عمر - رضي الله عنه -: رضي الله عنك يا أبا بكر لقد أتعبت من جاء بعدك ".

  • روت عائشة رضي الله تعالى عنها أنه لمّا اجتمع أصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً ألحَّ أبو بكر - رضي الله عنه - على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الظهور، فقال: يا أبا بكر إنَّا قليل.
    فلم يزل أبو بكر يُلِحُ حتى ظهر رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وتفرق المسلمين في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيباً ورسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جالس، فكان أوّل خطيب دعا إلى الله تعالى وإلى رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوه في نواحي المسجد ضرباً شديداً، وَوُطِئ أبو بكر وَضُرِبَ ضرباً شديداً، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويُحرِّفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر - رضي الله عنه -، حتى ما يُعْرَف وَجْهُهُ من أنفه، وجاءت بنو تميم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر، وحَمَلت بنو تميم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله، ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تميم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة (والده) وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فمسّوا منه بألسنتهم وعذلوه، وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئاً أو تسقيه إياه.
    فلما خلت به ألحت عليه، وجعل يقول: ما فعل رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فقالت: والله مالي علم بصاحبك.
    فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل، فقالت: إن أبا بكر سألك عن محمد بن عبد الله.
    فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك.
    قالت: نعم، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعاً دَنِفاً، فدنت أم جميل، وأعلنت بالصياح، وقالت: والله إن قوماً نالوا منك لأهل فسق وكفر إنني لأرجوا أن ينتقم الله لك منهم، قال: فما فعل رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قالت: هذه أمك تسمع، قال: فلا شيء عليك منها، قالت: سالم صالح، قال: أين هو؟ قالت: في دار الأرقم.

قال: فإن لله علي أن لا أذوق طعاماً ولا أشرب شراباً أو آتي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأمهلتا حتى إذا هدأت الرِّجل وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: فأكب عليه رسول الله فقبله، وأكب عليه المسلمون، ورقّ له رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رقة شديدة فقال أبو بكر: بأبي وأمي يارسول الله، ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله، وأدع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار.
قال: فدعا لها رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ودعاها إلى الله فأسلمت 1. الشاهد على زهده: إن هذا الحدث العظيم في طياته دروس وعبر لكل مسلم حريص على الاقتداء بهؤلاء الصحب الكرام فقد كانوا آيةً في الزهد في الدنيا والعزوف عنها والإقبال على الآخرة متحملين من الأذى والشدة واللأواء ما تنوء به الجبال، وما ذلك إلا لاستصغار الدنيا في أعينهم وإيثار مصالح الآخرة على مصالح الدنيا، دون أدنى اهتمام للمحافظة على وجاهتهم في قومهم، فيصيبه من أذى القوم وسفههم، مع أن الصديق يعتبر من كبار رجال قريش المعروفين بالعقل والإحسان، فأبْصِرْ وَتعَلَم من أبي بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه الذي لا تأخذه لومة لائم في نصرة دين الله والعمل له والدفاع عن رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - و لم يعد يهمه -بعد إسلامه- إلا أن تعلوا راية التوحيد، ويرتفع النداء لا إله إلا الله محمد رسول الله في أرجاء مكة حتى لو كان الثمن حياته، وكاد أبو بكر فعلاً أن يدفع حياته ثمناً لعقيدته وإسلامه.

  • دفاع أبي بكر الصديق عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (حديث عروة بن الزبير رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) قال: سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: رأيت عقبة بن أبي معيط، جاء إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يصلي، فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، فقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم.
    [غافر:28].

إن هذا الحدث العظيم في طياته منقبتين متلازمتين لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وهما: محبة لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وزهده في الدنيا وإقباله على الآخرة وإن عرضه ذلك لأي مصاعب أو مشاق.
كان الصديق في وقوفه مع رسول الله يستهين بالخطر على نفسه، ولا يستهين بخطر يصيب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قل أو كثر حيثما رآه واستطاع أن يذود عنه العادين عليه، وانه ليراهم آخذين بتلابيبه فيدخل بينهم وبينه وهو يصيح بهم: (ويلكم أتقتلون رجلاً ان يقول ربي الله؟) فينصرفون عن النبي وينحون عليه يضربونه، ويجذبونه من شعره فلا يدعونه إلا وهو صديع)

  • رد جوار ابن الدغنة عليه مما يدل على أنه لا يريد وجاهة أو منعة بل كان رضي الله تعالى عنه عابداً زاهدا

(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح البخاري) قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طرفي النهار: بكرة وعشية فلما ابتلى المسلمون، خرج أبو بكر مهاجراً نحو أرض الحبشة حتى برك الغماد لقيه ابن الدغنة -وهو سيد القارة 1 - فقال: أين تريد ياأبابكر؟ فقال أبوبكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، قال ابن الدغنة: فإن مثلك ياأبابكر لا يخرج ولا يُخْرَجُ إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
فأنا لك جار.
ارجع وأعبد ربك ببلدك.
فرجع، وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبابكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أبابكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ماشاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا.
فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبوبكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره.
ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقذف عليه نساء المشركين، وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبوبكر رجلاً بكاءً لايملك عينه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا الى ابن الدغنة، فقدم عليهم فقالوا: إنا كنا أجرنا أبابكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمته، فإنا قد كرهنا أن نغفرك ولسنا بمقرين لأبي بكر الاستعلان.
قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع اليّ ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرت في رجل عقدت له.
فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عز وجل.

ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومئذ بمكة، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قد أريت دار هجرتكم، رأيت سبخة ذات نخل بين لابتين).
وهما الحرتان، فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة، وتجهز أبو بكر مهاجرا، فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي).
قال أبو بكر: هل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: (نعم).
فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر.

سيرة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وصورٌ من زهده:

وسوف نتناول شيئين أساسيين في هذه السيرة العطرة وهما: أولاً: لمحات من سيرة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: وهاك تفصيل ذلك: أولاً: لمحات من سيرة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:

قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء: ثاني القوم عمر الفاروق، ذو المقام الثابت المأنوق، أعلن الله تعالى به دعوة الصادق المصدوق، وفرق به بين الفصل والهزل، وأيد بما قواه به من لوامع الطول، ومهد له من منائح الفضل شواهد التوحيد، وبدد به مواد التنديد، فظهرت الدعوة، ورسخت الكلمة، فجمع الله تعالى بما منحه من الصولة، ما نشأت لهم من الدولة، فعلت بالتوحيد أصواتهم بعد تخافت، وتثبتوا في أحوالهم بعد تهافت، غلب كيد المشركين بما ألزم قلبه من حق اليقين، لا يلتفت إلى كثرتهم وتواطيهم، ولا يكترث لممانعتهم وتعاطيهم، اتكالا على من هو منشئهم وكافيهم، واستنصاراً بمن هو قاصمهم وشافيهم، محتملاً لما احتمل الرسول، ومصطبراً على المكاره لما يؤمل من الوصول، ومفارقاً لمن اختار التنعيم والترفيه، ومعانقاً لما كلف من التشمير والتوجيه، المخصوص من بين الصحابة بالمعارضة للمبطلين، والموافقة في الأحكام لرب العالمين، السكينة تنطق على لسانه، والحق يجري الحكمة عن بيانه، كان للحق مائلاً، وبالحق صائلاً، وللأثقال حاملاً، و لم يخف دون الله طائلاً، وقد قيل: إن التصوف ركوب الصعب، في جلال الكرب.
وقال أيضاً: أمره الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمحاربة من بين أصحابه لما اختص به من الصولة والمهابة، وما عهد منه في ملازمته للتفريد، ومحاماته على معارضة التوحيد، وأنه لا ينهنهه عن مصاولتهم العدة والعديد.

وقال أيضاً: كان رضي الله تعالى عنه للدين معلناً، ولأعمال البر مبطناً، كان رضي الله تعالى عنه مخصصاً بالسكينة في الإنطاق، ومحرزاً من القطيعة والفراق، ومشهراً في الأحكام يالإصابة والوفاق، أخلى همه في مفارقة الخلق، فأنزل الله تعالى الوحي في موافقته للحق، وكان رضي الله تعالى عنه بالحقائق لهجاً عروفاً، وعن الأباطيل منعرجاً عزوفاً، وكان عن فناء الملاذ منتهياً، ولباقي المعاد مبتغياً، يلازم المشقات، ويفارق الشهوات.

  • اسم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ونسبه وكنيته وألقابه:

هو عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العُزَّى بن رياح بن عبد الله بن قرُط بن رَزاح بن عدي بن كعب بن لؤي (1)، بن غالب القرشي العدوي (2)، يجتمع نسبه مع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في كعب بن لؤي بن غالب (3)، ويكنى أبا حفص (4)، ولقب بالفاروق (5)، لأنه أظهر الإسلام بمكة ففرّق الله به بين الكفر والإيمان (6).

- مولد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وصفته الخَلْقية:

ولد عمر رضي الله عنه بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة (7) وأما صفته الخَلْقية، فكان رضي الله عنه، أبيض أمهق، تعلوه حمرة، حسن الخدين والأنف والعينين، غليظ القدمين والكفين، مجدول اللحم، وكان طويلاً جسيماً أصلع، قد فرع الناس، كأنه راكب على دابة، وكان قوياً شديداً، لا واهناً ولا ضعيفاً (8)، وكان يخضب بالحناء، وكان طويل السَّبلة (9) وكان إذا مشى أسرع وإذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع (10).

- إسلام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:

كان أول شعاعة من نور الإيمان لامست قلبه، يوم رأى نساء قريش يتركن بلدهن ويرحلن إلى بلد بعيد عن بلدهن بسبب ما لقين منه ومن أمثاله، فرق قلبه، وعاتبه ضميره، فرثى لهن، وأسمعهن الكلمة الطيبة التي لم يكنّ يطمعن أن يسمعن منه مثلها 11.12345678910

قالت أم عبد الله بنت حنتمة: لما كنا نرتحل مهاجرين إلى الحبشة، أقبل عمر حتى وقف عليّ، وكنا نلقى منه البلاء والأذى والغلظة علينا، فقال لي: إنه الانطلاق يا أم عبد الله؟ قلت نعم، والله لنخرجنّ في أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا فرجاً.
فقال عمر: صحبكم الله.
ورأيت منه رقة لم أرها قط.
فلما جاء عامر بن ربيعة وكان قد ذهب في بعض حاجته وذكرت له ذلك فقال: كأنك قد طمعت في إسلام عمر؟ قلت له: نعم فقال: إنه لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب (1). لقد تأثر عمر من هذا الموقف وشعر أن صدره قد أصبح ضيقاً حرجاً؛ فأي بلاء يعانيه أتباع هذا الدين الجديد، وهم على الرغم من ذلك صامدون! ما سر تلك القوة الخارقة؟ وشعر بالحزن وعصر قلبه الألم (2)، وبعد هذه الحادثة بقليل أسلم عمر رضي الله عنه،

- قصة إسلام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:

لما سمع عمر أن أخته وزوجها قد أسلما احتمله الغضب وذهب إليهم فلما قرع الباب قالوا: من هذا؟ قال: ابن الخطاب.
وكانوا يقرؤون كتاباً في أيديهم، فلما سمعوا حس عمر قاموا مبادرين فاختبئوا ونسوا الصحيفة على حالها، فلما دخل ورأته أخته عرفت الشر في وجهه، فخبأت الصحيفة تحت فخذها قال: ما هذه الْهَيْنَمَة والصوت الخفي التي سمعته عندكم؟ ((وكانوا يقرؤون طه)) فقالا: ما عدا حديثاً تحدثناه بيننا.
قال: فلعلكما قد صبوتما، فقال له ختنه: أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك؟ فوثب عمر على ختنه سعيد وبطش بلحيته فتواثبا، وكان عمر قوياً شديداً، فضرب بسعيد الأرض ووطئه وطأ ثم جلس على صدره، فجاءت أخته فدفعته عن زوجها فنفحها نفحة بيده، فدمى وجهها، فقالت وهي غضبى: يا عدو الله، أتضربني على أن أوحّد الله؟ قال: نعم.
قالت: ما كنت فاعلاً فأفعل، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لقد أسلمنا على رغم أنفك، فلما سمعها عمر ندم وقام عن صدر زوجها، فقعد، ثم قال: أعطوني هذه الصحيفة التي عندكم فأقرأها، فقالت أخته: لا أفعل.
قال: ويحك قد وقع في قلبي ما قلت، فأعطينيها أنظر إليها، وأعطيك من المواثيق أن لا أخونك حتى تحرزيها حيث شئت.
قالت: إنك رجس فـ ﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ فقم فاغتسل أو توضأ، فخرج عمر ليغتسل ورجع إلى أخته فدفعت إليه الصحيفة وكان فيها طه وسور أخرى فرأى فيها:12

بسم الله الرحمن الرحيم فلما مرّ بالرحمن الرحيم ذعر، فألقى الصحيفة من يده، ثم رجع إلى نفسه فأخذها فإذا فيها: ﴿طه 1 مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأرض وَالسَّمَواتِ الْعُلاَ (4) الرحمن عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَواتِ وَمَا فِي الأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى (8)﴾.
(طه، الآيات:1 - 8) فعظمت في صدره.
فقال: من هذا فرّت قريش؟ ثم قرأ.
فلما بلغ إلى قوله تعالى:... ﴿إنّني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري.
إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى﴾ (طه، الآيات:14،15،16). قال: ينبغي لمن يقول هذا أن لا يُعبد معه غيره دلوني على محمد (1). وكانت دعوة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السبب الأساسي في إسلامه فقد دعا له كما في الحديث الآتي: (حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اللهم أعزَّ الإسلام بأحب الرجلين إليك: بأبي جهل بن هشام، أو بعمر بن الخطاب، قال: وكان أحبهما إليه عمر.
(حديث عائشة رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب.

  • ذهاب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإعلان إسلامه:

فلما سمع خبّاب رضي الله عنه ذلك خرج من البيت وكان مختفياً وقال أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون قد سبقت فيك دعوة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم الإثنين: ((اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل بن هشام، أو بعمر بن الخطاب)).

قال: دلوني على مكان رسول الله، فلما عرفوا منه الصدق قالوا: هو في أسفل الصفا.
فأخذ عمر سيفه فتوشّحه ثم عمد إلى رسول الله وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته وَجِلوا ولم يجترئ أحد منهم أن يفتح له، لما قد علموا من شدته على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلما رأى حمزة رضي الله عنه وجَلَ القوم قال: مالكم؟ قالوا عمر بن الخطاب قال: عمر بن الخطاب؟ افتحوا له، فإن يرد الله به خيراً يُسلم، وإن يرد غير ذلك يكن قتله عليناً هيناً، ففتحوا، وأخذ حمزة ورجل آخر بعضديه حتى أدخلاه على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال أرسلوه (1)، ونهض إليه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأخذ بحجزته (2)، وبجمع ردائه ثم جبذه جَبْذَة شديدة، وقال: ما جاء بك يا ابن الخطاب؟ والله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة، فقال له عمر: يا رسول الله جئتك أؤمن بالله وبرسوله وبما جئت به من عند الله، قال: فكبّر رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعرف أهل البيت من أصحاب رسول الله أن عمر قد أسلم، فتفرق أصحاب رسول الله من مكانهم وقد عزّوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة بن عبد المطلب، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله، وينتصفون بهما من عدوهم (3).

- أثر إسلام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على الدعوة:

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نطوف بالبيت ونصلي، حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتلهم حتى تركونا، فصلينا وطفنا (4). وقال أيضاً: كان إسلام عمر فتحاً، وكانت هجرته نصراً، وكانت إمارته رحمة، لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي ونطوف بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتلناهم حتى تركونا نصلي (5) وقال صهيب بن سنان: لما أسلم عمر بن الخطاب، ظهر الإسلام، ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقاً، وطفنا بالبيت وانتصفنا ممن غلظ علينا ورددنا عليه (6).

- دعوة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:

جارٍ التحميل