كتاب الرقائق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
ولكننا مع الأسف الشديد نسيناه أو تناسيناه وكرهنا ذكره ولقياه مع يقيننا أنه لا محالة واقع وحاصل، والعجب من عاقل يرى استيلاء الموت على أقرانه وجيرانه وكيف يطيب عيشه! وكيف لا يستعد له! إن المنهمك في الدنيا، المُكِّبَ على غرورها المحب لشهواتها يغفل قلبه لا محالة عن ذكر الموت، وإذا ذُكّر به كرهه ونفر منه، ومن لم يتذكر الموت اليوم ويستعد له فاجأه في غده وهو في غفلة من أمره وفي شغل عنه.
(كتب بعض الحكماء إلى رجل من إخوانه: يا أخي احذر الموت في هذه الدار قبل أن تصير إلى دار تتمنى فيها الموت فلا تجده.
(وكان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ثم يبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة.
(وقال إبراهيم التيمي: شيئان قطعا عني لذة الدنيا ذكر الموت، والوقوف بين يدي الله عز وجل.
(وقال كعب: من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا وهمومها.
(وقال أشعث: كنا ندخل على الحسن فإنما هو ذكر النار وأمر الآخرة وذكر الموت.
(وقالت صفية رضي الله عنها: إن امرأة اشتكت إلى عائشة رضي الله عنها قسوة قلبها.
فقالت لها: أكثري ذكر الموت يرق قلبك، ففعلت فرق قلبها فجاءت تشكر عائشة رضي الله عنها.
قال مالك بن ينار: لو يعلم الخلائق ماذا يستقبلون غداً ما لذوا بعيش أبداً.
وما خاف مؤمن اليوم إلا أمن غداً بحسن اتعاظه وصلاح عمله وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث شداد بن أوس رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى: وعزتي و جلالي لا أجمع لعبدي أمنين و لا خوفين إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمعُ عبادي و إن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمعُ عبادي.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(قال اللّه تعالى وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين: إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي) فمن كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر وبالعكس وذلك لأن من أعطى علم اليقين في الدنيا طالع الصراط وأهواله بقلبه فذاق من الخوف وركب من الأهوال ما لا يوصف فيضعه عنه غداً ولا يذيقه مرارته مرة ثانية وهذا معنى قول بعض العارفين لأنه لما صلى حر مخالفة القوى في الدنيا لم يذقه اللّه كرب الحر في العقبى.
قال القرطبي: فمن استحى من اللّه في الدنيا مما يصنع استحى اللّه عن سؤاله في القيامة ولم يجمع عليه حياءين كما لم يجمع عليه خوفين وقال الحرالي: نار الحق في الدنيا للمعترف رحمة من عذاب النار تفديه من نار السطوة في الآخرة ومحمد عليه الصلاة والسلام يعطى الأمن يوم القيامة حتى يتفرغ للشفاعة وما ذاك إلا من الخوف الذي كان علاه أيام الدنيا فلم يجتمع عليه خوفان فكل من كان له حظ من اليقين فعاين منه ما ذاق من الخوف سقط عنه من الخوف بقدر ما ذاق هنا قال العارفون: والخوف خوفان خوف عقاب وخوف جلال والأول يصيب أهل الظاهر والثاني يصيب أهل القلوب والأول يزول والثاني لا يزول أهـ.
ولكن كثيراً من الناس مع الأسف الشديد يضيع عمره في غير ما خلق له، ثم إذا فاجأه الموت صرخ رَبِّ ارْجِعُونِ [المؤمنون:99] ولماذا ترجع وتعود لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:100] وأين أنت عن هذا اليوم أيها الغافل؟ ألا تعمل وأنت في سعة من أمرك وصحة في بدنك، ولم يدن منك ملك الموت بعد.
إن ما نراه في المقابر أعظم وأكبر معتبر، فحامل الجنازة اليوم محمول غداً لا محالة، ومن يرجع من المقبرة إلى بيته اليوم سيرجع عنه غداً ويُترك وحيداً فريداً في قبره مرتهناً بعمله، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
وحيداً فريداً في التراب وإنما... قرين الفتى في القبر ما كان يعمل
ولكن ما أقل من اتعظ وما أنذر من اجتهد، إن كان من قصر أمله، وجعل الموت أمام ناظريه عمل بلا شك للآخرة واستفاد من كل لحظة من لحظات عمره في طاعة ربه وتحسر على كل وقت أضاعه بدون عمل صالح يقربه إلى الله، وهو لما قدم من عمل فرح مسرور بالانتقال إلى الدار الآخرة وهذا هو المغبوط حقاً.
قال لقمان لابنه: (يا بني أمرٌ لا تدري متى يلقاك استعد له قبل أن يفجأك.
وقال بعض السلف: اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب ولا هول ولا عذاب سوى سكرات الموت بمجردها لكان جديراً بأن يتنغص عليه عيشه ويتكدر عليه سروره ويفارقه سهوه وغفلته، وحقيق بأن يطول فكره ويعظم له استعداده، كيف ونحن نعلم أن وراء الموت القبر وظلمته، والصراط ودقته والحساب وشدته، أهوال وأهوال لا يعلم عظمها إلا بالله.
للموت فاعمل بجد أيها الرجل... واعلم بأنك من دنياك مرتحل
إلى متى أنت في لهو وفي لعب... تمسي وتصبح في اللذات مشتغل
اعمل لنفسك يا مسكين في مهل... ما دام ينفعك التذكار والعمل
(الإكثار من ذِكْرِ الموت:
إن الموت حقيقة لم يجادل بها أحد والجميع مقتنع تمام الاقتناع بأنه سيموت ولكن قُلْ: من يضع الموت نصب عينيه؟ وذكر الموت يرقق القلب ويزهد في الدنيا، ولذا أمرنا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالاكثار من ذكر الموت كما في الأحاديث الآتية:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أكثروا ذكر هاذم اللذات يعني الموت.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
قَوْلُهُ: (أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: أَيْ قَاطِعَهَا.، قَالَ مَيْرَكُ صَحَّحَ الطِّيبِيُّ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ حَيْثُ قَالَ شَبَّهَ اللَّذَّاتِ الْفَانِيَةَ وَالشَّهَوَاتِ الْعَاجِلَةَ ثُمَّ زَوَالَهَا بِبِنَاءٍ مُرْتَفِعٍ يَنْهَدِمُ بِصَدَمَاتٍ هَائِلَةٍ, ثُمَّ أَمَرَ الْمُنْهَمِكَ فِيهَا بِذِكْرِ الْهَادِمِ لِئَلَّا يَسْتَمِرَّ عَلَى الرُّكُونِ إِلَيْهَا, يَشْتَغِلَ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْفِرَارِ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ انْتَهَى كَلَامُهُ، لَكِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ: الْهَاذِمُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ الْقَاطِعُ كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا.
أهـ
(قال الإمام القرطبي رحمه الله: "قال علماؤنا: قوله عليه السلام: أكثروا ذكر هاذم اللذات كلام مختصر وجيز، وقد جمع التذكرة وأبلغ في الموعظة، فإن من ذكر الموت حقيقة ذكره نغص عليه لذته الحاضرة، ومنعه من تمنيها في المستقبل، وزهده فيما كان منها يؤمل، ولكن النفوس الراكدة، والقلوب الغافلة، تحتاج إلى تطويل الوعاظ، وتزويق الألفاظ، وإلا ففي قوله عليه الصلاة والسلام: (أكثروا ذكر هاذم اللذات) مع قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185]، ما يكفي السامع له، ويشغل الناظر فيه".
أهـ
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه و لا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(أكثروا ذكر هاذم) بذال معجمة قاطع وبمهملة مزيل وليس مراداً هنا كذا في روض السهيلي قال ابن حجر وفي ذا النفي نظر
(اللذات) الموت
(فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه) قال العسكري لو فكر البلغاء في قول المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ذلك لعلموا أنه أتى بهذا القليل على كل ما قيل في ذكر الموت ووصف به نظماً ونثراً ولهذا كان عيسى عليه السلام إذا ذكر عنده الموت يقطر جلده دماً قيل ولا يدخل ذكر الموت بيتاً إلا رضي أهله بما قسم لهم وقال أبو نواس.
ألا يا ابن الذين فنوا وماتوا أما واللّه ما ماتوا لتبقى وقال أبو حمزة الخراساني: من أكثر ذكر الموت حبب إليه كل باق وبغض إليه كل فان.
وقال القرطبي: ذكر الموت يورث استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية والتوجه في كل لحظة إلى الآخرة الباقية ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالين ضيق وسعة ونعمة ومحنة فإن كان في حال ضيق ومحنة فذكر الموت يسهل عليه ما هو فيه من الاغترار بها والركون إليها.
وقال الغزالي: الموت خطر هائل وخطب عظيم وغفلة الناس عنه لقلة فكرهم فيه وذكرهم له ومن يذكره ليس يذكره بقلب فارغ بل مشغول بالشهوات فلا ينجع ذكره فيه فالطريق أن يفرغ قلبه عن كل شيء إلا ذكر الموت الذي هو بين يديه كمن يريد السفر فإذا باشر ذكر الموت قلبه أثر فيه فيقل حركته وفرحه بالدنيا وينكسر قلبه وأنفع طريق فيه أن يذكر أشكاله فيتذكر موتهم ومصرعهم تحت التراب ويتذكر صورهم في أحوالهم ومناصبهم التي كانوا عليها في الدنيا ويتأمل كيف محى التراب حسن صورهم وتبددت أجزاؤهم في قبورهم ويتموا أولادهم وضيعوا أموالهم وخلت مجالسهم وانقطعت آثارهم.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح ابن ماجة) قال: أتيت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت عليك السلام، فقال لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الميت، قلت يا رسول الله أي المؤمنين أفضل قال أحسنهم خلقا قال فأي المؤمنين أكيس قال أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم لما بعده استعدادا أولئك الأكياس.
فإذا تفكر الإنسان أنه سينتقل من قصره إلى قبره، ومن التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ في التراب، ومن أنس العشرة إلى وحشة الوحدة، ومن الفراش الوثير إلى المصرع الوبيل، وأن الدود سيكون أنيسه، ومنكر ونكير جليسه.
إذا تفكر في سكرات الموت وأنها أشد من ضرب بالسيوف ونشر بالمناشير وقرض بالمقاريض.
(كان بعض الصالحين ينادي بليل على سور المدينة: الرحيل الرحيل.
فلما توفي فقد صوته أمير المدينة، فسأل عنه فقيل: إنه قد مات فقال:
ما زال يلهج بالرحيل وذكره... حتى أناخ ببابه الجمال
فأصابه مستيقظاً متشمراً... ذا أهبة لم تلهه الآمال
(وكان يزيد الرقاشي يقول لنفسه: ويحك يا يزيد! من ذا يصلي عنك بعد الموت؟ من ذا يصوم عنك بعد الموت؟ من ذا يترضى ربك عنك بعد الموت؟ ثم يقول: أيها الناس! ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم؟ مَن الموت طالبه.. والقبر بيته.. والتراب فراشه.. والدود أنيسه.. وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر.. كي يكون حاله؟) ثم يبكي رحمه الله.
(وقال التميمي رحمه الله: شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكر الموت، وذكر الموقف بين يدي الله تعالى.
(وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يجمع العلماء فيتذكرون الموت والقيامة والآخرة، فيبكون حتى كأن بين أيديهم جنازةَ!!
(وقال الدقاق رحمه الله تعالى: من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضى بالكفاف، والتكاسل في العبادة.
(وقال الحسن رحمه الله تعالى: إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فالتمسوا عشياً لا موت فيه.
إخواني: أكثروا من ذكر هاذم اللذات، وتفكروا في انحلال بناء الذات، وتصوروا مصير الصور إلى الرفات، وأَعدوا عدةً تكفي في الكفات، واعلموا أن الشيطان لا يتسلط على ذاكر الموت وإنما إذا غفل القلب عن ذكر الموت دخل العدو من باب الغفلة 0
(أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه المواعظ عن الحسن البصري رحمه الله تعالى قال:: إن الموت فضح الدنيا فلم يترك لذي لُب به فرحاً.
(وقال أيضاً:
(قال يزيد بن تميم: من لم يردعه الموت والقرآن ثم تناطحت عنده الجبال لم يرتدع 0
وسُئل ابن عياض عن ما بال الآدمي تُستنزع نفسه وهو ساكت وهو يضطرب من القرصة قال: لأن الملائكة توقفه 0
يا بن آدم مثل تلك الصرعة قبل أن تذر كل غرة فتتمنى الرجعة وتسأَل الكرة كَم من محتضر تمنَّى الصحة للعمل هيهات حقر عليه بلوغ الأَمل أَو ما يكفي في الوعظ مصرعه أو ما يشفي من البيان مضجعه 00 أما فاته مقدوره بعد إِمكانه 00 أَما أنت عن قليل في مكانة أما اعتبرت بمن رحل أما وعظتك العبر أما كان لك سمعٌ ولا بصر 0
(عباد الله هذه الأيام مطايا، فأين العدة قبل المنايا، أين الأنفة من دار الأذايا، أين العزائم أرضيتم بالدنايا، إن بلية الهوى لا تشبه البلايا، وإن خطيئة الإصرار لا كالخطايا، يا مستورين ستظهر الخبايا، سرية الموت لا تشبه السرايا، قضية الزمان ليست كالقضايا، راعي السلامة يقتل الرعايا، رامي المنون يصمي الرمايا، ملك الموت لا يقبل الهدايا.
(أين آباؤك مروا وسلكوا، أين أقرانك أما رحلوا وانصرفوا، أين أرباب القصور أما أقاموا في القبور وعكفوا، أين الأحباب هجرهم المحبون وصدفوا، فانتبه لنفسك فالمتيقظون قد عرفوا، فستحملك الأهل إلى القبور وربما مروا فانحرفوا.
(يا من لا يتعظ بأبيه ولا بابنه، يا مؤثراً للفاني على جودة ذهنه، يا متعوضا عن فرح ساعة بطول حزنه، يا مسخطاً للخالق لأجل المخلوق ضلالاً لإفنه، أمالك عبرة فيمن ضعضع مشيد ركنه، أما رأيت راحلاً عن الدنيا يوم ظعنه، أما تصرفت في ماله أكف غيره من غير إذنه، أما انصرف الأحباب عن قبره حين دفنه، أما خلا بمسكنه في ضيق سجنه، تنبه والله من وسنه لقرع سنه، ولقى في وطنه ما لم يخطر على ظنه، يا ذلة مقتول هواه يا خسران عبد بطنه.
(أوَ مَا علمت الموت للخلائق مبيد أما تراه قد مزقهم في البيد أما داسهم بالهلاك دوس الحصيد لا بالبسيط ينتهون ولا بالتشديد، أين من كان لا ينظر بين يديه، أين من أبصر العبر ولم ينتفع بعينيه، أين من بارز بالذنوب المطلع عليه.
(كم من ظالم تعدى وجار، فما راعى الأهل ولا الجار بينا هو يعقد عقد الإصرار حل به الموت فحل من حلته الأزرار (فَاعْتَبِرُواْ يَأُوْلِي الأبْصَارِ)
(ما صحبه سوى الكفن إلى بيت البلى والعفن لو رأيته وقد حلت به المحن وشين ذلك الوجه الحسن فلا تسأل كيف صار (فَاعْتَبِرُواْ يَأُوْلِي الأبْصَارِ)
(سال في اللحد صديده وبلى في القبر جديده وهجره نسيبه ووديده وتفرق حشمه وعبيده والأنصار (فَاعْتَبِرُواْ يَأُوْلِي الأبْصَارِ)
(أين مجالسه العالية أين عيشته الصافية أين لذاته الحالية كم كم تسفى على قبره سافية ذهبت العين وأخفيت الآثار (فَاعْتَبِرُواْ يَأُوْلِي الأبْصَارِ)
(تقطعت به جميع الأسباب وهجره القرناء والأتراب وصار فراشه الجندل والتراب وربما فتح له في اللحد باب النار (فَاعْتَبِرُواْ يَأُوْلِي الأبْصَارِ)
(خلا والله بما كان صنع واحتوشه الندم وما نفع وتمنى الخلاص وهيهات قد وقع وخلاه الخليل المصافي وانقطع واشتغل الأهل بما كان جمع وتملك الضد المال والدار (فَاعْتَبِرُواْ يَأُوْلِي الأبْصَارِ)
(تدبروا أموركم تدبر ناظر أين السلطان الكبير القاهر كم جمع في مملكته من عساكر وكم بنى من حصون ودساكر وكم تمتع بحلل وأساور وكم علا على المنابر ثم آخر الأمر إلى المقابر العاقل.
(أين الوالدون وما ولدوا، أين الجبارون وأين ما قصدوا، أين أرباب المعاصي على ماذا وردوا، أما جنوا ثمرات ما جنوا وحصدوا، أما قدموا على أعمالهم في مآلهم ووفدوا، أما خلوا في ظلمات القبور بكوا والله وانفردوا، أما ذلوا وقلوا بعد أن عتوا ومردوا، أما طلبوا زادا يكفي في طريقهم ففقدوا، أما حل الموت فحل عقد ما عقدوا، عاينوا والله كل ما قدموا ووجدوا، فمنهم أقوام شقوا وأقوام سعدوا.
(أيها المتيقظون وهم نائمون، أتبنون مالا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، كونوا كيف شئتم فستنقلون (ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ)
(يا مقيمين سترحلون، يا مستقرين ما تتركون، يا غافلين عن الرحيل ستظعنون، أراكم متوطنين تأمنون المنون (ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ)
(طول نهاركم تلعبون، وطول ليلكم ترقدون، والفرائض ما تؤدون، وقد رضيتم عن الغالي بالدون، لا تفعلوا ما تفعلون (ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ)
(أما الأموال فتجمعون، والحق فيها ما تخرجون وأما الصلاة فتضيعون وإذا صليتم تنقرون أترى هذا إلى كم يكون (ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ)
(أين العتاة المتجبرون، أين الفراعنة المتسلطون أين أهل الخيلاء المتكبرون قدروا أنكم صرتم كهم أما تسمعون (ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ)
(ما نفعتهم الحصون، ولا رد المال المصون، هبت زعزع الموت فكسرت الغصون، قدروا أنكم تزيدون عليهم ولا تنقصون (ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ)
(تقلبوا من اللذات في فنون، وأخرجهم البطر إلى الجنون، فأتاهم ما هم عنه غافلون، (ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ)
(لو حصل لكم كل ما تحبون، ونما جميع ما تؤتون، ونلتم من الأماني ما تشتهون، أينفعكم حين ترحلون (ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ)
(إلى متى وحتى متى تنصحون، وأنتم تكسبون الخطايا وتجترحون أأمنتم وأنتم تسرحون ذئب هلاك فلا تبرحون (ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ)
(لا تفرحوا بما تفرحون، فإنه لغيركم حين تطرحون، وإياكم من يراكم من يراكم تمرحون، قد خسرتم إلى الآن فما تربحون (ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ) (أخي الحبيب: أذكر الموت ولا أرهبه... إن قلبي لغليط كالحجر أطلب الدنيا كأني خالد... وورائي الموت يقفو بالأثر وكفى بالموت فاعلم واعظاً... لمن الموت عليه قدر والمنايا حوله ترصده... ليس ينجي المرء منهن المفر
(
فوائد ذكر الموت:
لذكر الموت له فوائد لا تحصى، وثمرات لا تعد، وله أهمية كبرى، وثمرات جليلةمنها ما يلي:
(1) أنه يحث على الاستعداد للموت قبل نزوله.
(2) أن ذكر الموت يقصر الأمل، وطول الأمل من أعظم أسباب الغفلة.
(3) أنه يزهد في الدنيا ويرضي بالقليل منها وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه و لا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(أكثروا ذكر هاذم) بذال معجمة قاطع وبمهملة مزيل وليس مراداً هنا كذا في روض السهيلي قال ابن حجر وفي ذا النفي نظر
(اللذات) الموت
(فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه) قال العسكري لو فكر البلغاء في قول المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ذلك لعلموا أنه أتى بهذا القليل على كل ما قيل في ذكر الموت ووصف به نظماً ونثراً ولهذا كان عيسى عليه السلام إذا ذكر عنده الموت يقطر جلده دماً قيل ولا يدخل ذكر الموت بيتاً إلا رضي أهله بما قسم لهم وقال أبو نواس.
ألا يا ابن الذين فنوا وماتوا أما واللّه ما ماتوا لتبقى وقال أبو حمزة الخراساني: من أكثر ذكر الموت حبب إليه كل باق وبغض إليه كل فان.
وقال القرطبي: ذكر الموت يورث استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية والتوجه في كل لحظة إلى الآخرة الباقية ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالين ضيق وسعة ونعمة ومحنة فإن كان في حال ضيق ومحنة فذكر الموت يسهل عليه ما هو فيه من الاغترار بها والركون إليها.
وقال الغزالي: الموت خطر هائل وخطب عظيم وغفلة الناس عنه لقلة فكرهم فيه وذكرهم له ومن يذكره ليس يذكره بقلب فارغ بل مشغول بالشهوات فلا ينجع ذكره فيه فالطريق أن يفرغ قلبه عن كل شيء إلا ذكر الموت الذي هو بين يديه كمن يريد السفر فإذا باشر ذكر الموت قلبه أثر فيه فيقل حركته وفرحه بالدنيا وينكسر قلبه وأنفع طريق فيه أن يذكر أشكاله فيتذكر موتهم ومصرعهم تحت التراب ويتذكر صورهم في أحوالهم ومناصبهم التي كانوا عليها في الدنيا ويتأمل كيف محى التراب حسن صورهم وتبددت أجزاؤهم في قبورهم ويتموا أولادهم وضيعوا أموالهم وخلت مجالسهم وانقطعت آثارهم.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح ابن ماجة) قال: أتيت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت عليك السلام، فقال لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الميت، قلت يا رسول الله أي المؤمنين أفضل قال أحسنهم خلقا قال فأي المؤمنين أكيس قال أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم لما بعده استعدادا أولئك الأكياس.
فإذا تفكر الإنسان أنه سينتقل من قصره إلى قبره، ومن التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ في التراب، ومن أنس العشرة إلى وحشة الوحدة، ومن الفراش الوثير إلى المصرع الوبيل، وأن الدود سيكون أنيسه، ومنكر ونكير جليسه.
إذا تفكر في سكرات الموت وأنها أشد من ضرب بالسيوف ونشر بالمناشير وقرض بالمقاريض.
فأكثر أخي الكريم، من ذكر هادم اللذات، واعلم أنه آت لا محالة، واستعد للحساب وامتحان القبر.
(4) أنه يرغّب في الآخرة وَيُنَشِطُ في العبادة.
(5) أنه يهوّن على العبد مصائب الدنيا.
(6) أنه يمنع من الأشر والبطر والتوسع في لذات الدنيا.
(7) أنه يحث على التوبة واستدراك ما فات.
(8) أنه يرقق القلوب ويدمع الأعين، ويجلب باعث الدين، ويطرد باعث الهوى.
(9) أنه يدعو إلى التواضع وترك الكبر والظلم.
(10) أنه يدعو إلى سل السخائم ومسامحة الإخوان وقبول أعذارهم.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يحيى بن معاذ قال: من أكثر ذكر الموت لم يمت قبل أجله ويدخل عليه ثلاث خصال من الخير: أولها المبادرة إلى التوبة، والثانية القناعة برزق يسير، والثالثة النشاط في العبادة.
ومن حرص على الدنيا فإنه لا يأكل فوق ما كتب الله له ويدخل عليه من العيوب ثلاث خصال: أولها أن تراه أبداً غير شاكر لعطية الله له، والثاني لا يواسي بشيء مما قد أعطى من الدنيا.
والثالث يشتغل ويتعب في طلب ما لم يرزقه الله حتى يفوته عمل الدين.
(
الأسباب الباعثة على ذكر الموت:
(1) زيارة القبور:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال زار النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت.
(حديث بريدة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة.
(حديث البراء رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) قال كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بل الثرى ثم قال يا إخواني لمثل هذا فأعدوا.
(2) زيارة مغاسل الأموات ورؤية الموتى حين يغسلون.
(3) مشاهدة المحتضرين وهن يعانون سكرات الموت وتلقينهم الشهادة.
(4) تشييع الجنائز والصلاة عليها وحضور دفنها.
(5) تلاوة القرآن، ولا سيما الآيات التي تذكر بالموت وسكراته كقوله تعالى: وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق:19]
(6) الشيب والمرض، فإنهما من رسل ملك الموت إلى العباد.
(7) الظواهر الكونية التي يحدثها الله تعالى تذكيراً لعباده بالموت والقدوم عليه سبحانه كالزلازل والبراكين والفيضانات والانهيارات الأرضية والعواصف المدمرة.
(8) مطالعة أخبار الماضين من الأمم والجماعات التي أفناهم الموت وأبادهم البلى.
باب كيف نستعد للموت؟
(كيف نستعد للموت؟
(أخي الحبيب:
أما وقد عرفت أن لحظة الاحتضار، لحظة امتحان، الموت ما منه فَوْت، الموت أمرٌ محتوم وقدرٌ سابقٌ معلوم كيف تكتحل عينك بنوم حتى ترى حالك بعد اليوم، وكيف تبيتُ وأنت مسرور وأنت لا تعلم عاقبة الأمور.
(قال القرطبي رحمه الله: وأجمعت الأمة على أن الموت ليس له سن معلوم، ولا زمن معلوم، ولا مرض معلوم، وذلك ليكون المرء على أهبة من ذلك، مستعداً لذلك.
أين استعدادك للقاء ملك الموت؟.. أين استعدادك لما بعده من أهوال.. في القبر.. وعند السؤال.. وعند الحشر.. والنشر.. والحساب.. والميزان.. وعند تطاير الصحف.. والمرور على الصراط.. والوقوف بين يدي الجبار جل وعلا؟!.
(وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه صيد الخاطر:
الواجب على العاقل أخذ العدة لرحيله، فإنه لا يعلم متى يفجؤه أمر ربه، و لا يدري متى يستدعى؟
وإني رأيت خلقاً كثيراً غرهم الشباب، و نسوا فقد الأقران، و ألهاهم طول الأمل.
وربما قال العالم المحض لنفسه: أشتغل بالعلم اليوم ثم أعمل به غداً، فيتساهل في الزلل بحجة الراحة، و يؤخر الأهبة لتحقيق التوبة، و لا يتحاشى من غيبة أو سماعها، ومن كسب شبهة يأمل أن يمحوها بالورع.
وينسى أن الموت قد يبغت.
فالعاقل من أعطى كل لحظة حقها من الواجب عليه، فإن بغته الموت رؤى مستعداً، و إن نال الأمل ازداد خيراً.
(إخواني الأيام لكم مطايا، فأين العدة قبل المنايا، أين الأنفة من دار الأذايا، أين العزائم أترضون الدنايا، إن بلية الهوى لا تشبه البلايا، وإن خطيئة الإصرار لا كالخطايا، وسرية الموت لا تشبه السرايا، وقضية الأيام لا كالقضايا، راعي السلامة يقتل الرعايا، رامي التلف يصمي الرمايا، ملك الموت لا يقبل الهدايا، يا مستورين ستظهر الخبايا، استغفروا الله خجلاً من العثرات، ثم اسكبوا حزناً لها العبرات، عجباً لمؤثر الفانية على الباقية ولبائع البحر الخضم بساقية، ولمختار دار الكدر على الصافية، ولمقدم حب الأمراض على العافية، أيها المستوطن بيت غروره تأهب لإزعاجك، أيها المسرور بقصوره تهيأ لإخراجك، خذ عدتك وقم في قضاء حاجتك قبل فراق أولادك وأزواجك، ما الدنيا دار مقامك بل حلبة إدلاجك.
(ولله درُ من قال:
إلى كم ذا التراخي والتمادي... وحادي الموت بالأرواخ حادي
فلو كنا جمادا لا تعظنا... ولكنا أشد من الجماد
تنادينا المنية كل وقت... وما نصغي إلى قول المنادى
وأنفاس النفوس إلى انتقاص... ولكن الذنوب إلى ازدياد
إذا ما الزرع قارنه اصفرار... فلس دواؤه غير الحصاد
(ولله درُ من قال: فما لك ليس يعمل فيك وعظ... ولا زجر كأنك من جماد ستندم إن رحلت بغير زادٍ... وتشقى إذ يناديك المنادي فلا تأمن لذي الدنيا صلاحا... فإن صلاحها عين الفساد ولا تفرح بمال تقتنيه... فإنك فيه معكوس المراد أترضى أن تكون رفيق قوم... لهم زاد وأنت بغير زاد؟!
ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه "عدة الصابرين" عن يزيد بن ميسرة قال: كان رجل ممن مضى جمع مالاً فأوعى، ثم أقبل على نفسه وهو في أهله فقال: أنعم سنين!! فأتاه ملك الموت فقرع الباب في صورة مسكين، فخرجوا إليه فقال: ادعوا لي صاحب الدار.
فقالوا: يخرج سيدنا إلى مثلك؟! ثم مكث قليلاً.
ثم عاد فقرع الباب وصنع مثل ذلك وقال: أخبروه أني ملك الموت.
فلما سمع سيدهم قعد فزعاً، وقال: لينوا له الكلام.
قالوا: ما تريد غير سيدنا بارك الله فيك؟ قال: لا.
فدخل عليه فقال: قم فأوص ما كنت موصياً فإني قابض نفسك قبل أن أخرج.
قال: فصرخ أهله وبكوا.
ثم قال: افتحوا الصناديق، وافتحوا أوعية المال.
ففتحوها جميعا، فأقبل على المال يلعنه ويسبه يقول: لعنت من مال، أنت الذي أنسيتني ربي، وشغلتني عن العمل لآخرتي حتى بلغني أجلي.
فتكلم المال فقال: لا تسبني! ألم تكن وضيعاً في أعين الناس فرفعتك؟ ألم ير عليك من أثري؟ أما كنت تحضر مجالس الملوك والسادة فتدخل، ويحضر عباد الله الصالحون فلا يدخلون؟ ألم تكن تخطب بنات الملوك والسادة فتنكح، ويخطب عباد الله الصالحون فلا ينكحون؟ ألم تكن تنفقني في سبيل الخبث فلا أتعاصى؟ ولو أنفقتني في سبيل الله لم أتعاص عليك.. أنت ألوم مني، إنما خلقت أنا وأنتم يا بني آدم من تراب، فمنطلق ببر، ومنطلق بإثم.. هكذا يقول المال فاحذروا.
(كان بعض الصالحين ينادي بليل على سور المدينة: الرحيل الرحيل.
فلما توفي فقد صوته أمير المدينة، فسأل عنه فقيل: إنه قد مات فقال:
ما زال يلهج بالرحيل وذكره... حتى أناخ ببابه الجمال
فأصابه مستيقظاً متشمراً... ذا أهبة لم تلهه الآمال
(وكان يزيد الرقاشي يقول لنفسه: ويحك يا يزيد! من ذا يصلي عنك بعد الموت؟ من ذا يصوم عنك بعد الموت؟ من ذا يترضى ربك عنك بعد الموت؟ ثم يقول: أيها الناس! ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم؟ مَن الموت طالبه.. والقبر بيته.. والتراب فراشه.. والدود أنيسه.. وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر.. كي يكون حاله؟) ثم يبكي رحمه الله.
(أورد ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه التبصرة عن محمد بن السماك قال: يا بن آدم أنت في حبس منذ كنت أنت محبوس في الصلب ثم في البطن ثم في القماط ثم في المكتب ثم تصير محبوساً في الكد على العيال فاطلب لنفسك الراحة بعد الموت لا تكون في حبس أيضاً.
(أورد ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه التبصرة عن أبي حازم أنه كان يقول اضمنوا لي اثنين أضمن لكم الجنة عملاً بما تكرهون إذا أحبه الله وتركا لما تحبون إذا كرهه الله وقال انظر كل عمل كرهت الموت لأجله فاتركه ولا يضرك متى مت يا رضيع الهوى وقد آن فطامه يا طالب الدنيا وقد حان حمامه أللدنيا خلقت أم بجمعها أمرت.
(أورد ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه التبصرة عن ابن عبد الوهاب قال: قال رجل لداود الطائي أوصني فدمعت عيناه وقال يا أخي إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة ً بعد مرحلة حتى ينتهي ذلك إلى آخر سفرهم فإن استطعت أن تقدم كل يوم زاداً لما بين يديك فافعل فإن انقطاع السفر عن قريب والأمر أعجل من ذلك فتزود لنفسك واقض ما أنت قاض فكأنك بالأمر قد بغتك إني لأقول لك هذا وما أعلم أحداً أشد تقصيراً مني ثم قام وتركه.
(يا عظيم الشقاق يا عديم الوفاق، يا من سيبكي كثيراً إذا انتبه وفاق والتفت الساق بالساق، إلى ربك يومئذٍ المساق، أين صديقك المؤانس أين رفيقك المجالس أما نزل تحت الأطباق، من لك إذا رحلت كما رحلوا، كيف تكون وأهوال القبر لا تطاق.
(يا من يؤمر بما يصلحه فلا يقبل، أما الشيب نذير بالموت قد أقبل، أما أنت الذي عن أفعاله تسأل، أما أنت تخلو في اللحد بما تعمل، ستعلم يوم الحساب عند العتاب من يخجل، يا مبادرا بالخطايا توقف لا تعجل، يا مفسدا ما بيننا وبينه لا تفعل.
(إخواني أيامكم قلائل وآثامكم غوائل، ومواعظكم قوائل وأهواؤكم قواتل، فليعتبر الأواخر بالأوائل، يا من يوقن أنه لا شك راحل، وما له زاد ولا رواحل، يا من لج في لجة الهوى متى يرتقي إلى الساحل، هل لا تنبهت من رقاد شامل، وحضرت المواعظ بقلب قابل، وقمت في الدجى قيام عاقل، وكتبت بالدموع سطور الرسائل، تحف بها زفرات الندم كالوسائل، وبعثتها في سفينة دمع سائل لعلها ترسى بساحل، هل من سائل واأسفا لمغرور غفول جاهل، قد أثقل بعد الكهولة بالذنب الكاهل، وضيع في البضاعة وبذر الحاصل، وركن إلى ركن لو رآه مائل، يبني الحصون ويشيد المعاقل، وهو عن شهيد قبره متثاقل، ثم يَدَّعِي بعد هذا أنه عاقل، تالله لقد سبقه الأبطال إلى أعلى المنازل، وهو يؤمل في بطالته فوز العامل، هيهات ما علق بطال بطائل.
(يا كثير الذنوب متى تفضي، يا مقيما وهو في المعنى يمضي، أفنيت الزمان في الهوى ضياعاً، وساكنت غرورا من الأمل وأطماعا، وصرت في طلب الدنيا خبيرا صناعا، تصبح جامعا وتمسي مناعا، فتش على قلبك ولبك فقد ضاعا، تفكر في عمرك فقد ذهب نهبا مشاعا، اترك الهوى محمودا قبل أن يتركك مذموما، إن فاتتك قصبات السبق في الزهد فلا تفوتنك ساعات الندم في التوبة.
(يا من أغصان إخلاصه ذاوية، وصحيفته من الطاعات خاوية، لكنها لكبار الذنوب حاوية، يا من همته أن يملأ الحاوية، كم بينك وبين البطون الطاوية، كم بين طائفة الهدى
والغاوية، اعلم أن أعضاءك في التراب ثاوية، لعلها تتفرد بالجد في زاوية، قبل أن تعجز عند الموت القوة المقاوية، وترى عنق الميزان لقلة الخير لاوية.
(يا من أهلكك الغفلات والفتور والغرور، يا من كان قلبه خربٌ وبور وما فيه من نور، أما لو تفكرت في قبركِ المحفور، وما فيه من الدواهي والأمور، تحت الجنادلِ والصخور، لعلمت موقناً أنك ما كنت إلا في غرور، فتندم ندماً لا يخطرُ على الصدور، ولا يُكْتَبُ بالسطور، لكنه ندمٌ لا ينفعُ في أي أمرٍ من الأمور.
(لو تصورت النفخ في الصور والسماء تتغير وتمور، والنجوم تنكدر وتغور والصراط ممدود ولا بد من عبور، وأنت متحير في الأمور، تبكي على خلاف المأمور ستحاسب على الأيام والشهور، وترى ما فعلته من فجور، في النهار والديجور، ستحزن بعد السرور على تلك الشرور، إذا وفيت الأجور وبان المواصل من المهجور، ونجا المخلصون دون أهل الزور، تصلي ولكن بلا حضور، وتصوم والصوم بالغيبة مغمور، لو أردت الوالدان والحور، لسألتهم وقت السحور، كم يتلطف بك الله يا نقور، كم ينعم عليك يا كفور، كم بارزت بالقبيح الرحيم الغفور.
(كم ليلة سهرتها في الذنوب، كم خطيئة أمليتها في المكتوب، كم صلاة تركتها مهملاً للوجوب، كم أسبلت ستراً على عتبة عيوب، يا أعمى القلب بين القلوب، ستدري دمع من يجري ويذوب، ستعرف خبرك عند الحساب والمحسوب، أين الفرار وفي كف الطالب المطلوب، تنبه للخلاص أيها المسكين، أعتق نفسك من الرق يا رهين، اقلع أصل الهوى فعرق الهوى مكين، احذر غرور الدنيا فما للدنيا يمين، يا دائم المعاصي سجن الغفلة سجين، تثب على الخطايا ولا وثبة تنين، كأنك بالموت قد برز من كمين، وآن الأمر فوقعت في الأنين، واستبنت أنك في أحوال عنين، كيف ترى حالك إذا عبثت
الشمال باليمين، ثم نقلت ولقبت بالميت الدفين، وا أسفا لِعِظَمِ حَيْرَتِك ساعة التلقين، يا مستورا على الذنوب غداً تنجلى وتبين، متى هذا القلب القاسي يرعوي ويلين، عجبا لقسوته وهو مخلوق من طين.
(ويح العصاة لقد عجلوا، لو تأملوا العواقب ما فعلوا، أين ما شربوا أين ما أكلوا بماذا يجيبون إذا أحضروا وسئلوا (فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوَاْ)
(ما نفعتهم لذاتهم إذ خرجت ذواتهم لقد جمعت زلاتهم فحوتها مكتوباتهم فلما عاينوا أفعالهم خجلوا (فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوَاْ)
(فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوَاْ) ذهبت من أفواههم الحلاوة وبقيت آثار الشقاوة وحطوا إلى الحضيض من أعلى رباوة وحملوا عدلي الموت والفوت والحسرة علاوة فأعجزهم والله ما حملوا (فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوَاْ)
(اجتمعت كلمة إلى نظرة، إلى خاطر قبيح وفكرة، في كتاب يحصى حتى الذرة، والعصاة عن المعاصي في سكرة، فجنوا من جنى ما جنوا ثمار ما غرسوه (أَحْصَاهُ اللّهُ وَنَسُوهُ)
(كم تنعم بمال المظلوم الظالم، وبات لا يبالي بالمظالم، والمسلوب يبكي ويبكي الحمائم، وما كفاهم أخذ ماله حتى حبسوه (أَحْصَاهُ اللّهُ وَنَسُوهُ)
(أين ما كانوا جمعوه، كم ليموا وما سمعوه، كم قيل لهم لو قبلوه، ذهب العرض غير أن العرض دنسوه (أَحْصَاهُ اللّهُ وَنَسُوهُ)
(كم كاسب للمال من حرامه وحلاله، كان يحاسب شريكه على عود خلاله، ولا ينفق منه شيئا في تقويم خلاله، فلما وقع صريعا بين أشباله، اشتغلوا عنه بانتهاب ماله، ثم في اللحد نكسوه (أَحْصَاهُ اللّهُ وَنَسُوهُ) جعلنا الله وإياكم من الذين عرفوا الحق فاتبعوه وزجروا الهوى عنهم وردعوه إنه قريب مجيب
(كم ناداك مولاك وما تسمع، وكم أعطاك ولكن ما تقنع، لقد استقرضك مالك فمالك تجمع، وضمن أن تنبت الحبة سبعمائة وما تزرع، ليكن همك في طلب المال الإفضال، به فإن الشريف الهمة لا يطلب الفضل إلا للفضل.
(يا من لا يتعظ بسلف آبائه، يا من لا يعتبر بتلف أو دائه، يا أسير أغراضه وقتيل أهوائه، يا من عجزت الأطباء عن إصلاح دائه، يا مشغولا بذكر بقائه عن ذكر فنائه، يا مغرورا قد حل الممات بفنائه، يا معجبا بثوب صحته يمشي في خيلائه، يا معرضا عن نصيحه مشمتاً، لأعدائه يا من يلهو بأمله ويا من أجله من ورائه، يجمع العيب إلى الشيب وهذا من أقبح رائه، كم رأيت مستلباً من سرور ونعمائه، كم شاهدت مأخوذا عن أحبابه وأبنائه، بينا هو في غروره دب الموت في أعضائه، بينا جرع اللذة فيه شرق بمائه، بينا ناظر النظير يعجبه صار عبرة لنظرائه، ماله ضيع ماله وبقي في بلائه.
(يا من لا يترك ذنباً يقدر عليه، يا من يسعى إلى ما يضره بقدميه، كم ضيعت في المعاصي عصرا، كم حملت على كاهلكَ وزراً، أترضى أن تملأ الصحائف عيبا وخسرا، أما يكفي سلب القرين وعظا وزجرا، لقد ضيعت شطرا من الزمان فاحفظ شطرا، ما أبقت لك الصحة حجة ولا تركت عذرا، كم نعمة نزلت بك وما قرنتها شكرا، تقابلها بالمعاصي فتبدل العرف نكرا، كم سترك على الخطايا وأنت لا تقلع دهرا، كان الشيب هلالا وقد صار بدرا، تعاهد ولا تفي إلى كم غدرا، أطال عليك الأمد فصار القلب صخرا، إنما بقي القليل فصبرا يا نفس صبرا.
(أين من يعمل لذلك اليوم، أين المتيقظ من سِنَةِ النوم، أين من يلحق بأولئك القوم، جدوا في الصلاة وأخروا في الصوم، وعادوا على النفوس بالتوبيخ واللوم، ليتك إن لم تقدر على الإشمام لطريقتهم حصلت الروم.
(يا من ذنوبه كثيرةٌ لا تُعَد، ووجه صحيفته بمخالفته قد اسود، كم ندعوك إلى الوصال وتأبى إلا الصد، أما الموت قد سعى نحوك وَجَد، أما عزم أن يلحقك بالأب والجَد، أما ترى منعما أترب الثرى منه الخد، كم عاينت متجبرا كف الموت كفه الممتد، فاحذر أن يأتي على المعاصي فإنه إذا أتى أبى الرد، إلى كم ذا الصبا والمراح، أأبقى الشيب موضعا للمزاح، لقد أغنى الصباح عن المصباح، وقام حرب المنون من غير سلاح، اعوجت القناة بلا قنا ولا صفاح، فعاد ذو الشيبة بالضعف ثخين الجراح، ونطقت ألسن الفناء بالوعظ الصراح، واأسفا صمت المسامع والمواعظ فصاح، لقد صاح لسان التحذير يا صاح يا صاح، وأنى بالفهم لمخمورٍ غير صاح، لقد أسكرك الهوى سكرا شديداً لا يُزاح، وما تفيق حتى يقول الموت لا براح.
(إلى كم يا ذا المشيب، أما الأمر منك قريب، كم تعب في وعظك خطيب، كم عالجك طبيب، إنه لمرضٌ عجيب، إنه لداءٌ غريب، عظمٌ واهن وقلبٌ صليب، يا هذا لا شيء أقل من الدنيا ولا أعز من نفسك وها أنت تنفق أنفاس النفس النفيسة على تحصيل الدنيا الخسيسة، متى يقنعك الكفاف، متى يردك العفاف، متى يقومك الثقاف، إنك لتأبى إلا الخلاف، مقاليدك ثقال وركعاتك خفاف، يا قبيح الخصال يا سيء الأوصاف، يا مشترياً بسني الخصب السنين العجاف، قف متدبراً لحالك فالمؤمن وقاف، وتذكر وعيد العصاة ويحك أما تخاف.
(يا مُطْلِقَاً نفسه فيما يشتهي ويريد، اذكر عند خطواتك المبدئ المعيد، أما تعلم أنه بالمرصاد أما آن لك أن تحيد، أما تذكرت قوله (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ).
(مَنْ للعاصي إذا دُعِيَ فحضر، ونشر كتابه ونظر، لم يُسْمَعْ عذره، وقد اعتذر وناقشه المولى فما غفر آه لراحلٍ لم يتزود للسفر، ولخاسرٍ إذا ربح المتقون افتقر، ولمحرومِ جنةِ الفردوس حَلَّ في سقر، ولفاجرٍ فضحه فجورِه فاشتهر، ولمتكبرٍ بالذلِ بين الكلِ قد ظهر، وإلى محمولٍ إلى جهنم فلا ملجأ له ولا وزر، آه مِنْ يومٍ تُكَوَّرُ فيه الشمسُ والقمر، يا كثيرَ الرياء قل إلى متى تُخْلِص، يا ناسيَ الأنكال متى على الخير تحرص، يا أسير الهوى أما علمت أن الهوى ظل والظل متقلص.
(يا بعيدا عن الصالحين، يا مطرودا عن المفلحين لقد نصب الشيطان الأشراك وجعل حب الفخ هواك، احذر فخه فهو بعيد الفكاك، كم يوم غابت شمسه وقلبك غائب، وكم ظلامٍ أسبل سِتْرَهُ وأنت في عجائب، كم ليلةٍ بالخطايا قطعتها، وكم من أعمالٍ قبيحة رفعتها، وكم من ذنوبٍ جمعتها، والصحف أودعتها، كم نظرة ما تحل ما خفت ولا منعتها، كم من موعظة تعيها وكأنك ما سمعتها، وكم من ذنوب تعيب غيرك بها أنت صنعتها، وكم أمَرَتْك النفس بما يؤذي فأطعتها، يا موافقا لنفسه آذيتها، وإن خالفتها نفعتها.
(يا دائم الخسران فما يربح، يا مقيما على المعاصي ما يبرح، متى رأيت من فعل فعلك أفلح، تقبل من العدو ولا تقبل ممن ينصح، قم على قدم الطلب فاقرع الباب بالأدب يُفْتَح.
(إخواني سلوا القبور عن سكانها، واستخبروا اللحود عن قطانها، تخبركم بخشونة المضاجع، وَتُعْلِمُكُم أن الحسرة قد ملأت واضع، فإن المسافر يود لو أنه راجع فليتعظ الغافل وليراجع.
(أخي الحبيب:
أما آن لك أن تتفكر في الموت وسكرته، وصعوبة كأسه ومرارته، فيا للموت من وعد ما أصدقه، ومن حاكم ما أعدله.
كفى بالموت مقرحاً للقلوب، ومبكياً للعيون، ومفرقاً للجماعات، وهاذماً للذات، وقاطعاً للأمنيات.
فيا جامع المال! والمجتهد في البنيان! ليس لك والله من مالك إلا الأكفان، بل هي والله للخراب والذهاب، وجسمك للتراب والمآب، فأين الذي جمعته من المال؟ هل أنقذك من الأهوال؟ كلا.. بل تركته إلى من لا يحمدك، وقدمت بأوزارك على من لا يعذرك.
ولقد أحسن من قال في تفسير قوله تعالى: وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77]، هو الكفن، فهو وعظ متصل بما تقدم من قوله: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ [القصص:77]، أي اطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة وهي الجنة، فإن حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة، لا في الطين والماء، والتجبر والبغي، فكأنهم قالوا: لا تنس أن تترك جميع مالك إلا نصيبك الذي هو الكفن.
(ولله درُ من قال:
هي القناعة لا تبغ بها بدلاً... فيها النعيم وفيها راحة البدن
انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها... راح منها هل بغير القطن والكفن؟!
(أخي الحبيب: أين استعدادك للموت وسكرته؟ أين استعدادك للقبر وضمته؟ أين استعدادك للمنكر والنكير؟ أين استعدادك للقاء العلي القدير؟ (قال سعيد بن جبير: الغرة بالله أن يتمادى الرجل بالمعصية، ويتمنى على الله المغفرة.
تزود من التقوى فإنك لا تدري... إذا جَنَّ ليل هل تعيش إلى الفجر فكم من صحيح مات من غير علة... وكم من سقيم عاش حينا من الدهر وكم من صبي يرتجى طول عمره... وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري
(أخي الحبيب:
حاسب نفسك في خلوتك، وتفكر في سرعة انقراض مدتك، واعمل بجد واجتهاد في زمان فراغك لوقت حاجتك وشدتك، وتدبر قبل الفعل ما يملى في صحيفتك، فأين الذي جمعته من الأموال؟ أأنقذك من البلى والأهوال؟ كلا بل تتركه إلى من لا يحمدك، وتقدم بأوزار على من لا يعذرك، وكن لتلك اللحظات على استعداد، وتزود بالتقوى ليوم المعاد، واعلم أنك تموت على ما حييت عليه، وأنك تبعث على ما مت عليه.
فكيف نستعد للموت؟!
مسألة: كيف نستعد للموت؟
فصل الخطاب في هذه المسألة أنه يُستعدُ للموت بالآتي:
(1) اجتناب المنهيات:
(2) أداء الفرائض والواجبات:
(3) كثرة ذكرالموت: (4) محاسبة النفس: (5) الإكثار من الطاعات والقربات: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (1) اجتناب المنهيات:
فاجتنب أخي الكريم ما نهاك الله عنه، وجاهد نفسك بالابتعاد عن الشهوات والشبهات واعلم أن الله جل وعلا يغار على محارمه.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:
والغيرة بفتح الغين وهي في حقنا الأنفة، وأما في حق الله تعالى فقد فسرها هنا في حديث عمر والناقد بقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه أي غيرته منعه وتحريمه.
وقد أوعد الله جل وعلا من تعدى حدوده وانتهك حرماته بالفتنة والعذاب.
فقال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]
﴿تنبيه﴾: (الإنسان بطبعه ضعيف الإرادة وقد تغلبه نفسه ويضعف أمام الشهوات والمغريات ويميل إلى المعصية إلا من اعتصم بالله تعالى وسأله بصدقٍ أن يعصمه فإن من صَدَقَ الله صَدَقَهُ الله تعالى وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث شداد بن أوس في صحيح النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن تصدق الله يصدقك.
(فإذا رأيت من نفسك شيئاً من هذا الضعف ورأيت منها ميلاً إلى المعصية فتذكر قبل ارتكاب المعصية أن الله يراك ومُطلع عليك فهو العليم الخبير وهو السميع البصير قال تعالى: يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [البقرة:77] ويسمع كلامك ويرى مكانك ويعلم سرك ونجواك، فهو سبحانه معك بعلمه واطلاعه فاحذر كل الحذر أن تجعل الله أهون الناظرين إليك.
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل... خلوت ولكن قل عليّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعةً... ولا أن ما تُخفي عليه يغيب
واحذر أيضاً أن تكون ممن يراقبون العباد وينسون رب العباد، يخشون الناس وينسون رب الناس قال تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ [النساء:108] يستعظمون نظر المخلوق على هوانه ويستخفون ينظر الخالق مع علو شأنه.
فيا من تعصي الله، أي أرض تقلك وأي سماء تظلك إلا أرض الله وسماؤه، وأي مكان يحميك من أن يراك الله ويطلع عليك وينظر إليك فهو تعالى يراك، فاجعل له في قلبك وقاراً، وإذا حدثتك نفسك بالمعصية أياً كانت هذه المعصية فقل لها: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى [العلق:14]
(أخي الحبيب: قبل أن تعصي الله تذكر من أنت؟! من أنت أيها المسكين حتى تعصي إله الأولين والآخرين ورب العالمين؟! من أنت أيها الضعيف الذي لا تملك لنفسك نفعاً ولا ضراً ولا حولاً ولا طولاً حتى تعصي القوي العزيز الذي خضع له كل شيء، وملأت كل شيء عظمته، وقهر كل شيء ملكه، وأحاطت بكل شيء قدرته، تذكر من أنت ومن هو العظيم الذي تعصيه وأنت فقير محتاج إليه؟! وبقدر ما يعظم قدر الله في قلبك يعظم مكانك عنده قال تعالى: وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ [الحج:30]
(أخي الحبيب: قبل أن تعصي الله تذكر نعمه الكثيرة عليك: يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ [الانفطار:6 - 8] خلقك الله من عدم، وشفاك من سقم، وأسبغ عليك وافر النعم، أطعمك من جوع وكساك من عُري، وأرواك من ظمأ قال تعالى: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34] فكيف يا عبد الله تبدل نعمة الله كفراً؟! وفضله وجوده عليك جحوداً ونكراً؟! كيف تقابل الإحسان بالنكران؟! والعطايا بالخطايا؟!، أم كيف تبدل الشكر الجزيل والعرفان بالجميل بالفعل الوبيل، كيف تعصي الله وأنت تتقلب في نعمه؟ وهل تعصيه إلا بنعمه فبأي وجه تلقى الله وقد أعطاك ومنحك وأكرمك ووهبك هذه النعم ثم تأتي وتعصيه بها؟! أما تخاف من عقابه؟ وتجزع من عذابه؟ وهو القادر على أن يسلبها منك كيفما شاء ومتى شاء، فكم من نعمة أسبغها الله على صاحبها فبدلها كفراً وأعقبها نكراً فكانت نهاية صاحبها خسراً، ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ:17]
(أخي الحبيب: يا من تعصي الله تذكر أنك تعصي الله في ملكه وفوق أرضه وتحت سمائه، فهل ترضى أنت أن تُعصى في بيتك وملكك وسلطانك؟! أما تخاف أن يطردك الله من رحمته ويحرمك من مغفرته بعد أن بارزته في مُلكه بمخالفته أوامره وارتكاب محارمه؟ أما تخاف أن يكون الرب المنتقم قد غضب عليك عندما تطاولت على حدوده وقدمت مرادك على مراده وقال: إذهب فبعزتي وجلالي لا أغفر لك أبداً.
تأكل وتشرب وتضحك وتفرح وتمرح والله من فوق سماواته وعرشه غاضب منك ساخط عليك؛ فويل لمن كان له الويل وهو لايشعر!!
(أخي الحبيب: تذكر أن الله شديد العقاب، وأنه عزيز ذو انتقام، ولا يُرد بأسه عن القوم المجرمين، وأنه يغار إذا انتهكت محارمه، وما أهلك الأمم السابقة إلا أنهم تعدوا حدود الله وانتهكوا حرماته وبارزوه بالمعاصي، وما من مصيبة تُلم بالعبد ولا عقوبة تقع عليه إلا بسبب بعض ذنوبه ومعاصيه ولو يؤاخذ الله العبد بكل سيئاته قال تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ مّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبّةٍ وَلَكِن يُؤَخّرُهُمْ إلَىَ أَجَلٍ مّسَمّىَ) [النحل:61] ولكنه سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرة.. وما أكثر أولئك الذين اعتمدوا على رحمة الله تعالى وعفوه وكرمه وجوده فضيعوا أوامره وارتكبوا نواهيه، ونسوا أنه أيضاً شديد العقاب، ومن اعتمد على العفو مع الإصرار على الذنب فهو كالمعاند، لأن حسن الظن بالله ورجاء العفو والمغفرة تنفع من تاب وندم وأقلع عن الذنب وبدل السيئة بالحسنة، أما من يرجو رحمة الله وهو لا يطيعه ولا يمتثل أمره فهذا من الخذلان والحمق، فمن زرع الشوك لا يجني عنباً.
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها... إن السفينة لا تجري على اليبس
وإن من أعظم الاغترار طلب دار المتقين المطيعين بالمعاصي، وانتظار الجزاء بغير عمل، ويستحيل في حق الله العادل أن يساوي بين البَر والفاجر وبين المُحسن والمسيء قال تعالى: أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية:21] وقال تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
(أخي الحبيب: تذكر يوم تشهد عليك الشهود وتفضحك فيه الجوارح والجلود! فأين يكون مهربك وإلى أين يكون الملجأ؟ والشهود منك والشهادة عليك، فتأمل يا مسكين!! تعصي الله بها ومن أجلها وتذود عنها، ثم تأتي يوم القيامة تشهد عليك! وتذكر أيضاً المكان الذي عصيت الله فيه يأتي يوم القيامة شاهداً عليك، وتذكر أن الزمان شاهدٌ عليك! وتذكر أن الله أرصد لك وبك ملائكة كراماً يرونك من حيث لا تراهم ويعملون ما تقول وما تفعل، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:12] ويوم القيامة يشهدون عليك، فأين المهرب من كل هؤلاء الشهود؟!
(أخي الحبيب: تذكر الإحصاء والكتابة عندما يذوب قلبك كمداً وحزناً وينحرق أسفاً ولوعة عندما تُنشر صُحفك المطوية بأعمالك المخزية، أنت نسيتها ولكن الديان لا ينسى قال تعالى: أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة:6]
لم ينسه الملكان حين نسيته... بل سجلاه وأنت لاه تلعب
سترى هذه الأعمال حين تأتي ساعة الندم، حينما تذهب اللذات وتبقى الحسرات! حينما تذهب الشهوات وتبقى التبعات!
فتذكر كتاباً يبسط ويُنشر بين يديك وكل ما فيه لك أو عليك وتذكر أن كل لفظ تقوله وكل فعل تفعله وكل حركة تُصدرها مسجلة عليك وستراها يوم القيامة أمام ناظريك، فاعمل وقل ما يسرك أن تراه يوم أن تلقى الله يوم القيامة.
(أخي الحبيب: تذكر الاستدراج من الله وأنه سبحانه يمهل ولا يهمل، فاحذر أن تكون من أولئك الذين أمدهم الله بالصحة والنعم وهم مقيمون على المعاصي والزلل ويحسبون أن لهم كرامة ومنزلة عنده وهم سقطوا من عينه وهانوا عليه، قال تعالى: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ [المؤمنون:56،55] فلا يغررك من الله طول حلمه عليك وستره إياك، فربما كان إمهاله لك مكراً بك واستدراجاً لك حتى تزداد بالإمهال إثماً فيزداد عذابك، واحذر أن يكون الله قد مكر بك في إحسانه لك فتناسيت، وأمهلك في غيّك فتماديت، وسقطت من عينه فما دريت ولا باليت.
تذكر الموت وسكرته، والقبر وظلمته، والميزان ودقته، والصراط وزلته، والحشر وأهواله، تذكر يوم القيامة يوم الحسرة والندامة الذي تكون دعوى الأنبياء وهو الأنبياء في ذلك اليوم (نفسي نفسي لا أسألك إلا نفسي، اللهم سلم سلم)، فأي حال يكون حالك أنت؟ وأي مقال يكون مقالك في تلك اللحظات الرهيبة التي تأتي فيها وتحمل وزرك الذي بارزت الله به ليلاً ونهاراً، سراً وجهراً، إنه موقف الذل والخزي، فبأي وجه تلقى الله وأنت قد خالفت أوامره وانتهكت حدوده، فهل أعددت الحجة وجهزت الجواب للسؤال.
أخي الحبيب: يا من تعصي الله، إن الله خلقك لغاية عظيمة ومهمة جسيمة، ولم يخلقك عبثاً، ولن يتركك سدى، قال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115] وقال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] وقد منحك الله الوقت، وأمهلك حتى تتزود فيه من الطاعات، فإذا بك ويا للأسف تنقلب على وجهك وتنكص على عقبيك فتبارزه بالذنوب والمعاصي وكلما طالت أيامك زادت آثامك وعظمت ذنوبك والديان لا ينسى، فاحذر أخي من أن تستمر في غيّك ولهوك وإعراضك إلى أن ينقضي زمن المهلة ويأتي زمن النقلة ولا تصحو إلا على صائح الموت يحدو، وهناك في موضع الندم ومكان الحسرة والألم عندما يهجم عليك الموت فينكشف عنك الغطاء وتقبل على الآخرة بما فيها من الأهوال العظيمة وتسكب العبرات ترجو الرجوع ولا رجوع، قال تعالى حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ [المؤمنون:99] فيا قبح الحال ويا بئس المآل.
(أخي الحبيب: تذكر أنك عندما عصيت الله كأنك قد انهزمت في المعركة وخسرت الجولة مع أعدى أعاديك، ذلك العدو الذي لا يألوا جهداً في أن يرديك في الهاوية، قال تعالى: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص:83،82]، فهل تريد أنت أن تكون من عباد الرحمن المخلصين فتنعم ببرد الطاعة ورضا الرب وتقاد إلى دار الجنان والسعادة والأمان؟ أم ترغب في أن تكون من أتباع الشيطان فتعيش في ظلمة المعصية وتُساق إلى دار العذاب والهوان والنيران؟
(أخي الحبيب: إن طريق الجنة محفوف بالمكاره، وهو عقبة كؤود ومرتقى صعب لا يتجاوزه إلا كل مخف من الذنوب والسيئات، فهل تريد الجنة وما فيها من النعيم وأنت على المعاصي مقيم؟ وهل تريد سعادة الدنيا والآخرة وأنت متنقل من معصية إلى معصية؟
تصل الذنوب إلى الذنوب وترجي... درج الجنان بها وفوز العابد
ونسيت أن الله أخرج آدم... منها إلى الدنيا بذنب واحد
(أخي الحبيب: قد آن لك الآن أن تقلع وتتوب من كل الذنوب وترجع إلى علاّم الغيوب وأن تلتزم بالطاعة التي يُعزك الله بها والتي فيها سعادتك في الدنيا والآخرة أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد:16]
(أقسام المنهيات: (واعلم حفظك الله، أن جملة ما نهى الله جل وعلا عنه يتلخص في ثلاثة أمور:
أولاً: الشرك.
ثانياً: الظلم.
ثالثاً: الفواحش.
قال تعالى في وصف المؤمنين: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ [الفرقان:68]
فعامة مع نهى الله جل وعلا ينضوي تحت هذه الثلاثة.
فمن وفق لاجتنابها فقد استعد للموت حق الاستعداد، وكان اجتنابه نجاة له يوم المعاد.
وهاك تفصيل ذلك:
أولاً: الشرك.
فقد حرم الله جل وعلا عنه الشرك وجعله موجباً للخلود في النار فقال: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء:48] ولذا يجب على كل مسلم أن يحذر من الشرك للأسباب الآتية:
- لأن الشركَ هو الذنبُ الذي لا يُغْفرُ إذا لم يتبْ الإنسانُ منه، قال الله تعالى: (إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَىَ إِثْماً عَظِيماً) [سورة: النساء (النساء / 48)
ويترتبُ على ذلك: الحرمانُ من الجنةِ والخلودُ في النارِ وإحباطُ العمل.
قال الله تعالى) إِنّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنّةَ وَمَأْوَاهُ النّارُ وَمَا لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) (المائدة / 72) وقال تعالى (وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الزمر / 65) لأن سيدنا إبراهيم عليه السلام كان يخافُ من الشرك: - فقد دعا الله سبحانه أن يُجنبه وبنيه عبادة الأصنام، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هََذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيّ أَن نّعْبُدَ الأصْنَامَ) (إبراهيم / 35) الشاهد: إذا كان إبراهيمُ عليه السلام الذي هو خليلُ الرحمن وإمامُ الحنفاء، والذي جعله الله أمة والذي ابتلاه بكلماتٍ فأتمهن، وأمره بذبحِ ابنه وفلذةِ كبده طاعةً لله وامتثالاً لأمره، والذي كسَّرَ الأصنام واشتد نكيرُه على أهلِ الشرك، يخافُ من الشرك، فمن بابِ أولى أن نخافَ على أنفسنا من الشرك.
- أن الشركَ في أمتنا أخفى من دبيبِ النمل على الصفا ِ:
(حديثُ ابن عباس في صحيحِ الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الشركُ في أمتي أخفى من دبيبِ النملِ على الصفا.
(4) الخوف من الشرك الأصغر الذي يحبط العمل والعياذ بالله:
(حديث أبي سعيد في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ ". قالوا: بلي.
قال: " الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته، لما يري من نظر رجل.
(حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر الرياء يقول الله يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء.
ثانياً: الظلم.
يجب على كل مسلم أن يجتنب ظلم العباد فإنه بئس الزاد ليوم الميعاد، فالظلم ظلماتٌ يوم القيامة، ودعوة المظلوم مستجابة ليس بينها وبين الله حجاب.
قال تعالى: (مَا لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ) [غافر: 18]
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره:
وقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ أي: ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم، ولا شفيع يشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير.
و قال تعالى: (وَمَا لِلظّالِمِينَ مِن نّصِيرٍ) [سورة: الحج - الآية: 71]
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره:
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ أي: من ناصر ينصرهم من الله، فيما يحل بهم من العذاب والنكال.
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث ا بن عباس في الصحيحين) قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمعاذٍ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتُردُ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائمَ أموالهم، واتقِ دعوةَ المظلومِ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[واتقِ دعوةَ المظلومِ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب]
(حديث خزيمة بن ثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اتقوا دعوة المظلوم فإنها تُحْمَلُ على الغمام يقول الله: و عزتي و جلالي لأنصرنك و لو بعد حين.
(اتقوا دعوة المظلوم) أي اجتنبوا دعوة من تظلمونه وذلك مستلزم لتجنب جميع أنواع الظلم على أبلغ وجه وأوجز إشارة وأفصح عبارة لأنه إذا اتقى دعاء المظلوم فهو أبلغ من قوله لا تظلم وهذا نوع شريف من أنواع البديع يسمى تعليقاً ثم بين وجه النهي بقوله.
(فإنها تُحمل على الغمام) أي يأمر الله برفعها حتى تجاوز الغمام أي السحاب الأبيض حتى تصل إلى حضرته تقدس
(يقول الله وعزتي وجلالي لأنصرنك) بلام القسم ونون التوكيد الثقيلة وفتح الكاف أي لأستخلصن لك الحق ممن ظلمك
(ولو بعد حين) أي أمد طويل بل دل به سبحانه على أنه يمهل الظالم ولا يهمله
(حديث ابن عمر في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة.
(اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة) كناية عن سرعة الوصول لأنه مضطر في دعائه وقد قال سبحانه وتعالى ﴿أمّن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ وكلما قوي الظلم قوي تأثيره في النفس فاشتدت ضراعة المظلوم فقويت استجابته والشرر ما تطاير من النار في الهواء شبه سرعة صعودها بسرعة طيران الشرر من النار.
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دعوة المظلوم مستجابة و إن كان فاجرا ففجوره على نفسه.
(دعوة المظلوم مستجابة) أي يستجيبها اللّه تعالى يعني فاجتنبوا جميع أنواع الظلم لئلا يدعو عليكم المظلوم فيجاب
(وإن كان فاجراً ففجوره على نفسه) ولا يقدح ذلك في استجابة دعائه لأنه مضطر ونشأ من اضطراره صحة التجائه إلى ربه وقطعه قلبه عما سواه وللإخلاص عند اللّه موقع وقد ضمن إجابة المضطر بقوله تعالى: (أَمّن يُجِيبُ الْمُضْطَرّ إِذَا دَعَاهُ) [النمل: 62].
(حديث أنس في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا: البغي و العقوق.
(بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا) أي قبل موت فاعليها
(البغي) أي مجاوزة الحد والظلم
(حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الظلم ظلماتٌ يوم القيامة.
(حديث أبي ذرٍ في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل و النهار و أنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني و لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله و من وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: [قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا]
(قال اللّه تعالى يا عبادي إني حرّمت) أي منعت
(الظلم على نفسي) أي تقدست وتعاليت عنه لأنه مجاوزة والتصرف في ملك الغير وكلاهما في حقي كالمحرم فهو استعارة مصرحة تبعية شبه تنزهه عنه بتحرز المكلف عما نهى عنه
(وجعلته محرماً بينكم) أي حكمت بتحريمه عليكم
(فلا تظالموا) أي لا تتظالموا أي لا يظلم بعضكم بعضاً
(حديث جابر في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة و اتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم و حملهم على أن سفكوا دماءهم و استحلوا محارمهم.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: [اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة]
(اتقوا الظلم) بأخذ مال الغير بغير حق أو التناول من عرضه ونحو ذلك قال بعضهم: ليس شيء أقرب إلى تغيير النعم من الإقامة على الظلم
(فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) فلا يهتدي الظالم يوم القيامة بسبب ظلمه في الدنيا فربما أوقع قدمه في وهدة فهو في حفرة من حفر النار وإنما ينشأ الظلم من ظلمة القلب لأنه لو استنار بنور الهدى تجنب سبل الردى فإذا سعى المتقون بنورهم الحاصل بسبب التقوى احتوشت ظلمات ظلم الظالم فغمرته فأعمته حتى لا يغني عنه ظلمه شيئاً.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع.
فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ و صيام و زكاة و يأتي وقد شتم هذا و قذف هذا و أكل مال هذا و سفك دم هذا و ضرب هذا فيُعطِى هذا من حسناته و هذا من حسناته فإن فنيت حسناتُه قبل أن يُقضَى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار.
(حديث ابن عمر في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أخذ من الأرض شيئا بغير حقه خُسِفَ به يوم القيامة إلى سبع أرضين.
(من أخذ من الأرض شيئاً بغير حقه خسف به) أي هوى به إلى أسفلها، أي بالأخذ غصباً لتلك الأرض المغصوبة
(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله تعالى لَيملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
(إن اللّه تعالى لَيملي) بفتح اللام الأولى أي ليمهل والإملاء الإمهال والتأخير وإطالة العمر (للظالم) زيادة في استدراجه ليطول عمره ويكثر ظلمه فيزداد عقابه ﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً﴾ فإمهاله عين عقابه
(حتى إذا أخذه) أي أنزل به نقمته
(لم يُفلته) أي لم يفلت منه.
(والعقوق) للوالدين وإن عليا أو أحدهما أي إيذاؤهما ومخالفتهما فيما لا يخالف الشرع.
﴿تنبيه﴾: (وينبغي على المسلم إن زلت قدمه ووقع في ظلم أن يرد المظالم إلى أهلها وأن يتحلل منه اليوم قبل ألا يكون دينارٌ ولا درهم.
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه
﴿تنبيه﴾: (ويجب عليه أيضاً إن وجد أخاً له وقع في الظلم فإن يجب عليه أن يحجزه ويمنعه من الظلم.
(حديث أنس في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقال رجل يا رسول الله: أنصره إن كان مظلوماً أرأيت إن كان ظالما كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه عن الظلم فإن ذلك نصره.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[تحجزه أو تمنعه عن الظلم فإن ذلك نصره]
(تحجزه عن الظلم) أي تمنعه منه وتحول بينه وبينه
(فإن ذلك نصرة) له أي منعك إياه من الظلم نصرك إياه على شيطانه الذي يغويه وعلى نفسه الأمارة بالسوء.
(حديث أبي بكر الصديق في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه.
(حديث أبي سفيان في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله لا يقدس أمة لا يأخذ الضعيف حقه من القوي و هو غير متعتع.
ثالثاً: الفواحش.
وحرّم الله الفواحش فقال: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ [النجم:32].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره:
فسر المحسنين بأنهم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، أي: لا يتعاطون المحرمات والكبائر، وإن وقع منهم بعض الصغائر فإنه يغفر لهم ويستر عليهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ [النساء: 31].
وقال هاهنا: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾.
وهذا استثناء منقطع؛ لأن اللمم من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال.
أهـ
أخي الكريم.. أختي الكريمة.. اعلموا أن اللذة المحرمة ممزوجةٌ بالقبح حال تناولها، مثمرةٌ للألم بعد انقضائها.. وأن للحسنة ضياء في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق..
إذا علم هذا، فليعلم أن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب والقبر، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق، فاحذر أيها العاصي.. أن تلعنك قلوب المؤمنين..
ولله درًّ من قال:
يا من غدا في الغيِّ والتيه... وغرَّه طولُ تماديهِ
أملى لك الله فبارزته... ولم تخف غبَّ معاصيهِ
فهذه الثلاثة هي أصول المنهيات كلها، فمن حقق اجتنابها فقد اجتنب عامة ما نهى الله عنه.
من الغيبة والنميمة والكذب وعقوق الوالدين وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والغش والخداع والمكر والغدر والخيانة وأكل أموال الناس بالباطل وغير ذلك مما يعد إنتهاكاً لحرمات الله وحدوده.
(2) أداء الفرائض والواجبات:
ولا تتجلى حقيقة إسلام العبد إلا بأداء ما افترضه الله عليه، ومن ذلك الصلاة والزكاة والصيام والحج لمن استطاع إليه سبيلاً، فهذه هي ثوابت الإسلام وأركانه.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان)
فمن حافظ على هذه الفرائض وأداها على الوجه الذي يليق كما بين رسول الله فقد جمع خصال الخير والفضل، وكان له ذلك أكبر عون على سكرات الموت ووحشة القبر وأثابه الله على ذلك أجراً عظيماً.
وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث عمرو بن مرة الجهني رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) قال: جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال يا رسول الله أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الصلوات الخمس وأديت الزكاة وصمت رمضان وقمته فممن أنا؟ قال: من الصديقين والشهداء.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن أعرابيا أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: دلني على عمل، إذا عملته دخلت الجنة.
قال: (تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان).
قال: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا.
فلما ولي، قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذ ا.
(3) كثرة ذكرالموت:
أخي الكريم: ومما يعلي الهمة، ويدفع النفس إلى الاستعداد للموت، ودوام ذكره ومذاكرته، وتوقع حصوله في كل لحظة وحين:
قال سفيان: من أكثر من ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة، ومن غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار.
وقال حاتم الأصم: (من مرّ بالمقابر فلم يتفكر لنفسه ولم يدع لهم فقد خان نفسه وخانهم).
ولذلك فقد رغب رسول الله في زيارة القبور لما لها من أثر بليغ على النفوس.
فعن علي عن لنبي قال: ﴿كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة﴾.
وروي عن داود الطائي أنه مرّ على إمرأة تبكي على قبر وهي تقول:
عدمت الحياة ولا نلتها... إذا كنت في القبر قد لحدوكا
فكيف أذوق طعم الكرى... وأنت بيمناك قد وسدوكا
ثم قالت: يا ابناه ليت شعري بأي خديك بدأ الدود؟ فصعق داود مكانه وخرّ مغشياً عليه.
أمرنا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالاكثار من ذكر الموت كما في الأحاديث الآتية:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أكثروا ذكر هاذم اللذات يعني الموت.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
قَوْلُهُ: (أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: أَيْ قَاطِعَهَا.، قَالَ مَيْرَكُ صَحَّحَ الطِّيبِيُّ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ حَيْثُ قَالَ شَبَّهَ اللَّذَّاتِ الْفَانِيَةَ وَالشَّهَوَاتِ الْعَاجِلَةَ ثُمَّ زَوَالَهَا بِبِنَاءٍ مُرْتَفِعٍ يَنْهَدِمُ بِصَدَمَاتٍ هَائِلَةٍ, ثُمَّ أَمَرَ الْمُنْهَمِكَ فِيهَا بِذِكْرِ الْهَادِمِ لِئَلَّا يَسْتَمِرَّ عَلَى الرُّكُونِ إِلَيْهَا, يَشْتَغِلَ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْفِرَارِ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ انْتَهَى كَلَامُهُ، لَكِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ: الْهَاذِمُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ الْقَاطِعُ كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا.
أهـ
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه و لا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(أكثروا ذكر هاذم) بذال معجمة قاطع وبمهملة مزيل وليس مراداً هنا كذا في روض السهيلي قال ابن حجر وفي ذا النفي نظر
(اللذات) الموت
(فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه) قال العسكري لو فكر البلغاء في قول المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ذلك لعلموا أنه أتى بهذا القليل على كل ما قيل في ذكر الموت ووصف به نظماً ونثراً ولهذا كان عيسى عليه السلام إذا ذكر عنده الموت يقطر جلده دماً قيل ولا يدخل ذكر الموت بيتاً إلا رضي أهله بما قسم لهم وقال أبو نواس.
ألا يا ابن الذين فنوا وماتوا أما واللّه ما ماتوا لتبقى وقال أبو حمزة الخراساني: من أكثر ذكر الموت حبب إليه كل باق وبغض إليه كل فان.
وقال القرطبي: ذكر الموت يورث استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية والتوجه في كل لحظة إلى الآخرة الباقية ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالين ضيق وسعة ونعمة ومحنة فإن كان في حال ضيق ومحنة فذكر الموت يسهل عليه ما هو فيه من الاغترار بها والركون إليها.
وقال الغزالي: الموت خطر هائل وخطب عظيم وغفلة الناس عنه لقلة فكرهم فيه وذكرهم له ومن يذكره ليس يذكره بقلب فارغ بل مشغول بالشهوات فلا ينجع ذكره فيه فالطريق أن يفرغ قلبه عن كل شيء إلا ذكر الموت الذي هو بين يديه كمن يريد السفر فإذا باشر ذكر الموت قلبه أثر فيه فيقل حركته وفرحه بالدنيا وينكسر قلبه وأنفع طريق فيه أن يذكر أشكاله فيتذكر موتهم ومصرعهم تحت التراب ويتذكر صورهم في أحوالهم ومناصبهم التي كانوا عليها في الدنيا ويتأمل كيف محى التراب حسن صورهم وتبددت أجزاؤهم في قبورهم ويتموا أولادهم وضيعوا أموالهم وخلت مجالسهم وانقطعت آثارهم.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح ابن ماجة) قال: أتيت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت عليك السلام، فقال لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الميت، قلت يا رسول الله أي المؤمنين أفضل قال أحسنهم خلقا قال فأي المؤمنين أكيس قال أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم لما بعده استعدادا أولئك الأكياس.
فإذا تفكر الإنسان أنه سينتقل من قصره إلى قبره، ومن التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ في التراب، ومن أنس العشرة إلى وحشة الوحدة، ومن الفراش الوثير إلى المصرع الوبيل، وأن الدود سيكون أنيسه، ومنكر ونكير جليسه.
إذا تفكر في سكرات الموت وأنها أشد من ضرب بالسيوف ونشر بالمناشير وقرض بالمقاريض.
فأكثر أخي الكريم، من ذكر هادم اللذات، واعلم أنه آت لا محالة، واستعد للحساب وامتحان القبر.
(4) محاسبة النفس:
(تعريف المحاسبة:
(المحاسبة في اللغة: مصدر من حاسب يحاسب مأخوذ من حسب حسبتُ الشيء أحسبه حسباناً وحساباً إذا عددته والحساب والمحاسبة عدُّك الشيء.
فالحاصل أن العدّ هو معنى المحاسبة في اللغة، فكأنك إذا جئت تطبقه بالمعنى الاصطلاحي عدّ السيئات.. عدّ العيوب.. وهكذا..
عرّف الماوردي المحاسبة فقال: أن يتصفح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره فإن كان محموداً أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذموماً استدركه إن أمكن وإن لم يمكن فيتبعها بالحسنات لتكفيرها وينتهي عن مثلها في المستقبل.
(وعرّف بعضهم المحاسبة بأنها: قيام العقل على حراسة النفوس من الخيانة ليتفقد زيادتها ونقصانها، وأنه يسأل عن كل فعل يفعله لمَ فعلته، فإن كان لله مضى فيه و إن كان لغير الله امتنع عنه وأنه يلوم نفسه على التقصير والخطأ وإذا أمكن المعاقبة أو صرفها إلى الحسنات الماحية.
(أنواع محاسبة النفس:
محاسبة النفس نوعان كما يقول ابن القيم رحمه الله: نوع قبل العمل ونوع بعد العمل.. (النوع الأول: محاسبة النفس قبل العمل:
أن يراعي الهمّ والخواطر والإرادات والعزائم التي في نفسه، فالنفس لها إرادة وعزيمة وهم، تهم بالشيء، فمن أصدق الأسماء الحارث وهمّام، لأن النفس تهمّ وتحرث، فلها همّ وعمل، فإذاً يبدأ بالمحاسبة على ما همّ به وما أراده وما خطر بباله، فالمحاسبة تبدأ من مرحلة الخواطر والإرادات والعزائم، وهذه محاسبة قبل العمل، فيفكّر في إرادة العمل هذا هل هي في مصلحته؟ فإن كان نعم أقدم عليه، وإن كان ليس في مصلحته تركه..
(ولذلك يقول الحسن رحمه الله: رحم الله عبداً وقف عند همّه يحاسب فإن كان لله مضى وإن كان لغيره تأخر ولم يعمل.
هذا النوع من المحاسبة مهم جداً في إيقاع الأعمال على الإخلاص، بدون المحاسبة هذه تقع الأعمال بغير الإخلاص فيهلك الإنسان وهو يعمل (عَامِلَةٌ نّاصِبَةٌ تَصْلَىَ نَاراً حَامِيَةً) [الغاشية 3،4]، فما استفاد من العمل شيء مع أن ظاهره أعمال صالحة لكن لأنها ليست لله.
وكذلك ينظر ثانياً إذا تحركت نفسه لعمل من الأعمال وقف، هل هذا العمل مقدور عليه أو غير مقدور، فإن كان غير مقدور تركه حتى لا يضيع الوقت، وإن كان مقدوراً عليه وقف وقفة أخرى ونظر هل فعله خير من تركه أو تركه خير من فعله، فإن كان فعله خير من تركه عمله وإن كان تركه خيراً من فعله..،وإذا كان فعله فيه مصلحة.. هل سيفعله الآن والباعث عليه الله وإرادة وجهه أو الباعث عليه أمر آخر (جاه المخلوق وثنائهم ومالهم).
وهذه المحاسبة مهمة جداً في وقاية النفس من الشرك الخفي، الأول يقيها من الشرك الأكبر والأصغر ويقيها أيضاً من الشرك الخفي، ولئلا تعتاد النفس الشرك وتقع في مهاوي الرياء،
(لذلك فإن هناك أربع مقامات يحتاج إليها العبد في محاسبة نفسه قبل العمل:
(1) هل هو مقدور له.
(2) هل فعله خير من تركه.
(3) هل هو يفعله لله.
(4) ما هو العون له عليه.
والاستعانة طبعاً بالله ((إياك نعبد وإياك نستعين)).
(النوع الثاني: محاسبة النفس بعد العمل:
وهو على ثلاثة أنواع:
أولاً: محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله، مثل تفويت خشوع في الصلاة وخرق الصيام ببعض المعاصي أو فسوق وجدال في الحج، كيف أوقع العبادة؟ هل على الوجه الذي ينبغي؟ هل وافق السنة؟ هل نقص منها؟ وحق الله في الطاعة ستة أمور كما يلي:
(1) الإخلاص في العمل.
(2) النصيحة لله فيه.
(3) متابعة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(4) أن يحسن فيه ويتقن فيه.
(5) أن يشهد منّة الله عليه فيه أنه جاء توفيق من الله وتيسير للعمل الصالح وإعانة منه.
(6) أن يشهد تقصيره بعد العمل الصالح، وأنك مهما عملت لله فأنت مقصر.
ثانياً: محاسبة على عمل كان تركه خير من فعله، وهذا يمكن أن يكون للمعاصي، أو اشتغال بمفضول ففاته الفاضل، مثل أن يشتغل بقيام الليل فتفوته صلاة الفجر، أو يشتغل بأذكار وغيرها أفضل منها، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأم المؤمنين: [لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وُزِنَت بما قلتِ لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته].
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح أبي داوود) قال: خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من عند جويرية وكان اسمها برة فحول اسمها فخرج وهي في مصلاها ورجع وهي في مصلاها فقال لم تزالي في مصلاك هذا قالت نعم قال قد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت لوزنتهن سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.
ثالثاً: محاسبة على أمر معتاد مباح لمَ فعله؟ هل أراد به الله أم الدار الآخرة؟ أم فاته الربح وعمله عادة؟، فتحاسب نفسك على الأمور المباحة والعادات، هل كان لك فيها نية صالحة أو ذهبت عليك؟
فالمحاسبة تولد عنده أرباح مهمة يحتاجها يوم الحساب، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر: [أن الذي ينفق نفقة على أهله يحتسبها تكون له صدقة] كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي مسعود الأنصاري الثابت الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (إذا أنفق الرجلُ على أهله يحتسبها فهو له صدقة)
، وأراد لفت النظر إلى أن ما ينفقه الناس على أهلهم بالعادة إذا كان فيه نية حسنة فليس خارجاً عن الصدقة بل داخل فيها وأجرها، حتى يتشجع الناس للإنفاق على أهليهم ولا يبخلوا على أولادهم، بل يحتسبون الأجر بدون إسراف ولا تقتير.
قال الحسن: " المؤمن قوَّام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر على غير محاسبة ".
إن المؤمن يفاجئه الشيء ويعجبه فيقول: والله إني لأشتهيك، وإنك لمن حاجتي، ولكن والله ما من حيلة إليك، هيهات حيل بيني وبينك ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردت إلى هذا؟! ما لي ولهذا؟ ّ والله لا أعود إلى هذا أبداً.
إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن وحال بين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه، وفي بصره، وفي لسانه، وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله.
قال مالك بن دينار: " رحم الله عبداً قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قائداً ".
فحق على الحازم المؤمن بالله وباليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه، والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها، وخطراتها، فكل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة، يمكن أن يشترى بها كنزاً من الكنوز لا يتناهي نعيمه أبد الآباد، فإضاعة هذه الأنفاس، أو اشتراء صاحبها بها مما يجلب هلاكه خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس وأحمقهم وأقلهم عقلاً، وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (آل عمران: من الآية 30).
(
كيفية محاسبة النفس؟
قال ابن القيم رحمه الله – مختصر كلامه-:
أن يبدأ بالفرائض فإذا رأى فيها نقص تداركه ثم المناهي "المحرمات" فإذا عرف أنه ارتكب منها شيئاً تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية ثم يحاسب نفسه على الغفلة عما خُلِق له، فإن رأى أنه غفل عما خُلِق له فليتدارك ذلك بالذكر والإقبال على الله ويحاسب نفسه على كلمات الجوارح من كلام اللسان ومشي الرجلين وبطش اليدين ونظر العينين وسماع الأذنين ماذا أردتُ بهذا ولمن فعلته وعلى أي وجه فعلته؟
(فيبدأ بالفرائض، ويجب أن نعرف أن جنس الواجبات في الشريعة أعلى من ترك المحرمات، كلاهما لابد منه، لكن للفائدة فجنس فعل الواجب أعلى في الشريعة وأكثر أجراً من جنس ترك المحرم، لأن الواجبات هي المقصود الأصلي وهذه المحرمات ممنوعة، ولكن ما هو الأصل؟ أن تقوم بالواجبات، فأول ما يبدأ بالفرائض فإن رأى منها نقصاً تداركه (الوضوء-الصلاة-الصيام بدون نية- كفارة اليمين)..، فاستدراك الخطأ في الواجبات نتيجة للمحاسبة، وهناك تقصير يمكن استدراكه وهناك آخر لا.
(ثم المحرمات والمناهي..، فهناك أمور تحتاج التوقف الفوري (كسب حرام – عمل حرام)، وأشياء تدارُكها (التخلص من الأموال الحرام بعد التوبة-أكل حقوق العباد فيعيد المال إلى أصحابه)، وبعضها يحتاج إلى التحلل منها وطلب السماح، وهناك أشياء لا يمكن تداركها إلا بالتوبة والندم وعقد العزم على عدم العودة والإكثار من الحسنات الماحية لأن الله تعالى قال: (وَأَقِمِ الصّلاَةَ طَرَفَيِ النّهَارِ وَزُلَفاً مّنَ الْلّيْلِ إِنّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّيّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَىَ لِلذّاكِرِينَ) [هود: 114]
ثم يحاسب نفسه على الغفلة عما خُلِق له (الانغماس في الملاهي والألعاب مع أنها ليست حرام)، فيتدارك ذلك بأن يأتي بفترات طويلة تفوقها في الذكر والعبادة والأعمال الصالحة لتعويض الغفلة التي حدثت..
وهناك طريقة أخرى للمحاسبة وهي محاسبة الأعضاء، ماذا فعلت برجلي؟ بيدي؟ بسمعي؟ ببصري؟ بلساني؟، المحاسبة على الأعضاء تعطي نتيجة فيكون الاستدراك بإشغال الأعضاء في طاعة الله، ثم المحاسبة على النوايا (ماذا أردت بعملي هذ ا؟ وما نيتي فيه؟.
والقلب من الأعضاء ولابد له من محاسبة خاصة لصعوبة المحاسبة في النوايا لأنها كثيراً ما تتقلب فسمّي القلب قلباً من تقلّبه..
وينبغي للعبد كما أن له في أول نهاره توصية لنفسه بالحق أن يكون له في آخر نهاره ساعة يطالب نفسه فيها ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء.
(فينبغي للعبد أن يحاسب نفسه مثل محاسبة الشريك الشحيح لشريكه، وهي صفة مهمة للمحاسبة؛ أن الإنسان يدقق مع نفسه ويفتّش الأمور تفتيشاً بالغاً، فقد يتناسى أشياء وهي خطيرة، ومع النفس لا تصلح المسامحة [رحم الله امرءاً سمحاً إذا باع سمحاً إذا اشترى سمحاً إذا قضى سمحاً إذا اقتضى]، نعم يفوّت للناس ولكن مع نفسه لا يفوّت.. ! فينبغي أن يكون هناك تدقيق زائد للنفس إذا أراد صلاحها.
(ومعاقبة النفس على التقصير مهمة بإلزامها بالفرائض والواجبات والمستحبات بدلاً من المحرمات التي ارتكبتها، والعجب أن الإنسان يمكن أن يعاقب عبده وأمته وأهله وخادمته وسائقه والموظف عنده على سوء الخلق والتقصير ولكن لا يعاقب نفسه على ما صدر عن نفسه من سوء العمل.
مسألة: ما هي العقوبات، في قولنا يعاقب نفسه على التقصير؟
الجواب: اسم العقوبات فيها تسامح وتجوّز، العقوبات المقصود منها أنك تلزم نفسك بطاعات، ولنضرب لذلك أمثلة من السلف كيف كانوا يعاقبون أنفسهم:
(عاقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه نفسه حين فاتته صلاة العصر في جماعة بأن تصدّق بأرض قيمتها مائتي ألف درهم!!
(ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا فاتته صلاة في جماعة أحيا تلك الليلة كلها، وأخّر ليلة صلاة المغرب حتى طلع كوكبان فاعتق رقبتين مع أن وقت الصلاة لم يخرج.. !!
(ابن أبي ربيعة فاتته ركعتا سنة الفجر فأعتق رقبة!!