فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 618-32

كتاب الرقائق

صفحات 618-32
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

• قال ابن العطار في ترجمته: «وذكر لي الشيخ أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درسا على المشايخ شرحا وتصحيحا: درسين في الوسيط، ودرسا في المهذب، ودرسا في الجمع بين الصحيحين، ودرسا في صحيح مسلم، ودرسا في اللمع لابن جنى، ودرسا في اصطلاح المنطق لابن السكيت، ودرسا في التصريف، ودرسا في أصول الفقه تارة في اللمع لأبي إسحاق وتارة في المنتخب لفخر الدين، ودرسا في أسماء الرجال، ودرسا في أصول الدين، وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل ووضوح عبارة وضبط لغة، وبارك الله لي في وقتي».
• شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

يعد الإمام ابن تيمية من أكثر العلماء تأليفا للكتب, وتمتاز كتبه بأنها في الغالب من إنشائه وليست قائمة على النقل فقط كما هو حال كثير من المكثرين.
• قال الذهبي رحمه الله: «وما يبعد أن تصنيفه إلى الآن تبلغ خمس مائة مجلد»، • وقال ابن عبد الهادي: «ولا أعلم أحدا من المتقدمين ولا من المتأخرين جمع مثل ما جمع، ولا صنف نحو ما صنف، ولا قريبا من ذلك، مع أن تصانيفه كان يكتبها من حفظه، وكتب كثيرا منها في الحبس وليس عنده ما يحتاج إليه، ويراجعه من الكتب».
ويلفت العلامة ابن القيم نظرنا إلى سبب كان له أهمية بالغة في المباركة في وقت شيخ الإسلام ابن تيمية: • قال ابن القيم في الوابل الصيب: «الحادية والستون من فوائد الذكر: أنه يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه، وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وإقدامه وكتابته أمرا عجيبا، فكان يكتب في يوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر».

  • وقال في موضع آخر: «وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي.
    أو كلاما قريبا من هذا، وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجماع نفسي وإراحتها، لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر.
    أو كلاما هذا معناه».

• وقال الشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى وهو يحكي عن العناء الذي لقيه في نسخ مخطوطة كتبها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بخطه، فيقول: إن ابن تيمية ما كان يرفع قلمه عن الورق.
يعني أن الكلام كله متصل ببعضه، ولا ينقطع إلا في نهاية السطر؛ لحرصه على الوقت، أي أنه عندما يكتب لم يكن يترك مسافات بين الكلمات، أو يرفع يديه حتى يكتب الكلمة الجديدة، بل كان القلم يظل منحدراً كالسيل، والكلام وراء بعضه، ولا يتوقف إلا في نهاية السطر حتى يبدأ سطراً جديداً، فهذا ما رآه محب الدين الخطيب بعينيه من خط شيخ الإسلام رحمه الله تعالى....... • الخليل بن أحمد رحمه الله:

أثقل الساعات على الخليل بن أحمد ساعة يأكل فيها!.
• قال أبو هلال العسكرى في كتابه (الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه) [22] كان الخليل بن أحمد - الفراهيدى البصرى أحد أذكياء العالم (100:170) هـ يقول أثقل الساعات على: ساعة آكل فيها، فالله أكبر ما أشد الفناء في العلم عنده؟!، وما أوقد الغيرة على الوقت لديه؟!.

• حرص الجاحظ والفتح بن خاقان وإسماعيل القاضى على وقتهم:

• روى الخطيب البغدادى في كتابه (تقييد العلم) [23] عن أبى العباس المبرد، قال: ما رأيت أحرص على العلم من ثلاثة: الجاحظ - عمرو بن بحر إمام أهل الأدب، (163 - 255) والفتح بن خاقان - الأديب الشاعر أحد الأذكياء، من أبناء الملوك، اتخذه الخليفة المتوكل العباسي وزيرا له وأخاً، واجتمعت له خزانة كتب حافلة من أعظم الخزائن، (ت247 هـ) وإسماعيل بن إسحاق القاضي - الإمام الفقيه المالكى البغدادى (200 - 282 هـ) فأما الجاحظ فإنه كان إذا وقع بيده كتاب قرأه من أوله إلى آخره، أى كتاب كان، حتى إنه كان يكترى دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر في الكتب.
أما الفتح بن خاقان فإنه كان يحمل الكتاب في كمه، فإذا قام من بين يدى المتوكل للبول أو للصلاة، أخرج الكتاب فنظر فيه وهو يمشي، حتى يبلغ الموضع الذي يريده، ثم يصنع مثل ذلك في رجوعه، إلى أن يأخذ مجلسه، فإذا أراد المتوكل القيام لحاجة أخرج الكتاب من كمه وقرأه في مجلس المتوكل إلى حين عوده.
وأما إسماعيل بن إسحاق القاضى فإنى ما دخلت عليه قط إلا رأيته وفي يده كتاب ينظر فيه أو يقلب الكتب لطلب كتاب ينظر فيه أو ينفض الكتب.
• حرص الطبيب ابن النفيس على وقته رحمه الله:

وعلى سنن من سبق مضى شيخ الطب في زمانه ابن النفيس رحمه الله، يقول عنه الإمام التاج السبكي: وأما الطب فلم يكن على وجه الأرض مثله، قيل: ولا جاء بعد ابن سيناء مثله.
قال: وكان في العلاج أعظم من ابن سيناء.
هذا الطبيب الرائد ابن النفيس صنف كتاباً في الطب سماه: (الشامل)، يقول فيه التاج السبكي: لو تم لكان ثلاثمائة مجلد، تم منه ثمانون مجلداً، وكان ـ فيما يذكر ـ يملي تصانيفه من ذهنه.
فكيف تم له ذلك؟ ومن أين له هذه المنزلة؟! لقد كان رحمه الله تعالى إذا أراد التصنيف توضع له الأقلام مبرية، ويدير وجهه إلى الحائط، ويأخذ في التصنيف إملاءً من خاطره، ويكتب مثل السيل إذا انحدر، فإذا كل القلم وحفي فليس عنده وقت يبري القلم، وإنما يرمي القلم ويتناول غيره؛ لئلا يضيع زمانه في بري القلم....... • حرص الإمام السيوطي على وقته رحمه الله:

يظهر مدى حرص الإمام السيوطي رحمه الله تعالى على وقته ظهوراً بيناً في كثرة مؤلفاته وعِظم قدرها وندرةِ فوائدها إذا لو لم يكن أشح على وقته من دراهمه لما استطاع تحصيل هذا العلم الجم الواسع الغزير ولما استطاع تصنيفه بعد تحصيله، ولا أرى ذلك إلا من توفيق الله تعالى له، فليس كل أحدٍ يُوَفَّقُ للخير.
وكان السيوطي رحمه الله تعالى يلقب بابن الكتب، طلب أبوه إلى أمه أن تأتيه بكتاب من المكتبة، فذهبت أم الإمام السيوطي إلى المكتبة حتى تحضر الكتاب لأبيه، فأجاءها المخاض في المكتب، فولدته بين الكتب، فلذلك لقب بابن الكتب، ولقد طبق عليه ذلك اللقب حتى صار رحمه الله أبا الكتب، ووصلت مصنفات الإمام السيوطي نحو ستمائة، غير ما رجع عنه ومحاه من الكتب....... • حرص عبيد بن يعيش على وقته:

• قال عبيد بن يعيش: أقمت ثلاثين سنة ما أكلت بيدى بالليل، كانت أختى تلقمنى وأنا أكتب الحديث.
• حرص جمال الدين القاسمي على وقته رحمه الله:

• الإمام جمال الدين القاسمي رحمه الله عاش قرابة خمسين سنة وألف ما يزيد عن خمسين مؤلفاً وكانت حياته زاخرة بالعلم والدعوة والكفاح، ومع ذلك كان يقول: يا ليت الوقت يباع فأشتريه.

  • ومن الأمثلة ماذكره السمعاني في كتابه: (أدب الإملاء والإستملاء) عن بعض المحدثين (وهذا المثال يدل على أنه لايصرف شيئاً من وقته إلا في الطلب أو الذكر من استغفار أو تسبيح أو تهليل, فقديماً كانت حلقات العلم يحضرها الجمع الغفير من الناس, فقد ورد أن مجلس محمد ابن إسماعيل كان يحضره عشرون ألفاً، وذكر السمعاني أن المعتصم الخليفة العباسي المشهور رأى حلقة من حلقات العلم, فهاله كثرة الجمع, فأمر بأن يحصى العدد فلم يستطع العاد أن يحصيهم عدداً فأمر بحرزهم فحرزوا المجلس عشرين ألفا ومائة ألف.
    والشاهد من هذا الأثر: أن السمعاني رحمه الله تعالى ذكر أن المحدث كان إذا قال: حدثنا وكيع, ثم بدأ المستمعون ينقلون هذه الكلمة, كان المحدث في هذه اللحظة لا يضيع وقته, بل يستغفر الله ويسبح الله حتى ترجع عليه الكرة مرة اخرى.
    فانظر إلى هذه الثواني التي أبى أن يُفَرِّطَ فيها, ثم انظر كيف تذهب علينا أيام وساعات كثيرة لا نشعر بها! • ويقول بعضهم عن عبد الله ابن الأمام احمد: (والله ما رأيته إلا مبتسماً أو قارئاً أو مطالعاً) • ذكر الذهبي عندما ترجم لعبد الوهاب بن الوهاب بن الأمين: أن أوقاته كانت محفوظة, فلا تمضي له ساعة إلا في قراءة أو ذكر أو تهجد أو تسميع.
    • ومن الآثار العجيبة التي تبين مدى حرصهم على استغلال اوقاتهم ماذكره الذهبي في كتابه ((السير)) عن داوود بن أبي هند رحمه الله: (انه كان يقول: (كنت وأنا غلام أختلف إلى السوق, فإذا انقلبت إلى البيت جعلت على نفسي أن اذكر الله إلى مكان كذا وكذا, فإذا بلغت إلى ذلك المكان جعلت على نفسي أن اذكر الله كذا وكذا.... حتى آتي المنزل.
    وقصده انه يستغل وقته في هذه اللحظات التي ستمر من عمره.
    • ويقول غيره عن الخطيب البغدادي: (ما رأيت الخطيب إلا وفي يده كتاب يطالعه).
    • قال يحيى بن القاسم: كان ابن سكينة عالماً عاملاً لا يضيع شيئاً من وقته، وكنا إذا دخلنا عليه يقول: لا تزيدوا على (سلام عليكم، مسألة) أي: لكثرة حرصه على المباحثة وتقرير الأحكام كان يقول لتلامذته ولإخوانه ومن أراد أن يأتي يستفيته: لا تزيدوا على هذه الكلمات: (سلام عليكم، مسألة) أي: ويدخل في الموضوع.

أما الآن فنعجب مما يحصل من بعض الإخوة، حيث نسمع أحياناً في أشرطة مسجلة حوارات مع العلماء ومع الشيوخ: كيف الحال؟! وكيف الأولاد؟! وكيف الصحة؟! وسمعنا كذا.
ويظل السائل يقدم مقدمات طويلة، وفي الآخر يجود بأن يسأل سؤاله، فأمثال هؤلاء العلماء وقتهم ليس ملكاً لنا، ولا ملكاً لأنفسهم، إنما هو ملك الدعوة وملك العلم والوظائف الشريفة، فأحب شيء إلى مثل هؤلاء -بلا شك- أنك تختصر مثل هذا الاختصار، ويمكن أن تزيد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وإن كان هذا الإمام يطلب أن يقال: (السلام عليكم) فقط لأجل حرصه على الاختصار في الكلام بقدر المستطاع.
والمجتمع الذي يصل إلى هذا المستوى في استيعاب قيمة الوقت وعدم إهدار الوقت هو الأقرب للكتاب والسنة، ولهدي السلف الصالح رحمهم الله تعالى.
• قال الشيخ العلامة محمد بن راشد الغاربي: اختار كثير من علماء السلف بحسب ما رأينا في تراجمهم أن يأكلوا الطعام الذي لا يحتاج إلى هضم كثير حتى لا تذهب أوقاتهم سدى في مضغ الطعام، إن كان يحتاج إلى مضغ كثير، فكانوا يعمدون إلى الأطعمة التي تهضم بسرعة، ولا يعمدون إلى الأطعمة التي تحتاج إلى هضم أكثر لان ذلك يؤدي إلى ضياع شيء من أوقاتهم.
فأين نحن من هؤلاء العلماء الذين يحرصون على كل ثانية من وقتهم فكانوا لا يضيعون ثانية من وقتهم ونحن ألان أوقاتنا تذهب سدى ولا ننظمه.
• قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: أعرف من يعد كلامه من الجمعة إلى الجمعة.
• وأوصى بعض السلف أصحابه فقال: إذا خرجتم من عندي فتفرقوا، لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه، ومتى اجتمعتم تحدثتم.
• قال الخطيب البغدادي: سمعت السّمسمي يحكي أن ابن جرير مكث أربعين سنة، يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة.
• قال التاج السبكي عن الخطيب البغدادي: كان يحاسب نفسه على الأوقات، لا يدع وقتا يضيع بلا فائدة، إما ينسخ أو يدرس أو يقرأ.
• قال الفخر الرازي: إنني أتأسف في الفوات عن الاشتغال بالعلم في وقت الأكل، فإن الوقت والزمان عزيز.

• كان بعض أصحاب شمس الدين الأصبهاني يقول عنه: كان يذكر أنه كان يمتنع كثيرا من الأكل، لئلا يحتاج إلى الشرب، فيحتاج إلى دخول الخلاء، فيضيع عليه الزمان.
• كان معروف الكرخي يعتمر، فأتى من يقص شارب معروف الكرخي، فحلق رأسه، ثم قال للقصاص: " خذ من شاربي "، فأخذ معروف يسبح الله، فقال له القصاص: " أنا أقص شفتك، اسكت "، قال: " أنت تعمل، وأنا أعمل "، وذكروا عنه أنه ما رئي إلا متمتماً بذكر الله، ويقولون: كان إذا نام عند أهله سبّح، فلا يستطيعون النوم.
• وقال ابن عساكر: " كان الإمام سليم بن أيوب لا يدع وقتا يمضي بغير فائدة، إما ينسخ أو يدرس أو يقرأ، وكان إذا أراد أن يعدّ القلم للكتابة حرّك شفتيه بالذكر حتى ينتهي من ذلك ". • ولله درُ من قال: إذا كنت أعلم علما يقينا... بأن جميع حياتي ساعة: فلم لا أكون ضنينا بها... وأجعلها في صلاح وطاعة

﴿تنبيه﴾:• إن سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى بحرصهم على أوقاتهم علا قدرهم وسما شأنهم، فقد كتب الله تعالى لهم التوفيق في استثمار فرصة الحياة وجعل الدنيا مزرعةً للآخرة بصدقهم مع الله تعالى، فإنه من المعلوم شرعاً أنه ليس كلُ أحدٍ يُوَفَّقُ للخير وأن الله تعالى لا يُوَفِق للخير إلا من يصطفيه فيستعمله في طاعته ويبارك له في وقته، أما في زماننا هذا فإن من أبرز أسباب تخلف المسلمين تفننهم وتفانيهم في تدمير وإهدار أوقاتهم في المقاهي والملاهي والطرقات وأمام التلفاز والتسجيلات الصوتية والمرئية وفي غير ذلك من المجالات التي لا فائدة منها ولا ثمرة من ورائها إلا تدمير الوقت تدميرا، وتدمير عمره بالعصيان والخذلان واستحواذ الشيطان، واعجباً لهم! فقد شَيَّبُوا نعمهَ الله عليهم بالكفران، ومَرَّروا بالخطأ حلاوة الإيمان،، وهدموا الطاعة بالعصيان، أين هم ممن صحبوا الدنيا بالأشجان، وتنعموا فيها بطول الأحزان، ونصبوا أقدامهم في خدمة الملك الديان، فما نظروا إليها بعين راغب، ولا تزودوا منها إلا كزاد الراكب، خافوا البيات فأسرعوا، ورجوا النجاة فأزمعوا، نصبوا الآخرة نصب أعينهم، وأصغوا إليها بآذان قلوبهم، فلو رأيتهم رأيت قوماً ذبلا شفاههم، حمصاً بطونهم، حزينة قلوبهم، ناحلة أجسامهم، باكية أعينهم، لم يصحبوا العلل والتسويف، وقنعوا من الدنيا بقوت طفيف لبسوا من اللباس أطماراً بالية، وسكنوا من البلاد قفاراً خالية، هربوا من الأوطان واستبدلوا الوحدة من الإخوان، فلو رأيتهم لرأيت قوماً قد ذبحهم الليل بسكاكين السهر، وفصل الأعضاء منهم بخناجر التعب، خمص لطول السرى شعث لفقد الكرا، قد وصوا الكلال بالكلال، وتأهبوا للنقلة والإرتحال، يتلذذون بكلام الرحمن ينوحون به على أنفسهم نوح الحمام.

باب تزكية النفوس:

(عناصر الباب: (

معنى تزكية النفوس:

(اهتمام السلف بتزكية النفوس: (معالمُ في منهج السلوك والأخلاق عند السلف: (قضية التزكية: (أقسام التزكية: (منزلة التزكية في الدين: (أهمية تزكية النفوس: (حاجتنا إلى التزكية: (تحصيل السعادة في تزكية النفوس: (حكم تزكية النفوس: (كيفية تزكية النفس: (وسائل تزكية النفس: (معرفة الطريق الموصل إلى تلك التزكية: (كيفية سياسة النفس في تزكيتها: (أقسام التزكية: (تلازم القوتين العلمية والعملية للسير في الطريق: (وقوع التناقض بين القوة العلمية والقوة العملية: (أقسام العباد بالنسبة للقوتين «العلمية والعملية» (منازل التزكية: (صفوة منازل تزكية النفوس: (المنازل الأساسية للتزكية: (فصلٌ في منزلة اليقظة: (فصلٌ في منزلة العزم: (فصلٌ في منزلة الفكرة: (فصلٌ في منزلة البصيرة: (فصلٌ في منزلة القصد: (فصلٌ في منزلة المحاسبة: (فصلٌ في منزلة التوبة: (فصلٌ في منزلة الإنابة: (فصلٌ في منزلة التقوى: (فصلٌ في منزلة الاستقامة: (فصلٌ في منزلة التفكر: (فصلٌ في منزلة التذكر: (فصلٌ في منزلة الاعتصام: (فصلٌ في منزلة الفرار: (فصلٌ في منزلة الرياضة: (فصلٌ في منزلة المحبة والخوف والرجاء: (فصلٌ في منزلة الخشوع: (فصلٌ في منزلة الإخبات: (فصلٌ في منزلة الزهد: (فصلٌ في منزلة الورع: (فصلٌ في منزلة التبتل: (فصلٌ في منزلة الرغبة والرهبة: (فصلٌ في منزلة الرعاية: (فصلٌ في منزلة المراقبة: (فصلٌ في منزلة تعظيم حرمات الله عز وجل: (فصلٌ في منزلة الإخلاص: (فصلٌ في منزلة التهذيب والتصفية: (فصلٌ في منزلة التوكل: (فصلٌ في منزلة الثقة بالله تعالى: (فصلٌ في منزلة التسليم: (فصلٌ في منزلة الصبر: (فصلٌ في منزلة الرضا: (فصلٌ في منزلة الشكر: (فصلٌ في منزلة الحياء: (فصلٌ في منزلة الصدق: (فصلٌ في منزلة الإيثار: (فصلٌ في منزلة حسن الخلق: (فصلٌ في منزلة التواضع: (فصلٌ في منزلة الفتوة: (فصلٌ في منزلة المروءة: (فصلٌ في منزلة الأدب: (فصلٌ في منزلة اليقين: (فصلٌ في منزلة الأنس بالله: (فصلٌ في منزلة الذكر: (فصلٌ في منزلة الفقر: (فصلٌ في منزلة الغنى العالي: (فصلٌ في منزلة الإحسان: (فصلٌ في منزلة العلم: (فصلٌ في منزلة الحكمة: (فصلٌ في منزلة الفراسة: (فصلٌ في منزلة التعظيم: (فصلٌ في منزلة السكينة: (فصلٌ في منزلة الطمأنينة: (فصلٌ في منزلة علو الهمة: (فصلٌ في منزلة الغَيْرَة:

(فصلٌ في منزلة حياة القلب: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل:

(

معنى تزكية النفوس:

مسألة: ما معنى تزكية النفوس؟ الجواب: التزكية في اللغة: هي التطهير و النماء، وهو معناها في الشرع.
قال سبحانه: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [التوبة: 103] و قال سبحانه و تعالى: (وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) [فصلت 6 - 7]، أي الذين لا يزكون أنفسهم بالتوحيد.
فالتزكية: «هي تطهير القلب و تنمية الإيمان»، هذا هو معنى التزكية.
والتزكية عنصر أساس من عناصر الدين.
(اهتمام السلف بتزكية النفوس:

لقد اهتمَّ السلفُ الصالحُ بتزكية النفوس، واعتنوا بالأخلاق علماً وفقهاً، كما حقَّقوهُ عملاً وهدياً، فأفردوا كتباً مستقلةً في الزهد والرقائق، بل أنهم يوردون الصفات الأخلاقية في ثنايا كتب العقيدة: (قال الإسماعيليُّ في اعتقاد أهل السنَّة (ت 371 هـ) (يرون مجانبة البدعةِ والآثام والفخرِ والتكبرُّ ويرون كفَّ الأذى وتركَ الغيبةِ إلاّ لمن أظهر بدعةً وهوىً يدعو إليهما، فالقولُ فيه ليس بغيبةٍ عندهم) صـ53، (وقال شيخُ الإسلام أبو إسماعيل الصابونيُّ (ت 449 هـ) في عقيدة السلف أهل الحديث: (يرون المسارعة إلى أداء الصلوات المكتوبات، ويتواصون بقيام الليل للصلاةِ بعد المنام، وبصلةِ الأرحام وإفشاء السلام وإطعامِ الطعام... والبدارِ إلى فعلِ الخيرات أجمع، ويجانبون أهل البدع والضلالات... ) صـ.97، (وقال قوّام السنّةُ إسماعيلُ الأصفهانيُّ (ت 535هـ) في كتابه (الحجَّة في بيان المحجَّة 2/ 52 (ومن مذهب أهل السنَّةِ، التورُّعُ في المأكل والمشارب والتحرُّزُ من الفواحش والقبائح، ومجانبةُ أهل الأهواءِ الضلالة وهجرُهم، والمسابقةُ إلي فعل الخيرات، والإمساكُ عن الشبهاتِ) (وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى جملةً من الصفات السلوكية والأخلاقية لأهل السنّةِ ومن ذلك قولُه (يأمرون بالصبر عند البلاء والشكرِ عند الرخاء، ويدعون إلى مكارمِ الأخلاق ومحاسن الأعمالِ، ويعتقدون معنى قولِه صلي الله عليه وسلم " أكمل المؤمنين إيماناً أحسنُهُم خلقاُ، ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفاسفها) الواسطية، شرح هرّاس صـ172

فالسلفُ الصالح اهتمُّوا بهذا الموضوع، ونحنُ أتباعهُمُ كذلك يجب أن نَهتَم بتزكية النفوس.
(معالمُ في منهج السلوك والأخلاق عند السلف:

(1) إنّ مصدر تلقي السلوك والأخلاق عند السلف الصالح هو الكتابُ والسنّة لأنَّهم أهلُ اتباعُ.
قال اللهُ تعالى (ونزَّلنا عليك الكتابَ تبياناً لكلِّ شيءً) [النحل: 99]، ومن ذلك الأخلاقُ.
(قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (مسائلُ السلوكِ من جنس مسائل العقائد، كلُّها منصوصةٌ في الكتاب والسنّةِ) [الفتاوى19/ 273] ولا يُؤخذُ السلوكُ من الخيالات أو القياسات أو الآراءِ والمنامات كما عند الصوفية، قال ابنُ القيمّ (من أحالك على غير (أخبرنا) و (حدثنا) فقد أحالكَ إمَّا على خيالٍ صوفي، أو قياسٍ فلسفي، أو رأيٍ نفسي، فليس بعد القرآن و (أخبرنا) و (حدّثنا) إلاّ شبهاتُ المتكلمين، وآراءُ المنحرفين، وخيالاتُ المتصوفين، وقياسُ المتفلسفين، ومن فارقَ الدليل ضلَّ عن سواءِ السبيل، ولا دليل إلى الله والجنّةِ سوى الكتابُ والسنّة) [مدارج السالكين 2/ 468] فلابد من الدليل على السلوك والأخلاق، ولا يجوزُ ابتداعُ طرقٍ لتزكية النفوس غير الطرق الشرعية.
(2) من معالم السلف في السلوك: موافقةُ النصوص الشرعيةِ لفظاً ومعنى: فيتأدبون مع المصطلحات الشرعية الدينية، ويستمسكون بألفاظها ومعانيها، ويحقِّقُون حدوَدها وتعريفاتِها علماً وعملاً، (قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (الألفاظ التي جاء بها الكتابُ والسنّةُ علينا أن نتبّع ما دلت عليه مثل لفظ الإيمان والتقوى والإحسان والتوكل والحب لله) [الفتاوى 11/ 25]، وقال أيضاً (وأما الألفاظُ التي ليست في الكتاب والسنّة ولا تقفَ السلف على نفيها أو إثباتها، فهذه ليس على أحدٍ أن يوافقَ من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده فإن أراد بها معنىً يوافقُ خبرَ الرسول أقرَّ به، وإن أراد بها معنى يخالفُ خبرَ الرسولِ أنكره) [الفتاوى 12/ 114] إنَّ أربابَ الطرقِ الصوفيةِ قد أحدثُوا ألفاظاً مجملةً في السلوك كالتصوفِ والغناء والفقر ونَحوها، وهذه الألفاظ عموماً لا تخلوا من مخالفاتٍ للكتاب والسنّةِ، إضافةً إلا ما فيها من التكلُّفِ الشديد، والتعقيد في الألفاظ والمعاني)، (قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

(لفظُ الفقر الزهدُ والتصوفِ قد أدخل فيها أمورٌ يحبُّها الله ورسولُه، كالتوبة والصبر والشكر وقد أدخلَ فيها أمورٌ يكرهها اللهُ ورسولُه كالحلول والاتحادِ والرهبنةِ المبتدعةِ) [الفتاوى 11/ 28]،والإمامُ الشاطبيُّ ذكر المعاني الصحيحةَ والفاسدةَ للتصوف... [الاعتصام 1/ 265]

(3) ومن معالم السلوكِ الشرعي: مراعاةُ تفاوتِ قدراتِ الناس في فعل الطاعات، وذلك بسبب اختلاف استعداداتهم (قال الإمامُ مالكٌ رحمه الله (إنّ الله قسم الأعمالَ كما قسم الأرزاق، فربَّ رجُلٍ فُتح له في الصلاة، ولم يفتُح له في الصوم، وآخرُ فُتح له في الصدقةِ ولم يُفتح له في الصوم، وآخرُ فُتح له في الجهادِ، فنشرُ العلم من أفضلِ أعمال البِرِّ.
(وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: (وقد رضيتُ بما فُتحَ لي فيه أرجو أن يكون كلانا على خيرٍ وبر) [سير النبلاء 8/ 114] من الناس من يكونُ سيِّدُ عمله وطريقُة الذي يُعدُّ سلوكُه إلى الله طريق العلم والتعليم حتى يصل إلى الله ومن الناسِ من يكونُ سيِّدُ عملهِ الذكرُ، وقد جعله زادَه لمعادة، ورأسَ ماله لما له، ومن الناس من يكونُ سيِّدُ عمله وطريقُة الصلاةَُ، ومنهم من يكون طريقُه الإحسانُ والنفعُ المتعدي كقضاء الحاجات وتفريج الكرباتُ وأنواعِ الصدقات، ومنهُم الواصلُ إلى الله من كلَّ طريق قد ضرب مع كلَّ فريق بسهم، فأين كانت العبوديةُ وجدتَه هناك، إن كانَ علمٌ وجدتَه مع أهله، أو جهادٌ وجدتَه في صف المجاهدين، أو صلاةٌ وجدتَه في القانتين، أو ذكرٌ وجدتَه في الذاكرين، أو إحسانٌ ونفعٌ وجدتَه في زمرة المحسنين لو قيل له: ما تريدُ من الأعمال؟ لقال: أريدُ أن أُنْفِذُ أوامر ربي حيثُ كانت) [طريق المجرتين صـ178، ومدارج السالكين 3/ 17، 1/ 88]، وهذا الصنفُ الذي ذكره ابنُ القيمّ هم الصديقون وخيرُهُم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أصبح منكم اليوم صائما قال أبو بكر رضي الله عنه أنا قال فمن تبع منكم اليوم جنازة قال أبو بكر رضي الله عنه أنا قال فمن أطعم منكم اليوم مسكينا قال أبو بكر رضي الله عنه أنا قال فمن عاد منكم اليوم مريضا قال أبو بكر رضي الله عنه أنا فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما اجتمعن في امرئٍ إلا دخل الجنة.
(4) تزكية النفس هذه التزكية فضل من الله ولا تكون إلا بتوفيق الله تعالى: قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ يُزَكّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكّي مَن يَشَآءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) [سورة: النساء - الأية: 49] فلا يجوز للإنسان أن يغتر بما أعطاه الله بل يشكره ويعبده فضلٌ وتوفيق من الله تعالى ولربما سلب الله تعالى عونه وتوفيقه عنك فصار قلبك أخلى من جوف البعير فإن التزكية إلى الله مصروفة وعلى مشيئته موقوفة والعاقبة مَغِيْبَة قال تعالى: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلََكِنّ اللّهَ يُزَكّي مَن يَشَآءُ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [النور: 21] فما أفقر العبد إلى الله جل وعلا في كل أموره وشؤونه.
ومن ثم ينبغي للإنسان أن يحذر من أن يمدح نفسه قال تعالى: (فَلاَ تُزَكّوَاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتّقَىَ) [النجم: 32] والسلف الصالح رحمهم الله كان الواحد منهم يصلي ويجاهد ويصوم ويعمل الأعمال الجليلة ومن ثم يخاف أن لا يتقبل الله منه فهذا هو حال النفوس التي قد زكت وتطهرت من أدرانها يقول الله تعالى (وَالّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) [المؤمنون: 60] (حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قالت: سألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن هذه الآية: (وَالّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) [المؤمنون: 60] قالت عائشة هم الذين يشربون الخمر ويسرقون قال لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات.
فينبغي على العبد أن يكون ناظرا إلى عمله بعين باصره لأن هذا العمل إن لم يكن مخلصا فيه فهو وبال عليه وقد يلقي الله بصاحبه على وجهه في النار ولا حول ولا قوة إلا بالله.

(

معنى تزكية النفوس:

معنى التزكية لغة: الطهارة والنماء والزيادة.

معنى التزكية شرعا: تطهير النفوس وإصلاحها بالعلم النافع والعمل الصالح، وفعل المأمورات وترك المنهيات.
قال تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكّاهَا) قال ابن كثير في معنى قوله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكّاهَا) من زكى نفسه بطاعة الله، وطهرها من الرذائل والأخلاق الدنيئة.
والتزكية دعوة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها).
والحديث بتمامه كما يلي: (حديث زيد ابن أرقم في صحيح مسلم) قال كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها.
(قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في معرض حديثه عن أمراض القلوب وشفائها: «والزكاة في اللغة النماء والزيادة في الصلاح، يقال: زكا الشيء إذا نما في الصلاح، فالقلب يحتاج أن يتربى فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح، كما يحتاج البدن أن يربَّى بالأغذية المصلحة له، ولا بدّ مع ذلك من منع ما يضرّه فلا ينمو البدن إلَّا بإعطائه ما ينفعه ومنع ما يضره، كذلك القلب لا يزكو فينمو ويتم صلاحه إلا بحصول ما ينفعه ودفع ما يضره، وكذلك الزرع لا يزكو إلا بهذا» اهـ «المجموع» (10/ 96). وقد ثبت في تفسير التزكية عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الحديث الآتي: (حديث عبد الله بن معاوية الغاضِري رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ثَلاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ ذَاقَ طعْمَ الإِيمَانِ: مَنْ عَبَدَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ فِي كُلِّ عَامٍ... وَزَكَّى نَفْسَهُ»، فقال رجل: وما تزكية النفس؟ فقال: «أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ.

(

قضية التزكية:

(قضية التزكية: قضية التزكية أن ينفتح في القلب عين ترى بها أين أنت من الله؟ أين أنت في الطريق إلى الله؟ فالقضية ليست: أنك التزمت منذ كم سنة.. وطولت لحيتك.. وقدر مطالعاتك.. وإنما القضية ماذا فعل هذا في قلبك؟! «كيف يصل العمل إلى القلب؟!» (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:

«بين العمل وبين القلب مسافة» وفى تلك المسافة قطاع تمنع وصول العمل إلى القلب فيكون الرجل كثير العمل وما وصل منه إلى قلبه محبة ولا خوف ولا رجاء ولا زهد في الدنيا ولا رغبة في الآخرة ولا نور يفرق به بين أولياء الله وأعدائه وبين الحق والباطل ولا قوة في أمره فلو وصل أثر الأعمال إلى قلبه لاستنار وأشرق ورأى الحق والباطل وميز بين أولياء الله وأعدائه وأوجب له ذلك المزيد من الأحوال.
«ثم بين القلب وبين الرب مسافة» وعليها قطاع تمنع وصول العمل إليه من كبر وإعجاب وإدلال ورؤية العمل ونسيان المنة وعلل خفية لو استقصى في طلبها لرأى العجب ومن رحمة الله تعالى: سترها على أكثر العمال إذ لو رأوها وعاينوها لوقعوا فيما هو أشد منها من اليأس والقنوط والاستحسار وترك العمل وخمود العزم وفتور الهمة.
انتهى.
(«فالتزكية هي: الأثر في القلب»!! بين العمل و القلب مسافة و بين القلب و بين الرب مسافة، في هذه المسافات – كما يقول بن القيم –: (قطاع طرق يقطعون الطريق على العمل أن يصل إلى القلب، و على القلب أن يصل إلى الرب) يقول بن القيم: (و قد تستولي النفس على العمل الصالح فتصيره جنداً لها، فتصول به و تطغى فترى الرجل أعبد ما يكون و أطوع ما يكون و هو عن الله أبعد ما يكون) هذه هي النقطة: قد تستولي النفس على العمل الصالح!! أنت صليت فهل هذه الصلاة وصلت لقلبك، لو وصلت لقلبك تنهاك عن الفحشاء و المنكر، لكنك تجد إنسان يصلي و على باب المسجد ينظر إلى إمرأة متبرجة، على باب المسجد يكذب كذبة، على باب المسجد يتكلم مع أخر و يغتاب غيبة، فماذا فعلت الصلاة؟! هذه هي التزكية، «كيف يصل العمل إلى القلب؟!» بإزالة قطاع الطرق بين العمل و بين القلب، والمدارج هي قضية الترقي درجة درجة.
﴿تنبيه﴾: (علم تزكية النفوس من العلوم الخطيرة المهمة و مع شديد الأسف أن كثيراً ممن كتبوا في هذا العلم جعلوه علم الخاصة مع أنه العلم الذي يطالب به كل إنسان.
(قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في التحفة العراقية يقول عليه رحمة الله: ((العبادات القلبية كالحب و الخوف و الرجاء و التوكل و اليقين و الرضا و الإنابة و الإخبات و الخشية و أمثالها واجبة بأصل الشرع على جميع المكلفين كوجوب الصلاة و الصيام و الحج))

إذن القضية يا أخوة أن هذه العبادات الإخلاص والإخبات والخشية والتوكل واليقين والمحبة والرضا والرجاء، هذه العبادات واجبة وفرض وإذا كانت واجبة فإنها تُتعلم.
قال سبحانه و تعالى: (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل: 78] إذن نحن خرجنا غُفل من بطون أمهاتنا و تعلمنا كيف نصلي وكيف نتوضأ وكيف نغتسل تعلمنا كيف نصوم وكيف نحج وكيف نزكي فلماذا لم نتعلم الإخلاص؟! كيف نخلص؟! كيف نتوكل على الله؟! كثيراً ما نقول ((توكل على الله.. يا أخي توكل على الله لا تخف)) و لم نتعلم كيف نتوكل على الله؟! كيف نخبت؟! كيف نخشى الله؟! كيف نحبه؟! كيف يسير القلب إلى الله؟! قلت أن الآفة أن بعض الناس جعل علم القلوب علم الخاصة رغم أنه علم مطلوب لكل الناس كل إنسان في هذه الحياة كل مسلم يحتاج إلى هذا العلم لصحة القلب و زكاة النفس و غير ذلك من أمور كلها تكليفية في حق عامة الخلق فلذلك حلقاتنا هذه لنجعل الأمر في محله.
ثم أيها الأخوة مع شديد الأسف مضطرٌ أن أقول أن هذا العلم في مسيرته التاريخية بعد القرون الثلاثة الخيرية الصحابة و التابعين و أتباع التابعين اختلط في هذا العلم أكثر من أي علم أخر أمور جعلته كالألغاز و المقصود علم القلوب أو علم العبادات القلبية، دخله الصوفية و جعلوا هذا العلم كالألغاز جعلت هذا العلم أحياناً كأنه شيء أخر غير العلم الشرعي غير النصوص الكتاب و السنة و جعلته أحياناً مستقل كما يسمونه علم السلوك بل جعلته أحياناً من تأليف البشر، إلهامات لها قوة الوحي في التشريع أو في التقرير.

و كل ذلك عجيب غريب في علم يجب أن يكون كبقية العلوم محرراً منقحاً على الكتاب و السنة، إن من العجيب أن قارئ كتب هذا العلم و خصوصاً التي اختص بها الصوفية يشعر أنه أمام ألغاز أنه أمام شيء وراء النصوص و ذلك ما يضيق صدر المسلم أن يقرأ ولا يفهم شيء، حين تقرأ مثلاً ولا أحيلك على هذه الكتب ولكن كمثال (التنوير في إسقاط التدوير) ماذا تعني؟!! هذه كما ذكرت ألغاز و من ثم فإني أرفض تماماً أن أحيل أي مسلم على كتاب من كتب التصوف لا يمكن و لذلك أنا أقول أن أكثر المشتغلين بهذا العلم تصوراته قاصرة مفاهيمه ضيقة كلامهم بعيد عن الواقع عن بديهيات في الإسلام ينبغي ألا تغيب عن حس مسلم فإذا بقي هذا العلم قاصراً على هؤلاء فإن في ذلك إبقاء لشباب صحوتنا المباركة الذين يريدون السير إلى الله في أجواء غير صحية فكان لابد من دعوتنا السلفية الصافية أن تحرر هذا الموضوع ـ موضوع علم القلوب ـ أن يحرر هذا الموضوع لأنه من المواضيع التي تشكل ألف باء فهم إسلام، لأن كل مسلم في الحقيقة سائر إلى الله طالما أنه يفعل ما أمره الله عز و جل به طالما أنه باحث عن الكمال المطلوب باحث عن الوصول إلى الفردوس باحث عن رضا ربه لكن هذا الباحث لابد أن يأتي الأمور من أبوابها من بداياتها لابد من معرفة المصادر و الموارد لابد أن يعرف كيف يرد و كيف يصدر لابد ـ كما أستطيع أن أسميه الآن ـ السير الكامل و من هنا خلط الذي لا يتصور أنه لا سير إلى الله إلا من خلال التصوف! خطأ كبير، نحن هنا نريد أن نرد على الصوفية الذين لا يتصورون سيراً إلى الله بدون سير على يد أهل الطريق، إن الصحابة رضوان الله عليهم و من بعدهم من هؤلاء السلف الصالحين ساروا إلى الله قبل أن تقعد قواعد علم التصوف ما كان لهم هم إلا دراسة الكتاب و السنة و تطبيق ذلك فإن لم يكن هذا سيراً فما هو السير؟! خدعوك فقالوا: السير هو التصوف!! وأنا أخاطب أيضاً أخواننا من أهل المنهج هذا المنهج، «المنهج السلفي الكتاب و السنة بفهم سلف الأمة»، الذين صارت عندهم حساسية بالغة التي أسميها ((أرتكاريا)) من كلمة تصوف دعك من هذه الكلمة لذلك كل المصطلحات الذي يذكرها أهل التصوف، تسبب عندنا حرج، فتسمع أحدهم يقول: الشيخ عنده نزعة صوفية!! لأنه يقول السير إلى الله و أحوال القلوب و الحال و المقام.. لا.. لماذا؟!

يا أخي هذه علومنا و هؤلاء سلفنا.. قال الله تعالى: (هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا) [يوسف: 65]، و نحفظ ديننا و نصدق وعد ربنا، فنحن نرد على الصوفية الذين يقولون لا سير إلى الله إلا من خلال منهج التصوف و لا سير إلى الله إلا وراء شيخ متصوف!! خطأ.. و نقول أيضاً للأخوة الذين تصوروا أن الدين علوم جامدة فحسب فليكن لهم حال مع الله و سير صحيح إلى الكمال الإنساني.

(

أهمية تزكية النفوس:

(1) لقد تظافرت نصوص الكتاب والسنة ببيان أهمية تزكية النفوس وما لها من مكانة عالية ومنزلة رفيعة، ولعل من أبرز تلك النصوص وأظهرها قوله تعالى في سورة الشمس: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاها وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 1 ـ 10]. فتأمل معي أيها القارئ الكريم في هذه الآيات البينات تجد أن الله عز وجل قد أقسم فيها أحد عشر قسما على أن صلاح العبد وفلاحه منوط بتزكية نفسه.
ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى في موضع آخر من الكتاب: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 14 ـ 15]. (2) أخبر الله جل وعلا بفوز من حقق هذه التزكية بالدرجات العلى، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى﴾ [طه: 75 ـ 76]. (3) قد جاء في القرآن الكريم ما يدل على أنَّ مهمة الرسل كانت دعوة الناس إلى تزكية نفوسهم، قال تعالى لموسى في خطابه لفرعون: ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى﴾ [النازعات:18].
وقال سبحانه عن نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2].
(4) أن هناك تلازمٌ بين السلوك والاعتقاد: فالسلوك الظاهرُ مرتبطٌ بالاعتقادِ الباطن، فأيُّ انحرافٍِ في الأخلاقِ إنما هو من نقص الإيمان الباطن، (قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

إذا نقصت الأعمالُ الظاهرةُ الواجبةُ، كانَ ذلك لنقص ما في القلب من الإيمان، فلاُ يتصور مع كمال الإيمان الواجب الذي في القلب، أن تُعدم الأعمالُ الظاهرةُ الواجبةُ.
(الفتاوى7/ 582،616،621) (وقال الشاطبيُّ رحمه الله تعالى: (الأعمالُ الظاهرةُ في الشرع دليلٌ على ما في الباطن فإذا كان الظاهرُ منخرماً أو مستقيماً حكم على الباطن بذلك) الموافقات 1/ 233

فالسلوكُ والاعتقادُ متلازمان، كذلك فإن من الأخلاقِ والسلوك ما هو من شُعَبِ الإيمان.
(5) وتظهر أهمية تزكية النفوس إذا علمنا ما يترتبُ على تحقيقِ الجانبِ الخُلُقي من الأجر الكثير والثوابِ الجزيل: (حديث أبي الدر داء في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق، فإن الله يُبْغِضُ الفاحشَ البذيء.
(حديث عائشة في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة القائم الصائم.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (الدينُ كلُّه خُلُقٌ، فمن زاد عليك في الخلُقِ زاد عليك في الدين) [مدارج السالكين 2/ 307] (6) إن تزكية النفس لها أهمية بالغة من حيث أنه موضوع يتعلق بالدنيا والآخرة يتعلق بالدنيا في أخلاق الإنسان وسلوكه وتعامله مع ربه ومع نفسه ومع الناس وفي الآخرة لأن الله إنما يجزي عباده الذين استقاموا على منهجه عقيدة وعبادة وسلوكا (يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء 88: 89] والقلب السليم هو الذي تعلق بالله وتطهر سلوكا وتوجها إلى الله وباستقامة هذا القلب يستقيم البدن لا محالة كما في الحديث الآتي: (حديث النعمان بن بشير الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الحلال بين و الحرام بين و بينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه و دينه و من وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا و إن لكل ملك حمى ألا و إن حمى الله تعالى في أرضه محارمه ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله و إذا فسدت فسد الجسد كله ألا و هي القلب.

(

حاجتنا إلى التزكية:

إنَّ الدارس المُدَقِّق والباحث المُحقق يعلم علم اليقين الذي لا يخالطه شك مدى حاجتنا العظيمة والماسَّة إلى تزكية النفس وتأسيسها على تقوى من الله ورضوان، وأن الحاجة إلى ذلك أصبحت ـ وهي دوما ـ أشد من الحاجة إلى الطعام والشراب والكساء.
وذلك لعدة أسباب منها ما يلي: أولاً: كثرة الفتن والمغريات وأصناف الشهوات والشبهات؛ فحاجة المسلم الآن إلى البناء أعظم من حالة أخيه أيام السلف، والجهد لابد أن يكون أكبر؛ لفساد الزمان والإخوان، وضعف المعين، وقلة الناصر.
ثانيًا: لكثرة حوادث النكوص على الأعقاب، والانتكاس، والارتكاس حتى بين بعض العاملين للإسلام، مما يحملنا على الخوف من أمثال تلك المصائر.
ثالثًا: لأن المسؤولية ذاتية، ولأن التبعة فردية والإنسان يُحَاسَبُ عن نفسه لا عن غيره فلابد من جواب واستعداد، قال تعالى: (يَوْمَ تَأْتِي كُلّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نّفْسِهَا) [النحل: 111] رابعًا: عدم العلم بما نحن مقبلون عليه؛ أهو الابتلاء أم التمكين؟ وفي كلا الحاليْن نحن في أَمَسِّ الحاجة إلى بناء أنفسنا لتثبت في الحالين.
خامسًا: لأننا نريد أن نبني غيرنا، ومن عجز عن بناء نفسه فهو عن بناء غيره أعجز.

(

تحصيل السعادة في تزكية النفوس:

إن من أعظم فوائد التزكية وعواقبها على أصحابها أنها تهبهم سعادة الدنيا قبل سعادة الآخرة، (قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: من أحب تصفية الأحوال فليجتهد في تصفية الأعمال: قال تعالى: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً) [الجن:16] وكان بعض الشيوخ يدور على المجالس يقول: من سره أن تدوم له العافية فليتق الله".
وصدق الله تعالى إذ يقول: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسّاهَا) [الشمس 9،10] أهـ. ثم إنك لن تصل إلى تحقيق المقامات الراقية إلا ببذل جهد، ومجاهدة لنفسك الأمارة بالسوء وحرصك على تزكيتها، أما مجرد الأماني الجميلة، فلن توصلك إلا إلى الندامة ولو بعد حين.. ! (قل لنفسك موبخاً: تريدينَ إحرازَ المعالي رخيصةً ولابدَ دون الشهدِ من إبرِ النحلِ! (واهمس في أذنها أيضا: بَصُرتُ بالراحة الكبرى فلم أرها تُنال إلا على جسرٍ من التعبِ.
بل خير من ذلك ذكّرها وأعد عليها التذكير بقول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله.
كما في الحديث الآتي: (

(حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أفضل المؤمنين إسلاما من سلم المسلمون من لسانه و يده و أفضل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا و أفضل المهاجرين من هجر ما نهى الله تعالى عنه وأفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات الله عز و جل.
(فأفضل ألوان الجهاد: أن تلزم نفسك لتسير على الجادة، كأنما تسير على حد السيف!

ومن هنا ينبغي عليك أن تمارس على نفسك عمليات متتابعة من الضبط والربط، والتوجيه، والإرشاد، فتكون أنت القائد لها فعلاً.. وبذلك تخرج من أسر قيادتها لك، وتسخيرها إياك فيما تهوى، ولا تملك أنت إلا مسايرتها.
وَطِّن نفسك على أن تملأ فراغها بما يشغلها بخير، ولا تزل تنقلها من دائرة خير إلى دائرة خير، علت أو قلت، المهم أن تبقيها دائرة في دوائر الطاعة.. فإن من عجيب أمر هذه النفس: أنها إذا لم تشغلها (أنت) بالحق، شغلتك (هي) بالباطل ولابد.. ! وإن لم تملأ عليها زواياها بالخير، ملأتها هي بألوان من الشر لا محالة! ولا تكن في عجلة من أمرك!! لا تحاول القفز فوق السلم، لتصل إلى القمة بقفزة أو قفزتين، فقد تنكسر رقبتك! واعلم أن من استعجل الشيء قبل أوانه عُوقب بحرمانه فإن التأني من الله والعجلة من الشيطان بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (حديث أنس في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: التأني من الله والعجلة من الشيطان.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (التأني) أي التثبت في الأمور (من اللّه والعجلة من الشيطان) قال ابن القيم: إنما كانت العجلة من الشيطان لأنها خفة وطيش وحدة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم وتوجب وضع الشيء في غير محله وتجلب الشرور وتمنع الخيور وهي متولدة بين خلقين مذمومين التفريط والاستعجال قبل الوقت.
قال الحرالي: والعجلة فعل الشيء قبيل وقته [ص 278] الأليق به وهذا الحديث من شواهده ما رواه البيهقي أيضاً في سننه عن ابن عباس مرفوعاً إذا تأنيت أصبت أو كدت وإذا استعجلت أخطأت أو كدت تخطئ.
أهـ (وبناءاً على ذلك يجب عليك ابتداءً أن تنوي نية حسنة يعلمها الله صادقة من قلبك.. ثم أن تُوَطِّنَ نفسك، على مجاهدة نفسك في عمليات الضبط والربط والتوجيه شيئا فشيئا، وخطوة في إثر خطوة، وابدأ بالأهم ثم المهم، وثق أنك إذا خرجت مهاجراً إلى الله بنية صادقة صافية، وشرعت في هذه الرحلة، ثم مت في الطريق،

قبل أن تصل، فقد وقع أجرك على الله.. ! أما إذا فسح الله لك في العمر، ثم دمت على هذا الطريق، فيوشك أن ترى ألواناً من العجب في طريق رحلتك هذه.

(

حكم تزكية النفوس:

اختلف حكم التزكية عند العلماء نظرا لخلافهم في الأصل عند الإنسان هل هو السلامة والمرض طارئ أم الخلل والكمال مكتسب.
فذهب صاحب الإحياء إلى أن التزكية فرض عين على كل إنسان.. فالأصل عنده المرض واستدل بحادثة شق الصدر.
بأن كل إنسان في قلبه نزغة الشيطان وأن الله استلها من صدر نبيه ولكنها بقيت عند بقية الخلق فتحتاج إلى مجاهدة لهذه النزغات بالتربية والتزكية.
وقال الجمهور: بل هي فرض كفاية، والأصل في الخلق السلامة، واستدلوا بحديث "كل مولود يولد على الفطرة".
والجمع بين القولين أن غالب النفوس، ولو قلنا بأن الأصل فيها السلامة، إلا إنها قابلة للشهوات، مائلة إلى الملذات، نافرة عن الطاعات، مقبلة على الغفلات.. والمسلم مطالب بالبحث عن سلامة نفسه من كل هذا فلزمه أن يعمل على تزكيتها وتطهيرها.
والذي يعيد النظر في أسباب التزكية والتربية يكاد لا يتردد في أن الحاجة إليها ربما تصل إلى حكم الواجب العيني وهو ما قال به بعض العلماء وأكدوه.
(قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في صيد الخاطر: "المؤمن العاقل لا يترك لجامها ولا يهمل مقودها، بل يرخي لها في وقت والزمام بيده فما دامت على الجادة فلا يضايقها بالتضييق عليها، فإذا رآها مالت ردها بلطف، فإن ونت وأبت فبالعنف".
وقال أبو يزيد: ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي، حتى سقتها وهي تضحك.

(

كيفية تزكية النفس:

لا يستطيع أن يربي الإنسان نفسه على رضى الله تعالى إلا بقوتين: الأولى: قوة علمية.
الثانية: قوة عملية.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى كما في (طريق الهجرتين) " كل سائر إلى مقصد لا يتم سيره ولا يصل إلى مقصوده إلا بقوتين، أما الأولى: فقوة علمية، وأما الثانية: فقوة عملية.
(وقفة مع القوتين:

أولاً: القوة العملية:

تقوم على ركيزتين الأولى: الإرادة والعزيمة:

وهما نوعان كما ذكره ابن رجب رحمه الله تعالى في شرحه على حديث شداد بن أوس، يقول: " والعزم نوعان: عزم المريد على الاستمرار على الطاعات بعد الدخول فيها وعلى الانتقال من حال كامل إلى حال أكمل منه وهو من النهايات "

ولا بد من معالجة الإرادة وتصحيح النية حتى تزكو النفس وتزول الشوائب العالقة بها التي ربما أبعدتها عما أرادت.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (الطب الروحاني): " إذا كانت الهمة الدنية طبعا لم ينجح فيها العلاج فإن كانت مكتسبة بصحبة الأدنياء أو بغلبة الطبع والهوى فعلاجها قريب " (أسباب دُنوّ الهمة:

(1) الطبع بأن تكون الهمة بطبعها دنية.
(2) اكتساب الدنية من الوسط الاجتماعي، أو بصحبة سيئة إلى غير ذلك.
الثانية: مجاهدة النفس:

فلابد من مجاهدة النفس، ولابد من القسوة عليها حتى تحقق الغايات الطامح صاحبها إليها.
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (مفتاح السعادة): " لا يستطيع الإنسان أن يحقق المعالي من الأمور إلا بمجاهدة نفسه وجعلها عدوة له " ويقول ابن رجب في (شرح حديث لبيك اللهم لبيك): " النفس تحتاج إلى محاربة ومجاهدة ومعاداة فإنها أعدى عدو لابن آدم فمن ملك نفسه وقهرها ودانها عزّ بذلك لأنه انتصر على أشد أعدائه وقهره واكتفى شرّه " (أسباب صعوبة مجاهدة النفس:

(1) أنها عدوّ من داخل الجسد، واللص إذا كان من داخل البيت عزّت الحيلة فيه وعظُم الضرر.
(2) أنها عدوّ محبوب، والإنسان عَمٍ عن عيوب محبوبه لا يكاد يبصر عيبه.
ويُخطئ الكثيرون عندما يظنون أن مجاهدة النفس غير متحقق في زمان كثرت شبهه، وعظمت غربته، واستفحل الشرّ فيه، وهذا خطأ بين فإن الله عزّ وجلّ لم يأمرنا إلا بما تستطيعه أنفسنا، وأيضا هناك من يخطئ على نفسه فيستأسد على نفسه فيمنعها حظوظها على الإطلاق ولا شك أن هذا غلط.

ثانياً القوة العلمية:

وهي تقوم على ركيزتين: الركيزة الأولى: معرفة الشيء المراد تحقيقه، على أي شيء تربيها.
وفي باب تربية النفس وتزكيتها هناك نوعان مطلوبان شرعا، أحدهما مطلوب طلب لزوم ووجوب والآخر مطلوب وهو من جنس المندوب.

أما الواجب على المكلفين فقد حصره ابن القيم بأمور، حيث يقول: " ما افترضه الله على العبيد وكان فرضا عينيا عليهم لا يسع مسلم جهله أنواع، أوله علم أصول الإيمان الخمسة، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فإن من لم يؤمن بهذه الخمس لم يدخل في باب الإيمان ولا يستحق اسم المؤمن، وثانيها علم شرائع الإسلام، واللازم منها علم ما يخص العبد من فعلها، كعلم الوضوء والصلاة والصيام والحج وتوابعها وشروطها ومبطلاتها، وثالثها علم المحرمات الخمس التي اتفقت عليها الرسل والشرائع والكتب الإلهية وهي مذكورة في قوله تعالى (قُلْ إِنّمَا حَرّمَ رَبّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [الأعراف: 33] رابعها علم أحكام المعاشرة والمعاملات التي تحصل بينه وبين الناس خصوصا وعموما، والواجب في هذا النوع يختلف باختلاف أحوال الناس ومنازلهم، فليس الواجب على الإمام مع رعيته كالواجب على الرجل مع أهله وجيرته " هذا الواجب العيني على المكلفين.
النوع الثاني قسمان: 1 - قسم ديني مشروع.
2 - قسم من جنس المروءات.

(

وسائل تزكية النفس:

إنَّ أهم ما ينبغي للإنسان أن يتعاهده تزكية نفسه ومعرفته لوسائل تزكية النفس، ولا سيما في هذه الأزمان المتأخرة التي استحكمت فيها الشهوات، وارتطمت فيها أمواج الفتن والشبهات، والتي لم يسلم منها إلا من عصمه الله جل وعلا.
وقبل الخوض في تفاصيل وسائل التزكية لا بدَّ من العلم أن تزكية النفوس لا سبيل إليها إلا عن طريق الشرع المطهر باتباع ما جاءت به الرسل عن رب العالمين جل وعلا.
وقد أشارت آية الجمعة السابقة إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [الجمعة: 2].

(قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «فإن تزكية النفوس مُسلَّم إلى الرسل، وإنما بعثهم الله لهذه التزكية وولاَّهم إياها، وجعلها على أيديهم دعوة وتعليما وبيانا وإرشادا... فهم المبعوثون لعلاج نفوس الأمم... وتزكية النفوس أصعب من علاج الأبدان وأشد، فمن زكى نفسه بالرياضة والمجاهدة والخلوة، التي لم يجئ بها الرسل فهو كالمريض الذي يعالج نفسه برأيه، وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب؟ فالرسل أطباء القلوب فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم، وعلى أيديهم، وبمحض الانقياد والتسليم لهم، والله المستعان» اهـ. «مدارج السالكين» (2/ 356) ووسائل تزكية النفس تنقسم إلى قسمين: مجملة و مفصلة.
فأما الوسائل المجملة فنذكر منها ما يلي:

(1) العمل على تطهير النفس من أخلاقها الرذيلة كالرياء والعجب والشح والبخل، والحرص والطمع، والأمن من مكر الله... (2) تحليتها بالأخلاق الحميدة الفاضلة بعد أن أصبحت جاهزة لها بتخليها عن الأخلاق الدنيئة، وهذه الأخلاق هي مثل: الإخلاص، والإنابة، والخوف من الله، والشكر، والتواضع.... (3) المحافظة على الفرائض؛ لأنها أفضل طاعة يتقرب بها العبد إلى مولاه بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلىَّ عبدي بشيءٍ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليِّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله الذي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددتُ عن شيءٍّ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته.
(4) الإكثار من النوافل فإنها أفضل شيءٍ يُتَقَرب به إلى الله تعالى بعد الفريضة بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال الله تعالى من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلىَّ عبدي بشيءٍ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليِّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله الذي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددتُ عن شيءٍّ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته.
(حديث ربيعة ابن كعب الأسلمي الثابت في صحيح مسلم) قال: كنت آتي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بوضوئه وحاجته فقال لي سلني؟ فقلت أسألك مرافقتك في الجنة قال أو غير ذلك؟ قلت هو ذاك قال فأعنى على نفسك بكثرة السجود.
(5) تدبر القرآن، فهو جلاء القلوب وإذا صفى القلب زكت النفس، والله تعالى يقول: ((كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ))

أما الوسائل التفصيلية؛ فمنها ما يلي:

(1) التوحيد: وقد سماه الله تعالى زكاة في قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِين الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُون﴾ [فُصِّلَت: 6 ـ 7]، وهذا التفسير مأثور عن البحر ابن عباس رضي الله عنه حيث قال في قوله تعالى: ﴿لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: لا يشهدون أن لا إله إلا الله.
«المجموع» لشيخ الإسلام (10/ 633). (قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «قال أكثر المفسرين من السلف ومن بعدهم: هي التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان الذي به يزكو القلب فإنه يتضمن نفي إلهية ما سوى الحق من القلب وذلك طهارته وإثبات إلهيته سبحانه، وهو أصل كل زكاة ونماء»... إلى أن قال: «فأصل ما تزكو به القلوب والأرواح هو التوحيد» اهـ. «إغاثة اللهفان» (1/ 49). كما سمى الله تعالى الشرك رجسا ووسمه بالنجاسة، قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: 30]، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28].
فدل مفهوم الآيتين على أن الطهارة والتزكية في التوحيد الخالص لله جل وعلا.
ولذلك قال موسى لفرعون وهو يدعوه إلى التوحيد: ﴿هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: 18 ـ 19].

(2) الصلاة: وهي من أعظم ما تزكو به النفوس ولذلك قرن الله تعالى بينها وبين التزكية في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 14 ـ 15]. وقد شبه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تطهير الصلاة للنفوس بتطهير الماء للأبدان كما في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسلُ فيه كلَ يومٍ خمسَ مراتٍ، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثلُ الصلوات الخمس يمحو الله بهنَّ الخطايا.
(3) الصدقة: قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103]. (قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: «وفيها أن العبد لا يمكنه أن يتطهر ويتزكى حتى يخرج زكاة ماله، وأنه لا يكفرها شيء سوى أدائها؛ لأن الزكاة والتطهير متوقف على إخراجها» اهـ. (4) ترك المعاصي والمحرمات: قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ أي: زكى نفسه بفعل الطاعات، ثم قال: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ أي: خسر من دساها بالفجور والمعاصي.
قال شيخ الإسلام: «فكذلك النفس والأعمال لا تزكو حتى يزال عنها ما يناقضها، ولا يكون الرجل متزكيا إلا مع ترك الشر، فإنه يدنس النفس ويدسيها».
المجموع» لشيخ الإسلام (10/ 629). (قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «والمقصود أن زكاة القلب موقوفة على طهارته، كما أن زكاة البدن موقوفة على استفراغه من أخلاطه الرديئة الفاسدة، قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم﴾ [النور:21]، ذكر ذلك سبحانه عقيب تحريم الزنا والقذف ونكاح الزانية، فدل على أن التزكي هو باجتناب ذلك» اهـ. «إغاثة اللهفان» (1/ 49). (5) التوبة، فهي أول مقامات منازل العبودية عند السالكين، وبها يذوق الإنسان حلاوة الانتقال من التخلية إلى التحلية، قال الله عز وجل منوها بشأنها: ((وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) [النور:31] (6) لزوم الاستغفار والذكر عموماً، لقول الله عز وجل: ((وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)) [الزخرف:36]

(3) مخالفتها والإنكار عليها وعدم تلبية رغباتها؛ لأنها داعية للراحة والعصيان.
(يقول الغزالي رحمه الله: اعلم أن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك، وقد خُلِقَتْ أمارةً بالسوء مبالغةً في الشر فرارةً من الخير، وَأُمِرْتَ بتزكيتها وتقويمها وقودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربها وخالقها ومنعها عن شهواتها وفطامها عن لذاتها، فإن أهملتها جمحت وشردت ولم تظفر بها بعد ذلك.
(7) توبيخها وتقريعها من أجل حملها على الطاعة: (يقول الغزالي رحمه الله: إن لازمت نفسك بالتوبيخ والمعاتبة والعذل والملامة كانت نفسك هي النفس اللوامة التي أقسم الله بها ورجوت أن تصير النفس المطمئنة المدعوة إلى أن تدخل في زمرة عباد الله راضية مرضية، فلا تغفلن ساعة عن تذكيرها ومعاتبتها، ولا تشتغلن بوعظ غيرك ما لم تشتغل أولاً بوعظ نفسك.
(8) الإكثار من وعظها وتذكيرها بالموت والدار الآخرة: فتخاطبها بمثل ما خاطبها به الغزالي في إحيائه حيث يقول: ويحك يا نفس لا ينبغي أن تغرك الحياة الدنيا ولا يغرك بالله الغرور، فانظري لنفسك فما أمرك بمهم لغيرك، ولا تضيعي أوقاتك، فالأنفاس معدودة، فإذا مضى منك نفس فقد ذهب بعضك، فاغتنمي الصحة قبل السقم، والفراغ قبل الشغل، والغنى قبل الفقر، والشباب قبل الهرم، والحياة قبل الموت، واستعدي للآخرة على قدر بقائك فيها، يا نفسُ أما تستعدين للشتاء بقدر طول مدته، فتجمعين له القوت والكسوة والحطب وجميع الأسباب، ولا تتكلين في ذلك على فضل الله وكرمه حتى يدفع عنك البرد من غير جبة ولبد وحطب وهو القادر على ذلك، أفتظنين أيتها النفس أن زمهرير جهنم أخف برداً وأقصر مدة من زمهرير الشتاء؟ أم تظنين أن ذلك دون هذا، أم تظنين أن العبد ينجو منها من غير سعي؟ هيهات!! فكما لا يندفع برد الشتاء إلا بالجبة والنار وسائر الأسباب فلا يندفع حر النار وبردها إلا بحصن التوحيد وخندق الطاعات.. (9) سوء الظن بالنفس والحيلولة بينها وبين الاغترار بالعمل والإدلال به على الله: فإن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال التفتيش.

(قال ابن القيم رحمه الله تعالى: على السالك أن لا يرضى بطاعته لله، وألا يحسن ظنه بنفسه، فإن الرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقاتها، ودليل على جهل الإنسان بحقوق العبودية وما يستحقه الرب سبحانه، ويجب أن يعامل به، ثم إن رضا الإنسان وحُسْنه ظنه بنفسه يتولد منهما من العجب والكبر والآفات الباطنة ما هو أشد من الكبائر الظاهرة من الزنا وشرب الخمر.
(10) تنقية العمل من حظوظ النفس وشوائب الرياء: فقد جعل ابن القيم رحمه الله تصفية العمل من الشوائب هي أساس الإخلاص في العمل، بحيث لا يمازج عمل الإنسان ما يشوبه من شوائب إرادات النفس من طلب التزين في قلوب الخلق أو طلب مدحهم والهرب من ذمهم، أو طلب تعظيمهم أو أموالهم أو خدمتهم ومحبتهم... إلى غير ذلك من العلل والشوائب التي عقد متفرقاتها هو إرادة ما سوى الله بعمله كائناً ما كان، فلا بد من التفتيش عما يشوب الأعمال من حظوظ النفس، وتمييز حق الرب منها من حظ النفس، ولعل أكثرها أو كلها أن تكون حظاً لنفسك وأنت لا تشعر، فلا إله إلا الله كم في النفوس من علل وأغراض وحظوظ تمنع الأعمال أن تكون لله خالصة وأن تصل إليه.
(11) محاسبة النفس: وقد دل على وجوب محاسبة النفس قول الله تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مّا قَدّمَتْ لِغَدٍ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَالّذِينَ نَسُواْ اللّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولََئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [الحشر: 19] تنظر أي تفكر وتتفكر.
يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي – رحمه الله -: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بما يوجبه الإيمان ويقتضيه من لزوم تقواه سراً وعلانية في جميع الأحوال وأن يراعوا ما أمرهم الله به من أوامره وحدوده وينظروا مالهم وما عليهم وماذا حصلوا عليه من الأعمال التي تنفعهم أو تضرهم يوم القيامة فإنهم إذا جعلوا الآخرة نصب أعينهم وقبلة قلوبهم واهتموا للمقام بها اجتهدوا في كثرة الأعمال الموصلة إليها وتصفيتها من القواطع والعوائق التي توقف عن السير أو تعوقهم أو تصرفهم، وإذا علموا أن الله خبير بما يعملون لا تخفى عليه أعمالهم ولا تضيع لديه ولا يهملها أوجب لهم الجد والاجتهاد.

(وقال الشيخ عن هذه الآية: وهذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه وأنه ينبغي له أن يتفقدها فإن رأى زللاً تداركه بالإقلاع عنه والتوبة النصوح والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه وإن رأى نفسه مقصراً في أمر من أوامر الله بذل جهده واستعان بربه في تتميمه وتكميله وإتقانه ويقايس بين منن الله عليه وبين تقصيره هو في حق الله فإن ذلك يوجب الحياء لا محالة، والحرمان كل الحرمان أن يغفل العبد عن هذا الأمر ويشابه قوماً نسوا الله وغفلوا عن ذكره والقيام بحقه وأقبلوا على حظوظ أنفسهم وشهواتها فلم ينجحوا ولم يحصلوا على طائل بل أنساهم الله مصالح أنفسهم وأغفلهم عن منافعها وفوائدها فصار أمرهم فرطاً فرجعوا بخسارة الدارين وغبنوا غبناً لا يمكن تداركه ولا يجبر كسره لأنهم هم الفاسقون.
قال تعالى: (وَتُوبُوَاْ إِلَى اللّهِ جَمِيعاً أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: 31]، فإذاً ينبغي على العبد أن ينظر في حاله ويحاسبها ويتوب من التقصير فالمحاسبة تقود إلى التوبة قال تعالى: (إِنّ الّذِينَ اتّقَواْ إِذَا مَسّهُمْ طَائِفٌ مّنَ الشّيْطَانِ تَذَكّرُواْ فَإِذَا هُم مّبْصِرُونَ) [الأعراف: 201] ولا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه ((والشريكان يتحاسبان عند نهاية العمل))، ورُوي عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال لها عند الموت: [ماأحد من الناس أحب إليّ من عمر]، ثم قال: كيف قلت؟ فأعادت عليه كلامه، فقال: [لا أحد أعزّ عليّ من عمر].
فانظر كيف نظر بعد الفراغ من الكلمة فتدبرها وأبدلها بكلمة أخرى لأنه رآها أنسب وأحسن وأدق وأصدق.. قال الحسن البصري رحمه الله: [المؤمن قوّام على نفسه يحاسبها لله وإنما خفّ الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شقّ الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة] ثم قال: [المؤمن يفجأه الشيء يعجبه فيقول والله إنك تعجبني وإنك من حاجتي ولكن هيهات! حيلي بيني وبينك!]، هذا نموذج من الحساب لشيء يعرض للإنسان مزيّن ويعجبه وتميل إليه نفسه ولكنه يتركه لأنه ليس من مصلحته في الآخرة، [ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول ماذا أردتِ بهذا؟!!]، يفرط أي يسبق ويحصل ويقع.

قال الحسن البصري رحمه الله في قوله تعالى: ((ولا أقسم بالنفس اللوامة)): [لا يلقى المؤمن إلا وهو يعاتب نفسه، ماذا أردت بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قدماً لا يعاتب نفسه].
وقال مالك بن دينار رحمه الله: رحم الله عبداً قال لنفسه ألستِ صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمّها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله تعالى فكان لها قائداً.
وهذا من حساب النفس.
وقال ميمون بن مهران: [التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطان غاشم ومن شريك شحيح].
وقال إبراهيم التميمي: [مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها فقلت لنفسي: يا نفس أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحاً، قال: فأنتِ في الأمنية فاعملي إذاً لتكوني في الجنة في ذلك النعيم].
قال ابن القيم في إغاثة اللهفان: [إن سائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانب النفس فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصبّ ثم تنبعث منها إلى الأعضاء وأول ما تنال القلب].
قال الحسن البصري رحمه الله في قوله تعالى: ((ولا أقسم بالنفس اللوامة)): [لا يلقى المؤمن إلا وهو يعاتب نفسه، ماذا أردت بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قدماً لا يعاتب نفسه].
وقال مالك بن دينار رحمه الله: رحم الله عبداً قال لنفسه ألستِ صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمّها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله تعالى فكان لها قائداً.
وهذا من حساب النفس.
وقال ميمون بن مهران: [التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطان غاشم ومن شريك شحيح].
وقال إبراهيم التميمي: [مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها فقلت لنفسي: يا نفس أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحاً، قال: فأنتِ في الأمنية فاعملي إذاً لتكوني في الجنة في ذلك النعيم].
قال ابن القيم في إغاثة اللهفان: [إن سائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانب النفس فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصبّ ثم تنبعث منها إلى الأعضاء وأول ما تنال القلب].
(12) الإقلال من النوم والأكل والكلام:

ومما يعين على تزكية النفس عدم الإكثار من هذه الأمور الثلاثة والإفراط فيها، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله موجبة لقسوة القلب وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي، وكثرة الأكل موجبة لقوة نوازع النفس الشهوانية لدى الإنسان، وتوسيع مجاري الشيطان فيه، وكثرة الأكل موجبة لكثرة النوم وكثرة النوم موجبة للعجز والكسل فضلاً عن أنها مضيعة للعمر، وقد قيل: من أكل كثيراً شرب كثيراً فنام كثيراً فخسر كثيرا.
(13) التحلي بالصبر واليقين: فبالصبر ينتصر على شهوات نفسه فيحجزها عن المحرمات ويحبسها على الطاعات، فجانبي التزكية: التخلي والتحلي لا يمكن الحصول عليهما إلا عن طريق الصبر، (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر:10] (14) الدعاء: من أسباب تزكية النفس الدعاء، فهو سلاح المؤمن بأن يلجأ الإنسان إلى الله دائماً أن يقيه شر نفسه وأن يعينه على طاعة الله، فقد كان من دعائه عليه الصلاة والسلام: (اللهم اهدني لأحسن الأعمال والأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت وقني سيئ الأعمال وسيئ الأخلاق لا يقي سيئها إلا أنت، من دعائه عليه الصلاة والسلام أيضاً اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

(حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك أنا بك وإليك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك وإذا ركع قال اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وإذا رفع قال اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد وإذا سجد قال اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.
(حديث زيد ابن أرقم في صحيح مسلم) قال كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها.

(

معرفة الطريق الموصل إلى تلك التزكية:

وهي مجموع أمور ثمان: (1) صحة النية وصدقها.
(2) التوكل على الله تعالى حق التوكل، ومن لوازم التوكل الدعاء.
(3) استعمال طريق الترغيب والترهيب بأنواعه المختلفة.
(4) أن يعكف المرء على إصلاح نواة قلبه، وأن يزيل أوضارها فيطهر صدره من الغش والحقد والحسد وما إليه، ولإزالة هذه الأوضار لابد من شيئين متلازمين هما [حبّ مقلق، خوف مزعج للفؤاد] (5) القيام بالعبادات، والإكثار مما يرضي رب الأرض والسموات، وينبغي أن يَقْلِبَ الإنسان عاداته إلى عبادات.
(6) محاسبة النفس قبل العمل وأثناءه وبعده، والمحاسبة لها ركيزتان هما: [العلم، الصدق] ومن المحاسبة إساءة الظن بالنفس ومن المحاسبة زيادة محاسبة القلب واللسان.

(7) الحكمة، فلابد من الحكمة في سياسة النفس فإن من لم يكن حكيما ربما أهلك نفسه وهو يريد إصلاحها، ولا تتم الحكمة إلا بأمرين (: أ - علم معرفة النفس.
ب - علم كيفية سياسة النفس.
(8) صحبة المُرَبِّيْن والصالحين.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (فلينظر أحدكم من يخالل) أي فليتأمل أحدكم بعين بصيرته إلى امرئ يريد صداقته فمن رضي دينه وخلقه صادقه وإلا تجنبه.
﴿تنبيه﴾: (وقد جهل الكثير الطريق الذي يزكون به أنفسهم ولذلك هم صنفان: أ - صنف لم يصل إلى هذه التربية والتزكية التي ينشدها.
ب - صنف آخر وصل إلى شيء مما أراد ولكن مع جهد كبير.

(

كيفية سياسة النفس في تزكيتها:

مسألة: كيف يكون الإنسان حكيما مع نفسه حتى يسوسها في التربية ويأتي على مراتب أهل العلم في تزكية النفس وتربيتها؟ (الحكمة مع النفس وسياستها: يكون ذلك من خلال أمرين متلازمين: (1) علم معرفة النفس.
(2) علم كيفية السياسة لها وكيف تُراض؟ وكيف تؤدب؟ (أما بالنسبة للأمر الأول: فيؤكده ما قاله ابن القيم في الفوائد بقوله: " لا ينتفع بنعمة الإيمان والعلم إلا من عرف نفسه ووقف بها عند قدرها ولم يتجاوز ما ليس له " والتعرف على النفس من خلال جهتين أساسيتين: (أ) التعرف على حوائج النفس وطباعها.
(ب) الانكفاء على النفس لمعرفة معايبها ومثالبها، والمعايب منها ما هو مشترك في جنس الناس، ومنها ما هو مختلف.
فأما المشترك فهما نوعان هما: [الظلم والجهل] فالإنسان يدافع هذين النوعين بأضدادهما، فضد الجهل: العلم، وأعلاه مرتقى العلم النافع المأخوذ من الوحي كتابا وسنة، والظلم يدافع بالعدل، والعدل لفظ جمع الخيرات كلها.
والوقف على معايب النفس وخللها يكون بشرطين: ذكرها ابن القيم في: (مدارج السالكين) أولهما: العلم، وثانيهما: الصدق مع النفس فلا يجاملها ولا يحابيها.
(أما بالنسبة للأمر الثاني: وهو المعرفة بقواعد الحكمة مع النفس عند تربيتها، فجماع ذلك أربع قواعد: القاعدة الأولى: التدرج مع النفس:

فالتدرج من المقاصد الشرعية إلا أن التدرج مع النفس محوط بضابط أصيل قام عليه الدليل وهو: أن التدرج لا يكون في باب الشرع إلا في أمور ثلاثة: (أ) المستحبات.
(ب) المكروهات.
(ج) الزهد والورع المستحب.
وأما أن يريد الإنسان إعمال التدرج في مطلوب واجب كصلاة الجماعة مثلا فهذا حرام، ولا يجوز في الإسلام، ولا يجوز إدخال التدرج في ترك المحرمات؛ بل يجب على الإنسان تركها حالا.
القاعدة الثانية: الأولويات، بأن يُراعي الأهم فالأهم:

ولا يستطيع الإنسان إعمال هذه القاعدة حقا حتى يكون عالما بمراتب الشرع عارفا بمقاصد التشريع، وأما إن كان جاهلا فإنه لا يستطيع إعمال هذه القاعدة حق الإعمال، ولا ريب أن هذه القاعدة لها فقه وضوابط، ولها دقائق أيضا، من دقائقها ما ذكره شيخ الإسلام كما في (مجموع الفتاوي) بقوله: " ليس كل ما كان أفضل يشرع لكل أحد بل كل واحد يشرع له أن يفعل مل هو أفضل له ". القاعدة الثالثة: أن يُجمّ الإنسان نفسه ويريح ذاته في سيرها إلى التزكية والتربية:

فالنفس كالراحلة إذا لم ترحها انقطعت، فعلم أن للنفس حق عليك، وهو أن تريحها وتجمها، وقد كان السلف يعنون بهذا.
القاعدة الرابعة: إعمال اللين والرفق مع النفس:

واللين والرفق أعم معنى من التدرج مع النفس، فينبغي أن تكون لينا مع نفسك رفيقا معها، واللين والرفق ينبغي إعماله مع النفس في موضعه، فالحزم وقت الحزم، والرفق في موضعه.

(

أقسام التزكية:

التزكية تقوم على أمرين: تخلية وتحلية: تخلية للنفس عن كل الذنوب والسيئات، والمعاصي والبليات، والقبائح والمسترذلات.
وتحلية لها بالمكرمات، وتنمية المستحسن من الأخلاق والعادات حتى تبلغ بها النفس المطمئنة كما أشار الغزالي إلى ذلك بقوله: "جوهر عملية التزكية: الارتقاء بالنفس درجة درجة، من السيئ إلى الحسن ثم ترقيها في مراتب الحسن والصفاء حتى تبلغ أعلى المستويات الإنسانية وأسماها، فتتحول من نفس أمارة بالسوء أو لوامة إلى نفس مطمئنة راضية عن ذاتها مرضية عند مولاها وربها".
(منزلة التزكية في الدين:

لما دعا إبراهيم عليه السلام ربه طالباً من يخلفه في الدعوة إلى الله من ولده قال: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) [البقرة: 129] فمن أهم أعمال الرسل التزكية و من مهمات الرسل التزكية، حدد إبراهيم عليه السلام مهمة الرسول: (تلاوة آيات الله (تعليم الكتاب و الحكمة (التزكية استجاب الله هذا الدعاء بل و امتن به على المؤمنين في ثلاثة مواضع من القرآن: (الموضع الأول): في سورة البقرة: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 151] (الموضع الثاني): في سورة آل عمران: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) [آل عمران: 164] (الموضع الثالث): في سورة الجمعة: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [الجمعة: 2] ﴿تنبيه﴾: (إن المتأمل بعين البصيرة في ترتيب سيدنا إبراهيم في وظيفة الرسول هو: «تلاوة الأيات ثم تعليم الكتاب و الحكمة ثم التزكية» أما ترتيب الله جل و علا في الثلاث آيات هو: «يتلو عليكم آياتنا ثم ويزكيهم ثم ويعلمهم الكتاب و الحكمة» فقدم التزكية قبل العلم.
و العلماء يقولون: أن كل الشرع إنما ابتني لتزكية هذه النفس وتزكية القلب.
(فالتوحيد تزكية: بدليل الآية التي ذكرناها: (وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) [فصلت 6 - 7] يعني لا يزكون أنفسهم بالتوحيد، فالتوحيد تزكية، قال الله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [الزمر: 29]

فتأمل!! وأنت تتأمل في هذا العصر والله عجب!! ألم تسمع عن عبدة الشيطان؟! ألم يبلغك نبأ قوم وصلوا في التكنولوجيا الحديثة و الإختراعات إلى أفق شامخة ثم هم يعبدون البقر و تمثال بوزا؟! وشكله كئيب ولا يمت للجمال بصلة!! ألم تر إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم وصلوا إلى القمر في زمن الوصول و هو يعبدون أنفسهم؟! ويعبدون فرج المرأة و الرجل؟! هذه الشركيات دليل على قذارة النفس من الداخل.
(والصلاة تزكية: قال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [العنكبوت: 45] (والزكاة تزكية: قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [التوبة: 103] (والصيام تزكية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 183]، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (قال الله عز وجل: كلُ عملِ بن آدم له إلا الصيامُ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيامُ جنةُ فإذا كان يومُ صومِ أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل فإن شاتمه أحدُ أو قاتله فليقل صائمٌ مرتين، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيبُ عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه) (والحج تزكية: قال الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) [البقرة: 197] «إذن الشرع كله تزكية» (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه طريق الهجرتين و باب السعادتين:

((هذا العلم هو أشرف علوم العباد و ليس بعد علم التوحيد أشرف منه، و هو لا يناسب إلا النفوس الشريفة، لا يناسب النفوس الدنيئة المهينة، فإذا رأى نفسه تناسب هذا العلم و تشتاق إليه و تحبه و تأنس بأقله فليبشر بالخير فقد أُهل له)) ﴿تنبيه﴾: (لا بد أن تدرسه وأن تفقهه وأن تفهمه، لكن مؤصلاً على الكتاب والسنة، وصافيا منقحاً بفهم السلف.
(تلازم القوتين العلمية والعملية للسير في الطريق: إن من المعلوم شرعاً أنه لابد من تلازم القوتين العلمية والعملية للسير في الطريق... وهذا ما أشار إليه العلامة ابن القيم رحمه الله في درة من نفيس كلامه إذ يقول: "قاعدة: السائر إلى الله والدار الآخرة، بل كل سائر إلى مقصد، لا يتم سيره ولا يصل إلى مقصوده إلا بقوتين: قوة علمية وقوة عملية.. فبالقوة العلمية يبصر منازل الطريق ومواضع السلوك فيقصدها سائرًا فيها ويجتنب أسباب الهلاك ومواضع العطب وطرق المهالك المنحرفة عن الطريق الموصل.
وبالقوة العملية يسير حقيقة، بل السير هو حقيقة القوة العملية؛ فإن السير هو عمل المسافر، وكذلك السائر إلى ربه إذا أبصر الطريق وأعلامها وأبصر المعاثر والوهاد والطرق الناكبة عنها فقد حصل له شطر السعادة والفلاح، وبقي عليه الشطر الآخر وهو أن يضع عصاه على عاتقه ويشمر مسافرًا في الطريق قاطعًا منازلها منزلة بعد منزلة... " 1. (وقوع التناقض بين القوة العلمية والقوة العملية: فإن مما يحزّ في القلب ويؤلمه أشد الألم أن يجد العبد نفسه مبصرًا للطريق ولكنه يضعف عن السير فيه... أو يجد نفسه عالمًا بما ينبغي أن يقوم به من عمل ولكنه لا يجد في نفسه همة للفعل والأداء... أو يجد نفسه عالمًا بصفات المؤمنين وأحوال قلوبهم من الطمأنينة والرضى والصبر والثبات وغير ذلك ولكنه لا يجد قلبه كذلك في المواقف التي يحتاج فيها لتلك المعاني... أو يجد نفسه قادرًا على ذكر ما ينبغي للمسلم من الخلق ومن قول كلمة الحق ولو على نفسه، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بحقوق الأخوة، ومن النشاط في الدعوة وغير ذلك ثم لا يجد في نفسه قوة في القيام بشيء من ذلك.

وفي المقابل، ومما يزيد العبد العالم بكل ذلك حسرة وألمًا، أن يجد كثيرًا ممن لا يعلمون مثل علمه ولا يقولون مثل قوله، وليس لديهم فصاحة كفصاحته، يجدهم أقوى منه قلبًا وأكثر منه عملاً وأشد منه خشية لله وحماسة للدين وغيرةً عليه... (أقسام العباد بالنسبة للقوتين «العلمية والعملية» فإذا علمنا أنه بالقوة العلمية والقوة العملية يتمكن العبد من السير إلى ربه فينبغي أن نعلم أن هاتين القوتين تتفاوتان في العبد... وقد يغلب على عبد القوة العلمية فيعلم الطريق وربما يُبصِّر به غيره... ويعلم الداء والدواء ولكن تضعف عنده القوة العملية، فهو يصف الطريق ولا يسير فيه ويعلم الداء وهو مصاب به، ويصف الدواء ولا يتناوله.
وقد يغلب على عبد القوة العملية الإرادية... فمع كونه أقل علمًا من سابقه، ولا يجيد توصيف الأمور، ولا يجيد الكلام ولا الجدال، إلا أنه أسلم قلبًا وأقوى عزيمة من الأول، وأزهد في الدنيا وأشجع في المواقف وأصبر في المصائب، ويسير إلى ربه سيرًا حثيثًا، وهذا إذا كان عنده الحد الأدنى من القوة العلمية التي تصح بها عبادته وعقيدته فهو أسعد حالاً ومآلاً من سابقه، أما إذا اضمحلت فيه القوة العلمية حتى صار يعبد الله على جهل ويدعو إليه على جهل فهذا يخشى عليه من التخليط والتخبط عند ورود الشبهات.
ومن ثم فإننا نجد ابن القيم رحمه الله يقسم الناس من حيث هاتين القوتين إلى أربعة أقسام: (قسم تغلب عليه القوة العلمية.
(وثَانٍ تغلب عليه القوة العملية.
(وثالث له القوتان معًا.
(ورابع ضعفت فيه القوتان.

فيقول رحمه الله: "من الناس من يكون له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها وعوارضها ومعاثرها، وتكون هذه القوة أغلب القوتين عليه، ويكون ضعيفًا في القوة العملية، يبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها، ويرى المتالف والمخاوف والمعاطب ولا يتوقاها، فهو فقيه ما لم يحضر العمل 1، فإذا حضر العمل شارك الجهال في التخلف وفارقهم في العلم، وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المشتغلة بالعلم 2، والمعصوم من عصمه الله ولا قوة إلا بالله... ومن الناس من تكون له القوة العملية الإرادية وتكون أغلب القوتين عليه، وتقتضي هذه القوة السير والسلوك والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والجد والتشمير في العمل، ويكون أعمى البصر عند ورود الشبهات في العقائد والانحرافات في الأعمال والأقوال والمقامات كما كان الأول ضعيف العقل عند ورود الشهوات، فداء هذا من جهله وداء الأول من فساد إرادته وضعف عقله، وهذا حال أكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير طريق العلم.
ومن كانت له هاتان القوتان استقام له سيره إلى الله ورجي له النفوذ، وقوي على رد القواطع والموانع بحول الله وقوته.
فإذا كان السير ضعيفًا، والهمة ضعيفة، والعلم بالطريق ضعيفًا فإنه جهد البلاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداء" 3. لمن أسوق كلام ابن القيم؟

جارٍ التحميل