كتاب الرقائق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
أعلام الصدق لهم شاهرة، وبواطنهم بمشاهدة الحق عامرة، وَحُقَّ لمن أعرض عن الدنيا وغرورها، وأقبل على العقبى وحبورها، فعزفت نفسه عن الزائل الواهي، ونابذ الزخارف والملاهي، وشاهد صنع الواحد الباقي، واستروح روائح المقبل الآتي.
من دوام الآخرة ونضرتها، وخلود المجاورة وبهجتها، وحضور الزيارة وزهرتها، ومعاينة المعبود ولذتها، أن يكون بما اختار له المعبود راضياً، وعما اقتطعه منه سالياً، ولما ندبه إليه ساعياً، ولخواطر قلبه راعياً، ليصير في جملة المطهرين، ويقرب مما خص به الأبرار من المقربين، فيغتنم ساعاته، عن مخالطة المخلطين، ويصون أوقاته، عن مسالمة المبطلين، ويجتهد في معاملة رب العالمين، مقتدياً في جميع أحواله بسيد المرسلين.
• لله در أقوامٍ صفوا من الأكدار، ونقوا من الأغيار، وعصموا من حظوظ النفوس والأبشار، وأثبتوا في جملة المصطنع لهم من الأبرار، فأنزلوا في رياض النعيم، وسقوا من خالص التسنيم.
قومٌ ألبسوا الأنوار.
فاستطابوا الأذكار، واستراحت لهم الأعضاء والأطوار، واستنارت منهم البواطن والأسرار بما قدح فيها المعبود من الرضا والأخبار.
فأعرضوا عن المشغوفين بما غرهم، ولهوا، عن الجامعين لما ضرهم من الحطام الزائل البائد، ومسالمة العدو الحاسد، معتصمين بما حماهم به الواقي الذائد، لم يعدلوا إلى أحد سواه، و لم يعولوا إلا على محبته ورضاه.
رغبت الملائكة في زيارتهم وخلتهم، وأمر الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالصبر على محادثتهم ومجالستهم.
• لله در أقوامٍ بحقوق ربهم عارفون وعلى العلم والعبادة عاكفون، وعن التمتع بالدنيا عازفون، وإلى الإقبال على الآخرة مرابطون، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، حوائجهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أياماً قصاراً تعقب راحة طويلة، أما الليل فمصافة أقدامهم، تسيل دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى ربهم ربنا ربنا، وأما النهار فحلماء علماء بررة أتقياء كأنهم القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، أو خولطوا وقد خالط القوم من ذكر الآخرة أمر عظيم.
• لله در أقوامٍ تصوروا مآلهم واستقلوا أعمالهم، (كَانُواْ قَلِيلاً مّن اللّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ َفِيَ أَمْوَالِهِمْ حَقّ لّلسّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ) عساهم أن ينجو من نار السموم، تعبوا والله قليلاً واستراحوا كثيراً، والمسكين من لم يجد إلى لحاقهم سبيلاً، والمغبون من رَضِيَ بحظه العاجلِ بديلا.
• لله در أقوامٍ غسلوا وجوههم بدومع الأحزان، وأحيوْا ليلهم بالذكرِ وتلاوة القرآن، ونصبوا أقدامهم في خدمة الملكِ الديَّان، فكلُ زمانهم رمضان، أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، عساهم أن يدخلوا الجنة بسلام.
• لله در أقوامٍ غسلتها الدموع وأذلها الخشوع وظهر عليها الاصفرار من الجوع، أحسنوا في الإسلام ثم رحلوا بسلام، لقد سبقوا سبقاً بعيدا وأتعبوا مَنْ بعدهم إتعاباً شديدا، ما بقيَ إلا من إذا صام افتخر بصيامه وطال، وإذا قام أُعجب بقيامه وقال، وتناسى أن هذا وإن كان من كسبه فإنه من فضل ربه الكبير المتعال، وفضله فوق ما يخطر ببال أو يدور في الخيال، ولو سلب الله تعالى عنه فضله لصار قلبه أخلى من جوف البعير.
• لله در أقوامٍ عزفوا عن الدنيا فأصابوا، وسمعوا منادي الله فأجابوا، واعتذروا مع التحقيق ثم تابوا وأنابوا، وقصدوا باب مولاهم فما ردوا ولا خابوا.
• لله در أقوامٍ غسلوا وجوهم بدموع الأحزان، وأحيوْا ليلهم بالذكرِ وقراءةِ القرآن، ونصبوا أقدامهم في خدمةالملكِ الديان، فكل زمانهم رمضان، أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام، عساهم أن يدخلوا الجنة بسلام.
• لِلَّهِ دَرّ أقَوامٍ بادَرُوا الأَوْقاتِ، واسْتَدْركُوا الْهَفَوات، واغتنموا الأوقات للعمل بالباقيات الصالحات، فالعَينُ مَشْغُولةٌ بالدَّمْع عن المحرَّماتِ، واللسانُ مَحبوسٌ في سِجْن الصَّمْت عن الهَلَكَاتْ، والكفُّ قد كُفَّتْ بالخوفِ عن الشهوات، والقَدَم قد قُيِّدت بِقَيدِ المحاسبَات.
ولسان حالها يقول: كيف تهنأ بالشهوات، وهى مطية الآفات،
فإذا حَلَّ بهم الليلُ رأيتهم يَجْأَرُونَ فيه بالأصْواتْ، وإذا جَاءَ النهارُ قَطَعُوهُ بمُقَاطَعة اللَّذات، فكَمِ مِن شَهْوَةٍ مَا بَلَغُوهَا حَتَّى الممات.
فتيقَّظْ لِلِحَاقِهم مِن هَذِهِ الرَّقَدات، ولا تَطْمَعَنَّ في الخَلاص مَعَ عَدمِ الإخلاص في الطاعات، ولا تُؤَمّلنّ النجاة وأنت مقيمٌ على المعاصي والموبقات، ذهبت اللذات وأعقبت الحسرات وانقضت الشهوات وأورثت الحسرات، ولا تغتر بصفاء الأوقات فإن تحتها غوامض الآفات.
قال الله جل وعلا: ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وَذَهَبَتْ البَرَكَاتُ وَقلّتِ الْخَيْرَاتُ،
لَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ عَامِكُمْ وَفَاتَ، وَتَقَضَّتْ أَيَّامُهُ وَلَيَاليه وَأَنْتُمْ مُنْهَمِكُونَ فِي اللَّذَاتِ، فَمَا أَسْرَعَ مَا تَضَرَّمَتْ مِنْهُ الأَوْقَاتُ، وَمَا أَكْثَرَ مَا خَطَبَكُمْ لِسَانُ حَاله بِزَوِاجِرِ العِظَاتِ، وَمَا أَطْوَلَ مَا نَادَى بِكُمْ مُنَادِي الشِّتَاتِ.... فَطُوبَى لِمَنْ تَدَارَكَ الهَفَوَاتِ، وَبُشْرَى لِمَنْ لازَمَ تَقْوَى اللهِ، وَعَمِلَ بِالبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَهَنِيئًَا لِمَنْ أَذْهَبَ السَّيِّئَاتِ بِالحَسَنَاتِ، وَيَا خَيْبِةَ مَنْ شَغَلَتْهُ المَلاهِي وَالمُنْكَرَاتِ عَنْ طَاعَةِ رَفِيعِ الدَّرَجَاتِ، وَمَا أَعْظَمَ خَسَارَةَ مَنْ بَاعَ نَفِيسَ آخِرَتِهِ بِخَسِيسِ دُنْيَاهُ، وَحَسْرَةً لَهُ يَوْمَ ﴿يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ وَتَعْسًا وَجَدْعًا لَهُ ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾.
• لله در أقوامٍ صفت منهم القلوب، لعلام الغيوب، صفت من الكدر، وخلصت من العكر، وامتلأت من الفكر، وتساوت عندها الذهب والمدر.
• لله در أقوامٍ آثروا العزوف عن العاجلة والأزوف من الآجلة، وتطليق الدنيا بتاتاً، والإعراض عن منالها ثباتاً.
• لله در أقوامٍ صفت من الأغيار أسرارهم، فعلت في الأبرار أذكارهم، تمت أنوارهم، فانتفت أكدارهم، دامت أذكارهم فماتت أوزارهم.
فهم العمد والأوتاد، وبهجة العباد والبلاد.
أبدانهم دنيوية، وقلوبهم سماوية، قد احتوت قلوبهم من المعرفة كأنهم يعبدونه مع الملائكة بين تلك الفرج وأطباق السموات، لم يخبتوا في ربيع الباطل، ولم يرتعوا في مصيف الآثام، ونزهوا الله أن يراهم يثبون على حبائل مكره، هيبة منهم له وإجلالا أن يراهم يبيعون أخلاقهم بشيء لا يدوم، وبلذة من العيش مزهودة، هم أهل المعرفة بالأدواء والنظر في منابت الدواء، هم أهل الورع والبصر، إن أتاهم عليل داووه، أو مريض أدنوه، أو ناس لنعمةِ الله ذكَّروه، أو مبارز لله بالمعاصي نابذوه أو محب لله فواصلوه، ليسوا جبارين، ولا متكبرين، وليس عليهم صفات المترفين، إذا خلوا أجهشوا بالبكاء وإذا عوملوا فإخوان حياء، وإذا كلموا فحكماء، وإذا سئلوا فعلماء، وإذا جهل عليهم فحلماء فلو قد رأيتهم لقلت عذارى في الخدور، وقد تحركت لهم المحبة في الصدور بحسن تلك الصور التي قد علاها النور، إذا كشفت عن القلوب رأيت قلوباً لينة منكسرة، لا يشغلون قلوبهم بغيره، ولا يميلون إلى ما دونه، قد ملأت محبة الله صدورهم، فليس يجدون لكلام المخلوقين شهوة، ولا بغير الأنيس ومحادثة الله لذة، إخوان صدق، وأصحاب حياء ووفاء وتقى وورع وإيمان ومعرفة ودين، قطعوا الأودية، بغير مفاوز، واستقلوا الوفاء بالصبر على لزوم الحق، واستعانوا بالحق على الباطل، فأوضح لهم على الحُجْة، ودلهم على المَحَجَة، فرفضوا طريق المهالك، وسلكوا خير المسالك، أولئك هم الأوتاد الذين بهم توهب المواهب، وبهم تفتح الأبواب، وبهم ينشأ السحاب، وبهم يستقي العباد والبلاد، فرحمة الله علينا وعليهم.
• لله در أقوامٍ صحبوا الدنيا بالأشجان، وتنعموا فيها بطول الأحزان، ونصبوا أقدامهم في خدمة الملك الديان، فما نظروا إليها بعين راغب، ولا تزودوا منها إلا كزاد الراكب، خافوا البيات فأسرعوا، ورجوا النجاة فأزمعوا، نصبوا الآخرة نصب أعينهم، وأصغوا إليها بآذان قلوبهم، فلو رأيتهم رأيت قوماً ذبلا شفاههم، خَمْصاً بطونهم، حزينةً قلوبهم، ناحلةً أجسامهم، باكيةً أعينهم، لم يصحبوا العلل والتسويف، وقنعوا من الدنيا بقوت طفيف لبسوا من اللباس أطماراً بالية، وسكنوا من البلاد قفاراً خالية، هربوا من الأوطان واستبدلوا الوحدة من الإخوان، فلو رأيتهم لرأيت قوماً قد ذبحهم الليل بسكاكين السهر، وفصل الأعضاء منهم بخناجر التعب، خمص لطول السرى شعث لفقد الكرا، قد وصوا الكلال بالكلال، وتأهبوا للنقلة والإرتحال.
• لله در أقوامٍ نفوسهم نفسٌ على الجوع صبرت، وفي سربال الظلام خطرت.
نفس ابتاعت الآخرة بالدنيا بلا شرط ولا ثنيا.
نفس تدرعت رهبانية القلق، ورعت الدجا إلى واضح الفلق، فما ظنك بنفس في وادي الزهد سلكت، وهجرت اللذات فملكت، وإلى الآخرة نظرت، وإلى العناء أبصرت، وعن الذنوب أقصرت، وعلى الذر من القوت اقتصرت، ولجيوش الهوى قهرت، وفي ظلم الدياجي سهرت، فهي بقناع الشوق مختمرة، وإلى عزيزها في ظلم الدجا مشتمرة، قد نبذت المعايش، ورعت الحشايش.
هذه نفس خدوم عملت ليوم القدوم، وكل ذلك بتوفيق الحي القيوم.
• لله در أقوامٍ استظلوا تحت رواق الحزن، وقرأوا صحف الخطايا ونشروا دواوين الذنوب فأورثهم الفكر الصالحة في القلب، أدبوا أنفسهم بلذة الجوع وتزينوا بالعلم، وسكنوا حظيرة الورع، وغلقوا أبواب الشهوات وعرفوا مسير الدنيا بموقنات المعرفة حتى نالوا علو الزهد فاستعذبوا مذلة النفوس، أدرجوا أنفسهم في مصاف المسبحين ولاذوا بأفنية المقدسين فتعلقوا بحجاب العزة وناجوا ربهم عند مطارفة كل شهوة حتى نظروا بأبصار القلوب إلى عز الجلال إلى عظيم الملكوت فرجعت القلوب إلى الصدور على الثبات بمعرفة توحيدك فلا إله إلا أنت.
• لله در أقوامٍ شاهدوا الآخرة بلا حجاب، فعاينوا ما أعدّ الله للمطيعين من الأجر والثواب.
ترى لماذا أضمروا أجسادهم وأظمؤوا أكبادهم، وشرّدوا رقادهم، وجعلوا ذكره بغيتهم ومرادهم؟!.
• لله در أقوامٍ قلوبهم معمورة بذكر الحبيب، ليس فيها لغيره حظ ولا نصيب، إن نطقوا فبذكره، وإن تحرّكوا فبأمره، وإن فرحوا فبقربه، وإن ترحوا فبعتبته، أقواتهم ذكر الحبيب، وأوقاتهم بالمناجاة تطيب، لا يصبرون عنه لحظة، ولا يتكلمون في غير رضاه بلفظة.
• لله در أقوامٍ قوماً أزعجهم الهم عن أوطانهم، وثبتت الأحزان في أسرارهم، فهممهم إليه سائرة، وقلوبهم إليه من الشوق طائرة، فقد أضجعهم الخوف على فرش الأسقام، وذبحهم الرجاء بسيف الانتقام، وقطع نياط قلوبهم كثرة بكائهم عليه، وزهقت أرواحهم من شدة الوله إليه، قد هد أجسامهم الوعيد، وغير ألوانهم السهر الشديد.
• لله درُّ تلك القلوب الطاهرة، أنوارها في ظلام الدُجى ظاهرة، لله درُّ أقوامٍ تدرعوا بالوقار والسكينة، وعملوا ليومٍ فيه كلُ نفسٍ رهينة، كلُ واحدٌ منهم صدره مشروح، وقلبه مجروح، وجسمه بين يدي ربه مطروح، فلو رأيتهم بين ساجدٍ وراكع، وذليلٍ مخمومٍ متواضع، ومُنَكَّسِ الطرفِ من الخوفِ خاشع، تتجافى جنوبهم عن المضاجع.
•
ذم التسويف:
• إلى كم تماطلون بالعمل، و تطمعون في بلوغ الأمل، وتغترّون بفسحة المهل، ولا تذكرون هجوم الأجل؟ ما ولدتم فللتراب، وما بنيتم للخراب، وما جمعتم فللذهاب، وما عملتم ففي كتاب مدّخر ليوم الحساب.
• يا أخي كم من يوم قطعته بالتسويف؟ وأضعت فيه التكليف، وكم من أذنٍ لا يردعها التخويف؟.
أما اعتبرت بمن رحل أما وعظتك العبر أما كان لك سمعٌ ولا بصر.
• يا بطال، إلى كم تؤخر التوبة وما أنت في التأخير بمعذور؟ إلى متى يقال عنك: مفتون ومغرور؟ يا مسكين، قد انقضت أشهر الخير وأنت تعد الشهور؟ أترى مقبول أنت أم مطرود؟ أترى مواصل أنت أم مهجور؟ أترى تركب النجب غدًا أم أنت على وجهك مجرور؟ أترى من أهل الجحيم أنت أم من أرباب النعيم والقصور.
فاز والله المخفون، وخسر هنالك المبطلون، ألا إلى الله تصير الأمور.
• يا من سوّف بالمتاب حتى شاب، يا من ضيّع في الغفلة أيام الشباب، يا مطرودًا بذنوبه عن الباب، إذا كنت في الشباب غافلًا، في المشيب مسوّفًا، متى تقف بالباب؟ كم عوملت على الوفاء؟ ما هكذا فعل الأحباب، الظاهر منك عامر، والباطن ويحك، خراب، كم عصيان كم مخالفة، كم رياء, كم حجاب؟ ولّى طيب العمر في الخطايا، يا ترى تعود إلى الصواب؟.
ما بعد الشيب لهو، كيف يجمل بالشيخ التصاب؟ أنت لو قدمت في متقادم عمرك الطاعة، لخفف عنك الحساب.
كيف والعمر ولى في الغفلة وفي طلب الأسباب؟ إذا أنذرك المشيب بالرحلة، ولم تقدّم الزاد ماذا يكون الجواب.
• ولله درُ من قال:
ولو أننا إذا متنا تركنا... لكان الموت راحة كل حيّ
ولكنّا إذا متنا بعثنا... ونُسأل بعدها عن كل شيء
باب
ترويض النفس على خصال الخير:
• عناصر الباب: • ترويض النفس على خصال الخير: •
تفاوت النفوس في الخير والشر:
وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: • ترويض النفس على خصال الخير:
• قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه المواعظ:
يا هذا: طهر قلبك من الشوائب فالمحبة لا تلقى إلا في قلبٍ طاهر أما رأيت الزارع يتخير الأرض الطيبة ويسقيها ويرويها ثم يثيرها ويقلبها وكلما رأى حجراً ألقاه وكلما شاهد ما يؤذى نجاه ثم يلقى فيها البذر ويتعاهدها من طوارق الأذى وكذلك الحق عز وجل إذا أراد عبداً لوداده حصد من قلبه شوك الشرك وطهره من أوساخ الرياء والشك ثم يسقيه ماء التوبة والإنابة ويثيره بمسحاة الخوف والإخلاص فيستوي ظاهره وباطنه في التقى ثم يلقى فيه بذر الهدى فيثمر حب المحبة فحينئذ تحمد المعرفة وطناً ظاهراً وقوتاً طاهراً فيسكن لب القلب ويثبت به سلطانها في رستاق البذر فيسري من بركاتها إلى العين ما يفضها عن سوى المحبوب وإلى الكف ما يكفها عن المطلوب وإلى اللسان ما يحبسه عن فضول الكلام وإلى القدم ما يمنعه من سرعة الإقدام فما زالت تلك النفس الطاهرة رائدها العلم ونديمها الحلم وسجنها الخوف وميدانها الرجاء وبستانها الخلوة وكنزها القناعة وبضاعتها اليقين ومركبها الزهد وطعامها الفكر وحلوها الأنس وهي مشغولة بتوطئة رحلها لرحيلها وعين أملها ناظرة إلى سبيلها فإن صعد حافظاها فالصحيفة نقية وإن جاء البلاء فالنفس صابرة تقية وإن أقبل الموت وجدها من الغش خلية فيا طوبى لها إذا نوديت يوم القيامة: (ياأَيَّتُهَا النَّفسُ المُطمَئِنَّةُ ارجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرضِيَّة)
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يُوَقَّه.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إنما العلم) أي تحصيله
(بالتعلم) بضم اللام على الصواب كما قاله الزركشي ويروى بالتعليم أي ليس العلم المعتبر إلا المأخوذ عن الأنبياء وورثتهم على سبيل التعليم وتعلمه طلبه واكتسابه من أهله وأخذه عنهم حيث كانوا فلا علم إلا بتعلم من الشارع أو من ناب عنه منابه وما تفيده العبادة والتقوى والمجاهدة والرياضة إنما هو فهم يوافق الأصول ويشرح الصدور ويوسع العقول ثم هو ينقسم لما يدخل تحت دائرة الأحكام ومنه ما لا يدخل تحت دائرة العبادات وإن كان مما يتناوله الإشارة ومنه ما لا تفهمه الضمائر وإن أشارت إليه الحقائق في وضوحه عند مشاهده وتحققه عند متلقيه فافهم قال ابن مسعود تعلموا فإن أحدكم لا يدري متى يحتاج إليه وقال ابن سعد ما سبقنا ابن شهاب للعلم إلا أنه كان يشد ثوبه عند صدره ويسأل وكنا تمنعنا الحداثة وقال الثوري من رق وجهه رق علمه وقال مجاهد لا يتعلم مستحي ولا متكبر وقيل لابن عباس بما نلت هذا العلم قال بلسان سؤول وقلب عقول
(وإنما الحلم بالتحلم) أي ببعث النفس وتنشيطها إليه قال الراغب: الحلم إمساك النفس عن هيجان الغضب والتحكم إمساكها عن قضاء الوطر إذا هاج الغضب
(ومن يتحر الخير يعطه) أي ومن يجتهد في تحصيل الخير يعطه اللّه تعالى إياه
(ومن يتق) في رواية يتوق
(الشر يوقه) زاد الطبراني والبيهقي في روايتيهما ثلاث من كن فيه لم يسكن الدرجات العلى ولا أقول لكم الجنة من تكهن أو استقسم أو ردّه من سفر تطير (تنبيه) قال بعضهم: ويحصل العلم بالفيض الإلهي لكنه نادر غير مطرد فلذا تمم الكلام نحو الغالب قال الراغب: الفضائل ضربان نظري وعملي وكل ضرب منها يحصل على وجهين أحدهما بتعلم بشرى يحتاج إلى زمان وتدرب وممارسة ويتقوى الإنسان فيه درجة فدرجة وإن فيهم من يكفيه أدنى ممارسة بحسب اختلاف الطبائع في الذكاء والبلادة، والثاني يحصل [ص 570] بفيض إلهي نحو أن يولد إنسان عالماً بغير تعلم كعيسى ويحيى عليهما الصلاة والسلام وغيرهما من الأنبياء عليهم السلام الذين حصل لهم من المعارف بغير ممارسة ما لم يحصل لغيرهم وذكر بعض الحكماء أن ذلك قد يحصل لغير الأنبياء عليهم السلام في الفيئة بعد الفيئة وكلما كان يتدرب فقد يكون بالطبع كصبي يوجد صادق اللّهجة وسخياً وجريئاً وآخر بعكسه وقد يكون بالتعلم والعادة فمن صار فاضلاً طبعاً وعادة وتعلماً فهو كامل الفضيلة ومن كان رذلاً فهو كامل الرذيلة.
•
تفاوت النفوس في الخير والشر:
ثبت في السنة الصحيحة بما يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الناس يتفاوتون في الخير والشر وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ فَجَاءَ مِنْهُمْ الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قُبْضَةٍ):بِالضَّمِّ مِلْءُ الْكَفِّ وَرُبَّمَا جَاءَ بِفَتْحِ الْقَافِ، وَمِنَ ابْتِدَائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِخَلَقَ، أَوْ بَيَانِيَّةٌ حَالٌ مِنْ آدَمَ
(قَبَضَهَا) أَيْ أَمَرَ الْمَلَكَ بِقَبْضِهَا
(مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ) يَعْنِي وَجْهَهَا
(فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ) أَيْ مَبْلَغِهَا مِنَ الْأَلْوَانِ وَالطِّبَاعِ
(فَجَاءَ مِنْهُمِ الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ) بِحَسَبِ تُرَابِهِمْ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ أُصُولُ الْأَلْوَانِ وَمَا عَدَاهَا مُرَكَّبٌ مِنْهَا وَهُوَ الجزء الثامن الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ
(وَبَيْنَ ذَلِكَ) أَيْ بَيْنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ بِاعْتِبَارِ أَجْزَاءِ أَرْضِهِ
(وَالسَّهْلُ) أَيْ وَمِنْهُمِ السَّهْلُ، أَيِ اللَّيِّنُ
(وَالْحَزْنُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ، أَيِ الْغَلِيظُ
(وَالْخَبِيثُ) أَيْ خَبِيثُ الْخِصَالِ
(وَالطَّيِّبُ) عَلَى طَبْعِ أَرْضِهِمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى لَوْنًا وَطَبْعًا وَخَلْقًا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا كَانَتِ الْأَوْصَافُ الْأَرْبَعَةُ ظَاهِرَةً فِي الْإِنْسَانِ وَالْأَرْضِ أُجْرِيَتْ عَلَى حَقِيقَتِهَا وَأُوِّلَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَخِيرَةُ لِأَنَّهَا مِنَ الْأَخْلَاقِ الْبَاطِنَةِ، فَإِنَّ الْمَعْنِيَّ بِالسَّهْلِ الرِّفْقُ وَاللِّينُ.
وَبِالْحَزْنِ الْخُرْقُ وَالْعُنُفُ، وَبِالطَّيِّبِ الَّذِي يَعْنِي بِهِ الْأَرْضَ الْعَذْبَةَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي هُوَ نَفْعٌ كُلُّهُ، وَبِالْخَبِيثِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْأَرْضُ السَّبْخَةُ الْكَافِرُ الَّذِي هُوَ ضُرٌّ كُلُّهُ.
أهـ
وفي هذا دليلٌ أوفى على أن من خلق من الصفا صفا له ومن خلق من الكدر كدر عليه فلم يصلح للقرب والرياضة وإنما يصلح عبد نجيب 0
• قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه المواعظ: خلق إبليس من ماء غير طاهر فكانت خلعة العبادة عليه عارية فسخن ماء معاملته بإيقاد نار الخوف فما أعرض عنه الموقد عاد إلى برودة الغفلة 0
وخلق عمر من أصل نقي فكانت أعمال الشرك عليه كالعارية فلما عجب نيران حمية الجاهلية أثرت في طبعه إلى أن فني مدد حظها بفناء مدة تقدير إعراضه فعاد سخنه إلى برد العرفان: وكلُّ إِلى طَبعِهِ عَائِدُ وَإِن صَدَّهُ الصَّدُّ عن قصدِهِ كَما أنَّ الماءَ من بعدِ إِسخانه سريعاً يعود إِلى بَردِهِ.
يا هذا: لاحت عقبة المعصية لآدم وإبليس فقال لهما لسان الحال: لابدّ من سلوكها فسلكا يتخبطان في ظلامها فأما آدم فانكسر قلبه في طريقه وبكى لصعوبة مضيقه فهتف به هاتف اللطف: لا تجزع أنا عند المُنكَسِرَةِ قلوبهم من أجلي وأما إبليس فجاء ضاحكاً معجباً بنفسه فثار الكبر من قلبه فتكاثرت ظلمة طريقه فلما ارتفعا إلى رأس العقبة ضرب (بَينَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذَابُ) فقال إبليس: يا آدم كنا رفيقين في عقبة المعصية فكيف افتراقنا فنادى منادى الأزل: نحن قَسَمنَا 0
باب حفظ الوقت:
• عناصر الباب: •
قيمة الوقت وأهميته:
• أهمية حفظ الوقت: • أسباب تعين على حفظ الوقت: • التحذير من إضاعة الوقت: • التخلي عن إهدار أوقات الآخرين: • الترويح عن النفس ليس مضيعةً للوقت: • ضوابط الترويح عن النفس في الإسلام: • تفاوت الناس في اغتناهم لأوقاتهم:
• واجب المسلم نحو وقته: • وقت السالك جِدٌ كُلُه: • بماذا نستثمر أوقاتنا؟ • من مظاهر حفظ الوقت: • آفات تقتل الوقت: • صورٌ مشرقة لحفظ السلف لوقتهم رحمهم الله: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: •
قيمة الوقت وأهميته:
إذا عرف الإنسان قيمة شيء ما وأهميته حرص عليه وعزَّ عليه ضياعه وفواته، وهذا شيء بديهي، فالمسلم إذا أدرك قيمة وقته وأهميته، كان أكثر حرصاً على حفظه واغتنامه فيما يقربه من ربه.
• قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مرَّ السحاب، فمن كان وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوباً من حياته.... فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير من حياته".
• وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم فيه الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور بما لا يعجز عنه البدن من العمل ".
ولقد عني القرآن والسنة بالوقت من نواحٍ شتى وبصور عديدة، فقد أقسم الله به في مطالع سور عديدة بأجزاء منه مثل الليل، والنهار، والفجر، والضحى، والعصر، كما في قوله تعالى: (واللَّيْلِ إِذَا يَغْشى والنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (، (وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ)، (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ.. )، (وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِيْ خُسْر).
ومعروف أن الله إذا أقسم بشيء من خلقه دلَّ ذلك على أهميته وعظمته، وليلفت الأنظار إليه وينبه على جليل منفعته.
وجاءت السنة الصحيحة لتؤكد على أهمية الوقت وقيمة الزمن، وتقرر أن الإنسان مسئول عنه يوم القيامة، فعن معاذ بن جبل أن رسول الله (قال: "لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، و عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي برزة الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن شبابه فيم أبلاه وعن عمره فيم أفناه و عن ماله من أين اكتسبه و فيم أنفقه و عن علمه ما فعل فيه.
•
أهمية حفظ الوقت:
لما كان الوقت هو الحياة وهو العمر الحقيقي للإنسان، ولو تدبر الإنسان لوجد أن العمر محدود جداً، وأعمار هذه الأمة كما بين النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما بين الستين إلى السبعين وقليل من يجوز ذلك كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أَعْمَارُ أُمّتِي مَا بَيْنَ السّتّينَ إلى السَبْعِينَ وَأَقَلّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ».
وستون سنة ـ في الحقيقة ـ لا تكاد تعد شيئاً مذكوراً لو تأمل العبد وتفطن، وإن كان الشباب يَغُر، وإن كان الشيطان يغر، وإن كانت زهرة الحياة الدنيا تخدع، لأن هذه الستين تمر منها ثلثها وهي عشرون سنة والإنسان في طفولة، ثم في شبه طفولة، وكل أب ابنه دون العشرين لا يزال يعتبره بحاجة إلى الرعاية والعناية والاهتمام!
ثم الثلثان لمن مد الله تعالى في عمره، وهي أربعون سنة، كم يذهب منها للنوم؟
حسب بعض العلماء وبعض الحكماء ذلك فقالوا: وجدنا أن الإنسان العادي ينام ثلث عمره، إذاً فسوف ينام ثلث هذه الأربعين، ثم كم لطعامه، وكم لشرابه، ثم كم يأخذ الناس من وقته في الأمور المباحة، فإن بعض الناس يسلم عليك فيريد من وقتك نصف ساعة، وهذا شيء نشاهده نحن، طفل يمسك بك ويضيع عليك ساعة، وكثير من الناس لا يشعر بقيمة هذا الزمن ولا بأهميته وكأن أمراً ما كان! ولو دقق وحسب لوجد أن العمر ضيق وقصير بشكل يدعو إلى الغرابة.
- ولهذا كان حفظ الوقت أصل كل خير، وضياعه منشأ كل شر، بل إن ضياع الوقت داء عضال، ومرضٌ قَتَّال، تذوب معه الأرواح، ولا يقع معه الارتياح، بل هو بحر من ركبه غرق؛ فإنه لا ساحل له، ولا نجاة منه،، متناهٍ في القبح والبشاعة، غاية في الخسة والشناعة، لأنه يُضَيِّع العمر سدى ويجعله هباءاً منثورا وهو أمرٌ لا يمكن تداركه ولا استئنافه، فإذا ضاع العمر فلا يرجع ولا يعود فيندم الإنسان ولات ساعة ندم، لا تجدي الحسرات ولا تنفع الأهات، وإن من توفيق الله تعالى للعبد أن يستعمله في طاعته وأن يبارك له في وقته ويُلهمه حُسن استثماره في طاعته فتكون دنياه مزرعةً لآخرته، فإذا زرع الطاعة حصد رضوان الله تعالى وجنته بفضل الله تعالى، ومن زرع الشوك لا يجني عنبا، والحقيقة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنه لولا أن الله تبارك وتعالى يبارك في أعمار المؤمنين لما استطاع دعاة الهدى وأئمة التقى وعلماء الصلاح والإصلاح أن يفعلوا شيئاً، ماذا نفعل لو أردت أنا وإياكم أن ننسخ كتب شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية باليد؟ قد تنتهي الأربعين سنة ولم نكتبها أو شبه ذلك ـ سبحان الله ـ فكيف يكون الحال إذا كان هو يفكر ويجمع العلم، ثم متى يكتب، ومتى يفتي؟! وأين عبادته وقد كان من أعبد الناس؟! •
وهاك بعض الأدلة على أهمية حفظ الوقت:
1 لقد دلت النصوص الشرعية على أهمية حفظ الوقت, ومن ذلك ما يلي:
قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1 - 3].
• قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: العصر هو الزمن.
فقد أقسم الله عز وجل في هذه السورة الكريمة بالعصر ـ الذي هو الدهر ـ وإذا أقسم الله عز وجل بشيء من مخلوقاته فذلك دليل على عظم شأن ذلك الأمر.
قال بعض المفسرين: «أقسم الله تعالى بالعصر لما فيه من الأعاجيب؛ لأنه يحصل فيه السراء والضراء, والصحة والسقم, والغنى والفقر, ولأن العمر لا يقوم بشيء نفاسة وغلاء, فلو ضيعت ألف سنة فيما لا يعني ثم تبت وثبتت لك السعادة في اللحمة الأخيرة من العمر بقيت في الجنة أبد الآباد, فعلمت أن أشراف الأشياء حياتك في تلك الملحمة, فكان الزمان من جملة أصول النعم, فلذلك أقسم الله به, ونبه سبحانه على أن الليل والنهار فرصة يضيعها الإنسان، وأن الزمان أشرف من المكان فأقسم به؛ لكون الزمان نعمة خالصة لا عيب فيها, إنما الخاسر المعيب هو الإنسان» (1) ا. هـ
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة و الفراغ.
فدل هذا الحديث الشريف على أن الفراغ نعمة عظيمة من الله عز وجل, وأن كثيرا من الناس مغبون في هذه النعمة, وسبب ذلك الغبن يرجع إلى أحد ثلاثة أمور:
(1) أنه لم يستغل هذا الفراغ على أكمل وجه, وذلك بأن يكون قد شغل فراغه بأمر مفضول مع أنه كان بإمكانه أن يشغله بأمر أفضل.
(2) أنه لم يشغل هذا الوقت بشيء من الأعمال الفاضلة التي تعود عليه بالنفع في دينه ودنياه, وإنما شغله بأمور مباحة لا أجر فيها ولا ثواب.
(3) أنه شغله بأمر محرم والعياذ بالله, وهذا أشد الثلاثة غبنا, فهو ضيع على نفسه فرصة استغلال الوقت بما يعود عليه بالنفع, ولم يكتف بذلك بل شغل وقته بما يكون سببا لتعرضه لعقوبة الله عز وجل في الدنيا والآخرة!
• قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "قال ابن بطال: معنى الحديث أن المرء لا يكون فارغا، حتى يكون مكفيا صحيح البدن، فمن حصل له ذلك، فليحرص على ألاّ يغبن، بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومن شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرط في ذلك، فهو المغبون" [فتح الباري: (11/ 230)
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(نعمتان) تثنية نعمة، وهي الحالة الحسنة، أو النفع المفعول على وجه الإحسان للغير.
وزاد في رواية " من نعم اللّه "
(مغبون فيهما) بالسكون والتحريك قال الجوهري: في البيع بالسكون وفي الراوي بالتحريك، فيصح كل في الخبر.
إذ من لا يستعملهما فيما ينبغي فقد غبن ولم يحمد رأيه
(كثير من الناس: الصحة والفراغ) من الشواغل الدنيوية المانعة للعبد عن الاشتغال بالأمور الآخروية، فلا ينافي الحديث المار: إن اللّه يحب العبد المحترف، لأنه في حرفة لا تمنع القيام بالطاعات.
شبه المكلف بالتاجر، والصحة والفراغ برأس المال لكونهما من أسباب الأرباح ومقدمات النجاح فمن عامل اللّه بامتثال أوامره ربح، ومن عامل الشيطان باتباعه ضيع رأس ماله.
والفراغ نعمة غبن فيها كثير من الناس.
ونبه بكثير على أن الموفق لذلك قليل.
وقال حكيم: الدنيا بحذافيرها في الأمن والسلامة.
وفي منشور الحكم: من الفراغ تكون الصبوة، ومن أمضى يومه في حق قضاه، أو فرض أدَّاه، أو مجد أثله، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه فقد عتق يومه وظلم نفسه.
قال: لقد هاج الفراغ عليك شغلا وأسباب البلاء من الفراغ.
أهـ
(2) أن الوقت هو رأس مال الإنسان:
• قال الحسن رحمه الله تعالى: يا ابن آدم إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومك ذهب بعضك.
• وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما.
• قال داود الطائي: " إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة
وقال أحد الصالحين لتلاميذه: " إذا خرجتم من المسجد فتفرّقوا لتقرؤوا القرآن، وتسبّحوا الله، فإنكم إذا اجتمعتم في الطريق، تكلمتم وضاعت أوقاتكم ".
• وقال شوقي:
دقات قلب المرء قائلة له... إن الحياة دقائق وثوان
(3) أن الوقت سريع الانقضاء:
• قال رجل لعامر بن عبد قيس ـ من أئمة التابعين ـ: كلمني.
فقال له: امسك الشمس! وقال الإمام أحمد: ما شبهت الشباب بشيء إلا بشيء كان في كمي فسقط.
• وقال أبو الوليد الباجي:
إذا كنت أعلم علما يقينا... بأن جميع حياتي كساعة
فلم لا أكون ضنينا بها... وأجعلها في صلاح وطاعة
(4) الوقت إذا فات لا يعود:
• قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إن لله حقا بالنهار لا يقبله بالليل، ولله حق بالليل لا يقبله بالنهار.
• وقالوا لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: لو ركبت وتروحت؟ فقال لهم: فمن يجزىء عني عمل ذلك اليوم؟ فقالوا: تؤجله إلى الغد، فقال لهم: فدحني عمل يوم واحد فكيف إذا اجتمع عليّ عمل يومين؟!
ولهذا كان الوقت عند السلف أغلى من الدراهم والدنانير،
• قال الحسن رحمه الله تعالى: لقد أدركت أقواما كانوا أشد حرصا على أوقاتهم من حرصكم على دراهمكم ودنانيركم!
• وكان محمد بن سلام جالسا في مجلس الإملاء والشيخ يحدث، فانكسر قلم محمد بن سلام، فقال: قلم بدينار، فتطايرت إليه الأقلام، وكان الدينار يشتري قرابة مائة وخمسون قلم، ولكن محمد بن سلام اشترى به تلك اللحظات التي إذا فاتت فإنها لا تعود.
• وقال ابن هبيرة:
والوقت أنفس ما عنيت بحفظه... وأراه أسهل ما عليك يضيع
(5) أن الإنسان لا يعلم متى ينقضي الوقت الذي فسح له فيه:
ولهذا أمر الله عز وجل في آيات كثيرة من كتابه بالمسارعة والمسابقة والتنافس، وأمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمبادرة بالأعمال الصالحة.
ولهذا حذر العلماء من التسويف،
• قال الحسن رحمه الله تعالى: إياك والتسويف، فإنك بيومك ولست بغدك، فإن يكن غد لك فكس فيه كما كست في اليوم، وإلا يكن الغد لك لم تندم على ما فرطت في اليوم.
• وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: التسويف رؤوس أموال المفاليس.
•
أسباب تعين على حفظ الوقت:
(1) محاسبة النفس: وهي من أعظم الوسائل التي تعين المسلم على اغتنام وقته في طاعة الله.
وهي دأب الصالحين وطريق المتقين، فحاسب نفسك أخي المسلم واسألها ماذا عملت في يومها الذي انقضى؟ وأين أنفقت وقتك؟ وفي أي شيء أمضيت ساعات يومك؟ هل ازددت فيه من الحسنات أم ازددت فيه من السيئات؟.
(2) تربية النفس على علو الهمة: فمن ربَّى نفسه على التعلق بمعالي الأمور والتباعد عن سفسافها، كان أحرص على اغتنام وقته، ومن علت همته لم يقنع بالدون، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم:
• ولله درُ من قال:
إذا ما عَلا المرءُ رام العلا: ويقنعُ بالدُّونِ من كان دُونَا
(3) صحبة الأشخاص المحافظين على أوقاتهم: فإن صحبة هؤلاء ومخالطتهم، والحرص على القرب منهم والتأسي بهم، تعين على اغتنام الوقت، وتقوي النفس على استغلال ساعات العمر في طاعة الله، ورحم الله من قال:
إذا كنتَ في قومٍ فصاحِب خِيارَهم... ولا تصحبِ الأردى فتردى مع الرَّدِي
عن المرءِ لا تَسَلْ وسَلْ عن قرينهِ... فكلُّ قرينٍ بالمقارَن يقتدِي
(4) معرفة حال السلف مع الوقت: فإن معرفة أحوالهم وقراءة سيرهم لَأكبر عون للمسلم على حسن استغلال وقته، فهم خير من أدرك قيمة الوقت وأهمية العمر، وهم أروع الأمثلة في اغتنام دقائق العمر واستغلال أنفاسه في طاعة الله.
(5) تنويع ما يُستغل به الوقت: فإن النفس بطبيعتها سريعة الملل، وتنفر من الشيء المكرر.
وتنويع الأعمال يساعد النفس على استغلال أكبر قدر ممكن من الوقت..
(6) إدراك أن ما مضى من الوقت لا يعود ولا يُعوَّض: فكل يوم يمضي، وكل ساعة تنقضي، وكل لحظة تمر، ليس في الإمكان استعادتها، وبالتالي لا يمكن تعويضها.
• قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: من يوم ينشق فجره إلا ويقول: يا ابن آدم أنا يوم جديد وعلى عملك شهيد فاغتنمني فإني لاأعود إلى قيام الساعة.
(7) تذكُّر الموت وساعة الاحتضار: حين يستدبر الإنسان الدنيا، ويستقبل الآخرة، ويتمنى لو مُنح مهلة من الزمن، ليصلح ما أفسد، ويتدارك ما فات، ولكن هيهات هيهات، فقد انتهى زمن العمل وحان زمن الحساب والجزاء.
فتذكُّر الإنسان لهذا يجعله حريصاً على اغتنام وقته في مرضاة الله تعالى.
(8) الابتعاد عن صحبة مضيعي الأوقات: فإن مصاحبة الكسالى ومخالطة مضيعي الأوقات، مهدرة لطاقات الإنسان، مضيعة لأوقاته، والمرء يقاس بجليسه وقرينه، وتذكر قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل.
(حديث أبي سعيد الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تصاحب إلا مؤمنا و لا يأكل طعامك إلا تقي.
• قال عبد الله بن مسعود: - رضي الله عنه - اعتبروا الرجل بمن يصاحب، فإنما يصاحب الرجل من هو مثله".
(9) تذكُّر السؤال عن الوقت يوم القيامة: حين يقف الإنسان أمام ربه في ذلك اليوم العصيب فيسأله عن وقته وعمره، كيف قضاه؟ وأين أنفقه؟ وفيم استغله؟ وبأي شيء ملأه؟ فإن تذكرُ هذا يعين المسلم على حفظ وقته، واغتنامه في مرضاة الله.
(حديث أبي برزة الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن شبابه فيم أبلاه وعن عمره فيم أفناه و عن ماله من أين اكتسبه و فيم أنفقه و عن علمه ما فعل فيه.
•
التحذير من إضاعة الوقت:
يجب على المسلم أن يحذر أشد الحذر من ضياع وقته الذي هو عمره الحقيقي لأن إضاعة الوقت أشد من الموت، وهاك بعض الآثار الواردة في ذلك: • قال الحسن رحمه الله تعالى: أدركت أقواماً كان أحدهم أشح على عمره منه على درهمه.
- وقال أيضا: يا ابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب بعضك أن يذهب كلك.
- وقال أيضا: "يا ابن آدم، نهارك ضيفك فأحسِن إليه، فإنك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل بذمِّك، وكذلك ليلتك".
- وقال أيضا: "الدنيا ثلاثة أيام: أما الأمس فقد ذهب بما فيه، وأما غداً فلعلّك لا تدركه، وأما اليوم فلك فاعمل فيه.
• قال ابن القيم رحمه الله تعالى: إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها.
مسألة: ما معنى قول ابن القيم رحمه الله في كتابه الفوائد: '' إضاعة الوقت أشد من الموت؟ الجواب: لأن ضياع الوقت يقطع عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها، وإذا مات الإنسان وهو متقٍ مؤمن فإنه ينقطع عن الدنيا وأهلها، ويجاور الملأ الأعلى ويترك هذا الملأ، وهذا ليس بخسران بل هو فوز رابح، وكل الناس هالك وراحل، ولكنه هو رحل من هذا الملأ إلى الملأ الأعلى، ومن هذه الدار إلى دار القرار والنعيم والحمد لله، لكن المشكلة ضياع الوقت في غير طاعة، لأنه يقطعك عن الله وعن الدار الآخرة، ولهذا تجد الذين يضيعون أوقاتهم في اللهو واللعب ويضيعون الطاعات، تجد قلوبهم قاسية مختوم مطبوع عليها، وتجد أحدهم حماراً في النهار جيفة بالليل، ولربما أصبحت العكس الآن فهو حمار بالليل لأنه أكثر إقامته، فهو حمار في وقت إقامته، وجيفه في وقت نومه والعياذ بالله لأنه مقطوع عن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وإن ذكرته بالله، قلت له: اتق الله أو أي شيء مما يقربه من الله، لكنه مقطوع الصلة بينه وبين الله، ولهذا فهو ميت: • ولله درُ من قال: ليس من مات فاستراح بميتٍ: إنما الميت ميت الأحياء وميت الأحياء: حي بالشعور والإحساس ولكنه ميت القلب والإيمان نسأل الله العفو والعافية.
•
التخلي عن إهدار أوقات الآخرين:
• قال أحد العلماء الرانيين: بلغني منذ مدة عن أحد الإخوة أنه كان يحدث أخاً له فيقول له: إن السنة أنك إذا أتيت فاستأذن ثلاث مرات، فإن لم يؤذن لك فارجع.
وهذا هو الصحيح مصداقاً لقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحديث الآتي:
(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع.
فقال: والله لو عملتها معي فلن أدخل بيتك أبداً! فأين الالتزام؟! وأين التحاكم إلى ما أنزل الله؟! وأين الذي ندعو الناس إليه؟! وأين الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى والرضا بحكم الله القائل: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]؟! فإذا كان الوقت ليس له عندك قيمة فراع أحوال الناس، فإذا كنت متأكداً من أنك ما ذهبت إلى فلان إلا لأن الوقت مناسب لك فهل أنت متأكد من أنه مناسب له هو؟! خاصة في هذا الزمان، فأنت ترى كيف أن الناس الآن مشغولون، خاصة الذي يريد أن يلتزم بدينه ويؤدي واجباته في توازن ووسطية، فالإنسان يعيش في صراع في محاولة كسب الحلال، وفي طلب العلم، وفي تربية أولاده، وفي العبادة، وفي تلاوة القرآن، وفي الحفظ، وفي قضاء حاجات الناس، وفي كل هذه الأشياء، فهذا الوقت هو رأس المال الذي يتعامل به، وليس الأموال، بل عنده ما هو أكمل، وهو الوقت، فلابد للإنسان من أن يستوثق من أن وقت الشخص الذي يزوره مناسب لهذه الزيارة، ثم يحدد موعد لابتداء الزيارة وموعد لانتهائها؛ بحيث لا يأتي قبل الموعد ولا بعده، وإذا أتى يلتزم بهذا الموعد، أما هذه الأوضاع التي توجد بيننا فهي من أشد مظاهر عدم الفقه بقيمة الوقت، ونحن نسمع عن الكفار في بلاد الكفار الحرص على الوقت، وللأسف الشديد أنهم مشغولون بالدنيا وبتوافه الأمور، ومع ذلك عندهم تقديس الوقت وتعظيم الوقت شيء مهم، وهذا أقرب ـ بلا شك ـ إلى روح الإسلام مما عليه كثير من المسلمين المفرطين في هذا الأمر.
فهذا الأمر لولا أن الله سبحانه وتعالى يعلم أهميته لما أنزل سورة صدرها بقوله تبارك وتعالى: ((سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا))، وكل القرآن أنزل، لكن خص هذه السورة ليلفت أنظارنا إلى خطورة الأحكام التي نزلت في هذه السورة الكريمة، سورة النور، قال عز وجل: سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النور:1]، فنزلت في هذه السورة آيات الاستئذان وآداب الاستئذان لخطورة هذه الطريق، أليس في القرآن الكريم قوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور:27] إلى آخر الآيات المذكورة في ذلك؟! ففيها تفاصيل في منتهى الدقة والانضباط في المحافظة على الوقت، ومنها قوله عز وجل: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ [النور:28]، والذي يقول هذا ليس هو فلان ولا علان، وإنما هو الله سبحانه وتعالى.
وإنه لمؤلم جداً، وفي غاية الأسف مخالفة هذه الآداب، والحقيقة أن الإنسان يتحسر لهذا الأمر، فأين السلفية؟! وأين احترام الكتاب والسنة؟! وأين الحكم بما أنزل الله في خاصة أنفسنا؟! إن بعض الناس ما زال حتى الآن يجهل أن الاستئذان إنما جعل عبارة عن كون الوقت مناسباً أم غير مناسب.
ولكن كثيراً من الإخوة ـ مع الأسف ـ يفهمون أن معنى الاستئذان هو كون الشخص الذي يريد أن يزوره موجوداً أو غير موجود، وهذا ليس من الإسلام في شيء، فالإسلام حكم الله سبحانه وتعالى، والاستئذان معناه كون الوقت مناسباً أم لا، وليس معناه أن المرء موجود أو غير موجود، ولو لم يكن معنى الاستئذان هو كون الوقت مناسباً أم لا لما قال الله تعالى وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ [النور:28]، ولما كان هناك فائدة من قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحديث الآتي:
(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع.
وحكى بعض العلماء أنه كلن في مرة من المرات مشغولاً ببعض الأشياء، فأتى إليه أحد الإخوة في وقت غير مناسب على الإطلاق؛ لأنه كان قبل الدرس بساعة أو ساعتين، وكان مشغولاً بإعداد الدرس، فما فتح الباب؛ لأن هذا حق شرعاً، فوجد أن الأخ وَجَدَ في نفسه موجدة شديدة، وكتب ورقة كلها حسرة وألم، يقول: لقد سمعت صوتك في الداخل وأنت تقرأ القرآن، ومع ذلك لم تفتح لي! وهذا عدم فقه بهذا الحكم الذي لا يوجد أحد مستغنٍ عن أن يبقى هذا الحكم وينفذه ويحترمه، فكل واحد منا له بيت، والله سبحانه وتعالى امتن علينا فقال: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا [النحل:80]، فالإنسان بعد انتهاء عمله سيذهب إلى بيته، فربنا سبحانه وتعالى جعل حرمة للبيوت، خاصة في حق طالب العلم الذي وقته عنده غالٍ كنفسه وكروحه، فليس المقصود بالاستئذان أن الإنسان يسأل عن كونك موجوداً أم لا، لأنه ممكن أن أكون موجوداً وبصوتي أقول لك: ارجعوا هو أزكى لكم.
كما أمرنا الله سبحانه وتعالى؛ لأن البيوت أسرار، فما يدريك كيف أحوال أهل البيت؟! فقد تكون في البيت عورات، وقد يكون عند صاحب البيت مشكلة شخصية لا يحب أن يحضر أحد ويسمعها، ويمكن أن يكون الإنسان مشغولاً بمصلحة في دينه أو في تربية أولاده؛ لأنه إذا انشغل فقط بمشاكل الناس أو مشاغل الناس وترك حصنه من الداخل مخرباً فسوف يسأله الله عن ذلك، فمن الذي يعي المسئولية حتى يوجد هذا التوازن في الواجبات الكثيرة؟!
الجواب: هو صاحب البيت، فهو أدرى بحاله، وبأي شيء يضحى وبأي شيء لا يضحى، فهو الوحيد الذي يسأل أمام الله عن الموازنة بين واجباته، وأنا لا أقصد شخصاً معيناً، فإن هذا الغيرة موجودة عندنا، وأغلب الناس الآن ليس عندهم الفقه بهذه الحقيقة، فالاستئذان هو عن كون الوقت مناسباً أم لا، فإن قال لك صاحب البيت: ارجع ـ ولو بصوته ـ فلا تقل له شيئاً.
والحقيقة مريرة جداً في هذا الأمر، ولا أريد أن أخرج عن الموضوع، ولكن لكون المشكلة موجودة، وكثرت شكاوي الإخوة والأخوات في هذا الباب تعرضنا لها.
وقد حدث بعض إخواننا في الدعوة أنه هجم بعض الإخوة على بيته بالطرق الشديد على الباب في منتصف الليل أو بعد منتصف الليل، وكان طرقاً شديداً، مع أن الناس العاديين غير الملتزمين قد لا يقعون في مثل هذا، فالطرق الشديد على الباب يفزع أهل البيت، ويظنون الظنوناً، وهذا ـ بلا شك ـ أذى، وهذا تفزيع وترويع للمؤمن وللمسلم، فأين هذا من السلف الذين كانوا يطرقون أبواب الشيوخ بالأظافر؟! أين هذا من ذاك؟! وقد تجد إنساناً امتحان في الصباح، فيقول لضيوفه الذين أتوا إلى البيت في الساعة الحادية عشرة أو الثانية عشرة: عندي امتحان في الصباح.
ومع ذلك لا يبالون بالساعة، ويوقعون الضرر بالأخ حتى يعيد سنة كاملة بسبب هذه الزيارة التي آذته وأثقلته وأرهقته وعطلته عن مصالحه! فهذه أمثلة من الإضرار، وقد نهى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الضرر والإضرار كما في الحديث الآتي:
(حديث ابن عباس في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا ضرر و لا ضرار.
وبعض الإخوة يكونون فتنة لآبائهم، فبعضهم يقول: أبي يقول لي: لا تصل في مساجد الإخوة.
أو: لا تخرج إلى المساجد.
فما هو السبب؟! إنك تشتكي من أبيك أنه يمنعك عن الصلاة في الجماعة وأنت الذي فتنته، فلو أنك عودته أنك إذا أذن المؤذن خرجت إلى الصلاة، ثم رجعت فوراً بعد الصلاة لأداء واجبك أو استذكار واجبك، أو لعمل أي شيء من واجباتك لما حصل هذا الوضع؛ لأنه يحصل للإخوة مؤتمرات بعد الصلاة، وهذا يوصل هذا، وهذا يذهب مع هذا بطريقة عشوائية، وكأن الوقت لا قيمة له، فلو أن أباك أو صاحب العمل الذي يتخذ معك هذا الموقف رأى منك أنك تخرج إلى الصلاة وتعود فوراً لما ضغط عليك هذا الضغط، ولما حاول أن يفتنك عن صلاة الجماعة، فنحن الذين نتسبب في فتنة الناس، فالذي يعمل عند رجل لو أنه صلى الفرض وعاد إلى المكان ثم صلى هناك النافلة ـ مثلاً ـ لما حصل عليه ضغط بترك صلاة الجماعة، ولولا الصلاة لما ترك المرء بيته وذهب إلى المسجد، فلو أنه كلما خرج إلى الصلاة يمكث ـ مثلاً ـ نصف ساعة بعد الصلاة بسبب تعطيل أحد الأخوة له، حيث يكون عنده عمل معين، كذهاب إلى طبيب أو لشغل، أو كان عنده موعد من المواعيد المهمة التي يشق تأجيلها، فكل من صرفه عطله، فأي إضرار يكون أشد من هذا الإضرار؟! فلابد من أن تكون متأكداً في البداية من أن الوقت مناسب أم لا، أما أن الإنسان يخرج للصلاة، ثم يُعطل في كل صلاة، أو يعطل الإخوة المصلون بعضهم بعضاً فهذا نوع من الإضرار الذي ينبغي أن نتركه.
وصحيح أن كثيراً من النصائح تكون مؤلمة، ولكن لابد من المصارحة بكثير من هذه الأخطاء التي تظهر منا.
والذي دفعنا إلى هذا الاستطراد هو قول هذا الإمام الجليل ابن سكينة الذي كان لا يضيع شيئاً من وقته، يقول يحيى بن القاسم: كنا إذا دخلنا عليه يقول: لا تزيدوا على: (سلام عليكم، مسألة) لحرصه على الوقت.
أما أن تخاطب الشيخ الذي تسأله في التلفون قائلاً: كيف الحال؟! وكيف الأولاد؟! وتأتي بمقدمات طويلة ثم بعد ذلك تأتي بالسؤال فلا.
وبعض الإخوة يتصلون بي من وراء البحار، والأخ المتصل حينها الظاهر أنه يدفع مبالغ كبيرة في المكالمة، ومع هذا يضيع الوقت فيما لا فائدة فيه.
فكأن هذا الشيخ يقول: وقتي أغلى عندي من هذه الدولارات التي يدفعونها في المكالمات.
فلا تضيع الوقت في الأسئلة التي لا طائل من ورائها، وركز في سؤالك مكتفياً بقولك: ما حكم كذا.
أما كثرة الثرثرة بلا طائل فهي من إنفاق الوقت بما لا يعود على العبد بفائدة.......
•
الترويح عن النفس ليس مضيعةً للوقت:
مسألة: هل الترويح عن النفس مضيعةً للوقت؟
الجواب: أن الترويح عن النفس إن كان مما أباحته الشريعة الغراء فليس مضيعةً للوقت بل هو عونٌ بعد الله تعالى في استجلاب النشاط والقضاء على الفتور الذي يعترى الإنسان أحيانا لأن القلوب تملُّ كما تملُّ الأبدان وإن النفس قد تمل من الدؤوب في الجد، وترتاح إلى بعض المباح من اللهو المباح.
• قال الخليفة الراشد عليِّ بنِ أبي طالبٍ - رضي الله عنه -: أَجِمُّوا هذه القلوبَ، وابْتَغُوا لها طرائفَ الْحِكمةِ، فإنها تَمَلُّ كما تَمَلُّ الأبدانُ.
• وقال أسامة بن زيد - رضي الله عنه -: روحوا القلوب تعي الذكر.
• وقالُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رَحِمَه اللهُ تعالى في حِكْمَةِ النهيِ عن التَّطَوُّعِ في مُطْلَقِ الأوقاتِ: (بل في النهيِ عنه بعضَ الأوقاتِ مصالِحُ أُخَرُ من إِجمامِ النفوسِ بعضَ الأوقاتِ، من ثِقَلِ العِبادةِ؛ كما يُجَمُّ بالنوْمِ وغيرِه، ولهذا قالَ مُعاذٌ: إني لأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي، كما أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي.
وقالَ: (بل قد قيلَ: إنَّ من جُملةِ حِكمةِ النهيِ عن التَّطَوُّعِ المطلَقِ في بعضِ الأوقاتِ: إجمامَ النفوسِ في وَقْتِ النهيِ لتَنْشَطَ للصلاةِ؛ فإنها تَنْبَسِطُ إلى ما كانت مَمنوعةً منه، وتَنْشَطُ للصلاةِ بعدَ الراحةِ.
واللهُ أَعْلَمُ) أهـ.
• قال وهب بن منبه رحمه الله تعالى: " مكتوب في حكمة آل داود عليه السلام: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلو فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل فإن في هذه الساعة عوناً على تلك الساعات وإجماماً للقلوب، وحق على العاقل أن لا يُرى ظاعناً في غير ثلاث: زاد لمعاد أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم، وحق على العاقل أن يكون عارفاً بزمانه حافظاً للسانه مقبلا على شأنه " رواه البيهقي..
• قال بعض السلف في مثل هذا الموضع: إن النفس كالدابة، فإن أجهدت الدابة فسرت بها ثلاثة أيام ولم تطعمها ولم ترحها، هلكت وماتت ولم توصلك إلى المراد، وإن رفقت بها وخففت وأطعمتها وصلت بإذن الله، فلابد من شيء مما يستجم به المؤمن ويستعين به على الطاعة، لكن لا يكون في حرام ولا في لهو أو لعب، بل بعض من وفقه الله للخير.
• وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: إن هذه القلوب تحيى وتموت فإذا حييت فاحملوها على النافلة، وإذا ماتت فاحملوها على الفريضة،
• وقال الزهري رحمه الله تعالى: كان رجل يجالس أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويحدثهم، فإذا كثروا وثقل عليهم الحديث، قال: «إن الأذن مجاجة، وإن القلوب حمضة، فهاتوا من أشعاركم وأحاديثكم»،
• وقال أبو الدرداء - رضي الله عنه -: إني لأستجم نفسي ببعض الباطل كراهية أن أحمل عليها من الحق ما يَكِلَّها.
• وقال محمد بن إسحاق: كان ابن عباس إذا جلس مع أصحابه حدثهم ساعة ثم قال حمضونا، فيأخذ في أحاديث العرب ثم يعود يفعل ذلك مراراً.
• وعن الزهري أنه كان يقول لأصحابه: هاتوا من أشعاركم هاتوا من حديثكم فإن الأذن مجة والقلب حمض.
• وقال ابن إسحاق: كان الزهري يحدث ثم يقول: هاتوا من ظرفكم هاتوا من أشعاركم، أفيضوا في بعض ما يخفف عليكم وتأنس به طباعكم فإن الأذن مجاجة والقلب ذو تقلب.
• وقال مالك بن دينار: كان الرجل ممن كان قبلكم إذا ثقل عليه الحديث قال: إن الأذن مجاجة والقلب حمض فهاتوا من طرف الأخبار.
• عن ابن زيد قال: قال لي أبي: إن كان عطاء بن يسار ليحدثنا أنا وأبا حازم حتى يبكينا ثم يحدثنا حتى يضحكنا، ثم يقول: مرة هكذا ومرة هكذا.
• وُصِفَ رجل من النساك عند عبيد اللّه ابن عائشة فقالوا: هو جد كله، فقال لقد أضاق على نفسه المرعى، وقصر طول النهى، ولو فككها بالانتقال من حال إلى حال لتنفس عنها ضيق العقدة، وراجع الجد بنشاط وحدة.
• وعن الأصمعي قال: سمعت الرشيد يقول: النوادر تشحذ الأذهان وتفتق الآذان.
• قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه أخبار الحمقى والمغفلين:
وما زال العلماء والأفاضل يعجبهم الملح، ويهشون لها، لأنها تجم النفس وتريح القلب من كد الفكر.
مسألة: ما الدليل على أن إجمام النفس وإعطاءها شيئا من الراحة حتى تنشط في المستقبل من الأمور الشرعية؟
الجواب: يجب أن نعلم أن إجمام النفس وإعطاءها شيئا من الراحة حتى تنشط في المستقبل من الأمور الشرعية التي دلت عليها السنة الصحيحة كما في الأحاديث الآتية:
(حديث حنظلة بن الربيع الأُسيدي الثابت في صحيح مسلم) قال لقيني أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة قال قلت نافق حنظلة قال سبحان الله ما تقول قال قلت نكون عند رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين فإذا خرجنا من عند رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا قال أبو بكر فوالله إنا لنلقى مثل هذا فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قلت نافق حنظلة يا رسول الله فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وما ذاك؟ قلت يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات.
(حديث أبي جحيفة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: آخى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟.
قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا.
فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعاما، فقال: كل، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان من آخر الليل، قال سلمان: قم الآن، فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر ذلك له، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (صدق سلمان).
(حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ألم أخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة فقلت بلى يا نبي الله ولم أرد بذلك إلا الخير قال فإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك قال فإن لزوجك عليك حقا ولزورك عليك حقا ولجسدك عليك حقا.
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح البخاري) أنها: كانت مع النبي في سفر قالت فسابقته فسبقته على رجلي فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال هذه بتلك.
- وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كل شيء ليس من ذكر الله لهو و لعب إلا أن يكون أربعة: ملاعبة الرجل امرأته و تأديب الرجل فرسه و مشي الرجل بين الغرضين و تعليم الرجل السباحة.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (كل شيء ليس من ذكر اللّه فهو لهو ولعب) فهو مذموم واللذة التي لا تعقب ألماً في الآخرة ولا التوصل إلى لذة هناك فهي باطلة إذ لا نفع فيها ولا ضرر وزمنها قليل ليس لتمتع النفس بها قدر (إلا أن يكون أربعة) أي واحد من أربعة هي (ملاعبة الرجل امرأته وتأديب الرجل فرسه ومشي الرجل بين الغرضين) قال القرطبي: فيه تحريم الغناء لأنه لم يرخص في شيء منه إلا في هذه الثلاثة فيحرم ما سواها من اللهو لأنه باطل كما في خبر آخر
(وتعليم الرجل السباحة) أي العوم فإنه عون ولهذا كانت لذة اللعب بالدف جائزة لإعانتها على النكاح كما تعين لذة الرمي بالقوس وتأديب الفرس على الجهاد وكلاهما محبوب للّه فما أعان على حصول محبوبه فهو من الحق ولهذا عد ملاعبة الرجل امرأته من الحق لإعانتها على النكاح المحبوب للّه ولما كانت النفوس الضعيفة كالمرأة والصبي لا تنقاد إلى أسباب اللذة العظمى إلا بإعطائها شيئاً من اللهو واللعب بحيث لو فطمت بالكلية طلبت ما هو شر لها منه رخص لهما في ذلك ما لم يرخص لغيرهما كما دخل عمر على النبي صلى اللّه عليه وسلم وعنده جوار يضربن بالدف فأسكتهنّ لدخوله قائلاً: هو لا يحب الباطل ولم يمنعهن لما يترتب عليه من المفسدة.
وهذه الأحاديث هي الميزان الحقيقي الذي تطمئن إليه النفس والنفس إذا جعلتها دائما في جد لا بد أن تمل وتسأم.
•
ضوابط الترويح عن النفس في الإسلام:
(1) الأصل في الترويح الإباحة:
ويدل لذلك الحديث الآتي:
(حديث أبي الدرداء رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله العافية، فإن الله لم يكن نَسيّاً، ثم قرأ هذه الآية ((وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِياً)) [مريم: 64]
ومن القواعد المتقررة في الشرع أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم.
(2) الترويح وسيلة لا غاية:
الترويح وسيلة من الوسائل التي يستطيع بها الإنسان تحقيق التوازن بين جوانبه المختلفة، في حالة وجود اختلال بالإفراط في جانب على حساب بقية الجوانب الأخرى، وإذا تجاوز النشاط الترويحي هذا الحد وأصبح هدفاً وغاية في ذاته، فإنه يخرج من دائرة المستحب أو المباح إلى دائرة الكراهية أو الحرمة.
وبهذا الضابط يخرج الاحتراف لبعض الأنشطة الترويحية عن دائرة المباح أو المشروع لأن فيه إخلالاً ببنية وهيكل النظام الاجتماعي القائم على تعاليم الإسلام، وفيه قيادة أفراد الأمة إلى الميوعة والترف والانحلال، أضف إلى ذلك: تحقيق ذلك لرغبات أعداء الأمة في إلهاء أفرادها وإشغالهم عن جوهر الصراع الحضاري الذي يمارسونه ضدها.
وأدلة هذا الضابط ظاهرة في الشريعة، ومنها:
أن الإسلام رفض الإفراط في كمية العبادات الشرعية التي جاء آمراً بنوعها أمر وجوب أو استحباب، إذا أُخرجت عن حد المألوف المستطاع، ومن النصوص الدالة على ذلك ما يلي:
(حديث أنس الثابت في الصحيحين) قال: دخل رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المسجد فإذا حبلٌ ممدود بين ساريتين فقال ما هذا؟ قالوا هذا حبلٌ لزينب فإذا فترت تعلقت، قال حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد.
(حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذاصلى أحدكم وهو ناعسٌ فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لعله يستغفر فيسب نفسه.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فليضطجع.
• الشاهد من هذه النصوص:
إذا كان هذا النهي عن أمر مشروع، فما الحال بأمر مباح ـ لم يأمر الشارع بنوعه ـ، يُزاد في كميته زيادة مفرطة، تسبب ضياع المأمور به، وتجحف بالتوازن بين جوانب الإنسان المختلفة، وتغير هيكل النظام الاجتماعي الإسلامي، وتحقق مكائد ومخططات أعداء الأمة الساعين إلى إلهائها وتقويض بنيانها؟!.
(3) الجد هو الأصل والترويح فرع:
سبق ذِكْرُ أن النشاط الترويحي في التصور الإسلامي ما هو إلا حالة علاجية، لحصول الاختلال في إعطاء كل جانب من جوانب الكائن البشري ما يستحقه من النشاط والقوة، ليعود الإنسان بكافة جوانبه لمواصلة السير في طريقه إلى الله عز وجل بجد ونشاط ومثابرة، فإذا حصل تعارض بين الجد والترويح قدمنا الجد (الأصل) على الترويح (الفرع) لأن هذا هو الذي دلت عليه السنة الصحيحة كما في الأحاديث الآتية.
(حديث أبي برزة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها.
• قال الحافظ ابن حجر أثناء شرحه لهذا الحديث: قوله: وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها لأن النوم قبلها قد يؤدي إلى إخراجها عن وقتها مطلقاً، أو عن الوقت المختار، والسمر بعدها قد يؤدي إلى النوم عن الصبح أو عن وقتها المختار.
والقارئ الكريم يلاحظ أن الشارع لم يكره الترويح المتمثل في النوم لراحة البدن أو السمر لكونه سيؤدي إلى تضييع الواجب يقيناً، بل لاحتمال أن يكون ذريعة إلى الوقوع في ذلك.
(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اتق المحارم تكن أعبد الناس و ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس و أحسن إلى جارك تكن مؤمنا و أحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما و لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب.
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يا أبا هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس وكن قنعا تكن أشكر الناس وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب.
(حديث جابر بن سمرة في صحيح الترمذي) قال كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طويل الصمت قليل الضحك.
ولهذا ما كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يضحك إنما كان يبتسم
(حديث عائشة في الصحيحين) قالت ما رأيت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضاحكاً حتى أرى لهواته إنما كان يبتسم.
(4) ألا يكون في النشاط الترويحي مخالفة شرعية:
يعتبر هذا الضابط الأهم من ضوابط النشاط الترويحي، ولتطبيقه صور مختلفة، منها ما يلي:
• ألا يكون في النشاط الترويحي أذية للآخرين من سخرية، أو لمز، ونبز، أو ترويع، أو غيبة، أو اعتداء على ممتلكاتهم بإتلاف أو استخدام... ونحو ذلك؛ قال الله (تعالى): ((يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَاًكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ)) [الحجرات: 11، 12]،
(حديث يزيد ابن سعيد في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعباً و لا جاداً و من أخذ عصا أخيه فليرُدَّها.
(حديث عبد الرحمن ابن أبي ليلى في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا يحلُ لمسلمٍ أن يُروِّعَ مسلماً.
• ألا يكون في النشاط الترويحي كذب وافتراء:
(حديث معاوية ابن حيدة في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ويلٌ للذي يُحَدِّثُ فيكذبُ ليضحك به القوم ويلٌ له ويلٌ له.
• ألا يكون في النشاط الترويحي تبذير للمال واستهلاك باذخ؛ قال تعالى: ((وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26) إنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً)) [الإسراء: 26، 27]، وسياق الآية في الإنفاق على ذي القربى والمسكين وابن السبيل، فكيف الحال في الترويح؟!.
• ألا يكون في النشاط الترويحي اختلاط بين الرجال والنساء لما يفضي إليه ذلك من النظر المحرم، والخلوة المحرمة، بالإضافة إلى أنه قد يكون ذريعة لمخالفات شرعية أكبر؛ قال تعالى: ((وَإذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ)) [الأحزاب: 53]،
وقد حذَّر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أيما تحذير من الاختلاط بين الرجال والنساء ومن ذلك ما يلي:
(حديث عقبة بن عامر في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إياكم و الدخول على النساء قالوا: يا رسول اللّه أرأيت الحمو قال: الحمو الموت.
(حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أن نفرا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس فدخل أبو بكر الصديق وهي تحته يومئذ فرآهم فكره ذلك فذكر ذلك لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال لم أر إلا خيرا فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن الله قد برأها من ذلك ثم قام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المنبر فقال لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان.
(حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال: سألت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري.
• ألا يكون في النشاط الترويحي نص على الحرمة.
ولقد جاءت بعض النصوص بتحريم بعض أنواع ووسائل الترويح، ومن ذلك:
(أ) المعازف:
ورد في تحريمها نصوص، منها ما يلي:
(حديث أبي أمامة في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تبيعوا القينات و لا تشتروهن و لا تعلموهن و لا خير في تجارة فيهن و ثمنهن حرام في مثل هذا أنزلت هذه الآية ﴿و من الناس من يشتري لهو الحديث﴾ الآية.
(حديث أبي مالك الأشعري في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير و الخمر و المعازف.
(حديث عمران ابن حُصَين في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: في هذه الأمة خسف و مسخ و قذف فقال رجلٌ من المسلمين: يا رسول الله ومتى ذلك؟ إذا ظهرت القيان و المعازف و شربت الخمور.
معنى القيان: أي المغنيات
(ب) النرد:
(حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:
قال العلماء: النردشير هو النرد فالنرد عجمي معرب وشير معناه حلو، وهذا الحديث حجة للشافعي والجمهور في تحريم اللعب بالنرد.
وقال أبو إسحاق المروزي من أصحابنا يكره ولا يحرم.
وأما الشطرنج فمذهبنا أنه مكروه ليس بحرام وهو مروي عن جماعة من التابعين.
وقال مالك وأحمد: حرام.
قال مالك: هو شر من النرد وألهى عن الخير وقاسوه على النرد وأصحابنا يمنعون القياس ويقولون هو دونه، ومعنى صبغ يده في لحم الخنزير ودمه في حال أكله منهما وهو تشبيه لتحريمه بتحريم أكلهما والله أعلم.
(حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله "".
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(من لعب بالنرد فقد عصى اللّه ورسوله) وفي رواية مسلم " من لعب بالنردشير فكأنما صنع يده في لحم الخنزير ودمه " والنردشير هو النرد ومعناه الفرس حلو، قيل: سبب حرمته أن واضعه سابور بن أزدشير أول ملوك ساسان شبه رقعته بوجه الأرض والتقسيم الرباعي بالفصول الأربعة والشخوص الثلاثين بثلاثين يوماً والسواد والبياض بالليل [ص 220] والنهار والبيوت الاثني عشر بشهور السنة والكعاب الثلاثة بالأقضية السماوية فيما للإنسان وعليه وما ليس له ولا عليه والخصال بالأغراض التي يسعى الإنسان واللعب بها بالكسب فصار من يلعب بها حقيقاً بالوعيد المفهوم من تشبيه أحد الأمرين بالآخر لاجتهاده في إحياء سنة المجوس المستكبرة على اللّه.
وقد اتفق السلف على حرمة اللعب به ونقل ابن قدامة عليه الإجماع ولا يخلو عن نزاع قال الزمخشري: دخلت في زمن الحداثة على شيخ يلعب بالنرد مع آخر يعرف بازدشير فقلت الأزدشير النردشير بئس المولى وبئس العشير.
أهـ
(ج) الميسر:
؛ قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) [المائدة: 90]
(د) اتخاذ ما له روح غرضاً:
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:
(لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً) قال العلماء: صبر البهائم أن تحبس وهي حية لتقتل بالرمي ونحوه، وهو معنى لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً أي لا تتخذوا الحيوان الحي غرضاً ترمون إليه كالغرض من الجلود وغيرها، وهذ النهي للتحريم ولهذا قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رواية ابن عمر التي بعد هذه: (لعن الله من فعل هذا) ولأنه تعذيب للحيوان وإتلاف لنفسه وتضييع لماليته وتفويت لذكاته إن كان مذكى ولمنفعته إن لم يكن مذكى.
(حديث سعيد بن جُبَير الثابت في الصحيحين) قال: كنت عند ابن عمر، فمروا بفتية، أو بنفر، نصبوا دجاجة يرمونها، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها، وقال ابن عمر: من فعل هذا؟ إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن من فعل هذا.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: نهى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تُصبر البهائم.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:
تُصبر البهائم: وهو حبسها لتقتل برمي ونحوه.
(هـ) تصوير ما له روح:
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (إن أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة المصورون).
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم).
(حديث سعيد بن أبي الحسن رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كنت عند ابن عباس رضي الله عنهما: إذ أتاه رجل فقال: يا أبا عباس، إني إنسان، إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير.
فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: سمعته يقول: (من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبدا).
فربا الرجل ربوة شديدة واصفر وجهه، فقال: ويحك، إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بهذا الشجر، كل شيء ليس فيه روح.
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) قالت: دخل علي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي البيت قرام فيه صور، فتلون وجهه ثم تناول الستر فهتكه، وقالت: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور).
(حديث أبي طلحة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة تماثيل).
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أتاني جبريل عليه السلام فقال لي أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل وكان في البيت كلب فمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة ومر بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتين منبوذتين توطآن ومر بالكلب فليخرج.
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: الصورة الرأس فإذا قطع الرأس فلا صورة.
(و) كثرة الضحك:
(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اتق المحارم تكن أعبد الناس و ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس و أحسن إلى جارك تكن مؤمنا و أحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما و لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب.
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يا أبا هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس وكن قنعا تكن أشكر الناس وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب.
(حديث جابر بن سمرة في صحيح الترمذي) قال كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طويل الصمت قليل الضحك.
(ز) النظر إلى ما حرم الله تعالى: ورد في ذلك نصوص كثيرة، منها قوله (تعالى): ((قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ)) [النور: 30، 31]
(5) ألا يشغل النشاط الترويحي عن واجب شرعي أو اجتماعي:
الطابع العام لحياة المسلم: الجدية، وما الترويح إلا عامل مساعد للحياة الجادة، والاستمرار فيها، فإذا تجاوز الترويح هذا الحد فشغل عن الجد: فإنه يخرج إلى دائرة المكروه أو المحرم بحسب نوع الجد الذي يشغل عنه، فإذا كان شاغلاً عن أداء واجب أو ترك محرم فإنه محرم، وإن كان شاغلاً عن أداء مستحب أو ترك مكروه فإنه مكروه، لأنه أصبح ذريعة إلى الحرام أو المكروه، وما كان ذريعة إليهما أعطى حكمهما،
• يقول أبو زهرة في بيان قاعدة سد الذرائع:
وذلك لأن الشارع إذا كلف العباد أمراً فكل ما يتعين وسيلة إليه مطلوب، وإذا نهى الناس عن أمر فكل ما يؤدي إلى الوقوع فيه حرام أيضاً، وقد ثبت هذا بالاستقراء للتكليفات الشرعية طلباً ومنعاً.
(6) ألا يكون النشاط الترويحي ضارّاً على مُمَارِسِه:
إذا كان في النشاط الترويحي ضرر على ممارسه ـ أيّاً كان نوع الضرر ـ ولم يوجد فيه نفع يفوق ذلك الضرر فإنه يحرم على ذلك الممارس مزاولته؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار بنص السنة الصحيحة:
(حديث ابن عباس الثابت في صحيح ابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا ضرر و لا ضرار.
ولما قد تقرر في الشرع من قواعد مثل قاعدة: إذا اجتمع الحلال والحرام غُلّب الحرام، وقاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وبهذا تظهر حرمة أنواع من الرياضة في عصرنا كالملاكمة والمصارعة ـ بوضعها الحالي والله أعلم ـ لما تؤدي إليه من أضرار في الجسم، بل وربما أدى بعضها إلى الوفاة أو الإعاقةـ كما هو مشاهد ـ.
•
تفاوت الناس في اغتناهم لأوقاتهم:
إن الناظر في أحوال الناس يجد أنهم تجاه الوقت على طبقات:
الأولى: مَنْ أعمالهم النافعة أكثر من أوقاتهم، ويذكر أن الشيخ جمال الدين القاسمي رحمه الله مَرّ بمقهى، فرأى رواد المقهى وهم منهمكين في لعب الورق والطاولة وشرب المشروبات ويمضون في ذلك الوقت الطويل, فقال رحمه الله: لو كان الوقت يشترى لاشتريت من هؤلاء أوقاتهم!
الثانية: من يشغلون جميع أوقاتهم في الركض وراء ما لا فائدة فيه، إما في علم لا ينفع أو أمور الدنيا الأخرى.
وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى قصة رجل كان يفني عمره في جمع الأموال وتكديسها، فلما احتضر قيل له: قل لا إله إلا الله.
فلم يقلها، وجعل يقول: ثوب بخمسة، وثوب بعشرة، هذا ثوب جيد.
وما زال هكذا حتى خرجت روحه.
الثالث: من لايدرون ماذا يفعلون بالوقت؟!
• قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: «وقد رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعا عجيبا، إن طال الليل فبحديث لا ينفع أو بقراءة كتاب فيه غزل وسمر، وإن طال النهار فبالنوم، وهم في أطراف النهار على دجلة، أو في الأسواق، فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة وهي تجري بهم وما عندهم خبر،.... ولقد شاهدت خلقا كثيرا لا يعرفون معنى الحياة، فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ماله فهو يقعد في السوق أكثر النهار ينظر في الناس، وكم تمر به من آفة ومنكر، ومنهم من يخلو بلعب الشطرنج، ومنهم من يقطع الزمان بحكاية الحوادث عن السلاطين والغلاء والرخص إلى غير ذلك، فعلمت أن الله لم يُطْلِعْ على شرف العمر ومعرفة قدر أوقات العافية إلا من وفقه وألهمه اغتنام ذلك ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 35]».
و
السبب في تفاوت أحوال الناس مع الوقت يرجع إلى ثلاثة أسباب رئيسة:
السبب الأولى: عدم تحديد هدف من الحياة، والواجب على المسلم أن يعلم أن الهدف الذي خلقه الله عز وجل من أجله هو عبادته, كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، وليعلم أن هذه الدار دار عمل وليست دار راحة وعبث كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115], فالدنيا مزرعة للآخرة إن زرعت فيها خيرا جنيت النعيم المقيم في جنات النعيم, وإن زرعت فيها شرا جنيت العذاب الأليم في ذلك اليوم العظيم، ومن المعلوم شرعاً وعقلاً وبداهةً أن من زرع الشوك لا يجني عنبا.
ولا يتنافى هذا مع التمتع بما أذن الله عز وجل فيه من هذه الدنيا, فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]،
والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع كونه أخشى الناس وأتقاهم له لكنه كان يصلي وينام ويصوم ويفطر ويتزوج النساء كما في الحديث الآتي:
(حديث أنس الثابت في الصحيحين) جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسألون عن عبادة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما أخبروا كأنهم تقاُّلوها وقالوا: أين نحن من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أما أنا أصلي الليل أبداً، وقال آخر: وأنا أصوم الدهر أبداً، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني.
السبب الثاني: الجهل بقيمة الوقت وأهميته، وهذا داء ٌ عضال ومرض قتَّال أمره خطير وشره مستطير أشر من البرص وأضر من الجرب كالسرطان يأكل الخلايا، ومثل السوس الذي ينخر عظامهم من الداخل، لأنه يضيع فرصة العمر هباءاً منثورا.
السبب الثالث: ضعف الإرادة والعزيمة, فكثير من الناس مدركون لأهمية الوقت وقيمته, ويعرفون ما ينبغي أن يملأ به الوقت من الأمور النافعة, ولكن بسبب ضعف عزيمتهم وإرادتهم لا يقومون بشيء من ذلك, فعلى المسلم أن يعالج هذا بالمسابقة والمبادرة إلى الأعمال الصالحة، والاستعانة على ذلك بالله عز وجل أولا ثم بالرفقة الصالحة.
•
واجب المسلم نحو وقته:
لما كان للوقت كل هذه الأهمية حتى إنه ليعد هو الحياة حقاً، كان على المسلم واجبات نحو وقته، ينبغي عليه أن يدركها، ويضعها نصب عينيه، ومن هذه الواجبات ما يلي: (1) الحرص على الاستفادة من الوقت: إذا كان الإنسان شديد الحرص على المال، شديد المحافظة عليه والاستفادة منه، وهو يعلم أن المال يأتي ويروح، فلابد أن يكون حرصه على وقته والاستفادة منه كله فيما ينفعه في دينه ودنياه، وما يعود عليه بالخير والسعادة أكبر، خاصة إذا علم أن ما يذهب منه لا يعود، ولقد كان السلف الصالح أحرص ما يكونون على أوقاتهم؛ لأنهم كانوا أعرف الناس بقيمتها، وكانوا يحرصون كل الحرص على ألا يمر يوم أو بعض يوم أو برهة من الزمان وإن قصرت دون أن يتزودوا منها بعلم نافع أو عمل صالح أو مجاهدة للنفس أو إسداء نفع إلى الغير، • وقال الحسن رحمه الله تعالى: أدركت أقواماً كان أحدهم أشح على عمره منه على درهمه.
- وقال أيضا: يا ابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب بعضك أن يذهب كلك.
- وقال أيضا: "يا ابن آدم، نهارك ضيفك فأحسِن إليه، فإنك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل بذمِّك، وكذلك ليلتك".
- وقال أيضا: "الدنيا ثلاثة أيام: أما الأمس فقد ذهب بما فيه، وأما غداً فلعلّك لا تدركه، وأما اليوم فلك فاعمل فيه.
• قال ابن القيم رحمه الله تعالى: إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها.
(2) تنظيم الوقت: من الواجبات على المسلم نحو وقته تنظيمه بين الواجبات والأعمال المختلفة دينية كانت أو دنيوية بحيث لا يطغى بعضها على بعض، ولا يطغى غير المهم على المهم.
يقول أحد الصالحين: "أوقات العبد أربعة لا خامس لها: النعمة، والبلية، والطاعة، والمعصية.
و لله عليك في كل وقت منها سهم من العبودية يقتضيه الحق منك بحكم الربوبية: فمن كان وقته الطاعة فسبيله شهود المنَّة من الله عليه أن هداه لها ووفقه للقيام بها، ومن كان وقته النعمة فسبيله الشكر، ومن كان وقته المعصية فسبيله التوبة والاستغفار، ومن كان وقته البلية فسبيله الرضا والصبر".
(3) اغتنام وقت فراغه: الفراغ نعمة يغفل عنها كثير من الناس فنراهم لا يؤدون شكرها، ولا يقدرونها حق قدرها،
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة و الفراغ.
• قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "قال ابن بطال: معنى الحديث أن المرء لا يكون فارغا، حتى يكون مكفيا صحيح البدن، فمن حصل له ذلك، فليحرص على ألاّ يغبن، بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومن شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرط في ذلك، فهو المغبون" [فتح الباري: (11/ 230)
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(نعمتان) تثنية نعمة، وهي الحالة الحسنة، أو النفع المفعول على وجه الإحسان للغير.
وزاد في رواية " من نعم اللّه "
(مغبون فيهما) بالسكون والتحريك قال الجوهري: في البيع بالسكون وفي الراوي بالتحريك، فيصح كل في الخبر.
إذ من لا يستعملهما فيما ينبغي فقد غبن ولم يحمد رأيه.
(كثير من الناس: الصحة والفراغ) من الشواغل الدنيوية المانعة للعبد عن الاشتغال بالأمور الآخروية، فلا ينافي الحديث المار: إن اللّه يحب العبد المحترف، لأنه في حرفة لا تمنع القيام بالطاعات.
شبه المكلف بالتاجر، والصحة والفراغ برأس المال لكونهما من أسباب الأرباح ومقدمات النجاح فمن عامل اللّه بامتثال أوامره ربح، ومن عامل الشيطان باتباعه ضيع رأس ماله.
والفراغ نعمة غبن فيها كثير من الناس.
ونبه بكثير على أن الموفق لذلك قليل.
وقال حكيم: الدنيا بحذافيرها في الأمن والسلامة.
وفي منشور الحكم: من الفراغ تكون الصبوة، ومن أمضى يومه في حق قضاه، أو فرض أدَّاه، أو مجد أثله، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه فقد عتق يومه وظلم نفسه.
قال: لقد هاج الفراغ عليك شغلا وأسباب البلاء من الفراغ.
أهـ
- وقد حث النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على اغتنام الفراغ قبل الشغل كما في الحديث الآتي:
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك و صحتك قبل سقمك و فراغك قبل شغلك و شبابك قبل هرمك و غناك قبل فقرك.
قال المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (اغتنم خمساً قبل خمس): أي افعل خمسة أشياء قبل حصول خمسة أشياء (حياتك قبل موتك) يعني اغتنم ما تلقى نفعه بعد موتك فإن من مات انقطع عمله وفاته أمله وحق ندمه وتوالى همه فاقترض منك لك
(وصحتك قبل سقمك) أي اغتنم العمل حال الصحة فقد يمنع مانع كمرض فتقدم المعاد بغير زاد
(وفراغك قبل شغلك) أي اغتنم فراغك في هذه الدار قبل شغلك بأهوال القيامة التي أول منازلها القبر فاغتنم فرصة الإمكان لعلك تسلم من العذاب والهوان
(وشبابك قبل هرمك) أي اغتنم الطاعة حال قدرتك قبل هجوم عجز الكبر عليك فتندم على ما فرطت في جنب اللّه
(وغناك قبل فقرك) أي اغتنم التصدق بفضول مالك قبل عروض جائحة تفقرك فتصير فقيراً في الدنيا والآخرة فهذه الخمسة لا يعرف قدرها إلا بعد زوالها.
• يقول أحد الصالحين: "فراغ الوقت من الأشغال نعمة عظيمة، فإذا كفر العبد هذه النعمة بأن فتح على نفسه باب الهوى، وانجرَّ في قِياد الشهوات، شوَّش الله عليه نعمة قلبه، وسلبه ما كان يجده من صفاء قلبه".
فلابد للعاقل أن يشغل وقت فراغه بالخير وإلا انقلبت نعمة الفراغ نقمة على صاحبها، ولهذا قيل: "الفراغ للرجال غفلة، وللنساء غُلْمة" أي محرك للشهوة.
(4) اجتهد في العمل قبل أن يُحال بينك وبين العمل:
• روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن زيد بن وهب قال: حدثني رجل قال: رأيت أخاً لي فيما يرى النائم فقلت: فلان عشت الحمد لله رب العالمين قال: قلتها لأن أقدر أقولها أحب إلي من الدنيا وما فيها، ثم قال: ألم تر حيث يدفنون فلاناً، فإن فلاناً قام فصلى ركعتين، لأن أكون أقدر أن أصليها أحب إلي من الدنيا وما فيها.
• روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن مطرف بن عبد الله الجرشي قال: شهدت جنازة واعتزلت ناحية قريباً من قبر فصليت ركعتين كأني خففتهما لم أرض إتقانهما، ونعست فرأيت صاحب القبر يكلمني فقال: ركعت ركعتين لم ترض إتقانهما، قلت: قد كان ذلك قال تعملون ولا تعملون ونحن نعلم ولا نستطيع أن نعمل لأن أكون ركعت مثل ركعتيك أحب إلي من الدنيا بحذافيرها.
• روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن مفضل بن يونس قال: كان ربيع بن راشد يخرج إلى الجبان فيقيم سائر نهاره ثم يرجع مكتئباً فيقول: كنت في المقابر نظرت إلى قوم منعوا ما نحن فيه ثم يبكي.
• روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الحسن قال: دخلت أنا وصفوان المقابر فقنع رأسه ثم لم يزل يذكر الله تعالى حتى خرجنا من المقابر فقلت له في ذلك فقال إني قد ذكرتهم، وما حضر عليهم من ذلك ونحن المهلة في فأحببت أن أقدم لذلك شيئاً من عمل قال الحسن: أحب والله أن يكون لي في كل خير نصيب.