كتاب الرقائق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
(ومن يتق الشر يوقه) زاد الطبراني والبيهقي في روايتيهما ثلاث من كن فيه لم يسكن الدرجات العلى ولا أقول لكم الجنة من تكهن أو استقسم أو ردّه من سفر تطير (تنبيه) قال بعضهم: ويحصل العلم بالفيض الإلهي لكنه نادر غير مطرد فلذا تمم الكلام نحو الغالب قال الراغب: الفضائل ضربان نظري وعملي وكل ضرب منها يحصل على وجهين أحدهما بتعلم بشرى يحتاج إلى زمان وتدرب وممارسة ويتقوى الإنسان فيه درجة فدرجة وإن فيهم من يكفيه أدنى ممارسة بحسب اختلاف الطبائع في الذكاء والبلادة، والثاني يحصل [ص 570] بفيض إلهي نحو أن يولد إنسان عالماً بغير تعلم كعيسى ويحيى عليهما الصلاة والسلام وغيرهما من الأنبياء عليهم السلام الذين حصل لهم من المعارف بغير ممارسة ما لم يحصل لغيرهم وذكر بعض الحكماء أن ذلك قد يحصل لغير الأنبياء عليهم السلام في الفيئة بعد الفيئة وكلما كان يتدرب فقد يكون بالطبع كصبي يوجد صادق اللّهجة وسخياً وجريئاً وآخر بعكسه وقد يكون بالتعلم والعادة فمن صار فاضلاً طبعاً وعادة وتعلماً فهو كامل الفضيلة ومن كان رذلاً فهو كامل الرذيلة أهـ.
(وهذا الورع يُتَعَلَّم، كما قال الضحّاك بن عثمان رحمه الله: (أدركت الناس وهم يتعلمون الورع وهم اليوم يتعلمون الكلام)، والإنسان إذا تورّع لن يعدم الحلال ولا يظن أنه سيضيق على نفسه ضيقاً لا مخرج منه فإنه يلتمس الورع الشرعي مثلما تقدم.
(علامة الورع:
فصل الخطاب في علامة الورع: ﴿ترك الشبهات﴾ امتثالاً لقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك كما في الحديث الآتي:
(حديث علي الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة و الكذب ريبة.
فتمام التقوى أن تتقي الله حتى تترك أحياناً ما ترى بعض الحلال خشية أن تكون حراماً، النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يرى تمرة فيريد أن يأكلها فيتركها لأنه يخشى أن تكون سقطت من تمر الصدقة.
وهذا أصل من أصول الورع، ولهذا كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمر بتمرة فلا يأكلها خشية أن تكون من الصدقة.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: مر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتمرة في الطريق، قال: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها).
والورع يجب أن يكون ورعاً صحيحاً، فبعض الناس يفعلون الكبائر ثم يتورعون عن الأشياء اليسيرة.. !." عجبتُ لكم يا أهل العراق تقتلون ابن بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم تسألون عن دم البعوض".. !!!، فلذلك ينبغي أن يكون الورع على أساس، امرئ ترك المحرمات ثم هو آخذ في الإعراض عن المشتبهات، ولذلك لما سُئِل الإمام أحمد رحمه الله عن رجل يشتري البقل ويشترط الخوصة أنه يخشى أن تكون هذه التي تربط بها حزمة البقل غير داخلة في البيع فيشترط على البائع ذلك..،قال: ما هذه المسائل.. ؟!!!، قالوا: فلان يفعل ذلك.. إبراهيم بن أبي نعيم.. قال: هذا نعما.. هذا رجل يليق بحاله.. رجل متقي جداً.
وهو الذي سُئِل رحمه الله عن رجل له زوجة وأمه تأمره بطلاقها فقال: ((إن كان برّ أمه في كل شيء حتى لم يبقَ إلا طلاق زوجته؛ يفعل، ولكن إن كان يبرها بطلاق زوجته ثم يقوم إلى أمه بعد ذلك فيضربها فلا يفعل.. !)).
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن محمد بن المبارك الصوري قال قلت لراهب ما علامة الورع قال الهرب من مواطن الشبهة.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن بن المبارك يقول لأن أرد درهما من شبهة أحب إلي من أن أتصدق بمائة ألف ومائة ألف حتى بلغ ستمائة ألف.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن الشعبي قال جاء رجلان إلى شريح فقال أحدهما اشتريت من هذا دارا فوجدت فيها عشرة آلاف درهم فقال خذها فقال: لِمَ؟ إنما اشتريت الدار فقال البائع خذها أنت قال لِمَ وقد بعته الدار بما فيها فأدارا الأمر بينهما فأبيا فأتى زيادا فأخبره فقال ما كنت أرى أن أحدا هكذا بقي وقال لشريح أدخل بيت المال فألق في كل جراب قبضة حتى يكون للمسلمين ثم قال للشعبي كيف ترى الأمير قال أبو بكر بن عياش أعجبه ما صنع.
(صورٌ مشرقة من ورع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
(1) (حديث عقبة ابن الحارث النوفلي الثابت في صحيح البخاري) قال: صليت وراء النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمدينة العصر فسلم ثم قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج إليهم فرأى أنهم عجبوا من سرعته فقال: ذكرتُ شيئاً من تبرٍ فأمرت بقسمته.
﴿تنبيه﴾: (إن هذا التصرف من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعدُّ مثلاً أعلى ونبراساً يُحْتَذى به في الشعور بالمسؤولية, والتحري الدقيق في القضايا المالية, والمبادرة إلى تنفيذ التكاليف الشرعية وإن لم يكن وقت تنفيذها محددا خشية النسيان أو حضور الأجل.
وهذا لون من ألوان التربية النبوية المؤثرة حيث إن خروج النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من المسجد بهذه الصورة أثار عجب الصحابة وتساؤلهم فتهيأت نفوسهم لاستقبال هذا التوجيه العملي نحو الاهتمام بحقوق المسلمين والإسراع في إيصالها إلى مستحقيها.
(2) (حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: مر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتمرة في الطريق، قال: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها).
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (إني لأنقلبُ إلى أهلي، فأجدُ التمرة ساقطةً على فراشي، فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها)
هذا مثال على شدة ورع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعِظَم خشيته من الله تعالى، وقد حرَّم الله تعالى الصدقة على بني هاشم, وبهذا الورع الشديد والخشية البالغة كان - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قدوة عليا لأمته في ذلك.
(صورٌ مشرقة من ورع أصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
(حديث أبي قتادة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنه كان مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حتى إذا كان ببعض طريق مكة، تخلف مع أصحاب له محرمين، وهو غير محرم، فرأى حمارا وحشيا، فاستوى على فرسه، فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا، فسألهم رمحه فأبوا، فأخذه ثم شد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبى بعض، فلما أدركوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سألوه عن ذلك، قال: (إنما هي طعمة أطعمكموها الله).
إنما هي طعمة اطعمكموها الله: وذلك لأنكم لم تشيروا إلى الصيد وأنتم حرم ولا عاونتم عليه بشيء، لأن ذلك لا يجوز فلا يجوز للمحرم قتل الصيد إلا أن صال عليه فقتله دفعا فيجوز ولا ضمان عليه، وكذلك فإن أبي قتادة لم يصطاد الصيد من أجل المحرم فإن ذلك لا يجوز بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث الصعب بن جثامة الليثي في الصحيحين) أنه أهدى لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودَّان فردَّه عليه فلما رأى ما في وجهه قال إنَّا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم.
لذا كان ذلك طعمة اطعمكموها الله.
(فانظررحمك الله كيف تورعوا عن الإشارة والمعاونة ‘اى حمارٍ وحشي وهم حرم لأن ذلك لا يجوز وكذلك وعن الأكل منه.
(- صورٌ مشرقة من ورع أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -:
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح البخاري)، قالت: كان لأبي بكرٍ الصديق رضي الله عنهُ، غلام يخرجُ لهُ الخرج وكان أبو بكرٍ يأكلُ من خراجه، فجاء يوماً بشيءٍ، فأكل منه أبو بكرٍ، فقال له الغلامُ: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكرٍ؟ وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسانٍ في الجاهلية وما أحسنُ الكهانةَ إلا أني خدعتهُ، فلقيني فأعطاني بذلك هذا الذي أكلت منهُ، فأدخل أبو بكرٍ يده فقاء كلَّ شيءٍ في بطنهِ.
وكان أبو بكر يخارجه: يعني يدعه يشتغل ويضرب عليه خراجاً معيناً، يقول: أئتِ لي كل يوم بكذا وكذا، وما زاد فهو لك.
وهذه المخارجة جائزة بالنسبة للعبيد، إذا كان الإنسان عنده عبيد وقال لهم: اذهبوا اشتغلوا وأتوني كل يوم بكذا وكذا من الدراهم وما زاد فهو لكم؛ فإن هذا جائز؛ لأن العبيد ملك للسيد، فما حصَّلوه فهو له سواء خارجهم على ذلك أم لم يخارجهم.
لكن فائدة المخارجة أن العبد إذا حصَّل ما اتفق عليه مع سيده فإن له أن يبقى من غير عمل، أن يبقى في طلب العلم، أن يبقى مستريحاً في بيته أو أن يشتغل ويأخذ ما زاد.
أما بالنسبة للعمال الذين يجلبهم الإنسان إلى البلاد ويقول: اذهبوا وعليكم كل شهر كذا وكذا من الدراهم، فإن هذا حرامٌ وظلم ومخالف لنظام الدولة، والعقد على هذا الوجه باطل، فليس لصاحب العمل شيء مما فرضه على هؤلاء العمال؛ لأن العامل ربما يكدح ويتعب ولا يحصل ما فرضه عليه كفيله، وربما لا يحصل شيئاً أبداً، فكان في هذا ظلم.
أما العبيد فهم عبيد الإنسان، مالهم وما في أيديهم فهو له.
هذا الغلام لأبي بكر، كان أبو بكر قد خارجه على شيء معين يأتي به إليه كل يوم، وفي يوم من الأيام قدّم هذا الغلام طعاماً لأبي بكر فأكله فقال: أتدري ما هذا؟ قال: وما هو؟ قال: هذا عوض عن أجرة كهانة تكهنت بها في الجاهلية وأنا لا أحسن الكهانة، لكنى خدعت الرجل فلقيني فأعطاني إياها.
وعوض الكهانة حرام، سواء كان الكاهن يحسن صنعة الكهانة أو لا يحسن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ((حُلوان الكاهن)) كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال:
نهى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحُلوان الكاهن.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن) أي ما يأخذه على كهانته عن إخباره عن الكائنة المستقبلة بزعمه وهو بضم الحاء وسكون اللام من حلوت الرجل حبوته بشيء أعطيته إياه أو من الحلاوة شبه ما يعطى الكاهن بشيء حلو لأخذه إياه سهلاً بلا كلفة يقال حلوته أطعمته الحلو والنهي يشمل الآخذ والمعطي وفي الأحكام السلطانية ينهى المحتسب من يتكسب بالكهانة واللهو ويؤدَّب عليه الآخذ والمعطي.
فلما قال لأبي بكر هذه المقالة، أدخل أبو بكر يده في فمه فقاء كلّ ما أكل، كل ما أكل قاءه وأخرجه من بطنه لماذا؟ لئلا يتغذى بطنه بحرام.
وهذا مال حرام؛ لأنه عوض عن حرام، وقد قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إن الله إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه)).
فالأجرة على فعل الحرام حرام، ومن ذلك تأجير بعض الناس دكاكينهم على الحلاقين الذين يحلقون اللحى، فإن هذه الأجرة حرام ولا تحل لصاحب الدكان؛ لأنه استؤجر منه لعمل محرم.
ومن ذلك أيضاً تأجير البنوك في المحلات، فإن تأجير البنوك حرام؛ لأن البنك معاملته كلها أو غالبها حرام، وإذا وجد فيه معاملة حلال؛ فهي خلاف الأصل الذي من أجله أنشأ هذا البنك، الأصل في إنشاء البنوك أنها للربا، فإذا أجرَّ الإنسان بيته أو دكانه للبنك فتعامل فيه بالربا فإن الأجرة حرامٌ ولا تحل لصاحب البيت أو صاحب الدكان.
وكذلك من أجَّر شخصاً يبيع المجلات الخليعة أو المفسدة في الأفكار الرديئة ومصادمة الشرع؛ فإنه لا يجوز تأجير المجلات لمن يبيع هذه المحلات؛ لأن الله تعالى قال (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة:2)، وتأجير المحلات لهؤلاء معونة لهم، وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إن الله إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه)).
وفي هذا الحديث دليلٌ على شدة ورع أبي بكر رضي الله عنه، فهو جدير بهذا؛ لأنه الخليفة الأول على هذه الأمة بعد نبيها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولهذا كان قول أهل السنة والجماعة إن أبا بكر رضي الله عنه أفضل هذه الأمة؛ لأنه الخليفة الأول.
(صورٌ مشرقة من ورع عمر - رضي الله عنه -:
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قدم على عمر رضي الله عنه مسك وعنبر من البحرين فقال عمر: والله لوددت أني وجدت امرأة حسنة الوزن تَزِنُ لي هذا الطيب حتى أقسمه بين المسلمين, فقالت له امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل: أنا جيدة الوزن فهلمَّ أزِنْ لك, قال: لا, قالت: لِمَ؟ قال: - إني أخشى أن تأخذيه فتجعليه هكذا وأدخل أصابعه في صدغيه – وتمسحي به عنقك, فأصيب فضلا على المسلمين (1).
(فهذا مثل من ورع أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه واحتياطه البالغ لأمر دينه, فقد أبى على امرأته أن تتولى قسمة ذلك الطيب حتى لا تمسح عنقها منه فيكون قد أصاب شيئًا من مال المسلمين, وهذه الدِّقة المتناهية في ملاحظة الاحتمالات التي قد توقع في المحرمات أو الشبهات نورٌ يهبه الله تعالى لأوليائه السابقين إلى الخيرات, وفرقان يفرقون به بين الحلال والحرام والحق والباطل, بينما تفوت هذه الملاحظات على الذين لم يشغلوا تفكيرهم بحماية أنفسهم من المخالفات.
(ومن ذلك ما أخرجه المؤرخ أبو زيد عمر بن شبة من خبر عبد الرحمن بن نجيح قال: نزلت على عمر رضي الله عنه, فكانت له ناقة يحلبها, فانطلق غلامه ذات يوم فسقاه لبنا أنكره, فقال: ويحك من أين هذا اللبن لك؟ قال: يا أمير المؤمنين إن الناقة انفلت عليها ولدها فشربها, فحلبت لك ناقة من مال الله, فقال: ويحك تسقيني نارًا, واستحل ذلك اللبن من بعض الناس, فقيل هو لك حلال يا أمير المؤمنين ولحمها (2).
(فهذا مثل من ورع أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه, حيث خشي من عذاب الله جل وعلا لما شرب ذلك اللبن مع أنه لم يتعمد ذلك, ولم تطمئن نفسه إلا بعد أن استحل ذلك من بعض كبار الصحابة رضي الله عنهم الذين يمثلون المسلمين في ذلك الأمر, وهذا الخبر وأمثاله يدل على أن ذكر الآخرة بما فيها من حساب ونعيم أو شقاء قد أخذ بمجامع قلب عمر وملأ عليه تفكيره, حتى أصبح ذلك موجها لسلوكه في هذه الحياة.
(وعن نافع عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان قد فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف في أربعة، وفرض لابن عمر ثلاثة آلاف وخمسمائة فقيل له هو من المهاجرين فلم نقصته من أربعة آلاف؟ قال: إنما هاجر به أبواه لأنه كان صغيراً، ليس هو كمن هاجر بنفسه.
[رواه البخاري].
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن الحسن قال بينما عمر بن الخطاب يمشي ذات يوم في نفر من أصحابه إذا صبية في السوق يطرحها الريح لوجهها من ضعفها فقال عمر يا بؤس هذا من يعرف هذه قال له عبد الله أوما تعرفها هذه إحدى بناتك قال وأي بناتي قال بنت عبد الله بن عمر قال فما بلغ بها ما أرى من الضيعة قال إمساكك ما عندك قال إمساكي ما عندي عنها يمنعك أن تطلب لبناتك ما تطلب الأقوام أما والله ما لك عندي إلا سهمك مع المسلمين وسعك أو عجز عنك بيني وبينكم كتاب الله.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن عمر قال إنه لا أجده يحل لي أن آكل من مالكم هذا إلا كما كنت آكل من صلب مالي الخبز والزيت والخبز والسمن قال فكان ربما يؤتى بالجفنة قد صنعت بالزيت ومما يليه منها سمن فيعتذر إلى القوم ويقول إني رجل عربي ولست أستمري الزيت.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن قتادة قال كان معيقيب على بيت مال عمر فكنس بيت المال يوما فوجد فيه درهما فدفعه إلى ابنٍ لعمر، قال معيقيب ثم انصرفت إلى بيتي فإذا رسول عمر قد جاءني يدعوني فجئت فإذا الدرهم في يده فقال لي ويحك يا معيقيب أوجدت علي في نفسك شيئا قال قلت ما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال أردت أن تخاصمني أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا الدرهم.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن محمد بن سيرين قال كتب عمر إلى أبي موسى إذا جاءك كتابي هذا فأعط الناس أعطياتهم وأحمل إلي ما بقي مع زياد ففعل فلما كان عثمان كتب إلي أبي موسى بمثل ذلك ففعل فجاء زياد بما معه فوضعه بين يدي عثمان فجاء بن لعثمان فأخذ شيئا فمضى بها فبكى زياد فقال له عثمان ما يبكيك قال أتيت أمير المؤمنين عمرا بمثل ما أتيتك به فجاء بن له فأخذ درهما فأمر به فانتزع منه حتى بكى الغلام وإن ابنك جاء فأخذ هذه فلم أر أحدا قال له شيئا قال عثمان إن عمرا كان يمنع أهله وأقربائه ابتغاء وجه الله أعطي أهلي وأقربائي ابتغاء وجه الله ولن تلقى مثل عمر ولن تلقى مثل عمر ولن تلقى مثل عمر.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري أنه خرج إلى عمر فنزل عليه وكانت لعمر ناقة يحلبها فانطلق غلامه ذات يوم فسقاه لبنا فأنكره فقال ويحك من أين هذا اللبن فقال يا أمير المؤمنين إن الناقة انفلت عليها ولدها فشرب لبنها فحلبت لك ناقة من مال الله فقال له عمر ويحك سقيتني نارا ادع لي علي بن أبي طالب فدعاه فقال إن هذا عمد إلى ناقة من مال الله فسقاني لبنها أفتحله لي قال نعم يا أمير المؤمنين هو لك حلال ولحمها وأوشك أن يجيء من لا يرى لنا في هذا المال حق.
(صورةٌ مشرقة من ورع علي ابن أبي طالب رضي الله عنه:
أخرج ابن عساكر عن الشَّعْبي قال: خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوماً بالكوفة فوقف على باب فاستسقى ماء، فخرجت إليه جارية بإبريق ومنديل فقال لها: يا جارية لمن هذه الدار؟ قالت: لفلان القسطال، فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «لا تشرب من بئر قسطال ولا تستظلن في ظل عشار».
كذا في الكنز وقال: ولم أرَ في رجاله من تُكلم فيه.
اهـ.
(صورةٌ مشرقة من ورع ابن عمر رضي الله تعالى عنهما:
كان عبد الله بن عمر رضي الله عنه سمع صوت زمارة راعٍ، فمشى في الطريق بسرعة وابن عمر كان يضع إصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول يا نافع أتسمع فيقول نعم، فيمضي على حاله واضعاً إصبعيه في أذنيه حتى قلت لا، فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق.
[رواه الإمام أحمد وقال أحمد شاكر إسناده صحيح].
فانظر رحمك الله تعالى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما على الرغم من أن الإنسان غير مكلّف بما يسمع ولكن بما يستمع إليه فلا يجوز تقصّد السماع والتلذذ به.
(صورةٌ مشرقة من ورع معاذ وابن عباس رضي الله عنهما:
أخرج أبو نعيم في الحلية عن يحيى بن سعيد أن معاذ ابن جبل رضي الله عنه كانت له امرأتان، فإذا كان يوم إحداهما لم يتوضأ من بيت الأخرى، ثم توفيتا في السقم الذي أَصابهما بالشام والناس في شغل، فدفنتا في حفرة فأسهم بينهما أَيتهما تقدّم في القبر.
وعنده أَيضاً من طريق مالك عن يحيى قال: كان تحت معاذ بن جبل إمرأَتان، فإذا كان عند إِحداهما لم يشرب من بيت الأخرى الماء.
وأَخرج ابن سعد عن طاووس قال: أَشهد لسمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: أشهد لسمعت عمر رضي الله عنه يهل، فإنا لواقفون في الموقف فقال له رجل: أرأيت حين دَفَع؟ فقال ابن عباس: لا أدري، فعجب الناس من ورع ابن عباس.
كذا في المنتخب.
(صورةٌ مشرقة من ورع زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها:
عليهم فزينب رضي الله عنها عصمها الله بالورع في قصة الإفك فمع أنها كانت تنافسها وتساميها.
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) قالت: وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال لزينب: ماذا علمت، أو رأيت).
فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرا، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعصمها الله بالورع.
(صور مشرقة من ورع التابعين رحمهم الله:
(ورع عمر ابن عبد العزيز:
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن فرات بن مسلم قال كنت أعرض على عمر بن عبد العزيز كتبي في كل جمعة فعرضتها عليه فأخذ منها قرطاسا قدر أربع أصابع فكتب فيه حاجة قال فقلت غفل أمير المؤمنين فأرسل من الغد أن جئني بكتبك قال فجئت بها فبعثني في حاجة فلما جئت قال لي: مالنا أن ننظر فيها قلت إنما نظرت فيها أمس قال فاذهب أبعث إليك فلما فتحت كتبي وجدت فيها قرطاسا قدر القرطاس الذي أخذ.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن أبي سنان أن عمر بن عبد العزيز كان يسخن له الماء في مطبخه فقال لصاحب المطبخ أين يسخن هذا الماء قال في المطبخ قال انظر منذ كم تسخنه في المطبخ فأخبرني به قال منذ كذا وكذا قال انظر ما ثمن ذلك الحطب قال كذا وكذا فأخذه عمر فألقاه في بيت المال.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن فاطمة بنت عبد الملك قالت اشتهى عمر بن عبد العزيز يوما عسلا فلم يكن عندنا فوجهنا رجلا على دابة من دواب البريد إلى بعلبك فأتى بعسل فقلنا يوما إنك ذكرت عسلا وعندنا عسل فهل لك فيه قال نعم فأتيناه به فشرب ثم قال من أين لكم هذا العسل قال قلت وجهنا رجلا على دابة من دواب البريد بدينارين إلى بعلبك فاشترى لنا عسلا قال فأرسل إلى الرجل فجاء فقال انطلق بهذا العسل إلى السوق فبعه فاردد إلينا رأس مالنا وانظر الفضل فاجعله في علف دواب البريد ولو كان ينفع المسلمين في لتقيأت.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن بن السماك قال كان عمر بن عبد العزيز يقسم تفاحا بين الناس فجاء ابن له وأخذ تفاحة من ذلك التفاح فوثب إليه ففك يده فأخذ تلك التفاحة فطرحها في التفاح فذهب إلى أمه مستغيثا فقالت له مالك أي بني فأخبرها فأرسلت بدرهمين فاشترت تفاحا فأكلت وأطعمته ورفعت لعمر فلما فرغ مما بين يديه دخل إليها فأخرجت له طبقا من تفاح فقال من أين هذا يا فاطمة فأخبرته فقال رحمك الله والله إن كنت لأشتهيه.
(ورع إبراهيم ابن أدهم:
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن محمد بن يوسف قال كان إبراهيم بن أدهم يلقط الحب مع المساكين فبصر بسنبل فبادر إليه مع المساكين فسبقهم فقالوا له في ذلك فرمى بما معه وقال أنا لم أزاحم أهل الدنيا على دنياهم أزاحم المساكين على معاشهم فكان بعد لا يلقط إلا مع الدواب.
(ورع أيوب بن راشد:
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن رباح بن الجراح قال رأيت أبا شعيب أيوب بن راشد فما رأيت أحدا كان أورع منه كان يكنس حيطان بيته فإذا وقع شيء من حيطان جيرانه جمعه فذهب به إليهم.
(ورع الحسن البصري:
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن الحسن قال ما ضربت ببصري ولا نطقت بلسانين ولا بطشت بيدين ولا نهضت على قدمي حتى أنظر على طاعة أو على معصية فإن كانت طاعة تقدمت وإن كانت معصية تأخرت.
(ورع يوسف بن أسباط:
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن يوسف بن أسباط قال مر طاوس بنهر قد كري فأرادت بغلته أن تشرب فأبى أن يدعها يعني كراة السلطان.
(ورع محمد بن سيرين:
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن هشام بن حسان قال ما رأيت أحدا أورع من محمد بن سيرين.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن هشام قال ترك بن سيرين أربعين ألفا فيما لا ترون به اليوم بأسا.
(أقوال السلف في الورع:
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن معاوية بن قرة قال دخلت على الحسن وهو متكئ على سريره فقلت يا أبا سعيد أي الأعمال أحب إلى الله قال الصلاة في جوف الله والناس نيام قلت فأي الصوم أفضل قال في يوم صائف قلت فأي الرقاب أفضل قال أنفسها عند أهلها وأغلاها ثمنا قلت فما تقول في الورع قال ذاك رأس الأمر كله.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن خالد بن معدان قال قيل له أتعرف النية قال ما أعرف النية ولكني أعرف الورع فمن كان ورعا كان تقيا.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن أبي إسماعيل المؤدب قال جاء رجل إلى العمري فقال عظني فأخذ حصاة من الأرض فقال زنة هذه من الورع يدخل قلبك خير لك من صلاة أهل الأرض، قال زدني قال كما تحب أن يكون الله لك غدا فكن له اليوم.
(و ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن الحسن قال ما في الأرض شيء أحبه للناس من قيام الليل قال فقال أبو إياس فأين الورع قال به به ذلك ملاك الأمر.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن الضحاك قال أدركت الناس وهم يتعلمون الورع وهم اليوم يتعلمون الكلام.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن النضر بن محمد: قال نسك الرجل على قدر ورعه.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن أبي وهب محمد بن مزاحم قال قيل لابن المبارك أي شيء أفضل قال الورع قالوا ما الورع قال حتى تنزع عن مثل هذا وأخذ شيئا من الأرض.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن خالد بن معدان قال من لم يكن له حلم يضبط به جهله وورع يحجزه عما حرم الله عليه وحسن صحابة عن يصحبه فلا حاجة لله فيه.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن إبراهيم بن الأشعث قال سألت فضيل بن عياض فقلت أي الأعمال أفضل قال ما لا بد منه قلت أداء الفرائض واجتناب المحارم قال نعم أحسنت يا بخاري وهو الورع.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن الحسن قال أفضل العبادة التفكر والورع.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن يحيى بن أبي كثير قال يقول الناس فلان الناسك فلان الناسك إنما الناسك الوَرِع.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن أبي اليزيد الفيض قال سألت موسى بن أعين عن قول الله تعالى: (إِنّمَا يَتَقَبّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتّقِينَ) [المائدة: 27] قال تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام فسماهم الله متقين.
(وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن ضمرة بن حبيب: قال لا يعجبكم كثرة صلاة امرئ ولا صيامه ولكن انظروا إلى ورعه فإن كان ورعا مع ما رزقه الله من العبادة فهو عبد الله حقا.
(أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن طاوس عن قال: مثل الإسلام كمثل شجرة فأصلها الشهادة وساقها كذا وكذا وورقها كذا شيء سماه وثمرها الورع لا خير في شجرة لا ثمر لها ولا خير في إنسان لا ورع له.
(فصلٌ في منزلة التبتل:
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التبتل
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: 8]
والتبتل الانقطاع وهو تفعل من البتل وهو القطع وسميت مريم البتول لانقطاعها عن الأزواج وعن أن يكون لها نظراء من نساء زمانها ففاقت نساء الزمان شرفا وفضلا وقطعت منهن ومصدر بتل تبتلا كالتعلم والتفهم ولكن جاء على التفعيل مصدر تفعل لسرٍ لطيف فإن في هذا الفعل إيذانا بالتدريج والتكلف والتعمل والتكثر والمبالغة فأتى بالفعل الدال على أحدهما بالمصدر الدال على الآخر فكأنه قيل: بتل نفسك إلى الله تبتيلا وتبتل إليه تبتلا ففهم المعنيان من الفعل ومصدره وهذا كثير في القرآن وهو من أحسن الاختصار والإيجاز.
(قال صاحب المنازل: التبتل: "الانقطاع إلى الله بالكلية" وقوله عز وجل: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: 14] أي التجريد المحض.
(ومراده بالتجريد المحض: التبتل عن ملاحظة الأعواض بحيث لا يكون المتبتل كالأجير الذي لا يخدم إلا لأجل الأجرة فإذا أخذها انصرف عن باب المستأجر بخلاف العبد فإنه يخدم بمقتضى عبوديته لا للأجرة فهو لا ينصرف عن باب سيده إلا إذا كان آبقا والآبق قد خرج من شرف العبودية ولم يحصل له إطلاق الحرية فصار بذلك مركوسا عند سيده وعند عبيده وغاية شرف النفس: دخولها تحت رق العبودية طوعا واختيارا ومحبة لا كرها وقهرا كما قيل: شرف النفوس دخولها في رقهم، والعبد يحوي الفخر بالتمليك، والذي حسن استشهاده بقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ في هذا الموضع: إرادة هذا المعنى وأنه تعالى صاحب دعوة الحق لذاته وصفاته وإن لم يوجب لداعيه بها ثوابا فإنه يستحقها لذاته «فهو أهلٌ أن يعبد وَحْدَه وَيُدْعَى وَحْدَه وَيُقْصَدُ وَيُشْكَرُ وَيُحْمَدُ وَيُحَبُ وَيُرْجَى وَيُخَاف وَيُتَوَكَل عليه وَيُسْتَعانُ به وُيُسْتَجار به وَيُلْجَأ إليه وَيُصْمَدُ إليه فتكون الدعوة الإلهية الحق له وحده»، ومن قام بقلبه هذا معرفة وذوقا وحالا صح له مقام التبتل والتجريد المحض، وقد فسر السلف دعوة الحق بالتوحيد والإخلاص فيه والصدق ومرادهم: هذا المعنى.
(فقال علي رضي الله عنه دعوة الحق: التوحيد.
(وقال ابن عباس رضي الله عنهما: شهادة أن لا إله إلا الله.
(وقيل: الدعاء بالإخلاص والدعاء الخالص لا يكون إلا لله وحده ودعوة الحق دعوة الإلهية وحقوقها وتجريدها وإخلاصها.
أهـ.
(...
فصلٌ في منزلة الرغبة والرهبة:
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة
الرغبة قال الله عز وجل: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ [الأنبياء: 90] والفرق بين الرغبة و الرجاء أن الرجاء طمع والرغبة طلب فهي ثمرة الرجاء فإنه إذا رجا الشيء طلبه والرغبة من الرجاء كالهرب من الخوف فمن رجا شيئا طلبه ورغب فيه ومن خاف شيئا هرب منه.
أهـ
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) قال: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو يَقُولُ رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ وَاهْدِنِي وَيَسِّرْ الْهُدَى لِي وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا لَكَ ذَكَّارًا لَكَ رَهَّابًا لَكَ مِطْوَاعًا لَكَ مُخْبِتًا إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي وَاغْسِلْ حَوْبَتِي وَأَجِبْ دَعْوَتِي وَثَبِّتْ حُجَّتِي وَسَدِّدْ لِسَانِي وَاهْدِ قَلْبِي وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ): أَيْ عَلَى أَعْدَائِي فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا مِنَ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ.
(وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَكْرُ الْخِدَاعُ وَهُوَ مِنَ اللَّهِ إِيقَاعُ بَلَائِهِ بِأَعْدَائِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ، وَقِيلَ هُوَ اسْتِدْرَاجُ الْعَبْدِ بِالطَّاعَةِ فَيَتَوَهَّمُ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ وَهِيَ مَرْدُودَةٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمَكْرُ الْحِيلَةُ وَالْفِكْرُ فِي دَفْعِ عَدُوٍّ بِحَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ الْعَدُوُّ، فَالْمَعْنَى: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي إِلَى طَرِيقِ دَفْعِ أَعْدَائِي عَنِّي وَلَا تَهْدِ عَدُوِّي إِلَى طَرِيقِ دَفْعِهِ إِيَّاهُ عَنْ نَفْسِهِ) كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ.
(وَاهْدِنِي) أَيْ دُلَّنِي عَلَى الْخَيْرَاتِ.
(وَيَسِّرْ لِي الْهُدَى) أَيْ وَسَهِّلِ اتِّبَاعَ الْهِدَايَةِ أَوْ طُرُقَ الدَّلَالَةِ حَتَّى لَا أَسْتَثْقِلَ الطَّاعَةَ وَلَا أَشْتَغِلَ عَنِ الطَّاعَةِ.
(وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ) أَيْ ظَلَمَنِي وَتَعَدَّى عَلَيَّ.
(رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا) أَيْ كَثِيرَ الشُّكْرِ عَلَى النَّعْمَاءِ وَالْآلَاءِ، وَتَقْدِيمُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ لِلِاهْتِمَامِ وَالِاخْتِصَاصِ أَوْ لِتَحْقِيقِ مَقَامِ الْإِخْلَاصِ
(لَكَ ذَكَّارًا) أَيْ كَثِيرَ الذِّكْرِ.
(لَكَ رَهَّابًا) أَيْ كَثِيرَ الْخَوْفِ
(لَكَ مِطْوَاعًا) بِكَسْرِ الْمِيمِ مِفْعَالٌ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ كَثِيرَ الطَّوْعِ وَهُوَ الِانْقِيَادُ وَالطَّاعَةُ
(لَكَ مُخْبِتًا) أَيْ خَاضِعًا خَاشِعًا مُتَوَاضِعًا مِنَ الْإِخْبَاتِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: أَخْبَتَ خَشَعَ
(إِلَيْكَ أَوَّاهًا) أَيْ مُتَضَرِّعًا فَعَّالٌ لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ أَوَّهَ تَأْوِيهًا وَتَأَوَّهَ تَأَوُّهًا إِذَا قَالَ أَوْهُ أَيْ قَائِلًا كَثِيرًا لَفْظَ أَوْهُ وَهُوَ صَوْتُ الْحَزِينِ.
أَيِ اجْعَلْنِي حَزِينًا وَمُتَفَجِّعًا عَلَى التَّفْرِيطِ أَوْ هُوَ قَوْلُ النَّادِمِ مِنْ مَعْصِيَتِهِ الْمُقَصِّرِ فِي طَاعَتِهِ وَقِيلَ الْأَوَّاهُ الْبَكَّاءُ
(مُنِيبًا) أَيْ رَاجِعًا قِيلَ التَّوْبَةُ رُجُوعٌ مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَالْإِنَابَةُ مِنَ الْغَفْلَةِ إِلَى الذِّكْرِ وَالْفِكْرَةِ، وَالْأَوْبَةُ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ وَالْمُشَاهَدَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا اكْتَفَى فِي قَوْلِهِ أَوَّاهًا مُنِيبًا بِصِلَةٍ وَاحِدَةٍ لِكَوْنِ الْإِنَابَةِ لَازِمَةً لِلتَّأَوُّهِ وَرَدِيفًا لَهُ فَكَأَنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ.
(رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي) أَيْ بِجَعْلِهَا صَحِيحَةً بِشَرَائِطِهَا وَاسْتِجْمَاعِ آدَابِهَا فَإِنَّهَا لَا تَتَخَلَّفُ عَنْ حَيِّزِ الْقَبُولِ.
(وَاغْسِلْ حَوْبَتِي) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَيُضَمُّ أَيِ امْحُ ذَنْبِي.
(وَأَجِبْ دَعْوَتِي) أَيْ دُعَائِي.
(وَثَبِّتْ حُجَّتِي) أَيْ عَلَى أَعْدَائِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى وَثَبِّتْ قَوْلِي وَتَصْدِيقِي فِي الدُّنْيَا وَعِنْدَ جَوَابِ الْمَلَكَيْنِ.
(وَسَدِّدْ لِسَانِي) أَيْ صَوِّبْهُ وَقَوِّمْهُ حَتَّى لَا يَنْطِقَ إِلَّا بِالصِّدْقِ وَلَا يَتَكَلَّمَ إِلَّا بِالْحَقِّ.
(وَاهْدِ قَلْبِي) أَيْ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
(وَاسْلُلْ) بِضَمِّ اللَّامِ الْأُولَى أَيْ أَخْرِجْ مِنْ سَلَّ السَّيْفَ إِذَا أَخْرَجَهُ مِنَ الْغِمْدِ
(سَخِيمَةَ صَدْرِي) أَيْ غِشَّهُ وَغِلَّهُ وَحِقْدَهُ.
﴿تنبيه﴾: (لا بدّ لنا من وقْفةٍ في قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ [الأنبياء: 90]، من السَّهل أن ترجو رحمته دون أن تدفع الثَّمَن، ومن السَّهل أيضًا أن تقنط من رحمته لِجَهلٍ مسْتحْكِم ولكنّ البطولة أن تعبُدَهُ راجيًا وخائفًا، راغبًا وراهبًا، رغبةً ورهبةً الوضْع المتوازن يحتاج إلى بطولة، أما التطرّف فسهلٌ جدًّا أبٌ بإمكانه أن يكون سهلاً فَيُعْصَر، وبإمكانه أن يكون عنيفًا جدًّا، كلا الحالتين سهلةٌ على الأب، أما الأب الذي يرجو أولاده عطاءه، ويخافون غضبهُ في الوقت نفسه هذا أب مُرَبٍّ حكيم، وبالمقابل المؤمن الصادق يعبد الله رغبًا ورهبًا، إذا عرف من رحمته لا يطمع بها فَيُقصِّر، وإذا عرف من عقابه لا يدْفعُه العقاب إلى أن ييْأس، أكمل موقف قاله سيّدنا عمر: والله لو علمْتُ أنّ الله معذِّبٌ واحدًا لَخِفْتُ أن أكون أنا، ولو علمْتُ أنّ الله راحمًا واحدًا لرجَوْتُ أن أكون أنا.
لكنّ العلماء فرَّقوا بين الرغبة والرجاء، قالوا: «الرّجاء طمع والرغبة طلب»، طمعٌ وطلبٌ، أو الرجاء ثمرةُ الطَّمع، تطْمعُ فترْغَبُ فإنَّه إذا رجا الشيء طلبهُ، والرغبة من الرَّجاء كالهرب من الخوف، فمن رجا شيئًا طلبه ورغب فيه، ومن خاف شيئًا هرب منه.
أهـ
(علامة صِدْق الرّجاء العمل:
قال تعالى: (قُلْ إِنّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىَ إِلَيّ أَنّمَآ إِلََهُكُمْ إِلََهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا) [الكهف: 110] ، الله عز وجل «ربط الرجاء بالعمل» حيث قال تعالى (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً)، وقال تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الاَخِرَةَ وَسَعَىَ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مّشْكُوراً) [الإسراء: 19] أراد الآخرة وسعى لها سعيَها وهو مؤمن، يعني بِشَكلٍ أو بآخر إن لم يُتَرجم العلم إلى عمل فلا قيمة له، إن لم يُتَرجم الإيمان إلى سلوك فلا قيمة له، إن لم يُترْجم التوحيد إلى تقوى لا قيمة له: وعالم بعِلْمه لم يعملَن... مُعَذَّبٌ من قبل عبّاد الوثن
الراجي طالب، والخائف هارب، والرغبة هي الرجاء حقيقة الرجاء طمَع يحتاج إلى تحقيق، طمعٌ في مغيَّبٍ عنك مَشْكوك في تَحصيله وإن كان متحقِّقًا بِذاته، الجنّة مُتحقِّقة بذاتها، ولكن القلق أن يُسْمحَ لي أن أدخلها أو أن لا أدخلها، بالمناسبة الشيء بالشيء يُذْكر.
(الرّغبة من لوازمها الرِّعايَة:
إن كنتَ راغبًا في شيءٍ عليك أن ترْعاهُ، إن اكْتَمَلَتْ الرغبة اكْتَمَلَ معها خُلُق الرِّعاية، الرِّعاية الإيمانيّة العِلْم كيف يُراعى؟ يُحْفظ ويُعْمَلُ به، آفاتا العلم أن يُنْسى وأن لا يُعْمَلَ به الآن إذا كان هناك رغبة صادقة لا بدّ من أن يتْبَعَ هذه الرغبة الصادقة عملٌ يؤكِّدها، فَرِعايَةُ العلم بالحفْظ، ورِعايَة العلم بالعمل.
فإذا اكتمَلَتْ رغبَتُهُ اكْتَمَلَ مع رغْبته خُلقُ الرِّعاية، يرعى العلم فيحْفظُهُ ويعمل به، ويرْعى العمل بالإحسان والإخلاص، والإحسان هو الإتقان، والإخلاص أن يكون خالصًا لله تعالى، يرعى العلم فيحْفظُهُ ويعمل به، ويرْعى العمل بالإحسان والإخلاص.
ويحفظ العمل من مُفْسِداته، مثلاً أعطى ثمّ منَّ بعْد عطائِهِ، فالمنّ أذْهَبَ ثواب عطائه، وقال العلماء مراتب العلم والعمل ثلاثة: رواية هي مجرّد النقل وحمْلُ المرْوِيّ، ودِرايَةٌ هي فهمهُ وتعَقُّلُ معناه، ورعايةٌ هي العمل بِمُوجِبِه، ما علمهُ، وبِحَسب مُقتضاه.
(فصلٌ في منزلة الرعاية:
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الرعاية وهي مراعاة
العلم وحفظه بالعمل، ومراعاة العمل بالإحسان والإخلاص وحفظه من المفسدات، ومراعاة الحال بالموافقة وحفظه بقطع التفريق، «فالرعاية صيانة وحفظ» ومراتب العلم والعمل ثلاثة:
(رواية: وهي مجرد النقل وحمل المروي.
(و دراية: وهي فهمه وتعقل معناه.
(ورعاية: وهي العمل بموجب ما عمله ومقتضاه،
«فالنقلة همتهم الرواية والعلماء همتهم الدراية والعارفون همتهم الرعاية» وقد ذم الله من لم يرع ما اختاره وابتدعه من الرهبانية حق رعايته فقال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ رهبانية منصوب بابتدعوها على الاشتغال إما بنفس الفعل المذكور على قول الكوفيين وإما بمقدر محذوف مفسر بهذا المذكور على قول البصريين أي وابتدعوا رهبانية وليس منصوبا بوقوع الجعل عليه فالوقف التام عند قوله: ورحمة، ثم يبتدىء ورهبانية ابتدعوها أي لم نشرعها لهم بل هم ابتدعوها من عند أنفسهم ولم نكتبها عليهم.
(ثم قال رحمه الله تعالى:
والقصد: أن الله سبحانه وتعالى ذم من لم يرع قُرْبَةً ابتدعها لله تعالى حق رعايتها فكيف بمن لم يرع قربة شرعها الله ورضيها لعباده وأذن بها وحث عليها.
أهـ
لأنّ الله ما كتبها عليهم، لم يستطيعوا رعايتها من هو الخبير؟ الله جلّ جلاله، إذا سمَحَ الله لك بالزواج، وحرمْت أنت نفسكَ من الزواج زهدًا وورعًا، أنت تحرَّكْتَ حركة بِخِلاف فِطْرتك التي فُطِرْت عليها، لن تستطيع رِعايَة هذا المسْلكَ الذي ابْتَدَعْتهُ، لأنَّهم ابْتَدَعوها ولم تَرِد في منهجهم إذًا لن يستطيعوا رعايتها حقّ الرعاية، ما كتبناها عليهم هم حينما كتَبُوها على أنفسهم اِدَّعَوا أنَّه ابْتِغاء رِضْوان الله، ولأنَّها لم تُكْتَب عليهم لمْ يستطيعوا رعايتها، فما رعَوْها حقّ رعايتها.
وأجْمَل ما قيل في هذا المقام قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له»، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(
(حديث أنس الثابت في الصحيحين) جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسألون عن عبادة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما أخبروا كأنهم تقاُّلوها وقالوا: أين نحن من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أما أنا أصلي الليل أبداً، وقال آخر: وأنا أصوم الدهر أبداً، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني.
في هذا المعنى الدقيق، الله جلّ جلاله ذمّ من لمْ يرْعَ قُرْبةً ابْتَدَعها لله تعالى، لم يرْعها حقّ رعايتها، فكيف بِمَن لم يرْعَ قُرْبةً شرعها الله؟ القُربة التي لم يُشَرِّعها الله عاتب الذين ابْتَدَعوها أنَّهم لم يرْعَوْها حق رعايتها، فكيف بالذي لا يرعى عبادة شرعها الله عز وجل، وهي متوافقةٌ مع طبْعِهِ، ومع طاقته وقدرته وإمكاناته.
الآن من أركان الرِّعاية رعايَة الأعمال وفْق النَّمَط الأوْسط مع اسْتصغارها والقيام بها من غير نظرٍ إليها، ثلاث صفات؛ رِعايَة الأعمال أن تأخذ الوضع المعتدل منها، فالإفراط تطرّف، والتفريط تطرّف، وأن تُلقي بِنَفسِكَ إلى التهلكة تهوّر، وأن تجمد عن ملاقاة العدوّ جبْنٌ، والوضْع الوسَطِيّ أن تكون شجاعًا بِتَعَقُّل، أن تمْسِكَ المال بُخلاً، وأن تُلْقِيَهُ جزافًا إسرافًا، أما الوضْع الوسطي كما قال تعالى: (وَالّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) [الفرقان: 67]
أوّل شيء رعاية الأعمال وفْق النَّمَط الأوْسَط، وقالوا الفضيلة وسَطٌ بين طرفين، مع اسْتصغارها والقيام بها من غير نظرٍ إليها، الإنسان إذا رأى عملهُ كبيرًا حجَبَهُ عن الله عز وجل، «لو كان لك عملٌ كالجبال يجب أن ترى أنّ الله تفضَّل به عليك، ولولا أنّ الله عز وجل تفضَّل به عليك لأخذْت ولم تُعْطِ»
(فإذا كانت الهداية إلى الله مصروفة، والاستقامة على مشيئته موقوفة
والعاقبة مغيبة، والإرادة غير مغالبة
فلا تعجبي بإيمانك وعملك وصلاتك وصومك وجميع قربك
فإن ذلك وإن كان من بك فإنه من خلق ربك وفضله الدار عليك وخيره
فمهما افتخرت بذلك كنت كالمفتخرة بمتاع غيرها
وربما سُلب عنك فعاد قلبك من الخير أخلى من جوف البعير
فكم من روضة أمست وزهرها يانع عميم فأصبحت وزهرها يابس هشيم
إذ هبت عليها الريح العقيم
كذلك العبد يمسي وقلبه بطاعة الله مشرق سليم
فيصبح وهو بمعصية الله مظلم سقيم ذلك
فعل العزيز الحليم الخلاق العليم.
مسألة / ما مدى صحة القول الآتي: «ما عبدتُك شوقاً إلى جنَّتك، ولا خوفاً من نارك، وإنما عبدتك شوقاً إلى رؤيتك»؟
الجواب: أن هذا قولٌ باطل لا يصح بل يجب عبادة الله تعالى بمقامات الإيمان الثلاثة المتلازمة، وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غير مُخِّل:
(1) أن العبادة الشرعية عند أهل السنَّة تشمل المحبة والتعظيم، والمحبة تولِّد الرجاء، والتعظيم يولِّد الخوف.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
العبادة مبنية على أمرين عظيمين، هما: المحبة، والتعظيم، الناتج عنهما: قال تعالى: (إِنّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ) [الأنبياء: 90]، فبالمحبة تكون الرغبة، وبالتعظيم تكون الرهبة، والخوف.
ولهذا كانت العبادة أوامر، ونواهي: أوامر مبنية على الرغبة، وطلب الوصول إلى الآمر، ونواهي مبنية على التعظيم، والرهبة من هذا العظيم.
فإذا أحببتَ الله عز وجل: رغبتَ فيما عنده، ورغبت في الوصول إليه، وطلبتَ الطريق الموصل إليه، وقمتَ بطاعته على الوجه الأكمل، وإذا عظمتَه: خفتَ منه، كلما هممتَ بمعصية استشعرت عظمة الخالق عز وجل، فنفرتَ، (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ) يوسف/ 24.
فهذه مِن نعمة الله عليك، إذا هممتَ بمعصية وجدتَ الله أمامك، فهبتَ، وخفتَ، وتباعدتَ عن المعصية؛ لأنك تعبد الله، رغبة، ورهبة.
" مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (8/ 17، 18).
(2) أن عبادة الأنبياء والعلماء والأتقياء تشتمل على الخوف والرجاء، ولا تخلو من محبة، فمن يرد أن يعبد الله تعالى بإحدى ذلك: فهو مبتدع، وقد يصل الحال به للكفر.
قال الله تعالى – في وصف حال المدعوين من الملائكة والأنبياء والصالحين -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ) [الإسراء/ 57]
وقال الله تبارك وتعالى – في وصف حال الأنبياء -: (إِِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء/ 90]
قال ابن جرير الطبري – رحمه الله -:
ويعنى بقوله: (رَغَباً): أنهم كانوا يعبدونه رغبة منهم فيما يرجون منه، من رحمته، وفضله.
(وَرَهَباً): يعني: رهبة منهم، من عذابه، وعقابه، بتركهم عبادته، وركوبهم معصيته.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
" تفسير الطبري " (18/ 521).
وقال الحافظ ابن كثير – رحمه الله -:
وقوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) أي: في عمل القُرُبات، وفعل الطاعات.
(وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا) قال الثوري: (رَغَبًا) فيما عندنا، (وَرَهَبًا) مما عندنا.
(وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي: مصدِّقين بما أنزل الله، وقال مجاهد: مؤمنين حقّاً، وقال أبو العالية: خائفين، وقال أبو سِنَان: الخشوع هو الخوف اللازم للقلب، لا يفارقه أبداً، وعن مجاهد أيضاً: (خَاشِعِينَ) أي: متواضعين، وقال الحسن، وقتادة، والضحاك: (خَاشِعِينَ) أي: متذللين لله عز وجل، وكل هذه الأقوال متقاربة.
" تفسير ابن كثير " (5/ 370).
((قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
قال بعض السلف: " مَن عبد الله بالحب وحده: فهو زنديق، ومَن عبده بالخوف وحده: فهو حروري – أي: خارجي -، ومَن عبده بالرجاء وحده: فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء: فهو مؤمن موحد.
" مجموع الفتاوى " (15/ 21).
(3) اعتقادهم أن الجنة هي الأشجار والأنهار والحور العين، وغفلوا عن أعظم ما في الجنة مما يسعى العبد لتحصيله وهو: رؤية الله تعالى، والتلذذ بذلك، والنار ليست هي الحميم والسموم والزقوم، بل هي غضب الله وعذابه والحجب عن رؤيته عز وجل.
((قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
ومِن هنا يتبين زوال الاشتباه في قول مَن قال: " ما عبدتُك شوقاً إلى جنَّتك، ولا خوفاً من نارك، وإنما عبدتك شوقاً إلى رؤيتك ".
فإن هذا القائل ظنَّ هو ومَن تابعه أن الجنة لا يدخل في مسماها إلا الأكل، والشرب، واللباس، والنكاح، ونحو ذلك مما فيه التمتع بالمخلوقات، ولهذا قال بعض مَن غلط مِن المشائخ لما سمع قوله: (مِنْكُم مَنْ يُريدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ) قال: فأين من يريد الله؟! وقال آخر في قوله تعالى: (إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ المُؤمِنينَ أنْفُسَهُم وَأَمْوَالُهُم بِأَنَّ لَهُم الجَنَّةَ) قال: إذا كانت النفوس والأموال بالجنَّة فأين النظر إليه؟!.
وكل هذا لظنِّهم أنَّ الجنَّة لا يدخل فيها النظر، والتحقيق: أن الجنة هي الدار الجامعة لكل نعيم، وأعلى ما فيها: النظر إلى وجه الله، وهو من النعيم الذي ينالونه في الجنة، كما أخبرت به النصوص، وكذلك أهل النار، فإنهم محجوبون عن ربهم يدخلون النار، مع أن قائل هذا القول إذا كان عارفاً بما يقول فإنما قصده أنك لو لم تخلق ناراً، أو لو لم تخلق جنَّة لكان يجب أن تُعبد، ويجب التقرب إليك، والنظر إليك، ومقصوده بالجنة هنا ما يتمتع فيه المخلوق.
" مجموع الفتاوى " (10/ 62، 63).
(وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:
والتحقيق أن يقال: الجنَّة ليست اسماً لمجرد الأشجار، والفواكه، والطعام، والشراب، والحور العين، والأنهار، والقصور، وأكثر الناس يغلطون في مسمى الجنَّة، فإنَّ الجنَّة اسم لدار النعيم المطلق الكامل، ومِن أعظم نعيم الجنَّة: التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، وقرة العين بالقرب منه، وبرضوانه، فلا نسبة للذة ما فيها من المأكول والمشروب والملبوس والصور إلى هذه اللذة أبداً، فأيسر يسير من رضوانه: أكبر من الجنان وما فيها من ذلك، كما قال تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَر) التوبة/ 72، وأتى به مُنَكَّراًَ في سياق الإثبات، أي: أي شيء كان من رضاه عن عبده: فهو أكبر من الجنة.
وفي الحديث الصحيح حديث الرؤية: (فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجهه)
((حديث صُهَيْبٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: في قَوْلِهِ ﴿لِلّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنّةِ الْجَنّةَ، نَادَى مُنَادٍ إِنّ لَكُمْ عِنْدَ الله مَوْعِداً، قَالُوا أَلَمْ يُبَيّضْ وُجُوهَنَا وَيُنَجّينَا مِنَ النّارِ وَيُدْخِلْنَا الْجَنّةَ؟ قَالُوا بَلَى، فَينكشفُ الْحِجَابُ، قالَ: فَوَالله مَا أَعْطَاهُمْ شَيْئاً أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنَ النظَرِ إِلَيْهِ».
ولا ريب أن الأمر هكذا، وهو أجل مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال، ولا سيما عند فوز المحبين هناك بمعية المحبة، فإن (المرء مع مَن أحب)، ولا تخصيص في هذا الحكم، بل هو ثابت، شاهداً، وغائباً، فأي نعيم، وأي لذة، وأي قرة عين، وأي فوز، يداني نعيم تلك المعية، ولذتها، وقرة العين بها، وهل فوق نعيم قرة العين بمعية المحبوب الذي لا شيء أجل منه، ولا أكمل، ولا أجمل قرة عين ألبتة؟.
وهذا - والله - هو العِلم الذي شمَّر إليه المحبون، واللواء الذي أمَّه العارفون، وهو روح مسمَّى الجنَّة وحياتها، وبه طابت الجنة، وعليه قامت.
فكيف يقال: " لا يُعبد الله طلباً لجنَّته، ولا خوفاً من ناره "؟!.
وكذلك النار أعاذنا الله منها، فإن لأربابها من عذاب الحجاب عن الله، وإهانته، وغضبه، وسخطه، والبُعد عنه: أعظم من التهاب النار في أجسامهم، وأرواحهم، بل التهاب هذه النار في قلوبهم: هو الذي أوجب التهابها في أبدانهم، ومنها سرت إليها.
فمطلوب الأنبياء، والمرسلين، والصدِّيقين، والشهداء، والصالحين: هو الجنَّة، ومهربهم: من النار، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
" مدارج السالكين " (2/ 80، 81).
(4) مؤدى تلك المقولة الاستخفاف بخلق الجنة، والنار، والله تعالى خلقهما، وأعدَّ كل واحدة منهما لمن يستحقها، وبالجنة رغَّب العابدين لعبادته، وبالنار خوَّف خلقه من معصيته والكفر به.
(5) كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسأل الله الجنَّة، ويستعيذ به من النار، وكان يعلِّم ذلك لأصحابه رضوان الله عليهم، وهكذا توارثه العلماء والعبَّاد، ولم يروا في ذلك نقضاً لمحبتهم لربهم تعالى، ولا نقصاً في منزلة عبادتهم.
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث عائشة الثابت في صحيح ابن ماجة) أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علمها هذا الدعاء اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله و آجله ما علمت منه و ما لم أعلم و أعوذ بك من الشر كله عاجله و آجله ما علمت منه و ما لم أعلم اللهم إني أسألك من خير ما سألك به عبدك و نبيك و أعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك و نبيك اللهم إني أسألك الجنة و ما قرب إليها من قول أو عمل و أعوذ بك من النار و ما قرب إليها من قول أو عمل و أسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرا.
((حديث أنَسٍ رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: كان أكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ "0
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لرجلٍ ما تقول في الصلاة قال أتشهد ثم أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار أما والله ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال حولها ندندن.
((حديث البراء رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوئك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك وألجأت ظهري إليك وفوضتُ أمري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلمُ به.
(قال تقي الدِّين السبكي – رحمه الله -:
والعاملون على أصناف: صنف عبدوه لذاته، وكونه مستحقّاً لذلك؛ فإنه مستحق لذلك، لو لم يخلق جنَّة ولا ناراً، فهذا معنى قول من قال: " ما عبدناك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنَّتك "، أي: بل عبدناك لاستحقاقك ذلك، ومع هذا فهذا القائل يسأل الله الجنَّة، ويستعيذ به من النار، ويظن بعض الجهلة خلاف ذلك، وهو جهل، فمَن لم يسأل الله الجنَّة والنجاة من النار: فهو مخالف للسنَّة؛ فإن مِن سنَّة النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك، ولما قال ذلك القائل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنه يسأل الله الجنة، ويستعيذ به من النار "، وقال: " ما أُحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ ": قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (حولها ندندن).
فهذا سيد الأولين والآخرين يقول هذه المقالة، فمن اعتقد خلاف ذلك: فهو جاهل، ختَّال.
ومِن آداب أهل السنَّة أربعة أشياء لا بد لهم منها: الاقتداء برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والافتقار إلى الله تعالى، والاستغاثة بالله، والصبر على ذلك إلى الممات.
كذا قال سهل بن عبد الله التستري، وهو كلامٌ حقٌّ.
" فتاوى السبكي " (2/ 560).
(وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
كل ما أعده الله لأوليائه: فهو مِن الجنَّة، والنظر إليه هو من الجنة، ولهذا كان أفضل الخلق يسأل الله الجنَّة، ويستعيذ به من النَّار، ولما سألَ بعضَ أصحابه عما يقول في صلاته، قال: " إني أسأل الله الجنَّة، وأعوذ بالله من النَّار، أما إني لا أُحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ "، فقال: (حولها ندندن).
" مجموع الفتاوى " (10/ 241).
(6) من أراد أن يعبد الله تعالى بالمحبَّة وحدها دون الخوف والرجاء: فدينه في خطر، وهو مبتدع أشد الابتداع، وقد يصل به الحال أن يخرج من ملَّة الإسلام، وبعض كبار الزنادقة يقول: إننا نعبد الله محبة له، ولو كان مصيرنا الخلود في النار!!، ويعتقد بعضهم أنه بالمحبة فقط ينال رضا الله ورضوانه، وهو يشابه بذلك عقيدة اليهود والنصارى، حيث قال تعالى عنهم: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) [المائدة/ 18].
(قال تقي الدين السبكي – رحمه الله -:
وأما هذا الشخص الذي جرد وصف المحبة، وعبد الله بها وحدها: فقد ربا بجهله على هذا، واعتقد أن له منزلة عند الله رفَعته عن حضيض العبودية، وضآلتها، وحقارة نفسه الخسيسة، وذلتها، إلى أوج المحبة، كأنه آمِنٌ على نفسه، وآخذٌ عهداً من ربِّه أنَّه من المقربين، فضلاً عن أصحاب اليمين، كلا بل هو في أسفل السافلين.
فالواجب على العبد: سلوك الأدب مع الله، وتضاؤله بين يديه، واحتقاره نفسه، واستصغاره إياها، والخوف من عذاب الله، وعدم الأمن من مكر الله، ورجاء فضل الله، واستعانته به، واستعانته على نفسه، ويقول بعد اجتهاده في العبادة: " ما عبدناك حق عبادتك "، ويعترف بالتقصير، ويستغفر عقيب الصلوات، إشارة إلى ما حصل منه من التقصير في العبادة، وفي الأسحار، إشارة إلى ما حصل منه من التقصير، وقد قام طول الليل، فكيف من لم يقم؟!.
" فتاوى السبكي " (2/ 560).
(وقال القرطبي – رحمه الله -:
(وادعوه خوفاً وطمعاً) أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقب، وتخوف، وتأميل لله عز وجل، حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر، يحملانه في طريق استقامته، وإن انفرد أحدهما: هلك الإنسان، قال الله تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) الحِجر/ 49، 50.
" تفسير القرطبي " (7/ 227).
(فصلٌ في منزلة المراقبة:
(عناصر الفصل: (تعريف المراقبة: (من روائع القصص في المراقبة: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (تعريف المراقبة: (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين: ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة المراقبة قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: 235] وقال تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً﴾ [الأحزاب: 52] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: 4] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: 14] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: 48] وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19] إلى غير ذلك من الآيات وفي حديث جبريل عليه السلام: أنه سأل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الإحسان فقال له: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك،
«المراقبة دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه» فاستدامته لهذا العلم واليقين: هي المراقبة وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيبٌ عليه ناظرٌ إليه سامعٌ لقوله وهو مطلعٌ على عمله كل وقت وكل لحظةٍ وكل نفسٍ وكلُ طرفةِ عينٍ، والغافل عن هذا بِمَعْزِلٍ عن حال أهل البدايات فكيف بحال المريدين فكيف بحال العارفين.
(قال الجريري: من لم يحكم بينه وبين الله تعالى التقوى والمراقبة: لم يصل إلى الكشف والمشاهدة.
(وقيل: من راقب الله في خواطره عصمه في حركات جوارحه.
(وقيل لبعضهم: متى يهش الراعي غنمه بعصاه عن مراتع الهلكة فقال: إذا علم أن عليه رقيبا.
(وقال الجنيد: من تحقق في المراقبة خاف على فوات لحظة من ربه لا غير.
علامة المراقبة إيثار ما أنزل الله وتعظيم ما عظم الله وتصغير ما صغر الله.
(وقيل: الرجاء يحرك إلى الطاعة والخوف يبعد عن المعاصي والمراقبة تؤديك إلى طريق الحقائق.
(وقيل: المراقبة مراعاة القلب لملاحظة الحق مع كل خطرة وخطوة.
(وقال الجريري: أمرنا هذا مبني على فصلين: أن تلزم نفسك المراقبة لله وأن يكون العلم على ظاهرك قائما.
(وقال إبراهيم الخواص: المراقبة خلوص السر والعلانية لله عز وجل.
(وقيل: أفضل ما يلزم الإنسان نفسه في هذه الطريق: المحاسبة والمراقبة وسياسة عمله بالعلم.
(وقال أبو حفص لأبي عثمان النيسابوري: إذا جلست للناس فكن واعظا لقلبك ولنفسك ولا يغرنك اجتماعهم عليك «فإنهم يراقبون ظاهرك والله يراقب باطنك»
وأرباب الطريق مجمعون على أن مراقبة الله تعالى في الخواطر: سبب لحفظها في حركات الظواهر فمن راقب الله في سره: حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته و المراقبة هي التعبد باسمه الرقيب الحفيظ العليم السميع البصير فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها: حصلت له المراقبة والله أعلم.
(ولله درُ من قال:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل... خلوت ولكن قل على رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة... ولا أن ما يخفى عليه يغيب
(من روائع القصص في المراقبة: (حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: خرج ثلاثة يمشون فأصابهم المطر، فدخلوا في غار في جبل، فانحطت عليهم صخرة، قال: فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه.
فقال أحدهم: اللهم إني كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت أخرج فأرعى، ثم أجيء فأحلب فأجيء بالحلاب، فآتي أبواي فيشربان، ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي، فاحتبست ليلة، فجئت فإذا هما نائمان، قال: فكرهت أن أوقظهما، والصبية يتضاغون عند رجلي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما، حتى طلع الفجر، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فرجة نرى منها السماء، قال: ففرج عنهم.
وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني أحب امرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجل النساء، فقالت: لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار، فسعيت حتى جمعتها، فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركتها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فرجة، قال: ففرج عنهم الثلثين.
وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيرا بفرق من ذرة فأعطيته، وأبى ذلك أن يأخذ، فعمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، حتى اشتريت منه بقرا وراعيها، ثم جاء فقال: يا عبد الله أعطيني حقي، فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها فإنها لك، فقال: أتستهزئ بي؟ قال: فقلت: ما أستهزئ بك ولكنها لك، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا، فكشف عنهم).
(الشاهد: «اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركتها» وأنه ما فعل ذلك إلا تيقظه لمراقبة الله تعالى وأنه مُطَّلعٌ على ظاهره وباطنه.
(أورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن وهب بن منبه قال: «قالت امرأة العزيز ليوسف: القيطون، فادخل معي.
قال: إن القيطون لا يسترني من ربي»
(وأورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن محمد بن يحيى قال: سمعت شيخا يكنى أبا عبد الرحمن العتبي يحدث عن أعرابي قال: «خرجت في بعض ليالي الظلام، فإذا أنا بجارية كأنها علم، فأردتها عن نفسها، فقالت: ويلك أما كان لك زاجر من عقل، إذ لم يكن لك ناه من دين؟ فقلت: إنه والله ما يرانا إلا الكواكب.
قالت: فأين مكوكبها؟»
(وأورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن عن زر بن أبي أسماء: «أن رجلا دخل غيضة فقال: لو خلوت هاهنا بمعصية، من كان يراني؟ فسمع صوتا ملأ ما بين لابتي (1) الغيضة (2) (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك: 14]
(1) اللابة: الصحراء تكثر بها الحجارة السوداء
(2) الغيضة: الأجمة وهي الشجر الملتف
(وأورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن إبراهيم بن الجنيد قال: حدثنا شيخ من عبد القيس قال سمعتهم يقولون: «إن رجلا أراد امرأة عن نفسها فقالت له: أنت قد سمعت الحديث وقرأت القرآن وأنت أعلم، فقال لها: فأغلقي أبواب القصر، فأغلقتها، فدنا منها، فقالت: بقي باب لم أغلقه قال: أي باب؟ قالت: الباب الذي بينك وبين الله تبارك وتعالى.
قال: فلم يعرض لها»
(وأورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن الأصمعي قال: «خلا رجل من الأعراب بامرأة، فهم بالدنيئة حتى تمكن منها، ثم تنحى سليما وجعل يقول: إن امرءا باع جنة عرضها كعرض السماء والأرض بقتر ما بين رجليكِ لقليل البصر بالمساحة»
(فصلٌ في منزلة تعظيم حرمات الله عز وجل:
(عناصر الفصل: (منزلة تعظيم حرمات الله من منازل السائرين: (كيف يتم تعظيم حرمات الله تعالى: (من مظاهر تعظيم حرمات الله عز وجل: (الذي أهلك المسلمون تهاونهم بصغائر الذنوب: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (منزلة تعظيم حرمات الله من منازل السائرين:
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة تعظيم حرمات الله عز وجل
قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30]
(قال جماعة من المفسرين: حرمات الله ههنا مغاضبه وما نهى عنه و تعظيمها ترك ملابستها.
(قال الليث: حرمات الله: ما لا يحل انتهاكها.
(وقال قوم: الحرمات: هي الأمر والنهي.
(وقال الزجاج: الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه.
(وقال قوم: الحرمات ههنا المناسك ومشاعر الحج زمانا ومكانا.
(والصواب: أن الحرمات تعم هذا كله وهي جمع حرمة وهي ما يجب احترامه وحفظه: من الحقوق والأشخاص والأزمنة والأماكن فتعظيمها: توفيتها حقها وحفظها من الإضاعة.
﴿تنبيه﴾: (إن المتأمل بعين البصيرة في قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30] يجد معنىً دقيق في قوله «فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ» لأن تعظيم حرمات الله و شرائعه يعود نفعه إلى الفرد نفسه، إذ يحتسبه الله له، فيجازيه خيرا منه، سواء في الدنيا بزيادة البركات، أو في الآخرة بالجنات.
ثم قال الله تعالى: (وَأُحِلّتْ لَكُمُ الأنْعَامُ إِلاّ مَا يُتْلَىَ عَلَيْكُمْ) [الحج: 30]
إن الله احل لنا بهيمة الأنعام إلا النزر اليسير، كالموقوذة و المتردية و النطيحة و ما أكل السبع، و إن الالتزام بما احل الله و بما حرم، هو جوهر التقوى و أهم مصاديقه.
ثم قال الله تعالى: قال تعالى: (فَاجْتَنِبُواْ الرّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزّورِ) [الحج: 30]
هذا الشطر من الآية يبين الأبعاد المعنوية للتقوى، فتنقل الإنسان من اجتناب اللحوم المحرمة، إلى اجتناب الرذائل الخلقية التي تضر بكرامة الإنسان، بل تضر المجتمع و تسيء إليه كله.
(كيف يتم تعظيم حرمات الله تعالى:
لا يكون تعظيم حرماته جل جلاله إلا بعد العلم بوجوبها والإقرار بها والقيام بحقوقها ثم إقامة شرعه وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أن رجلا سأل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرمت الحرام ولم أزد على ذلك شيئا أأدخل الجنة؟ قال نعم، قال والله لا أزيد على ذلك شيئا.
((حديث النعمان بن بشير الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب.
إذن فإن المؤمن الحق هو الذي يعظم حرمات الله ويستشعر هيبته ويخضع لجلاله، أما الغافلون والعصاة فيتهاونون بالذنوب ويجاهرون بالمعاصي،
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي موقوفاً) قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه قال به هكذا فطار.
(قال بلال بن سعد ـ رحمه الله: (لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى عظم من عصيت).
﴿تنبيه﴾: (إذا كان يتوجب على المسلمين عموماً أن يكونوا حاضرين في كل مشهد تعظم لله فيه حرمة، ويقام فيه لله قومة، ولدينه بنصرة؛ فإن على العلماء والدعاة وقادة الرأي الواجب مضاعفاً أن يقوموا باحتضان هذا التعظيم ورعايته وترشيده، وفتح آفاق جديدة نحو ترشيده، وفقاً لآليات تأخذ في اعتبارها كل جديد لديها أو كل ما يستجد في المقابل من حملات الطعن والانتهاك لهذه الحرمات من أعداء هذا الدين، الذين لا تطرف لهم عين إلا وهم في مسعى دؤوب للنيل من هذا الدين ومقدساته وحرماته، بما يفرض على هؤلاء النخبة دوراً أكثر فاعلية وتطوراً وإبداعاً.
إن الواجب حتم على هؤلاء النخبة أن يلتئم جمعهم خلال الأيام القليلة الماضية لوضع النقاط على حروف الرغبة في تقديم روشتة علاجية تتضمن آليات توضع على الفور موضع التنفيذ للحؤول دون تفاقم المشكلة الناتجة عن تنامي العداء للإسلام، كما يجب تشكيل لجنة لمراقبة ورصد التعديات على مقدسات المسلمين حول العالم، سواء منها ما يحدث خارج ديار الإسلام، وذاك الذي اخترق حجبنا فنالنا من داخل بلداننا الإسلامية من الطابور الخامس، وإلى مناظرة الفكر العدائي للدين لدى الآخرين بمراكز بحثية لدراسات الاستشراق والغرب، وبمفاعيل الإعلام والفكر والمناظرات الحججية، ولجنة أخرى لملاحقة مجرمي العداء للإسلام ومقدساته قضائياً وفقاً للأنظمة الحقوقية، وحمل الحكومات والهيئات والجهات المعنية على تحمل مسؤولياتها في الدفاع عن مقدسات الإسلام، والضغط على المعتدين بسلاح المقاطعة الاقتصادية وغيرها، وتنسيق الجهود من أجل أن يغادر الحديث عن تعظيم حرمات الله حيز الكلام إلى منطقة الفعل التي حذر أكثر من متحدث من ألا تصل إليها.
وقد قدَّم بعض أهل العلم توصيات ذهبية صادرة عن إخلاص وحسن طوية في مجال واجب الأمة في تعظيم حرمات الله تعالى، هذه التوصيات حُقَّ لها أن تُنْقَش على الصدور وأن تُكتبَ بماء الذهب، فارعها سمعك وفكرك وأن تجد لها في سمعك مسمعاً وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بها ويُوَفِقْك إلى تطبيقها، وهاك التوصيات: (
أولاً: حق الأمة الإسلامية في الدفاع عن دينها وعقيدتها وشريعتها، بكل السبل المشروعة سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، ويدعو إلى استثمار عاطفة الجماهير وتوجيهها نحو الوسائل الأرشد، ويحث المسئولين على التكاتف مع الشعوب الإسلامية في حماية هويتها، وحرماتها وقيمها من حالات التجاوز والتطاول على الثوابت داخل ديار المسلمين، والتي تعدّ إحدى أسباب زيادة جرأة بعض غير المسلمين على حرمات الأمة ورموزها.
ثانيًا: التعدي على الحرمات نقطة فاصلة في علاقة الأمة بغيرها، يتم التأكيد على أن الاعتداء على الثوابت والشعائر، سواء كان ذلك من الداخل أم من الخارج، يعتبر اعتداءً على جميع الأمة، تجب الحيلولة دونه.
كما أن القيام بهذه الواجبات ينبغي أن يكون فرصة للاجتماع والائتلاف على القواسم المشتركة بين الإسلاميين, على اختلاف بلدانهم وتوجهاتهم.
ثالثًا: الاعتداء على الإنسان المسلم اعتداءٌ على جموع الأمة، فحرمة الإنسان في الإسلام هي من أعظم الحرمات، ولهذا فإن الاعتداء على أرواح وأعراض وأموال المسلمين, هو انتهاك لحرمات الشريعة وحدودها، ((والمسلمون يسعى بذمتهم أدناهم))؛ لذا يطالبون لأجل ذلك بالكفّ عن الاستهانة بالدم المسلم من المعتدين ومن يساندونهم.
رابعًا: التحرك العملي البنّاء لحماية حرمات الأمة مع التأكيد على رفض كل أنواع الاعتداء تجاه عقيدة المسلمين وشريعتهم، فإنه يوصى بتحويل ذلك الرفض النظري إلى تحرك عملي جاد ومستمر على المستويات الرسمية والشعبية؛ لإظهار أن الأمة الإسلامية لا تقبل المساس بمقدساتها وحرماتها.
خامسًا: أهمية تضافر الجهود الإعلامية والفكرية والثقافية للتأكيد على مكانة الأنبياء فقد تفشت ظاهرة انتشار الاستهزاء بأنبياء الله ـ صلوات الله عليهم ـ في وسائل الإعلام الغربية تحديدًا، ومن خلال العديد من المواقع الإلكترونية الغربية، ومن خلال الكثير من الأعمال الفكرية والفنية والثقافية في الحياة الغربية المعاصرة.
وصاحَب ذلك تزايد نفس الظاهرة في بعض المنتديات الفكرية العربية، ومن خلال عدد من وسائل الإعلام العربية أيضًا.
لذا يوصى أن تتضافر الجهود من أجل الحفاظ على منزلة ومكانة الأنبياء، ولسن الأنظمة الدولية التي ترعى حرمتهم، وتصونها من العبث الفكري والإعلامي والثقافي، وأن تكون الأمة الإسلامية في طليعة المطالبين بذلك.
سادسًا: إنشاء ودعم مراكز الدراسات المتخصصة في دراسات الاستشراق والغربن فإن الأمة الإسلامية تعاني من ندرة المراكز الفكرية المتخصصة في التعرف على الفكر الغربي، والقادرة على التصدي للمواقف الفكرية والإعلامية والثقافية الغربية، التي تنال من حرمات الأمة، أو تعتدي على شعائرها ورموزها.
لذا, يوصى أن تعنى الأمة في المرحلة القادمة بإنشاء العديد من المراكز الفكرية والإعلامية المتخصصة في فهم الغرب، وفي توجيه دفعة التعامل مع الفكر الغربي، ومع المواقف الإعلامية الغربية التي تؤثر على الأمة الإسلامية سلبًا أو إيجابًا.
كما يرى المؤتمر أهمية إيجاد فريق عمل فكري يوصف أفراده بالعلم الشرعي والاطلاع الفكري على الغرب وامتداداته في بلاد المسلمين؛ لإدارة هذه المواجهة الفكرية بكفاءة.
سابعًا: إصدار دراسات متخصصة في استراتيجيات الأمة في تحجيم الإساءات الموجهة ضد دينها وحرماتها: إن قسمًا كبيرًا من أسباب قلة تأثير مواقفنا المعارضة لتلك التصرفات المعادية، يعود إلى نوع من القصور يشوب فهم دوافع المعتدين والمتجرئين على ديننا وثوابتنا، وهو ما يؤدي إلى بعض التضارب والتناقض في المواقف.
لذا يوصى بالمزيد من التعمق في دراسة تلك الظاهرة ودوافعها وأبعادها، على أن تتحول فيما بعد إلى دراسات شاملة تكشف جوانب الموضوع، وتطرح استراتيجيات التعامل معه.
ثامنًا: أهمية تفاعل الحكومات والمؤسسات الرسمية مع بقية الأمة، فيجب على الحكومات العربية والإسلامية، والهيئات والفعاليات السياسية والدبلوماسية، اتخاذ مواقف أصح وأصرح، للتعبير عن دين الأمة وهويتها، إذ لا يعقل أن تكون كثير من ردود الأفعال الرسمية تجاه التدخل في تفاصيل الشئون الداخلية، أهم وأكبر من اقتحام واستباحة حرمات الأمة كلها من أطراف خارجية أو داخلية.
تاسعًا: ضرورة تأكيد مناهج الدراسة في العالم الإسلامي على تعظيم الحرمات، واحترام الأنبياء، والاقتداء بالصحابة ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ. ويتم ذلك بدعوة إلى وزارات التربية والتعليم في العالم الإسلامي، وإلى القائمين على مسيرة تطوير مناهج التعليم في الأمة الإسلامية للتأكيد على تعظيم الشعائر والأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، والصحابة ـ رضي الله تعالى ـ عنهم من خلال البرامج التعليمية التي تربي الأجيال الناشئة من الأمة على تعظيم حرمات الإسلام.
عاشرًا: دعوة وسائل الإعلام في الدول العربية والإسلامية إلى تعظيم حرمات الإسلام والمسلمين، وعدم استفزاز عموم الأمة بالتطاول على الثوابت مع الإنكار التام على بعض وسائل الإعلام في الدول العربية والإسلامية، انسياقها مع الحملات المغرضة في التهجم على حرمات الإسلام وشعائره ورموزه، ويوصى بالمواجهة الرسمية والشعبية الحاسمة لهذه الحملات، ومنع استمرارها بالطرق الشرعية الممكنة.
كما يوصى القائمين على وسائل الإعلام العربي والإسلامي, أن يكونوا درعًا للأمة في صد الحملات الخارجية، وأن لا يتحول البعض منهم إلى سلاح ضد الأمة بدلاً من أن يكون سلاحًا لها.
الحادي عشر: إنشاء لجنة إسلامية قانونية للدفاع عن الحرمات الإسلامية، ويتم ذلك بتكوين لجنة قانونية متخصصة تسعى إلى ضمان عدم التعدي على الحرمات الإسلامية، وتجريم الإساءة إلى ثوابت الدين، والملاحقة القضائية والقانونية للمتجاوزين من غير المسلمين أو من المنتسبين إلى الإسلام، وتحميلهم المسئولية الشرعية، والتنسيق مع اللجان الأهلية والحكومية العاملة في المجال نفسه؛ من أجل توحيد الجهود وتعزيزها.
وقد بادر بعض القانونيين في كلية الحقوق في الكويت بتقديم مشروع متكامل في هذا الصدد.
الثاني عشر: التركيز على الجهود الدعوية الرامية إلى تعريف الغربيين بالإسلام مع التأكيد على أهمية الجهود الدعوية في الدفاع عن حرمات الأمة عن طريق تعريف الغربيين بالإسلام من خلال البرامج الإعلامية والفكرية الموجهة، والقنوات الفضائية المتخصصة في مخاطبة الغرب، والتركيز على مخاطبتهم بالأساليب الدعوية المناسبة للشخصية الغربية.
الثالث عشر: أهمية دور الجاليات الإسلامية في الغربوالحرص التام على الاستفادة من الجاليات المسلمة في الغرب، كخط دفاع أول في مواجهة ظاهرة التطاول.
(من مظاهر تعظيم حرمات الله عز وجل:
(من تعظيم حرمات الله عز وجل توحيده وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له وطاعته في السر والعلن والسراء والضراء واليقين بأنه لا إله إلا الله.
(ومن تعظيم حرمات الله تعالى: تعظيم نبيه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وطاعته فيما أمر والانتهاء عما نهى عنه وزجر، وتقديم أمره ونهيه على أي كان وتصديقه فيما أخبر، والرضا بدينه وإتباع سنته، وقد أيده الله عز وجل بالمعجزات وخصه بالقرآن العظيم الذي هو حجة الله البالغة والمعجزة العظمى.
وإن تعظيم كتاب الله وكلام الله تعالى ليس بتزيينه وطباعته و تعليقه فحسب أو بجعله افتتاحًا للمناسبات أو بقراءته على الأموات، بل بإقامة حدوده، والاحتكام إليه، والعمل به، وتعظيم شأنه، والسير على منهجه 0
(ومن تعظيم حرمات الله تعالى تعظيم حرمة المؤمن، واحترام حقوقه، وعدم النيل من كرامته والتعدي عليه، وتعظيم المقدسات الإسلامية، وتعظيم الشعائر الدينية، كتعظيم المسجد الحرام و مسجد رسول الله; - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والأدب مع صاحبه وعدم رفع الصوت عنده، وتعظيم المسجد الأقصى ونصرته ولو بالدعاء، روي عن صلاح الدين الأيوبي رحمه الله,أنه كان في مجلس ودارت بعض الأحاديث وضحك القوم وهو لا يضحك، فقالوا له: مالك لا تضحك فقال: إني أستحي من الله أن يراني ضاحكًا والمسجد الأقصى بأيدي الصليبيين، كذلك يجب تعظيم بيوت الله كافة والسعي في عمارتها، بذكر الله والمحافظة على أداء صلاة الجماعة فيها.
(ومن تعظيم حرمات الله تعالى: تعظيم حُرمات المُسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم:
(قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى:
قال الله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) (الحج:30)
وقال تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج:32)، (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر:88)،
وقال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) (المائدة:32).
المسلم له حق على أخيه المسلم، بل له حقوق متعددة، بيَّنها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مواضع كثيرة: منها ما يلي:
منها: إذا لقيه فليسلم عليه، يلقي عليه السلام، يقول: السلام عليكم، ولا يحل له أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام.
ولكن لك أن تهجره لمدة ثلاثة أيام، إذا رأيت في هذا مصلحة، ولك أن تهجره أكثر إذا رأيته على معصية أصرّ عليها ولم يتب منها، فرأيت أن هجره يحمله على التوبة، ولهذا كان القول الصحيح في الهجر أنهم رخصوا فيه خلال ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك فينظر فيه للمصلحة؛ إن كان فيه خيرٌ فليفعل، وإلا فلا، حتى لو جاهر بالمعصية، فإذا لم يكن في هجره مصلحة فلا تهجره.
و قوله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) (الحج: 30)، ومن يعظم حرماته: أي ما جعله محترماً من الأماكن أو الأزمان أو الأشخاص، فالذي يعظم حرمات الله فهو خيرٌ له عند ربه، ومن كان يكره أو يشق عليه تعظيم هذا المكان كالحرمين مثلاً والمساجد، أو الزمان كالأشهر الحرم " ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب" وما أشبه ذلك، فليحمل على نفسه وليكرهها على التعظيم.
ومن ذلك تعظيم إخوانه المسلمين، وتنزيلهم منزلتهم، فإن المسلم لا يحل له أن يحقر أخاه المسلم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" [352].
" بحسب" الباء هنا زائدة والمعنى: حسبه من الشر أن يحقر أخاه المسلم بقلبه، أو أن يعتدي فيوق ذلك بلسانه أو بيده على أخيه المسلم، فإن ذلك حسبه من الإثم والعياذ بالله،
وكذلك أيضاً تعظيم ما حرمه الله عزّ وجلّ في المعاهدات التي تكون بين المسلمين وبين الكفار، فإنه لا يحل لأحد أن ينقض عهداً بينه وبين غيره من الكفار.
ولكن المعاهدون ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الذين أتموا عهدهم فهؤلاء نتمم عهدهم
القسم الثاني: الذين خانوا أو نقضوا،
قال الله تعالى: (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:7)، فهؤلاء ينتقض عهدهم كما فعلت قريش في الصلح الذي جرى بينها وبين النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديبية، فإنهم وضعوا الحرب بينهم عشر سنين، ولكن قريشاً نقضوا العهد، فهؤلاء ينتقض عهدهم، ولا يكون بيننا وبينهم عهد، وهؤلاء قال الله فيهم: (أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةَ) (التوبة:13).
والقسم الثالث: من لم ينقض العهد لكن نخاف منه أن ينتقض العهد، فهؤلاء نبلغهم بأن لا عهد بيننا وبينهم، كما قال تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (لأنفال:58).
فهذه من حرمات الله عزّ وجلّ، وكل الله من زمان أو مكان أو إيمان فهو من حرمات الله عز وجل فإن الواجب على المسلم أن يحترمه، ولهذا قال الله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّه) (الحج: 30)، وقال: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج:32).
الشعائر: العبادات الظاهرة سواء كانت كبيرة أم صغيرة؛ مثل الطواف بالبيت، والسعى بين الصفا والمروة، والأذان والإقامة، وغيرها من شعائر الإسلام فإنها إذا عظمها الإنسان كان ذلك دليلاً على تقواه، فإن التقوى هي التي تحمل العبد على تعظيم الشعائر.
أما ألاية الثالثة فهي قوله تعالي: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: 88) وفي الاية الأخروي:) لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: 215)، والمعني تذلل لهم لهم في المقال والفعال؛ لأن الؤمن مع أخيه رحيم به، شفيق به، كما قال تعالي في وصف النبي صلي الله عليه وسلم ومن معه:) أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح: 29).
وفي قوله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: 88)، دليلٌ على أن الإنسان مأمور بالتواضع لإخوانه وإن كان رفيع المنزلة، كما يرتفع الطير بجناحه، فإنه وإن كان رفيع المنزلة فليخفض جناحه وليتذلل وليتواضع لإخوانه.
وليعلم أن من تواضع لله رفعه الله عزّ وجلّ، والإنسان ربما يقول لو تواضعت للفقير وكلمت الفقير، أو تواضعت للصغير وكلمته أو ما أشبه ذلك، فربما يكون في هذا وضع لي، وتنزيل من رتبتي، ولكن هذا من وساوس الشيطان، فالشيطان يدخل على الإنسان في كل شيء، قال تعالى عنه: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (لأعراف:16 - 17).
فالشيطان يأتي الإنسان ويقول له: كيف تتواضع لهذا الفقير؟ كيف تتواضع لهذا الصغير؟ كيف تكلم فلاناً؟ كيف تمشي مع فلان؟ ولكن من تواضع لله رفعه الله عزّ وجلّ، حتى وإن كان عالماً أو كبيراً أو غنياً، فإنه ينبغي أن يتواضع لمن كان مؤمناً، أما من كان كافراً فإن الإنسان لا يجوز له أن يخفض جناحه له، لكن يجب عليه أن يخضع للحق بدعوته إلى الدين، ولا يستنكف عنه ويستكبر فلا يدعوه، بل يدعوه ولكن بعزة وكرامة، ودون إهانة له، فهذا معنى قوله: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر:88).
وفي الآية الثانية: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء:215)، فهذه وظيفة المسلم مع إخوانه، أن يكون هيناً ليناً بالقول وبالفعل؛ لأن هذا مما يوجب المودة والألفة بين الناس، وهذه الألفة والمودة أمرٌ مطلوب للشرع، ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن كل ما يوجب العداوة والبغضاء، مثل البيع على بيع المسلم, والسوم على سوم المسلم، وغير ذلك مما هو معروف لكثير من الناس،
(الذي أهلك المسلمون تهاونهم بصغائر الذنوب:
الذي أهلك المسلمون أنهم تركوا الكبائر، ووقعوا في الصغائر، هذا ذنبٌ تافه لا قيمة له، أنا لست نبياً، أنا لست صحابياً، صام، وصلى، ولم يرتكب كبيرةً، لم يزن، ولم يسرق، ولم يشرب الخمر، أما الغيبة، والنميمة، والنظر، والشبهات في كسب المال، والشبهات في إنفاق المال، هذا كله تساهل به، فإذا هو بعيدٌ عن الله عزَّ وجل بعداً كبيرا، فإذا الإسلام عنده ثقافة، أو حركاتٌ وطقوس، في بالإسلام جانب فكري، وفي جانب شعائري، الجانب الفكري لا يكفي، لأنه شرطٌ لازمٌ غير كافٍ، والجانب الشعائري لا يكفي حركاتٌ وسكنات لا معنى لها، ولكن الإسلام اتصالٌ بالله، والمشكلة أن الاتصال بالله لا ينعقد إلا إذا كان هناك استقامة على أمر الله.
وتناسى أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((إياكم ومحقرات الذنوب... )).
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يا عائشة! إياك ومحقرات الذنوب؛ فإن لها من الله طالبا.
(حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إياكم و محقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود و جاء ذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم و إن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إياكم ومحقرات الذنوب) أي صغائرها لأن صغارها أسباب تؤدي إلى ارتكاب كبارها كما أن صغار الطاعات أسباب مؤدّية إلى تحري كبارها قال الغزالي: صغائر المعاصي يجر بعضها إلى بعض حتى تفوت أهل السعادة بهدم أصل الإيمان عند الخاتمة اهـ. وإن اللّه يعذب من شاء على الصغير ويغفر لمن شاء الكبير ثم إنه ضرب لذلك مثلاً زيادة في التوضيح فقال:
(فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه) يعني أن الصغائر إذا اجتمعت ولم تكفر أهلكت ولم يذكر الكبائر لندرة وقوعها من الصدر الأول وشدة تحرزهم عنها فأنذرهم مما قد لا يكترثون به وقال الغزالي: تصير الصغيرة [ص 128] كبيرة بأسباب منها الاستصغار والإصرار فإن الذنب كلما استعظمه العبد صغر عند اللّه وكلما استصغره عظم عند اللّه لأن استعظامه يصدر عن نفور القلب منه وكراهته له وذلك النفور يمنع من شدة تأثيره به واستصغاره يصدر عن الألفة به وذلك يوجب شدة الأثر في القلب المطلوب تنويره بالطاعة والمحذور تسويده بالخطيئة وقال الحكيم: إذا استخف بالمحقرات دخل التخلط في إيمانه وذهب الوقار وانتقص من كل شيء بمنزلة الشمس ينكسف طرف منها فبقدر ما انكسف ولو كرأس إبرة ينقص من شعاعها وإشراقها على أهل الدنيا وخلص النقصان إلى كل شيء في الأرض فكذا نور المعرفة ينقص بالذنب على قدره فيصير قلبه محجوباً عن اللّه فزوال الدنيا بكليتها أهون من ذلك فلا يزال ينقص ويتراكم نقصانه وهو أبله لا ينتبه لذلك حتى يستوجب الحرمان.
هذا عن محقرات الذنوب، ناهيك عن ما يرتكبه البعض من كبائر وموبقات من ربا وزنا ورشوة وعقوق ونحو ذلك.. وإن المرء ليعجب والله أشد العجب! ألم يمل أولئك هذه الحياة؟ ألم يسألوا أنفسهم؟ ثم ماذا في النهاية؟ ماذا بعد كل هذه الشهوات والملذات؟ ماذا بعد هذا اللهو والعبث؟ ماذا بعد هذه الحياة التافهة المملوءة بالمعاصي والمخالفات؟ هل غفل أولئك عما وراء ذلك.. هل غفلوا عن الموت والحساب والقبر والصراط، والنار والعذاب، أهوال وأهوال وأمور تشيب منها مفارق الولدان، ذهبت اللذات وبقيت التبعات، وانقضت الشهوات وأورثت الحسرات، متاع قليل ثم عذاب أليم وصراخ وعويل في دركات الجحيم، فهل من عاقل يعتبر ويتدبر ويعمل لما خلق له ويستعد لما أمامه، أما اعتبرت بمن رحل أما وعظتك العبر أما كان لك سمعٌ ولا بصر.
تا الله لو عاش الفتى في عمره... ألفاً من الأعوام مالك أمره
متلذذاً فيها بكل نعيم... متنعماً فيها بنعمى عصره
ما كان ذلك كله في أن يفي... بمبيت أول ليلة في قبره
إن مثل هؤلاء المساكين الغافلين السادرين في غيّهم قد أغلقت الحضارات الحديثة أعينهم وألهتهم الحياة الدنيا عن حقائقهم ومآلهم، ولكنهم سوف يندمون أشد الندم إذا استمروا في غيهم ولهوهم وعنادهم ولم يفيقوا من غفلتهم وسباتهم ويتوبوا إلى ربهم.
يقول تعالى عن مثل هؤلاء: ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:3].
أي دعهم يعيشوا كالأنعام ولا يهتمون إلا بالطعام والشراب واللباس والشهوات!؟.
ألم يأن لكل مسلم أن يعلم حقيقة الحياة والغاية التي من أجلها خلق؟
أما والله لو علم الأنام... لما خلقوا لما غفلوا وناموا
لقد خلقوا لما لو أبصرته... عيون قلوبهم تاهوا وهاموا
ممات ثم قبر ثم حشر... وتوبيخ وأهوال عظام
(فصلٌ في منزلة الإخلاص:
(عناصر الفصل: (تعريف الإخلاص: (الفرق بين الإخلاص و الصدق: (الفرق بين الرياء والسمعة وإرادة العبد بعمله الدنيا: (فضائل الإخلاص: (المجاهدة في إخفاء العمل: (ماذا قال بعض العلماء في الإخلاص.. ؟ (فضل إحضار النية في الطاعات: (فضل إخلاص النيّة: (خطورة ترك العمل خوف الرياء: (هناك أشياء تظن من الرياء وليست منه: (علامات الإخلاص: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (تعريف الإخلاص:
مسألة: ما هو الإخلاص لغةً وشرعا؟