فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 433-472

كتاب الرقائق

صفحات 433-472
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

وذات ليلة جاءت الأوامر بإعداده للمشنقة، وأدخلوا عليه أحد الشيوخ!!! ليذكره ويعظه!!! وفي ساعة مبكرة من الصباح التالي، أخذت أنا وأخي بذراعيه نقوده إلى السيارة المغلقة التي سبقنا إليها بعض المحكومين الآخرين... وخلال لحظات انطلقت بنا إلى مكان الإعدام... ومن خلفنا بعض السيارات العسكرية تحمل الجنود المدججين بالسلاح للحفاظ عليهم وفي مثل لمح البصر أخذ كل جندي مكانه المرسوم محتضناً مسدسه الرشاش، وكان المسئولون هناك قد هيئوا كل شيء... فأقاموا من المشانق مثل عدد المحكومين... وسيق كل منهم إلى مشنقة المحددة، ثم لفّ حبلها حول عنقه، وانتصب بجانب كل واحدة (العشماوي) الذي ينتظر الإشارة لإزاحة اللوح من تحت قدمي المحكوم.. ووقف تحت كل راية سوداء الجندي المكلف برفعها لحظة التنفيذ.
كان أهيب ما هنالك تلك الكلمات التي جعل يوجهها كل من هؤلاء المهيئين للموت إلى إخوانه، يبشره بالتلاقي في جنة الخلد، مع محمد وأصحابه، ويختم كل عبارة الصيحة المؤثرة: الله أكبر والله الحمد.
في هذه اللحظات الرهيبة سمعنا هدير سيارة تقترب، ثم لم تلبث أن سكت محركها، وفتحت البوابة المحروسة، ليندفع من خلالها ضابط من ذوي الرتب العالية، وهو يصيح بالجلادين: مكانكم! ثم تقدم نحو صاحبنا الذي لم نزل إلى جواره على جانبي المشنقة، وبعد أن أمر الضابط بإزالة الرباط عن عينه، ورفع الحبل عن عنقه، جعل يكلمه بصوت مرتعش: يا أخي.. سيد.. إني قادم إليك بهدية الحياة من الرئيس الحليم الرحيم، كلمة واحدة تدليها بتوقيعك، ثم تطلب ما تشاء لك ولإخوانك هؤلاء.
ولم ينتظر الجواب، وفتح الكراس الذي بيده وهو يقول: اكتب يا أخي هذه العبارة فقط: (لقد كنت مخطئاً وإني أعتذر... ). ورفع سيد عينه الصافيتين، وقد غمرت وجهه ابتسامة لا قدرة لنا على وصفها.. وقال للضابط في هدوء عجيب: أبداً.. لن أشتري الحياة الزائلة بكذبة لن تزول! قال الضابط بلهجة يمازجها الحزن... ولكنه الموت يا سيد.
وأجاب سيد: (يا مرحباً بالموت في سبيل الله.. )، الله أكبر!! هكذا تكون العزة الإيمانية، ولم يبق مجال للاستمرار في الحوار، فأشار الضابط للعشماوي بوجوب التنفيذ.
وسرعان ما تأرجح جسد سيد رحمه الله وإخوانه في الهواء... وعلى لسان كل منهم الكلمة التي لا نستطيع لها نسياناً، ولم نشعر قط بمثل وقعها في غير ذلك الموقف، (لا إله إلا الله، محمد رسول الله... )

وهكذا كان هذا المشهد سبباً في هدايتنا واستقامتنا، فنسأل الله الثبات.
(توبة الشيخ عادل الكلباني 1:

جامع الملك خالد بأم الحمام من المعالم البارزة في مدينة الرياض، مئات المصلين يقصدون هذا المسجد في رمضان وغيره، ليستمعوا إلى الشيخ عادل الكلباني (إمام المسجد) بصوته الخاشع الجميل، ونبرته الحزينة المؤثرة، وكغيره من شباب الصحوة كانت له قصة مع الهداية، يرويها لنا فيقول: لم أكن ضالاًّ بدرجة كبيرة نعم.. كانت هناك كبائر وهفوات أرجعها إلى نفسي أولا، ثم إلى الأسرة والمجتمع.
لم يأمرني أحد بالصلاة يوماً، لم ألتحق بحلقة أحفظ فيها كتاب الله، عشتُ طفولتي كأي طفل في تلك الحقبة، لَعِبٌ ولهوٌ وتلفاز و (دنّانة) و (سيكل) ومصاقيل و (كعابة)، وتتعلق بالسيارات، ونجوب مجرى البطحاء، ونتسكع في الشوارع بعد خروجنا من المدرسة، ونسهر على التلفاز والرحلات وغيرها.
لم نكن نعرف الله إلا سَمَاعاً، ومن كانت هذه طفولته فلابدّ أن يشبّ على حب اللهو والمتعة والرحلات وغيره، وهكذا كان.
وأعتذر عن التفصيل والاسترسال، وأنتقل بكم إلى بداية التعرف على الله تعالى، ففي يوم من الأيام قمتُ بإيصال والدتي لزيارة إحدى صديقاتها لمناسبة ما ـ لا أذكر الآن ـ المهم أني ظللت أنتظر خروجها في السيارة، وأدرتُ جهاز المذياع، فوصل المؤشر ـ قَدَراً ـ إلى إذاعة القرآن الكريم، وإذ بصوت شجي حزين، يُرتل آيات وقعتْ في قلبي موقعها السديد لأني أسمعها لأول مرة: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ) [ق: 19].
صوت الشيخ محمد صديق المنشاوي رحمه الله، كان مؤثراً جداً.
صحيح أني لم أهتدي بعدها مباشرة، لكنها كانت اللبنة الأولى لهدايتي، وكانت تلك السنة سنة الموت، مات فيها عدد من العظماء والسياسيين والمغنين، وظل معي هاجس الموت حتى كدت أصاب بالجنون، أفزع من نومي، بل طار النوم من عيني، فلا أنام إلا بعد أن يبلغ الجهد مني مبلغه.
أقرأ جميع الأدعية، وأفعل جميع الأسباب ولكن لا يزال الهاجس.
بدأت أحافظ على الصلاة في وقتها مع الجماعة، وكنت فيها متساهلا، ولكن كنت أهرب من الصلاة، أقطعها، خوفاً من الموت.
كيف أهرب من الموت؟ كيف أحِيدُ منه؟ لم أجد إلا مفراً واحداً، أن أفرُّ إلى الله، من هو الله؟ إنه ربي.. إذن فلأتعرّف عليه.

تفكرت في القيامة.. في الحشر والنشر.. في السماء ذات البروج.. في الشمس وضحاها.. في القمرِ إذا تلاها، وكنت أقرأ كثيراً علماً بأني كنتُ محباً لكتاب الله حتى وأنا في الضلالة.. ربما تستغربون أني حفظتُ بعض السور في مكان لا يُذكر بالله أبداً.
عشتُ هذه الفترة العصيبة التي بلغت سنين عدداً حتى شمَّرت عن ساعد الجدِّ، ورأيت فعلاً أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وأن الموت آت لا ريب فيه، فليكن المرء منا مستعداً لهذا: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ حَقّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102]. تفكروا ـ إخواني ـ في هذه الآية ترَوا عجباً، تفكروا في كل ما حولكم من آيات الله، وفي أنفسكم، أفلا تبصرون؟ عقلاً ستدركون أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.. فكيف ـ إذن ـ يكون الحل؟.. أن نعود إلى الله، أن نتوب إليه، أن نعمل بطاعته.
المهم أني عدت إلى الله، وأحببت كلامه سبحانه، ومع بداية الهداية بدأ ارتباطي الحقيقي بكتاب الله العظيم، كنتُ كلما صليتُ خلف إمام أعجبتني قراءته أو الآيات التي قرأها، أعود مباشرة إلى البيت لأحفظها، ثم عُيِّنتُ إماماً بجامع صلاح الدين بالسليمانية، وصليت بالناس في رمضان صلاة التراويح لعام 1405هـ نظراً من المصحف، وبعد انتهاء الشهر عاهدتُ الله ثم نفسي أن أحفظ القرآن وأقرأه عن ظهر قلب في العام القادم بحول الله وقوته، وتحقق ذلك، فقد وضعت لنفسي جدولاً لحفظ القرآن بدأ من فجر العاشر من شهر شوال من ذلك العام، واستمر حتى منتصف شهر جماد الآخرة من العام الذي بعده (1406هـ)، في هذه الفترة أتممت حفظ كتاب الله ولله الحمد والمنة.
وقد كانت (نومة بعد الفجر) عائقاً كبيراً في طريقي آنذاك، كنت لا أستطيع تركها إطلاقاً إلى أن أعانني الله، وعالجتها بالجد والمثابرة والمصابرة، حتى أني كنت أنام أحيانا والمصحف على صدري، ومع الإصرار والمجاهدة أصبحت الآن لا أستطيع النوم بعد صلاة الفجر إطلاقاً.
ثم وفقني الله فعرضت المصحف على شيخي فضيلة الشيخ أحمد مصطفى أبو حسين المدرس بكلية أصول الدين بالرياض، وفرغت من ذلك يوم الثلاثاء 19رمضان 1407هـ، وكتب لي الشيخ إجازة بسندها إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، برواية حفص عن عاصم، ولعل الله أن يوفقني لإتمام العشر بحوله وقوته.
هذه قصتي مع القرآن ونصيحتي لكل من يريد أن يحفظ القرآن أن يحفظ القرآن.

وكلمة في ذيل القصة أشير فيها إلى مسئولية الأسرة في تربية الابن، ومسئولية المجتمع، ومسئولية الفرد نفسه، في التفكر والبحث عن الحقيقة والعمل بها.
ثم أشير إلى أهمية كتاب الله، هذا الكتاب العظيم الذي يطبع بالملايين، وتصدر التسجيلات الإسلامية مئات الأشرطة منه.. تريدون الخير في الدنيا عليكم به، تريدون الخير في الآخرة عليكم به.. فوالله الذي رفع السماوات بغير عَمَدٍ لا أجد في شخصي شيئاً أستحق به أن أصدّر في المجالس، أو أن يشار إليّ ببنان مسلم، أو أن يحبني شخص وهو لم يَرَني... إلا بفضل كتاب الله عليّ.. ما أهون هذا العبد الأسود على الناس لولا كتاب الله بين جنبيه.. وكلما تذكرت هذا لا أملك دمعة حَرَّى تسيل على مُقْلَتي فألجأ إلى الله داعياً أن يكون هذا القرآن أنيساً لي يوم أموت، وحين أوسَّد في التراب دفيناً، وحين أُبعث من قبري إلى العرض على ربي.
أرجوه ـ جلت قدرته ـ أن يقال لي: اقرأ وارق، ورتّل كما كنت تُرتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها.
وأسأله ـ جلت قدرته ـ أن أكون مع السّفرَة الكرام البَررة، وأن يجعل حب الناس لي عنوان محبته، ورفعهم لي رفعة لدرجتي في الجنة إنه جواد كريم.

ثم اسمعوا ما قاله القحطاني رحمه الله في نونيته: أنت الذي أدنيتني وحبوتني... وهديتني من حيرة الخذلان وزرعت لي بين القلوب محبةً... والعطف منك برحمة وحنان ونشرت لي في العالمين محاسناً... وسترت عن أبصارهم عصياني وجعلت ذكري في البرية شائعاً... حتى جعلت جميعهم إخواني والله لو علموا قبيح سريرتي... لأبى السلام علي من يلقاني ولأعرضوا عني ومَلوا صُحْبَتي... ولبُؤت بعد قرابة بهوانٍ لكن سترت معايبي ومثالبي... وحَلِمتَ عن سقطي وعن طغياني فلك المحامد والمدائح كلها... بخواطري وجوارحي ولساني

أخوكم العبد الفقير إلى رحمة ربه المنان أبو عبد الله عادل بن سالم الكلباني (توبة شيوعي 1:

قال سيد قطب رحمه الله تعالى: (إن أقصى مدى أتصوره للمد الشيوعي لن يتجاوز جيلنا هذا الذي نحن فيه وأوائل الجيل القادم إذا سارت الأمور سيرتها الحالية) 2. هذا ما تصوره سيد رحمه الله قبل ما يقارب من ثلاثين عاماً، فلم تمضِ سنوات معدودة حتى كانت الشيوعية قد سقطت وأفلس أصحابها.
وأترككم الآن مع صاحبنا ليروي لنا رحلته من الشيوعية مروراً بالصوفية وانتهاءً بالعقيدة السلفية النقية، يقول:

كنت شيوعياً داعياً إلى الإلحاد، جنّدتُ كثيراً من الشباب ـ من الجنسين ـ في الأحزاب الشيوعية، وترقيتُ في مراتبها حتى وصلتُ إلى مرتبةٍ عاليةٍ، ثم تبيَن لي سخف هذه العقيدة وهذا الفكر وضلاله ومصادمته للفطرة الإنسانية، فقررتُ تركه إلى غير رجعة، فبحثتُ عن الإسلام فوجدته ـ بحسب فمهي الوراثي ـ عند المتصوفة؛ فاعتنقتُ الطريقة السمانية، ومؤسسها في الأصل من طيبة الطيبة، ومقرها الآن بالسودان، وهذه الطريقة تعتقد من العقائد الكفرية ما الله به عليم، ولها مؤلفات درستُ أهمها، وكنت أعتقدُ أني قد أحسنتُ صنعاً، وفرح أهلي وأصدقائي من الطرق الأخرى بتركي للحزب الشيوعي واختياري لطريقة آبائي وأجدادي، وترقيتُ في هذه الطريقة حتى وصلتُ إلى مرتبة (شيخ) وأُجزتُ في أخذ العهد على المريدين (!!)، وإرشاد العباد من الجنسين، وإعطاء الأوراد المبتدعة، وعلاج المرضى] الجن [... الخ.
وحصلتْ لي بعض الخوارق للعادة فكنتُ أظنها ـ والناس كذلك ـ تكريماً من الله وهي في الحقيقة إضلال الشيطان وتلبيسهم.
ولا أجد حرجاً أن أقول أنني قد استفدتُ من الحزب الشيوعي كثرة الإطلاع والجدال، الأمر الذي جعلني أتطاول وأقرأ ـ لمجرد النقد ـ كتاب (صيانة الإنسان من وسوسة الشيخ دحلان)، وهو كتاب قيم في الرد على المتصوفة والخرافيين، فكانت النتيجة تركي للطريقة السمانية، وبدأتُ أقرأ في كتب مَن كنت أبغضهم بغضي للشيطان أو أشد، وهم الآن من أحب الناس إليّ كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب عليهم رحمة الله جميعاً وغيره من أصحاب العقيدة السلفية النقية، والحمد لله الذي هداني لهذا وما كنتُ لأهتدي لو لا أن هداني الله، وإني بهذه المناسبة أنصح إخواني المسلمين لا سيما من ابتلوا باتباع هذه الطرق وهذه الأحزاب بأن يُعملوا عقولهم ويتجردوا للحق، ويحذروا من الدجاجلة والمخرفين، ولا يقولوا كما قال أهل الجاهلية: (قَالُوَاْ إِنّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىَ أُمّةٍ وَإِنّا عَلَىَ آثَارِهِم مّهْتَدُونَ) [الزخرف: 22] والله الهادي إلى سواء السبيل.
1 (توبة قبوري 2:

قال ابن القيم رحمه الله: (ومن أعظم مكائد الشيطان التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يرد الله فتنته؛ ما أوحاه قديماً وحديثاً إلى حزبه وأوليائه من الفنتة بالقبور، حتى آل الأمر فيها إلى أن عُبد أربابها من دون الله، وعُبدت قبورهم واتخذتْ أوثاناً، وبُنيت عليها الهياكل والأنصاب... ) إلى أن قال: (فلو رأيتَ غلاة المتخذين لها عيداً؛ وقد نزلوا عن الأكوار والدواب إذا رأوها من مكان بعيد، فوضعوا لها الجباه، وقبّلوا الأرض وكشفوا الرؤوس، وارتفعتْ أصواتهم بالضجيج، وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج، ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يُبدي ولا يُعيد، ونادوا.. ولكن من مكان بعيد، حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعتين، ورأوا أنه قد أحرزوا من الأجر فوق أجر من صلى إلى القبلتين، فتراهم حول القبر رُكّعاً سُجّداً يبتغون فضلاً من الميت ورضواناً، وقد ملئوا أكفّهم خيبة وخسراناً، فلغير الله بل للشيطان ما يُراق هناك من العبرات، ويرتفع من الأصوات، ويُطلب من الميت الحاجات، ويُسأل من تفيرج الكُربات، وإغناء ذوي الفاقات، ومعافاة أولي العاهات والبليات، ثم انثنوا بعد ذلك حول القبر طائفين تشبيهاً له بالبيت الحرام، ثم أخذوا في التقبيل والاستلام، أرأيت الحجر الأسود وما يُفعل به وفدُ بيت الله الحرام؟ ثم عفّروا لديه تلك الجباه والخدود، التي يعلم الله أنها لم تُغفَّر مثل بين يديه في السجود، ثم قرّبوا لذلك الوثن القرابين، وكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير الله رب العالمين.. ). (إلى أن قال رحمه الله: (هذا ولم نتجاوز فيما حكيناه عنهم، ولا استقصينا جميع بدعهم وضلالهم؛ إذ هي فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال، وهذا كان مبدأ عبادة الأصنام في قوم نوح... ) 1 أخي القارئ: بعد هذه المقدمة الرائعة والتي لا أجد مزيداً عليها؛ أتركك الآن مع صاحب القصة ليحدثنا عن رحلته، يقول:

نشأت في مجتمع قبوري وبيئة قبورية قي قرية من قرى باكستان كانت تسمى (مدينة الأولياء) لكثرة ما فيها من الأضرحة والقبور... منذ نعومة أظفاري كنت أرى والدي ووالدتي وإخوتي الكبار وسائر أقربائي، بل سائر مَنْ في قريتنا يذهبون إلى ما يسمى بالولي أو السيد، حتى بلغتْ بهم السفاهة إلى أن يذهبوا إلى غرفة خالية، فيها سرير ليس عليه أحد، ويزعمون أنه ضريح الولي الحي الذي لا يموت، وينسون قول الله عز وجل: (إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا اسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) [فاطر:14] كنت أشاركهم في شركهم وطقوسهم وخرافاتهم، حتى أصبحت تلك الخرافات عقيدة راسخة في قلبي، والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه.. ) الحديث.
فلو مِتُّ على هذه العقيدة لكنتُ من أهل النار: (إنه من يُشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنةَ ومأواه النار وما للظالمين من أنصار).
ظللتُ على هذه العقيدة الشركية حتى بعد أن أصبحتُ زوجاً وأباً، فكنتُ أربّي أولادي على هذه العقيدة.. أحملهم إلى ضريح الولي المزعوم فأحلق شعر أحدهم هناك تقرباً وتبركاً (!!!)، وأحمل معي الهدايا والقربات والذبائح والنذور، وأرش الماء على القبر... ولئن كان غيري متعلماً، فقد كنتُ أمياً جاهلاً، حتى يسّر الله لي القدوم إلى هذه البلاد.
مهبط الوحي ومنبع الرسالة، فلم أجد فيها ما كنتُ معتاداً عليه من الأضرحة والقبور ومظاهر الشرك، ومع ذلك لم أفكر في تغيير عقيدتي الباطلة، كنتُ متعلقاً بتلك الأضرحة وإن كانت بعيدة عني، وليس أعجب من ذلك أنني لم أكن أصلي الصلوات المفروضة، بل حتى الجمعة لا أحضرها، وأدخن بشراهة، وأرتكبُ كثيراً من المحرمات.. ! فليس بعد الكفر ذنباً.
ويشاء الله عزّ وجلّ أن ألتقيَ بأحد الدعاة الباكستانيين مَن الذين درسوا في هذه البلاد، وبعد محاورات لم تدم طويلاً استطاع أن ينتشلني من أوحال الشرك وغَوره السحيق، إلى رياض التوحيد في علو سامق، حيث استنشقت عبير الإيمان الصحيح، وها أنذا اليوم أنظر إلى أهلي وقومي من هذا العلو، أمد لهم يدي، أحاول انتشالهم من مستنقعات الشرك الآسنة: (ومن يشرك بالله فكأنما خرَّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق).
(توبة الشيخ محمد جميل زينو من ضلالات الصوفيّة:

الشيخ محمّد جميل زينو – حفظه الله – عرفناه من خلال مؤلّفاته النافعة التي تُعنى بنشر العقيدة السلفيّة، وبيانها بأسلوب واضح ميسر، وقد نفع الله بهذه المؤلّفات، وهدى بها من الضلال بإذنه.. وللشيخ قصّته مع الهداية إلى هذه العقيدة الصحيحة، وقد رواها بنفسه 1، فقال: ولدتُ في مدينة حلب بسورية.. ولمّا بلغتُ العاشرة من عمري التحقتُ بمدرسة خاصّة تعلّمت فيها القراءة والكتابة، ثم التحقت بمدرسة دار الحفّاظ لمدّة خمس سنين حفظت خلالها القرآن الكريم كاملاً ولله الحمد، ثمّ التحقت بما يسمّى آنذاك بالكليّة الشرعيّة التجهيزيّة ـ وهي الآن الثانوية الشرعيّة ـ وهي تابعة للأوقاف الإسلامية، وهذه المدرسة تجمع بين تدريس العلوم الشرعيّة والعصريّة.
وأذكر أنّني درست فيها علم التوحيد في كتاب اسمه: ((الحصون الحميديّة)) والذي يقرّر فيه مؤلّفه توحيد الربوبيّة، وأنّ لهذا العالم ربّاً وخالقاً!..... وقد تبيّن لي فيما بعد خطأ هذا المنهج في تقرير العقيدة، فإنّ المشركين الذين قاتلهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانوا مقرّين بأنّ الله هو الخالق الرازق: ((وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ)) (الزخرف: 87)، بل إنّ الشيطان الذي لعنه الله كان مقرّاً بذلك؛ ((قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي)) (الحجر: 39).
أمّا توحيد الإله الذي هو الأساس والذي به ينجو المسلم، فلم أدرسه ولا كنت أعلم عنه شيئاً.
كنت نقشبنديّاً:

لقد كنت منذ الصغر أحضر الدروس وحلقات الذكر في المساجد، وقد شاهدني شيخ الطريقة النقشبندية فأخذني إلى زاوية المسجد، وبدأ يعطيني أوراد الطريقة النقشبندية، ولكن لصغر سنّي لم أستطع أن أقوم بها، لكنّي كنت أحضر مجالسهم مع أقاربي في الزوايا، وأستمع إلى ما يردّوونه من أناشيد وقصائد، وحينما يأتي ذكر اسم الشيخ كانوا يصيحون بصوت مرتفع، فيزعجني هذا الصوت المفاجئ، ويسبب لي الرعب والهلع، وعند ما تقدّمت بي السنّ بدأ قريب لي يأخذني إلى مسجد الحيّ لأحضر معه ما يسمّى بالختم، فكنّا نجلس على شكل حلقة، فيقوم أحد الشيوخ ويوزّع علينا الحصى ويقول: ((الفاتحة الشريفة، الإخلاص الشريف))، فنقرأ بعدد الحصى سورة الفاتحة وسورة الإخلاص، والاستغفار والصلاة على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالصيغة التي يحفظونها، ويجعلون ذلك آخر ذكرهم.
ثم يقول الشيخ الموكّل، لأنّ الشيخ ـ بزعمهم ـ هو الذي يربطهم بالله؛ فيهمهمون، ويصيحون، ويعتريهم الخشوع، حتّى إنّ أحدهم ليقفز فوق رؤوس الحاضرين كأنّه البهلوان من شدّة الوجد.. إلى آخر ما كانوا يفعلونه من البدع المحدثة التي ما أنزل الله بها من سلطان.
كيف اهتديت إلى التوحيد؟ كنت أقرأ على شيخي الصوفيّ حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما، وهو قول النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله.. )) فأعجبني شرح الإمام النوويّ رحمه الله حين قال: (ثمّ إن كانت الحاجة التي يسألها لم تجر العادة بجريانها على أيدي خلقه، كطلب الهداية والعلم، وشفاء المرضى، وحصول العافية، سأل ربّه ذلك.
وأمّا سؤال الخلق، والاعتماد عليهم فمذموم)).
فقلت للشيخ: هذا الحديث وشرحه يفيدان عدم جواز الاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.
فقال لي: بل تجوز!! قلت له: وما الدليل؟ فغضب الشيخ، وصاح قائلاً: إنّ عمّتي كانت تقول: يا شيخ سعد (وهو من الأولياء المزعومين الأموات) فأقول لها: يا عمّتي، وهل ينفعك الشيخ سعد؟ فتقول: أدعوه فيتدخّل على الله فيشفيني!! قلت له: إنّك رجل عالم، قضيت عمرك في قراءة الكتب، ثمّ تأخذ عقيدتك من عمّتك الجاهلة!! فقال لي: عندك أفكار وهّابيّة! (نسبة إلى الشيخ المجدد محمّد بن عبد الوهّاب رحمه الله).

وكنت لا أعرف شيئاً عن الوهّابية إلا ما أسمعه من المشايخ، فيقولون عنهم: إنّهم مخالفون للناس، لا يؤمنون بالأولياء وكراماتهم المزعومة، ولا يحبّون الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إلى غير ذلك من التهم الكثيرة الكاذبة التي لا حقيقة لها.
فقلت في نفسي؛ إن كانت الوهّابيّة تؤمن بالاستعانة بالله وحده، وأنّ الشافي هو الله وحده، فلا بدّ أن أتعرّف عليها.
وبحثت عن هذه الجماعة، فاهتديت إليها، كان لهم لقاء مساء كلّ خميس يتدارسون فيه التفسير والفقه والحديث، فذهبت إليهم بصحبة أولادي وبعض الشباب المثقّف.. دخلنا غرفة كبيرة، وجلسنا ننتظر الدرس، وبعد برهة من الزمن دخل الشيخ، فسلّم علينا، ثمّ جلس على مقعده، ولم يقم له أحد، فقلت في نفسي، هذا الشيخ متواضع، لا يحب القيام له.
وبدأ الشيخ درسه بقوله: إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره.. إلى آخر الخطبة التي كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفتتح بها خطبه ودروسه، ثمّ بدأ يتكلّم باللغة العربية الفصحى، ويورد الأحاديث، ويبيّن صحّتها وراويها، ويصلّي على النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلّما ذكر اسمه.
وفي ختام الدرس وجّهت له الأسئلة فكان يجيب عليها بالدليل من الكتاب والسنّة، ويناقشه بعض الحاضرين فلا يردّ سائلاً أو متكلماً، ثمّ قال في آخر درسه: الحمد لله، إنّنا مسلمون سلفيون، وبعض الناس يقولون إنّنا وهّابيون، فهذا تنابز بالألقاب، وقد نهانا الله عن ذلك بقوله: ((وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ)) (الحجرات: 11).
ولمّا انتهى الشيخ من درسه، خرجنا ونحن معجبين بعلمه وتواضعه، وسمعت أحد الشباب يقول: هذا هو الشيخ الحقيقيّ.
ومن هنا بدأت رحلتي إلى التوحيد الخالص، والدعوة إليه، ونشره بين الناس اقتداء بسيّد البشر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وإنّي لأحمد الله عزّ وجلّ الذي هداني لهذا، وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله، والحمد لله أوّلاً و آخراً.
(القسم الثاني: توبة الفنانين والفنانات:

(القسم الثاني: توبة الفنانين والفنانات: (توبة الممثلة شمس البارودي 1:

في حوار أجرته إحدى الصحف مع شمس البارودي الممثلة المعروفة التي اعتزلت التمثيل وردّاً على سؤال عن سبب هدايتها قالت:

البداية كانت في نشأتي.. والنشأة لها دور مهم، والدي بفضل الله رجل متدين، التدين البسيط العادي.. وكذلك كانت والدتي ـ رحمهما الله ـ كنت أصلي ولكن ليس بانتظام.. كانت بعض الفروض تفوتني ولم أكن أشعر بفداحة ترك فرض من فروض الصلاة.. وللأسف كانت مادة الدين في المدارس ليست أساسية وبالطبع لم يكن يرسب فيها أحد ولم يكن الدين عِلماً مثل باقي العلوم الأخرى الدنيوية.. وعندما حصلت على الثانوية العامة كانت رغبتي إما في دخول كلية الحقوق أو دراسة الفنون الجميلة، ولكن المجموع لم يؤهلني لأيهما.. فدخلت معهد الفنون المسرحية، ولم أكمل الدراسة فيه حيث مارست مهنة التمثيل.. وأشعر الآن كأنني دفعت إليها دفعاً.. فلم تكن في يوم من الأيام حلم حياتي ولكن بريق الفن والفنانين والسينما والتليفزيون كان يغري أي فتاة في مثلي سني ـ كان عمري آنذاك 16 - 17 سنة ـ خاصة مع قلة الثقافة الدينية الجيدة.
وأثناء عملي بالتمثيل كنت أشعر بشيء في داخلي يرفض العمل حتى أنني كنت أظل عامين أو ثلاثة دون عمل حتى يقول البعض: إنني اعتزلت.. والحمد لله كانت أسرتي ميسورة الحال من الناحية المادية فلم أكن أعمل لحاجة مادية.. وكنت أنفق العائد من عملي على ملابسي ومكياجي وما إلى ذلك.. استمر الوضع حتى شعرت أني لا أجد نفسي في هذا العمل.. وشعرتُ أن جمالي هو الشيء الذي يُستغل في عملي بالتمثيل.. وعندها بدأت أرفض الأدوار التي تُعرض عليً، والتي كانت تركز دائماً على جمالي الذي وهبني الله إياه وعند ذلك قلّ عملي جداً.. كان عملي بالتمثيل أشبه بالغيبوبة.. كنت أشعر أن هناك انفصاماً بين شخصيتي الحقيقية والوضع الذي أنا فيه.. وكنت أجلس أفكر في أعمالي السينمائية التي يراها الجمهور.. ولم أكن أشعر أنها تعبّر عني، وأنها أمر مصطنع، كنت أحسّ أنني أخرج من جلدي.
وبدأت أمثل مع زوجي الأستاذ حسن يوسف في أدوار أقرب لنفسي فحدثت لي نقلة طفيفة من أن يكون المضمون لشكلي فقط بل هناك جانب آخر.
أثناء ذلك بدأت أواظب على أداء الصلوات بحيث لو تركت فرضاً من الفروض استغفر الله كثيراً بعد أن أصلّيه قضاءً.. وكان ذلك يحزنني كثيراً.. كل ذلك ولم أكن ألتزم بالزي الإسلامي.

وقبل أن أتزوج كنتُ أشتري ملابس من أحدث بيوت الأزياء في مصر وبعد أن تزوجت كان زوجي يصحبني للسفر خارج مصر لشراء الملابس الصيفية والشتوية!!.. أتذكر هذا الآن بشيء من الحزن، لأن مثل هذه الأمور التافهة كانت تشغلني.
ثم بدأت أشتري ملابس أكثر حشمةً، وإن أعجبني ثوب بكمّ قصير كنت أشتري معه (جاكيت) لستر الجزء الظاهر من الجسم.. كانت هذه رغبة داخلية عندي.
وبدأت أشعر برغبة في ارتداء الحجاب ولكن بعض المحيطين بي كانوا يقولون لي: إنكِ الآن أفضل!!!.
بدأت أقرأ في المصحف الشريف أكثر.. وحتى تلك الفترة لم أكن قد ختمت القرآن الكريم قراءة، كنت أختمه مع مجموعة من صديقات الدراسة.. ومن فضل الله أنني لم تكن لي صداقات في الوسط الفني، بل كانت صداقاتي هي صداقات الطفولة، كنت أجتمع وصديقاتي ـ حتى بعد أن تزوجت ـ في شهر رمضان الكريم في بيت واحدة منا نقرأ الكريم ونختمه وللأسف لم تكن منهن من تلتزم بالزي الشرعي.
في تلك الفترة كنت أعمل دائماً مع زوجي سواء كان يمثل معي أو يُخرج لي الأدوار التي كنت أمثلها.. وأنا أحكي هذا الآن ليس باعتباره شيئاً جميلاً في نفسي ولكن أتحدث عن فترة زمنية عندما أتذكرها أتمنى لو تمحى من حياتي ولو عدت إلى الوراء لما تمنيت أبداً أن أكون من الوسط الفني!! كنت أتمنى أن أكون مسلمة ملتزمة لأن ذلك هو الحق والله تعالى يقول: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56] كنت عندما أذهب إلى المصيف أتأخر في نزول البحر إلى ما بعد الغروب ومغادرة الجميع للمكان إلا من زوجي، وأنا أقول هذا لأن هناك من تظن أن بينها وبين الالتزام هُوَّةٌ واسعة ولكن الأمر بفضل الله سهل وميسور فالله يقول في الحديث القدسي: (ومن تقرب إلىّ شبراً تقربت إليه ذراعاً ومن تقرب إلى ذراعاً تقربتُ إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولةً).
وكانت قراءاتي في تلك الفترة لبرجسون وسارتر وفرويد وغيرهم من الفلسفات التي لا تقدم ولا تؤخر وكنت أدخل في مناقشات جدلية فلسفية وكانت عندي مكتبة ولكني أحجمت عن هذه القراءات دون سبب ظاهر.

كانت عند رغبة قوية في أداء العمرة وكنت أقول في نفسي: إنني لا أستطيع أن أؤدي العمرة إلا إذا ارتديت الحجاب لأنه غير معقول أن أذهب لبيت الله دون أن أكون ملتزمة بالزي الإسلامي.. لكن هناك من قلنَ لي: لا.. أبداً.. هذا ليس شرطاً.. كان ذلك جهلاً منهن بتعاليم الإسلام لأنهن لم يتغير فيهن شيء بعد أدائهن للعمرة.
وذهب زوجي لأداء العمرة ولم أذهب معه لخوفي أن تتأخر ابنتي عن الدراسة في فترة غيابي.. ولكنها أصيبت بنزلة شعبية وانتقلت العدوى إلى ابني ثم انتقلت إليّ فصرنا نحن الثلاثة مرضى فنظرت إلى هذا الأمر نظرة فيها تدبر وكأنها عقاب على تأخري عن أداء العمرة.
وفي العام التالي ذهبت لأداء العمرة وكان ذلك سنة 1982م في شهر (فبراير) وكنتُ عائدة في (ديسمبر) من باريس وأنا أحمل أحدث الملابس من بيوت الأزياء.. كانت ملابس محتشمة.. ولكنها أحدث موديل.. وعندما ذهبتُ واشتريت ملابس العمرة البيضاء كانت أول مرة ألبس الثياب البيضاء دون أن أضع أي نوع من المساحيق على وجهي ورأيت نفسي أكثر جمالا.. ولأول مرة سافرت دون أن أصاب بالقلق على أولادي لبُعدي عنهم وكانت سفرياتي تصيبني بالفزع والرعب خوفاً عليهم.. وكنت آخذهم معي في الغالب.
وذهبتُ لأداء العمرة مع وفد من هيئة قناة السويس.. وعندما وصلتُ إلى الحرم النبوي بدأت أقرأ في المصحف دون أن أفهمَ الآيات فهماً كاملاً لكن كان لدي إصرار على ختم القرآن في المدينة ومكة.. وكانت بعض المرافقات لي يسألنني: هل ستتحجبين؟ وكنت أقول: لا أعرف.. كنت أعلق ذلك الأمر على زوجي.. هل سيوافق أم لا... ولم أكن أعلم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وفي الحرم المكي وجدت العديد من الأخوات المسلمات اللائى كُنَّ يرتدين الخمار وكنت أفضل البقاء في الحرم لأقرأ القرآن الكريم وفي إحدى المرات أثناء وجودي في الحرم بين العصر والمغرب التقيتُ بإحدى الأخوات وهي مصرية تعيش في الكويت اسمها (أروى) قرأتْ عليّ أبياتاً من الشعر الذي كتبته هي فبكيت، لأنني استشعرت أنها مسّت شيئاً في قلبي وكنت في تلك الفترة تراودني فكرة الحجاب كثيراً ولكن الذي من حولي كانوا يقولون لي: انتظري حتى تسألي زوجك.. لا تتعجلي... أنت مازلتِ شابة... الخ) ولكن كانت رغبتي دائماً في ارتداء الحجاب قالت الأخت (أروى): فليقولوا عن حجابي... لا وربي لن أبالي قد حماني فيه ديني... وحباني بالجلال زينتي دوماً حيائي... واحتشامي هو مالي

ألأني أتولى... عن متاعٍ لزوالِ لامني الناس كأني... أطلب السوء لحالي كم لمحت اللوم منهم... في حديث أو سؤال

وهي قصيدة طويلة أبكي كلما تذكرتها... استشعرت تتحدث بلسان حالي... وأنها مست شغاف قلبي.
وبعد ذلك ذهبت لأداء العمرة لأخت لي من أبي توفيت وكنت أحبها كثير رحمها الله وبعد أداء العمرة لم أنم تلك الليلة واستشعرت بضيق في صدري رهيب وكأن جبال الدنيا تجثم فوق أنفاسي... وكأن خطايا البشر كلها تخنقني... كل مباهج الدنيا التي كنت أتمتع بها كأنها أوزار تكبلني... وسألني والدي عن سبب أرقي فقلت له: أريد أن أذهب إلى الحرم الآن... ولم يكن الوقت المعتاد لذهابنا إلى الحرم قد حان ولكن والدي وكان مجنداً نفسه لراحتي في رحلة العمرة صحبني إلى الحرم... وعندما وصلنا أديتُ تحية المسجد وهي الطواف وفي أول شوط من الأشواط السبعة يسّر الله لي الوصول إلى الحجر الأسود ولم يحضر على لساني غير دعاء واحد... لي ولزوجي وأولادي وأهلي وكل من أعرف... دعوت بقوة الإيمان... ودموعي تنهمر في صمت ودون انقطاع... طوال الأشواط السبعة لم أدعُ إلا بقوة الإيمان وطوال الأشواط السبعة أصل إلى الحجر الأسود وأقبّله، وعند مقام إبراهيم عليه السلام وقفت لأصلي ركعتين بعد الطواف وقرأت الفاتحة، كأني لم أقرأها طوال حياتي واستشعرت فيها معانٍ اعتبرتها منة من الله، فشعرت بعظمة فاتحة الكتاب... وكنت أبكي وكياني يتزلزل... في الطواف استشرت كأن ملائكة كثيرة حول الكعبة تنظر إلي... استشعرت عظمة الله كما لم أستشعرها طوال حياتي.
ثم صليت ركعتين في الحِجر وحدث لي الشيء نفسه كل ذلك كان قبل الفجر... وجاءني والدي لأذهب إلى مكان النساء لصلاة الفجر عندها كنت قد تبدلت وأصبحت إنسانة أخرى تماماً.
وسألني بعض النساء: هل ستتحجّبين يا أخت شمس؟ فقلت: بإذن الله... حتى نبرات صوتي قد تغيرت... تبدلت تماماً... هذا كل ما حدث لي... وعدتُّ ومن بعدها لم أخلع حجابي... وأنا الآن في السنة السادسة منذ ارتديته وأدعو الله أن يُحسن خاتمتي وخاتمتنا جميعاً أنا وزوجي وأهلي وأمة المسلمين جمعاء.
(توبة الراقصة هالة الصافي 1:

روت الفنانة الراقصة، المعروفة، هالة الصافي، قصة اعتزالها الفن وتوبتها، والراحة النفسية التي وجدتها عندما عادت إلى بيتها وحياتها، وقالت: بأسلوب مؤثر عبر لقاء صحفي معها:

(في أحد الأيام كنت أؤدي رقصة في أحد فنادق القاهرة المشهورة، شعرت وأنا أرقص بأنني عبارة عن جثة،، دمية تتحرك بلا معنى، ولأول مرة أشعر بالخجل وأنا شبه عارية، أرقص أمام الرجال ووسط الكؤوس.
تركت المكان، وأسرعت وأنا أبكي في هستيريا حتى وصلت إلى حجرتي وارتديت ملابسي.
انتابني شعور لم أحسه طيلة حياتي مع الرقص الذي بدأته منذ كان عمري 15 سنة، فأسرعت لأتوضأ وصليت، وساعتها شعرت لأول مرة بالسعادة والأمان، ومن يومها ارتديت الحجاب على الرغم من كثرة العروض، وسخرية البعض.
أديت فريضة الحج، ووقفت أبكي لعل الله يغفر لي الأيام السوداء.. ). وتختتم قصتها المؤثرة قائلة: (هالة الصافي ماتت ودفن معها ماضيها، أما أنا فاسمي سهير عابدين، أم كريم، ربة بيت، أعيش مع ابني وزوجي، ترافقني دموع الندم على أيام قضيتها من عمري بعيداً عن خالقي الذي أعطاني كل شيء.
إنني الآن مولودة جديدة، أشعر بالراحلة والأمان بعد أن كان القلق والحزن صديقي، بالرغم من الثراء والسهر واللهو).
وتضيف: (قضيت كل السنين الماضية صديقة للشيطان، لا أعرف سوى اللهو الرقص، كنت أعيش حياة كريهة حقيرة، كنت دائماً عصبية، والآن أشعر أنني مولودة جديدة، أشعر أنني في يد أمينة تحنو علي وتباركني، يد الله سبحانه وتعالى).
(توبة الممثل المغربي المشهور سعيد الزياني 1:

في مكة أم القرى، شرفها الله ومن جوار بيت الله الحرام، وفي العشر الأخيرة من رمضان، حدثنا الممثل سابقاً، والداعية حالياً، الأخ سعيد الزياني عن قصة رجوعه إلى الله، وهدايته إلى الطريق المستقيم، فقال: نشأت في بيت من بيوت المسلمين، ولما بلغتُ من المراهقة كنتُ أحلم ـ كما كان يحلم غيري من الشباب المراهق ـ بتحقيق شيئين مهمين في نظري آنذاك، وهما: الشهرة والمال، فقد كنت أبحث عن السعادة وأسعى إلى الحصول عليها بأية طريقة كانت.

في بداية الأمر،.
التحقتُ بالإذاعة المغربية، وشاركتُ في تقديم بعض الفقرات التي تربط بين البرامج، ثم تقدمت فأصبحت أقدّم برامج خاصة حتى اكتسبتُ خبرة في هذا المجال، ثم اتجهت إلى التلفزيون وتدرجت فيه حتى أصبحت مقدماً من الدرجة الأولى ـ وهي أعلى درجة يحصل عليها مذيع أو مقدم ـ وأصبحت أقدِّم نشرات الأخبار، والكثير من برامج السهرة والمنوعات وبرامج الشباب، واشتهرت شهرة كبيرة لم يسبقني إليها أحد، وأصبح اسمي على كل لسان، وصوتي يُسمع في كل بيت.
وعلى الرغم من هذه الشهرة إلا أني كنت غير سعيد بهذا.. كنت أشعر بضيق شديد في صدري، فقلت في نفسي لعلي أجد السعادة في الغناء.. وبالفعل، فقد ساعدتني شهرتي في الإذاعة والتلفزيون أن أقدم من خلال أحد البرامج التلفزيونية أغنية قصيرة كانت هي البداية لدخول عالم الغناء.
ودخلتُ عالم الغناء، وحققت شهرة كبيرة في هذا المجال، ونَزَل إلى الأسواق العديد بل الآلاف من الأشرطة الغنائية التي سجلتها بصوتي.
وعلى الرغم من ذلك كله كنت أشعر بالتعاسة والشقاء، وأحس بالملل وضيق الصدر، وصدق الله إذ يقول: (فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً كَأَنّمَا يَصّعّدُ فِي السّمَآءِ) [الأنعام:125] فقلت في نفسي: إن السعداء هم الممثلون والممثلات، فأردتُّ أن أشاركهم في تلك السعادة، فاتجهت إلى التمثيل، وأصبحت ممثلاً من الدرجة الأولى، فكنت لا أمثل إلا أدوار البطولة في جميع الأعمال التي أقدمها.. والحقيقة ودون مبالغة أصبحت شخصاً متميزاً في بلدي، فلا أركب إلا أغلى السيارات وأفخمها، ولا ألبس إلا الملابس الثمينة.. مكانتي الاجتماعية أصبحت راقية، فأصدقائي هم كبار الشخصيات من الأمراء وغيرهم، فكنت أنتقل بين القصور، من قصر إلى قصر، وتُفتح لي الأبواب وكأني صاحب تلك القصور.
ولكن.. وعلى الرغم من ذلك كله، كنت أشعر بأني لم أصل إلى السعادة التي أبحث عنها.
وفي يوم من الأيام.. أجرى معي أحد الصحفيين لقاء صحفياً طويلا، وكان من بين الأسئلة التي وجهها إليّ هذا السؤال: (الفنان سعيد الزياني.. من المصادفات أن اسمك ينطبق على حياتك.. فاسمك سعيد، ما تقول في ذلك؟ (وكان الجواب:

(في الحقيقة أن ما تعتقده ويعتقده كثير من الناس غير صحيح، فأنا لستُ سعيداً في حياتي، واسمي في الحقيقة لا يزال ناقصاً، فهو يتكون من ثلاثة أحرف وهي: س، ع، ي: (سعي)، وأنا ما زلت أسعى، أبحث عن الحرف الأخير، وهو حرف (الدال) ليكتمل اسمي وتكتمل سعادتي، وإلى الآن لم أجده، وحين أجده سوف أخبرك).
وقد أجري معي هذا اللقاء وأنا في قمة شهرتي وثرائي.. ومرت الأيام والشهور والأعوام.. وكان لي شقيق يكبرني سناً، هاجر إلى بلجيكا.. كان إنساناً عادياً إلا أنه كان أكثر مني التزاماً واستقامة، وهناك في بلجيكا التقى ببعض الدعاة المسلمين فتأثر بهم وعاد إلى الله على أيديهم.
فكرتُ في القيام برحلة سياحية إلى بلجيكا أزور فيها أخي فأمر عليه مرور الكرام، ثم أواصل رحلتي إلى مختلف بلاد العالم.
سافرت إلى بلجيكا، والتقيتُ بأخي هناك، ولكني فوجئت بهيئته المتغيرة، وحياته المختلفة، والأهم من ذلك، السعادة التي كانت تشع في بيته وحياته، وتأثرتُ كثيراً بما رأيتُ، إضافةً إلى العلاقات الوثيقة التي تربط بين الشباب المسلم في تلك المدينة، وقد قابلوني بالأحضان، ورحّبوا بي أجمل ترحيب، ووجهوا لي الدعوة لحضور مجالسهم واجتماعاتهم والتعرف عليهم بصورة قوية.
أجبت الدعوة، وكنت أشعر بشعور غريب وأنا أجلس معهم، كنتُ أشعر بسعادة عظيمة تغمرني لم أشعر بها من قبل، ومع مرور الأيام قمتُ بتمديد إجازتي لكي تستمر هذه السعادة التي طالما بحثتُ عنها فلم أجدها.
وهكذا.. كنت أشعر بالسعادة مع هؤلاء الأخيار تزداد يوماً بعد يوم، والضيق والهم والشقاء يتناقص يوماً بعد يوم.. حتى امتلأ صدري بنور الإيمان، وعرفتُ الطريق إلى الله الذي كنت قد ضللت عنه مع ما كنت أملكه من المال والثراء والشهرة، وأدركت من تلك اللحظة أن السعادة ليست في ذلك المتاع الزائل، إنما هي في طاعة الله عز وجل: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنّهُ حَيَاةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [النحل: 97] وقال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَىَ) [طه: 124] امتدت إجازتي عند أخي أكثر من سنتين، وأرسلتُ رسالة إلى الصحفي الذي سألني السؤال السابق، وقلت له: الأخ........ رئيس تحرير صحيفة......... في جريدة..........

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،.. أود أن أذكّرك بالسؤال الذي سألتني فيه عن السعادة، وذلك في يوم....... وتاريخ........ وقد أجبت بالجواب التالي:....... ووعدتك أن أخبرك متى ما وجدت حرف (الدال)، والآن: يطيب لي ويسعدني ويشرفني أن أخبرك بأني قد وجدتُ حرف الدال المُتمم لاسمي حيث وجدته في الدين والدعوة.. وأصبحت الآن (سعيد) حقاً.
شاع الخبر بين الناس، وبدأ أعداء الدين والمنافقون يطلقون عليّ الإشاعات، ويرمونني بالتهم، ومنهم من قال: إنه أصبح عميلاً لأمريكا أو لروسيا... إلى غير ذلك من الإشاعات المغرضة.. كنتُ أستمعُ إلى هذه الإشاعات فأتذكر دائماً ما قوبل به الأنبياء والرسل والدعاة على مرّ العصور والدهور، وعلى رأسهم نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وصحابته الكرام ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ فازداد ثباتاً وإيماناً ويقيناً، وأدعو الله دائماً: (رَبّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لّدُنْكَ رَحْمَةً إِنّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ) [آل عمران: 8] (توبة الممثلة هالة فؤاد 1:

(أرى أنني ارتكبت معصية وخطأ كبيراً في حق ربي وديني، وعلى هذا الأساس أتمنى أن يغفر الله لي ويسامحني).
هذا ما قالته الممثلة (سابقاً) هالة فؤاد بعد توبتها واعتزالها الفن، وارتدائها الحجاب، وإعلانها التفرغ التام لرعاية زوجها وأولادها وبيتها، تروي قصتها فتقول: (منذ صغري وبداخلي شعور قوي يدفعني إلى تعاليم الدين، والتمسك بالقيم والأخلاق الحميدة، وبالتحديد: عندما كنت في المرحلة الإعدادية.
كنت لا أحب حياة الأضواء، أو الظهور في المجتمعات الفنية، وكانت سعادتي الكبرى أن أظل داخل منزلي، ولكن النفس الأمارة بالسوء والنظر إلى الآخرين وتلك التبريرات الشيطانية كانت وراء اتجاهي لهذا الطريق 2.

وشاء الله سبحانه وتعالى أن يبتليني بمصيبة أعادتني إلى فطرتي، وتبين لي من خلالها الضلال من الهدى، في لحظةٍ كنت فيها قاب قوسين أو أدنى من الموت، وذلك أثناء عملية الولادة الأخيرة، حيث سدت المشيمة عنق الرحم، وكان الأطباء يستخدمون معي الطلق الصناعي قبل الولادة بثلاثة أيام، وحدث نزيف شديد هدد حياتي بخطر كبير، فأجريت لي عملية قيصرية، وبعد العملية ظللت أعاني من الآلام، وفي اليوم السابع، الذي كان من المفروض أن أغادر فيه المستشفى، فوجئت بألم شديد في رجلي اليمنى، وحدث ورم ضخم، وتغير لونها، وقال لي الأطباء: إنني أصبحت بجلطة.
وأنا في هذه الظروف شعر بإحساس داخلي يقول لي: إن الله لن يرضى عنكِ ويشفيك إلا إذا اعتزلت التمثيل، لأنك في داخلك مقتنعة أن هذا التمثيل حرام، ولكنك تزينينه لنفسك، والنفس أمّارة بالسوء، ثم إنك في النهاية متمسكة بشيء لن ينفعك.
أزعجني هذا الشعور، لأنني أحب التمثيل جداً، وكنت أظن أني لا أستطيع الحياة بدونه، وفي نفس الوقت خفت أن أتخذ خطوة الاعتزال ثم أتراجع عنها مرة أخرى، فيكون عذابي شديداً.
المهم عدتُّ إلى بيتي، وبدأت أتماثل للشفاء، والحمد لله، رجلي اليمنى بدأ يطرأ عليها تحسن كبير، ثم فجأة وبدون إنذار انتقلت الآلام إلى رجلي اليسرى، وقد شعرت قبل ذلك بآلام في ظهري، ونصحني الأطباء بعمل علاج طبيعي، لأن عضلاتي أصابها الارتخاء نتيجة لرقادي على السرير، وكانت دهشتي أن تنتقل الجلطة إلى القدم اليسرى بصورة أشد وأقوى من الجلطة الأولى.
كتب لي الطبيب دواء، وكان قوياً جداً، وشعرت بآلام شديدة جداً في جسمي، واستخدم معي أيضاً حقناً أخرى شديدة لعلاج هذه الجلطة في الشرايين، ولم أشعر بتحسن، وازدادت حالتي سوءاً، وهنا شعرت بهبوط حاد، وضاعت أنفاسي، وشاهدت كل من حولي في صورة باهتة، وفجأة سمعت من يقول لي قولي: (لا إله إلا الله) لأنك تلفظين أنفاسك الأخيرة الآن، فقلت: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله).
نطقتُ الشهادة، وفي هذه اللحظة تحدثتُ مع نفسي وقلتُ لها: سوف تنزلين القبر، وترحلين إلى الله والدار الآخرة، فكيف تقابلين الله، وأنت لم تمتثلي لأوامره، وقضيتِ حياتك بالتبرج، والوقوف في مواقف الفتنة من خلال العمل بالتمثيل؟ ماذا ستقولين عند الحساب؟ هل ستقولين إن الشيطان قد هزمني.

نعم، لقد رأيت الموت فعلاً، ولكن للأسف، كلنا نتناسى لحظ الموت، ولو تذكر كل إنسان تلك اللحظة فسوف يعمل ليوم الحساب، يجب أن نتثقف دينياً حتى لا نكون مسلمين بالوراثة، ويجب أن نتعمق في دراسة القرآن والسنة والفقه، وللأسف فإننا نعاني من (أمية دينية)، ولابدّ من تكاتف كل الجهات لتثقيف المجتمع دينياً، ولن يتم ذلك من خلال تقديم برنامج واحد أو برنامجين.
وباختصار، قمت بمحاكمة سريعة لنفسي في تلك اللحظات ثم شعرت فجأة بأنني أسترد أنفاسي، وبدأت أرى كل من يقف بوضوح تام.. أصبح وجه زوجي شديد الاحمرار، وبكى بشدة، وأصبح والدي في حالة يُرثى لها، أما والدتي فقد قامت في ركن من الحجرة تصل وتدعو الله.
سألت الطبيب: ماذا حدث؟! قال: (احمدي ربنا، لقد كُتب لك عُمر جديد).
بدأت أفكر في هذه الحادثة التي حدثتْ لي وأذهلتِ الأطباء بالإضافة إلى من حولي... فكرت في الحياة كم هي قصيرة، ولا تستحق منا كل هذا الاهتمام، فقررت أن أرتدي الحجاب وأكون في خدمة بيتي وأولادي، والتفرغ لتنشئتهم النشأة الصحيحة، وهذه أعظم الرسالات).
وهكذا عادت هالة إلى ربها، وأعلنت قرارها الأخير باعتزال مهنة التمثيل، تلك المهنة المهينة التي تجعل من المرأة دمية رخيصة يتلاعب بها أصحاب الشهوات وعبيد الدنيا، إلا أن هذا القرار لم يَرق لكثير من أولئك التجار (تجار الجنس) فاتهموها بالجنون، وأنها إنما تركت التمثيل بسبب المرض وعجزها عن المواصلة، فترد على هؤلاء وتقول: (إن هناك في (عالم الفن) مَن هم أكثر مني (نجومية)!! شهرةً، وقد تعرضوا لتجارب أقسى كثيراً مما تعرضتُ له، ولكنهم لم يتخذوا نفس القرار).
ثم تضيف: (والغريب أن الوسط الفني) قد انقسم أمام قراري هذا إلى قسمين: فالبعض قدم لي التهنئة، والبعض الآخر اتهموني بالجنون، فإذا كان الامتثال لأوامر الله جنوناً، فلا أملك إلا أن أدعو لهم جميعاً بالجنون الذي أنا فيه).
وفي معرض حديثها عن حاله قبل التوبة، وموقفها من زميلاتها اللاتي سبقنها إلى التوبة والالتزام تقول: (لقد كنت أشعر بمودة لكل الزميلات اللاتي اتخذن مثل هذا القرار، كهناء ثروت، وميرفت الجندي... وكنت أدعو الله أن يشرح لما يحب، وأن يغلقه عما لا يحب، وقد استجاب الله دعائي وشرح صدري لما يحب).
وفي ختام حديثها تقول: (هالة فؤاد الممثلة توفيت إلى غير رجعة، وهالة فؤاد الموجودة حالياً لا علاقة لها بالإنسانة التي رحلت عن دنيانا).

هذه هي قصة الممثلة هالة فؤاد مع الهداية كما ترويها بنفسها، ونحن بانتظار المزيد من العائدين إلى الله من (الفنانين) وغيرهم، اللاحقين بركب الإيمان قبل فوات الأوان، فمن العائد الجديد يا ترى؟؟ (توبة أشهر عارضة أزياء فرنسية 1:

(فابيان) عارضة الأزياء الفرنسية، فتاة في الثامنة والعشرين من عمرها، جاءتها لحظة الهداية وهي غارقة في عالم الشهرة والإغراء والضوضاء.. انسحبت في صمت.. تركتْ هذا العالم بما فيه، وذهبتْ إلى أفغانستان لتعمل في تمريض جرحى المجاهدين الأفغان وسط ظروف قاسية وحياة صعبة.
تقول فابيان: (لولا فضل الله عليّ ورحمته بي لضاعت حياتي في عالم ينحدر فيه الإنسان ليصبح مجرد حيوان كل همه إشباع رغباته وغرائزه بلا قيم ولا مبادئ).
ثم تروي قصتها فتقول: (منذ طفولتي كنت أحلم دائماً بأن أكون ممرضة متطوعة، أعمل على تخفيف الآلام للأطفال المرضى، ومع الأيام كبرت، ولفتّْ الأنظار بجمالي ورشاقتي، وحرّضني الجميع ـ بما فيهم أهلي ـ على التخلي عن حلم طفولتي، واستغلال جمالي في عمل يدرّ عليّ الربح المادي الكثير، والشهرة والأضواء، وكل ما يمكن أن تحلم به أية مراهقة، وتفعل المستحيل من أجل والوصول إليه.
وكان الطريق أمامي سهلاً ـ أو هكذا بدا لي ـ، فسرعان ما عرفت طعم الشهرة، وغمرتني الهدايا الثمينة التي لم أكن أحلم باقتنائها.
ولكن كان الثمن غالياُ.. فكان يجب عليّ أولاً أن أتجرد من إنسانيتي، وكان شرط النجاح وتألق أن أفقد حساسيتي وشعوري، وأتخلى عن حيائي الذي تربيت عليه، وأفقد ذكائي، ولا أحاول فهم أي شيء غير حركات جسدي، وإيقاعات الموسيقى، كما كان عليّ أن أحرم من جميع المأكولات اللذيذة وأعيش على الفيتامينات الكيميائية والمقويات والمنشطات، وقبل كل ذلك أن أفقد مشاعري تجاه البشر... لا أكره.. لا أحب... لا أرفض أي شيء.
إن بيوت الأزياء جعلت مني مجرد صنم متحرك مهمته العبث بالقلوب والعقول.. فقد تعلمتُ كيف أكون باردة قاسية مغرورة فارغة من الداخل، لا أكون سوى إطار يرتدي الملابس، فكنتُ بذلك، بل كلما تألّقت العارضة في تجردها من بشريتها وآدميتها زاد قدرها في هذا العالم البارد... أما إذا خالفت أيّاً من تعاليم الأزياء فتُعرِّض نفسها لألوان العقوبات التي يدخل فيها الأذى النفسي والجسماني أيضاً.

وعشت أتجول في العالم عارضة لأحدث الموضة بكل ما فيها من تبرج وغرور ومجاراة لرغبات الشيطان في إبراز مفاتن المرأة دون خجل أو حياء).
وتواصل (فابيان) حديثها فتقول: (لم أكن أشعر بجمال الأزياء فوق جسدي المفرغ ـ إلا من الهواء والقسوة ـ بمهانة النظرات واحتقارهم لي شخصيّاً واحترامهم لما أرتديه.
كما كنت أسير وأتحرك.. وفي كل إيقاعاتي كانت تصاحبني كلمة (لو).. وقد علمت بعد إسلامي أن لو تفتح عمل الشيطان.. وقد كان ذلك صحيحاً، فكنا نحيا في عالم الرذيلة بكل أبعادها، والويل لمن تعترض عليها وتحاول الاكتفاء بعملها فقط).
وعن تحولها المفاجئ من حياة لاهية عابثة إلى أخرى جادة نقول: (وكان ذلك أثناء رحلة لنا في بيروت المحطمة، حيث رأيتُ كيف يبني الناس هناك الفنادق والمنازل تحت قسوة المدافع، وشاهدت بعيني انهيار مستشفى للأطفال في بيروت، ولم أكن وحدي، بل كان معي زميلاتي من أصنام البشر وقد اكتفين بالنظر بلا مبالاة كعادتهن.
ولم أتمكن من مجاراتهن في ذلك.. فقد انقشعت عن عيني في تلك اللحظة غُلالة الشهرة والمجد والحياة الزائفة التي كنت أعيشها، واندفعت نحو أشلاء الأطفال في محاولة لإنقاذ من بقي منهم على قيد الحياة.
ولم أعد إلى رفاقي في الفندق حيث تنتظرني الأضواء، وبدأت رحلتي نحو الإنسانية حتى وصلت إلى طريق النور وهو الإسلام.
وتركتُ بيروت وذهبتُ إلى باكستان، وعند الحدود الأفغانية عشت الحياة الحقيقية، وتعلمتُ كيف أكون إنسانة.
وقد مضى على وجودي هنا ثمانية أشهر قمت فيها بالمعاونة في رعاية الأسر التي تعاني من دمار الحروب، وأحببت الحياة معهم، فأحسنوا معاملتي.
وزاد اقتناعي بالإسلام ديناً ودستوراً للحياة من خلال معايشتي له، وحياتي مع الأسر الأفغانية والباكستانية، وأسلوبهم الملتزم في حياتهم اليومية، ثم بدأت في تعلّم اللغة العربية، فهي لغة القرآن، وقد أحرزت في ذلك تقدماً ملموساً.
وبعد أن كنت أستمد نظام حياتي من صانعي الموضة في العالم، أصبحت حياتي تسير تبعاً لمبادئ الإسلام وروحانياته.
وتصل (فابيان) إلى موقف بيوت الأزياء العالمية منها بعد هدايتها، وتؤكد أنها تتعرض لضغوط دنيوية مكثفة، فقد أرسلوا عروضاً بمضاعفة دخلها الشهري إلى ثلاثة أضعافه فرفضت بإصرار.. فما كان منهم إلا أن أرسلوا إليها هدايا ثمينة لعلها تعود عن موقفها وترتد عن الإسلام.
وتمضي قائلة:

(ثم توقفوا عن إغرائي بالرجوع.. ولجئوا إلى محاولة تشويه صورتي أمام الأسر الأفغانية، فقاموا بنشر أغلفة المجلات التي كانت تتصدرها صوري السابقة أثناء عملي كعارضة للأزياء، وعلقوها في الطرقات وكأنهم ينتقمون من توبتي، وحاولوا بذلك، الوقيعة بيني وبني أهلي الجدد، ولكن خاب ظنهم والحمد لله).
وتنظر (فابيان) إلى يديها وتقول: (لم أكن أتوقع يوماً أن يدي المرفهة التي كنت أقضيها وقتاً طويلاً في المحافظة على نعومتها سأقوم بتعريضها لهذه الأعمال الشاقة وسط الجبال، ولكن هذه المشقة زادت من نصاعة وطهارة يدي، وسيكون لها حسن الجزاء عند الله سبحانه وتعالى إن شاء الله).
(توبة المغني البريطاني كات ستيفنز:

هذا الرجل كما يروي عن نفسه ولد في لندن قلب العالم الغربي، وتعلم في مدرسة كاثوليكية علمته مفهوم النصرانية للحياة والعقيدة، وما يفترض أن يعرفه عن الله، وعن المسيح عليه السلام وعن القدر، والخير، والشر.
كانت الحياة حول هذا الرجل مادية كلها، فكانت أجهزة الإعلام تعلم الناس بأن الغنى هو الثروة الحقيقية، وأن الفقر هو الضياع الحقيقي؛ فما كان منه إلا أن اختار طريق الغنى، فالتمس الغنى بالغناء، فبلغ قمة الشهرة، وأصبحت الأموال طوع يمينه وشماله، حينئذ بدأ القلق ينتابه خشية السقوط؛ فلجأ إلى الخمر، وبدأ يكره الحياة، واعتزل الناس، وأصيب بالسل، ونقل إلى المستشفى ثم بدأ يفكر في ما هو عليه، فلم يقتنع تماماً بتعاليم الدين النصراني، وبدأ يبحث عن السعادة التي لم يجدها في الغنى ولا في الشهرة، ولا في الكنيسة، فطرق باب البوذية، والفلسفة الصينية، فلم يجد السعادة، ثم انتقل إلى الشيوعية، ولكنه شعر بأنها لا تتفق مع الفطرة، فاتجه إلى العقاقير المهدئة؛ ليقطع هذه السلسلة القاسية من الحيرة، ثم رجع مرة أخرى إلى عالم الغناء.
وفي عام 1975م أهداه شقيقه الأكبر نسخة من القرآن، ثم بحث عن ترجمة لمعاني القرآن؛ ففكر في الإسلام الذي يعد في الغرب زوراً وبهتاناً رمزاً للعنصرية والعرقية.
يقول كات ستيفنز: ومن أول وهلة شعرت أن القرآن يبدأ بـ: (بسم الله) وليس باسم غير الله، وعبارة (بسم الله الرحمن الرحيم) كانت مؤثرة في نفسي، ثم تستمر الفاتحة فاتحة الكتاب: (الحمد لله رب العالمين) الحمد لله خالق العالمين 1.

ثم بعد ذلك تبين له أن القرآن يدعو إلى عبادة الله والإيمان باليوم الآخر، ويبين حقيقة الإنسان، وبدايته ونهايته، وتبين له الفارق بين القرآن وبين الإنجيل الذي كتب على أيدي مؤلفين مختلفين.
ولقد حاول أن يبحث عن أخطاء في القرآن ولكنه لم يجد، ومن هنا بدأ يعرف ما هو الإسلام حقيقة.
يقول: لقد أجاب القرآن على كل تساؤلاتي، وبذلك شعرت بالسعادة؛ سعادة العثور على الحقيقة.
وبعد قراءة القرآن الكريم كله خلال عام كامل بدأت أطبق الأفكار التي قرأتها فيه فشعرت بذلك أنني المسلم الوحيد في العالم.
ثم فكرت كيف أكون مسلماً حقيقياً، فاتجهت إلى مسجد لندن، وأشهرت إسلامي وقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله.
حين ذلك أيقنت أن الإسلام الذي اعتنقته رسالة ثقيلة، وليس عملاً سهلاً ينتهي بالشهادتين 1. ثم يواصل حديثه قائلاً: لقد ولدت، وعرفت إلى أين أسير مع إخواني من عباد الله المسلمين، ولم أقابل أحداً منهم من قبل، ولو قابلت مسلماً يحاول أن يدعوني للإسلام لرفضت دعوته بسبب أحوال المسلمين المزرية، وما تشوهه أجهزة إعلامنا في الغرب، بل حتى أجهزة الإعلام الإسلامية كثيراً ما تشوه الحقائق الإسلامية، وكثيراً ما تقف وتؤيد افتراءات أعداء الإسلام العاجزين عن إصلاح شعوبهم التي تدمرها الآن الأمراض الأخلاقية، والاجتماعية وغيرها.
لقد اتجهت للإسلام من أفضل مصادره، وهو القرآن الكريم، ثم بدأت أدرس سيرة الرسول"وكيف أنه بسلوكه وسننه علم المسلمين الإسلام، فأدركت الثروة الهائلة في حياة الرسول"وسنته، لقد نسيت الموسيقى، وسألت إخواني: هل أستمر؟ فنصحوني بالتوقف، فالموسيقى تشغل عن ذكر الله، وهذا خطر عظيم.
لقد رأيت شباباً يهجرون أهلهم، ويعيشون في جو الأغاني والموسيقى، وهذا لا يرضاه الإسلام الذي يحث على بناء الرجال.
وأما الملايين التي كسبتها في عملي السابق وهو الغناء فوهبتها كلها للدعوة الإسلامية 2. هذه هي خلاصة قصة المغني البريطاني المشهور كات ستيفنز الذي رفض الشهرة والملايين، بعد أن هداه الله إلى طريق الحق.

وبعد أن أسلم سمى نفسه (يوسف إسلام) وأصبح همه الأول نصرة الدين والدعوة إليه، ولقد أطلق لحيته حتى إنها تكاد تكسو صدره، ولقد سمعته يتلو آيات مباركات من سورة البقرة من آخر الجزء الأول وبداية الجزء الثاني بصوت عذب شجي، فنسأل الله أن يثبته على دين الحق.
(توبةالممثلة هناء ثروت:

الممثلة المصرية المشهورة، التي عاشت في عالم الفن فترة من الزمن، حتى منَّ الله عليها بالتوبة.
هذه الممثلة روت قصتها بنفسها، وأفادت بأن هناك أسباباً دفعتها إلى الدخول في عالم الفن؛ حيث لم يقم والداها بتربيتها كما ينبغي؛ إذ كانا مشغولين بأعمالهما؛ فلم تجد الرعاية التامة؛ حيث تلقفتها دور الحضانة قبل أن تبلغ الثالثة من عمرها.
تقول: كنت أعيش في قلق، وتوتُّر، وخوف من كل شيء؛ فانعكس ذلك على تصرفاتي الفوضوية الثائرة في المرحلة الابتدائية في محاولة لجذب الانتباه إلى شخصي المهمل أسرياً، بيد أن شيئاً ما أخذ يلفت الأنظار إليَّ بشكل متزايد.
أجل فقد حباني الله جمالاً، ورشاقة، وحنجرة غرّيدة جعلت معلمة الموسيقى تلازمني بصفة شبه دائمة تستعيدني الأدوار الغنائية الراقصة منها والاستعراضية التي أشاهدها في التلفاز، حتى غدوت أفضل من تقوم بها في الحفلات المدرسية.
ولا أزال أحتفظ في ذاكرتي بأحداث يوم كُرّمْتُ فيه، لتفوقي في الغناء والرقص والتمثيل على مستوى المدارس الابتدائية في بلدي.
احتضنتني (الأم ليليان) مديرة مدرستي ذات الهوية الأجنبية، وغمرتني بقبلاتها قائلة لزميلة لها: لقد نجحنا في مهمتنا! إنها وأشارت إليَّ من نتاجنا، وسنعرف كيف نحافظ عليها؛ لتكمل رسالتنا! لقد صور لي خيالي الساذج آنذاك أني سأبقى دائماً مع تلك المعلمة، وهذه المديرة، وأسعدني أن أجد بعضاً من حنان افتقدته، وإن كنت قد لاحظت أن عطفهما من نوع غريب، تَكَشَّفَتْ لي أبعاده ومراميه بعدئذ، وأفقت على حقيقة هذا الاهتمام المستورد.
وبعد ذلك تدرجت في عالم الفن حتى أصبحت ممن يشار إليهم بالبنان.
تقول عن نفسها في تلك المرحلة: كانت تمتلكني نشوة مسكرة وأنا أرفل في الأزياء الفاخرة، والمجوهرات النفيسة، والسيارات الفارهة، كانت تطربني المقابلات والتعليقات الصحفية، ورؤية صوري الملونة وهي تحتل أغلفة المجلات، وواجهات المحلات، حتى وصل الأمر بي إلى أن تعاقد معي متعهدو الإعلانات والدعايات؛ لاستخدام اسمي ـ اسمي فقط ـ لترويج مستحضراتهم وبضائعهم.

كانت حياتي بعمومها موضع الإعجاب والتقليد في أوساط المراهقات، وغير المراهقات على السواء.
وبالمقابل كان تألقي هذا موطن الحسد والغيرة التي شب أوارها في نفوس زميلات المهنة 1. (إلى أن تقول: قد تتساءل صغيرتي: وهل كنت سعيدة حقاً يا أمي؟! ابنتي الحبيبة لا تدري بأني قطعة من الشقاء والألم؛ فقد عرفت وعشت كل ما يحمل قاموس البؤس والمعاناة من معان وأحداث.
وتضيف قائلة: بات مألوفاً رؤيتي ساهمة واجمة، وقد أصبحت دمية يلهو بها أصحاب المدارس الفكرية على اختلاف انتماءاتها العقائدية لترويج أغراضهم ومراميهم عن طريق أمثالي من المخدوعين والمخدوعات، واستبدالنا بمن هم أكثر إخلاصاً، أو إذا شئت (عمالة) في هذا الوسط الخطر، والمسؤول عن الكثير من توجهات الناس الفكرية.
وجدت نفسي شيئاً فشيئاً أسقط في عزلة نفسية قائظة، زاد عليها نفوري من أجواء الوسط الفني ـ كما يُدعى ـ معرضة عن جلساته، وسهراته الصاخبة التي يرتكب فيها الكثير من التفاهات والحماقات باسم الفن أو الزمالة.
لم يحدث أن أبطلت التعامل مع عقلي في ساعات خلوتي لنفسي وأنا أحاول تحديد الجهة المسؤولة عن ضياعي وشقائي، أهي التربية الأسرية الخاطئة؟ أم التوجيه المدرسي المنحرف؟ أم هي جنايات وسائل الإعلام؟ أم كل ذلك معاً؟.
لقد توصلت ـ أيامها ـ إلى تصميم وعزم يقتضي تجنيب أولادي مستقبلاً ما ألقاه من تعاسة مهما كان الثمن غالياً؛ إذ يكفي المجتمع أني قُدّمت ضحية على مذبح الإهمال والتآمر والشهوات 2. وبعد ذلك تزوجت بالممثل محمد العربي الذي كان متململاً من حياة الفن، حريصاً على تطليق الشهرة التي حصل عليها من جراء الفن.
وبعد زواجهما قاما بزيارة للأراضي المقدسة، وطلقا حياة الفن والتعاسة إلى غير رجعة، فالتزمت هناء ثروت الحجاب، وكرست جهدها لرعاية زوجها وأولادها.
أما زوجها فقد أكرمه الله ـ كما تقول ـ بحسن التفقه في دينه، وتعليم الناس في المسجد.
وتقول: أولادي الأحباء لم يعرفوا بعد أن أباهم في عمامته، وأمهم في جلبابها كانا ضالين فهداهما الله، وأذاقهما حلاوة التوبة والإيمان 3.

وبعد أن منَّ الله عليها بالتوبة والهداية توالت الأقلام المسعورة، والحملات الضارية محاولة ردها عن دينها، وفتنتها في توبتها، وذلك بعرض أفلامها السافرة، والكتابة عنها، وتشويه سمعتها، إلا أنها بتوفيق من الله صمدت أمام ذلك كله.
تقول ثبتها الله: ومن المضحك أن أحد المنتجين عرض على زوجي أن أقوم بتمثيل أفلام وغناء أشعار يلصقون بها مسمى دينية، ولا يعلم هؤلاء المساكين أن إسلامي يربأ بي عن مزاولة ما يخدش كرامتي، أو ينافي عقيدتي.
نعم لقد كانت هجرتي لله، وإلى الله 1. (توبةالممثل محسن محيي الدين وزوجته الممثلة نسرين:

لقد من الله على هذين بالتوبة من الفن، فوجدا الحياة السعيدة الآمنة.
يقول محسن محيي الدين بعد اتخاذه قرار ترك الفن: هذا القرار إن شاء الله لا رجعة فيه؛ لأني اتخذته بكامل اقتناعي وإرادتي، وندمت لأني تأخرت فيه حتى الآن؛ فالأضواء ليست غالية حتى أحن إليها مرة أخرى؛ فالشهرة والمال والأضواء لا تساوي ركعتين لله 2. (ثم يضيف: إننا اعتزلنا ونحن في القمة الزائفة؛ فقد كان قرارنا بعد مهرجان القاهرة السينمائي الذي أقيم في العام الماضي، وبعد النجاح الكبير الذي حققناه، وليس لأننا لم نجد أدواراً نمثلها كما يقول البعض.
وقد أدركنا الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع وهي أن الإنسان مهما طال عمره فمصيره إلى القبر، ولا ينفعه في الآخرة إلا عمله الصالح 3. وتقول زوجته نسرين: الحمد لله، كان يومي يضيع دون إحساس بالسعادة، ودون أن أشعر بالسلام، والآن ليس لدي وقتٌ كاف؛ لأن هناك أموراً كثيرة نافعة يجب اللحاق بها، لقد وجدت السلام الداخلي 4. (توبة الشيخ سليمان الثنيان (المخرج السينمائي سابقا) 5:

من الهندسة الكيميائية والإخراج السينمائي بألمانيا إلى كلية الشريعة بالرياض، هذه باختصار رحلة الشيخ سليمان الثنيان من الضياع والتخبط إلى الهداية والإيمان.

كانت البداية.. ابتعاث الدكتور سليمان الثنيان إلى ألمانيا لدراسة الهندسة الكيميائية، وهناك حدث التحول الأول في حياته، حيث وجد أن دراسة الكيمياء ليست كافية، وأراد أن يدرس شيئاً جديداً يستطيع التأثير من خلاله، فنصحه عددٌ من الأساتذة الألمان بدراسة الفن والتخصص في الإخراج السينمائي، وبروح التحدي استطاع أن يستكمل دراسة الهندسة الكيميائية، وفي نفس الوقت كان يدرس السينما والتلفزيون والمسرح.
ثماني سنوات قضاها في دراسة هذه الفنون، وضع خلالها منهجاً للدراسة يتيح له الحصول على المعلومات والمهارة الفائقة في مجال الإخراج وذلك بمساعدة متخصصين ألمان ودرس في عدة معاهد فنية وفي الأكاديمية الوطنية للسينما والمسرح والتليفزيون.
ونترك الحديث للدكتور الثنيان ليحدثنا عن رحلته يقول: لم أترك مجالاً يحتاجه المخرج إلا ودخلته، فقد التحقتُ بمدارس ركوب الخيل وقيادة السفن ودخلتُ معاهد التمثيل والموسيقى، ودرستُ أنواع الصوت وجزئيات الإضاءة والمؤثرات الصوتية والملابس والديكور، وبذلك أنهيتُ المرحلة الأولى بنجاح، وبدأتُ المرحلة الثانية التي تميزتْ بالممارسة العملية من إخراج وتصوير وعمليات مسرحية وإنتاج فكري وكتابة قصص، وباليوم والساعة أنهيتُ هذه المرحلة، وبنهايتها انهالتْ عليّ العروض من (مسرح شلرد) ومن بعض الشركات لكي أعمل فيها كمخرج أو مساعد مخرج أو ممثل لفترة معينة.
ولكني لم أستجب لهذه العروض... فقد حدث تحول ثان في حياتي، فقد التقيتُ بمدير عام التليفزيون السعودي في ذلك الوقت الذي طلب مني العودة مع وعدٍ منه بأنني سوف أنتج أشياء جديدة، ولم تكن طموحاتي هي مجرد إخراج فيلم أو مسرحية، وإنما كنتُ أريد أن أقوم بأعمال أُسمِعُ من خلالها كلمة الإسلام والمسلمين للعالم أجمع، ومن هنا كانت استجابتي السريعة بالعودة.
عملتُ في التليفزيون السعودي أربع سنوات، ومثلتُ بلادي في مؤتمر (جينس) بميونج وكان حول دور التليفزيون في تربية الشباب، وفي عام 1396هـ، قررتُ أن أترك مجال الإعلام، لأنني وجدتُ أنني لن أحقق طموحي من خلال الإعلام التليفزيوني، فالسينما كانت أحبُ إلى نفسي، لأن إمكاناتها هائلة، وكانت (المادة) تقف حائلاً أمام تحقيق هذا الطموح، حيث إنني لم أجد إلا المال المشروط بالربح التجاري.

سنة ونصف السنة قضيتها بعد ذلك في حالة تردد، جاءتني الكثير من العروض التجارية ورفضتها تماماً، وفي إحدى رحلاتي من القصيم إلى الرياض حدث التحول الثالث، كان الوقت ضحى، وكنت في سيارتي، حيث رأيت سروراً عظيماً، وشعرتُ كأنني كنتُ مغمض العينين وأزيحتِ الغشاوة عني، لقد رأيتُ الدنيا من جديد وكدتُّ أطير فرحاً تعذبتُّ عاماً ونصف العام وها هو الخير أراه أمامي أصابني شيء من البكاء والضحك من شدة سعادتي، فقررتُ أن أستدرك بقية عمري وأن أتصل بالله سبحانه وتعالى ورأيت أنه لابدّ من العلم، وهذا ما تعودتُّه منذ طفولتي، فأنا لا أعمل شيئاً إلا بالعلم، وحتى أحقق ذلك عزمت على دراسة الشريعة والعلم الشرعي دراسة متعمقة.
انطلقت إلى كلية الشريعة وأنا في غاية الفرح والنشوة، قالوا لي: لك أن تقدم للدراسات العليا إن شئت.
قلتُ لهم: لا.. أريد أن أبدأ الرحلة من أولها، أي من الصف الأول.
وهذا ما حدث.. انتظمتُ في الدراسة حتى حصلتُ على البكالوريوس.
دون أن أتغيبَ يوماً واحداً وبعد ذلك حصلتُ على الماجستير، ثم جاءت مرحلة الدكتوراه، وانتهيتُ منها في فترة وجيزة.
توقع الجميع ألا أصمد في دراسة الشريعة لصعوبتها، خاصةً وأنني ـ في رأيهم ـ تعودت على الشهرة والمال، وقالوا لي: ستعرف يوماً أنك أخطأت الطريق، ولن تتحمل الكراسي الخشبية التي تجلس عليها لتدرس الشريعة، ولكن بحمد الله حدث العكس، لم يكن يمر يوم إلا وتزداد رغبتي في الدراسة، ولم أندم لحظة واحدة على تغيير مسار حياتي.
ثم يضيف: إني مستعد في أي لحظة أن أعود إلى الإعلام، إذا ناسب ما أريد، دعني أقول لك رأيي فيما يطرح حالياً من أفلام في السوق العربية، كثير من هذه الأفلام كلام فارغ وعمل رخيص لا يستحق العرض وبذل المال، وضياع الوقت في مشاهدتها، إنها تسلب العقل وتضيع الفكر، وتجعل الإنسان يتخبط دون وعي أو بصيرة.
لم أر مثيلاً للدول العربية في تخبطها في إنتاج الأفلام.
كلٌ ينتج ما يريد دون ضوابط أخلاقية أو دينية أو اجتماعية، أنها أفلام هابطة في معناها وتعبيرها وفي طريقة عرضها وأبعادها.
ثم يعقب الدكتور الثنيان بقوله: إنني مستعد أن أستغنى عن أدوار النساء تماماً، وقد جربت ذلك في مسرحية (خادم سيدين) حيث استغنيت فيها عن النساء تماما، واستعضت عن الموسيقى بمؤثرات وأشياء خاصة بالإيقاع تغني عن الموسيقى، بل أضعاف ما تعطيه الموسيقى.

ويضيف: إنني أستطيع أن ألغي دور أمرأة وأعوّضه بما هو أحسن منه، وأخرج أي عمل بواسطة الرجال، ويكون ذا تأثير وقوة ومتعة للمشاهد، وأجمع فيه بين الفكر والعلم والمتعة.
وهذا هو النموذج مسرحية (خادم سيدين)، وهي في الأصل مليئة بالنساء والمواقف الطريفة، وقد استبعدت أدوار النساء منها، وجعلتها بالعربية الفصحى، وأعجب الناس بها.
وعموماً فإن تجربة المسرح الذي من العنصر النسائي ليست تجربة جديدة بل هي تجربة يتميز بها المسرح السعودي بعامة والذي استطاع على امتداد ثلاثين عاماً على الأقل أن يقدم عشرات المسرحيات التي تخلو من العنصر النسائي، وقد نجح في هذا تماماً بل إن أمريكا مسرحاً يقدم تجارب جيدة وهو يخلو من النساء أيضاً، المهم هو الفن ليس المرأة.
(توبة الممثلة نورا:

جاءت إلى مكة المكرمة لأداء العمرة والاستغفار بعد اعتزالها التمثيل منذ عدة أشهر.. كانت لا تفارق الحرم إلا لماماً، ولا يبرح المصحف الشريف يدها، ولا تكف عن البكاء.
إنها الممثلة (نورا) سابقاً، وشاهيناز قدري حالياً وهو اسمها الحقيقي.. وجواباً على سؤال وُجّه إليها عن رحلتها مع التوبة قالت: (إنها لحظة كانت من أعظم لحظات حياتي.. عدتُّ فيها من غربتي.. وولدتُ فيها من جديد حينما ذهبتُ مع صديقة لي لمقابلة عالم جليل، وكان من المقرر أن يمتد اللقاء لمدة ساعة، ولكنه امتد لمدة ساعات سمعت فيها ـ مع غيري من المسلمين والمسلمات ـ ما لم أسمعه من قبل.. وارتعدتْ فرائصي واهتز كياني وأنا أسمع كلمات الشيخ عن الإسلام والمعصية والتوبة، والطريق الخطأ والطريق الصواب.. فعدتُّ مع صديقتي إلى منزلي وأنا أرتعش، وأحسست بزلزال رهيب في أنحاء جسمي.. وفي اليوم الثاني ـ وعلى الفور ـ توجهتُّ إلى مسجد من مساجد القاهرة حيث الداعية الكبيرة شمس البارودي وهناء ثروت، وجلست أقرأ القرآن وأتفقه في دين الله والسنة المطهرة، وداومتُ على ذلك بصفة مستمرة ودون انقطاع.
وفي لحظة روحانية قررتُ وحسمتُ أمري بأن أكون مسلمةً مؤمنةً تائبةً إلى ربها، وأن أقطع كل صلتي بالتمثيل.
وتخلصتُ والحمد لله من كل ارتباطي الفنية مع المخرجين والمنتجين وكل ما يتعلق بالفن، بلا رجعة.. فمن يعرف طريق الله لن يجد له بديلاً.
وأنا الآن والحمد لله أعيش من رزق حلال طيب، أسأل الله عز وجل أن يبارك فيه).
وحول الشبهة التي يثيرها البعض من أن توبة الفنانين نتيجة تهديد من جهات ما أجابت:

(أنا عن نفسي رجعتُ إلى الله، وتبتُ وندمتُ خوفاً منه سبحانه واقتناعاً بما أفعل وليس خوفاً من تهديد مطلقاً ولا يخفى علينا جميعاً الحملة الشعواء لهذه الأقلام المغرضة التي تخشى الإسلام وقوّته) وسُئلتْ: من واقع تجربتك الفنية هل تعتقدين أن الفن حرام؟ فأجبت: (إن الفن والله تعالى أعلم بالنسبة للنساء حرام حرام لأن المرأة عورة، وفن هذه الأيام فن مبتذل فيه إسفاف.. ولن يكون رسالة سامية مطلقاً.. فهو بعيد كل البعد عن الإسلام).
هذا هو ملخص ما قالته الممثلة التائبة نورا بعد اعتزالها الفن والتمثيل.. وأني بهذه المناسبة أنصح كل فتاة تتخذ من هؤلاء (الفنانين) قدوة لها، أو تفكر في الزج بنفسها في وسط تلك الأجواء العفنة؛ أن تقف طويلاً وتمعن النظر في أحوالهم وأقوال التائبين منهم وألا تغتر بما هم فيه من المظاهر الجوفاء وبريق الشهرة الخادع، فما هو إلا كظل زائل أو سراب كاذب سرعان ما يزول فتنكشف الحقيقة.
(توبة الراقصة زيزي مصطفى 1:

عشرون عاماً من عمرها قضتها في حياة الرقص والمجون والعبث، وفي ((عرفات)) عرفت طريق الحق وذاقت حلاوة الإيمان، فكانت التوبة: تقول زينب مصطفى (زيزي مصطفى سابقاً)) في بداية حديثها: ظروفي الماديّة العصيبة هي التي جعلتني أعمل في هذا المجال حوالي عشرين سنة، فأنا أعول أمّي المريضة، وأخواتي البنات، وليس لي مصدر آخر للرزق 2. ثمّ لم أكن أدري أنّ هذا العمل حرام! ولم يكلّمني أحد في ذلك، وظللت على هذه الحال حتّى أنجبت ابنتي الوحيدة.
ثمّ تضيف: بعد إنجابي لابنتي هذه حدثت تحوّلات جذريّة في حياتي.. فجأة، ودون سابق إنذار بدأت أصلّي وأشكر الله على هذه النعمة ـ نعمة الإنجاب ـ، ثمّ بدأت أفكّر لأوّل مرّة أنّه لا بدّ أن أنفق على ابنتي من حلال، ولا أدري من أين جاءني هذا الشعور، الذي يعني أنّ عملي حرام، وأنّ المال الذي أجنيه من ورائه حرام.
وبدأت أشعر بتغيّرات نفسية دون أن أدري مصدرها.

وشيئاً فشيئاً بدأت أتوضّأ، وأنتظم في أداء الصلاة، وبدأت أدخل في نوبات بكاء حادّ ومتواصل أثناء صلاتي، دون أن أدري لذلك سبباً.
ومع كلّ هذه البكاء، وتلك الصلاة، كنت أذهب إلى صالة الرقص، لأنّني ملتزمة بعقد، وفي مسيس الحاجة إلى ما يدرّه عليّ من دخل.
وظللت على هذه الحال: أصلّي، وأبكي، وأذهب إلى الصلاة، حتّى شعرت بأنّ الله سبحانه وتعالى يريد لي التوبة من هذا العمل، عندها أحسست بكرهي الشديد للبدلة التي أرتديها أثناء عملي.
كنت كثيراً ما أستفتي قلبي: هل بدلة الرقص التي أرتديها يمكن أن أنزل بها إلى الشارع؟ فكنت أجيب نفسي، وأقول: طبعاً لا، وبعد عشرين سنة من الرقص، لم يمنعني عملي المحرّم أن أميّز بين الحلال والحرام.
إنّ الحلال والحرام بداخلنا، ونعرفهما جيداً حتّى دون أن نسأل أهل العلم.
لكنّ الشيطان يزيّن لنا طريق الحرام حتّى يغرقنا فيه.
كانت هناك رسائل ذات معنى أرسلها الله سبحانه لي حتّى أستيقظ من الغفلة التي أحاطتني من كلّ جانب.
كان الحادث الذي تعرّضت له هو أوّل هذه الرسائل.. وبسبب هذا الحادث قُطع الشريان الذي بين الكعب والقدم، وقال لي أحد الأطباء: بحسب التقرير، وحسب العلم الذي تعلّمناه، سوف تعيشين بقيّة حياتك على عكّاز.
وبعد فكّ الضماد وجدتني أسير بطريقة طبيعية وسليمة مع تساوي قدميّ كما أفادت التقارير الطبيّة.
اعتبرت ذلك رسالة لها معنى من الله سبحانه وتعالى وأنّ قدرته المعجزة فوق كلّ شيء، فقد نجوت من موت محقّق، ونجوت من عمليّات كثيرة في قدمي كان من الممكن أن أعيش بعدها عاجزة.
أمّا الرسالة الثانيّة فقد كانت أشدّ وضوحاً، أرسلها الله إليّ عن طريق صديقة ابنتي في المدرسة عند ما عيّرتها بمهنتي، وجاءت ابنتي تبكي، فبكيت معها، وتأكدّ لي أنّ مهنتي غير مقبولة في المجتمع.
ثم جاءت الرسالة الثالثة، وكان لها صوت عالٍ بداخلي، فكثيراً ما كنت أحدّث نفسي أنّني أريد أن أربّي ابنتي من مال حلال، وأن أعلّمها القيم والمثل والأخلاق الفاضلة، وكنت أسخر من نفسي، وأقول: وأيّ قيم سوف أعلّمها ابنتي وأنا أقوم بذلك العمل.
ثمّ مرضت ابنتي، فكنت أهرع إلى سجّادة الصلاة.. أركع، وأسجد، وأدعو الله أن يشفيها.
وبعد أن شفيت، كان لا بدّ من التفكير في الاعتزال النهائي، لأنّه لا يجتمع في قلب المؤمن إيمان وفجور، ولأنّ الصورة أصحبت واضحة تماماً أمامي، ولا تحتاج إلى تفسير آخر.

وفي الأيّام الأخيرة كنت أشعر شعوراً حقيقيّاً بالشوك يشكّني في جسدي كلّما ارتديت بدلة الرقص، وفي مرّة من المرّات كنت أصلّي، وأبكي، وأدعو الله أن يتوب عليّ من هذا العمل الذي يبغضه، وفجأة.. وأثناء دعائي وتضرّعي بين يدي الله قمت من فوري لأتوجّه إلى خزانة ملابسي، وفتحتها، ونظرت إلى بدل الرقص باحتقار شديد، وقلت بصوت عالٍ أشبه بالصراخ: لن أرتديكِ بعد اليوم.
وكرّرت هذه الجملة كثيراً، وأنا أبكي كما لم أبكِ من قبل.
وبعد هذه النوبة البكائية شعرت براحة نفسيّة عجيبة، تسري في أنحاء جسدي، وتُدخلني في حالة إيمانية أخرى مكّنتني من التخلّص من حياتي السابقة بيسر وسهولة، ولو كنت في أمسّ الحاجة إلى المال الذي أعول به نفسي، وأمّي، وأخواتي، وابنتي.
لقد جاء قرار الاعتزال من أعماقي، وسبقه وقت أمضيته في التفكير والبكاء، ومراجعة النفس، حتّى رسوت على شاطيء اليقين بعد حيرة وعذاب، وشهرة زائفة، وعمل مُرهِق مجرّد من الإنسانية والكرامة، كلّه ابتذال ومهانة وعريّ، وعيون شيطانيّة زائغة تلتهم جسدي كلّ ليلة، ولا أقدر على ردّها.
هذه الرجعة إلى طريق النور منّة من الله سبحانه وتعالى وحده، فهو الذي امتنّ عليّ بها، وليس لأحد من الخلق أيّ فضل فيها.
ثمّ أديت العمرة مرّتين، وفي المرّة الثانية بعد أن عدت إلى بلدي، قرّرت الاعتزال النهائي، وبعدها بشهرين فقط كتب الله لي الحجّ، وفهمت بأنه مكافأة من الله عزّ وجلّ، وفي الحجّ، ونحن على صعيد عرفات الطاهر، بكيت بكاء أشبه بالهستيريا، حتّى بكى لبكائي جميع من في الخيمة، ثمّ عدت من الحجّ بحجاب كامل، أدعو الله أن يغفر لي، وأن يسامحني، لأنّني كنت في غفلة، لا أدرك ما أعمله حرام، ولم يعظني أحد في ذلك.

لم يعجب اعتزالي أولئك المهتمّين بالفن، وبدأت العروض المغرية تنهال عليّ بأكثر ممّا أتوقّع، واعتقدت في نفسي أنّ هذه العروض ما هي إلا اختبارات حقيقيّة من الله تعالى ليختبر صدق إيماني؛ هل أنا صادقة في توبتي أم أنّها لحظات مؤقّتة، وأعود بعدها لأنجذب من جديد لهذه العروض الشيطانية، ووقفت أتحدّاهم بالرفض، وأتحدّى نفسي، وأوّل هذه العروض التي رفضتها كانت بمبلغ ضخم للعمل في مسرحية مع ممثل مشهور تستمّر عروضه المسرحية لسنوات عديدة.
وثاني هذه العروض جاءني من شركة سياحية لا أعرف لحساب من تعمل، إذ عرضت عليّ أن أذهب إلى ألمانيا لتعليم الرقص الشرقي بمبلغ عشرة آلاف دولار شهريّاً، وسيّارات أحدث موديل، وشقّة فخمة في حي راقٍ بألمانيا.
رفضت كلّ ذلك ولم يصدّقوا، فاتّصلوا بي وأملوا حججهم: كيف ترفضين عرضاً كهذا؟ فسوف تعملين بالحجاب، ثمّ إنّ الفتيات اللاتي ستقومين بتعليمهنّ لسن على دينك، فلماذا ترفضين؟! وكان ردّي: إنّ كلّ بنت صغيرة، أو فتاة يافعة سوف أقوم بتعليمها سوف آخذ وزرها حتى لو كانت غير مسلمة.
أمّا السؤال الأكثر وقاحة، الذي لم أكن أتوقّعه، فقد قيل له: إذا كنت اعتزلتِ، حذا حذوك راقصات، فأين يذهب الرقص الشرقي؟! 1. وأسئلة أخرى أكثر سخافة وفضوليّة، مثل: من أين تدبّرين أمورك؟ وتربيّن ابنتكِ؟ فأجبتهم بالرفض القاطع من أجل أن أعيش بقية عمري تحت مظلّة الإيمان، وقلت: أنا سعيدة بوضعي الجديد، وقانعة به، وسوف يرزقني ربّي، ولن يتخلّى عنّي بعد أن منّ عليّ بالتوبة.
أمّا العرض الأكثر إغراء الذي لم أتوقَّعه في حياتي البتّة، فقد تلقّيته من أحد الغيورين (!) على اندثار الرقص الشرقيّ بخمسين ألف دولار نظير إحياء ليلة واحدة من الرقص، أحييه وسط النساء فقط، ولمدّة ساعتين، وكان جوابي الصارم: لا، وألف لا، لأنّ هذه المحاولة دوافعها مفهومة لي، فإذا كان أكبر أجر تلقّيته في حياتي أثناء عملي في دول أوربيّة كان ألفين أو ثلاثة أو أربعة آلاف دولار، نظير عقد كامل لمدّة معينة؛ فلماذا يعرض عليّ هذا المبلغ نظير إحياء ليلة واحدة؟! المقصود هو إخراجي من حجابي، ومن دائرة إيماني التي ولجت فيها عن صدق ويقين.
بعد هذا الرفض الأخير أصابهم اليأس، وتوقّفوا عن محاولاتهم الدنيئة لإغرائي بالابتعاد عن طريق النور الذي سلكته و رضيته، والحمد لله على كلّ حال..

(توبة الممثلة هدى رمزي 1:

الطريق إلى الله عز وجل مفتوح أمام التائبين، ومهما كانت الذنوب والآثام فرحمة الله قد وسعت كلّ شيء، وهو القائل سبحانه: ((قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)) [الزمر: 53].
هكذا بدأت الممثلة التائبة هدى رمزي حديثها للمجلّة، أمّا رحلتها إلى الهداية فترويها بقولها: منذ نشأتي الأولى وأنا في الوسط الفنّي، فوالدي كان منتجاً ومخرجاً، وشقيقي الأكبر كذلك، وبعد تخرّجي من كليّة الإعلام ـ قسم الإذاعة والتلفزيون ـ سلكت طريق الفنّ لعدّة سنوات، ظللت خلالها أفكّر كثيراً في جدوى هذا العمل المليء بالذنوب.
كنت في رحلة بحث متواصلة عن الفضيلة، وتزوجت عدّة مرّات بحثاً عن تلك القيم الزائفة، المفقودة في حياتي، ورحت أقرأ واستمع كثيراً لشتّى الآراء والأفكار، حتى شاهدت حديثاً لأحد المشايخ المعروفين في التلفزيون، ومن فرط تأثّري به حاولت الاتصال بهذا الداعية الجليل.. وبالفعل أعطاني عدّة كتب، وحدّثني كثيراً عن قيم الإسلام السامية دون أن يصرّح، ومن تلقاء نفسي وجدت أنّ حظيرة الإسلام هي أفضل ما يمكن اللجوء إليه، وبعد قراءات واتّصالات مع الشيخ قررّت اعتزال هذا العفن نهائياً، وإعلان توبتي إلى الله عزّ وجلّ، واكتشفت أنّ هذا التصرّف هو ضالّتي المنشودة التي كنت أبحث عنها منذ سنوات، ثم وجدتها والحمد لله.
وأنا الآن أقضي معظم وفتي في قراءة القرآن وكتب الفقه حتّى أعوّض ما فاتني من علوم الدين الضرورية التي لا يسع مسلم الجهل بها.
أمّا ما أنوي عمله – إن شاء الله – فهو تأسيس دار لتشغيل الفتيات المسلمات، وتعليمهن أصول دينهنّ ودنياهنّ أيضاً حتى يستطعن مواجهة الحياة وتربية النشء، كما أنوي أيضاً – إن شاء الله – تأسيس دار للأيتام ورعايتهم، لأنّ كافل اليتيم له أجر عظيم عند الله تعالى، كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أنا وكافل اليتيم في الجنّة كهاتين)) وأشار بأصبعه؛ السبّابة والتي تليها وأنا أطمع في تلك المكانة الرفيعة.
أما رأيها في الفنّ بشكله الحالي، فتقول:

إنّ الوضع القائم الآن باسم الفنّ حرام بكلّ المقاييس، ولا يمكن أن يسمّى فنّاً، بل هو عفن وفساد، ومجون واختلاط، ودمار للأخلاق والمجتمعات، فهو لا يخدم المجتمع، ولا يقدّم قيماً ولا مثلاً للشباب، فيكف يكون حلالاً.
نحن نقول حرام بعد أن خضنا تجربته، وعندنا الدليل والحجّة على ذلك، فما يجري فيما يسمّى بالوسط الفنّي حالياً لا يمكن أن يمتّ للدين بصلة، فالإسلام يحضّنا على الالتزام والصدق والنقاء والفضيلة، والفنّ اليوم يدعو إلى ضدّ ذلك.
وفي نصيحة للاتي لا زلن في ذلك الوسط تقول: أقول لهنّ: إنّ الطريق إلى الله خير وأبقى، وهو دائماً مفتوح للتائبين، وحين ترجعن إلى حظيرة الدين ستعلمن أنّ ما يقدّم باسم الفنّ ما هو إلا عفن، ولا علاقة له بالدين، بل هو من المحرّمات والفساد المنهي عنه، لأنّه علاوة على كونه لهواً لا يفيد شيئاً فهو أيضاً يعتمد المحرّمات سبيلاً، ويكرّس الخطيئة، ولا يهدف إلى الصالح العام، فتبن إلى الله، فهو توّاب رحيم.
أمّا اللاتي تبن ثمّ عدن إلى غيّهن، فأقول لهن ما قاله الله – عزّ وجلّ – في سورة التوبة: ((وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) (التوبة: 115). فهؤلاء كان في نفوسهن مطمع ومرض، ولما لم يمكنهن مما أردن، عدن إلى الشيطان)).
هذا ما قالته الفنانة سابقاً هدى رمزي عما يسمى بالوسط الفني، وهو كلام قيم يبين حقيقة ما يجري في ذلك الوسط العفن الذي تتحدث عنه كثيراً وسائل الإعلام، وتلمع أهله! ّ! (توبة الممثلة سهير البابلي (1):

من الفنانات اللاتي التحقن مؤخراً بركب الإيمان، الممثلة سهير البابلي، تحدّثنا عن رحلتها إلى الإيمان فتقول:

منذ خمس سنوات أحسست بأنّ في حياتي شيئاً خاطئاً، ولكن حبّي لعملي كان كبيراً، فطغى على هذه الأحاسيس في داخلي، فكانت تطفو على السطح بين آن وآخر، وزادت تلك الأحاسيس عمقاً في داخلي منذ عامين، فبدأت أغيّر أنماط حياتي بالمزيد من التقرب إلى الله، فحاولت التعرف على كتاب الله أوّلاً، وأخذت أقرأ، وأستفسر، وأعمل بقول المولى الكريم، ((فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)) (النحل: 43).
فكنت ألجأ إلى العلماء لأستفسر عمّا يستعصي عليّ فهمه من آيات وأحاديث، فاكتشفت أنه ليس هناك ما هو أجمل ولا أفضل من التقرّب إلى الله، وبكيت ودعوت الله أن يهديني، ويأخذ بيدي إلى طريق الحقّ، حتّى كان يوم من الأيّام التي لا أنساها، كنت على موعد مع درس من دروس الإيمان من أحد الدعاة، فإذا باللقاء يمتدّ لأكثر من ثلاث ساعات، شعرت فيها بشعور يصعب عليّ تفسيره.
وعدت إلى منزلي، وصليت الظهر، وبكيت كما لم أبكِ من قبل، ودعوت الله أن يلهمني رشدي، وأن يباعد بيني وبني الشيطان.
وأمسكت بالمصحف، وقرأت قوله تعالى: ((سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) (النور: 1) فكان قرار الحجاب الذي نبع عن عقيدة وعزيمة، بعد ما علمت بفرضيّته، ودون مناقشة، امتثلت لأمر الله.
أما زملائي سابقاً في الوسط الفني فأقول لهم بإحساس إيماني صادق، إنّ طريق الإيمان هو ثمرة الدنيا والآخر، وإن طاعة الله خير من الدنيا وما فيها.
وأقول لهم أنتم تعيشون في تيه وضياع، وتعايشون الغفلة والدمار، وإني أدعو لهم بالهداية.
(القسم الثالث: توبة أناسٍ غارقين في المعاصي إلى الأذقان:

(القسم الثالث: توبة أناسٍ غارقين في المعاصي إلى الأذقان: (توبة شاب عاق لأمه 1:

ح. ح. م. شابّ ذهبت إلى الخارج... تعلم وحصل على شهادات عالية ثم رجع إلى البلاد... تزوج من فتاة غنية جميلة كانت سبباً في تعاسته لولا عناية الله... يقول ح. ح. م:

مات والدي وأنا صغير فأشرفتْ أمي على رعايتي... عَمِلَتْ خادمة في البيوت حتى تستطيع أن تصرف علي، فقد كنت وحيدها... أدخلتني المدرسة وتعلمتُ حتى أنهيت الدراسة الجامعية... كنت بارّاً بها... وجاءت بعثتي إلى الخارج فودّعتني أمي والدموع تملأ عينيها وهي تقول لي: انتبه يا ولدي على نفسك ولا تقطعني من أخبارك... أرسل لي رسائل حتى أطمئن على صحتك.
أكملتُ تعليمي بعد مضي زمن طويل ورجعت شخصاً آخر قد أثّرتْ فيه الحضارة الغربية... رأيتُ في الدين تخلفاً ورجعية... وأصبحتُ لا أؤمن إلا بالحياة المادية والعياذ بالله.
وتحصلتُ على وظيفة عالية وبدأت أبحث عن الزوجة حتى حصلت عليها وكانت والدتي قد اختارت لي فتاة متدينة محافظة ولكني أبيتُ إلا تلك الفتاة الغنية الجميلة لأني كنتُ أحلم بالحياة (الأرستقراطية) (كما يقولون)... وخلال ستة أشهر من زواجي كانتْ زوجي تكيد لأمي حتى كرهتُ والدتي... وفي يوم من الأيام دخلت البيت وإذا بزوجي تبكي فسألتها عن السبب فقالت لي: شوف يا أنا يا أمك في هذا البيت... لا أستطيع أن أصبر عليها أكثر من ذلك.
جنّ جنوني وطردتُّ أمي من البيت في لحظة غضب فَخَرجَتْ وهي تبكي وتقول: أسعدك الله يا ولدي.
وبعد ذلك بساعات خَرجتُ أبحث عنها ولكن بلا فائدة... رجعتُ إلى البيت واستطاعت زوجتي بمكرها وجهلي أن تنسيني تلك الأم الغالية الفاضلة.
انقطعت أخبار أمي عني فترة من الزمن أُصِبْتُ خلالها بمرض خبيث دخلت على إثره المستشفى... وعَلِمتْ أمي بالخبر فجاءت تزورني، وكانت زوجتي عندي وقبل أن تدخل علي طردتْها زوجتي وقالت لها: ابنك ليس هنا... ماذا تريدين منا... اذهبي عنا... رجعت أمي من حيث أتت!.
وخرجتُ من المستشفى بعد وقت طويل انتكستْ فيه حالتي النفسية وفقدت الوظيفة والبيت وتراكمت علي الديون وكل ذلك بسبب زوجتي فقد كانت ترهقني بطلباتها الكثيرة... وفي آخر المطاف ردت زوجتي الجميل وقالت: مادمتَ قد فقدت وظيفتك ومالك ولم يعد لك مكان في المجتمع فإني أعلنها لك صريحة: أنا لا أريد... طلقني.
كان هذا الخبر بمثابة صاعقة وقعتْ على رأسي... وطلقتها بالفعل... فاستيقظتُ من السُّباتِ الذي كنت فيه.
خرجتُ أهيم على وجهي أبحث عن أمي وفي النهاية وجدتها ولكن أين وجدتها؟!! كانت تقبع في أحد الأربطة تأكل من صدقات المحسنين.
دخلت عليه... وجدتها وقد أثر عليها البكاء فبدت شاحبة... وما إن رأيتها حتى ألقيتُ بنفسي عند رجليها وبكيتُ بكاءً مرّاً فما كان منها إلا أن شاركتني البكاء.

بقينا على هذه الحالة حولي ساعة كاملة... بعدها أخذتُّها إلى البيت وآليت على نفسي أن أكون طائعاً لها وقبل ذلك أكون متبعاً لأوامر الله ومجتنباً لنواهيه.
وها أنا الآن أعيش أحلى أيامي وأجملها مع حبيبة العمر: أمي حفظها الله وأسأل الله أن يُديم علينا الستّر والعافية.
(توبة فتاة نصرانية 1:

(سناء) فتاة مصرية نصرانية، كتب الله لها الهداية واعتناق الدين الحق بعد رحلة طويل من الشكّ والمعاناة، تروي قصة هدايتها فتقول: (نشأت كأي فتاة نصرانية مصرية على التعصب للدين النصراني، وحرص والديَّ على اصطحابي معهما إلى الكنيسة صباح كل يوم أحد لأقبّل يد القس، وأتلو خلفه التراتيل الكنسية، وأستمع إليه وهو يخاطب الجمع ملقناً إياهم عقيدة التثليث، ومؤكداً عليهم بأغلظ الإيمان أن غير المسيحيين مهما فعلوا من خير فهم مغضوب عليهم من الربّ، لأنهم ـ حسب زعمه ـ كفرة ملاحدة.
كنت أستمع إلى أقوال القس دون أن أستوعبها، شأني شأن غيري من الأطفال، وحينما أخرج من الكنيسة أهرع إلى صديقتي المسلمة لألعب معها، فالطفولة لا تعرف الحقد الذي يزرعه القسيس في قلوب الناس.
كبرت قليلاً، ودخلت المدرسة، وبدأت بتكوين صداقات مع زميلاتي في مدرستي الكائنة بمحافظة السويس... وفي المدرسة بدأت عيناي تتفتحان على الخصال الطيبة التي تتحلّى بها زميلاتي المسلمات، فهن يعاملني معاملة الأخت، ولا ينظرن إلى اختلاف ديني عن دينهن، وقد فهمت فيما بعد أن القرآن الكريم حث على معاملة الكفار ـ غير المحاربين ـ معاملة طيب طمعاً في إسلامهم وإنقاذهم من الكفر، قال تعالى: (لاّ يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرّوهُمْ وَتُقْسِطُوَاْ إِلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ) [الممتحنة: 8] إحدى زميلاتي المسلمات ربطتني بها على وجه الخصوص صداقة متينة، فكنت لا أفارقها إلا في حصص التربية الدينية، إذ كنت ـ كما جرى النظام ـ أدرس مع طالبات المدرسة النصرانيات مبادئ الدين النصراني على يد معلمة نصرانية.

كنت أريد أن أسأل معلمتي كيف يمكن أن يكون المسلمون ـ حسب افتراضات المسيحيين ـ غير مؤمنين وهو على مثل هذا الخُلق الكريم وطيب المعشر؟! لكني أم أجرؤ على السؤال خشية إغضاب المعلمة حتى تجرأت يوماً وسألت، فجاء سؤالي مفاجأةً للمعلمة التي حاولت كظم غيظها، وافتعلت ابتسامة صفراء رسمتها على شفيتها وخاطبتني قائلة: (إنك مازلت صغيرة ولم تفهمي الدنيا بعد، فلا تجعلي هذه المظاهر البسيطة تخدعك عن حقيقة المسلمين كما نعرفها نحن الكبار... ). صَمَتُّ على مضض على الرغم من رفضي لإجابتها غير الموضوعية، وغير المنطقية.
وتنتقل أسرة أعز صديقاتي إلى القاهرة، ويومها بكينا لألم الفراق، وتبادلنا الهدايا والتذكارات، ولم تجد صديقتي المسلمة هدية تعبر بها عن عمق وقوة صداقتها لي سوى مصحف شريف في علبة قطيفة أنيقة صغيرة، قدمتها لي قائلة: (لقد فكرتُ في هدية غالية لأعطيك إياها ذكرى صداقة وعمر عشنا سوياّ فلم أجد هذا المصحف الشريف الذي يحتوي على كلام الله).
تقبّلت هدية صديقتي المسلمة شاكرة فرحة، وحرصت على إخفائها عن أعين أسرتي التي ما كانت لتقبل أن تحمل ابنتهم المصحف الشريف.
وبعد أن رَحَلَتْ صديقتي المسلمة، كنت كلما تناهى إليّ صوت المؤذن، منادياً للصلاة، وداعياً المسلمين إلى المساجد، أعمد إلى إخراج هدية صديقتي وأقبلها وأنا أنظر حولي متوجسة أن يُفاجأني أحد أفراد الأسرة، فيحدث لي ما لا تُحمد عُقباه.
ومرت الأيام، وتزوجت من (شماس) كنيسة العذراء مريم، ومع متعلقاتي الشخصية، حملت هدية صديقتي المسلمة (المصحف الشريف)، وأخفيته بعيداً عن عيني زوجي، الذي عشت معه كأي امرأة شرقية وفيّة ومخلصة وأنجبت منه ثلاثة أطفال.
وتوظفت في ديوان عام المحافظة، وهناك التقيتُ بزميلات مسلمات متحجبات، ذكرني بصديقتي الأثيرة، وكنت كلما علا صوت الأذان من المسجد المجاور، يتملكني إحساس خفي يخفق له قلبي، دون أن أدري لذلك سبباً محدداً، إذ كنت لا أزال غير مسلمة، ومتزوجة من شخص ينتمي إلى الكنيسة بوظيفة يقتات منها، ومن مالها يطعم أسرته.
وبمرور الوقت، وبمجاورة زميلات وجارات مسلمات على دين وخلق بدأت أفكر في حقيقة الإسلام والمسيحية، وأوازن بين ما أسمعه في الكنيسة عن الإسلام والمسلمين، وبين ما أراه وألمسه بنفسي، وهو ما يتناقض مع أقوال القس والمتعصبين النصارى.

جارٍ التحميل