كتاب الرقائق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
- الكتاب
- فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
- المؤلف
- محمد نصر الدين محمد عويضة
- عدد الأجزاء
- 10
• وأورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه المواعظ عن الحسن بن عدقة: رأيت يزيد بن هارون بواسط من أحسن الناس عينين ثم رأيته بعد ذلك مكفوف البصر فقلت له: ما فعلت العينان الجميلتان قال: ذهب بهما بكاء الأَسحَار يا هذا لو علمت ما يفوتك في السحر ما حملك النوم تقدم حينئذ قوافل السهر على قلوب الذاكرين وتحط رواحل المغفرة على رباع المستغفرين من لم يذق حلاوة شراب السحر لم يبلغ عِرفانه بالخير من لم يتفكر في عمره كيف انقرض لم يبلغ من الحزن الغرض 0
قيل لعطاء السليمي: ما تشتهي قال: أشتهي أن أبكي حتى لا أَقدر أن أبكي وكان يبكي الليل والنهار وكانت دموعه الدهر سائلة على وجهه 0 وبكى مالك بن دينار حتى سود طريق الدموع خديه وكان يقول: لو ملكت البكاء لبكيت أيام الدنيا.
• أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه المواعظ أن أُم الربيع ابن خيثم قالت لولدها: يا بني أَلا تنام قال: يا أُماه من جَنَّ عليه الليل وهو يخاف الثبات حق له أن لا ينام 0 فلما رأت ما يلقى من السهر والبكاء قالت: يا بني لعلك قتلت قتيلاً قال: نعم قالت: ومن هذا القتيل حتى نسأل أهله فيغفرون فوالله لو يعلمون ما تلقى من السهر قيل لزيد بن مزيد: ما لنا لم نزل نراك باكياً وجلاً خائفاً فقال: إن الله توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار والله لو لم يتوعدني أن يسجنني إلا في الحمام لبكيت حتى لا تجف لي عبرة 0
- وقال أيضاً: كان آمد الشامي يبكي وينتحب في المسجد حتى يعلو صوته وتسيل دموعه على الحصى فأرسل إليه الأمير: إنك تفسد على المصلين صلاتهم بكثرة بكائك وارتفاع صوتك ولو أمسكت قليلا ً فبكى ثم قال: إن حزن يوم القيامة أورثني دموعاً غزاراً فأنا أستريح إلى ذرها
وعوتب عطاء السلمي في كثرة البكاء فقال: إني إذا ذكرت أهل النار وما يُنزلُ بهم من عذاب الله تعالى مثلت نفسي بينهم فكيف لنفس تغلّ يدها وتسحب إلى النار ولا تبكي.
أهـ • قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه اللطائف: كان " عطاء السّلمي " يبكي في غرفته حتى تجري دموعه في الميزاب إلى الطريق فقطرت دموعه يوما فصاح رجل: يا أهل الدار: ماؤكم طاهر فقال " عطاء ": اغسله فإنه دمع من عصى الله كان " داود " عليه السلام يؤتى بالإناء ناقصا فلا يشربه حتى يتمه بدموعه. - وقال أيضاً:
قال أبو جعفر الباقر: ما اغرورقت عين عبد بمائها إلا حرم الله وجه صاحبها على النار فإن سالت على الخدين لم يرهق وجهه قتر ولا ذله وما من شيء إلا وله جزاء إلا الدمعة فإن الله يكفر بها بحور الخطايا ولو أن باكيا بكى من خشية الله في أمه رحم الله تلك الأمة.
وقال كعب الأحبار: لأن أبكى من خشية الله فتسيل دموعي على وجنتي أحب إلى من أن أتصدق بوزني ذهبا.
وعن أبى معشر قال: رأيت عون بن عبد الله في مجلس أبى حازم يبكى ويمسح وجهه بدموعه فقيل له لم تمسح وجهك بدموعك؟ قال: بلغني أنه لا تصيب دموع الإنسان مكانا من جسده إلا حرم الله عز وجل ذلك المكان على النار.
روى أحمد بن سهل قال: قدم علينا سعد بن زنبور فأتيناه فحدثنا قال: كنا على باب الفضيل بن عياض فاستأذنا عليه فلم يؤذن لنا فقيل لنا إنه لا يخرج إليكم أو يسمع القرآن قال وكان معنا رجل مؤذن وكان صيتا فقلنا له: إقرأ فقرأ [ألهاكم التكاثر] ورفع بها صوته فأشرف علينا الفضيل وقد بكى حتى بل لحيته بالدموع ومعه خرقه ينشف بها الدموع من عينيه وأنشأ يقول:
بلغتُ الثمانين أو جزتها... فماذا أؤمل أو أنتظر
أتى ثمانون من مولدي... وبعد الثمانين ما يُنْتَظر
عَّلتنى السنون فأبليننى.........................
قال ثم خنقته العبره وكان معنا على بن خشرم فأتمه لنا يقول
علتنى السنون فأبليننى... فرقت عظامى وكل البصر
ابن المنكدر:
كان محمد بن المنكدر: ذات ليله قائم يصلى إذ استبكى فكثر بكاؤه حتى فزع له أهله فسألوه: ما الذي أبكاك؟ فاستعجم عليهم فتمادى في البكاء فأرسلوا إلى أبى حازم وأخبروه بأمره فجاء أبو حازم إليه فإذا هو يبكى فقال: يا أخي ما الذي أبكاك؟ قد رعت أهلك فقال له إني مرت بي آيه من كتاب الله عز وجل قال: ما هي؟ قال: قول الله تعالى [وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون] قال فبكى أبو حازم معه واشتد بكاؤهما فقال بعض أهله لأبى حازم جئناك لتفرج عنه فزدته، فأخبرهم ما الذي أبكاهما.
الإمام الحجة الحافظ هشام الدستوائي:
وقال شاذ بن فياض: بكى هشام الدستوائي حتى فسدت عينه، فكانت مفتوحة، وهو لا يكاد يبصر بها.
قال الحارث بن سعيد كنا عند مالك بن دينار وعنده قارىء يقرأ [إذا زلزلت الأرض زلزالها] فجعل مالك ينتفض وأهل المجلس يبكون حتى انتهى القارىء إلى [فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره] فجعل مالك يبكى ويشهق حتى غشى عليه فحمل بين القوم صريعاً.
وعن إبراهيم بن الأشعث قال كنا إذا خرجنا مع الفضيل في جنازة لا يزال يعظ ويذكر ويبكى حتى لكأنه يودع أصحابه ذاهب إلى الآخرة حتى يبلغ المقابر فيجلس فكأنه بين الموتى جلس من الحزن والبكاء حتى يقوم وكأنه رجع من الآخرة يخبر عنها.
وعن عاصم قال: سمعت شقيق بن مسلمه يقول وهو ساجد رب اغفر لي رب اغفر لي إن تعف عنى تعف عنى تطولا من فضلك وإن تعذبني تعذبني غير ظالم لي قال ثم يبكى حتى أسمع نحيبه من وراء المسجد.
- ذاك والله هو الإيمان الحق الذي ليس بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقة العمل وهؤلاء هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون وإن لم يكن هؤلاء أولياء الله فليس لله ولى.
• و كان سفيان يبكي ويقول أخاف أن أسلب الأيمان عند الموت.
• وهذا إسماعيل بن زكريا يروي حال حبيب بن محمد ـ وكان جاراً له ـ يقول: كنت إذا أمسيت سمعت بكاءه وإذا أصبحت سمعت بكاءه، فأتيت أهله، فقلت: ما شأنه؟ يبكي إذا أمسى، ويبكي إذا أصبح؟! قال: فقالت لي: يخاف والله إذا أمسى أن لا يصبح وإذا أصبح أن لا يمسي.
• وعوتب يزيد الرقاشى على كثرة بكائه، وقيل له: لو كانت النار خُلِقتْ لك ما زدت على هذا؟! قال: وهل خلقت النار إلا لي ولأصحابي ولإخواننا من الجن و الإنس؟ • وسئل عطاء السليمي: ما هذا الحزن؟ قال: ويحك، الموت في عنقي، والقبر بيتي، وفي القيامة موقفي، وعلى جسر جهنم طريقي لا أدري ما يُصنَع بي.
• وكان فضالة بن صيفي كثير البكاء، فدخل عليه رجل وهو يبكي فقال لزوجته: ما شأنه؟ قالت: زعم أنه يريد سفراً بعيداً وماله زاد.
•
استحباب إخفاء البكاء:
وبالتأمل في سيرة هؤلاء الصالحين الباكين من خشية الله تعالى نجد أنهم اشتركوا في صفة واحدة على تنوع عباداتهم واجتهاداتهم في طاعة الله تعالى تلك الصفة هي الإخلاص المنافي للرياء فلقد كانوا رضي الله عنهم أبعد الناس عن أن يراهم أحد حال البكاء حرصاً منهم أن لا يدخل العُجْب قلوبهم فتبطل عبادتهم وتراهم شددوا بلسان الحال والمقال على هذه الصفة ابتغاء نيل الأجر كاملاً غير منقوص من رب العالمين لا من مدح المادحين.
قال الحسن البصري:
إن كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عبرته فيردها فإذا خشي أن تسبقه قام.
وقال عبد الكريم بن رشيد: كنت في حلقه الحسن فجعل رجل يبكى وارتفع صوته فقال الحسن إن الشيطان ليبكى هذا الآن.
وكان أيوب السختيانى في ثوبه بعض الطول لستر الحال وكان إذا وعظ فرقَّ فَرَقَ من الرياء فيمسح وجهه ويقول: ما أشد الزكام.
وقال حماد بن زيد: دخلنا على محمد بن واسع في مرضه نعودة قال فجاء يحيى البكاء يستأذن عليه فقالوا: يا أبا عبد الله هذا أخوك أبو سلمه على الباب قال: من أبو سلمه؟ قالوا: يحيى قال: من يحيى؟ قالوا: يحيى البكاء قال حماد: وقد علم أنه يحيى البكاء فقال شر أيامكم يوم نسبتم فيه إلى البكاء.
وعن القاسم بن محمد قال: كنا نسافر مع ابن المبارك فكثيراً ما كان يخطر ببالي فأقول في نفسي بأي شيء فضل هذا الرجل علينا حتى اشتهر في الناس هذه الشهرة إن كان يصلى آنا نصلى وإن كان يصوم آنا نصوم وإن كان يغزو فآنا نغزو وإن كان يحج آنا لنحج قال فكنا في بعض مسيرتا في طريق الشام ليله نتعشى في بيت إن طفئ السراج فقام بعضنا فأخذ السراج وخرج يستصبح فمكث هنيهة ثم جاء بالسراج فنظرت إلى وجه ابن المبارك ولحيته قد ابتلت من الدموع فقلت في نفسي بهذه الخشية فضل هذا الرجل علينا ولعله حين فقد السراج فصار إلى ظلمه ذكر القيامة.
باب ذم المعاصي وقبح آثارها:
• عناصر الباب: •
ذم المعاصي:
•
قبح آثار المعاصي:
• توبيخ العاصي: • الأدوية التي تزهدك في المعاصي: • كيفية الوقاية من الذنوب: • كيف أتخلص من المعاصي: • التحذير من المجاهرة بالمعصية: • مفاسد المجاهرة بالمعاصي: • صورٌ من المجاهرة بالمعاصي والعياذ بالله: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: • ذم المعاصي:
• أخي الحبيب:
• كم أكبَّت المعاصي رؤوساً على مناخرها في الجحيم، وأسلمتهم إلى مقاساة العذاب الأليم، وجرعتهم بين أطباق النار كؤوس الحميم، وكم أخرجت من شاء الله من العلم والدين كخروج الشعرة من العجين، وكم أزالت من نعمة، وأحلَّت من نقمة، وكم أنزلت من معْقل عزِّهِ عزيزاً فإذا هو في الأذلين، ووضعت من شريف رفيع القدر والمنصب فإذا هو في أسفل سافلين، وكم كشفت من عورة، وأحدثت من روعة، وأعقبت من ألم، وأحلت من ندم، وكم أضرمت من نار حسرات أحرقت فيها الأكباد، وأذهبت قدراً كان للعبد عند الله وفي قلوب العباد، وكم جلبت من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء؛ فقلَّ أن يفارقها زوال نعمة، أو فجاءة نقمة، أو تحويل عافية، أو طُروق بلية، أو حدوث رزية؛ فلو سألت النِّعَم ما الذي أزالك؟ والنِّقم ما الذي أدالك؟ والهمومَ والأحزان ما الذي جلبك؟ والعافية ما الذي أبعدك وجنَّبك؟ والستر ما الذي كشفك؟ والوجه ما الذي أذهب نورك وكسفك؟ والحياة ما الذي كدَّرك؟ وشمس الإيمان ما الذي كوَّرك؟ وعزة النفس ما الذي أذلَّك؟ وبالهوان بعد الأكرام بدَّلك _ لأجابتك بلسان الحال اعتباراً إن لم تجب بالمقال حواراً.
• أخي الحبيب:
اعلم علم اليقين الذي لا يخالطه شك أن المعاصي تضر بالقلب والبدن ضرراً بليغاً فوق ما يخطر ببال أو يدور في الخيال، نعوذ بالله الكبير المتعال من سوء الحال وقُبح الفِعال ونعوذ به من السفه والضلال، فالمعاصي للقلب والبدن داء ٌ عضال ومرض قتَّال أمرها خطير وشرها مستطير أشر من البرص وأضر من الجرب ضررها كضرر السرطان يأكل الخلايا، ومثل السوس الذي ينخر عظامهم من الداخل، ومن تفكَّر ملياً وتأمل جلياً لم يجد في الدنيا و الآخرة شر ولا داء إلا سببه الذنوب والمعاصي.
فما الذي أخرج الأبوين من الجنة، دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه، فجعل صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبُدِّل بالقرب بعداً، وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحاً، وبالجنة ناراً تلظى، وبالإيمان كفراً، وبموالاة الولي الحميد أعظم عداوة ومشاقة، وبرجل التسبيح والتهليل رجل الكفر والشرك والكذب والزور والفحش، وبلباس الإيمان لباس الكفر والفسوق والعصيان، فهان على الله غاية الهون، وسقط من عينه غاية السقوط، وحل عليه غضب الرب تعالى فأهواه، ومقته أكبر المقت فأرداه، فصار قواداً لكل فاسق ومجرم.
رضي لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة؟ فعياذاً بك اللهم من مخالفة أمرك، وارتكاب نهيك.
وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟ وما الذي سلط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم، وماتوا عن آخرهم؟
وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله.
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شيء أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه.
• أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في بحر الدموع أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا يغرّنّكم قول الله عز وجل: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا﴾ [الأنعام 160]، فإن السيئة وإن كانت واحدة، فإنها تتبعها عشر خصال مذمومة:
أولها: إذا أذنب العبد ذنبًا، فقد أسخط الله وهو قادر عليه.
والثانية: أنه فرّح إبليس لعنه الله.
والرابعة: أنه تقرّب من النار.
والخامسة: أنه قد آذى الحفظة.
والثامنة: أنه قد أحزن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قبره.
والتاسعة: أنه أشهد على نفسه السماوات والأرض وجميع المخلوقات بالعصيان.
والعاشرة: أنه خان جميع الآدميين، وعصى رب العالمين.
• قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى:
واعلم وفقك الله أن المعاصي قبيحة العواقب سيئة المنتهى وهي
وإن سر عاجلها ضر آجلها ولربما تعجل ضرها فمن أراد طيب عيشه فليلزم التقوى.
• أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن الأصمعي عن أبيه قال كان شيخ يدور على المجالس ويقول من سره أن تدوم له العافية فليتق الله تعالى.
فمتى رأيت وفقك الله تكديراً في حال فتذكر ذنباً قد وقع.
• قال الفضيل بن عياض: إني لأعصى الله فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي
• وقال أبو سليمان الداراني: من صفى صفي له ومن كدر كدر عليه ومن أحسن في ليله كوفىء في نهاره ومن أحسن في نهاره كوفيء في ليله.
أهـ
• فيا من يريد دوام العيش على البقاء، دم على الإخلاص والنقاء وإياك والمعاصي فالعاصي في شقاء، والمعاصي تذل الإنسان وتخرس اللسان وتغير الحال المستقيم وتحل الاعوجاج مكان التقويم 0
•
قبح آثار المعاصي:
إن للمعاصي آثارٌ سيئة وعواقب وخيمة وقد تصل العقوبة إلى عمى البصيرة والعياذ بالله فيصير الإنسان هائماً في الضلال، يتقاعس عن التكليف ولا ينفع فيه وعظٌ ولا تسويف، يعيش حياته جيفةً بالليل حمارٌ بالنهار، يعيش عيش البهائم بالليل نائم وبالنهار هائم، لا يعرفُ من الإسلام إلا اسمه ولا من المصحفِ إلا رسمه.
• قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى:
اعلم أن العقوبة تختلف فتارة تتعجل وتارة تتأخر وتارة يظهر أثرها وتارة يخفى،
وأطرف العقوبات مالا يحس بها المعاقب وأشدها العقوبة بسلب الإيمان والمعرفة ودون ذلك موت القلوب ومحو لذة المناجاة منه وقوة الحرص على الذنب ونسيان القرآن وإهمال الاستغفار ونحو ذلك مما ضرره في الدين.
وربما دبت العقوبة في الباطن دبيب الظلمة إلى أن يمتلىء أفق القلب فتعمى البصيرة.
وأهون العقوبة ما كان واقعا بالبدن في الدنيا وربما كانت عقوبة النظر في البصر فمن عرف لنفسه من الذنوب ما يوجب العقاب فليبادر نزول العقوبة بالتوبة الصادقة عساه يرد ما يرد.
ومن آثار المعاصي ما يلي:
(1) حرمان العلم فالعلم نور يقذفه الله فى القلب و المعصية تطفى ذلك النور
(2) وحشة يجدها العاصي فى قلبة بينه و بين الله لا توازنها ولا تقارنها لذة أصلا ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة وهذا لا يحس بها الا من كان فى قلبة حياة.
(3) وحشة تحصل بينه و بين الناس لاسيما اهل الخير منهم و كلما قويت تلك الوحشة ابتعد عنهم و عن مجالسهم و حرم بركة الانتفاع بهم.
(4) تعسير أموره عليه فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقا دونه أو متعسرا عليه.
(5) ظلمة يجدها فى قلبه حقيقة يحس بها كما يحس بظلمة الليل.
(6) المعاصي توهن القلب و البدن فالفاجر و إن كان قوى البدن فإنة أضعف شئ عند الحاجة.
(7) المعاصي تؤدى الى حرمان الطاعة فإنها تصد عن طاعة تكون بدل المعصية.
(8) المعاصي تقصر العمر و تمحق بركته فالبر كما يزيد العمر فالفجور يقصر العمر.
(9) المعاصي تزرع أمثالها ويولد بعضها بعضاً حتى يعز على العبد مقاطعتها و الخروج منها.
(10) المعاصي تضعف القلب عن إرادته فتقوى إرادة المعصية و تضعف إرادة التوبة.
(11) المعاصي باستمرار فعلها تصير عادة فلا يستقبح من يفعلها حتى يفتخر أحدهم بالمعصية و يحدث بها من لم يعلم أنة عملها.
(12) المعصية سبب لهوان العبدعلى ربه و سقوطه من عينه
(13) العاصي يجعل غيره من الناس و الدواب يعود عليهم شؤم ذنبه فيحترق هو و غيره بشؤم الذنوب و الظلم.
(14) المعصية تورث الذل فإن العز فى طاعة الله لا محال
(15) المعاصي تدخل العبد تحت لعنة الرسول صلى الله عليه و سلم كما لعن آكل الربا و لعن شارب الخمر و لعن الواشمةو المستوشمة وغيرهم.
(16) المعاصي تؤدي الى الحرمان من دعاء الرسول صلى الله عليه و سلم و دعاء الملائكة.
(17) تحدث المعاصي فى الأرض أنواعا من فساد المياه و و الهواء و الزروع و الثمار و المساكن و ما يحل بها من الخسف و الزلازل و يمحق بركتها.
(18) تطفئ المعاصي من القلب نار الغيرة.
(19) المعاصي تذهب الحياء الذى هو مادة حياة القلب.
(20) المعاصي تضعف فى القلب تعظيم الرب جل جلالة.
(21) المعاصي تستدعى نسيان الله لعبده و تركه و تخليته بينه و بين نفسه و شيطانه.
(22) العاصي يلقى فى قلبه الرعب و الخوف دائما.
(23) ينصرف العاصي عن صحته واستقامته فتجده مريضاً معلولاً لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته و صلاحه.
(24) العاصي دائما أسير مسجون مقيد فى يد شيطانه.
•
توبيخ العاصي:
• أيها العاصي ما أغدرك!
• تسأل الله فيعطيك، فتستعين بما أعطاك على معصيته، أو أمنت أن يهتك سترك أو يغضب عليك غضبةً لا يرضى بعدها أبدا، كيف أمنت هذه الحالة ويمكن وقوعها لا محالة، أراك ضعيف اليقين يا مؤثر الدنيا على الدين.
• إلى متى تستمر على عصيانه، وقد غذاك برزقه وإحسانه، أما خلقك بيده؟ أما نفخ فيك من روحه؟ أما علمت فعله بمن أطاعه، وأخذي لمن عصاه؟ أما تستحي تذكره في الشدائد وفي الرخاء تنساه؟ عين بصيرتك أعماها الهوى.
هذا حال من لم تؤثر فيه الموعظة، فإلى كم هذا التواني؟ إن تبت من ذنبك، آتيتك أماني.
اترك دارًا صفوها كدر، وآمالها أماني
• يا من يسير بعمره وقد تعدّى الحدود، إبك على معصيتك فلعلك مطرود.
يا من عمره ينتهب وليس الماضي يعود، قد أسمعتك المواعظ من أرشادها نصحًا، وأخبرك الشيب أنك بالموت تقصد وتنحّا، وناداك لسان الاعتبار: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ [الانشقاق 6].
• قال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: دخلت على جار لي وهو في الغمرات يعاني عظيم السكرات، يُغمى عليه مرة، ويفيق أخرى، وفي قلبه لهيب الزفرات، وكان منهمكًا في دنياه، متخلفًا عن طاعة مولاه، فقلت له: يا أخي، تب إلى الله، وارجع عن غيّك، عسى المولى أن يشفيك من ألمك، ويعافيك من مرضك وسقمك، ويتجاوز بكرمه عن ذنبك.
فقال: هيهات هيهات! قد دنا ما هو آت، وأنا ميّت لا محالة، فيا أسفي على عمر أفنيته في البطالة.
أردت أن أتوب مما جنيت، فسمعت هاتفًا يهتف من زاوية البيت: عاهدناك مرارًا فوجدناك غدارًا.
نعوذ بالله من سوء الخاتمة، ونستغفره من الذنوب المتقادمة.
• يا أسير دنياه، يا عابداً لهواه، يا مَوْطِن الخطايا، ويا مِسْتَودِعَ الرزايا، اذكر ما قدّمت يداك، وكن خائفًا من سيدك ومولاك أن يطّلع على باطن زللك وجفاك، فيصدك عن بابه، ويبعدك عن جنابه، ويمنعك عن مرافقة أحبابه، فتقع في حضرة الخذلان، وتتقيد بشرك الخسران، وكلما رُمت التخلص من غيّك وعناك، صاح بك لسان الحال وناداك:
إليك عنا فما تحظى بنجوانا... يا غادرًا قد لها عنا وقد خانا
أعرضت عنا ولم تعمل بطاعتنا... وجئت تبغي الرضا والوصل قد بانا
بأي وجه نراك اليوم تقصدنا... وطال ما كنت في الأيام تنسانا
يا ناقض العهد ما في وصلنا طمع... إلا لمجتهد بالجدّ قد دانا
• كم عاهدته مرارًا فوجدك غدارًا، أراك ضعيف اليقين، يا مؤثر الدنيا على الدين.
• أيا كثير الشقاق، يا قليل الوفاق، يا مرير المذاق، يا قبيح الأخلاق، يا عظيم التواني قد سار الرفاق، يا شديد التمادي قد صعب اللحاق، إخلاصك معدم وما للنفاق نفاق، معاصيك في إدراك والعمر في إمحاق، وساعي الأجل مجد كأنه في سباق، لا الوعظ يزجرك ولا الموت ينذرك ما تطاق.
• يا من نسي العهد القديم وخان، من الذي سواك في صورة الإنسان، من الذي غذاك في أعجب مكان، من الذي بقدرته استقام الجثمان، الذي بحكمته أبصرت العينان، من الذي بصنعته سمعت الأذنان، من الذي وهب العقل فاستبان للرشد وبان، من الذي بارزته بالخطايا وهو يستر العصيان، مَنِ الذي تركت شكره فلم يؤاخذ بالكفران، إلى كم تخالفه وما يصبر على الخلاف الأبوان، وتعامله بالغدر الذي لا يرضاه الإخوان، وتنفق في خِلافه ما عَزَّ وهان، ولو علم الناس منك ما يعلم: ما جالسوك في مكان، فارجع إليَّه ما دمت في زمن الإمكان، وتب إليه فإنه الرحيم الرحمن، عساه أن يعفو عما سلف وكان من الذنوب والعصيان.
• يا مخدوعاً قد غُبِن، يا مفتوناً قد فُتِن، مَنْ لكَ إذا سُوِّيَ عليك اللَبِن.
• يا حليف النوم والوسادة، يا أسير الشهوات وقد نسي مَعَادَه، يا قليل الزاد مع قُربِ مماته، أما آن لك أن تفِيق من تلك الرُقَادة، لقد ربح القوم وأنت نائم، وَخِبْتَ ورجعوا بالغنائم، بالليل نائم وبالنهار هائم وتعيش عيش البهائم، ثم تدعي أنك فاهم وأنت لا شك واهم.
• يا مَنْ شاب وما تاب، أموقنٌ أنت أم مُرْتاب، مَنْ آمن بالسؤالِ فليُعدَّ له جواب، وللجواب صواب.
• يا مَنْ كلما طال عمره زاد ذنبه، يا مَنْ كلما ابيض شَعْرُه اسوَّدَ بالآثام قلبه.
• يا مَنْ ضيَّعَ عمرَه في غير طاعة، يا مَنْ بضاعته التسويف والتفريط فَبِئْسَت البضاعة، إلى متى هذا التسويف، ولا ينفعُ فيك وعظٌ ولا تعنيف، إذا وُعِظت لم تنتفع وإذا رُدِعْتَ لم ترتدع، وإذا لم تجد جواباً قلت لم أقتنع، هذا كتاب الله لو أُنزل على جبلٍ رأيته يتصدع، ومع ذلك فلا قلبٌ لك يخشع ولا عينُ تدمع، أين الخشوع والخضوع أين البكاء وجَرَيانُ الدموع أين التوبةُ والرجوع.
• أما بان لك العيب، أما أنذرك الشيب، وما في نُصحه ريب، أما اعتبرت بمن رحل أما وعظتك العبر أما كان لك سمعٌ ولا بصر 0
• إلى متى هذا التواني، يا مغروراً بالأماني.
• إلى متى هذا الإعراض والعمر في انقراض.
• إلى متى هذا التقصير، وإلى البلى المصير، أو ما علمت أن العمر قصير ولم يبق منه إلا اليسير، فتزود للسفر الطويل، ولا تتكلم بغير تفكير ولا تعمل بغير تدبير، ولا يشغلنك أحدٌ عن جد المَسِيْر، ولا تُضَيِّعُ الأوقات النفيسة في الأفعال الخسيسة، الدنيا ساعة فاجعلها طاعة والنفس طماعة فَرَوِّضْهَا القناعة.
• أو ما علمت أن معالي الأُمور لا تنال بالفتور، وإنما تنال بالجد والاجتهاد والتشمرِ ليومِ المعاد، وخلعِ الراحة واستفراغ الوسع في الطاعة، أو ما علمت أن من جد وجد ومن زرع حصد، وليس من سهر كمن رقد والأمور تحتاج إلى وثبة أسد، فإذا عزمت فبادر وإذا هممت فثابر، واعلم أنه لا يدرك المفاخر من كان في الصف الآخر.
• أيها العبد انظر بعين فكرك وعقلك، هل تجد سبيلا لخلاص مثلك، مع إقامته على فعلك، أين اعتبارك بانطلاق أسلافك، أين فكرك في فراق ألافك، متى تنتقل على قبيح خلافك.
• يا كثير السيئات غدا ترى عملك، يا هاتك الحرمات إلى متى تديم زللك، أما تعلم أن الموت يسعى في تبديد شملك أما تخاف أن تؤخذ على قبيح فعلك.
• يا مبارزا بالذنوب خذ حذرك وتوق عقابه بالتقى فقد أنذرك، وخل الهوى فإنه كما ترى إلى الردى صَيَرَك.
• يا من يرجو الثواب بغير عمل، ويرجئ التوبة بطول الأمل، أتقول في الدنيا قول الزاهدين، وتعمل فيها عمل الراغبين، لا بقليل منها تقنع ولا بكثير منها تشبع، لا تثق من الرزق بما ضُمِنَ لك، ولا تعمل من العمل ما فرض عليك، تستكثر من معصية غيرك ما تحقره من نفسك، أما تعلم أن الدنيا كالحية لين لمسها والسم الناقع في جوفها، يهوى إليها الصبي الجاهل ويحذرها ذو اللب العاقل، كيف تقر بالدنيا عين من عرفها وما أبعد أن يفطم عنها من ألفها.
• واعجباً لك من راحل تركت الزاد في غير رحلك، أين فطنتك ويقظتك وتدبير عقلك.
• أما بارزت بالقبيح فأين الحَزَن، أما علمت أن الحق يعلم السر والعلن، ستعرف خبرك يوم ترحل عن الوطن وستنتبه من رقادك ويزول هذا الوسن.
• اجتهد في تقوية يقينك قبل خسر موازينك، وقم بتضرعك وخيفتك قبل نشر دواوينك، وتَقَرَب إليه في ضعفك ولينك.
• قل للمذنبين تأملوا العواقب، الآثام تبقى وتفنى الأطايب، والذنوب تحصى وما يغفل الكاتب، والسهم مفوق والرامي صائب، واللذات وإن نيلت فبعدها المصائب، فليتدبر العاقل وليحضر الغائب.
(يا مشغولاً بذنوبك، يا مغموراً بعيوبك، يا غافلا عن مطلوبك، كيف نسيت قبيح مكتوبك، لا بد عن سؤالك عن مطعومك ومشروبك، ألا تتفكر في فراقك لمحبوبك ألا تتذكر النعش قبل ركوبك.
(يا من يبارز مولاه بما يكره، ويخالفه في أمره آمناً مكره، وينعم عليه وهو ينسى شكره، والرحيل قد دنا وماله فيه فكرة، يا من قبائحه ترفع عشياً وبكرة، يا قليل الزاد ما أطول السفرة، والنقلة قد دنت والمصير الحفرة،
(متى تعمل في قلبك المواعظ متى تراقب العواقب وتلاحظ، أما تحذر من أوعد وهدد، أما تخاف من أنذر وشدد، متى تضطرم نار الخوف في قلبك وتتوقد، إلى متى بين القصور والتواني تتردد، متى تحذر يوماً فيه الجلود تشهد، متى تترك ما يفنى رغبة فيما لا ينفد، متى تهب بك ريح الخوف كأنك غصن يتأود، البدار البدار إلى الفضائل، والحذار الحذار من الرذائل فإنما هي أيام قلائل.
(يا سكران الهوى وإلى الآن ما صحا، يا مفنياً زمانه الشريف لهوا ومرحا، يا معرضا عن لوم من لام وعتب من لحا، متى يعود هذا الفاسد مصلحا، متى يرجع هذا الهالك مفلحا، لقد أتعبت النصحاء الفصحاء، أما وُعِظْتَ بما يكفي أما رأيت من العبرة ما يشفي، فانظر لنفسك قبل أن يعمى الناظر، وتفكر في أمرك بالقلب الحاضر ولا تساكن الفتور فإنك إلى مسكن القبور صائر، فالحي للممات والجمع للشتات والأمر ظاهر.
(يا من يُدعى إلى نجاته فلا يجيب، يا من قد رضي أن يخسر ويخيب، إن أمرك طريف وحالك عجيب، اذكر في زمان راحتك ساعة الوجيب، ويحك إن الحق حاضر ما يغيب، تحصى عليك أعمال الطلوع وأفعال المغيب، ضاعت الرياضة في غير نجيب، سيماك تدل وما يخفى المريب، لا بد لغربان الفراق من نعيب، أنساكن الغفلة ولغيرنا نعيب، يا من سِلَعَهُ كلها معيب اذكر يوم الفزع والتأنيب لا بد والله من فراق العيش الرطيب، والتحاف البلى مكان الطيب، واعجباً للذات بعد هذا كيف تطيب، ويحك أحضر قلبك لوعظ الخطيب، تذكر من قد أصيب، كيف نزل بهم يوم عصيب، وانتبه لأحظ الحظ والنصيب، واحترز فعليك شهيد ورقيب، ستخرج والله من هذا الوادي الرحيب، ولا ينفعك البكاء والنحيب، لا بد من يوم يتحير فيه الشبان والشيب، ويذهل فيه الطفل للهول ويشيب، يا من عمله كله رديء فليته قد شيب، كيف بك إذا أحضرت في حال كئيب، وعليك ذنوب أكثر من رمل كثيب، والمهيمن الطالب والعظيم الحسيب، فحينئذ يبعد عنك الأهل والنسيب، النوح أولى بك يا مغرور من التشبيب، أتؤمن أم عندك تكذيب، أم تراك تصبر على التعذيب، كأنك بدمع العين ومائها قد أذيب، اقبل نصحي وأقبل على التهذيب يا مطالباً بأعماله، يا مسئولاً عن أفعاله، يا مكتوباً عليه جميع أقواله، يا مناقشاً على كل أحواله، نسيانك لهذا أمر عجيب، أتسكن إلى العافية وتساكن العيشة الصافية وتظن أيمان الغرور واقية لا بد من سهم مصيب.
(يا متحيرا في طريقه قد بان البيان، يا بليد الاعتبار وقد أنذره الأقران، يا من تقرع قلبه المواعظ وهو قاس ما لان، لو حضرت بالذهن كفاك زجر القرآن.
(يا من راح في المعاصي وَغَدَا، ويقول سأتوب اليوم أو غدا، كيف تجمع قلباً قد صار في الهوى مبددا، كيف تلينه وقد أمسى بالجهل جلمدا، كيف تحثه وقد راح بالشهوات مقيداً، لقد ضاع قلبك فاطلب له ناشدا، تفكر بأي وجه تتلقى الردى تذكر ليلة تبيت في القبر منفرداً.
• يا من في حلل جهله يرفل ويميس، يا مؤثراً الرذائل على أنفس نفيس، يا طويل الأمل ماذا صنع الجليس، يا كثير الخطايا أشْمَتَّ إبليس، من لك إذا فاجأك مُذِلُ الرئيس، واحتوشتك أعوان ملك الموت وحمى الوطيس، ونقلت إلى لحد مالك فيه إلا العمل أنيس.
• يا من عمره كلما زاد نقص، يا من يأمن الموت وكم قد قنص، يا مائلاً إلى الدنيا هل سلمت من نغص، يا مُفَرِّطَاً في الوقت هلا بادرت الفرص، يا من إذا ارتقى في سلم الهدى فلاح له الهوى نكص، من لك يوم الحشر إذا نُشرت القصص، ذنوبك كثيرة جمة، ونفسك بغير الصلاح مهتمة، وأنت في المعاصي إمام وأمة، يا من إذا طلب في المتقين لم يوجد ثمة، متى تنقشع هذه الظلمة والغمة، يا من قد أعماه الهوى ثم أصمه، يا من لا يفرق بين المديح والمذمة، يا من باع فَرَحَه ثم اشترى غَمَه، يا عقلاً خرباً يحتاج إلى مرمة.
• يا من يجول في المعاصي قلبه وهمه، يا مؤثر الهوى على التقى لقد ضاع حزمه، يا معتقدا صحته فيما هو سقمه، يا من كلما زاد عمره زاد إثمه، يا طويل الأمل وقد رق عظمه، أما وعظك الزمان وزجرك ملمه، أين الشباب قل لي قد بان رَسْمُه، أين زمان المرح لم يبق إلا اسمه، أين اللذة ذهب المطعوم وطعمه، كيف يقاوي المقاوي والموت خصمه، كيف خلاص من قد أغرق فيه سهمه، يا لديغ الأمل قد بالغ فيه سمه، يا قليل العبر وقد رحل أبوه وأمه، يا من سيجمعه اللحد عن قليل ويضمه، كيف يوعظ من لا يعظه عقله ولا فهمه، كيف يوقظ من نام قلبه لا عينه ولا جسمه.
• يا من قد سارت بالمعاصي أخباره، يا من قد قبح إعلانه وإسراره، فقيراً يا من الهدى أهلكه إعساره، أتؤثر الخسران قل لي أو تختاره، يا كثير الذنوب وقد دنا إحضاره، يا مأسورا في حبس الزلل لا ينفعه إحصاره، نقدك بهرج إذا حك معياره، كم رد على مثلك درهمه وديناره، يا محترقاً بنار الهوى متى تخبو ناره.
• أيها المقيم على الخطايا والعصيان، التارك لما أمرك الرحمن، المطيع للغويّ الفتان، إلى متى أنت على جرمك مصرّ، ومما يقرّبك إلى مولاك تفرّ؟ تطلب من الدنيا ما لا تدركه، وتتقي من الآخرة ما لا تملكه، لا أنت بما قسم الله من الرزق واثق، ولا أنت بما أمرك به لاحق.
يا أخي، الموعظة، والله لا تنفعك، والحوادث لا تردعك.
لا الدهر يدعك، ولا داعي الموت يسمعك، كأنك يا مسكين لم تزل حيًا موجودًا، كأنك لا تعود نسيًا مفقودًا.
فاز، والله، المُخِفُّون من الأوزار، وَسَلَمَ المتقون من عذاب النار، وأنت مقيم على كسب الجرائم والأوزار.
• أخي الحبيب:
أعرض عن غيّك وهواك وأقبل مولاك الذي خلقك فسوَّاك ويعلم سِرَك ونجواك، وواصل بقية العمر بوظائف الطاعات، واصبر على ترك عاجل الشهوات، فالفرار أيها المكلف كل الفرار من مواصلة الجرائم والأوزار، فالصبر على الطاعة في الدنيا أيسر من الصبر على النار.
• ولله درُ من قال:
أمولاي إني عبد ضعيف... أتيتك أرغب بما لديك
أتيتك أشكو مصاب الذنوب... وهل يشتكى الضر إلا إليك
فمنّ بعفوك يا سيّدي... فليس اعتمادي إلا عليك
• قال بعض الأخيار لولده لما حضرته الوفاة: يا بنيّ، اسمع وصيتي، واعمل ما أوصيك به.
قال نعم يا أبت.
قال يا بنيّ: اجعل في عنقي حبلًا، وجرّني إلى محرابي، ومرّغ خدي على التراب، وقل: هذا جزاء من عصى مولاه، وآثر شهوته وهواه، ونام عن خدمة مولاه.
قال: فلما فعل ذلك به، رفع طرفه إلى السماء وقال: إلهي وسيدي ومولاي، قد آن الرحيل إليك، وأزف القدوم عليك، ولا عذر لي بين يديك، غير أنك الغفور وأنا العاصي، وأنت الرحيم وأنا الجاني، وأنت السيد وأنا العبد، ارحم خضوعي وذِلتي بين يديك، فإنه لا حول ولا قوة إلا بك.
قال: فخرجت روحه في الحال، فإذا بصوت ينادي من زاوية البيت سمعه كل من حضر وهو يقول: تذلل العبد لمولاه، واعتذر إليه مما جناه، فقرّبه وأدناه وجعل الجنة مأواه.
• أخي الحبيب:
• أما آن لك أن تنتبه من غفلتك.
• أما آن لك أن تُصْلِحَ الفاسدَ وتُرَقِّعَ الخَرْقَ وَتَسُدُ الثّغْر.
• أما آن لك أن تؤاخذ نفسك بتقصيرها وتحاسبها على تفريطها.
• أما آن لك أن تخلع عنك الكسل وترتدي ثوب الجد والنشاط.
• أما آن لك أن تخلع عنك الراحة وتستفرغ الوِسْعَ في الطاعة.
• أما آن لك أن تخشى الرحمن وتمتثل القرآن، وتنسلخ من العصيان واستحواذ الشيطان، وتُفيق من نومك قبل فوات الأوان.
• أما آن لك أن تُقبل على النصائح، وتتقرَّب إلى الله تعالى بالمنائح.
• أما آن لك أن تُقْلِعَ عن هواك وترجع إلى ربك الذي خلقك فسواك ويعلم سرك ونجواك.
• أما آن لك أن تحفظ لحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى وأن تتذكر الموت والبلى فنستحي من الله حق الحيا، أما اعتبرت بمن نُقِل إلى دار البِلى، أما اعتبرت بوضعه تحت الثرى، المدفوع إلى هول ما ترى.
• أما آن لك أن تفعل المأمور وتترك المحظور وتصبر على المقدور وتتذكر البعث والنشور، أما لو تفكرت في قبركِ المحفور، وما فيه من الدواهي والأمور، تحت الجنادلِ والصخور، لعلمت موقناً أنك ما كنت إلا في غرور، فتندم ندماً لا يخطرُ على الصدور، ولا يُكْتَبُ بالسطور، لكنه ندمٌ لا يدفعُ ولا يمنع، ولا ينفعُ في أي أمرٍ من الأمور.
• أما آن لك أن تَصُون قلبك مِن الْخَرَابِ، وَتَحْفَظ دينك مِنَ التَّلاشِي وَالذِّهَابِ، وَتَرْجُو رِضَا رَبكْ وَعَفْوَهُ يَوْمَ وَالْحِسَابِ، أما كان لك عبرةٌ فيمن ماتوا ودُفِنوا تحت التراب، كيف فُجِعَ بِهِم الأَحْبَاب، وأكثروا عليهم البكاء والانتحاب، وسَكَنُوا التُراب، وظَعَنُوا فليسَ لهم إِياب.
• أما آن لك أن تنتبه من غفلتك فإليك يوجه الخطاب، وتُفِيق من نومك قبل أن تناخ للرحيل الركاب قبل هجوم اللذات ومفرق الجماعات ومذل الرقاب، ومشتِِّت الأحباب، أما تذكر ما أمامك من شدة الحساب وشر المآب، فيا له من زائر لا يعوقه عائق، ولا يضرب دونه حجاب، ويا لَهُ من نازل لا يستأذن على الملوك ولا يلج من الأبواب، ولا يرحم صغيرًا ولا يوقر كبيرًا، ولا يخاف عظيمًا ولا يهاب، ألا وإن بعده ما هُوَ أعظم منه من السؤال والجواب، وراءه هول البعث والحشر وأحواله الصعاب من طول المقام والازدحام فِي الأجسام والميزان والصراط والحساب والْجَنَّة أَوْ النار.
• فيا خَجَلة من سئل فَعُدِمَ الجواب، ويا حَسْرَة من نوقش عن الدقيق والجليل يوم الحساب، ويا ندامة من لم يحصل إِلا على الْغَضَب من الكريم الوهاب.
• ويا ويلةَ من كانت وجوههم مسودة لسوء الحساب، والزبانية تقمعهم فيذوقون أليم العقاب، فياله من يومٍ شديد َيَشْتَدُّ فِيهِ الْحِسَابُ، وَيُشْفَقُ فِيهِ العذاب، يومٌ تخضعُ فيه الرِّقَابُ ويَذَلُ فيه كُلُّ فَاجِرٍ كَذَّابِ ويَرَجَعُ الأَشْقِيَاءُ بِالْخُسْرَانِ وَالتَّبَابِ،
• فيا ساكنا عن الصواب، كيف بك إذا وقفت للحساب بين يدي سريع الحساب، هل أعددت للسؤال جواب، ألم تخفْ سوء الحساب يوم المآب.
•
كيفية الوقاية من الذنوب:
للوقاية من الذنوب أعمالاً عظيمة من أجلها ما يلي:
(1) إقامة الصلاة لقوله تعالى: (اتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصّلاَةَ إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: 45]، فإذا أقام الإنسان صلاته بأن أتى بها كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها وما أمكنه من مستحباتها ومن أهم وسائل إقامتها الخشوع فيها وهو حضور القلب وعدم تحديث النفس والوساوس والهواجس، فإنها من أسباب منعه عن كبائر الذنوب وصغائرها.
(2) قراءة ما يتحصن به من الشياطين كقراءة آية الكرسي قال تعالى: (اللّهُ لاَ إِلََهَ إِلاّ هُوَ الْحَيّ الْقَيّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لّهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مّنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيّ الْعَظِيمُ) [سورة: البقرة - الأية: 255]، فإن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح،
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: وكلني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة).
قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالا فرحمته فخليت سبيله، قال: (أما إنه قد كذبك، وسيعود).
فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنه سيعود).
فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يا أباهريرة ما فعل أسيرك).
قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا، فرحمته فخليت سبيله، قال: (أما إنه كذبك، وسيعود).
فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات تزعم لا تعود، ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾.
حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما فعل أسيرك البارحة).
قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: (ما هي).
قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾.
وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة).
قال: لا، قال: (ذاك شيطان).
(3) إذا هم بالذنب فإنه يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم لقوله تعالى: قال تعالى: (وَإِماّ يَنَزَغَنّكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأعراف: 200]
وما أحسن أن تقول بصدق (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم اعصمني من الزلل ووفقني لصالح العمل).
(4) الصدقة على مساكين البيت الحرام:
مسألة: هل تجوز الصدقة على المساكين الموجودين في بيت الله الحرام؟
الصدقة في المسجد الحرام وفي غيره من الأماكن لا بأس بها.
ومن المعلوم أن أهل العلم يقولون إن الحسنة تضاعف بالمكان الفاضل.
ولكن الأمر الذي يهم المرء هو هل هؤلاء الفقراء الذين يتظاهرون بالفقر هم فقراء حقيقة؟ هذا هو الذي يشكل على المرء ولكن إذا غلب على ظن الإنسان أن هذا فقير فأعطاه فإنها مقبولة ولو تبين بعد ذلك أنه غني.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت الثابت في الصحيحين) أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال رجل لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون تُصدِّق على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون تُصدِّق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد، على زانية؟ لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته.
فوضعها في يدي غني، فأصبحوا يتحدثون تُصدِّق على غني، فقال: اللهم لك الحمد، على سارق، وعلى زانية، وعلى غني، فأُتي فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعفَّ عن سرقته، وأما الزانية: فلعلها أن تستعف عن زِناها، وأما الغني: فلعله يعتبرُ، فينفق مما أعطاه الله.
- وعليه فالصدقة على هؤلاء لا بأس بها ولو في المسجد الحرام، إلا إذا علم أن في ذلك مفسدة وأن إعطاءهم يوجب كثرتهم ومضايقتهم للناس في المسجد الحرام فحينئذٍ يتوجه بأن يقال لا يُعطون لما في هذا من السبب الموصل إلى هذا المحظور.
•
الأدوية التي تزهدك في المعاصي:
مسألة: ما هي أنفع الأدوية التي تزهدك في المعاصي إذا عرض لك مرض المعصية وتذكرت لذتها؟
أنفع الأدوية من إذا عرض لك مرض المعصية وتذكرت لذتها هي ما يلي:
(1) إذا تذكرت لذة المعصية فأدر في تلذذك ذكر مرارة الموت الذي سماه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هاذم اللذات وتذكر شدة النزع وتفكر في الموتى الذين حبسوا على أعمالهم ليجازوا بها فليس فيهم من يقدر على محو خطيئة ولا على زيادة حسنة فلا تعث يا مطلق.
• أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن مخلد بن الحسين قال عدت مريضا فقلت له كيف تجدك قال هو الموت قلت وكيف علمت أنه الموت؟ قال أجدني أجتذب اجتذابا وكأن الخناجر مختلفة في جوفي وكأن جوفي تنور محمى يتلهب.
قلت فاعهد.
قال أرى الأمر أعجل من ذلك.
فدعا بدواة وصحيفة فوالله ما أتى بها حتى شخص بصره فمات.
وقال إبراهيم بن يزيد العبدي أتاني رياح القيسي فقال يا أبا إسحاق انطلق بنا إلى أهل الآخرة نحدث بقربهم عهدا فانطلقت معه فأتى إلى المقابر فجلسنا إلى بعض تلك القبور فقال يا أبا إسحاق ما ترى هذا متمنيا لو منى قلت أن يرد والله إلى الدنيا فيستمتع من طاعة الله ويصلح.
قال فها نحن ثم نهض فجد واجتهد فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات.
(2) وصور لنفسك حين اعتراض الهوى عرضك على ربك وتخجيله إياك بمضيض العتاب على فعل ما نهاك عنه.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث عدي بن حاتم الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (ليس منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدَّم وينظر أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم وينظر بين يديه فلا يرى إلا النارَ تلقاءَ وجهِهِ، فاتقوا النارَ ولو بشقِ تمرة.)
(حديث ابن عمر الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله تعالى يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره، يقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب حتى إذا قرره بذنوبه و رأى في نفسه أنه قد هلك قال: سترتها عليك في الدنيا و أنا أغفرها لك اليوم; و أما المنافق والكافر فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين.
(3) وتخايل شهادة المكان الذي تعصي فيه عليك يوم القيامة:
(4) ومثل في نفسك عند بعض زللك كيف يؤمر بك إلى النار التي لا طاقة لمخلوق بها وتصور نفاد اللذة وبقاء العار والعذاب فقد قال الشاعر.
تفنى اللذاذة ممن نال شهوته... من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء في مغبتها... لا خير في لذة من بعدها النار
- ثم اسأل نفسك هل لك طاقة على النار وأنت تعلم أن نار الدنيا جزء من سبعين جزء من نار جهنم، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ناركم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم.
قيل: يا رسول الله، إن كانت لكافية، قال: (فضلت عليهن بتسعة وستين جزءا، كلهن مثل حرها.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح:
(ناركم جزء): زاد مسلم في روايته جزء واحد قوله من سبعين جزءا في رواية لأحمد من مائة جزء والجمع بأن المراد المبالغة في الكثرة لا العدد الخاص أو الحكم للزائد، زاد الترمذي من حديث أبي سعيد لكل جزء منها حرها قوله أن كانت لكافية أن هي المخففة من الثقيلة أي أن نار الدنيا كانت مجزئة لتعذيب العصاة قوله فضلت عليهن كذا هنا والمعنى على نيران الدنيا وفي رواية مسلم فضلت عليها أي على النار قال الطيبي ما محصله إنما أعاد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حكاية تفضيل نار جهنم على نار الدنيا إشارة إلى المنع من دعوى الأجزاء أي لا بد من الزيادة ليتميز ما يصدر من الخالق من العذاب على ما يصدر من خلقه قوله مثل حرها زاد أحمد وابن حبان من وجه آخر عن أبي هريرة وضربت بالبحر مرتين ولولا ذلك ما انتفع بها أحد ونحوه للحاكم وابن ماجة عن أنس وزادا فإنها لتدعو الله أن لا يعيدها فيها وفي الجامع لابن عيينة عن بن عباس رضي الله عنهما هذه النار ضربت بماء البحر سبع مرات ولولا ذلك ما انتفع بها أحد أهـ.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها.
قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله تعالى: جَهَنَّمُ اسْمٌ لِنَارِ الْآخِرَةِ قَالَ يُونُسُ وَأَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ: هِيَ عَجَمِيَّةٌ لَا تَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعْرِيفِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ عَرَبِيَّةٌ لَمْ تُصْرَفْ بِالتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِبُعْدِ قَعْرِهَا.
قَالَ رُؤْبَةُ يُقَالُ بِئْرٌ جِهْنَامٌ أَيْ بَعِيدَةُ الْقَعْرِ.
وَقِيلَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْجُهُومَةِ وَهِيَ الْغِلَظُ، يُقَالُ جَهَنَّمُ الْوَجْهُ أَيْ غَلِيظُهُ فَسُمِّيَتْ جَهَنَّمُ لِغِلَظِ أَمْرِهَا، انْتَهَى.
وقال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَهُوَ مَا يُشَدُّ بِهِ.
وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ: الزِّمَامُ مَا يُجْعَلُ فِي الجزء السابع أَنْفِ الْبَعِيرِ دَقِيقًا، وَقِيلَ: مَا يُشَدُّ بِهِ رُءُوسُهَا مِنْ حَبْلٍ وَسَيْرٍ، انْتَهَى
(يَجُرُّونَهَا) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ يَسْحَبُونَهَا.
قَالَ فِي اللُّمَعَاتِ: لَعَلَّ جَهَنَّمَ يُؤْتَى بِهَا فِي الْمَوْقِفِ لِيَرَاهَا النَّاسُ تَرْهِيبًا لَهُمْ.
• قال وهب بن منبه: إذا سيرت الجبال فسمعت حسيس النار نقيضها وزفيرها وشهيقها صرخت الجبال كما تصرخ النساء ثم يرجع أوائلها على أواخرها يدق بعضها بعضاً 0
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال: كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ سمع وجبة فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تدرون ما هذا؟ قال قلنا الله ورسوله أعلم، قال هذا حجر ُرِمىَ به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوى في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها فسمعتم وَجْبَتَها.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:
(سمع وجبة) هي بفتح الواو وإسكان الجيم وهي السقطة.
(حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لرجل، توضع في أخمص قدميه جمرة، يغلي منها دماغه، ما يرى أن أحداً أشدَّ منه عذاباً وإنه لأهونهم عذابا.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح:
يغلي منه دماغه: ووقع في حديث بن عباس عند مسلم إن أهون أهل النار عذابا أبو طالب له نعلان يغلي منهما دماغه ولأحمد من حديث أبي هريرة مثله لكن لم يسم أبا طالب وللبزار من حديث جابر قيل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هل نفعت أبا طالب قال اخرجته من النار الى ضحضاح منها.
(حديث أبي سعيد في الصحيحين) أنه سمع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وذكر عنده عمه، فقال لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه أم دماغه - يعني أبا طالب -.
(حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنه قال يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال نعم هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح:
ضحضاح: أصله ما رق من الماء علي وجه الأرض واستعير هنا للنار.
(حديث سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ كَعْبَيْهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ رُكْبَتَيْهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ حُجْزَتِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ تَرْقُوَتِهِ".
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:
وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ حُجْزَتِهِ: ومنهم من تأخذه يعني النار إلى حجزته" هي بضم الحاء وإسكان الجيم وهي معقد الإزار والسراويل.
وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ تَرْقُوَتِهِ: وهي بفتح التاء وضم القاف وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وفي رواية حقويه بفتح الحاء وكسرها وهما معقد الإزار، والمراد هنا ما يحاذي ذلك الموضع من جنبيه.
وروي عن كعب الأحبار أنه قال: (والذي نفس كعب بيده لو كنت بالمشرق والنار بالمغرب ثم كُشف عنها لخرج دماغك من منخريك من شدة حرها! فيا قوم هل لكم بهذا قرار؟ أم لكم على هذا صبر؟ يا قوم إن طاعة الله أهون عليكم والله من هذا العذاب فأطيعوه) أ. هـ.
طعام أهلها الزقوم وشرابهم الحميم.
• أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن قسامة بن زهير قال خطبنا أبو موسى فقال يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع ثم يبكون الدماء حتى لو أرسلت فيها السفن لجرت.
• وأورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن وهب بن منبه أنه قال إذا سيرت الجبال فسمعت حسيس النار وتغيظها وزفيرها وشهيقها صرخت الجبال كما تصرخ النساء ثم ترجع أوائلها على أواخرها يدق بعضها بعضا.
• وأورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن مجاهد عن عبيد بن عمر قال إن أهون أهل النار عذابا رجل له نعلان من نار وشرا كان من نار أضراسه جمر ومسامعه جمر أشفار عينيه من لهيب النار تخرج أحشاؤه من قدميه وسائرهم كالحب القليل في الماء الكثير فهي بهم تفور.
• وأورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى أن بشر الحافي قال: ما ظنكم بأقوام وقفوا بين يدي الله تعالى مقدار خمسين ألف سنة لم يأكلوا ولم يشربوا حتى تقطعت أكبادهم من العطش وأجوافهم من الجوع وأعناقهم من التطاول ورجوا الفرج فأمر بهم إلى النار.
(5) النظرر في العواقب:
من أنفع الأدوية التي تزهدك في المعاصي البصر في العواقب.
• قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه صيد الخاطر:
من عاين بعين بصيرته تناهي الأمور في بداياتها، نال خيرها، و نجا من شرها.
و من لم ير العواقب غلب عليه الحسن، فعاد عليه بالألم ما طلب منه السلامة، و بالنصب ما رجا منه الراحة.
بيان هذا في المستقبل، يتبين بذكر الماضي، و هو أنك لا تخلو، أن تكون عصيت الله في عمرك، أو أطعته.
فأين لذة معصيتك؟ و أين تعب طاعتك؟ هيهات رحل كل بما فيه! فليت الذنوب إذ تخلت خلت!
وأزيدك في هذا بياناً مثل ساعة الموت، و انظر إلى مرارة الحسرات على التفريط، و لا أقول كيف تغلب حلاوة اللذات، لأن حلاوة اللذات استحالت حنظلا، فبقيت مرارة الأسى بلا مقاوم، أتراك ما علمت أن الأمر بعواقبه؟ فراقب العواقب تسلم، و لا تمل مع هوى الحسن فتندم.
• عباد الله النظر النظر إلى العواقب، فإن اللبيب لها يراقب، أين تعب من صام الهواجر، وأين لذة العاصي الفاجر، رَحِلَتْ اللذة من الأفواه إلى الصحائف، وذهب نَصَبُ الصالحين بجزَعِ الخائف، فكأن لم يتعب من صَابَرَ اللذات وكأن لم يلتذ من نال الشهوات.
• لله در أقوام تلمحوا العواقب، فعملوا عمل مراقب، وجاوزوا الفرائض إلى طلب المناقب، علت هممهم عن الدنايا، وارتفعت وكفت الأكف عن الأذايا.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال يا بن آدم هل رأيت خيرا قط هل مر بك نعيم قط فيقول لا والله يا رب ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له يا بن آدم هل رأيت بؤسا قط هل مر بك شدة قط فيقول لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:
(فيصبغ في النار صبغة): الصبغة بفتح الصاد أي يغمس غمسة.
والبؤس: بالهمز هو الشدة والله أعلم.
• أين الذين كانوا في اللذات يتقلبون، ويتجبرون على الخلق ولا يُغْلَبُون، مزجت لهم كؤوس المنايا فباتوا يتجرعون، (مَآ أَغْنَىَ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يُمَتّعُونَ)
- حُمِلَ كلٌ منهم في كفن، إلى بيت البلى والعفن، وما صحبهم غيره من الوطن، من كل ما كانوا يجمعون (مَآ أَغْنَىَ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يُمَتّعُونَ).
- ضمهم والله التراب وَسُدَّ عليهم الباب وتقطعت بهم الأسباب، والأحباب يرجعون (مَآ أَغْنَىَ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يُمَتّعُونَ)
- شُغِلُوا عن الأهل والأولاد، وافتقروا إلى يسير من الزاد، وباتوا من الندم على أخس مهاد، وإنما هذا من حصاد ما كانوا يزرعون (مَآ أَغْنَىَ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يُمَتّعُونَ)
- لو رأيتهم في حلل الندامة، إذا برزوا يوم القيامة، وعليهم للعقاب علامة يساقون بالذل لا بالكرامة، إلى النار فهم يوزعون (مَآ أَغْنَىَ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يُمَتّعُونَ)
(6) الهمة العالية:
فمن لم تكن له همة أبية لم يكد يتخلص من أي بلية، فإن ذا الهمة يأنف أن يملك رقه شيء وما زال الهوى يذل أهل العز، وتأمل في القصة الآتية:
• أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى أن أن الرشيد عشق جارية وامتنعت عليه فقال.
أرى ماء وبي عطش شديد... ولكن لا سبيل إلى الورود أما يكفيك أنك تملكيني... وأن الناس كلهم عبيدي وأنك لو قطعت يدي ورجلي... لقلت من الرضا أحسنت زيدي
• ومن الأنفة من حب من طبعه الغدر وهذا أجلُّ طباع النساء:
• قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى:
ومن الأنفة من حب من طبعه الغدر وهذا أجلُّ طباع النساء، وقد قال الحكماء لا تثق بامرأة وقال الشاعر.
إذا غدرت حسناء أوفت بعهدها... ومن عهدها أن لا يدوم لها عهد
وقال أبو محمد التميمي: أفق يا فؤادي من غرامك واستمع... مقالة محزون عليك شفيق علقت فتاة قلبها متعلق... بغيرك فاستوثقت غير وثيق وأصبحت موثوقا وراحت طليقة... فكم بين موثوق وبين طليق
- وقال أيضاً: ومما يداوى به الباطن أن يعلم الإنسان أن زوجته المحبوبة إن مات عنها مالت إلى غيره ونسيته أسرع شيء وإن كانت تحبه لأنه لا وفاء للنساء.
أهـ • وقال على بن أبي طالب - رضي الله عنه -: دّعْ ذِكْرِهِنَّ فما لهن وفاءُ: ريحُ الصبا وعهودهن وفاء.
(7) ومن الأدوية التي تزهدك في المعاصي أن يصور الإنسان انقضاء غرضه أو يمثل غيره في مقامه ثم يتلمح عواقب الحال، أفترى يوسف عليه السلام لو زل من كان يكون أو لم يبق مدحه لِصَبْرِهِ أبد الدهر، أفترى ما سمعت بما عز، ولا شك أنه في القيمة معروف وإن كانت التوبة قد غمرت ذنبه، ولكن تلمح أنت عواقب من صبر ومن لم يصبر وأعمل فكرك في الحالتين لعل هذه العبرة تخرق حجاب الهوى فتدخل على القلب بغير إذن فتكشف هذه الغمة، فالعاقل من وزن ما يحتوي عليه العشق من لذة ونغصة فنغصه كثيرة وأذاه شديد وهو على الحقيقة يهين النفس التي لا قيمة لها وغالب لذاته محرم ثم هي مشوبة بالغموم والهموم وخوف الفراق وفضيحة الدنيا وحسرات الآخرة فيعلم الموازن بين الأمرين أن اللذة مغمورة في جنب الأذى قال الببغاء.
• ولله درُ من قال:
وأفضل الناس من لم يرتكب سببا... حتى يميز ما تجنى عواقبه
• وقال المتنبي: مما أضر بأهل العشق أنهم... هووا وما عرفوا الدنيا ولا فطنوا تفنى عيونهم دمعا وأنفسهم... في إثر كل قبيح وجهه حسن تحملوا حملتكم كل ناجية... فكل بين علي اليوم مؤتمن ما في هوادجكم من مهجتي عوض... إن مت شوقا ولا فيها لها ثمن سهرت بعد رحيلي وحشة لكم... ثم استمر مريري وارعوى الوسن
(8) ومن الأدوية التي تزهدك في المعاصي أن يعلم الإنسان علم اليقين أنه لا يكون التمكين إلا بعد أن يُمْتَحَن فيصبر.
• أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن الشافعي قال: لا يكون التمكين إلا بعد المحبة فإذا امتحن الإنسان فصبر مكن ألا ترى أن الله تعالى امتحن إبراهيم ثم مكنه وامتحن أيوب ثم مكن له فقال تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مّعَهُمْ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىَ لِلْعَابِدِينَ) [الأنبياء: 84] وامتحن سليمان ثم آتاه ملكا وكذلك يوسف عليه السلام.
• قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى:
فمن نظر في هذا فليعلم أن مدة هذا البلاء خطوات في ميدان معاملة ويا قرب النهاية فليصابر هجير الصبر فما أسرع انقضاء اليوم وليحذر من الخسران في موسم البلاء فربما ذهب أصل البضاعة وليتخايل عند صبره خيلاء فخره فليزه بها فما يوازن صبره عمل عابد ولا زهد زاهد وربما نظر إليه في تلك الحالة نظرة رضا كانت غنى الأبد وهذا كله في الصدمة الأولى فإنه ربما وقع ملل أو سلو.
(9) ومن الأدوية التي تزهدك في المعاصي أن يتفكر الإنسان فيما يفوته تشاغله بالمعاصي من الفضائل فإن أرباب اليقظة عشقهم للفضائل من العلوم والفقة والصيانة والكرم وغير ذلك من الخلال الممدوحة أوفى من ميلهم إلى شهوات الحس لأن شهوات الحس حظ النفس وتلك الخلال حظ العقل والنفس الناطقة الفاضلة إلى ما يؤثره العقل أميل وإن جرها الطبع إلى الشهوات الحسيات.
(10) ومن الأدوية التي تزهدك في المعاصي أنفة النفس الأبية أن تكون مقهورة للمعاصي فإن كل موافق للهوى يقع عليه قترة وذل لأن سلطان الهوى حاكم جائر، وعين الهوى عوراء.
(11) ومن الأدوية التي تزهدك في المعاصي... إعمال الفكر في قبح هذه الحال والإصغاء إلى سماع العظة من واعظ القلب فإنه من لم يكن له من قلبه واعظ لم تنفعه المواعظ ومن الناس من يسمع موعظة فيرعوى ومنهم من يرى غيره فينتهي ومنهم من يرى طاقة شيب فينزع.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعن جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعند رأس الصراط يقول استقيموا على الصراط ولا تعوجوا، وفوق ذلك داع يدعو كلما هم عبد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه ثم فسره فأخبر أن الصراط هو الإسلام وأن الأبواب المفتحة محارم الله وأن الستور المرخاة حدود الله والداعي على رأس الصراط هو القرآن والداعي من فوقه هو واعظ الله في قلب كل مؤمن.
فهلا استجبت ـ أخي المسلم ـ لواعظ الله في قلبك؟ وهلا حفظت حدود الله ومحارمه؟ وهلا انتصرت على عدو الله وعدوك، قال تعالى: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير [فاطر:6]
قال خالد بن معدان - رضي الله عنه - قال: ما من من عبد إلا وله عينان في وجهه يبصر بهما أمر الدنيا، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة، فإذا أراد الله بعبد خيراً، فتح عينيه اللتين في قلبه، فأبصر بهما ما وعد الله بالغيب، وإذا أراد به غير ذلك، تركه على ما فيه ثم قرأ: أم على قلوب أقفالها [محمد:24]
• أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن أبي سلمة الغنوي قلت لأبي العتاهية ما الذي صرفك عن قول الغزل إلى قول الزهد.
قال إذن والله أخبرك إني لما قلت.
الله بيني وبين مولاتي... أهدت لي الصدود والملالات
منحتها مهجتي وخالصتي... فكان هجرانها مكافاتي
هيمني حبها وصيرني... أحدوثة في جميع جاراتي
رأيت في المنام تلك الليلة كأن آتيا أتاني فقال ما أصبت أحدا تدخله بينك وبين عتبة يحكم لك عليها بالمعصية إلا الله تعالى فانتبهت مذعورا وتبت إلى الله تعالى من ساعتي من قول الغزل.
•
كيفية الوقاية من الذنوب:
للوقاية من الذنوب أعمالاً عظيمة من أجلها ما يلي:
(1) إقامة الصلاة لقوله تعالى: (اتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصّلاَةَ إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: 45]، فإذا أقام الإنسان صلاته بأن أتى بها كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها وما أمكنه من مستحباتها ومن أهم وسائل إقامتها الخشوع فيها وهو حضور القلب وعدم تحديث النفس والوساوس والهواجس، فإنها من أسباب منعه عن كبائر الذنوب وصغائرها.
(2) قراءة ما يتحصن به من الشياطين كقراءة آية الكرسي قال تعالى: (اللّهُ لاَ إِلََهَ إِلاّ هُوَ الْحَيّ الْقَيّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لّهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مّنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيّ الْعَظِيمُ) [سورة: البقرة - الأية: 255]، فإن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح،
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: وكلني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة).
قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالا فرحمته فخليت سبيله، قال: (أما إنه قد كذبك، وسيعود).
فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنه سيعود).
فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يا أباهريرة ما فعل أسيرك).
قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا، فرحمته فخليت سبيله، قال: (أما إنه كذبك، وسيعود).
فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات تزعم لا تعود، ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾.
حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما فعل أسيرك البارحة).
قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: (ما هي).
قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾.
وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة).
قال: لا، قال: (ذاك شيطان).
(3) إذا هم بالذنب فإنه يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم لقوله تعالى: قال تعالى: (وَإِماّ يَنَزَغَنّكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأعراف: 200]
وما أحسن أن تقول بصدق (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم اعصمني من الزلل ووفقني لصالح العمل).
(4) الصدقة على مساكين البيت الحرام:
مسألة: هل تجوز الصدقة على المساكين الموجودين في بيت الله الحرام؟
الصدقة في المسجد الحرام وفي غيره من الأماكن لا بأس بها.
ومن المعلوم أن أهل العلم يقولون إن الحسنة تضاعف بالمكان الفاضل.
ولكن الأمر الذي يهم المرء هو هل هؤلاء الفقراء الذين يتظاهرون بالفقر هم فقراء حقيقة؟ هذا هو الذي يشكل على المرء ولكن إذا غلب على ظن الإنسان أن هذا فقير فأعطاه فإنها مقبولة ولو تبين بعد ذلك أنه غني.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت الثابت في الصحيحين) أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال رجل لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون تُصدِّق على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون تُصدِّق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد، على زانية؟ لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته.
فوضعها في يدي غني، فأصبحوا يتحدثون تُصدِّق على غني، فقال: اللهم لك الحمد، على سارق، وعلى زانية، وعلى غني، فأُتي فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعفَّ عن سرقته، وأما الزانية: فلعلها أن تستعف عن زِناها، وأما الغني: فلعله يعتبرُ، فينفق مما أعطاه الله.
- وعليه فالصدقة على هؤلاء لا بأس بها ولو في المسجد الحرام، إلا إذا علم أن في ذلك مفسدة وأن إعطاءهم يوجب كثرتهم ومضايقتهم للناس في المسجد الحرام فحينئذٍ يتوجه بأن يقال لا يُعطون لما في هذا من السبب الموصل إلى هذا المحظور.
•
كيف أتخلص من المعاصي:
إن الله سبحانه وتعالى حين حرَّم على العبد المعاصي لم يتركه سُدى، بل أمدَّه عز وجل بما يعينه على تركها، ومن الوسائل المعينة على ذلك:
(1) تقوية الإيمان بالله عزَّ وجل والخوف منه.
(2) مراقبة الله عزَّ وجل واستحضار أنه مع العبد، وأنه يراه، وأن كل ما يعمل مُسجَّل عليه.
(3) أن يقارن بين اللذة العاجلة للمعصية والتي سرعان ما تنتهي، وبين عقوبة العاصي يوم القيامة، وجزاء من امتنع من المعصية.
(4) أن يبتعد عن الوسائل التي تعينه على المعصية: كالنظر الحرام، وأصدقاء السوء، وارتياد أماكن المعاصي.
(5) أن يحرص على مجالسة الصالحين وصحبتهم.
•
التحذير من المجاهرة بالمعصية:
إنَّ من دواعي الأسف أنه كثر في هذه الأزمان أناس لم يكتفوا بفعل المعاصي والمنكرات حتى عمدوا إلى المجاهرة بها والإفتخار بارتكابها والتحدث بذلك بغير ضرورة، والله تعالى أن يبيت الرجل يعصي.. والله يستره.. فيحدث بالذنب.. فيهتك ستر الله عليه.. يجيء في اليوم التالي ليحدث بما عصى وما عمل!!.. فالله ستره.. وهو يهتك ستر الله عليه.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح: أي لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(كل أمتي معافى) اسم مفعول من العافية وهو إما بمعنى عفى اللّه عنه وإما سلمه اللّه وسلم منه
(إلا المجاهرين) أي المعلنين بالمعاصي المشتهرين بإظهارها الذين كشفوا ستر اللّه عنهم وروي المجاهرون بالرفع ووجهه بأن معافى في معنى النفي فيكون استثناء من كلام لغو موجب والتقدير لا ذنب لهم إلا المجاهرون ثم فسر المجاهر بأنه
(وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه)
فيؤاخذ به في الدنيا بإقامة الحد وهذا لأن من صفات اللّه ونعمه إظهار الجميل وستر القبيح فالإظهار كفران لهذه النعمة وتهاون بستر الله قال النووي: فيكره لمن ابتلي بمعصية أن يخبر غيره بها بل يقلع ويندم ويعزم أن لا يعود فإن أخبر بها شيخه أو نحوه مما يرجو بإخباره أن يعلمه مخرجاً منها أو ما يسلم به من الوقوع في مثلها أو يعرفه السبب الذي أوقعه فيها أو يدعو له أو نحو ذلك فهو حسن وإنما يكره لانتفاء المصلحة وقال الغزالي: الكشف المذموم إذا وقع على وجه المجاهرة والاستهزاء لا على السؤال والاستفتاء بدليل خبر من واقع امراته في رمضان فجاء فأخبر المصطفى صلى اللّه عليه وسلم فلم ينكر عليه.
• قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
هناك قسم ثالث فاسق مارد ماجن، يتحدث بالزنى افتخاراً والعياذ بالله، يقول: إنه سافر إلى البلد الفلاني، وإلى البلد الفلاني، وفجر وفعل وزنى بعدة نساء، وما أشبه ذلك، يفتخر بهذا.
هذا يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ لأن الذي يفتخر بالزنى مقتضى حاله أنه استحل الزنى والعياذ بالله، ومن استحل الزنى فهو كافر." شرح رياض الصالحين" (1/ 116)
ولا شك أن المعاصي درجات والإثم يتفاوت فيها بحسب حال العاصي أثناء المعصية وحاله بعدها، فليس المتخفي بمعصيته المستتر بها كالمجاهر، وليس النادم بعدها كالمفتخر بها.
• قال ابن القيم رحمه الله:
وبالجملة فمراتب الفاحشة متفاوتة بحسب مفاسدها، فالمتخذ خدناً من النساء والمتخذة خدناً من الرجال أقل شرّاً من المسافح والمسافحة مع كل أحدٍ، والمستخفي بما يرتكبه أقل إثماً من المجاهر المستعلن، والكاتم له أقل إثماً من المخبِر المحدِّث للناس به، فهذا بعيد من عافية الله تعالى وعفوه كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كل أمتي معافى إلا المجاهرين... ".
" إغاثة اللهفان " (2/ 147).
الخدن والخدنة: العشيق والعشيقة.
والأصل: أن يُعقب المسلمُ ذنبه بتوبة واستغفار وندم وعزم على عدم العوْد لها، لا أن يُعقبها بافتخار ومجاهرة وحديث بها.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن العبد إذا أخطاء خطيئة نُكِتَت في قلبه نكته سوداء فإن هو نزع و استغفر و تاب صقل قلبه وإن عاد زيد فيها حتى تعلو على قلبه و هو الران الذي ذكر الله تعالى فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه (كَلاّ بَلْ رَانَ عَلَىَ قُلُوبِهِمْ مّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) [المطففين: 14].
•
مفاسد المجاهرة بالمعاصي:
(1) أنها استخفاف بأوامر الله عز وجل ونواهيه.
(2) أنها تؤدي إلى إلفِ المعصية واعتياد القبائح واستمرائها وكأنها أمور عادية لا شيء فيها.
(3) أنها بمثابة دعوة للغير إلى ارتكاب المعاصي وإشاعة الفساد ونشر للمنكرات.
(4) أنها ربما أدت إلى استحلال المعصية فيكفر بذلك والعياذ بالله.
(5) أنها دليل على سوء الخلق والوقاحة وقلة أدب صاحبها.
(6) أنها دليل على قسوة القلب واستحكام الغفلة من قلب المجاهر.
• صورٌ من المجاهرة بالمعاصي والعياذ بالله:
إن صور المجاهرة بالمعاصي ـ في هذا العصر ـ كثيرة جداً، لا يمكن استقصاؤها في هذه العجالة، غير أننا نشير إلى أمثلة من ذلك، وهاك بعض صور المجاهرة بالمعاصي:
• هذا رجل يتحدث أمام الملأ عن سفرته وما تخللها من فسق وفجور، فيتفاخر بذلك في المجالس ويحسب أن ذلك من الفتوة وكمال الرجولة، وهو - والله - من الذلة والمهانة وضعة النفس وخبث الباطن وضعف الإيمان جداً وقسوة القلب.
• وهذا شاب يتحدث عن مغازلاته ومغامراته..
• وهذه فتاة تتحدث عن علاقاتها الآثمة عبر الهاتف..
• وهذا صاحب عمل يعطي زملائه دروسا مجانية في ظلم العمال وأكل أموالهم..
• وهذا عامل يكشف ستر الله عليه فيتحدث عن سرقته لصاحب العمل ويعلم أصدقائه بعض الحيل في ذلك.
• ومنها الدعوة إلى وحدة الأديان وتصحيح عقائد الكفر.
• ومنها الاحتفال بأعياد الكفار وإعلان ذلك في الصحف والمجلات والقنوات مثل الاحتفال بالكريسمس وعيد الحب وعيد الأم وغيرها.
• ومنها خروج المرأة أمام الملأ متعطرة ومتزينة.
• ومنها خروج المرأة وهي تلبس العباءة القصيرة أو المزركشة أو الشفافة، أو تلبس البنطال أو الكعب العالي وتجاهر بذلك أمام الملأ.
• ومنها خلوة المرأة بالسائق الأجنبي أمام الملأ، وكذلك خلوتها بالبائعين في الأسواق والمحلات التجارية.
• ومنها ممارسة عادة التدخين أمام الملأ.
• ومنها إسبال الثياب للرجال.
• ومنها حلق اللحى، والمجاهرة تشمل الحالق والمحلوق.
• ومنها قص الشعر على مثال أهل الكفر.
• ومنها تشبه النساء بالرجال والرجال بالنساء.
• ومنها سفر المرأة وحدها بدون محرم.
• ومنها ترك الرجال لصلاة الجماعة بدون عذر.
• ومنها لبس الرجال للذهب والحرير.
• ومنها السباب واللعن عمدا أمام الملأ.
• ومنها تعاطي بعض الشباب - هداهم الله - أنواع المعاكسات في الأسواق والشوارع والحدائق وأماكن الترفيه وغيرها.
• ومنها لبس الشباب للشورت الذي يظهر الفخذين والسير به في الشوارع، وكذلك لبس السلاسل والفانيلات التي عليها صور خليعة.
• ومنها إتلاف السيارات بالتفحيط والتطعيس.
• ومنها الإفطار في رمضان عمدا أمام الملأ بدون عذر.
• ومنها مزاولة أنشطة تجارية محرمة كالبنوك الربوية ومحلات أشرطة الغناء ومحلات الشيشة والجراك وغيرها.
• ومنها قيام بعض الشباب بالضرب على آلات الطرب والموسيقى في البر أو في المنتزهات وغيرها.
• ومنها إزعاج الناس بأصوات المغنين والمغنيات عبر الراديو أو التلفاز.
• ومنها استخدام بعض الكتاب الصحف والمجلات منبرا للطعن في الإسلام والمسلمين.
• ومنها الغيبة والنميمة؛ لأنها لا تكون عادة إلا أمام الملأ.
• ومنها السخرية والاستهزاء بأهل الدين والعفاف من الرجال و النساء، ووسمهم بالتخلف والرجعية.
هذه إرشادات سريعة وعلى مثلها فقس، والحر تكفيه الإشارة، وليس المطلوب هو ترك المجاهرة بالمعاصي فقط، ولكن المطلوب هو ترك المعاصي كلها ولو سراً، لأنها قبيحة العواقب، سيئة المنتهى.
باب ذم الهوى والشهوات:
• عناصر الباب: •
تعريف الهوى:
•
مدح مخالفة الهوى:
•
استحباب مخالفة الهوى وإن كان مباحاً:
وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: • تعريف الهوى:
مسألة: ما هو الهوى؟
• قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى:
الهوى: ميل الطبع إلى ما يلائمه، وهذا الميل قد خُلِقَ في الإنسان لضرورة بقائه فإنه لولا ميله إلى المطعم ما أكل وإلى المشرب ما شرب وإلى المنكح ما نكح، وكذلك كل ما يشتهيه فالهوى مستجلب له ما يفيد كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذى فلا يصلح ذم الهوى على الإطلاق وإنما يذم المُفْرِطُ من ذلك وهو ما يزيد على جلب المصالح ودفع المضار.
ولما كان الغالب من موافق الهوى أنه لا يقف منه على حد المنتفع أطلق ذم الهوى والشهوات لعموم غلبة الضرر لأنه يبعد أن يفهم المقصود من وضع الهوى في النفس وإذا فهم تعذر وجود العمل به وندر مثاله أن شهوة المطعم إنما خلقت لاجتلاب الغذاء فيندر من يتناول بمقتضى مصلحته ولا يتعدى فإن وجد ذلك انغمر ذكر الهوى في حق هذا الشخص وصار مستعملا للمصالح وأما الأغلب من الناس فإنهم يوافقون الهوى فإن حصلت مصلحة حصلت ضمنا وتبعا فلما كان هذا هو الغالب ذكرت في هذا الباب ذم الهوى والشهوات مطلقا ووسمت كتابي ب (ذم الهوى) لذلك المعنى.
وقد روى عن ابن عباس أنه قال ما ذكر الله تعالى الهوى في موضع من كتابه إلا ذمه وقال الشعبي إنما سمي هوى لأنه يهوى بصاحبه.
- وقال أيضاً: واعلم أن الهوى يسري بصاحبه في فنون ويخرجه من دار العقل إلى
دائرة الجنون.
وقد يكون الهوى في العلم فيخرج بصاحبه إلى ضد ما يأمر به العلم.
وقد يكون في الزهد فيخرج إلى الرياء.
• مدح مخالفة الهوى:
• قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه المواعظ:
لله درُّ نفس تطهرت من أجناس هواها، وتجلببت جلباب الصَّبر عند دنياها، وشغلها ما رأى قلبها عما رأت عيناها، وإن مالت إلى الدنيا نهاها نُهاها، وإن مالت إلى الهوى شفاها شفاها، سهرت تطلب رضا المولى فرضي عنها وأرضاها، وقامت سوق المجاهدة على سوق هداها، فباعت حرصها بالقناعة فظفرت بغناها، وفوقت سهام العزائم إلى أهداف المحارم تبتغي علاها، ورمت نجائب الأسحار فساقها حادي الاستغفار إذ عناها، وقطعت بيداء الجد بآلة المستعد فبلغت مُنَاها، فمن أجلها ينزل القطر وينبت الزرع من جزاها، ولولاها لم تثبت الأرض بأهل دنياها، وما أعطَى الصَبابَة ما استَحقَت عَليهِ ولا قَضَى حق المنازل ملاحظها بعين غُرِّى غيري وزائراها بجسم غير ناحل.
• مدح الله تعالى مخالفة الهوى فقال تعالى: (وَأَمّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى النّفْسَ عَنِ الْهَوَىَ فَإِنّ الْجَنّةَ هِيَ الْمَأْوَىَ) [النازعات 40: 41]
قال المفسرون: هو نهي النفس عما حرم الله عليها.
وقال مقاتل: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها.
قال تعالى: (وَاتّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) [الأعراف: 176] وقال تعالى: (وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) [الكهف: 28]
وقال تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتّخَذَ إِلََهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً) [الفرقان: 43] وقال تعالى: (بَلِ اتّبَعَ الّذِينَ ظَلَمُوَاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلّ اللّهُ) [الروم: 29]
وقال تعالى: (فَإِن لّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَاعْلَمْ أَنّمَا يَتّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَنْ أَضَلّ مِمّنْ اتّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ اللّهِ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ) [القصص: 50]
قال بعض الحكماء: «الهوى ملك عسوف وسلطان ظالم دانت له القلوب وانقادت له النفوس.»
وقال آخر: إن لكل شيء أبا جاد وإن أبا جاد الحكمة طرد الهوى ووزن الأعمال.
• قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه اللطائف:
الناسُ مِنَ الهَوى عَلى أَصنافِ هَذا ناقِضُ العَهدِ وَهَذا وافي، هَيهَات مِنً الكُدورِ تَبغي الصافي، ما يَصلُحُ لِلحَضرَةِ قَلبٌ جافي.
• وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه المواعظ:
قال تعالى: (وَأَمّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى النّفْسَ عَنِ الْهَوَىَ فَإِنّ الْجَنّةَ هِيَ الْمَأْوَىَ) [النازعات 40: 41]
والمراد بالهوى هنا: ما يهوى العبد من المحارم فيذكر مقامه للحسنات.
واعلم: أن من تفكر عند إقدامه على الخطيئة في نظر الحق إليه رده فكره خجلاً مما هم به، فالناس في ذلك على مراتب فمنهم من يتفكر عند جولان الهم بالذنب فيستحي من مساكنة ذلك الخاطر وهذا مقام أهل الصفا، ومنهم من قويت أسباب غفلته فهو ساكن ذلك الهم إلا أنه لا يعزم عليه، ومنهم من يعزم لقوة غفلته فهو يستسقي إقدامه فيما عزم عليه ومنهم من زاد على ذلك بمقارنته المحظور ومداناته ثم تدركه اليقظة وإنما يكون هذا على مقدار تكاثف الغفلة وقلتها فيفكر عند خاطره في عظمته من قد علم وعند يقظه في جلال من قد سمع وعند فعله في عزة من قد رأى وهذا الفكر إنما نبت عن إصرار راسخ من الإيمان في القلب راعاه الحق إليه حذار علته ومعاملة صادقة في الخلوة.
مسألة: ما هو التفسير الشرعي للغفلة عن التذكرة والسعي على جادة الهوى؟
• قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه المواعظ:
الغفلة عن التذكرة والسعي على جادة الهوى غشي على القلب وران عليه، فإذا هم بخطيئة أو قاربها اقتلب مراعاة الحق إليه: خذ مراعاته بحق الحق قبل ذلك كما قال تعالى: (فَلَوْلاَ أَنّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [الصافات 143: 144]
وقال (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً) [الكهف: 82] وكما في الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة.
فما ينفر طائر قلبه من (وسخ العزم على الذنب) ثم عام في (بحر الحياة) خجلاً مما هَمَّ به يخرج نقياً بعد الوسخ طاهراً بعد النجس لأن الأصل محفوظ بالصدق ومرهون بالإيمان، ولولا لطف الحق لكشف حجب الغفلة لبراقع الذنب غير أنه أراه برهان الهدى فرجع وأقام له هاتف التقوى فخشع، والقلوب تحن إلى ما اعتادت وألفت وتنازع إلى ما مرنت عليه وعرفت 0
•
استحباب مخالفة الهوى وإن كان مباحاً:
• قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى: قد كان أهل الحزم يعودون أنفسهم مخالفة هواها وإن كان مباحا، ليقع التمرين للنفس على ترك الهوى مطلقا وليطلب الأرباح في المعاملة بترك المباح.
• أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن عبد الله بن أبي عثمان قال كان عبد الله بن عمر اعتق جاريته التي يقال لها رميثة وقال إني سمعت الله قال في كتابه (لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىَ تُنْفِقُواْ مِمّا تُحِبّونَ) [آل عمران: 92] وإني والله إن كنت لأحبك في الدنيا اذهبي فأنت لوجه الله.
باب استحضار سنة الجزاء من جنس العمل:
﴿تنبيه﴾:• اعلم رحمك الله تعالى أن من أنفعِ الدروس في تزكية النفوس «استحضار سنة الجزاء من جنس العمل» لأنه بمثابة حافز للإنسان على فعل الخير ورادعاً له عن الشر، لأنه يضع نصب عينيه أن الجزاء من جنس العمل إن خيراً فخير وإن شراً فشر، فمن زرع خيراً حصد خيراً، ومن زرع الشوك لا يجني عنباً.
• عناصر الفصل:
•
أثر استحضار قاعدة الجزاء من جنس العمل في ترقيق القلب:
•
تأصيل سنة الجزاء من جنس العمل:
• الأدلة على سنة الجزاء من جنس العمل: • الثواب والعقاب من جنس العمل: • العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس من جنسها: • أروع القصص للجزاء من جنس العمل: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل:
• أثر استحضار قاعدة الجزاء من جنس العمل في ترقيق القلب:
إن الله عز وجل قد أودع هذا الكون «سننا ثابتة لا تتغير ولا تتبدل»، يُنسج على منوالها نظام هذه الحياة، فالعاقل اللبيب من يساير سنن الله ولا يصادمها، ومن أَجَلِّ هذه القواعد والسنن العظيمة أن الجزاء من جنس العمل.
فجزاء العامل من جنس عمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر: (جَزَاءً وِفَاقاً) (النبأ:26)، فمن زرع خيراً حصد خيراً، ومن زرع الشوك لا يجني عنباً.
ولو وضعنا هذه القاعدة نصب أعيننا لزجرتنا عن كثير من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي ذر رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كما لا يُجْتَنَى من الشوك العنب كذلك كذلك لا يُنْزَلُ الفُجَارُ مَنَازِلَ الأبرار، وهما طريقان فأيهما أخذتم أدركتم إليه.
﴿تنبيه﴾:• إن العلم بهذه القاعدة هو في المقام الأول دافعٌ للأعمال الصالحة، رادعٌ عن الظلم، زاجر للظالمين ومواس للمظلومين.
فلو استحضر الظالم الباغي عاقبة ظلمه وأن الله عز وجل «سيسقيه من نفس الكأس عاجلا أو آجلا» لكف عن ظلمه وتاب إلى الله وأناب، ولعل هذا المعنى هو ما أشار إليه سعيد بن جبير رحمه الله حين قال له الحجاج: [اختر لنفسك أي قتلة تريد أن أقتلك، فقال: بل اختر أنت لنفسك يا حجاج؛ فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها يوم القيامة].
• فلو أن هذا الذي يهدر الدم الحرام بغير حق تدبر الحكمة القائلة: بشر القاتل بالقتل لأحجم عن فعلة عاقبتها الهلكة، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.
• ولو أن هذا الفاجر المستهتر الذي يعبث بحرمات الناس وينتهك أعراضهم علم أن عدل الله قد يقضي أن يسلط على عرض أمه أو أخته أو زوجته أو ابنته من لا يتقي الله فيه، فينال منه كما نال هو من عرض أخيه لانتهى وانزجر.
• ولله درُ من قال:
يا هاتكا حرم الرجال وقاطعا... سبل المودة عشت غير مكرم
لو كنت حراً من سلالة ماجد... ما كنت هتاكا لحرمة مسلم
من يَزن يُزن به ولو بجداره... إن كنت يا هذا لبيبا فافهم
من يزن في بيت بألفي درهم... ففي بيته يزنى بغير الدرهم
• ولو أن الوصي على مال اليتيم سَوَّلَ له الشيطان أكله بالباطل فاستحضر قول الله تعالى: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) (النساء:9).
لاتقى الله في مال اليتامى ولحافظ عليهم وعلى أموالهم حتى يحفظ الله ذريته من بعده (جَزَاءً وِفَاقاً).
إن اليقين بهذه القاعدة من قواعد نظام الكون لَيَمْنَح وقوداً إيمانياً عجيباً لمن سلك سبيل الله تعالى فوجد عقبات أو منغصات أو اضطهادات أو ظلما واستضعافا فيؤزه هذا اليقين بتلكم القاعدة على الصبر والثبات وثوقاً بموعود الله الذي يمهل ولا يهمل، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله تعالى لَيملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: ﴿وَكَذالِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود:102]
•
تأصيل سنة الجزاء من جنس العمل:
إن الجزاء من جنس العمل «سنة ثابتة من سنن الله في خلقه لا تتغير ولا تتبدل»، ولهذا أخبرنا ربنا تبارك وتعالى في كثير من الآيات القرآنية أنه يعامل خلقه بجنس عملهم، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا، فقال سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 123]. وقال تعالى وتقدس: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7،8] وقال الحق جل في علاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس:44] وقد نص الله تعالى على ذلك في أكثر من مائة موضع، نحو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [الفتح: 10]، وقوله جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: 23] وقوله جل ثناؤه: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43] ، وقوله عز سلطانه: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 39] وقوله جل شأنه: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ [يونس: 27] وهذا مظهر من مظاهر العدل الإلهي في الدنيا والآخرة.
- والجزاء من جنس العمل منه ما يكون في الدنيا، ومنه ما يكون في الآخرة ومنه ما يكون في التشريع: • أمثلة للجزاء من جنس العمل في الدنيا:
(1) تسليط الظالمين بعضهم على بعض: يقول الحق جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: 129] (2) إهلاك المكذبين الذين يؤذون رسل الله وأولياءه: يقول الله جل ثناؤه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: 14،13]
ويقول الباري جل وعلا: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: 5] ويقول عز سلطانه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 76] (3) معاملة المنافقين والكافرين بجنس ما يعاملون به الحق والمؤمنين:
قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: 79]
فالسخرية من المنافقين والكافرين تكون بالطبع على قلوبهم، وبإمهالهم في غيهم وطغيانهم يعمهون.
وقال الله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 67]
ومن نسيه الله كان الضلال حليفه، والشر مأربه، وجهنم منزله.
(4) نصر الله للمؤمنين في الدنيا منوط بنصرهم لدين الله تعالى وسعيهم لإعلاء كلمته ونصرتهم لبعضهم بعضا:
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]
وقال جلت عظمته: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج:40]
(حديث جابر في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما من امرئ يخذُل امرءاً مسلما في موطن يُنْتَقَصُ فيه من عِرْضِهِ و يُنْتَهَكُ فيه من حُرْمَتِهِ إلا خَذَلَه الله تعالى في مَوْطِنٍ يُحِبُ فيه نُصْرتِه و ما من أحد ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه و ينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته.
(حديث المستورد رضي الله عنه الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من أكل برجل مسلم أكله فإن الله يطعمه مثلها من جهنم ومن كسي ثوبا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة.