فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 353-392

كتاب الرقائق

صفحات 353-392
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
(ب) استصغار الذنب: فإن الذنب كلما استعظمه العبدُ صَغُر عند الله تعالى وكلما استصغره العبد كَبُر عند الله؛ فإن استعظامه يصدر عن نفور القلب منه، وكراهيته له.
وإنما يعظم الذنب في قلب المؤمن؛ لعلمه بجلال الله تعالى فإذا نظر إلى عظمة من عصى رأى الصغيرة كبيرة.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: إنكم لتعملون أعمالاً، هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الموبقات.
والحاصل أنه لا يجوز للمؤمن أن يستهين بذنب مهما صغُر؛ فإن امرأة دخلت النار في هرة.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض.
(وقال بلال بن سعد رحمه الله تعالى: =لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت 1. (وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: بقدر ما يصغر عندك الذنب يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله 2. (وقال الأوزاعي رحمه الله تعالى: =كان يقال: إن من الكبائر أن يعمل الذنب فيحتقره 3. (جـ) الفرح بالمعصية: كأن يفرح بفعلها، ويتمدح بها، كما يقول: أما رأيتني كيف مزقت عرض فلان، وذكرت مساويه حتى خَجَّلْته، أو أن يقول التاجر: أما رأيت كيف روَّجت عليه الزائف، وكيف خدعته، وغبنته؛ فهذا وأمثاله تكبر به المعاصي؛ فكلما غلبت حلاوة المعصية عند العبد كبرت، وعظم أثرها.
(د) الاغترار بحلم الله: وستره، وإمهاله إياه، وهو لا يدري أن ذلك قد يكون مقتاً؛ ليزداد بالإمهال إثماً.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث عقبة ابن عامر الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيمٌ على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج.
(قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: ما من عبد أطلق نفسه في شيء ينافي التقوى وإن قلَّ إلا وجد عقوبته عاجلة أو آجلة.

ومن الاغترار أن تسيء، فترى إحساناً؛ فتظن أنك قد سومحت، وتنسى (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) [النساء: 123] 1 (وقال أيضاً: =واعلم أنه من أعظم المحنِ الاغترارُ بالسلامة بعد الذنب؛ فإن العقوبة تتأخر، ومن أعظم العقوبة ألا يحس الإنسان بها، وأن تكون في سلب الدين، وطمس القلوب، وسوء الاختيار للنفس، فيكون من آثارها سلامة البدن، وبلوغ الأغراض 2. (وقال الغزالي رحمه الله تعالى: واعلم أنه لا يذنب العبد ذنباً إلا ويَسْوَدُّ وجه قلبه، فإن كان سعيداً أُظهر السواد على ظاهره؛ لينزجر، وإن كان شقياً أخفي عنه؛ حتى ينهمك، ويستوجب النار 3. (هـ) أن يكون المذنب ممن يُقْتَدى به: فإذا عُلِمَ منه الذنب كبر عند الله، لأنه مُتَّبَعٌ عليه، فيموت، ويبقى شره مستطيراً؛ فطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوب؛ فعلى من يُقتدى به وظيفتان: إحداها: ترك الذنب، والثانية: إخفاؤه إذا أتاه.
وكما تتضاعف أوزار هؤلاء إذا اتبعوا على الذنوب كذلك تتضاعف حسناتهم إذا اتبعوا على الخير.
قال تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيما) [الأحزاب: 30،31] (ارتكاب الذنوب لا يُسَوِّغُ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله:

كثيرٌ من الناس إذا قصَّر في الطاعة، أو وقع في المعصية ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله؛ بحجة أنه مُقَصِّر، وأنه يفعل خلاف ما يأمر به، وأنه يخشى أن يدخل في الوعيد لمن دعا وترك ما يدعو إليه كما في قوله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ) [البقرة: 44]، وقوله: (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) [الصف: 3] وهذا خطأ يجب على المسلم أن يحذره ويتجنبه؛ فترك أحد الواجبين ليس مسوغاً لترك الآخر، والذم الوارد في النصوص إنما هو لترك المعروف، لا للأمر بالمعروف.

قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة:77،78] فانظر كيف نعى الله عليهم ترك التناهي مع أنهم مشتركون في المنكر؛ فلا يجوز للمسلم أن يجمع بين إساءتين، وإلا لتعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(قال ابن حزم رحمه الله تعالى: ولو لم يَنْهَ عن الشر إلا من ليس فيه شيء منه، ولا أمر بالمعروف إلا من استوعبه لما نهى أحد عن شر، ولا أمر بخير بعد النبي" 1. (وقال النووي رحمه الله تعالى: قال العلماء: ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال، ممتثلاً ما يأمر به، مجتنباً ما ينهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مُخِلاً بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبساً بما ينهى عنه؛ فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه، وينهاها، ويأمر غيره، وينهاه؛ فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر؟ 2. (قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف، ولا نهى عن منكر 3. (قال الإمام مالك رحمه الله تعالى معلقاً على قول سعيد بن جبير: وصدق سعيد؛ ومن ذا الذي ليس فيه شيء 4. (وقال الحسن لمُطَرّف بن عبد الله رحمهما الله تعالى: عظْ أصحابك.
فقال: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل! قال: يرحمك الله، وأيُّنا يفعل ما يقول؟ يود الشيطان أنه قد ظفر منا بهذا؛ فلم يأمر أحد بمعروف، ولم ينه أحد عن منكر 5. (وقال الطبري رحمه الله تعالى: وأما من قال: لا يأمر بالمعروف إلا من ليست فيه وصمة، فإن أراد أنه الأوْلى فجيِّد، وإلا فيستلزم سد باب الأمر بالمعروف إذا لم يكن هناك غيره 6.

(وعلى هذا فعلى من وقع في معصية، أو قصَّر في طاعة ألا يدع الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله حسب قدرته واستطاعته؛ فلربما اهتدى على يده عاص، أو أسلم كافر، أو تسبب في ذلك؛ فكان له من الأجر مثل ما لهم من غير أن ينقص ذلك من أجورهم.
ولا يفهم مما سبق أنه لا بأس في ترك المعروف وفعل المنكر للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر.
بل يجب عليه فعل المعروف، وترك المنكر؛ لأنه يعرض نفسه لغضب الله عند التساهل في هذا.
بل ينبغي له أن يكون أولَ ممتثل لما يأمر به، وأولَ مُنْتَهٍ عما ينهى عنه.
وغاية ما في الأمر أن فعل المعروف، وترك المنكر ليس شرطاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فلا يقال لمن أمر بالمعروف، ولم يفعله أو نهى عن المنكر، وفعله: لا تأمر بالمعروف، ولا تنهَ عن المنكر، وإنما يقال له: داوم على أمرك ونهيك، واتق الله فيما تأتي وما تذر 1. وإذا كان هذا في شأن من هو عاص أو مقصر فكيف إذا كان الشخص ذا علم، وصلاح وهو مقصر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ فعليه أن يتوب من ذلك، وأن يستدرك ما فات؛ لأن الله سائله عن علمه ماذا عمل به، قال تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [هود: 7] (كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من أطاعه فهو عالم:

قال الله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) [النساء: 17] (قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وعمل السوء إذا انفرد يدخل جميع السيئات صغيرها وكبيرها.
والمراد بالجهالة الإقدام على السوء وإن علم صاحبه أنه سوء؛ فإن كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من أطاعه فهو عالم، وبيانه من وجهين: أحدهما: أن من كان عالماً بالله تعالى وعظمته وكبريائه وجلاله فإنه يهابه، ويخشاه؛ فلا يقع منه مع استحضار ذلك عصيانُه كما قال بعضهم: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى ما عصوه.
وقال آخر: كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار به جهلاً.

والثاني: أن من آثر المعصية على الطاعة فإنما حمله على ذلك جهله، وظنه أنها تنفعه عاجلاً باستعجال لذتها، وإن كان عنده إيمان؛ فهو يرجو التخلص من سوء عاقبتها، والتوبة في آخر عمره.
وهذا جهل محض؛ فإنه تعجل الإثم والخزي، ويفوته عز التقوى، وثوابها، ولذة الطاعة.
وقد يتمكن من التوبة بعد ذلك، وقد يعاجله الموت بغتة، فهو كجائع أكل طعاماً مسموماً لدفع جوعه الحاضر، ورجا أن يتخلص من ضرره بشرب الدرياق 1 بعده، وهذا لا يفعله إلا جاهل.
وقد قال تعالى في حق الذين يؤثرون السحر: (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [البقرة: 102،103] والمراد أنهم آثروا السحر على التقوى والإيمان؛ لما رجوا فيه من منافع الدنيا المعجلة مع علمهم أنهم يفوتهم بذلك ثواب الآخرة.
وهذا جهل منهم؛ فإنهم لو علموا لآثروا الإيمان والتقوى على ما عداهما، فكانوا يحرزون أجر الآخرة، ويأمنون عقابها، ويتعجلون عز التقوى في الدنيا، وربما وصلوا إلى ما يأملونه أو إلى خير منه وأنفع؛ فإن أكثر ما يطلب بالسحر قضاءُ حوائجَ محرمةٍ أو مكروهة عند الله عز وجل.
والمؤمن المتقي يعوضه الله في الدنيا خيراً مما يطلبه الساحر ويؤثره مع تعجيله عز التقوى وشرفها، وثواب الآخرة وعلو درجاتها؛ فتبين بهذا أن إيثار المعصية على الطاعة إنما يحمل عليه الجهل؛ ولذلك كان كل من عصى الله جاهلاً، وكل من أطاعه عالماً، وكفى بخشية الله علماً، وبالاغترار به جهلاً 2. (من أخفى خبيئة ألبسه الله ثوبها:

هذه مسألة عظيمة؛ فمن أخفى خبيئة ألبسه الله ثوبها، ومن أضمر شيئاً أظهره الله عليه، سواء كان ذلك خيراً أو شراً؛ فالجزاء من جنس العمل، (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) [النساء: 123]

(قال أبو حازم رحمه الله تعالى: لا يُحْسِن عبد فيما بينه وبين الله تعالى إلا أحسن الله فيما بينه وبين العباد، ولا يُعَوِّر 1 فيما بينه وبين الله تعالى إلا عوَّر الله فيما بينه وبين العباد، ولَمُصَانَعَةُ وجه واحد أيسر من مصانعة الوجوه كلها؛ إنك إذا صانعت الله مالت الوجوه كلُّها إليك، وإذا أفسدت ما بينك وبينه شنأتك 2 الوجوه كلها 3. (وقال المعتمر بن سليمان رحمه الله تعالى: إن الرجل يصيب الذنب في السر، فيصبح وعليه مذلته 4. (قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: نظرت في الأدلة على الحق سبحانه وتعالى فوجدتها أكثر من الرمل، ورأيت من أعجبها: أن الإنسان قد يخفي ما لا يرضاه الله عز وجل فيظهره الله سبحانه عليه ولو بعد حين، وينطق الألسنة به، وإن لم يشاهده الناس.
وربما أوقع صاحبَه في آفة يفضحه بها بين الخلق؛ فيكون جواباً لكل ما أخفى من الذنوب، وذلك؛ ليعلم الناس أن هنالك من يجازى على الزلل، ولا ينفع من قَدَره وقدرته حجاب ولا استتار، ولا يضاع لديه عمل.
وكذلك يخفي الإنسان الطاعة، فتظهر عليه، ويتحدث الناس بها، وبأكثر منها، حتى إنهم لا يعرفون له ذنباً، ولا يذكرونه إلا بالمحاسن؛ لِيُعْلَمَ أن هنالك ربَّاً لا يُضيع عَمَلَ عامل.
وإن قلوب الناس لَتَعْرِفُ حال الشخص، وتحبه، أو تأباه، وتذمه، أو تمدحه وفْقَ ما يتحقق بينه وبين الله_تعالى_فإنه يكفيه كلَّ همٍّ، ويدفع عنه كل شر.
وما أصلح عبد ما بينه وبين الخلق دون أن ينظر إلى الحق إلا انعكس مقصوده، وعاد حامده ذامَّاً 5. (وقال أيضاً: إن للخلوة تأثيراتٍ تَبيْنُ في الجلوة؛ كم من مؤمن بالله عز وجل يحترمه عند الخلوات، فيترك ما يشتهي؛ حذراً من عقابه، أو رجاءً لثوابه، أو إجلالاً له؛ فيكون بذلك الفعل كأنه طرح عوداً هنديَّاً على مجمر، فيفوح طيبه، فيستنشقه الخلائق، ولا يدرون أين هو.
وعلى قدر المجاهدة في ترك ما يهوى تقوى محبتُه، أو على مقدار زيادة دفع ذلك المحبوب المتروك يزيد الطيب، ويتفاوت تفاوتَ العود.
فترى عيون الخلق تعظِّم هذا الشخص، وألسنتهم تمدحه، ولا يعرفون لِمَ، ولا يقدرون على وصفه؛ لبعدهم عن حقيقة معرفته.

وقد تمتد هذه الأراييح 1 بعد الموت على قدرها؛ فمنهم من يذكر بالخير مدة مديدة ثم ينسى، ومنهم من يذكر مائة سنة ثم يخفى ذكره، وقبره، 2 ومنهم أعلام يبقى ذكرهم أبداً.
وعلى عكس هذا من هاب الخلق، ولم يحترم خلوته بالحق فإنه على قدر مبارزته بالذنوب، وعلى مقادير تلك الذنوب_يفوح منه ريح الكراهة، فتمقته القلوب.
فإن قلَّ مقدار ما جنى قل ذكر الألسن له بالخير، وبقي مجرد تعظيمه.
وإن كثر كان قصارى الأمر سكوت الناس عنه لا يمدحونه، ولا يذمونه.
وربَّ خالٍ بذنب كان سبب وقوعه في هُوَّة شِقْوة في عيش الدنيا والآخرة، وكأنه قيل له: ابق بما آثرت؛ فيبقى أبداً في التخبيط.
فانظروا إخواني إلى المعاصي أثَّرت، وعَثَّرت.
(قال أبو الدرداء رحمه الله تعالى: إن العبد ليخلو بمعصية الله تعالى فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر.
فتلمحوا ما سطرته، واعرفوا ما ذكرته، ولا تهملوا خلواتكم ولا سرائركم؛ فإن الأعمال بالنية، والجزاء على مقدار الإخلاص 3. (وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: إنه بقدر إجلالكم لله عز وجل يجلكم، وبمقدار تعظيم قدره واحترامه يعظم أقداركم وحرمتكم.
ولقد رأيت والله من أنفق عمره في العلم إلى أن كَبِرت سنُّه، ثم تعدى الحدود، فهان عند الخلق، وكانوا لا يلتفتون إليه مع غزارة علمه، وقوة مجاهدته.
ولقد رأيت من كان يراقب الله عز وجل في صبوته مع قصوره بالإضافة إلى ذلك العالم فَعَظَّم اللهُ قدره في القلوب، حتى عَلِقَتْهُ، ووصفته بما يزيد على ما فيه من الخير.
ورأيت من كان يرى الاستقامة إذا استقام 4، وإذا زاغ مال عنه اللطف.
ولولا عموم الستر، وشمول رحمة الكريم لافتضح هؤلاء المذكورون، غير أنه في الأغلب تأديب، أو تلطف في العقاب 5. (التوبة طريق السعادة:

لا ريب أن الوقوف على سر السعادة ومعناها الحقيقي من أعظم الدوافع للتوبة النصوح، والإقبال على الله عز وجل، ذلك أن من أعظم الدوافع لفعل المعاصي وترك الطاعات هو البحث عن السعادة والراحة؛ فالعالم بأسره مؤمنه وكافره، وبره وفاجره يبتغي السعادة ويروم طرد الهم والقلق.
ولكن ما أقل من يهتدي إلى ذلك السبيل، وما أكثر من يحيد عنه يمنة ويسرة.

كل من في الوجود يطلب صيداً... غير أن الشباك مختلفات

فأكثر الناس عشيت بصائرهم أو عميت عن حقيقة السعادة وسرها الأعظم، فلا سعادة عندهم إلا سعادة المشاهير من أهل الفن، والمال، والرياضة، والوجاهة، والرياسة وغير ذلك من الأمور التي تأخذ بالألباب.
ولا يعرفون السعادة إلا بإطلاق الشهوات، والتمتع بسائر الملذات، وإذا فاتهم ذلك قالوا: على الدنيا العفاء.
هذه نظرة هؤلاء للسعادة؛ فهل تلك النظرة صائبة؟ وهل أهل الفن، والمال، والرياضة، والوجاهة، والرياسة سعداء حقَّاً؟ وهل المجتمعات التي أطلقت لنفسها الشهوات، وتمتعت بسائر الملذات سعيدة حقَّاً؟ والجواب عن ذلك إنما يكون بالنظر إلى أحوال أولئك وأقوالهم؛ لتستبين حقيقة الأمر؛ فإليك نبذة عن أحوال أولئك مع السعادة فيما يلي من أسطر: أولاً: حال أهل الفن مع السعادة:

إن أهل الفن أنفسهم من مغنين وممثلين يعرفون بأن السعادة في وادٍ وهم في وادٍ، آخر؛ فالشقاء، والتعاسة، والحرمان، والحسد، والعذاب النفسي، والخوف من السقوط، والحذر من فقدان الحظوة عند الجمهور، كل ذلك طابع حياتهم باعترافاتهم أنفسهم.
وإليك هذه النماذج من أحوال أهل الفن: 1 أسمهان: هذا هو الاسم الفني الذي اشتهرت به المطربة الفنانة السورية آمال الأطرش، تلك المرأة التي تربت عند أهلها في جبل الدروز، وبدأت حياتها الفنية وهي شابة في الغناء، فذاع صيتها واشتهرت وسط المعجبين والحاسدين.
وكانت مبهورة بالغرب لكنها لم تستطع في بداية أمرها أن تعيش مثل الغربيين؛ لأنها تربت في مجتمع محدود.
ثم انتقلت وهي صغيرة إلى مجتمع أكثر انفتاحاً وهو مجتمع القاهرة في الأربعينات الميلادية، وكانت تملك قدرة نادرة على الإغراء، وكانت طبقات صوتها تُوائِم مختلف الطبقات الموسيقية مما جعلها منافساً قوياً لأم كلثوم.
هذه المرأة عاشت حياة الشقاء، فلقد تزوجت زواجاً تعيساً، ثم انفصلت عن زوجها وابنتها وعملت لحساب الإنجليز، وكانت تطمح بهوليود.
وقصة هذه المرأة يطول ذكرها، فلقد كثر الجدال في شأنها وكتب حولها كتابات عديدة، وآخر أمرها أنها وجدت غريقة داخل سيارتها الرولس رويس في قناة متفرعة عن نهر النيل في الدلتا شمال القاهرة، وكان عمرها آنذاك اثنتين وثلاثين سنة، ولا تزال ملابسات موتها غامضة إلى يومنا هذا (1).

(2) أم كلثوم: تلك المرأة التي سموها كوكب الشرق، وقالوا: إنها ظاهرة فنية عجيبة، وقالوا: إن حبَّ العرب لها يوازي حبهم لفلسطين، وقالوا: إنها ريحانة العصر.
تلك المرأة التي طارت شهرتها في الغناء، ونظم لها الكتاب والشعراء القصائد الطوال المليئة بالهيام والغرام؛ ليسهر معها الناس حتى تباشير الصبح.
حتى لقد بلغ الأمر أن قال المذيع أحمد سعيد خلال حرب حزيران يخاطب الشعوب العربية وكأنهم أغنام، والمعركة على أشدها مع إسرائيل: بشرى يا عرب، بشرى يا عرب، فتصور الناس أن نصراً حاسماً قد حققوه.
ولكن الصدمة كانت موجعة حين سمعوا بشارته تقول: أم كلثوم معكم في المعركة.
مسخوا الحق والحقيقة لما... صار صوت الإعلام فيهم =سعيد+ يزرع البحر والهواء وعوداً... لا يبالي ألا يكون حصيدُ شرعهُ الزور والضلال =مذيعا ً+... إن يوم الهوان والذل عيدُ

وبعد نكبة حزيران غنتنا كوكب شرقنا أغنية بعنوان: ليلتي وحلم حياتي.
وقد سهرت معها شعوب من أمتنا طول الليلة حتى ثملت، وتخدرت، سهرت معها وجرح النكبة راعف ينزف، وذل الهزيمة من فوق رؤوسنا يَنْصَبُّ.
وكوكبنا تغني ولسان حالها يقول: هذه ليلتي التي أرقبها وأتمناها، هذه ليلتي التي ضاع فيها ما كان باقياً من فلسطين، وأسر فيها الأقصى، واحتلت فيها قدس الإسلام.
لقد وقفت كوكب الشرق تغني للمترفين والدمُ البريء يسيل على كل رابية، والعار الأسود يُجلِّلُ جباه المخدرين ممن راحت تصفع وجوههم وهم لا يشعرون: هذه ليلتي وحلم حياتي.
إن مما يؤلم النفس، ويفتت الكبد أن الكثير من شبابنا اتخذوا من هذه الأغاني ملاذاً ومهرباً مما يلاقون من ضنك وشدة في حياتهم مَرَدُّه بعدهم عن الله فظنوا أن ذلك ينسيهم الشقاء؛ فرددوا أغاني الفنانين والفنانات، فازدادوا شقاء فوق شقاء؛ فالسعادة التي توهموها ما هي إلا سعادة قشور، سعادة لذة عابرة مخدرة تخفي وراءها الآلام والهموم.
ثم إن فاقد الشيء لا يعطيه؛ فها هي كوكب الشرق تعيش التعاسة والشقاء، والحرمان 1. يقول الكاتب مصطفى أمين: رأيت أم كلثوم بعد أن كونت ثروة ضخمة وهي تقول: إنها مستعدة أن تدفع نصف ما تملك؛ لتأكل بيضة واحدة مرة كل يوم؛ فقد منعها الأطباء سنوات طويلة من أكل البيض الذي كانت تعشقه وتهواه.

وأذكر دائماً أن أم كلثوم كانت تقول لي دائماً: إن أيام فقرها الشديد في قريتها كانت أسعد أيامها عندها 1. أما موت هذه المرأة فقد كان عبرة للمعتبرين؛ فقد أماتها الله عضواً عضواً ولأيام؛ علَّ أدعياء الفن الخنوعين يعتبرون 2. ويا ليت هذه المسكينة لما ماتت دفنت معها سيئاتها، وإنما هي تبعث بصورة مستمرة إما عن طريق الإذاعات ووسائل الإعلام، أو عن طريق المعجبين الذين يقتنون أغانيها.
ولقد أحسن الشاعر يوسف العظم حين قال في قصيدة عنوانها: خدريهم يا كوكب الشرق: كوكب الشرق لا تذوبي غراماً... ودلالاً وحرقة وهُياما لا ولا تنفثي الضياع قصيداً... عبقرياً أو ترسلي الأنغاما فدماء الأحباب في كل بيت... تتنزى وتبعث الآلآما وجراح الأقصى جراح الثكالى... ودموع الأقصى دموع اليتامى لم تغَنّي يوم التشرد حزناً... لا ولم تدخلي علينا الخياما أو تغني لشعبنا يرقب الفجر ويغري براحتيه الظلاما... لا تغني الخيام يا كوكب الشر... ق وتسقي من راحتيه المداما ففلسطين لا تحب السكارى... وربى القدس لا تريد النياما كوكب الشرق ضاع قومي لما... تاه في حبك القطيع وهاما لو دعوتِ العربيد للزهد لبَّى... أو دعوت الزنديق للنسك صاما منحوك الإعجاب يا ويح قومي... وعلى الصدر علقوك الوساما ناوليهم من راحتيك كؤوساً... وامنحيهم من ناظريك ابتساما واجعلي الفن ردةً وضياعاً... لا أحاسيس أمة تتسامى ودَعيهم في كل واد يهيمو... ن سكارى ونكِّسي الأعلاما خدريهم باللحن يا كوكب الشر... ق وصوغي من لحنك استسلاما 3

(3) عبد الحليم حافظ: الفنان المصري الذي اشتهر بهذا الاسم، واسمه عبد الحليم شبانة، وإنما سمي بذلك، لأن مكتشفه اسمه حافظ عبد الوهاب.
هذا الفنان الذي بلغ أوج مجده في الستينات والسبعينات الميلادية، حيث حفلت به وسائل الإعلام، ورفعت من شأنه، ولقبته بألقاب كثيرة، ومن أشهرها العندليب الأسمر.
فما حال ذلك الإنسان الذي ترى الجماهير أنه يسعدها، ويزيل همومها؟.
إنه قطعة من التعاسة والشقاء؛ فهو لم يتزوج طيلة حياته، وهو مصاب بمرض البلهارسيا الذي لازمه أغلب فترات حياته حتى مات.
هذا الرجل الذي يراجع المستشفيات والأطباء كثيراً حتى لقد كان يأتي أحياناً لتجارب أغانيه يقاد بالعربة؛ حيث لا يستطيع السير على قدميه.

هذا الرجل الذي كان يسيطر عليه الحزن، حتى إنه لما سألته صحفية فرنسية عن سبب الحزن في أغانيه قال: إن الحزن عصير حياتنا.
يقول الكاتب مصطفى أمين: ورأيت عبد الحليم حافظ وهو يلعب بالذهب رأيته شقياً تعيساً معذباً محسوراً محروماً؛ لأنه لا يستطيع أن يمد يده إلى طبق الطعمية ويقول لي هامساً: من يعطيني هذه ويأخذ كل أموالي 1. هذه نبذة عن هذا الرجل الذي تعلق به الملايين من الناس حتى إن منهم من انتحر لما توفي.
والأمثلة من هذه القبيل كثيرة جداً، ولعل هذا غيضٌ من فيض ونقطةٌ من بحر فهل اعتبرت بمن رحل، أما وعظتك العبر، أما كان لك سمعٌ ولا بصر.
ثانياً: حال أهل المال مع السعادة:

هناك وهْمٌ يسيطر على كثير من الناس؛ حيث يظنون أن السعادة قائمة على المال والغنى.
والحقيقة الماثلة للعيان تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن المال وحده لا يوجد السعادة وإن كان يعين على تحققها إن كانت موجودة في الأصل؛ فإن لم تكن موجودة نابعة من أعماق النفس بسبب الرضا، والقناعة، والإيمان، وحسن التدبير فإن المال لا يوجدها؛ فالسعادة تنبع من داخل النفس أكثر مما تنبع من الظروف الخارجية من مال ونحوه.
بل إن كثيراً من الأغنياء يشقون مع أنهم غارقون في النعيم إلى الأذقان وبلغ غناهم عنان السماء، وكثيراً من الفقراء يسعدون غاية السعادة مع ما هم فيه من شظف العيش، وقلة ذات اليد.
وذلك كثير مشاهد؛ فماذا يغني المال وحده؟ ثم إن المال عرضة للزوال؛ فكم من الأغنياء من أصبحوا فقراء بين عشية وضحاها، وكم من الفقراء من أصبحوا أغنياء ما بين طرفة عين وانتباهتها؛ فما بُني على ما يتبدل فهو عرضة للزوال.
فلا يدري الفقير متى غناه... ولا يدري الغني متى يعيل

أضف إلى ذلك ما يلقاه الغني من الغم والهم في جمع المال، وخوف الخسارة، وكثرة الترحال، ونحو ذلك.
ثالثاً: حال أهل الوجاهة مع السعادة:

إذا كانت الوجاهة داعية لسخاوة الإنسان بجاهه، بحيث يبذل الجاه في سبيل الخير من نحو الشفاعات الحسنة، من إحقاق حق، ونصرة مظلوم، وإعانة الضعيف فتلك وجاهة نافعة جالبة للسعادة.
قال تعالى: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا) [النساء: 85]

وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي موسى الثابت الثابت في الصحيحين) قال، كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أتاه طالبُ حاجةٍ أقبل على جُلسائه فقال: (اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب) (أما إذا كانت الوجاهة للرياء والسمعة، ولأجل أن يتردد الذكر على الألسنة وفي المجالس، أو الصحف فإنها شقاء أيما شقاء؛ فأهلها يعانون من تبعاتها، ويلاقون الأمرَّين من ويلاتها؛ فهذه أموال تبذل فيما لا طائل تحته، ولا فائدة من ورائه، وهذه مجاملات تأخذ نصيبها من وقت الوجيه وصحته وسعادته الحقة.
ثم ما حال الوجيه إذا زلت به القدم، ونزلت به المكانة؟ إنها الحسرة والندامة إن لم يكن ذا نفس كريمة وإيمان وصبر.

رابعاً: حال أهل الرياسة مع السعادة:

وإذا أتيت إلى أهل الرياسات، وذوي المناصب العالية، والرتب الرفيعة لم تجد السعادة الحقة عندهم إلا في القليل النادر، وعند القليل منهم؛ ذلك لأنهم رؤوس، والرأس كثير الأذى، ولأن الرياسة هَمٌّ في الدنيا، وحسرة وندامة في الآخرة إن لم يقم صاحبها بحقها.
ثم إن صاحب المنصب والرياسة قلما يفارقه الهم؛ خوفاً على رياسته أن تزول، وإذا زالت بقي محسوراً معذباً يقرع سنه، ويقلب كفيه ما لم يكن ذا مروءة صادقة، وديانة حقة؛ فذلك لا تطيش به الولاية في زهو، ولا ينزل به العزل في حسرة.
وكثير من أهل الرياسة يعربون عن مدى ما يعانون، وعن قلة نصيبهم من السعادة الحقة؛ فها هو الملك حسين بن طلال الذي تربع على عرش الأردن مدة تزيد على خمس وأربعين سنة، قضى معظمها في ريعان شبابه؛ حيث تولى الملك وعمره ست عشرة سنة، وتوفي في الثالثة والستين من عمره بعد صراع مرير مع مرض السرطان، ها هو يقول في الفصل الأخير من كتابه مهنتي كملك الذي روى فيه ذكرياته، والأحداث التي مرت به في حياته حتى مرحلة السبعينات الميلادية: إنني أعتقد بأن من العسير جداً إدراك السعادة في هذه الدنيا سواء كان المرء ملكاً أم إنساناً عادياً؛ ما هي السعادة بالنسبة للأغلبية العظمى من الناس؟ إنها الحصول على عمل مغرٍ ممتع، وعلى راتب جيد، وأسرة لطيفة تستعذبها النفس، والقيام بالرحلات من وقت إلى آخر، وأن يكون للمرء بعض الأصدقاء، وأن يساعد الناس، ويساعدوه.

لقد نلت كل ذلك، وما زال كل ذلك في متناول يدي، ولكن هل يعني هذا حقاً أنني سعيد؟ لا أعتقد ذلك، نعم لقد كانت حياتي خصبة مليئة كما قلت ولربما لم يعرف مثلها إلا القليل من الناس، لقد عرفت السراء والضراء، ولعل الضراء رجحت على السراء، وعانيت لحظات في غاية الشدة، ومرت بي فترات في أقصى درجات الضيق، ومرت بي أوقات كنت أشعر فيها بأنني في منتهي العزلة، وعرفت الحداد والأحزان، والنادر من الفرح، والقليل من السعادة، لقد عرفت كل ما يمكن أن يعرفه كائن بشري: الجوع، والعطش، والإذلال، والهزيمة، والنادر من اليسار والبحبوحة، والقليل من السلام والراحة والابتهاج.
(إلى أن قال: إن حياتي الخاصة والعائلية غير منظمة؛ فأعباء الدولة تحول بيني وبين أن أكون لهذه الكائنات الإنسانية العزيزة الغالية بالقدر الذي أرغب وأتوق إليه، وطالما اضطررت أن أخيب آمالهم في الوقت الذي ينتظرونني فيه؛ لتناول طعام الغداء معي، فأحتبس نفسي مع زائر أجنبي، أو سياسي أردني، ثم في حوالي الساعة الرابعة أو الخامسة بعد الظهر أطلب إحضار بعض الشطائر لآكلها وأنا منهمك في عملي.
أما في المساء فإنني أغادر مائدة العمل في الساعة الثامنة أو التاسعة، ويكون أولادي عندها قد استسلموا إلى الرقاد، وتبقى في انتظاري زوجتي وأولادي ليمنحوني الحرارة التي افتقدتها، والتي أشعر بأنني في مسيس الحاجة إليها 1. ثم إن المنصب قد يكون سبباً في هلاك صاحبه، أو تشرده، وشماتة الأعداء به؛ فها هو شاه إيران الذي كان يتبختر كالطاووس كبراً وتيهاً، والذي كان يتقلب في الترف والنعيم، والذي أقام حفلاً ليعيد فيه ذكرى مرور ألفين وخمسمائة سنة على قيام الدولة الفارسية، وأراد من ذلك مسخ الإسلام، وبسط سلطانه على الخليج، ومن ثم العالم العربي؛ ليلتقي مع اليهود، كيف كانت نهايته؟ لقد أزيح عن سلطانه، وجُرد من كافة امتيازاته، وبعد ذلك تشرد، وطرد، ولم يجد بلداً يؤيه، وظل على هذه الحال حتى مات شريداً طريداً بعيداً عن وطنه بعد أن أضناه الهم، وفتك به السرطان.
أما أولاده، وأهله، وحاشيته فقد أصبحوا شذر مذر، متفرقين في عدة قارات!!.
وهذا رئيس الفلبين السابق فيرديناند ماركوس الذي بلغ الغاية في الترف، والنعيم، والتجبر؛ ماذا كانت نهايته؟.

لقد أذاقه الله ألواناً من العذاب، والتعاسة، والشقاء؛ حيث انقلبت حاله رأساً على عقب؛ حيث سلب منه منصبه، وتنكر له أسياده، وأصحابه، فصار شريداً طريداً لا يملك الرجوع إلي بلده الذي كان يتربع على عرشه، حتى إذا جاءته الوفاة لم يستطع الحصول على أشبار قليلة في بلده؛ ليوارى فيها بعد موته 1. وقبل أولئك ماذا كان من أمر زعيم النازية أدولف هتلر؟ ذلك المستبد العاتي المتجبر، الذي كان يهذي ويحلم بإنشاء امبراطورية تضم جميع أنحاء العالم، والذي تسبب في مقتل خمسٍ وثلاثين مليوناً في سبيل الوصول إلى غايته المنشودة، والذي كان يزهو بنفسه ويتلاعب بعواطف الجماهير، ويحركها كيف يشاء، والذي كاد أن يسيطر على العالم في أوائل العقد الخامس من القرن العشرين الميلادي؛ فماذا كانت حياته؟ وكيف كانت نهايته؟ أما حياته فقد كانت مزيجاً من الشقاء، والمرض، والحرمان العاطفي، والألم العقلي.
وتفاصيل حياته غريبة ومثيرة، وليس هذا مجال بسطها 2. أما نهايته فكانت في 30 نيسان أبريل عام 1945م، عندما أطلق الرصاص على نفسه؛ خوفاً من سقوطه على أيدى الحلفاء، وتوفي وعمره 56 سنة، وقبل أن يقدم على الانتحار وفي أيامه الأخيرة مرت به لحظات حرجة مريرة.
يقول (ألبرت سبير) وزير التسليح في حكومة هتلر النازية عن تلك الأيام: في الأسابيع الأخيرة من حياته بدا هتلر منهاراً، وقد سحقته قسوة الأحداث التي قهرته تدريجياً خلال السنوات السابقة، كذلك أصبح أكثر تقبلاً وتحملاً للمعارضة 3. ويقول: كان هتلر في هذه اللحظات يعطي الانطباع بأنه رجل تحطمت كافة أهدافه وآماله، رجل أصبح يدور في مداره الراسخ بسبب الطاقة المخزونة في داخله فقط.
بل إنه كان في الواقع قد تخلى عن كل سلطاته، واستسلم لما قد يأتي به القدر.
وكان في ذلك الوقت يذوي ويذبل مثل رجل عجوز، كانت شفتاه ترتجفان، وكان يسير منحنياً، ويجر ساقيه جراً، حتى صوته أصبح متهدجاً، وفقد براعته، واستبداديته القديمة، وقد اختفت قوة صوته، ليحل محلها صوت متلعثم بلا أيَّة نبرة مميزة، وكانت لا تزال تنتابه نوبات من العناد، لكنها نوبات عناد مؤقتة وعابرة.

وقد أصبح مظهره العام شاحباً، ووجهه متورماً، وملابسه التي كانت تبدو أنيقة في الماضي أصبحت عرضة للإهمال في فترة حياته الأخيرة، وقد لُطِّخت ببقايا الطعام الذي كان يتناوله بيد مرتعشة 1. وبعد هذا كله أقدم على الانتحارـ كما مر قبل قليل ـ فذهب غير مأسوف عليه، بل كلما ذكر ذكر معه الإجرام، والتسلط، والجبروت.
خامساً: حال أهل الرياضة مع السعادة:

الرياضة ـ وخصوصاً كرة القدم ـ معشوقة الجماهير، ومحط أنظارهم.
ونجوم الرياضة لهم القدْحُ المعلى من الشهرة وبُعْد الصيت في هذا العصر.
وكثير من الناس يظن أن نجوم الرياضة أسعد الناس؛ لما ينعمون به من الشهرة، وحب الجماهير، وربما طغيان الغنى.
والحقيقة المُبْصَرَةُ تقول غير هذا؛ فلو كشفت عن سالفة هؤلاء، وتبينت حقيقة أمرهم لعلمت أنهم في واد والسعادة الحقة في واد؛ ولأدركت أن ما هم فيه من إظهار للسرور والبهجة أنها سعادة عابرة مؤقتة تخفي وراءها الآلام، والمتاعب والأتراح؛ ذلك أن اللاعب ينتقل من معسكر إلى معسكر، ومن استعداد لمباراة إلى استعداد لأخرى، ومن سفر إلى بلد إلى سفر آخر.
وهذه إصابة تقض مضجعه وتؤرق جفنه، وتلك صحافة تقذع في نقده، وتبالغ في سبه، أو التعريض به، وهذه اضطرابات تصيبه قبل كل مباراة، وتلك كآبة تخيم عليه عند كل هزيمة، وذلك جمهور لا يرحمه إذا لم يقم بدوره كما ينبغي، وهؤلاء حسدة يكيدون له ويتربصون به الدوائر، وذاك خوف وقلق من فقدان مكانته.
ثم ما حال ذلك النجم اللامع إذا انخفض مستواه، وما حاله إذا اعتزل أو اضطر إلى ذلك؟ إنه يلاقي كل كنود وجحود حتى من أقرب الأقربين إليه.
ثم كم يحرم من الأنس بأهله؟ وكم يحرم أهله منه؟ إذاً فليست السعادة عند هؤلاء، وإن تظاهروا بها، وظن بعض الناس أنهم أحقُّ الناس وأهلُها، وإن كانوا_أيضاً_متفاوتين في الشقاء وقلة السعادة.
ولنأخذ مثالاً واحداً على مدى ما يعانيه نجوم الرياضة؛ ألا وهو اللاعب الأرجنتيني دييجو مارادونا الذي يعد أشهر لاعب في تاريخ كرة القدم العالمية تقريباً؛ فما حال ذلك الإنسان مع السعادة؟

إنه مع شهرته وغناه قطعة من التعاسة والضياع، فمنذ أن تسلطت عليه الأضواء وهو ينتقل من شقاء إلى شقاء؛ فلقد كان يلعب في ناديه بوكاجونيورز الأرجنتيني، ثم انتقل إلى نادي برشلونة الأسباني، وهناك أصيب إصابة بالغة نغَّصت عليه حياته، واستمر علاجه مدة طويلة، ثم انتقل بعد ذلك إلى نادي نابولي الإيطالي، وبعد ذلك توالت عليه المشكلات والإصابات، وصار خلاف بينه وبين عشيقته، ثم لجأ إلى المخدرات، وترك الرياضة، ثم رجع إليها مرة أخرى، وفي إحدى مباريات كأس العالم اكتشف أنه قد تعاطى المنشطات فحرم من اللعب، وها هو إلى يومنا هذا من هوة إلى هوة.
والأمثلة من هذا القبيل كثيرة، والمجال لا يتسع لأكثر من ذلك.
سادساً: حال المجتمعات البعيدة عن الله مع السعادة:

هناك من يرى أن السعادة لا تتحقق إلا بإتباع النفوس هواها، وإرسالها مع كافة رغائبها وشهواتها؛ بحيث لا يبقى عليها حسيب ولا رقيب، ولا يقف في طريقها دين، أو عرف، أو نحو ذلك؛ فهذا سر السعادة، وتلك جنة الفردوس عند أولئك.
ولهذا ترى نفراً غير قليل من هؤلاء يدعو إلى الإباحية، وإلى فتح أبواب الحرية؛ لتتخلص المجتمعات من كبتها وعقدها، ولتنعم بالسعادة كما يزعمون! فهل هذا الكلام صحيح؟ وهل تلك المجتمعات الكافرة تنعم بالسعادة حقاً؟ والجواب ما تراه وتسمعه؛ فها هي أمم الكفر قد فتحت أبواب الحرية على مصاريعها؛ فلم يَعُدْ يَرْدَعُها دين، أو يَزُمُّها ورعٌ، أو يحميها حياء؛ فمن كفر وإلحاد إلى مجون، وخلاعة وإباحية مطلقة، ومن خمور ومخدرات إلى زناً، ولواط، وشذوذ بكافة أنواعه مما يخطر بالبال، ومما لا يخطر؛ فكيف تعيش تلك الأمم؟ وهل وصلت للسعادة المنشودة؟ والجواب: لا؛ فما زادهم ذلك إلا شقاء وحسرة؛ فسنة الله عز وجل في الأمم هي سنته في الأفراد؛ فمتى أعرضت عن دينه القويم أصابها ما أصابها بقدر بعدها وإعراضها.
ولهذا تعيش تلك الأمم حياة شقية تعيسة صعبة معقدة؛ حيث يشيع فيها القلق، والاضطراب، والتفكك، والقتل، والسرقة، والشذوذ، والاغتصاب، والمخدرات، وأمراض الجنس، وتفقد فيها الطمأنينة، والراحة، والمحبة، والبر، والصلة، والتعاطف، والتكافل إلى غير ذلك من المعاني الجميلة.
قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طه: 124]

كيف تسعد تلك الأمم وفي داخل كل إنسان منها أسئلة محيرة؟ من خلق الحياة؟ وما بدايتها؟ وما نهايتها؟ وما سر تلك الروح التي لو خرجت لأصبح الإنسان جماداً؟ إن هذه الأسئلة قد تهدأ في بعض الأحيان؛ بسبب مشاغل الحياة، ولكنها لا تلبث أن تعود مرة أخرى.
وكيف لا تحرم تلك الأمم السعادة وهي تعيش بلا دين يزكي نفوسها، ويضبط عواطفها، ويردعها عن التمادي في باطلها، ويسد جوعتها بالتوجه إلى فاطرها؟ إن الكنيسة بتعاليمها المحرفة لا تستطيع أن تجيب عن الأسئلة الماضية بدقة ووضوح، ولا تملك منهجاً يزكي النفوس، ويقنع العقول، وتسير عليه أمور الناس بانتظام.
ولقد زاد هذا الأمر ضراوة بعد أن تراجعت الكنيسة أمام ضربات الإلحاد.
فما أغنت الحرية المزعومة والإباحية المطلقة عن تلك المجتمعات فتيلاً أو قطميراً، ولا جلبت لها السعادة الحقة، ولا الحياة الكريمة.
ولهذا يبحث الناس هناك عما يريحهم من هذا العناء والشقاء؛ فمنهم من يلجأ إلى المخدرات والمهدئات التي تضاعف البلاء، وتزيد في الشقاء 1. ومنهم من يروي غليله بالشذوذ الجنسي، حتى يفقد إنسانيته وصحته؛ ويكون عرضة للإصابة بأمراض الشذوذ المتنوعة كالزهري 2،

والسيلان 1، والهربس 2،

والإيدز 1،

وما يسمى بـ =فيروس الحب 1، وما يصاحب هذه الأمراض من ضيق وتكدر.
ومنهم من يروي غلته بالسطو، والسرقة؛ حتى إن الناس هناك لا يكادون يأمنون على أموالهم، وممتلكاتهم؛ بل لقد أصبحت السرقة تعتمد على الدراسة والتكنولوجيا الحديثة؛ المجهزة بأحدث الوسائل والأساليب، القائمة على أحدث المبتكرات والتخطيط لكل عملية سطو 2. ومنهم من يسلك طريق القتل ليتشفى من المجتمع، ويطفىء نار حقده، فتراه يتحين الفرص، وينتهز الغرة؛ ليهجم على ضحية يفقدها الحياة، ثم يبحث عن ضحية أخرى، بل لقد أصبح القتل عند بعضهم متعة، ونوعاً من اللذة، وكثيراً ما يكون القتل لأتفه الأسباب، حتى إن الواحد قد يقتل أقرب الأقربين 3

إليه.
ومنهم من يبلغ به الشقاء والهم غايته؛ فلا يجد ما يسعده، أو يريحه من همومه وغمومه، ولا يرى ما ينفس به كربته، أو يعينه على تحمل أعباء حياته؛ فيلجأ حينئذ إلى الانتحار؛ رغبة في التخلص من الحياة بالكلية.
ولقد أصبح الانتحار سمة بارزة في تلك المجتمعات، وصارت نسبته تتزايد وتهدد الحضارة الغربية بأكملها.
ولقد أقلق كثرة الانتحار علماء الاجتماع في تلك البلاد؛ حيث أصبح عدد المنتحرين يفوق عدد القتلى في الحروب، وفي حوادث السيارات.
أما طرق الانتحار فتأخذ أساليب متنوعة؛ فهذا ينتحر بالغرق، وذاك بالحرق، وهذا بابتلاع السموم، وذاك بالشنق، وهذا بإطلاق الرصاص على نفسه، وذاك بالتردي من شاهق، وهكذا 1. أما أسباب الانتحار فمعظمها تافهة حقيرة، لا تستدعي سوى التغافل، وغض الطرف عنها؛ فهذا ينتحر بسبب الإخفاق في امتحان الدراسة أو الوظيفة، وذاك بسبب وفاة المطرب الذي يحبه، أو هزيمة الفريق الذي يميل إليه، وهذا ينتحر بسبب وفاة عشيقته، وهذه تنتحر بسبب تخلي عشيقها عنها، بل ومنهم من انتحر بعدما توفي كلبه كما فعل (جاك أشورت) وكان عمره 46 سنة 2. بل إن هناك من ينتحر بلا سبب ظاهر، ويبقى السبب الأول للانتحار وهو الكفر بالله، وما يستتبعه من الضنك، والشدة، وقلة التفكير في المصير.

والغريب في الأمر أن نسبة كبيرة من المنتحرين ليسوا من الفقراء؛ حتى يقال: إنهم انتحروا بسبب قلة ذات اليد، وإنما هم من الطبقات المغرقة في النعيم والبعيدة الصيت والشهرة، والرفيعة الجاه والمنصب، بل وينتشر في طبقات المثقفين 1. ومما يلفت النظر أن أشد البلاد انحلالاً أكثرها انتحاراً 2.

ومن الأشياء التي استحدثوها لمحاربة التخفيف من الانتحارات المتزايدة_إنشاء مركز يتلقى مكالمات المقدمين على الانتحار، أو من لديهم مشكلة عاطفية، أو الذين يعانون من ضيق الصدر.
وهذه الخدمات تقدم ليلاً ونهاراً وبالمجان 1. والعجيب في الأمر أن يكون للانتحار مؤيدون وأنصار، حيث تكونت في بريطانيا جمعية للمنتحرين، وأصدرت كُتَيِّباً وأخذت توزعه على أعضائها الذين يحبذون ويؤيدون حق المرضى بالانتحار عندما يتألمون، وعندما يقرر الطبيب أن حالتهم ميؤوس منها.
وقد نَص الكتيب على الوسائل السريعة والفعالة وغير المؤلمة التي يمكن أن تساعد الساعين إلى الانتحار على تنفيذ رغبتهم! 2. فلماذا ينتحر هؤلاء؟ ولماذا يستبد بهم الألم، ويذهب بهم كل مذهب؟ والجواب: أنهم فقدوا السبب الأعظم للسعادة، ألا وهو الإيمان بالله_عز وجل_فلم تغن عنهم حريتهم شيئاً، ولم يجدوا ما يطفىء لفح الحياة وهجيرها وصخبها؛ فلا يكادون يحتملون أدنى مصيبة تنزل بهم 3.

فهل اطلع على تلك الحال من يريدون أن تكون بلاد الإسلام كتلك البلاد تهتكاً، وتوقحاً، ودعارة، وفساداً؟ وهل يريدون أن يكون مصير بلاد الإسلام كذلك المصير؟ إن كانوا لم يطلعوا فتلك مصيبة، وإن كانوا مطلعين فالمصيبة أعظم.
(تنبيه حول معنى السعادة:

وبعد أن تبين من خلال ما مضى حال أكثر الناس مع السعادة فهل يعني ذلك أن يتخلى الناس عن دنياهم، وجميع ملذاتهم، ووجاهاتهم، ورياساتهم؟ وهل يفهم من ذلك أن يعيش الواحد منهم مجانباً للزينة، ميت الإرادة عن التعلق بشهواته على الإطلاق؟ والجواب: لا؛ ليس الأمر كذلك؛ فلا بد للناس من دنياهم؛ فالإسلام أَذِنَ في اكتساب الأموال، وحث على العمل، ونعى البطالة، ولم يَحْرم الناس أن يستمتعوا بحياتهم، وأن يروحوا الخاطر بنعيمها؛ شريطة الاقتصاد.
قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ) [الأعراف: 32] وقال في الآية التي قبلها: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: 31] فلا ينافي السعادة أن يستمتع الإنسان بما أباح الله له، وليس من شرط السعادة أن يتخلى الإنسان عن جميع شهواته.
وليس من شرطها كذلك أن يتخلى الإنسان عن دينه، ويطلق العنان لنزواته وشهواته.
بل إن شرط السعادة الأعظم أن يكون الإنسان متمسكاً بدينه، عاضاً عليه بالنواجذ؛ فذلك سر السعادة، وينبوعها الأعظم.
وحينئذ تكون الشهرة، والمال، والجاه، والرياسة أسباباً للسعادة، ومكملات لها؛ لأنها اعتمدت على ركن ثابت لا يتغير، ولا يحول؛ فلا يُلَامُ الإنسان بعد ذلك أن يكون ذا شهرة، أو مال، أو وجاهة أو رياسة.
وإذا اطلعت على أثر يقتضي البعد عن الوجاهة فإنه مصروف إلى الحرص في طلبها، والتصنع لإحراز سمعة في المجامع الحافلة، والبلاد القاصية.
أما إذا اندفعت همة الرجل إلى المكارم؛ بجاذب ابتغاء الفضيلة، وطفق ذكره يتسع على حسب مساعيه الحميدة فذلك خير من العزلة، والاختباء في زوايا الخمول.
بل لا يُلَامُ الإنسان إذا سعى للرياسة إذا كان يرى من نفسه الكفاءة والقدرة، ولا يريد أن يتخذ من رياسته حبالة لا يتعدى نفعها إلى الأمة، وإنما يريد نشر الخير، وبسط العدل، ورفع الظلم؛ فذلك موعود بالتسديد والإعانة في الدنيا، وبالإظلال في ظل عرش الرحمن في الآخرة يوم لا ظل إلا ظله.

ثم إن الآيات الواردةَ في سياق التزهيد والحط من متاع الحياة الدنيا لا يقصد منها ترغيب الإنسان ليعيش مجانباً للزينة، ميت الإرادة عن التعلق بشهواته على الإطلاق.
وإنما يقصد منها حِكَمٌ أخرى، كتسلية الفقراء الذين لا يستطيعون ضرباً في الأرض، ومنْ قَصُرت أيديهم عن تناولها، لئلا تضيق صدورهم على آثارها أسفاً.
ومنها تعديل الأنفس الشاردة، وانتزاع ما في طبيعتها من الشَّرَه والطمع؛ لئلا يخرجا بها عن قصد السبيل، ويتَطَوَّحا بها في الاكتساب إلى طرق غير لائقة؛ فاستصغار متاع الدنيا، وتحقير لذائذها في نفوس الناس يرفعهم عن الاستغراق فيها، ويُكْبرُ بهممهم عن جعلها قبلة يولون وجوههم شطرها أينما كانوا.
ومتى عكف الإنسان على ملاذِّ الحياة، ولم يصْحُ قلبُه عن اللهو بزخارفها ماتت عواطفه، ونسي أو تناسى من أين تؤتى المكارم والمروءة، ودخل مع الأنعام في حياتها السافلة.
وبالجملة فإن تقوى الله عز وجل والإقبال عليه بالكلية هو أصل السعادة، وسرها، وكل سعادة بدون ذلك فهي مبتورة أو وهمية، وإن اجتمعت حولها أسباب السعادة الأخرى؛ فالسعادة ينبوع يتفجر من القلب لا غيث يهطل من السماء، والنفس الكريمة الراضية التقية الطاهرة من أدران الرذائل وأقذارها سعيدة حيثما حلت، وأنى وجدت: في القصر وفي الكوخ، في المدينة وفي القرية، في الأنس وفي الوحشة، في المجتمع وفي العزلة، بين القصور والدور وبين الآكام والصخور؛ فمن أراد السعادة الحقة فلا يسأل عنها المال والحسبَ، والفضة والذهب، والقصور والبساتين، والأرواح والرياحين.
بل يسأل عنها نفسه التي بين جنبيه؛ فهي ينبوع سعادته وهنائه إن شاء، ومصدر شقائه وبلائه إن أراد (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [الشمس: 9_10] وما هذه الابتسامات التي تُرى متلألأة من أفواه الفقراء والمساكين، والمحزونين والمتألمين؛ لأنهم سعداء في عيشهم، بل لأنهم سعداء في أنفسهم.
وما هذه الزفرات التي تُسمع متصاعدة من صدور الأغنياء والأثرياء وأصحاب العظمة والجاه؛ لأنهم أشقياء في عيشهم، بل لأنهم أشقياء في أنفسهم.
وما كدَّر صفاء هذه النفوس، وأزعج سكونها وقرارها، وسلبها راحتها وهناءها مثلُ البعد عن الله عز وجل.

ولا أنار صفحتها، ولا جلَّى ظلمتها، ولا كشف غَمَّاءها كالإقبال على الله تبارك وتعالى 1. فمن أراد السعادة العظمى فليقبل على ربه بكلِّيَّته، حبَّاً، وذكراً، وإنابة، وخوفاً، ورجاء، ونحو ذلك من سائر العبوديات.
(قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية 2. (وقال أيضاً: فليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه، ويطمئن به، ويتنعم بالتوجه إليه إلا الله سبحانه.
ومن عبد غير الله وإن أحبه، وحصل به مودة في الحياة الدنيا ونوع من اللذة فهو مفسدة لصاحبه أعظم من مفسدة التذاذ أكل الطعام المسموم 3. (وقال أيضاً: فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، وهي لا صلاح لها إلا بإلهها الله الذي لا إله إلا هو؛ فلا تطمئن بالدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحاً فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بلقائه.
ولو حصل للعبد لذات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت، وفي بعض الأحوال، وتارة يكون ذلك الذي يتنعم به والتذ غير مُنعم ولا ملتذ له، بل قد يؤذيه اتصاله به، ووجوده عنده.
أما إلهه الحق فلا بد له منه في كل حال، وكل وقت، وأينما كان فهو معه 4. (وقال ابن حزم رحمه الله تعالى: تطلبت غرضاً يستوي الناس كلهم في استحسانه وفي طلبه فلم أجده إلا واحداً، وهو طرد الهم.
فلما تدبرته علمت أن الناس كلهم لم يستووا في استحسانه فقط، ولا في طلبه فقط، ولكن رأيتهم على اختلاف أهوائهم ومطالبهم وتباين هممهم وإراداتهم لا يتحركون حركة أصلاً إلا فيما يرجون به طرد الهم، ولا ينطقون بكلمة أصلاً إلا فيما يعانون به إزاحته عن أنفسهم؛ فمن مخطىء وجْهَ سبيله، ومن مقارب للخطأ، ومن مصيب وهو الأقل من الناس في الأقل من أموره 5.

(إلى أن قال: وليس في العالم مذ كان إلى أن يتناهى أحد يستحسن الهم، ولا يريد طرده عن نفسه، فلما استقر في نفسي هذا العلم الرفيع، وانكشف لي هذا السر العجيب، وأنار الله تعالى لفكري هذا الكنز العظيم بحثت عن سبيل موصلة على الحقيقة إلى طرد الهم الذي هو المطلوب للنفس الذي اتفق عليه جميع أنواع الإنسان الجاهل منهم والعالم، والصالح والطالح على السعي له، فلم أجدها 1 التوجه إلى الله عز وجل بالعمل للآخرة.
وإلا فإنما طلب المال طلابُه؛ ليطردوا به همَّ الفقر عن أنفسهم، وإنما طلب الصوت 2 من طلبه؛ ليطرد به عن نفسه هم الاستعلاء عليها، وإنما طلب اللذات من طلبها؛ ليطرد بها عن نفسه هم فوتها، وإنما طلب العلم من طلبه؛ ليطرد به عن نفسه هم الجهل، وإنما هش إلى سماع الأخبار ومحادثة الناس من يطلب ذلك؛ ليطرد بها عن نفسه همَّ التوحد، ومغيب أحوال العالم منه، وإنما أكل من أكل، وشرب من شرب، ونكح من نكح، ولبس من لبس، ولعب من لعب، واكتن 3 من اكتن، وركب من ركب، ومشى من مشى، وتودع من تودع؛ ليطردوا عن أنفسهم أضداد هذه الأفعال، وسائر الهموم.
وفي كل ما ذكرنا لمن تدبره هموم حادثة لابد لها من عوارض تعرض في خلالها، وتعَذُّر ما يتعذر منها، وذهاب ما يوجد منها، والعجز عنه لبعض الآفات الكائنة، وأيضاً نتائج سوء تنتج بالحصول على ما حصل عليه من كل ذلك من خوف منافس، أو طعن حاسد، أو اختلاس راغب، أو اقتناء عدوِّ مع الذم والإثم وغير ذلك.
ووجدت العمل للآخرة سالماً من كل عيب، خالياً من كل كدر موصلاً إلى طرد الهم على الحقيقة، ووجدت العامل للآخرة إن امتحن بمكروه في تلك السبيل لم يهتم، بل يُسَر؛ إذ رجاؤه في عاقبة ما ينال به عون له على ما يطلب، وزايد في الغرض الذي إياه يقصد، ووجدته إن عاقه عما هو بسبيله عائق لم يهتم؛ إذ ليس مؤاخذاً بذلك، فهو غير مؤثر فيما يطلب، ورأيته إن قُصد بالأذى سُرَّ، وإن نكبته نكبة سُرَّ، وإن تعب فيما سلك فيه سُرَّ؛ فهو في سرور أبداً، وغيره بخلاف ذلك أبداً؛ فاعلم أنه مطلوب واحد، وهو طرد الهم، وليس إليه إلا طريق واحد، وهو العمل لله تعالى فما عدا هذا فضلال وسخف 4. (من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه:

لا ريب أن للشهوات سلطاناً على النفوس، واستيلاءً وتمكناً في القلوب؛ فتركها عزيز، والخلاص منها شاق عسير، ولكن من اتقى الله كفاه، ومن استعان به أعانه، ومن يتوكل على الله فهو حسبه.
وكلما ازدادت الرغبة في المحرم، وتاقت النفس إلى فعله، وكثرت الدواعي إلى الوقوع فيه عظم الأجر في تركه، وتضاعفت المثوبة في مجاهدة النفس على الخلاص منه.
وإنما يجد المشقة في ترك المألوفات والعوائد من تركها لغير الله.
وأما من تركها مخلصاً لله فإنه لا يجد في تركها مشقة إلا أول وهلة؛ ليمتحن أصادق هو في تركها أم كاذب؛ فإن صبر على تلك المشقة قليلاً استحالت لذة، فمن ذاق طعم الاستقامة فلن يبغى بها بدلاً، ولا عنها حولاً.
ألا ترى إلى الصبي الذي اعتاد ثدي أمه كيف سكوتُه بذلك الثدي، وكيف حنينه إليه إذا فقده، وكيف فرحه به إذا هو وجده؟ فكذلك النفس الشهوانية؛ فإذا فطم الصبي انفطم حتى لا يلتفت إلى الثدي بعد ذلك؛ لأنه وجد طعم ألوان الأطعمة؛ فلا يحن إلى لبن أمه.
وكذلك النفس إذا وجدت لذة العبادة، وذاقت طعم الإيمان، وبرد اليقين، واستشعرت رَوْح قرب الله، وجميل نظره_لم تَحنَّ إلى تلك الشهوات 1. من ذاق طعم نعيم القوم يدريه... ومن دراه غدا بالروح يشريه

وكل هذا محسوس مجرب، وإنما يقع غلط أكثر الناس أنه قد أحس بظاهر من لذات أهل الفجور وذاقها، ولم يذق لذات أهل البر، ولم يخبرها 2. ثم إن من ترك لله شيئاً عوَّضه الله خيراً منه، والعوضُ من الله أنواع مختلفة، وأجل ما يُعَوَّض به الإنسان أن يأنس بالله، وأن يرزق محبته عز وجل وطمأنينة القلب بذكره، ورضاه عن ربه تبارك وتعالى مع ما يلقاه من جزاء في هذه الدنيا، وما ينتظره من الجزاء الأوفى في العقبى 3. وفيما يلي ذكر لنماذج تؤكد هذا المعنى.
أولاً: نماذج لأمور من تركها لله عوضه الله خيراًً منها:

1 من ترك مسألة الناس ورجاءهم، وإراقة ماء الوجه أمامهم، وعلق رجاءه بالله دون من سواه عَوَّضَه خيراً مما ترك، فرزقه حرية القلب، وعزة النفس، والاستغناء عن الخلق ومن يستعفف يعفه الله وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أَبِي سَعِيدٍ الثابت في الصحيحين) أَنّ نَاساً مِنَ الأنْصَارِ سَأَلُوارسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْطَاهُمْ، ثُمّ سَألُوه فَأَعْطاهُمْ، حتى نَفِد ما عنده فقال: َ مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يستعفف يُعِفّهُ الله، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله، وَمَنْ يَتَصَبّرْ يُصَبّرْهُ الله، وَمَا أُعْطِيَ أحَدٌ عطاءاً خَيْراً وَأَوْسَعَ مِنَ الصّبْرِ) (2) ومن ترك الاعتراض على قدر الله، فسلَّم لربه في جميع أمره رزقه الله الرضا واليقين، وأراه من حسن العاقبة ما لا يخطر له ببال.
(3) ومن ترك الذهاب للعرافين والسحرة رزقه الله الصبر، وصدق التوكل، وتَحَقُّقَ التوحيد.
(4) ومن ترك التكالب على الدنيا جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا راغمة.
(5) ومن ترك الخوف من غير الله، وأفرد الله وحده بالخوف، وسلَّم له نفسه سَلِمَ من الأوهام، وأمَّنه الله من كل شيء، فصارت مخاوفه أمناً وبرداً وسلاماً، ولم يبق لخوف المخلوقين في قلبه موضع؛ لأنه سلم نفسه لربه، وأودعها عنده، وأحرزها في حرزه، وجعلها تحت كنفه، حيث لا تنالها يدُ عدوٍّ عاد، ولا بغيُ باغ عات.
(6) ومن ترك الكذب، ولزم الصدق فيما يأتي، وما يذر_هُدي إلى البر، وكان عند الله صديقاً، ورزق لسان صدق بين الناس، فسوَّدوه، وأكرموه، وأصاخوا السمع لقوله.
(7) ومن ترك المراء وإن كان مُحقَّاً ضُمن له بيت في ربض الجنة، وسلم من شر اللجاج والخصومة، وحافظ على صفاء قلبه، وأمن من كشف عيوبه.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي أمامة في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقا و بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب و إن كان مازحا و بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه.

(8) ومن ترك الغش في البيع والشراء زادت ثقة الناس به، وكثر إقبالهم عليه، ونال رضا ربه.
(9) ومن ترك الربا، وكسب الخبيث بارك الله له في رزقه، وفتح له أبواب الخيرات.
(10) ومن ترك النظر إلى المحرم عوَّضه الله فراسة صادقة، ونوراً وجلاءً، ولذة يجد حلاوتها في قلبه، وسلم ـ في الوقت نفسه ـ من تبعات إطلاق البصر.
(11) ومن ترك البخل، وآثر التكرم والسخاء أحبه الناس، واقترب من الله ومن الجنة، سلم من الهم، والغم، وضيق الصدر، وترقى في مراتب الكمال، ومدارج الفضيلة قال تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: 9] (12) ومن ترك الكبر، ولزم التواضع كمل سؤدده، وعلا قدره، وتناهى فضله وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله) (ولله درُ من قال: وأحسن أخلاق الفتى وأتمها... تواضعه للناس وهو رفيع (1)

(13) ومن ترك المنام ودفأه ولذته، وقام للصلاة_عوضه الله فرحاً، ونوراً، ونشاطاً، وأنساً.
(14) ومن ترك التدخين، وكافة المسكرات، والمخدرات أعانه الله، وأمده بألطاف من عنده، وعوضه صحة وسعادة حقيقية لا تلك السعادة العابرة الوهمية.
(15) ومن ترك العشق، وقطع أسبابه التي تمده، وتجرع غصص الهجر ونار البعاد في بداية أمره، وأقبل على الله بكُلّيته رُزِق السلوَّ، وعزة النفس، وسلم من اللوعة، والذلة، والأسر، ومُلىء قلبه حرية ومحبة لله عز وجل تلك المحبة التي تلم شعث القلب، وتسد خلته، وتشبع جوعته، وتغنيه من فقره؛ فالقلب لا يسر ولا يفلح، ولا يطيب، ولا يسكن، ولا يطمئن إلا بعبادة ربه، وحبه، والإنابة إليه.
(16) ومن ترك الانتقام والتشفي مع قدرته على ذلك عوضه الله انشراحاً في الصدر، وفرحاً في القلب؛ ففي العفو من الطمأنينة، والسكينة، والحلاوة، وشرف النفس، وعزها، وترفعها ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله) (17) ومن ترك صحبة السوء التي يظن أن بها منتهى أنسه، وغايةَ سروره عوضه الله أصحاباً أبراراً، يجد عندهم المتعة والفائدة، وينال من جراء مصاحبتهم خيري الدنيا والآخرة.
(18) ومن ترك كثرة الطعام سلم من البطنة، وسائر الأمراض، وضياع الأوقات؛ لأن من أكل كثيراً شرب كثيراً، فنام كثيراً، فخسر كثيراً.
(19) ومن ترك المماطلة بالدَّين يسر الله أمره، وسدد عنه، وكان في عونه.
(20) ومن ترك الغضب حفظ على نفسه عزتها وكرامتها، ونأى بها عن ذل الاعتذار ومغبة الندم، ودخل في زمرة المتقين قال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 134] 21 (حديث معاذ ابن أنس في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من كظم غيظا و هو قادر على أن يُنْفِذَه دعاه الله على رءوس الخلائق حتى يخيره من الحور ما شاء.
(21) ومن ترك الوقيعة في أعراض الناس، والتعرض لعيوبهم ومغامزهم عُوِّض بالسلامة من شرهم، ورزق التبصر في عيوب نفسه.
المرء إن كان مؤمناً ورعاً... أشغله عن عيوب الورى ورعه كما السقيم العليل أشغله... عن وجع الناس كلهم وجعه 1

(22) ومن ترك مجاراة السفهاء، وأعرض عن الجاهلين حمى عرضه، وأراح نفسه، وسلم من سماع ما يؤذيه، قال تعالى: (خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف: 199] (23) ومن ترك الحسد سلم من أضراره المتنوعة؛ فالحسد داء عضال، وسم قتَّال ومسلك شائن، وخلق لئيم، ومن لؤمه أنه موكل بالأدنى فالأدنى من الأقارب، والأكفاء، والخلطاء، والمعارف، والإخوان.
(24) ومن ترك سوء الظن بالناس سلم من تشوش القلب، واشتغال الفكر، ومعاداة الناس؛ فإساءة الظن تجلب الكدر، وتعكر الصفو، وتفسد المودة.
(25) ومن اطَّرح الدعة والكسل، وأقبل على الجد والعمل_علت همته، وبورك له في وقته، فنال الخير الكثير في الزمن اليسير.
فمن هجر اللذات نال المنى ومن... أكبَّ على اللذات عضَّ على اليد 2

(26) ومن ترك قطيعة أرحامه، فواصلهم، وتودد إليهم، وقابل إساءتهم بالإحسان إليهم_بسط له الله في رزقه، ونَسَأ له في أثره، ولا يزال معه ظهير من الله ما دام على تلك الصلة.
(27) ومن ترك العقوق، فكان بَرَّاً بوالديه أدخله الجنة، ورزقه الله الأولاد البررة في الدنيا.
(28) ومن ترك تطلُّب الشهرة، وحبَّ الظهور رفع الله ذكره، ونشر فضله، وأتته الشهرة تجرر أذيالها.
(29) ومن ترك العبوس والتقطيب، واتصف بالبشر والطلاقة لانت عريكته، ورقَّت حواشيه، وكثر محبوه، وقلَّ شانؤوه.
(30) وبالجملة فمن ترك لله شيئاً عوضه الله خيراً منه؛ فالجزاء من جنس العمل (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه) [الزلزلة: 7] (ثانياً: نماذج لأناس تركوا أشياء لله فعوضهم الله خيراً منها:

المثال الأول: نبي الله يوسف عليه السلام: لقد قص علينا القرآن العظيم ما وقع ليوسف عليه السلام مع امرأة العزيز؛ وما لو اجتمع كله أو بعضه لغيره لربما أجاب الداعي.
بل إن من الناس من يذهب بنفسه إلى مواطن الفتن، ويسعى لحتفه بظلفه، ثم يبوء بعد ذلك بالخسران المبين في الدنيا والآخرة إن لم يتداركه الله برحمته.
لقد أخبرنا الله عز وجل عن عشق امرأة العزيز ليوسف عليه السلام وما راودته، وكادته به.
وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف، بصبره وعفته، وتقواه، مع أن الذي ابتلي به أمر لا يصبر عليه إلا من صبَّره الله؛ فإن مواقعة الفعل بحسب قوة الداعي وزوال المانع، وكان الداعي ههنا في غاية القوة، وذلك من وجوه: 1 أحدها ما ركبه الله سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة، كما يميل العطشان إلى الماء، والجائع إلى الطعام، حتى إن كثيراً من الناس قد يصبر عن الطعام والشراب، ولا يصبر عن النساء.
وهذا لا يذم إذا صادف حِلاً، بل يحمد.
الثاني أن يوسف عليه السلام كان شاباً، وشهوة الشاب، وحدَّته أقوى.
الثالث أنه كان عزباً، ليس له زوجة ولا سُرِّية تعوضه، وتكسر ثورة الشهوة.

الرابع أنه كان في الظاهر مملوكاً لها في الدار؛ فقد اشتري بثمن بخس دراهم معدودة، والمملوك لا يتصرف في أمر نفسه، وليس وازعه كوازع الحر، والمملوك كذلك يدخل، ويخرج، ويحضر معها، ولا يُنكر عليه؛ فكان الأنس سابقاً على الطلب، وهو من أقوى الدواعي.
الخامس أنه كان غريباً، وفي بلاد غربة، والغريب يتأتَّى له في بلد غربته من قضاء الوطر ما لا يتأتى له في وطنه، وبين أهله ومعارفه.
السادس أن المرأة كانت ذات منصب وجمال؛ بحيث إن كل واحد من هذين الأمرين يدعو إلى مواقعتها.
السابع أنها غير ممتنعة ولا أبيَّة؛ فإن كثيراً من الناس يزيل رغبته في المرأة إباؤها وامتناعها؛ لما يجد في نفسه من ذل الخضوع والسؤال لها.
الثامن أنها طلبت، وأرادت، وراودت، وبذلت الجهد، فكَفَتْه مؤنة الطلب، وذل الرغبة إليها، بل كانت هي الراغبة الذليلة، وهو العزيز المرغوب إليه.
وكثير من الناس يداخله الزهو إذا أشارت إليه المرأة باليد أو بطرف العين.
التاسع أنه في دارها، وتحت سلطانها وقهرها؛ بحيث يخشى إن لم يطاوعْها أن تؤذيه؛ فاجتمع له داعي الرغبة والرهبة.
العاشر أنه في مأمن من الفضيحة؛ فلا يخشى أن تنم عليه هي ولا أحد من جهتها؛ فإنها هي الطالبة الراغبة، وقد غلّقت الأبواب، وغيبت الرقباء.
الحادي عشر أنها قد أخذت كامل زينتها، وتهيأت غاية ما يمكن، وقالت: (هيت لك) وفي قراءة هئت لك.
الثاني عشر أنها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال، وهن النسوة التي أرته إياهن؛ حيث شكت حالها إليهن، لتستعين بهن عليه، فاستعان هو بالله عليهن فقال: (وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ) [يوسف:33] الثالث عشر أنها توعدته بالسجن والصغار، وهذا نوع إكراه؛ إذ هو تهديدُ مَنْ يغلب على الظن وقوع ما هدد به؛ فيجتمع داعي الشهوة وداعي السلامة من ضيق السجن والصغار.
الرابع عشر أن الزوج لم يظهر من الغيرة والنخوة ما يفرق به بينهما، ويبعد كلاً منهما عن صاحبه.
بل غاية ما قابلها به أن قال ليوسف: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) [يوسف: 29] وللمرأة: (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنْ الْخَاطِئِينَ) [يوسف: 29] وشدة الغيرة للرجل من أقوى الموانع، وهذا لم يظهر منه غيرةٌ.

ومع هذه الدواعي كلها صبر يوسف اختياراً وإيثاراً لما عند الله، فآثر مرضاة الله، وخوفه، وحمله حبُّه لله أن اختار السجن على الزنا (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) [يوسف: 33] وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه، وأن ربَّه تعالى إن لم يعصمه ويصرف عنه كيدهن صبا إليهن بطبعه، وكان من الجاهلين.
وهذا من كمال معرفته بربه، وبنفسه.
فماذا كانت العاقبة؟ لقد نال العز والسلطان، ونال الذكر الحسن، والثناء الجميل.
هذا في الدنيا، وإن له في الآخرة للجنة.
المثال الثاني: امرأة فرعون: لما رفضت أبهة الملك، وآثرت الإيمان بالله_عز وجل_على ما يدعو إليه فرعون_بنى لها الله بيتاً في الجنة، ونجاها من فرعون وعمله، ونجاها من القوم الظالمين.
(المثال الثاني: امرأة فرعون: لما رفضت أبهة الملك، وآثرت الإيمان بالله عز وجل على ما يدعو إليه فرعون بنى لها الله بيتاً في الجنة، ونجاها من فرعون وعمله، ونجاها من القوم الظالمين.
المثال الثالث: مؤمن آل ياسين: لما ترك ما عليه قومه من الضلال المبين، وقال لهم: (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ) [يس: 25_27] ﴿تنبيه﴾: (وحتى يتضح أن التوبة طريق السعادة وضوحاً جلياً فإنني أعرض لك الصورة العامة لأحوال العصاة وما فيها من التعاسة والشقاء ثم أعرض لك نماذج لبعض أحوال العصاة.
(أولاً: الصورة عامة لأحوال العصاة:

النظر في حال العصاة يُقْصِر عن التمادي في الذنوب، ويقود العاقل إلى المبادرة إلى التوبة النصوح؛ فللعصاة نصيب غير منقوص من الذلة، والهوان، والصغار، والضنك، والشدة، والشقاء، والعذاب؛ فالمعصية تورث ذلك ولا بد؛ فإن العز كل العز، والسعادة كل السعادة إنما تكون بطاعة الله عز وجل.
قال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) [فاطر: 10] أي فليطلبها من الله؛ فإنه لا يجدها إلا في طاعته 1.

(قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في حال من يتطلع، ويمد طرفه إلى أرباب الدنيا: فإياك إن تنظر إلى صورة نعيمهم؛ فإنك تستطيبه؛ لبعده عنك، ولو قد بلغته كرهته، ثم في ضمنه من محن الدنيا والآخرة ما لا يوصف؛ فعليك بالقناعة مهما أمكن ففيها سلامة الدنيا والدين.
وقد قيل لبعض الزهاد وعنده خبز يابس: كيف تشتهي هذا؟ فقال: أتركه حتى أشتهيه 1. (قال الحسن رحمه الله تعالى في العصاة: إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين إن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم؛ أبى الله إلا أن يُذلَّ من عصاه 2. فأهل المعصية يجدون في أنفسهم الذلة، والشقاء، والخوف، حتى وإن رآهم الناس بخلاف ذلك، ولو تظاهروا بالسعادة والسرور، ولو كانوا من الشهرة وبعد الصيت بمكان عال، ولو كانت الدنيا طوع أيمانهم وشمائلهم؛ فالذل والضنك لا يفارقهم، بل يزيد كلما زادوا بعداً عن ربهم.
(قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ولهذا تجد القوم الظالمين أعظم الناس فجوراً، وفساداً، وطلباً لما يروِّحون به أنفسهم من مسموع، ومنظور، ومشموم، ومأكول، ومشروب، ومع هذا فلا تطمئن قلوبهم بشيء من ذلك، هذا فيما ينالونه من اللذة، وأما ما يخافونه من الأعداء فهم أعظم الناس خوفاً، ولا عيشة لخائف.
وأما العاجز منهم فهو في عذاب عظيم، لا يزال في أسف على ما فاته، وعلى ما أصابه.
أما المؤمن فهو مع مقدرته له من الإرادة الصالحة، والعلوم النافعة ما يوجب طمأنينة قلبه، وانشراح صدره بما يفعله من الأعمال الصالحة، وله من الطمأنينة وقرة العين ما لا يمكن وصفه.
وهو مع عجزه أيضاً له من أنواع الإرادات الصالحة، والعلوم النافعة التي يتنعم بها ما لا يمكن وصفه 3. (قال ابن القيم رحمه الله تعالى متحدثاً عن أضرار المعاصي: ومنها المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ، والعذابُ في الآخرة.
قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طه: 124] وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر، ولا ريب أنه من المعيشة الضنك، والآية تتناول ما هو أعم منه، وإن كانت نكرة في سياق الإثبات؛ فإن عمومها من حيث المعنى؛ فإنه_سبحانه_رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره.

فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه، وإن تنعم في الدنيا بأصناف النعم؛ ففي قلبه من الوحشة، والذل والحسرات التي تقطِّع القلوب، والأماني الباطلة، والعذاب الحاضر ما فيه، وإنما يواريه عنه سكراتُ الشهوات والعشق، وحب الدنيا والرياسة، وإن لم يَنْضمَّ إلى ذلك سكر الخمر؛ فسُكْرُ هذه الأمور أعظم من سكر الخمر؛ فإنه يفيق صاحبه ويصحو، وسكر الهوى وحبِّ الدنيا لا يصحو صاحبه إلا إذا كان صاحبه في عسكر الأموات.
فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله"في دنياه، وفي البرزخ، ويوم معاده 1. ولقد عبر عن ذلك المعنى فريق كبير من الذين انحرف بهم المسار عن دين الله، ولو ذهبنا نستعرض أقوالهم لطال بنا المقام، وفيما يلي ذكر لبعض أولئك من المُحْدَثين، ممن طارت شهرتهم، وبَعُدَ صيتهم، أو طغى غناهم وتَرَفُهم، سواء من الفلاسفة والمفكرين، أو من الفنانين والمطربين، أو غيرهم.
فأقوال هؤلاء وأحوالهم تنبيك عما في دخائل نفوسهم مع أن الناظر في أحوالهم بادىء الرأي يظن أنهم والسعادة رضيعا لبان.

(ثانياً: نماذج لبعض أحوال العصاة:

(1) الفيلسوف الألماني المشهور (فريدريك نيتشه): بعد أن ألغى من فكره عقيدة الإيمان بالله، وحكمة الابتلاء في هذه الحياة، وأن وراء هذه الحياة حياة أخرى هي دار الخلود، والجزاء والحساب، ها هو يعرب عن دخيلة نفسه، وما يعانيه من شقاء وعذاب، فيقول: إنني أعلم جيداً لماذا كان الإنسان هو الوحيد الذي يضحك؛ لأنه الذي يعاني أشد العناء؛ فاضطره ذلك أن يخترع الضحك 2. (2) الفيلسوف الإنجليزي (هربارت سبنسر): ذلك الرجل الذي تدرس نظرياته التربوية في معظم بلاد العالم.
لما دنا من الموت نظر وراءه يستعرض حياته، فإذا هي في نظره أيام تنقضي كلها في كسب الشهرة الأدبية دون أن يتمتع بشيء من الحياة نفسها؛ فضحك من نفسه، وسخر، وتمنى لو أنه قضى أيامه الدابرة في حياة بسيطة سعيدة.
ولما حضرته الوفاة كان على يقين بأنه لم يعمل في حياته إلا عبثاً 3. (3) الفيلسوف (أرثر شوبنهور):

فيلسوف التشاؤم الألماني الملحد، عندما عزل عن تصوره مسألة الإيمان بالله، واليوم الآخر، ورفض حكمة الابتلاء نظر إلى الحياة نظرة ملؤها التشاؤم، ورأى أن طيبات الحياة كلها عبث، وأن مقاصد الناس تسير إلى الإخفاق، ومن أقواله في ذلك: =إننا لو تأملنا الحياة المصطخبة لرأينا الناس جميعاً يشتغلون بما تتطلبه من حاجة وشقاء، ويستنفذون كل قواهم؛ لكي يرضوا حاجات الدنيا التي لا تنتهي، ولكي يمحوا أحزانها الكثيرة 1. (4) جان بول سارتر: الفيلسوف الفرنسي الملحد الوجودي، عندما كفر بالله، واليوم الآخر أصبح ينظر إلى الحياة من منظوره الوجودي المادي، فلا يرى الوجود كله إلا من دوائر القلق، والمتاعب، والغثيان، والآلام.
وكتب في ذلك جملة قصص ومسرحيات ضَمَّنها آراءه الفلسفية الوجودية التي تتقيأ المكاره، والتي أبرز فيها الحياة تافهة حقيرة مخيفة مملوءة بالشقاء، مشحونة بالآلام، مع أنه دعا إلى التحلل والإباحة والانطلاق من جميع القيود.
وحين حضره الموت سأله من كان عنده: ترى إلى أين قادك مذهبك؟ فأجاب في أسىً عميق ملؤه الندم: إلى هزيمة كاملة 2. (5) بريجيت باردو: الممثلة الفرنسية المشهورة، قال لها صحفي: لقد كنتِ في يوم من الأيام رمزاً للتحرر والفساد.
فأجابته قائلة: هذا صحيح كنت كذلك، كنت غارقة في الفساد الذي أصبحت في يوم ما رمزاً له.
لكن المفارقة أن الناس أحبوني عارية، ورجموني عندما تبت 3، عندما أشاهد الآن أحد أفلامي السابقة فإنني أبصق على نفسي، وأقفل الجهاز فوراً، كم كنت سافلة، ثم تواصل قائلة: قمة السعادة للإنسان الزواج، وإذا رأيتُ امرأة مع رجل، ومعهما أولاد أتساءل في سري: لماذا أنا محرومة من مثل هذه النعمة؟ 4. (7) مارلين مونرو: ممثلة الإغراء الأمريكية التي تعد أشهر ممثلة في تاريخ هوليود، والتي يقولون عنها: إنها أسطورة هوليود التي لا يخبو نورها، ولا ينطفىء وهجها، ولا ينقطع الحديث عنها 5.

هذه المرأة تركت الدنيا منذ سبعة وثلاثين عاماً، حيث توفيت في الخامس من أغسطس عام 1962م في ظروف غامضة؛ فماذا كانت حياة تلك المشهورة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس في حياتها وبعد وفاتها، والتي تركت الدنيا في أوج شهرتها، وعزِّ بريقها، وشرخ شبابها، والتي لا يزال الحديث مستمر اً عنها؟ هل هي سعيدة في حياتها؟ وهل أغنت عنها شهرتها؟ لعل حديثها عن نفسها يكون أبلغ وأوقع، تقول عن نفسها: إنها نشأت في جو يخيم عليه الحزن، وتحاصره الكآبة، فلم تعرف لها أباً، ولم تجد لها أمَّاً حنوناً، ولم يُرَبِّتْ أحد على كتفها ليقول لها كما يقال للصغار: أنت طفلة جميلة.
وتعترف بأن الرجل الذي كتب اسمه في شهادة ميلادها على أنه أبوها هو أحد عشاق أمِّها الذي ربما اختارته بطريقة عشوائية كأب للمولودة الجديدة 1. وتقول مارلين: إن الملجأ كان مأواها في سن مبكرة بعد إصابة أمها باضطرابات عقلية شديدة، وبعد الملجأ تلقتها أسر كثيرة لرعايتها، حتى استقرت في النهاية عند سيدة عجوز تدعى (آنالودور) ظلت معها حتى الدراسة الثانوية، واكتشفت العجوز أن الفتاة كبرت، وأصبحت رائعة الجمال بطريقة جعلت الشباب في مدينة لوس أنجلوس يلاحقونها أينما ذهبت، فدبرت زواجها من شاب يدعى (جيم دوجرتي) ولكنها لم تحبه، ولم تشعر بالسعادة معه، وهنا بدأت العمل في السينما، وشعر الزوج بالغيرة، وانتهى الأمر بالطلاق، وبدأت مارلين تصعد أول درجات الشهرة كممثلة (2). ثم بعد ذلك وصلت إلى قمة الشهرة، فاشتعلت الغيرة والحقد كما تقول مارلين في نفوس كثيرين، ولم تشعر كما تقول بدفء المشاعر، وصدق النوايا.
وتقول: إنها تتمنى أن تخرج مع أناس لا يتوقعون منها شيئاً، وإنما يخرجون معها كنوع من الحب.
وتعترف مارلين أنها لم تحب أياً من أزواجها الثلاثة (جيم دوجرتي، وجوتي هايد، وجود يبمابيوم) وأن الرجل الوحيد الذي أحبته هو الكاتب المسرحي الأمريكي آثر ميلر، ولكن الزواج كما تقول أفسد هذا الحب، فقررا الانفصال، والطلاق، والاحتفاظ بالصداقة.
وتؤكد مارلين أن أسوأ شيء في حياتها هو محاولة الكثيرين استغلالها، حتى أقرب الأقربين 2. الجدير بالذكر أن حياة تلك المرأة كانت سلسلة من الفضائح التي كانت مسؤولة عن بعضها، ولا يد لها في بعضها الآخر.

وأشهر ما كان من ذلك علاقتها بالرئيس الأمريكي جون كنيدي، ثم تخليه عنها لما تولى الرئاسة، ثم علاقتها بأخيه روبرت كنيدي.
ولقد سببت لها تلك العلاقات متاعب كثيرة، بل لقد قيل: إن لآل كنيدي يداً في موتها 1. وأخيراً كيف كانت نهاية تلك المرأة؟ لقد وجدوها جثة هامدة في منزلها، واكتشف المحقق الذي تناول قضيتها أنها ماتت منتحرة، ووجد رسالة محفوظة في صندوق الأمانات في مانهاتن في نيويورك، وهذه الرسالة ألقت بعض الضوء على انتحار مارلين مونرو؛ إذ وجد على غلافها كلمة تطلب عدم فتح الرسالة قبل وفاتها.
ولما فتح المحقق الرسالة، وجدها مكتوبة بخط مارلين مونرو بالذات، وهي موجهة إلى فتاة تطلب نصيحة مارلين عن الطريق إلى التمثيل.
قالت مارلين في رسالتها إلى الفتاة، وإلى كل من ترغب العمل في السينما: احذري المجد، احذري كل من يخدعك بالأضواء؛ إني أتعس امرأة على هذه الأرض؛ لم أستطع أن أكون أماً، إني أفَضِّل البيت، والحياة العائلية الشريفةَ على كل شيء، إن سعادة المرأة الحقيقية في الحياة العائلية الشريفة الطاهرة، بل إن هذه الحياة العائلية لهي رمز سعادة المرأة، بل الإنسانية.
وتقول في النهاية: لقد ظلمني الناس، وإن العمل في السينما يجعل المرأة سلعة رخيصة تافهة مهما نالت من المجد والشهرة الزائفة.
إني أنصح الفتيات بعدم العمل في السينما وفي التمثيل؛ إن نهايتهن إذا كن عاقلات كنهايتي 2. هذه هي حال تلك المرأة، وهذه نصائحها المجانية تقدمها في نهاية مطافها؛ فما أكثر العبر، وما أقل المعتبر؛ فهل من مدكر؟ (7) كريستينا أوناسيس: تلك الفتاة اليونانية، ابنة التاجر الكبير الشهير أوناسيس الذي يملك الأموال الطائلة، والجزر، والأساطيل.
هذه الفتاة مات أبوها، وقبل ذلك ماتت أمها، وبينهما مات أخوها؛ فبقيت هي الوريثة الوحيدة مع زوجة أبيها لتلك الثروات الهائلة.
لقد ورثت عن أبيها ما يزيد على خمسة آلاف مليون ريال، وتملك أسطولاً بحرياً ضخماً، وجزراً كاملة، وشركات طيران.
أليست المقاييس لدى كثير من الناس تقول: إنها أسعد امرأة في العالم؟! بلى، ولكن الحقيقة تقول غير ذلك، والدليل على ذلك تفاصيل حياتها وما مر بها من بؤس، وتعاسة، وشقاء.

ومما مرت به من ذلك إخفاقها في الزواج أربع مرات، حيث تزوجت أربعة رجال من أربع دول، فلقد تزوجت برجل أمريكي ثم انفصلت عنه بعد شهور، ثم تزوجت برجل يوناني، ثم انفصلت عنه بعد عدة شهور، ثم انتظرت طويلاً تبحث عن السعادة، ثم تزوجت برجل شيوعي، وعندما سألها الناس والصحفيون: أنت تمثلين الرأسمالية؛ فكيف تتزوجين بشيوعي؟ قالت: أبحث عن السعادة.
وبعد الزواج ذهبت معه إلى روسيا، وبما أن النظام هناك لا يسمح بامتلاك أكثر من غرفتين، ولا يسمح بخادمة فقد جلست تخدم نفسها في غرفتيها، فجاءها الصحفيون وهم يتابعونها في كل مكان فسألوها: كيف يكون هذا؟ قالت: أبحث عن السعادة! وعاش معها زوجها سنة ثم انفصلت عنه.
وبعد ذلك أقيمت حفلة في فرنسا، وسألها الصحفيون: هل أنت أغنى امرأة في العالم؟ قالت: نعم أنا أغنى امرأة، ولكني أشقى امرأة! وآخر فصل من فصول قصتها أنها تزوجت برجل فرنسي، وبعد فترة يسيرة أنجبت منه بنتاً ثم انفصلت عنه، وعاشت بقية حياتها في تعاسة وهمّ.
وأخيراً وجدوها جثة هامدة في شاليه في الأرجنتين، وذلك في 19/ 11/1988م، وكان عمرها آنذاك 37 سنة، ولا يُعْلم أماتت مِيتَةً طبيعية، أم أنها قتلت، أم انتحرت، حتى إن الطبيب الأرجنتيني أمر بتشريح جثتها ثم دفنت في جزيرة أبيها.
فهل أغنى عن هذه مالها؟ وهل وجدت السعادة؟ 1. فماذا لو كانت مؤمنة بالله، واليوم الآخر، عاملة بما يرضي الله_عز وجل_مسلطة مالها على هلكته بالحق، أتراها تشقى بمالها؟ الجواب: لا، بل سيكون ذلك من أعظم أسباب سعادتها.
(8) الفنانة الإيطالية العالمية داليدا: التي وصلت مبيعات أغانيها إلى 85 مليون اسطوانة، والتي غنت 400 أغنية بالفرنسية، و 200 أغنية بالإيطالية، و 20 أغنية بلغات مختلفة منها الألمانية، والأسبانية، واليابانية، والعربية.
داليدا التي حققت في إحدى عشرة سنة إعجازاً فنياً جعلها تحصل على: أ_جائزة الأوسكار العالمي للأسطوانة عام 1974م. ب_الأسطوانة البلاتينية لشركة بني لوكس عام 1975م. جـ_جائزة أكاديمية الأسطوانة بفرنسا عام 1975م. د_جائزة برافو عام 1985م. هـ_جائزة الأوسكار التي حصلت عليها 5 مرات من إذاعة مونت كارلو.
و_عدة جوائز من إذاعة لوكسمبرج بدأتها في عام 1970م.

جارٍ التحميل