فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآدابصفحات 240-279

كتاب الرقائق

صفحات 240-279
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد نصر الدين محمد عويضة
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10 أعده للشاملة/ الغريب الشهري [الكتاب مرقم آليا]
الكتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
المؤلف
محمد نصر الدين محمد عويضة
عدد الأجزاء
10

(وخرج ابن أبي الدنيا بإسناده عن يزيد بن المهلب قال: استعملني سليمان بن عبد الملك على العراق وخرسان فودعني عمر بن عبد العزيز فقال: يا يزيد اتق الله فإني حين وضعت الوليد في لحده فأهوى يركض في أكفانه.
(وبإسناده عن عمرو بن ميمون بن مهران قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: كنت فيمن دلى الوليد بن عبد الملك في قبره، فنظرت إلى ركبتيه قد جمعت إلى عنقه، فقال ابنه: عاش والله أبي ورب الكعبة فقلت: عوجل أبوك ورب الكعبة قال: فاتعظ بها عمر بعد.
(وبإسناده عن الفضل بن يونس أن عمر بن عبد العزيز قال لمسلمة بن عبد الملك: حدثني مولاك عن فلان أنه لما دفن أباك والوليد فوضعهما في قبرهما وذهب ليحل العقد عنهما وجد وجوههما قد حولت في أقفيتهما.
(قال ابن أبي الدنيا: وحدثنا عبد المؤمن بن عبد الله الموصلي حدثني رجل من أهل الرملة قال: أصابتنا ريح شديدة كشفت عن القبور قال: فنظرت إلى جماعة منهم قد حولوا عن القبلة.
(وحدثني رجل أنه ماتت له ابنة فأنزلها القبر فذهب ليصلح لبنة فإذا هي قد حولت عن القبلة، فاغتمت لذلك غماً شديداً قال: فرأيتها في النوم فقالت: عامة من حولي من أهل القبور محولون عن القبلة قال: كأنها تريد الذين ماتوا على الكبائر.
(وروينا من طريق إسحاق الفزاري أنه سأل نباشاً قد تاب فقلت: أخبرني عمن مات على الإسلام أترك وجهه على ما كان أم ماذا؟ قال: أكثر ذلك قد حول وجهه عن القبلة، قال: فكتبت بذلك إلى الأوزاعي فكتب إلي: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ ثلاث مرات من حول وجهه عن القبلة فإنه مات على غير السنة، وخرجهما ابن أبي الدنيا مختصراً.
(وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي الحريش عن أمه قالت: لما حفر أبو جعفر خندق في الكوفة حول الناس موتاهم، فرأيت شاباً ممن حول عاضاً على يده.
قال: وحدثنا عبد المؤمن بن عبد الله العنسي قال: قيل لنباش قد كان تاب ما أعجب ما رأيت؟ قال: نبشت رجلاً فرأيته مسمراً بالمسامير في سائر جسده ومسمار كبير في رأسه وآخر في رجليه.
وقيل لنباش آخر: ما أعجب ما رأيت؟ قال: رأيت جمجمة إنسان مصبوباً فيها رصاص و. قيل لنباش آخر: ما كان سبب توبتك؟ قال: عامة ما كنت أنبش أراه محول الوجه عن القبلة.

(وذكر ابن الفارسي الليث صاحب أبي الفرج ابن الجوزي في تاريخه أنه في سنة تسعين وخمسمائة وجد ميت ببغداد بظاهر باب البصرة، وقد بلي ولم يبق غير عظامه، وفي يديه ورجليه ضباب حديد، وضرب فيها مسماران أحدهما في سرته، والآخر في جبهته، وكان هائل الخلقة، غليظ العظام، وكان سبب ظهوره زيادة الماء، كشفت تلاً كان يعرف بالتل الأحمر على ميلين من سور باب البصرة القديم.
(وذكر شيخنا أبو عبد الله بن القيم رحمه الله تعالى في كتاب الروح حدثنا أبو عبد الله محمد بن سنان السلامي التاجر، وكان من خيار عباد الله، قال: جاء رجل إلى سوق الحدادين ببغداد، فباع مسامير صغاراً فأخذها الحداد فجعل يحمي عليها، فلا تلين معه حتى عجز عن ضربها، فطلب الذي باعها عليه؟ فوجده فقال: من أين لك هذه المسامير؟، قال: لقيتها، فلم يزل حتى أخبره أنه رأى قبراً مفتوحاً وفيه عظام ميت منظومة بهذه المسامير قال: فعالجتها على أن أخرجها، فلم أقدر، فأخذت حجراً فكسرت عظامه وجمعتها، قال: وأنا رأيت تلك المسامير، قلت: وكيف وجدت صفتها؟ قال: المسمار صغير برأسين.
قلت: هذه الحكاية مشهورة ببغداد وقد سمعتها وأنا صبي ببغداد وهي مستفيضة بين أهلها.
قال شيخنا: وحدثنا أبو عبد الله محمد بن الوزير الحراني أنه خرج من داره بآمد بعد العصر إلى بستان، فلما كان قبل غروب الشمس توسط القبور فإذا قبر منها، وهو جمرة نار مثل كور الحداد زجاج والميت في وسطه قال: فجعلت أمسح عيني، أقول: أنا نائم أم يقظان، ثم التفت إلى سور المدينة فقلت: والله ما أنا بنائم ثم ذهبت إلى أهلي وأنا مدهوش، فأتوني بطعام فلم أستطع أن آكل، فدخلت البلد وسألت عن صاحب القبر، فإذا هو مكاس قد توفي في ذلك اليوم.
(ما شوهد من نعيم القبر وكرامة أهله:

وهذه القصص أوردها الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور: (روى ابن أبي الدنيا في كتاب الرقة والبكاء بإسناده عن مسكين بن بكير أن وراداً العجلي لما مات فحمل إلى حفرته نزلوا ليدلوه في حفرته، فإذا اللحد مفروش بالريحان، فأخذ بعضهم من ذلك الريحان، فمكث الناس من ذلك فأخذه الأمير وفرق الناس خشية الفتنة، ففقده الأمير من منزله لا يدري كيف ذهب.

(وروى أبو بكر الخطيب بإسناده عن محمد بن مخلد الدوري الحافظ قال: ماتت أمي فنزلت ألحدها فانفرجت لي فرجة عن قبر بقربها فإذا رجل عليه أكفان جدد وعلى صدره طاقة ياسمين طرية، فأخذتها فشممتها، فإذا هي أزكى من المسك وشمها جماعة كانوا معي، ثم رددتها إلى موضعها وسددت الفرجة.
(وروى أبو الفرج بن الجوزي من طريق أبي جعفر عن السراج عن بعض شيوخه قال: كشف قبر بقرب الإمام أحمد وإذا على صدر الميت ريحانه تهتز.
وذكر في تاريخه أن في سنة ست وسبعين وماءتين انفرج تل في أرض البصرة بعرق تل شقيق عن سبعة أقرب في مثل الحوض وفيها سبعة أنفس أبدانهم صحيحة وأكفانهم يفوح منها رائحة المسك أحدهم شاب له جمة وعلى شفتيه بلل كأنه شرب ماء، وكأن عينيه مكحلتان، وله مذبة في خاصرته، وأراد بعض من حضر أن يأخذ من شعره شيئاً فإذا هو قوي كشعر الحي.
(وخرج ابن سعد في طبقاته بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: كنت فيمن حفر لسعد بن معاذ قبره بالبقيع وكان يفوح علينا المسك كلما حفرنا من قبره تراباً حتى انتهينا إلى اللحد وبإسناده عن محمد بن شرحبيل بن حسنة قال: أخذ إنسان قبضة تراب من تراب سعد فذهب بها فنظر إليها بعد ذلك فإذا هي مسك.
(وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن المغيرة بن حبيبة أن عبد الله بن غالب الحراني لما دفن أصابوا من قبره رائحة المسك.
(قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور: (وأما من شوهد بدنه طرياً صحيحاً وأكفانه عليه صحيحة بعد تطاول المدة من غير الأنبياء عليهم السلام فكثير جداً، ونحن نذكر من أعيانهم جماعة.
(قال عمرو بن شبة: حدثني محمد بن يحيى، حدثنا هشام بن عبد الله بن عكرمة عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: لما سقط جدار بيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعمرو بن عبد العزيز يومئذ على المدينة انكشف قدم من القبور التي في البيت فأصابها شيء فدميت ففزع من ذلك عمر بن عبد العزيز فزعاً شديداً، فدخل عروة البيت فإذا القدم قدم عمر بن الخطاب، فقال لعمر لا تفزع هي قدم عمر بن الخطاب فأمر بالجدار فبني ورد على حاله.

(روى مالك عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ثم السلميين، كان قد حفر السيل قبرهما ما يلي السيل وكانا في قبر واحد وهما ممن استشهد يوم أحد فحفرا عنهما ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة.
(وقال ابن أبي الدنيا حدثنا أحمد بن عاصم حدثنا سعيد بن عامر عن المثني ابن سعيد قال: لما نزلت عائشة بنت طلحة البصرة أتاها رجل فقال: إني رأيت طلحة ابن عبيد الله في المنام، فقال: قل: لعائشة تحولني من هذا المكان فإن البرد قد آذاني.
فركبت في مواليها وحشمها، فضربوا عليه بناء، واستثاروه فلم يتغير منه إلا شعرات في إحدى شق لحيته أو قال رأسه، حتى حول إلى موضعه، وكان بينهما بضع وثمانون سنة.
(وبإسناده عن علي بن زيد بن جدعان عن أمه قالت: رأيت طلحة بن عبد الله لما حول من مكانه، فرأيت الكافور في عينيه، ولم يتغير منه شيء إلا عقيصة مالت من مكانها.
وقال في كتاب الأولياء: كتب أبو عبد الله محمد بن خلف بن صالح التيمي أن إسحاق بن أبي نباتة مكث ستين سنة يؤذن لقومه في مسجد عمرو بن سعيد يعني بالكوفة، وكان يعلم الغلمان الكتاب ولا يأخذ الأجر فمات قبل أن يحفر الخندق بثلاثين سنة، فلما حفر الخندق وكان بين المقابر، ذهب بعض أصحابه يستخرجه ووقع قبره في الخندق، فاستخرجوه كما دفن ولم يتغير منه شيء إلا الكفن قد جف عليه ويبس والحنوط محطوط عليه، وكان خضيباً فرأى وجهه مكشوفاً وقد اتصل الحنا في أطراف الشعر، فمضى المسيب بن زهير إلى أبي جعفر المنصور وهو على شاطىء الفرات، فأخبره، فركب أبو جعفر في الليل حتى رآه فأمر به فدفن بالليل لئلا يفتتن الناس.
(وفي الترمذي في سياق حديث صهيب المرفوع في قصة أصحاب الأخدود أن ذلك الغلام الذي قتله الملك وآمن الناس كلهم وقالوا: آمنا برب الغلام وجد في زمان عمر بن الخطاب ويده على جرحه كهيئته حين مات.
(وقد ذكر محمد بن كعب القرظي وزيد بن أسلم وغيرهما قصة عبد الله بن ثامر, وهو رأس الأخدود، وقصتة شبيهة بقصة الغلام المخرجة في الترمذي، وأنه وجد في زمان عمر بنجران، ويده على جرحه وأن جرحه يدمى.
وكذا ذكره ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.

وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب القبور قصة دانيال لما وجده أبو موسى الأشعري بالسوس وأخبار كثيره من أخبار المتقدمين في هذا المعنى.
(وذكر ابن الجوزي أن الشريف أبا جعفر بن أبي موسى لما دفن إلى جانب قبر الإمام أحمد بعد موت الإمام أحمد بمئة سنة رؤي كفن الإمام أحمد وهو يتقعقع قال: ولما كسف قبر البربهاري فاحت ببغداد رائحة طيبة حتى ملأت المدينة.
قال: وحدثنا محمد ابن أبي منصور بن يوسف حدثني أبي قال: في جملة من كشف ابن شمعون لما نقل من بيته إلى مقبرة الإمام أحمد بعد أربعين سنة وكفنه يتقعقع.

(

ذكر ضيق القبور وظلمتها على أهلها وتنورها عليهم بدعاء الأحياء:

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد أو شابا ففقدها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسأل عنها أو عنه فقالوا مات قال أفلا كنتم آذنتموني قال فكأنهم صغروا أمرها أو أمره فقال دلوني على قبره فدلوه فصلى عليها ثم قال إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله عز وجل ينورها لهم بصلاتي عليهم.
(أورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن سليم بن عامر قال: خرجنا في جنازة على باب دمشق ومعنا أبو أمامة الباهلي فلما صلى على الجنازة وأخذوا في دفنها قال أبو أمامة: إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تغنمون فيه الحسنات والسيئات توشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر وهو هذا ـ يشير إلى القبر ـ بيت الوحشة وبيت الظلمة وبيت الضيق إلا ما وسع الله ثم تنتقلون منه ِإلى يوم القيامة.
(وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سلمة بن سعيد قال: كان هشام الدستوائي إذا ذكر الموت يقول: القبر، وظلمة القبر، ووحشة القبر، فلما مر بعض إخوانه إلى جنبات قبره قال: يا أبا بكر والله صرت إلى المحذور.
(وروى بإسناده عن امرأة هشام الدستوائي قالت: كان هشام إذ طفىء المصباح غشيه من ذلك أمر عظيم فقلت له: إنه يغشاك أمر عظيم عدن المصباح إذا طفىء قال: إني أذكر ظلمة القبر، ثم قال: لو كان سبقتني إلى هذا أحد من السلف لأوصيت إذا مت أن أجعل في ناحية من داري قال: فما مكثنا إلا يسيراً حتى مات قال: فمر بعض إخوانه به في قبره فقال: يا أبا بكر صرت إلى المحذور.
(وأورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن

عبد الوهاب بن غياث حدثتني جمعة جارة لهشام الفردوسي قالت: كان هشام إذا رجع من جنازة لم يتعش تلك الليلة وكان لا ينام إلا في بيت سراج قال: فطفىء سراجه ذات ليلة فخرج هارباً فقيل له: ما شأنك قال: ذكرت ظلمة القبر.
(وأورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن خالد بن خداش قال: كنت أقعد إلى أشيم البلخي عم قتيبة وكان أعمى وكان يحدث ويقول: أواه القبر وظلمته، واللحد وضيقه، وكيف أصنع؟ ثم يخشى عليه، ثم يعود فيحدث فيصنع مثل ذلك مرات حتى يقوم.
(وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن وهيب بن الورد قال نظر ابن مطيع يوماً إلى داره فأعجبه حسنها فبكى ثم قال: والله لولا الموت لكنت بك مسروراً ولولا ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا ثم بكى بكاء شديداً حتى ارتفع صوته.
(وبإسناده عن الفيض بن إسحاق قال: قال لي الفضيل بن عياض: أرأيت لو كانت لك الدنيا فقيل لك: تدعها ويوسع لك في قبرك ما كنت تفعل؟ قال فقال: فضيل أليس تموت وتخرج من أهلك ومالك وتصير إلى القبر وضيقه وحدك ثم قال: (فَمَا لَهُ مِن قُوّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ) [الطارق: 10] ثم قال: إن كنت لا تعقل هذا فما في الأرض دابة أحمق منك.
(أورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن محمد بن حرب المكي قال: قدم علينا أبو عبد الرحمن العمري العابد فاجتمعنا إليه وأتاه وجوه أهل مكة قال: فرفع رأسه فنظر إلى القصور المحدقة بالكعبة فنادى بأعلى صوته: يا أصحاب القصور المشيدة اذكروا ظلمة القبر يا أهل النعيم والتلذذ اذكروا الدود والصديد وبلى الأجساد في التراب قال: ثم غلبته عيناه فنام.
(وأورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن سعيد بن عبد العزيز دخل على سليمان الخواص فقال: مالي أراك في الظلمة؟ قال: ظلمة القبر أشد.
(وخرج أبو نعيم بإسناد له عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول في موعظة له طويلة يذكر فيها أهل القبور: أليسوا في مدلهمة ظلماء أليس الليل والنهار سواء؟ (روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن وهب بن منبه قال: كان عيسى عليه السلام واقفاً على قبر ومعه الحواريون وصاحبه يدلى فيه فذكروا القبر ووحشته وضيقه وظلمته قال عيسى عليه السلام: قد كنتم في أضيق منه أرحام أمهاتكم فإذا أحب الله أن يوسع وسع.

(روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن جعفر بن سليمان قال: شهد رجل يدلى في حفرتة فقال: إن الذي يسهل على الجنين في بطن أمه قادر أن يسهل عليك، قال: وقال بعضهم: شبل ابن عورة هو المتكلم بهذا.

(

عرض منازل أهل القبور عليهم من الجنة أو النار بكرة وعشيا:

قال تعالى: (النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوَاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدّ الْعَذَابِ) [غافر: 46] (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره: وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور.
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: عذاب القبر حق.
وقال قتادة في قوله: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ صباحا ومساء، ما بقيت الدنيا، يقال لهم: يا آل فرعون، هذه منازلكم، توبيخا ونقمة وصَغَارا لهم.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن أحدكم إذا مات، عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة.

(

ضمة القبر:

(حديث ابن عمر رضي الله عنه الثابت في صحيح النسائي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: هذا الذي تحرك له العرش وفتحت له أبواب السماء وشهده سبعون ألفا من الملائكة لقد ضم ضمة ثم فرج عنه.
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا سعد بن معاذ و لقد ضم ضمة ثم روخي عنه.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (لو نجا أحد من ضمة القبر) وفي رواية من ضغطة القبر بضم الضاد (لنجا سعد بن معاذ) سيد الأنصار

(ولقد ضم ضمة ثم روخي عنه) فالمؤمن أشرق نور الإيمان في صدره فباشر اللذات والشهوات وهي من الأرض والأرض مطيعة وخلق الآدمي من هذه الأرض وقد أخذ عليه العهد والميثاق في العبودية له فما نقص من وفاء العبودية صارت الأرض عليه واجدة فإذا وجدته في بطنها ضمته ضمة ثم تدركه الرحمة فترحب به وعلى قدر سرعة مجيء الرحمة يتخلص من الضمة فإن كان محسناً فإن رحمة اللّه قريب من المحسنين فإذا كانت الرحمة قريبة من المحسنين لم يكن الضم كثيراً وإذا كان خارجاً من حد المحسنين لبث حتى تدركه الرحمة ولا ينافيه اهتزاز العرض لموته لأن دون البعث زلازل وأهوال لا يسلم منها ولي ولا غيره ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ ولهذا قال عمر: لو كان لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به [ص 333] من هول المطلع وفي الحديث إشارة إلى أن جميع ما يحصل للمؤمن من أنواع البلايا حتى في أول منازل الآخرة وهو القبر وعذابه وأهواله لما اقتضته الحكمة الإلهية من التطهيرات ورفع الدرجات ألا ترى أن البلاء يخمد النفس ويذلها ويدهشها عن طلب حظوظها ولو لم يكن في البلاء إلا وجود الذلة لكفى إذ مع الذلة تكون النصرة.
(تنبيه) قد أفاد الخبر أن ضغطة القبر لا ينجو منها أحد صالح ولا غيره لكن خص منه الأنبياء كما ذكره المؤلف في الخصائص وفي تذكرة القرطبي يستثنى فاطمة بنت أسد ببركة النبي صلى اللّه عليه وسلم وفيها أيضاً ذكر بعضهم أن القبر الذي غرس عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم العسيب قبر سعد قال: وهذا باطل وإنما صح أن القبر ضغطه كما ذكر ثم فرج عنه قال: وكان سببه ما روى يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني أمية بن عبد اللّه أنه سأل بعض أهل سعة ما بلغكم في قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذا قالوا: ذكر لنا أنه سئل عنه فقال: كان يقصر في بعض الطهور من البول وذكر هناد بن السري حديثاً طويلاً عنه أنه ضم في القبر ضمة حتى صار مثل الشعرة فدعوت اللّه أن يرفعه عنه إنه كان لا يستبرئ في أسفاره من البول.

وقال السلمي: أما الأخبار في عذاب القبر فبالغة مبلغ الاستفاضة منها قوله صلى اللّه عليه وسلم في سعد بن معاذ لقد ضغطته الأرض ضغطة اختلفت لها ضلوعه قال أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلم ننقم من أمره شيئاً إلا أنه كان لا يستبرئ في أسفاره من البول هكذا ذكره القرطبي عنه ثم قال: فقوله صلى اللّه عليه وسلم ثم خرج عنه دليل على أنه جوزي على ذلك التقصير لا أنه يعذب بعد ذلك في قبره هذا لا يقوله إلا شاك في فضيلته وفضلة ونصيحته وصحبته أترى من اهتز له عرش الرحمن كيف يعذب في قبره بعد ما فرج عنه؟ هيهات لا يظن ذلك إلا جاهل بحقه غبي بفضيلته وفضله اهـ. وأخرج الحكيم عن جابر بن عبد اللّه قال: لما توفي سعد بن معاذ ووضع في حفرته سبح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم كبر وكبر القوم معه فقالوا: يا رسول اللّه لم سبحت قال: هذا العبد الصالح لقد تضايق عليه قبره حتى فرجه اللّه عنه فسئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك فقال: كان يقصر في بعض الطهور من البول اهـ بحروفه.
قال الحكيم: فإن قيل الذي يهتز العرش لموته كيف يضيق عليه قلنا هذا خبر صحيح وذاك صحيح وإنما سبب ضم القبر أنه كان يقصر في بعض الطهور فكان القوم لا يستنجون بالماء بل بالأحجار فلما نزل فيه ﴿رجال يحبون أن يتطهروا﴾ ففشا فيهم الطهور بالماء فمنهم من استنجى بالماء ومنهم من استمر على الحجر فأهل الاستقامة يردون اللحود وقد يكون فيهم خصلة عليهم فيها تقصير فيردون اللحد مع ذلك التقصير غير نازعين عنه وليس ذلك بذنب ولا خطيئة فيعاتبون في قبورهم عليه فتلك الضمة نالت سعداً مع عظيم قدره لكونه عوتب في القبر بذلك التقصير فضم عليه ثم فرج ليلقى اللّه وقد حط عنه دنس ذلك التقصير مع كونه غير حرام ولا مكروه.
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا هذا الصبي.
(مرت عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها بجنازة صغير فبكت وقالت: بكيت لهذا الصبي شفقة عليه من ضمة القبر.

(

اجتماع أعمال الميت عليه من خير وشر ومدافعتها عنه:

(حديث أنس ابن مالك رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله.

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الميت إذا وضع في قبره إنه يسمع خفق نعالهم حين يولوا مدبرين فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه وكان الصيام عن يمينه وكانت الزكاة عن شماله وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلاة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة ما قبلي مدخل ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام ما قبلي مدخل ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة ما قبلي مدخل ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والمعروف والإحسان إلى الناس ما قبلي مدخل فيقال له اجلس فيجلس قد مثلت له الشمس وقد دنت للغروب فيقال له أرأيتك هذا الذي كان قبلكم ما تقول فيه وماذا تشهد عليه فيقول دعوني حتى أصلي فيقولون إنك ستفعل أخبرنا عما نسألك عنه أرأيتك هذا الرجل الذي كان قبلكم ماذا تقول فيه وماذا تشهد عليه قال فيقول محمد أشهد أنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنه جاء بالحق من عند الله فيقال له على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فيقال له هذا مقعدك منها وما أعد الله لك فيها فيزداد غبطة وسرورا ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له هذا مقعدك وما أعد الله لك فيها لو عصيته فيزداد غبطة وسرورا ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا وينور له فيه ويعاد الجسد كما بدأ منه فتجعل نسمته في النسيم الطيب وهي طير تعلق في شجر الجنة فذلك قوله يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة [إبراهيم: 27] وإن الكافر إذا أتي من قبل رأسه لم يوجد شيء ثم أتي عن يمينه فلا يوجد شيء ثم أتي عن شماله فلا يوجد شيء ثم أتي من قبل رجليه فلا يوجد شيء فيقال له اجلس فيجلس مرعوبا خائفا فيقال أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ماذا تقول فيه وماذا تشهد عليه فيقول أي رجل ولا يهتدي لاسمه فيقال له محمد فيقول لا أدري سمعت الناس قالوا قولا فقلت كما قال الناس فيقال له على ذلك حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له هذا مقعدك من النار وما أعد الله لك فيها فيزداد حسرة وثبورا ثم يفتح له باب من أبواب الجنة ويقال له هذا مقعدك منها وما أعد الله لك فيها لو أطعته فيزداد حسرة وثبورا ثم يضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه فتلك المعيشة الضنكة التي قال الله فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم

القيامة أعمى.

(

اجتماع الموتى إلى الميت وسؤالهم إياه:

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن المؤمن إذا قبض أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء فيقولون اخرجي إلى روح الله فتخرج كأطيب ريح المسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضا فيشمونه حتى يأتوا به باب السماء فيقولون ما هذه الريح الطيبة التي جاءت من الأرض ولا يأتون سماء إلا قالوا مثل ذلك حتى يأتوا به أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحا به من أهل الغائب بغائبهم فيقولون ما فعل فلان فيقولون دعوه حتى يستريح فإنه كان في غم الدنيا فيقول قد مات أما أتاكم فيقولون ذهب به إلى أمه الهاوية، وأما الكافر فيأتيه ملائكة العذاب بمسح فيقولون اخرجي إلى غضب الله فتخرج كأنتن ريح جيفة فيذهب به إلى باب الأرض.
(فيما ورد من تلاقي الموتى في البرزخ وتزاورهم:

(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه فإنهم يبعثون في أكفانهم ويتزاورون في أكفانهم.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (إذا ولى أحدكم أخاه فليحسن كفنه) بأن يختار له من الثياب أنظفها وأسبغها.
قال التوربشتي: وما يؤثره المبذرون من الثياب الرفيعة منهي عنه بأصل الشرع لإضاعة المال (فانهم يبعثون من قبورهم في أكفانهم) التي يكفنون عند موتهم فيها.
ولا ينافضه حشرهم عراة لأنهم يقومون من قبورهم بثيابهم ثم يجردون (ويتزاورون) في القبور (في أكفانهم) التي يكفنون عند موتهم فيها ولا ينافيه قول الصديق: الكفن إنما هو للصديد لأنه كذلك في رؤيتنا لا في نفس الأمر، ولا خبر: لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سريعاً - لاختلاف أحوال الموتى، فمنهم من يعجل له الكسوة لعلو مقامه، ومنهم من لم يبلغ ذلك فيستمر في كفنه ويتزاور فيه في البرزخ.
وفيه رد على ابن الحاج حيث قبح قول الناس: الموتى يتفاخرون في أكفانهم في القبور وحسنها وجعله من البدع الشنيعة (سموية) في فوائده.
(أورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن

بن أبي عيسى قال: كانت امرأة تقية سرية توفيت، فرأت ابنة لها في المنام كأن أمها أتتها، فقالت: يا بنية كفنتموني بكفن ضيق فأنا بين صواحبي أستحي منهن، وفلانة تأتينا في يوم كذا وكذا ولي في موضع ذكرته أربعة دنانير، فاشتروا لي كفنا، وابعثوا لي معها، قالت الابنة:] ولم أكن أعلم] أن لها في الموضع الذي ذكرت بأساً، قالت: فلما كان بعد اعتلت، قالت: فجاؤوني فقالوا لي: ما تقولين؟ فقصصت عليهم القصة فقالت: فذكرت الحديث الذي روي عن عائشة أنهم يتزاورون في أكفانهم، وقلت لهم: اذهبوا إلى رجلين من أهل الحديث بزازين، يقال لأحدهما: ابن النيسابوري، والآخر أبو توبة فليشتريا لها كفناً، قال: فذهبت البنت إلى الموضع الذي ذكرت، ووضعت الكفن معها في كفنها، فلما كان بعد ذلك رأت المرأة البنت في المنام، قالت: يا بنية قد أتتنا فلانة ووصل إلي الكفن ما أحسنه وأوسعه أما إنه جزاك الله خيراً.
مسألة: كيف يتزاورون بعد الموت؟ (حديث أم هانىء الأنصارية رضي الله عنها الثابت في صحيح الجامع) أنها سألت رسول الله أنتزاور إذا متنا ويرى بعضنا بعضاً؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تكون النسم طيراً تعلق بالشجر حتى إذا كان يوم القيامة دخلت كل نفس في جسدها ". قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (تكون النسم) بعد الموت (طيراً) أي على هيئة الطير أو في حواصل الطير على ما سبق تفصيله (تعلق بالشجر) أي تأكل منه والمراد شجر الجنة (حتى إذا كان يوم القيامة) يعني إذا نفخ في الصور النفخة الثانية (دخلت كل نفس في جسدها) الذي كانت فيه في الدنيا بأن يعيد اللّه الأجساد كما كانت عند الموت وتسكن أرواحها إليها قال الحكيم الترمذي: لعل هذا أي كونها في جوف الطيور في أرواح كمل المؤمنين اهـ.

(

ما ورد من سماع الموتى كلام الأحياء:

، ومعرفتهم بمن يسأل عليهم، ويزورهم ومعرفتهم بحالهم بعد الموت، وحال أقاربهم في الدنيا

(حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال فقال إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس يقول هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله قال فقال عمر فوالذي بعثه بالحق ما أخطؤا الحدود التي حد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال فجعلوا في بئر بعضهم على بعض فانطلق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى انتهى إليهم فقال يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقا فإني قد وجدت ما وعدني الله حقا قال عمر يا رسول الله كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها قال ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئا.
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قال: اطلع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أهل القليب فقال وجدتم ما وعد ربكم حقاً قيل له: أتدعو أمواتاً؟ قال: " ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون "! وفي رواية قال: " إنهم الآن يسمعون ما أقول ". ﴿تنبيه﴾: (قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور: وقد أنكرت عائشة ذلك كما في الصحيحين عن عروة عن عائشة انها قالت: قال رسول الله عليه وسلم: " إنهم ليسمعون الآن ما أقول " وقد وهم - يعني ابن عمر-قال: إنهم ليعلمون الآن ما كنت أقول لهم إنه حق ثم قرأت قوله ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾، ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾.
وقد وافق عائشة على نفي الموتى كلام الأحياء طائفة من العلماء ورجحه القاضي أبو يعلى من أصحابنا في كتاب الجامع الكبير له واحتجوا بما احتجت به عائشة، وبأنه يجوز أن يكون ذلك معجزة مختصة بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دون غيره، وهو سماع الموتى كلامه.
وفي صحيح البخاري قال قتادة: أحياهم الله تعالى [يعني أهل القليب] حتى أسمعهم قوله توبيخاً وتصغيراً ونقمة وحسرة وندماً.

وذهب طوائف من أهل العلم وهم الأكثرون وهو اختيار الطبري وغيره ـ يعني بالطبري ابن جرير ـ وكذلك ذكره ابن قتيبة وغيره من العلماء، وهؤلاء يحتجون بحديث القليب، كما سبق، وليس هو بوهم ممن رواه، فإن ابن عمر وأبا طلحة وغيرهما ممن شهد القصة حكياه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعائشة لم تشهد ذلك وروايتها عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: " إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقول لهم حق " يؤيد رواية من روى: إنهم ليسمعون، ولا ينافيه، فإن الميت إذا جاز أن يعلم جاز أن يسمع، لأن الموت ينافي العلم كما ينافي السمع والبصر، فلو كان مانعاً من البعض لكان مانعاً من الجميع.
(وقال أيضاً: وأما أن ذلك خاص بكلام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فليس كذلك، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم " وقد سبق ذكره.
(وقال أيضاً: وأما قوله تعالى: (إِنّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَىَ) [النمل: 80] وقوله تعالى: (وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مّن فِي الْقُبُورِ) [فاطر: 22] فإن السماع يطلق ويراد به إدراك الكلام وفهمه، ويراد به أيضاً الانتفاع به والاستجابة له.
والمراد بهذه الآيات نفي الثاني دون الأول، فإن ها في سياق خطاب الكفار الذين لا يستجيبون للهدى ولا للإيمان إذا دعوا إليه كما قال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنّمَ كَثِيراً مّنَ الْجِنّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلََئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ أُوْلََئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف: 179] في نفي السماع والإبصار عنهم لأن الشيء قد ينفى لانتفاء فائدته وثمرته فإذا لم ينتفع المرء بما يسمعه ويبصره فكأنه لم يسمع ولم يبصر، وسماع الموتى هو بهذه المثابة، وكذلك سماع الكفار لمن دعاهم إلى الإيمان والهدى.
وقول قتادة في أهل القليب: أحياهم الله حتى أسمعهم، يدل على أن الميت لا يسمع القول إلا بعد إعادة الروح إلى جسده: وبذلك قال طوائف كثيرة من السلف لأنه لا يسأل في قبره إلا بعد إعادة الروح إلى جسده، كما جاء ذلك مصرحاً به في حديث البراء بن عازب عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطويل، وقد سبق ذكر بعضه وفيه في حق الكافر " وتعاد روحه في جسده ".أهـ

(

ذكر محل أرواح الموتى في البرزخ:

أما الأنبياء عليهم السلام فليس فيهم شك أن أرواحهم عند الله في أعلى عليين.
326 - وقد ثبت في السنة الصحيحة أن آخر كلمة تكلم بها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند موته " اللهم الرفيق الأعلى " وكررها حتى قبض.
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح البخاري) قالت: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان بين يديه ركوة، أو: علبة فيها ماء ـ يشك عمر ـ فجعل يدخل يده في الماء، فيمسح بها وجهه، ويقول: (لا إله إلا الله، إن للموت سكرات).
ثم نصب يده فجعل يقول: (في الرفيق الأعلى).
حتى قبض ومالت يده.
وأما الشهداء فأكثر العلماء على أنهم في الجنة وقد تكاثرت بذلك الأحاديث.
(حديث مسروق الثابت في صحيح مسلم) قال: سألنا عبد الله هو بن مسعود عن هذه الآية (وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ) قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال هل تشتهون شيئا قالوا أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُرِكوا.
(حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: أصيب الحارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت: يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى تر ما أصنع، فقال: (ويحك، أو هبلت، أو جنة واحدة هي، إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس).
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: رأيت جعفر بن أبي طالب ملكا يطير في الجنة مع الملائكة بجناحين.
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (رأيت جعفر بن أبي طالب) هو ابن عم النبي صلى اللّه عليه وسلم الذي استشهد بمؤتة.
(ملكاً) أي على صورة ملك من الملائكة

(يطير في الجنة مع الملائكة بجناحين) سميا جناحين لأن الطائر يجنحهما عند الطيران أي يميلهما عنده ومنه ﴿وإن جنحوا للسلم﴾ وهذا قاله لولده لما جاء الخبر بقتله وفي رواية عوّضه اللّه جناحين عن قطع يديه وذلك أنه أخذ اللواء بيمينه فقطعت فأخذه بشماله فقطعت فاحتضنه فقتل.
قال القاضي: لما بذل نفسه في سبيل اللّه وحارب أعداءه حتى قطعت يداه ورجلاه أعطاه اللّه أجنحة روحانية يطير بها مع الملائكة ولعله رآه في المنام أو في بعض مكاشفاته اهـ. وقال السهيلي: ليسا كجناحي الطائر لأن الصورة الآدمية أشرف بل قوة روحانية وقد عبر القرآن عن العضو بالجناح توسعاً ﴿واضمم يدك إلى جناحك﴾ واعترض بأنه لا مانع من الحمل على الظاهر إلا من جهة المعهود [ص 9] وهو قياس الغائب على الشاهد وهو ضعيف.
(تتمة) قال في الإصابة: كان أبو هريرة يقول: إن جعفر أفضل الناس بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ورد عنه بسند صحيح.
أهـ (قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور: فالأحاديث السابقة كلها فيمن قتل في سبيل الله وبعضها صريح في ذلك، وفي بعضها أن الآية نزلت في ذلك وهو قوله تعالى ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً﴾ الآية نص في المقتول في سبيل الله.
وقد يطلق الشهيد على من حقق الإيمان وشهد بصحته بقوله تعالى: (وَالّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلََئِكَ هُمُ الصّدّيقُونَ وَالشّهَدَآءُ عِندَ رَبّهِمْ) [الحديد: 19] (وروى سفيان عن رجل عن مجاهد قال: كل مؤمن صديق وشهيد ثم قرأ (وَالّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلََئِكَ هُمُ الصّدّيقُونَ وَالشّهَدَآءُ عِندَ رَبّهِمْ) [الحديد: 19] (وخرج ابن أبي حاتم من رواية رشدين بن سعد عن ابن عقيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: كلكم صديق وشهيد.
قيل له: ما تقول يا أبا هريرة؟ قال: إقرأ (وَالّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلََئِكَ هُمُ الصّدّيقُونَ وَالشّهَدَآءُ عِندَ رَبّهِمْ) [الحديد: 19] ويعضد هذا ما ورد في تفسير قوله تعالى: (لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) [البقرة: 143] من شهادة هذه الأمة للأنبياء بتبليغ رسالاتهم، وبكل حال فالأحاديث المتقدمة كلها في الشهيد المقتول في سبيل الله لا يحتمل غير ذلك، وإنما النظر في حديث ابن إسحاق هذا والله أعلم.

(وقال أيضاً: وأما بقية المؤمنين سوى الشهداء فينقسمون إلى أهل تكليف، وغير أهل تكليف فهذان قسمان: (أحدهما غير أهل التكليف: كأطفال المؤمنين فالجمهور على أنهم في الجنة، وقد حكى الإمام أحمد على ذلك الإجماع.
وقال في رواية جعفر بن محمد: ليس فيهم اختلاف يعني أنهم في الجنة.
وقال في رواية الميموني لا أحد يشك أنهم في الجنة.
وذكر الخلال من طريق حنبل عن أحمد قال: نحن نقر بأن الجنة قد خلقت ونؤمن بأن الجنة والنار مخلوقتان قال تعالى: (النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً) [غافر: 46] لآل فرعون، وقال: أرواح ذراري المسلمين، في أجواف طير خضر تسرح في الجنة يكفلهم أبوهم إبراهيم فيدل هذا أنهما خلقتا.
وكذلك نص الشافعي على أن أطفال المسلمين في الجنة، وجاء صريحاً عن السلف على أن أرواحهم في الجنة كما روي.
(وأورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن عن ابن مسعود قال: إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تسرح بهم في الجنة حيث شاؤا وإن أرواح أولاد المسلمين في أجواف عصافبر تسرح بهم في الجنة حيث شاءت فتأوى إلى قناديل معلقة في العرش.
خرجه ابن أبي حاتم، ورواه الثوري والأعمش عن أبي قيس عن هذيل من قوله لم يذكر ابن مسعود.
أهـ ويدل على صحة ذلك الأحاديث الآتية: (حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح مسلم) قالت دعي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه قال أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أطفال المؤمنين في جبل في الجنة يكفلهم إبراهيم و سارة حتى يردهم إلى آبائهم يوم القيامة.
(حديث البراء رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: لما مات إبراهيم عليه السلام قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن له مرضعاً في الجنة).
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من مات له ثلاثاً من الولد لم يبلغوا الحِنْثَ كان له حجاباً من النار.
(ولهذا قال الإمام أحمد: هو يرجى لأبويه فكيف يشك فيه يعني أن يرجى لأبويه دخول الجنة بسببه.

(القسم الثاني: أهل التكليف من المؤمنين سوى الشهداء وقد اختلف فيهم العلماء قديماً وحديثاً والمنصوص عن الإمام أحمد: أن أرواح المؤمنين في الجنة ذكره الخلال في كتاب السنة عن غير واحد عن حنبل قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أرواح المؤمنين في الجنة، وقال حنبل في موضع آخر: هي أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في النار والأبدان في الدنيا يعذب الله من يشاء ويرحم من يشاء.
(وأورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن أرواح الموتى أتكون في أفنية قبورهم أم في حواصل طير أم تموت كما تموت الأجساد؟ فذكر الحديث الآتي: (حديث أم هانىء الأنصارية رضي الله عنها الثابت في صحيح الجامع) أنها سألت رسول الله أنتزاور إذا متنا ويرى بعضنا بعضاً؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تكون النسم طيراً تعلق بالشجر حتى إذا كان يوم القيامة دخلت كل نفس في جسدها ". قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (تكون النسم) بعد الموت (طيراً) أي على هيئة الطير أو في حواصل الطير على ما سبق تفصيله (تعلق بالشجر) أي تأكل منه والمراد شجر الجنة (حتى إذا كان يوم القيامة) يعني إذا نفخ في الصور النفخة الثانية (دخلت كل نفس في جسدها) الذي كانت فيه في الدنيا بأن يعيد اللّه الأجساد.
أهـ. ويستدل على ذلك أيضاً بالحديث الآتي: (حديث كعب بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أرواح المؤمنين في أجواف طير خضر تعلق في أشجار الجنة حتى يردها الله إلى أجسادها يوم القيامة.
(وأورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن هلال بن يساف قال: كنا جلوساً إلى كعب فجاء ابن عباس فقال: يا كعب كل ما في القرآن عرفت غير أربعة أشياء فأخبرني عنهن.
فسأله عن سجين وعليين.
فقال كعب: أما عليون فالسماء السابعة فيها أرواح المؤمنين، وأما سجين فالأرض السابعة فيها أرواح الكفار تحت خدّ إبليس.
وقد ثبت في الأدلة أن الجنة فوق السماء السابعة، وقد ذكرنا ذلك في كتاب " صفة النار " متوفي.
(قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور:

وقد يستدل للقول بأن أرواح المؤمنين في الجنة, وأرواح الكفار في النار من القرآن بأدلة منها قوله تعالى قال تعالى: (فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلََكِن لاّ تُبْصِرُونَ فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَأَمّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنّاتُ نَعِيمٍ وَأَمّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلاَمٌ لّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذّبِينَ الضّآلّينَ فَنُزُلٌ مّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنّ هََذَا لَهُوَ حَقّ الْيَقِينِ) [الواقعة 83: 95] هو دخول النار مع إحراقها وإنضاجها فجعل هذا كله متعقباً للاحتضار والموت وكذلك قوله تعالى في قصة المؤمنين في سورة يس قال تعالى: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنّةَ قَالَ يَلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) [يس 26، 27] وإنما قال هذا بعد ما قتلوه ورأى ما أعد الله له وقال تعالى: (يَأَيّتُهَا النّفْسُ الْمُطْمَئِنّةُ ارْجِعِي إِلَىَ رَبّكِ رَاضِيَةً مّرْضِيّةً) [الفجر 27: 28] على تأويل من تأول ذلك عند الاحتضار، وكذلك قوله تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلََئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ الْكِتَابِ حَتّىَ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفّوْنَهُمْ قَالُوَاْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلّواْ عَنّا وَشَهِدُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ أَنّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ قَالَ ادْخُلُواْ فِيَ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مّن الْجِنّ وَالإِنْسِ فِي النّارِ) [الأعراف 37: 38] ونظير هذه الآية قوله تعالى: (الّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السّلَمَ مَا كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوَءٍ بَلَىَ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: 28] ﴿تنبيه﴾: (قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور: وإنما تدخل أرواح المؤمنين والشهداء الجنة إذا لم يمنع من ذلك مانع من كبائر تستجوب العقوبة أو حقوق آدميين حتى يبرأ منها.
ويستدل لذلك بالأحاديث الآتية: (

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن مدعماً قتل يوم خيبر قال الناس: هنيئاً له الجنة فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بلى والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا ً".
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: نفسُ المؤمن معلقةٌ بدينه حتى يُقضى عنه.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: قَالَ السُّيُوطِيُّ أَيْ: مَحْبُوسَةٌ عَنْ مَقَامِهَا الْكَرِيمِ، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ أَيْ: أَمْرُهَا مَوْقُوفٌ لَا حُكْمَ لَهَا بِنَجَاةٍ، وَلَا هَلَاكٍَ حَتَّى يُنْظَرَ هَلْ يُقْضَى مَا عَلَيْهَا مِنَ الدَّيْنِ أَمْ لَا.
انْتَهَى، وسَوَاءٌ تَرَكَ الْمَيِّتُ وَفَاءً أَمْ لَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا، وَشَذَّ الْمَاوَرْدِيُّ فَقَالَ: إِنَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يُخَلِّفُ وَفَاءً، كَذَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي، وقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ: فِيهِ الْحَثُّ لِلْوَرَثَةِ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ، وَالْإِخْبَارُ لَهُمْ بِأَنَّ نَفْسَهُ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ، وهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَنْ لَهُ مَالٌ يُقْضَى مِنْهُ دَيْنُهُ، وأَمَّا مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَمَاتَ عَازِمًا عَلَى الْقَضَاءِ للدين، فَقَدْ وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْضِي عَنْهُ، بَلْ ثَبَتَ أَنَّ مُجَرَّدَ مَحَبَّةِ الْمَدْيُونِ عِنْدَ مَوْتِهِ لِلْقَضَاءِ مُوجِبَةٌ لِتَوَلِّي اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَلَمْ يَقْضِ مِنْهُ الْوَرَثَةُ الميت.
أهـ قلت: وعليه يحمل الحديث الآتي: (حديث ميمونة رضي الله عنها الثابت في صحيح الجامع) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من ادان دينا ينوي قضاءه أداه الله عنه.

(

زيارة الموتى والاتعاظ بهم:

مسألة: ما هو حكم زيارة القبور؟ تسن زيارة القبور للرجال دون النساء وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال زار النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت.
(حديث بريدة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لعن الله زوَّرات القبور.
(حديث البراء رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) قال كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بل الثرى ثم قال يا إخواني لمثل هذا فأعدوا.
(حديث هانىء مولى عثمان رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قال: كان عثمان إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار ولا تبكي وتبكي من هذا؟ قال: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه، وقال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما رأيت منظراً قطُّ إلا والقبر أفظع منه ". (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة)... أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لعن الله زوَّرات القبور.
مسألة: فإن قال قائل أن قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (زوَّرات القبور) للمبالغة فما الجواب؟ الجواب من وجهين: (الأول): أن كلمة زوَّرات تأتي للمبالغة وتأتي للنسبة كبنّاء ونجّار فيكون الأمر محتملاً للمبالغة أو النسبة، والدليل إذا طرقه الإحتمال بطل به الإستدلال (الثاني) ثبت عند الترمذي أيضاً لفظ لعن الله زائرات القبور.
فإذا لعنت الزائرات فالزوّارات من باب أولى.

(

آداب زيارة القبور:

مسألة: ما هي آداب زيارة القبور؟ (آداب زيارة القبور: (1) إذا وصل إلى المقابر يدعو بالدعاء المأثور: (حديث بريدة الثابت في صحيح مسلم) قال كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية.

(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح ابن ماجة) قال: أتيت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت عليك السلام، فقال لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الميت، قلت يا رسول الله أي المؤمنين أفضل قال أحسنهم خلقا قال فأي المؤمنين أكيس قال أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم لما بعده استعدادا أولئك الأكياس.
(2) تحقيق المقصود منها وهي تذكرة الموت والاعتبار والاستعداد للموت: (3) إذا مر المسلم بقبور الظالمين فعليه أن يبكي ويذكر ما كانوا عليه ويتفكر في عاقبة الظالمين.
(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري): أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم).
(4) الدعاء للأموات: (حديث عائشة الثابت في صحيح مسلم):أنها قالت كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كلما كان ليلتها من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد.
(ما يحرم عند القبور: مسألة: ما هي الأمور التي يحرم فعلها عند القبور؟ (

الأمور التي يحرم فعلها عند القبور:

(1) يحرم الذبح عند القبور: (حديث أنس الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا عقر في الإسلام.
﴿تنبيه﴾: معنى العقر: أصل العقر ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم فنهى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عنه لأنهم كانوا إذا مات الميت عقروا عند قبره شاةً أو بعيراً ويقولون إنه كان يعقر للأضياف فيكافيه بمثل صنيعه بعد وفاته.
(2) يحرم تجصيص القبر والبناء عليه: (حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) قال نهى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه.
(يجصص): تبيضه بالجص وهوالجير المعروف بعد بنيه.
الشاهد: أن الأصل في النهي التحريم، ثم إن بنيه وتجصيصه يجعله مشرفاً وهذا مخالفاً لهدي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (حديث أبي الهياج الأسدي الثابت في صحيح مسلم) قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله، ألا تدع صورةً إلا طمستها ولا قبراً مشرفاً إلا سويته.
(3) يحرم الجلوس على القبر:

(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) قال نهى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلي جلده خير له من أن يجلس على قبر.
وذلك لأن القبر بيت الميت المسلم وحرمته ميتاً كحرمته حياً (لحديث عائشة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كسر عظم الميت ككسره حياً.
(4) يحرم أن يكتب على القبر شيء: (حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح ابن ماجة) قال نهى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يكتب على القبر شيئ.
﴿تنبيه﴾: (والعلة في ذلك أن الكتابة على القبر تؤدي إلى تعظيمه و تعظيمه يكون سبباً في الشرك ولذا كان النهي حماية لجناب التوحيد وسداً لكل طريقٍ يجر إلى الشرك والعياذ بالله تعالى.
(5) يحرم الصلاة إليها: (حديث كنّاز بن الحصين الثابت في صحيح مسلم) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها.
والأصل في النهي التحريم (6) يحرم الصلاة عندها ولو بدون استقبال: (حديث أبي سعيد الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة.
(7) يحرم بناء المساجد عليها: (حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في مرضه الذي مات فيه: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا من قبور أنبيائهم مساجد، يحذر مما صنعوا.
(حديث أبي هريرية الثابت في صحيحيأبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا على فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم.
(8) يحرم السفر إليها: (حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد الرسول والمسجد الأقصى (9) يحرم إيقاد السرج عليها لكونه بدعة لا يعرفها السلف الصالح ومن المعلوم شرعا أن كل بدعةٍ ضلالة كما أن فيها إضاعة المال في غير معنى شرعي.

(حديث العرباض بن سارية الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أوصيكم بتقوى الله و السمع و الطاعة و أن أمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم بعدي فسيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها و عضوا عليها بالنواجذ و إياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة.
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[و إياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة] (حديث المغيرة بن شعبة الثابت في الصحيحين) قال: قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات ووأد البنات، ومنع وهات.
وكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال).
الشاهد: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وإضاعة المال] (10) يحرم كسر عظام الميت لأن حرمته ميتاً كحرمته حيا.
(لحديث عائشة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: كسر عظم الميت ككسره حياً.

(عِظةُ القبور:

زيارتك للمقبرة تجعلك تتفكر أن هذا مآلك شئت أم أبيت فيدفعك هذا إلى أن تقدم إلى مثل هذه الحفرة، تقدم ما يجعلها عليك روضة من رياض الجنة بإذن الله.
(قال عبد الحق الأشبيلي: (فينبغي لمن دخل المقابر أن يتخيل أنه ميت، وأنه قد لحق بهم، ودخل معسكرهم، وأنه محتاج إلى ما هم إليه محتاجون، وراغب فيما فيه يرغبون، فليأت إليهم ما يحب أن يؤتى إليه، وليتحفهم بما يحب أن يتحف به، وليتفكر في تغير ألوانهم، وتقطع أبدانهم، ويتفكر في أحوالهم، وكيف صاروا بعد الأنس بهم والتسلي بحديثهم، إلى النفار من رؤيتهم، والوحشة من مشاهدتهم وليتفكر أيضاً في انشقاق الأرض وبعثرة القبور، وخروج الموتى وقيامهم مرة واحدة حفاة عراة غرلاً، مهطعين إلى الداعي، مسرعين إلى المنادي.
(قال محمد بن صبيح: (بلغنا أن الرجل إذا وضع في قبره، فعذب أو أصابه ما يكره، ناداه جيرانه من الموتى: يا أيها المتخلف في الدنيا فبعد إخوانه! أما كان لذلك فينا معتبر؟ أما كان لك في تقدمنا إياك فكرة؟ أما رأيت انقطاع أعمالنا وأنت في المهل؟ فهلا استدركت ما فات إخوانك!!.
(شيع الحسن رحمه الله: جنازة فجلس على شفير القبر فقال: إن أمراً هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوله، وإن أمراً هذا أوله لحقيق أن يخاف آخره.

(ووعظ عمر بن عبد العزيز يوماً أصحابه فكان من كلامه أنه قال: إذا مررت بهم فنادهم إن كنت منادياً، وادعهم إن كنت داعياً، ومر بعسكرهم، وانظر إلى تقارب منازلهم.. سل غنيهم ما بقي من غناه؟.. واسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون، وعن الأعين التي كانوا للذات بها ينظرون.. واسألهم عن الجلود الرقيقة، والوجوه الحسنة، والأجساد الناعمة، ما صنع بها الديدان تحت الأكفان؟!.. أكلت الألسن، وغفرت الوجوه، ومحيت المحاسن، وكسرت الفقار، وبانت الأعضاء، ومزقت الأشلاء فأين حجابهم وقبابهم؟ وأين خدمهم وعبيدهم؟ وجمعهم وكنوزهم؟ أليسوا في منازل الخلوات؟ أليس الليل والنهار عليهم سواء؟ أليسوا في مدلهمة ظلماء؟ قد حيل بينهم وبين العمل، وفارقوا الأحبة والمال والأهل.
(وكان يزيد الرقاشي يقول لنفسه: "ويحك يا يزيد! من ذا يصلي عنك بعد الموت؟ من ذا يصوم عنك بعد الموت؟ من ذا يترضى عنك بعد الموت؟ ثم يقول: أيها الناس! ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم.. من الموت موعده.. والقبر بيته.. والثرى فراشه.. والدود أنيسه.. وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر.. كيف يكون حاله؟! "، ثم بكي رحمه الله.
(فيا ساكن القبر غداً! ما الذي غرك من الدنيا؟ أين دارك الفيحاء ونهرك المطرد؟ وأين ثمارك اليانعة؟ وأين رقاق ثيابك؟ وأين طيبك وبخورك؟ وأين كسوتك لصيفك وشتائك؟.. ليت شعري بأي خديك بدأ البلى.. يا مجاور الهلكات صرت في محلة الموت.. ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا.. وما يأتيني به من رسالة ربي.. ثم انصرف رحمة الله فما عاش بعد ذلك إلا جمعة.
(أخي الحبيب: تفكر في الذين رحلوا.. أين نزلوا؟ وتذكر القوم نوقشوا وسئلوا.. ولقد ودوا بعد الفوات لو قبلوا.. ولكن هيهات هيهات وقد قبروا.
أما اعتبرت بمن رحل، أما وعظتك العبر، أما كان لك سمعٌ ولا بصر.

(أورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن عمر بن عبد العزيز خرج مع جنازة فلما دفنها قال: دعوني حتى آتي قبور الأحبة قال: فأتاهم فجعل يدعوا ويبكي إذ هتف به التراب: يا عمر لا تسألني عما فعلت بالأحبة وما فعلت بهم؟ قال: مزقت الأكفان وأكلت اللحم، شدخت المقتلين، وأكلت الحدقتين، ونزعت الكفين من الساعدين، والساعدين من العضدين والعضدين من المنكبين، والمنكبين من الصلب، والقدمين من الساقين، والساقين من الفخذين، والفخذين من الورك، والورك من الصلب، قال: وعمر يبكي فلما أراد أن ينهض قال له التراب: يا عمر ألا أدلك على أكفان لا تبلى؟ قال: وما هي: تقوى الله والعمل الصالح.
(وأورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن ميمون بن مهران قال: خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقابر فلما نظر إلى القبور بكى ثم قال يا أيوب هذه قبور أبائي بني أمية، كأنهم لم يشركوا أهل الدنيا في لذاتهم وعيشتهم، أما تراهم صرعى فدخلت بهم المثلات، واستحكم فيهم البلاء، فأصابت الهوام في أبدانهم مقيلاً، ثم بكى حتى غشي عليه ثم أفاق فقال: فانطلق بنا فو الله ما أعلم أحداً أنعم ممن صار إلى هذه القبور وقد أمن من عذاب الله عز وجل.
(وأورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن ثابت البناني أنه دخل المقابر فبكى فقال: بليت أجسامهم وبقيت أخبارهم فالعهد قريب، واللقاء بعيد.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سلام بن صالح قال: فُقِدَ الحسن ذات يوم فلما أمسى قال له أصحابه: أين كنت؟ قال: كنت اليوم عند إخوان لي إن نسيت ذكروني، وإن غبت عنهم لم يغتابوني، فقال له أصحابه: نعم الإخوان والله هؤلاء يا أبا سعيد دلنا عليهم قال: هؤلاء أهل القبور.
(وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن عبد الواحد بن زيد أن الحسن قال لأصحابه، وهم في المقابر هم أهل محلة قد كفى من جلس إليهم الكلام وله في الجلوس إليهم الموعظة و الاعتبار.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن عمارة المغربي قال: قال لي محمد بن واسع: ما أعجب إلى منزلك قلت! وما يعجبك من منزلي وهو عند القبور؟! قال: وما عليك يكفون الأذى، ويذكرون الآخرة.
(أورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن الحسن أنه مر على مقبرة فقال: يا لهم من عسكر ما أسكتهم، وكم فيهم من مكروب.

(أورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن مالك بن دينار قال: خرجت أنا وحسان بن أبي سنان نزور المقابر فلما أشرف عليها سبقته عبرته، ثم أقبل عليّ فقال: يا يحيى هذه عساكر الموتى ينتظرون بها من بقي من الأحياء ثم يصاح بهم صيحة، فإذا هم قيام ينظرون، فوضع مالك يده على رأسه، وجعل يبكي.
(أورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن حسين الجعفي قال: أتى رجل قبراً محفوراً، فاطلع في اللحد، فبكى واشتد بكاؤه قال: أنت والله بيتي حقاً، والله إن استطعت لأعمرنك.
(أورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن عطاء السلمي أنه كان إذا جن عليه الليل خرج، فوقف على القبور، ثم قال: يا أهل القبور متم فوا موتاه ثم بكى ثم قال: يا أهل القبور عاينتم ما علمتم فوا عملاه ثم يبكي فلا يزال كذلك حتى يصبح.
(أورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن علي بن أحمد قال: كان الأسود بن كلثوم يخرج إلى المقابر إذا هدأت العيون، فيقول.
يا أهل الغربة والتربة، يا أهل الوحدة والبلى، ثم يبكي حتى يكاد يطلع الفجر، ثم يرجع إلى أهله.
(قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور: كان العمري الزاهد يلازم المقابر ومعه كتاب لا يفارقه فقيل له في ذلك، قال: ما شيء أوعظ من قبر ولا آنس من كتاب ولا أسلم من الوحدة.
(أورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن أبي محرز الطفاوي قال: كفتك القبور مواعظ الأمم السالفة.
(ولله درُ أبي العتاهية حيث قال: إني سألت التراب: ما فعلت بعدي بجسد وقع فيه الدود متعفرة فأجابني: صيرت ريحهم يؤذيك بعد روائح عطرة وأكلت أجساداً منعمة كان النعيم يهزها نضرة لم يبق غير جماجم عريت بيض تلوح أو أعظم نخرة (روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي إسحاق: شهدت جنازة رجل من إخواني منذ خمسين سنة فلما دفن وسوي عليه التراب وتفرق الناس، جلست إلى بعض تلك القبور ففكرت فيما كانوا فيه من الدنيا وانقطاع ذلك كله عنهم فأنشدت أقول: سلام... على أهل القبور الدوارس... كأنهم لم يجلسوا في المجالس ولم يشربوا من بارد الماء شربة... ولم يأكلوا من بين رطب ويابس ألا خبروني: أين... قبر ذليلكم... وقبر العزيز الباذخ... المتمارس

وغلبتني عيناي فقمت وأنا محزون.

(وروى أبو نعيم بإسناد له أن داود الطائي اجتاز على مقبرة وامرأة عند قبر تقول هذين البيتين فسمعها فكان ذلك سبب توبته يعني سبب انقطاعه عن الدنيا وأسبابها وانشغاله بالآخرة والاستعداد لها.
وسمع بكر العابد امرأة عند قبر تقول: واعمراه ليت شعري بأي خديك بدأ البلى وأي عينيك سالت قبل الأخرى، فخر بكر مغشياً عليه.
أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب " ذكر الأموات ". (وروى ابن أبي الدنيا في كتاب " الخائفين " عن محمد بن الحسين عن عبد الله بن موسى قال: كان الحسين بن صالح إذا صعد المنارة ـ يعني ليؤذن ـ أشرف على المقابر فإذا نظر إلي الشمس تمور على القبور صرخ حتى يسقط مغشياً عليه، فيحمل وينزل به، وشهد يوماً جنازة فلما قرب الميت ليدفن نظر إلى اللحد فارتاع عرقاً، ثم مال، فغشي عليه، فحمل على سرير الميت، فرد إلى منزله.
(وذكر بإسناد عن عيسى بن يونس ـ وذكر الحسين بن صالح ـ فقال: قل ما كنت أجيء في وقت صلاة إلا رأيته مغشيا عليه ينظر إلى المقبرة فيصرخ ويغشى عليه.
(وبإسناده عن عمر بن درهم القريعي دخل المقابر وهو معصوب العين وابنه يقوده فوطىء على قبر وقال يا بني أين أنا؟ قال في الجبان يا أبتاه قال: هاه ثم خر ميتا فحمل إلى أهله من المقابر ميتا، فغسل، ثم رد إلى المقابر، فدفن.
(روى ابن أبي الدنيا في كتاب " القبور" بإسناد له أن امرأة بالمدينة كانت تزهو فدخلت يوما المقابر، فرأت جمجمة، فصرخت ثم رجعت منيبة، فدخل عليها نساؤها فقلن ما هذا؟ فقالت: بكى قلبي لذكر الموت لما رأيت جماجم خوف القبور، ثم قالت: أخرجن من عندي فلا تأتين منكن امرأة إلا امرأة ترغب في خدمة الله عز وجل ثم أقبلت على العبادة حتى ماتت.
(وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن عيسى الخواص أن رجلا من الصدر الأول دخل المقابر، فمر بجمجمة بادية من بعض القبور، فحزن حزنا شديدا، ثم واراها، ثم التفت فلم ير إلا القبور، فحدث نفسه فقال: لو كشفت عن بعضهم فسألته ما رأى قال فأتى في منامه فقيل له: لا تغتر بتشييد القبور من فوقهم، فإن القوم بليت خدودهم في التراب فمن بين مسرور ينتظر ثواب الله عز وجل وبين مغموم آسفا على عقابه، فإياك والغفله عما رأيت، فاجتهد الرجل بعد ذلك اجتهادا شديدا حتى مات.

(أورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن سلمه البصري قال: وقف رجل على قبر قد بني بناء حسنا، فجعل يتعجب من حسنه، فلما كان في ليلة أتاه آت في منامه فوقف عليه، وإذا رجل قد انمحت آثار وجهه فقال شعرا: أعجبك القبر وحسن البناء... والجسم فيه قد حواه البلاء فاسأل الأموات عن حالهم... ينبأك عن ذاك ذهاب الجلاء

قال: ثم ولى فاتبعته، فدخل الجبان، فأتى ذلك القبر، فانساب فيه.
(أورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن الفضيل بن عياض قال: رأيت رجلاً يبكي، قلت: وما يبكيك؟ قال: أبكاني كلامه قلت: ما هو؟ قال: كنا وقوفاً في المقابر فأنشدوا: أتيت القبور فسألناها... أين المعظم والمحتقر وأين المذل بسلطانه... وأين القوي إذا ما قدر ففاتوا جميعاً فما مخبر... وماتوا جميعاً ومات الخبر فيا سائلي عن أناس مضوا... أما لك في ما مضى معتبر تروح وتغدو وأبلاك الثرى... فتمحو محاسن تلك الصور

(وأورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور أن بعض الوزراء أوصى أن يكتب على قبره: «أيها المغرور في الدنيا بعز يقينه، وبأهل وبمال وبقصرٍ تبتنيه، كم عليها قد سحبنا ذيل سلطان منيته، يحسب الأقدار تجري بخلود ترتجيه، إذا طواك الموت طياً فاعتبرنا نحن فيه».
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن عبد الله بن صدقة بن مرداس البكري عن أبيه عن شيخ حدثه بقرية من بلاد أنطابلس قال: كان ثلاثة إخوة: أمير يصحب السلطان ويؤمر على المدائن والجلوس، وتاجر موسر مطاع من ناحيته، وزاهد قد تخلى لنفسه وتخلى لعبادة ربه.
قال: فحضرت العابد الوفاة فاجتمع عنده إخوانه فقال لهما إذا مت فغسلاني وكفناني وادفناني على نشز من الأرض واكتبا على قبري: وكيف يلذ العيش من هو عالم... بأن إله الخلق لا بد سائله فيأخذ منه مظلمة... لعباده... ويجزيه بالخير الذي هو فاعله

فإذا أنتما فعلتما ذلك فأتياني كل يوم لعلكما أن تتعظا.
قال: ففعلا ذلك، فكان أخوه يركب في جنده حتى يقف على القبر فيقرأ ما على عليه ويبكي فلما كان اليوم الثالث وأراد أن ينصرف سمع هدة من داخل القبر، كاد أن ينصدع لها قلبه، فانصرف مذعوراً فزعاً فلما كان من الليل رأى أخاه في منامه فقال له أي أخي ما الذي سمعت من قبرك؟ قال تلك هدة المقمعة قيل لي رأيت: مظلوما، فلم تنصره، فأصبح مهموما فدعا أخاه وخاصته وقال: ما أرى أراد بما أوصى أن يكتب على قبره غيري، وإني أشهدكم أن لا أقيم بين ظهرانيكم أبدا، قال: فترك الإمارة ولزم الكتابة وكتب إلى عبد الملك بن مروان في ذلك، فكتب أن خلوه وما أراد، فحضرته الوفاة وهو في جبل مع بعض الرعاة فبلغ أخاه فأتاه فقال له إذا مت فادفني إلى جنب أخي وأكتب على قبري: وكيف يلذ العيش من كان موقنا... بأن المنايا بغتة ستعاجله فتسلبه ملكا عظيما... وتسكنه البيت الذي هو أهله ثم تعاهدني ثلاثة بعد موتي، وادعو الله لي لعل الله أن يرحمني، ومات ففعل به أخوه ذلك فلما كان في اليوم الثالث وأراد أن ينصرف سمع وجبة في قبره كاد أن يذهل عقله، فرجع حزينا قلقا.
فلما كان في الليل إذا بأخيه في منامه قد أتاه قال.
فقلت له: أي أخي أتيتنا زائرا قال: يا أخي هيهات بعد المزار فلا مزار، وأطمأنت بنا الدار قلت: يا أخي كيف أنت؟ قال: بخير ما أجمع التوبة لكل خير.
قال: فكيف أخي؟ قال: ذلك مع الأئمه الأبرار.
قلت: وما أمرنا وراءكم.
قال: من قدم شيئا وجده؛ فاغتنم وجدك قبل نقلك، فأصبح أخوه معتزلا ففرق ماله وقسمه وباعه، وأقبل على طاعة ربه، ونشأ له ابن كأهنأ الشباب وجها وجمالاً فأقبل على المكاسب والتجارة حتى بلغ منها الغاية، وحضرت الوفاة أباه وقال له: إذا مت تذكر القبور والتفكر في أحوالهم.
مسألة: ما هي فوائد زيارة القبور؟

(

فوائد زيارة القبور:

لزيارة القبور فوائد كثيرة منها ما يلي: (1) تذكر الموت والآخرة.
(2) تقصر الأمل.
(3) تزهد في الدنيا.
(4) ترقق القلوب.
(5) تدمع الأعين.
(6) تدفع الغفلة.
(7) تورقث الخشية.
(8) تورث الاجتهاد في العبادة.
قال محمد بن واسع لرجل: (ما أعجب إلى منزلك! فقال: وما بعجبك من منزلي وهو عند القبور؟ قال: وما عليك، يكفون الأذى ويذكرون الآخرة!!.

(

الفرق بين زيارة الموحدين للقبور، وزيارة المشركين:

(قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه إغاثة اللهفان:

(أما زيارة الموحدين: فمقصودها ثلاثة أشياء: أحدها: تذكر الآخرة والاعتبار والاتعاظ.
وقد أشار النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى ذلك بقوله: "زُورُوا الْقُبُورَ، فَإٍنّهَا تُذَكرُكُمُ الآخِرَةَ".
الثاني: الإحسان إلى الميت، وأن لا يطول عهده به، فيهجره، ويتناساه، كما إذا ترك زيارة الحي مدة طويلة تناساه، فإذا زار الحي فرح بزيارته وسر بذلك، فالميت أولى، لأنه قد صار في دار قد هجر أهلها إخوانهم وأهلهم ومعارفهم، فإذا زاره وأهدى إليه هدية: من دعائه، أو صدقة، أو أهدى قربة، ازداد بذلك سروره وفرحه، كما يسر الحي بمن يزوره ويهدى له، ولهذا شرع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم للزائرين أن يدعوا لأهل القبور بالمغفرة والرحمة، وسؤال العافية فقط، ولم يشرع أن يدعوهم، ولا يدعو بهم، ولا يصلى عندهم.
الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة، والوقوف عند ما شرعه الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فيحسن إلى نفسه وإلى المزور.
(وأما الزيارة الشركية فأصلها مأخوذ عن عباد الأصنام.
قالوا: الميت المعظم الذي لروحه قرب ومنزلة ومزية عند الله تعالى لا يزال تأتيه الألطاف من الله تعالى وتفيض على روحه الخيرات.
فإذا علق الزائر روحه به، وأدناها منه فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها، كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم المقابل له.
قالوا: فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده كله وإقباله عليه، بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره.
وكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب إلى انتفاعه به.
وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابي وغيرهما.
وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها.
وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها النور.
وبهذا السر عبدت الكواكب واتخذت لها الهياكل، وصنفت لها الدعوات، واتخذت الأصنام المجسدة لها.
وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها أعياداً، وتعليق الستور عليها، وإيقاد السرج عليها، وبناء المساجد عليها.
«وهو الذي قصد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إبطاله ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه».
فوقف المشركون في طريقه وناقضوه في قصده.
وكان صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في شق، وهؤلاء في شق.

وهذا الذي ذكره هؤلاء المشركون في زيارة القبور هو الشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها وتشفع لهم عند الله تعالى.
قالوا: فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المقرب عند الله وتوجه بهمته إليه وعكف بقلبه عليه صار بينه وبينه اتصال، يفيض به عليه منه نصيب مما يحصل له من الله.
وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاه وحظوة وقرب من السلطان، فهو شديد التعلق به.
فما يحصل لذلك من السلطان من الإنعام والإفضال ينال ذلك المتعلق به بحسب تعلقه به.
فهذا سر عبادة الأصنام، «وهو الذي بعث الله رسله، وأنزل كتبه بإبطاله، وتكفير أصحابه ولعنهم».
وأباح دماءهم وأموالهم وسبى ذراريهم، وأوجب لهم النار.
والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله، وإبطال مذهبهم.
قال تعالى: ﴿أَمِ اتخَذُوا مِنْ دُونِ الله شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزمر:43 - 44]. فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السموات والأرض، وهو الله وحده.
فهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده.
فيأذن هم لمن يشاء أن يشفع فيه.
فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له، والذي يشفع عنده إنما يشفع بإذنه له وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه وهى إرادته من نفسه أن يرحم عبده.
وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم، وهى التي أبطلها الله سبحانه في كتابه، بقوله تعالى:

﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِى نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شفَاعَةٌ﴾ [البقرة: 123] وقوله ﴿يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَنُفْقِوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يوْمٌ لا بَيْعٌ فِيه وَلا خُلّةُ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: 254] وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِى وَلا شَفِيعٌ لَعَلّهُمْ يَتّقُونَ﴾ [الأنعام: 51] وقال: ﴿اللهُ الّذِى خَلَقَ السَّموَات وَالأَرْضَ بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثم اُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَالَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: 4].
فأخبر سبحانه أنه ليس للعباد شفيع من دونه، بل إذا أراد الله سبحانه رحمة عبده أذن هو لمن يشفع فيه.
كما قال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: 3].
وقال: ﴿مَنْ ذَا الّذِى يَشْفَعَ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِه﴾ [البقرة: 255] فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه، ولا الشافع شفيع من دونه، بل شفيع بإذنه.
والفرق بين الشفيعين، كالفرق بين الشريك والعبد المأمور.
فالشفاعة التى أبطلها الله: شفاعة الشريك فإنه لا شريك له، والتي أثبتها: شفاعة العبد المأمور الذي لا يشفع ولا يتقدم بين يدي مالكه حتى يأذن له.
ويقول: اشفع في فلان.
ولهذا كان أسعد الناس بشفاعته سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد، الذين جردوا التوحيد وخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه، وهم الذين ارتضى الله سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لَمِنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28]، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحمنُ وَرَضِى لَهُ قَوْلاً﴾ [طه: 109] فأخبر أنه لا يحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضاء قول المشفوع له، وإذنه للشافع فيه، فأما المشرك فإنه لا يرتضيه، ولا يرضى قوله، فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه فإنه سبحانه علقها بأمرين: رضاه عن المشفوع له، وإذنه للشافع، فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة.

وسر ذلك: أن الله له الأمر كله وحده، فليس لأحد معه من الأمر شيء، وأعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عنده: هم الرسل والملائكة المقربون، وهم عبيد محض، لا يسبقونه بالقول، ولا يتقدمون بين يديه، ولا يفعلون شيئاً إلا بعد إذنه لهم، وأمرهم.
ولاسيما يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً، فهم مملوكون مربوبون، أفعالهم مقيدة بأمره وإذنه.
فإذا أشرك بهم المشرك، واتخذهم شفعاء من دونه، ظناً منه أنه إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله، فهو من أجهل الناس بحق الرب سبحانه وما يجب له ويمتنع عليه فإن هذا محال ممتنع، شبيه قياس الرب تعالى على الملوك والكبراء، حيث يتخذ الرجل من خواصهم وأوليائهم من يشفع له عندهم فى الحوائج.
وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام، واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والولي.
والفرق بينهما هو الفرق بين المخلوق والخالق، والرب والمربوب، والسيد والعبد، والمالك والمملوك، والغنى والفقير، والذى لا حاجة به إلى أحد قط، والمحتاج من كل وجه إلى غيره.
فالشفعاء عند المخلوقين: هم شركاؤهم، فإن قيام مصالحهم بهم، وهم أعوانهم وأنصارهم، الذين قيام أمر الملوك والكبراء بهم، ولولاهم لما انبسطت أيديهم وألسنتهم فى الناس، فلحاجتهم إليهم يحتاجون إلى قبول شفاعتهم، وإن لم يأذنوا فيها ولم يرضوا عن الشافع، لأنهم يخافون أن يردوا شفاعتهم، فتنتقض طاعتهم لهم، ويذهبون إلى غيرهم.
فلا يجدون بداً من قبول شفاعتهم على الكره والرضا.
فأما الغنى الذي غناه من لوازم ذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته.
وكل من في السماوات والأرض عبد له، مقهورون بقهره، مصرفون.
بمشيئته، لو أهلكهم جميعاً لم ينقص من عزه وسلطانه وملكه وربوبيته وإلهيته مثقال ذرة.
قال تعالي: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الَمْسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِى الأَرْضِ جَمِيعاً وَللهِ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخلق ما يشاء وَاللهُ عَلَى كَل شَىءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: 17]، وقال سبحانه في سيدة آي القرآن: آية الكرسي: ﴿لَهُ مَا فِى السَّموَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]، وقال: ﴿قل لله الشّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزمر: 44].

فأخبر أن حال ملكه للسموات والأرض يوجب أن تكون الشفاعة كلها له وحده، وأن أحداً لا يشفع عنده إلا بإذنه، فإنه ليس بشريك، بل مملوك محض، بخلاف شفاعة أهل الدنيا بعضهم عند بعض.
فتبين أن «الشفاعة التي نفاها الله سبحانه في القرآن هي هذه الشفاعة الشركية» التي يعرفها الناس، ويفعلها بعضهم مع بعض، ولهذا يطلق نفيها تارة، بناءً على أنها هي المعروفة المتعاهدة عند الناس، ويقيدها تارة بأنها لا تنفع إلا بعد إذنه، وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه، فإنه الذي أذن، والذي قبل، والذي رضا عن المشفوع والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة وقوله.
فمتخذ الشفيع مشرك، لا تنفعه شفاعته، ولا يشفع فيه، ومتخذ الرب وحده إلهه ومعبوده ومحبوبه، ومرجوه، ومخوفه الذي يتقرب إليه وحده، ويطلب رجاءه، ويتباعد من سخطه هو الذي يأذن الله سبحانه للشفيع أن يشفع فيه.
قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ؟﴾، إلى قوله: ﴿قُلْ للهِ الشّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [الزمر: 43 - 44]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ الله قُلْ أتُنَبئُونَ اللهَ بمَا لا يعْلمُ فى السَّموَاتِ وَلا فِى الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: 18]، فبين سبحانه أن المتخذين شفعاء مشركون، وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم هم، وإنما تحصل بإذنه للشافع، ورضاه عن المشفوع.

وسر الفرق بين الشفاعتين: أن شفاعة المخلوق للمخلوق، وسؤاله للمشفوع عنده، لا يفتقر فيها إلى المشفوع عنده، لا خلقاً، ولا أمراً، ولا إذناً، بل هو سبب محرك له من خارج، كسائر الأسباب التي تحرك الأسباب، وهذا السبب المحرك قد يكون عند المتحرك لأجله ما يوافقه كمن يشفع عنده في أمر يحبه ويرضاه، وقد يكون عنده ما يخالفه كمن يشفع إليه في أمر يكرهه، ثم قد يكون سؤاله وشفاعته أقوى من المعارض، فيقبل شفاعة الشافع.
وقد يكون المعارض الذي عنده أقوى من شفاعة الشافع، فيردها ولا يقبلها، وقد يتعارض عنده الأمران، فيبقى متردداً بين ذلك المعارض الذي يوجب الرد، وبين الشفاعة التي تقتضى القبول، فيتوقف إلى أن يترجح عنده أحد الأمرين بمرجح، فشفاعة الإنسان عند المخلوق مثله: هي سعى في سبب منفصل عن المشفوع إليه يحركه به، ولو على كره منه، فمنزلة الشفاعة عنده منزلة من يشفع يأمر غيره، أو يكرهه على الفعل، إما بقوة وسلطان، وإما يرغبه شفاعته، فلا بد أن يحصل للمشفوع إليه من الشافع إما رغبة ينتفع بها، وإما رهبة منه تندفع عنه بشفاعته.
وهذا بخلاف الشفاعة عند الرب سبحانه، فإنه ما لم يخلق شفاعة الشافع، ويأذن له فيها، ويحبها منه، ويرضى عن الشافع، لم يمكن أن توجد، والشافع لا يشفع عنده لحاجة الرب إليه، ولا لرهبته منه، ولا لرغبته فيما لزمه، وإنما يشفع عنده مجرد امتثال أمره وطاعته له، فهو مأمور بالشفاعة، مطيع بامتثال الأمر، فإن أحداً من الأنبياء والملائكة وجميع المخلوقات لا يتحرك بشفاعة ولا غيرها إلا بمشيئة الله تعالى، وخلقه، فالرب سبحانه وتعالى هو الذي يحرك الشفيع حتى يشفع، والشفيع عند المخلوق هو الذي يحرك المشفوع إليه حتى يقبل، والشافع عند المخلوق مستغن عنه في أكثر أموره، وهو في الحقيقة شريكه، ولو كان مملوكه وعبده.
فالمشفوع عنده محتاج إليه فيما يناله منه من النفع بالنصر، والمعاونة وغير ذلك، كما أن الشافع محتاج إليه فيما يناله منه: من رزق، أو نصر، أو غيره، فكل منهما محتاج إلى الآخر.
ومن وفقه الله تعالى لفهم هذا الموضع ومعرفته، تبين له حقيقة التوحيد والشرك، والفرق بين ما أثبته الله تعالى من الشفاعة وبين ما نفاه وأبطله، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نوراً فماله مِنْ نُورٍ﴾ [النور: 40].

(

استحباب تذكر القبور والتفكير في أحوالهم:

(حديث ابن مسعود في صحيح الترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: استحيوا من الله تعالى حق الحياء، قلنا يا نبي الله إنا لنستحي والحمد لله، قال: ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس و ما وعى والبطن و ما حوى وتذكر الموت و البِلى و من أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء.
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ) أَيْ حَيَاءً ثَابِتًا لَازِمًا صَادِقًا قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ، وَقِيلَ أَيِ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ (قُلْنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا لَنَسْتَحْيِي) لَمْ يَقُولُوا حَقَّ الْحَيَاءِ اعْتِرَافًا بِالْعَجْزِ عَنْهُ (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ) أَيْ عَلَى تَوْفِيقِنَا بِهِ (قَالَ لَيْسَ ذَاكَ) أَيْ لَيْسَ حَقَّ الْحَيَاءِ مَا تَحْسَبُونَهُ بَلْ أَنْ يَحْفَظَ جَمِيعَ جَوَارِحِهِ عَمَّا لَا يَرْضَى (وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ) الجزء السابع أَيْ عَنِ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ بِأَنْ لَا تَسْجُدَ لِغَيْرِهِ وَلَا تُصَلِّيَ لِلرِّيَاءِ وَلَا تَخْضَعَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلَا تَرْفَعَهُ تَكَبُّرًا (وَمَا وَعَى) أَيْ جَمَعَهُ الرَّأْسُ مِنَ اللِّسَانِ وَالْعَيْنِ وَالْأُذُنِ عَمَّا لَا يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ (وَتَحْفَظَ الْبَطْنَ) أَيْ عَنْ أَكْلِ الْحَرَامِ (وَمَا حَوَى) أَيْ مَا اتَّصَلَ اجْتِمَاعُهُ بِهِ مِنَ الْفَرْجِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْيَدَيْنِ وَالْقَلْبِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ مُتَّصِلَةٌ بِالْجَوْفِ، وَحِفْظُهَا بِأَنْ لَا تَسْتَعْمِلَهَا فِي الْمَعَاصِي بَلْ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى (وَتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى) بِكَسْرِ الْبَاءِ مِنْ بَلِيَ الشَّيْءُ إِذَا صَارَ خَلَقًا مُتَفَتِّتًا يَعْنِي تَتَذَكَّرَ صَيْرُورَتَكَ فِي الْقَبْرِ عِظَامًا بِالْبَيِّنَةِ (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا) فَإِنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ حَتَّى لِلْأَقْوِيَاءِ قَالَهُ الْقَارِي.
وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ: لِأَنَّهُمَا ضَرَّتَانِ فَمَتَى أَرْضَيْتَ إِحْدَاهُمَا أَغْضَبْتَ الْأُخْرَى (فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ.

520 - وخرج ابن أبى الدنيا بإسناد عن الضحاك قال: قال رجل يا رسول الله من أزهد الناس؟ قال: "من لم ينس القبر والبلى, وترك فضل الدنيا [الدنية] وآثر ما يبقى على ما يفنى, ولم يعد غداً من أيامه, وعد نفسه من أهل القبور ". وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
(روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي سريج الشامي قال: قال عمر بن عبد العزيز لرجل من جلسائه: يا فلان قد أرقت الليل متفكراً, قال: فيما يا أمير المؤمنين؟ قال في القبر وساكنه, لو رأيت بعد ثالثه في القبر لاستوحشت من قربه بعد طوال الأنس منك بناحيته, ولرأيت بيتاً تجول فيه الهوام, ويجري فيه الصديد وتخترقه الديدان مع تغير الرائحة وبلى الأكفان بعد حسن الهيئة وطيب الرائحة ونقاء الثوب قال: ثم شهق شهقة خر مغشياً.
(أورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن محمد بن كعب القرظي قال: بعثت إلى عمر بن عبد العزيز فقدمت إليه فأدمت النظر إليه فقال: يا ابن كعب إنك لتنظر إلي نظراً ما كنت تنظره إليَّ بالمدينة قلت: أجل يا أمير المؤمنين, يعجبني ما حال من لونك وما حال من جسمك قال: فكيف بك يا ابن كعب لو رأيتني بعد ثالثة في القبر, وقد ثبتت عيناي على وجنتي, وخرج الصديد والدود من منخري, لكنت لي أشد نكرة.
(أورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن وهب بن الورد قال: بلغنا أن رجلاً فقيهاً دخل على عمر بن عبد العزيز فقال: سبحان الله,كأنه تعجب من أمره الذي هو عليه, وقال له: تغيرت بعدنا! فقال له: وبينت ذلك فعلاً، فقال له: الأمر أعظم من ذلك, فقال له: يا فلان فكيف لو رأيتني بعد ثلاث, وقد أدخلت قبري، وقد خرجت الحدقتان فسالت على الخدين وتقلصت الشفتان عن الأسنان, وانفتح الفم, ونتأ البطن فعلا الصدر, وخرج الصديد من الدبر.

(وروى أبو نعيم الحافظ بإسناده أن عمر بن عبد العزيز شيع مرة جنازة من أهله, ثم أقبل على أصحابه ووعظهم, فذكر الدنيا فذمها وذكر أهلها, وتنعمهم فيها, وما صاروا إليه بعدها من القبور, فكان من كلامه أنه قال: إذا مررت بهم فنادهم إن كنت مناديا, وادعهم إن كنت داعياً ومر بعسكرهم, وانظر إلى تقارب منازلهم, سل غنيهم: ما بقي من غناه؟ وسل فقيرهم: ما بقي من فقره؟ واسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون، وعن الأعين التي كانوا للذات بها ينظرون، وسلهم عن الجلود الرقيقة والوجوه الحسنة والأجساد الناعمة ما صنع بها الديدان تحت الأكفان، وأكلت اللحمان وعفرت الوجوه، ومحت المحاسن، وكسرت الفقارة، وبانت الأعضاء، ومزقت الأشلاء، وأين حجابهم وقبابهم؟ وأين خدمهم وعبيدهم وجمعهم وكنوزهم وكأنهم ما وطئوا فراشا ًولا وضعوا هنا متكأ، ولا غرسوا شجراً ولا أنزلوهم من اللحد قراراً، أليسوا في منازل الخلوات؟ أليس الليل والنهار عليهم سواء؟ أليسوا في مدلهمة ظلماء، قد حيل بينهم وبين العمل، وفارقوا الأحبة، وكم من ناعم وناعمة أضحوا ووجوههم بالية، وأجسادهم من أعناقهم بائنة، أوصالهم ممزقة، وقد سالت الحدق على الوجنات، وامتلأت الأفواه دماً وصديداً، ودبت دواب الأرض في أجسادهم، ففرقت أعضاءهم، ثم لم يلبثوا إلا يسيراً حتى عادت العظام رميماً، فقد فارقوا الحدائق وصاروا بعد السعة إلى المضائق، قد تزوجت نساءهم، وترددت في الطرق أبناؤهم، وتوزعت القرابات ديارهم وقراهم، فمنهم والله الموسع له في قبره الغض الناظر فيه المتنعم بلذته، يا ساكن القبر غداً ما الذي غرك من الدنيا أين دارك الفيحاء ونهرك المطرد؟ وأين ثمارك اليانعة؟ وأين رقاق ثيابك وأين طيبك ونحورك، وأين كسوتك لصيفك ولشتاءك؟؟ أما رأيته قد زل به الأمر، فلما يدفع عن نفسه دخلاً وهو يرشح عرقاً ويتلمظ عطشاً، يتقلب في سكرات الموت وغمرته، جاء الأمر من السماء، وجاء غالب القدر والقضاء، هيهات: يا مغمض الوالد والأخ والولد، وغاسله، يا مكفن الميت ويا مدخله في القبر، وراجعاً عنه، ليت شعري بأي خديك بدأ البلى يا مجاور الهلكات صرت في محلة الموت، ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا وما يأتيني به من رسالة ربي، ثم انصرف فما عاش بعد ذلك إلا جمعة.

(وقد روي عنه من وجوه متعددة أنه قال في آخر خطبة خطبها - رحمة الله عليه - " ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، ثم يرمها بعدكم الباقون كذلك حتى يرد إلى خير الوارثين، وفي كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً قد قضى نحبه فتودعونه، وتدعونه في صدع من الأرض غير ممهد ولا موسد، قد فارقه الأحباب وخلع الأسباب وسكن التراب، وواجه الحساب، غنياً عما خلف، فقيراً إلى ما قدم.
وكان ينشد هذه الأبيات: من كان حين تصيب الشمس جبهته... أو الغبار يخالف الشين والشعثا و يألف الظل كي تبقى بشاشته... فكيف يسكن يوماً راغماً جدثاً في ظل مقفرة غبراء مظلمة... يطيل تحت الثرا في غمه اللبثا تجهزي... بجهاز... تبلغين... به... يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا

(أورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن أن النصر بن المنذر قال لإخوانه: زوروا الآخرة بقلوبكم، وشاهدوا الموقف بتوهمكم، وتوسدوا القبور بقلوبكم، واعلموا أن ذلك كائن لا محالة، فاختار لنفسه امرؤٌ ما أحب من المنافع والضرر.
(وأورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن مضر بن عيسى قال: رحم الله قوماً زاروا إخوانهم بقلوبهم في قبورهم وهم قيام في ديارهم، يشيرون إلى زيارتهم بالفكر في أحوالهم.
(وأورد الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور عن هشام الدستوائي قال: ربما ذكرت الميت إذا كفن في أكفانه فأعظ نفسي.
(ولله درُ ابن المبارك حيث قال: إن الذي... دفن... الأباعد... و الأقربين صاعداً فصاعداً عساك يوماً تذكر الملاحدا... يا من يرمي أن يكون خالدا شربت فاعلمه حديداً بارداً... لا بد تلقى طيباً و زائداً

(

أحوال السلف في تذكر القبور والتفكير في أحوالهم:

لقد كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى مثالاً يُحْتَذى به في تذكر القبور والتفكير في أحوالهم والاعتبار بهم، وهآنذا أذكر لك كلاماً حُقَّ له أن يُنْقَشَ على الصدور وأن يُكْتَبَ بماء الذهب من عمر ابن عبد لعزيز رحمه الله تعالى الذي ملأ الدنيا زهداً وكفافاً وقناعةً وعدلاً، ثم من كلام غيره من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء وحراس العقيدة وحماة السنة وأشياع الحق وأنصار دين الله عز وجل مثل الإمام ابن رجب وابن أبي الدنيا وغيرهم ممن ملأ الدنيا زهداً وكفافاً وقناعةً وعدلاً وعلماً وعملاً: (

جارٍ التحميل