المجموع شرح المهذبصفحات 367-406
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الطَّهَارَةِ

صفحات 367-406
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
الناشر
دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

﴿فَرْعٌ﴾ فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي تَفْرِيقِ قَضَاءِ رَمَضَانَ وَتَتَابُعِهِ

  • قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَتَابُعُهُ وَيَجُوزُ تَفْرِيقُهُ وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ ابي طالب ومعاذ ابن جَبَلٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ والثوري وابو حنيفة ومالك واحمد واسحق وابي ثَوْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَالنَّخَعِيِّ وَدَاوُد الظَّاهِرِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ التَّتَابُعُ قَالَ دَاوُد هُوَ وَاجِبٌ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ قَالَ التَّتَابُعُ وَالتَّفْرِيقُ سَوَاءٌ وَلَا فَضِيلَةَ فِي التَّتَابُعِ
  • ﴿فَرْعٌ﴾ يَجُوزُ قَضَاءُ رَمَضَانَ عِنْدَنَا فِي جَمِيعِ السَّنَةِ غَيْرَ رَمَضَانَ الثاني وأيام العيد والتشريق ولا كراهة في شئ مِنْ ذَلِكَ سَوَاءٌ ذُو الْحِجَّةِ وَغَيْرُهُ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَحْمَدَ واسحق وَأَبِي ثَوْرٍ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرَوَيْنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ كَرِهَ قَضَاءَهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ قَالَ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالزُّهْرِيُّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَعِدَّةٌ من أيام أخر)
  • قال المصنف رحمه الله تعالي

﴿ولو كان عليه قضاء شئ من رمضان فلم يصم حتي مات نظرت فان أخره لعذر اتصل بالموت لم يجب عليه شئ لانه فرض لم يتمكن من فعله إلي الموت فسقط حكمه كالحج وإن زال العذر وتمكن فلم يصمه حتى مات أطعم عنه لكل مسكين مد من طعام عن كل يوم وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يصام عنه لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اله عليه وسلم قال " مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ " ولانه عبادة تجب بافسادها الكفارة فجاز أن يقضي عنه بعد الموت كالحج والمنصوص في الام هو الاول وهو الصحيح والدليل عليه ماروى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " من مات وعليه صيام فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين " ولانه عِبَادَةٌ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فلا تدخلها النيابة بعد الموت كالصلاة (فان قلنا) أنه يصوم عنه وليه اجزأه فان أمر أجنبيا فصام عنه باجرة أو بغير أجرة اجزأه كالحج (وإن قلنا) يطعم عنه نظرت فان مات قبل أن يدركه رمضان آخر أطعم عنه عن كل يوم مسكين وإن مات بعد ما ادركه رمضان آخر ففيه وجهان (احدهما) يلزمه مدان مد للصوم ومد للتأخير (والثاني) يكفيه مد واحد للتأخير لانه إذا أخرج مدا للتأخير زال التفريط بالمد فيصير كما لو أخره بغيره تفريط فلا تلزمه كفارة﴾

  • ﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هُوَ غَرِيبٌ قَالَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ (وَقَوْلُ) الْمُصَنِّفِ عِبَادَةٌ تَجِبُ بِإِفْسَادِهَا الكفارة

احْتِرَازٌ مِنْ الصَّلَاةِ (وَقَوْلُهُ) عِبَادَةٌ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ احْتِرَازٌ مِنْ الْحَجِّ فِي حَقِّ الْمَعْضُوبِ (أَمَّا) حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ أَوْ بَعْضُهُ فَلَهُ حَالَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا فِي تَفْوِيتِ الْأَدَاءِ وَدَامَ عُذْرُهُ إلَى الْمَوْتِ كَمَنْ اتَّصَلَ مَرَضُهُ أَوْ سَفَرُهُ أَوْ إغْمَاؤُهُ أَوْ حَيْضُهَا أَوْ نِفَاسُهَا أَوْ حَمْلُهَا أَوْ إرضاعها ونحو ذلك بالموت لم يجب شئ عَلَى وَرَثَتِهِ وَلَا فِي تَرِكَتِهِ لَا صِيَامَ وَلَا إطْعَامَ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْحَجِّ (الْحَالُ الثَّانِي) أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ قَضَائِهِ سَوَاءٌ فَاتَهُ بِعُذْرٍ أَمْ بِغَيْرِهِ وَلَا يَقْضِيهِ حَتَّى يَمُوتَ فَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ (أَشْهَرُهُمَا وَأَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْجُمْهُورِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُ يَجِبُ فِي تَرِكَتِهِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ وَلَا يَصِحُّ صِيَامُ وَلِيِّهِ عَنْهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ فِي كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ وَأَكْثَرِ الْقَدِيمَةِ (وَالثَّانِي) وَهُوَ الْقَدِيمُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَصُومَ عَنْهُ وَيَصِحُّ ذَلِكَ وَيُجْزِئُهُ عَنْ الْإِطْعَامِ وَتَبْرَأُ بِهِ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ ولكن لا يَلْزَمُ الْوَلِيَّ الصَّوْمُ بَلْ هُوَ إلَى خِيَرَتِهِ وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ وَسَأُفْرِدُ لَهُ فَرْعًا أَبْسُطُ أدلته فيه إن شاء الله تعالي

  • قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ فَإِذَا قُلْنَا بِالْقَدِيمِ فَأَمَرَ الْوَلِيُّ أَجْنَبِيًّا فَصَامَ عَنْ الْمَيِّتِ بِأُجْرَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا جَازَ بِلَا خِلَافٍ كَالْحَجِّ وَلَوْ صَامَ الْأَجْنَبِيُّ مُسْتَقِلًّا بِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ (أَصَحُّهُمَا) لَا يُجْزِئُهُ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ أَمَرَ أَجْنَبِيًّا (وأما) المراد بالولي الذى يصوم عنه فقال إمام الحرمين يحتمل ان يكون من له الولاية يعني ولاية المال ويحتمل مطلق القرابة ويحتمل أن يشترط الارث ويحتمل أن يشترط العصوبة ثم توقف الامام فيه وقال لا نقل فيه عندي قال الرافعى وإذا فحصت عن نظائره وجدت الاشبه اعتبار الارث هذا كلام الرافعي وَاخْتَارَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ أَنَّهُ مطلق القرابة قال لان الولى مشتق من الولي باسكان اللام وهو القرب فيحمل عليه ما لم يدل دليل علي خلافه وهذا الذى اختاره أبو عمر وهو الاصح المختار وفي صحيح مسلم من رواية ابن عباس ومن رواية بُرَيْدَةَ " إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لامرأة ماتت أمها وعليها صوم صومي عن امك " وهذا يبطل احتمال الولاية والعصوبة فالصحيح ان الولي مطلق القرابة واحتمال الارث ليس ببعيد والله اعلم
  • ﴿فرع﴾ قد ذكرنا فيمن مات وعليه صوم وتمكن منه فلم يصمه حتى مات انه علي قولين (الجديد) المشهو في المذهب وصححه اكثر الاصحاب انه يجب الاطعام عنه لكل يوم مد من طعام ولا يجزئ الصيام عنه وبالغ الاصحاب في تقوية هذا القول وانه مذهب للشافعي حتى قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ هُوَ نص الشافعي في كتبه القديمة والجديدة قال وحكي عنه انه قال في بعض كتبه القديمة

يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ أَنَّهُ يُطْعِمُ عَنْهُ وَلَا يُصَامُ عَنْهُ قَالَ وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ الْقَدِيمِ أَنَّهُ يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ لِأَنَّهُ قال فيه قد روى ولك فِي ذَلِكَ خَبَرٌ فَإِنْ صَحَّ قُلْتُ بِهِ فجعله قولا ثانيا فال وَأَنْكَرَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا أَنْ يَكُونَ صَوْمُ الْوَلِيِّ عَنْهُ مَذْهَبًا لِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَتَأَوَّلُوا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ " مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ " إنْ صَحَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْإِطْعَامُ أَيْ يَفْعَلُ عَنْهُ مَا يَقُومُ مَقَامَ الصِّيَامِ وَهُوَ الْإِطْعَامُ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ بِأَنَّ الْحَجَّ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ فِي الْحَيَاةِ وَلَا تَدْخُلُ الصَّوْمَ النِّيَابَةُ فِي الْحَيَاةِ بِلَا خِلَافٍ هذا هو المشهور عند الاصحاب (والقول الثَّانِي) وَهُوَ الْقَدِيمُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَصُومَ عَنْهُ وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَوْ أَطْعَمَ عَنْهُ جَازَ فَهُوَ عَلَى الْقَدِيمِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ هَكَذَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَلَى الْقَدِيمِ وَهَذَا الْقَدِيمُ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا الْجَامِعِينَ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ (مِنْهَا) حَدِيثُ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يارسول اللَّهِ إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا فَقَالَ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دين أكنت قاضيه عنها قال نعم قال فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ " جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت.
يارسول اللَّهِ إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا قَالَ أَفَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهَا قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا تَعْلِيقًا بِمَعْنَاهُ وَعَنْ بريدة قال " بينا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ أتته امرأة فقالت يارسول اللَّهِ إنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ وَإِنَّهَا مَاتَتْ فَقَالَ وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ قالت يارسول اللَّهِ إنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا قَالَ صُومِي عَنْهَا قَالَتْ إنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا قَالَ حُجِّي عَنْهَا " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً رَكِبَتْ الْبَحْرَ فَنَذَرَتْ إنْ اللَّهُ نَجَّاهَا أَنْ تَصُومَ شَهْرًا فَنَجَّاهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَلَمْ تَصُمْ حَتَّى مَاتَتْ فَجَاءَتْ بِنْتُهَا أَوْ أُخْتُهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهَا أَنْ تَصُومَ عَنْهَا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ غَيْرُ مَا ذَكَرْتُهُ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ في السنن الكبير هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَأَحَادِيثَ كَثِيرَةً بِمَعْنَاهَا ثُمَّ قَالَ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ جَوَازُ الصِّيَامِ قَالَ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ قَالَ فِي الْقَدِيمِ قَدْ رُوِيَ فِي الصوم عن الميت شئ فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا صِيمَ عَنْهُ كَمَا يُحَجُّ عَنْهُ (وَأَمَّا) فِي الْجَدِيدِ فَقَالَ رَوَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنَّهُ يصوم عنه وليه " قال وإنما لم أخذ بِهِ لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَذْرًا وَلَمْ يُسَمِّهِ مَعَ حِفْظِ الزُّهْرِيِّ وَطُولِ مُجَالَسَةِ عُبَيْدِ الله لابن عَبَّاسٍ فَلَمَّا رَوَى غَيْرُهُ عَنْ

رجل عن ابن عباس غير مافى حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَشْبَهَ أَنْ لَا يَكُونَ مَحْفُوظًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ يَعْنِي بِهِ حَدِيثَ الشَّافِعِيِّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عن ابن عَبَّاسٍ " أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْضِهِ عَنْهَا " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ إلَّا أَنَّ في رواته سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ " يَعْنِي عَنْ الصَّوْمِ عَنْ أُمِّهَا وكذلك رواه الحكم بن عيينة وسلمة بن كهيل عن مجاهد عن ابن عباس وفى رواية عن مجاهد عن ابن عباس وفى رواية عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَوَاهُ بُرَيْدَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ قَدْ ثَبَتَ جَوَازُ قَضَاءِ الصَّوْمِ عَنْ الْمَيِّتِ بِرِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي رِوَايَةِ أَكْثَرِهِمْ " أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ " وَقَدْ ثَبَتَ الصَّوْمُ عَنْهُ من رواية عائشة ورواية لم بُرَيْدَةَ ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْكِتَابَيْنِ فَالْأَشْبَهُ أن تكون قصة السؤال عَنْ الصِّيَامِ بِعَيْنِهِ غَيْرُ قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الَّتِي سَأَلَ فِيهَا عَنْ نَذْرٍ مُطْلَقٍ كَيْفَ وَقَدْ ثَبَتَ الصَّوْمُ عَنْهُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَحَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أَصْحَابِنَا يُضَعِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَا رَوَى عن بريدة بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ حَجَّاجِ الْأَحْوَلِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَيُطْعِمُ عَنْهُ " وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ يُطْعِمُ عَنْهُ وَفِي النَّذْرِ يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ قَالَ وَرَأَيْتُ بَعْضَهُمْ ضَعَّفَ حَدِيثَ عَائِشَةَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ امْرَأَةٍ عَنْ عَائِشَةَ فِي امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمٌ قَالَتْ يُطْعَمُ عَنْهَا وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ " لَا تَصُومُوا عَنْ مَوْتَاكُمْ وَأَطْعِمُوا عَنْهُمْ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرُوا مَا يُوجِبُ ضَعْفَ الْحَدِيثِ فِي الصِّيَامِ عَنْهُ لِأَنَّ مَنْ يُجَوِّزُ الصِّيَامَ عَنْ الْمَيِّتِ يُجَوِّزُ الْإِطْعَامَ عَنْهُ قَالَ وَفِيمَا رُوِيَ عَنْهَا فِي النَّهْيِ عَنْ الصَّوْمِ عَنْ الْمَيِّتِ نَظَرٌ وَالْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ أَصَحُّ إسْنَادًا وَأَشْهَرُ رِجَالًا وَقَدْ أَوْدَعَهَا صَاحِبَا الصَّحِيحَيْنِ كِتَابَيْهِمَا وَلَوْ وَقَفَ الشَّافِعِيُّ عَلَى جَمِيعِ طُرُقِهَا وَنَظَائِرِهَا لَمْ يُخَالِفْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

  • هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْبَيْهَقِيّ قُلْتُ الصَّوَابُ الْجَزْمُ بِجَوَازِ صَوْمِ الْوَلِيِّ عَنْ الْمَيِّتِ سَوَاءٌ صوم رمضان والنذر وغيره من الصوم الواحب لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ وَلَا مُعَارِضَ لَهَا وَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ قَالَ إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي وَاتْرُكُوا قَوْلِي الْمُخَالِفَ لَهُ وَقَدْ صَحَّتْ فِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ كَمَا سَبَقَ وَالشَّافِعِيُّ إنَّمَا وَقَفَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ بَعْضِ طُرُقِهِ كَمَا سَبَقَ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى جَمِيعِ طُرُقِهِ وَعَلَى حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَحَدِيثِ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُخَالِفْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ فِي آخِرِ كَلَامِهِ فَكُلُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ

فَيَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِهَا لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ لَهَا (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْإِطْعَامِ عَنْهُ فَقَدْ سَبَقَ قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحُفَّاظِ لَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ وَإِنَّمَا رَفَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابن أَبِي لَيْلَى عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي يَمُوتُ وَعَلَيْهِ رَمَضَانُ لَمْ يَقْضِهِ قَالَ " يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ نِصْفُ صَاعٍ بُرٍّ " قال البيهقى هذا خطأ من وحهين (أَحَدُهُمَا) رَفْعُهُ وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ (الثَّانِي) قَوْلُهُ نِصْفُ صَاعٍ فَإِنَّمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ قُلْتُ وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِ محمد ابن ابي ليلي وانه لا يحتح بِرِوَايَتِهِ وَإِنْ كَانَ إمَامًا فِي الْفِقْهِ (وَأَمَّا) مَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مِنْ تَضْعِيفِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ بِمُخَالَفَتِهِمَا لِرِوَايَتِهِمَا فَغَلَطٌ مِنْ زَاعِمِهِ لِأَنَّ عَمَلَ الْعَالِمِ وَفُتْيَاهُ بِخِلَافِ حَدِيثٍ رَوَاهُ لَا يُوجِبُ ضَعْفَ الْحَدِيثِ وَلَا يَمْنَعُ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مَعْرُوفَةٌ في كتب المحدثين والاصوليين لاسيما وَحَدِيثَاهُمَا فِي إثْبَاتِ الصَّوْمِ عَنْ الْمَيِّتِ فِي الصَّحِيحِ وَالرِّوَايَةُ عَنْ عَائِشَةَ فِي فُتْيَاهَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهَا بِمَنْعِ الصَّوْمِ ضَعِيفٌ لَمْ يُحْتَجَّ بها لو لم يعارضها شئ كَيْفَ وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ (وَأَمَّا) تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَ مِنْ أَصْحَابِنَا " صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ " أَيْ أَطْعَمَ بَدَلَ الصِّيَامِ فَتَأْوِيلٌ بَاطِلٌ يَرُدُّهُ باقى الا حديث

  • ﴿فَرْعٌ﴾ إذَا قُلْنَا لَا يُصَامُ عَنْ الْمَيِّتِ بَلْ يُطْعَمُ عَنْهُ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ رَمَضَانَ الثَّانِي أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ مجئ رَمَضَانَ الثَّانِي فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ وَهُمَا مَشْهُورَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا (أَحَدُهُمَا) قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ يُطْعَمُ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ (وَأَصَحُّهُمَا) عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدَّانِ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَاتَّفَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى تَصْحِيحِهِ وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَاضِحَةً مَعَ نَظَائِرِهَا قَبْلَ هَذَا الْفَصْلِ بِقَلِيلٍ وَسَبَقَ تَفْرِيعٌ كَثِيرٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ
  • ﴿فَرْعٌ﴾ حُكْمُ صَوْمِ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ وَجَمِيعِ أَنْوَاعِ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ سَوَاءٌ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ (فَفِي) الْجَدِيدِ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ (وَفِي) الْقَدِيمِ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ وَلَهُ أَنْ يَصُومَ عَنْهُ كَمَا سَبَقَ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْقَدِيمُ كَمَا سَبَقَ
  • ﴿فَرْعٌ﴾ إذَا قُلْنَا إنَّهُ يجوز صوم الولى عن الميت وصوم الاجنبي باذن الْوَلِيِّ فَصَامَ عَنْهُ ثَلَاثُونَ إنْسَانًا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ هَلْ يُجْزِئُهُ عَنْ صَوْمِ جَمِيعِ رَمَضَانَ فَهَذَا مِمَّا لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا كَلَامًا فِيهِ وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي نَعْتَقِدُهُ
  • ﴿فَرْعٌ﴾ قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ وَلَا يُصَامُ عَنْ أَحَدٍ فِي حَيَاتِهِ بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ كَانَ عَاجِزًا أَوْ قَادِرًا

﴿فَرْعٌ﴾ لَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ أَوْ اعْتِكَافٌ لَمْ يَفْعَلْهُمَا عَنْهُ وَلِيُّهُ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْفِدْيَةِ صَلَاةٌ وَلَا اعْتِكَافٌ

  • هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمَعْرُوفُ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ فِي الام وغيره ونقل الْبُوَيْطِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الِاعْتِكَافِ يعتكف عنه وليه وفى وراية يُطْعِمُ عَنْهُ قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَا يَبْعُدُ تَخْرِيجُ هَذَا فِي الصَّلَاةِ فَيُطْعَمُ عَنْ كُلِّ صَلَاةٍ مُدٌّ (فَإِذَا قُلْنَا) بِالْإِطْعَامِ فِي الِاعْتِكَافِ فَالْقَدْرُ الْمُقَابِلُ بِالْمُدِّ هُوَ اعْتِكَافُ يَوْمٍ بِلَيْلَتِهِ هَكَذَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ نَقْلِ شَيْخِهِ ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ اعْتِكَافَ لَحْظَةٍ عِبَادَةٌ تَامَّةٌ وَنَقَلَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِي آخِرِ كِتَابِ الِاعْتِكَافِ أَنَّ الصَّيْدَلَانِيَّ حَكَى أَنَّهُ يُطْعَمُ فِي الِاعْتِكَافِ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ قَالَ وَلَمْ أَجِدْ هَذَا لِغَيْرِ الصَّيْدَلَانِيِّ
  • ﴿فَرْعٌ﴾ فِي حُكْمِ الْفِدْيَةِ وَبَيَانِهَا سَوَاءٌ الْفِدْيَةُ الْمُخْرَجَةُ عَنْ الميت وعن المرضع وَالْحَامِلِ وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ وَمَنْ عَصَى بِتَأْخِيرِ قَضَاءِ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ وَمَنْ أَفْطَرَ عَمْدًا وَأَلْزَمْنَاهُ الْفِدْيَةَ عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ فدية في الصَّوْمِ وَهِيَ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ لِكُلِّ يَوْمٍ جِنْسُهُ جِنْسُ زَكَاةِ الْفِطْرِ فَيُعْتَبَرُ غَالِبُ قُوتِ بَلَدِهِ فِي أَصَحِّ الْأَوْجُهِ وَفِي الثَّانِي قُوتُ نَفْسِهِ وَفِي الثَّالِثِ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ جَمِيعِ الْأَقْوَاتِ ويجئ فِيهِ الْخِلَافُ وَالتَّفْرِيعُ السَّابِقُ هُنَاكَ وَلَا يُجْزِئُ الدَّقِيقُ وَلَا السَّوِيقُ وَلَا الْحَبُّ الْمَعِيبُ وَلَا الْقِيمَةُ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ هُنَاكَ وَمَصْرِفُهَا الْفُقَرَاءُ أَوْ الْمَسَاكِينُ وَكُلُّ مُدٍّ مِنْهَا مُنْفَصِلٌ عَنْ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ صَرْفُ أَمْدَادٍ كَثِيرَةٍ عَنْ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ وَالشَّهْرِ الْوَاحِدِ إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ أَوْ فَقِيرٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ إمْدَادِ الْكَفَّارَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ صَرْفُ كُلِّ مُدٍّ إلَى مِسْكِينٍ وَلَا يُصْرَفُ إلَى مِسْكِينٍ مِنْ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ مدان لان الكفارة شئ وَاحِدٌ (وَأَمَّا) الْفِدْيَةُ عَنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ فَكُلُّ يوم مستقل بِنَفْسِهِ لَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ مَا قَبْلَهُ وَلَا مَا بَعْدَهُ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِمَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ
  • ﴿فَرْعٌ﴾ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ فَاتَهُ بِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَعْذَارِ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ قَضَائِهِ حَتَّى مَاتَ
  • ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لا شئ عَلَيْهِ وَلَا يُصَامُ عَنْهُ وَلَا يُطْعَمُ عَنْهُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ وَهُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا طَاوُسًا وَقَتَادَةَ فَقَالَا يَجِبُ أَنْ يُطْعَمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ فَأَشْبَهَ الشَّيْخَ الْهَرِمَ
  • وَاحْتَجَّ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا لِمَذْهَبِنَا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
  • واحتجو أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْحَجِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّيْخِ الْهَرِمِ بِأَنَّ الشَّيْخَ عَامِرُ الذِّمَّةِ وَمِنْ أَهْلِ الْعِبَادَاتِ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ
  • ﴿فَرْعٌ﴾ فِي مَذَاهِبِهِمْ فِيمَنْ تَمَكَّنَ مِنْ صَوْمِ رَمَضَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ حَتَّى مَاتَ
  • قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ فِي مَذْهَبِنَا قَوْلَيْنِ (أَشْهُرُهُمَا) يُطْعَمُ عَنْهُ لكل يَوْمٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ (وَأَصَحُّهُمَا) فِي الدَّلِيلِ يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ وَمِمَّنْ قَالَ بِالصِّيَامِ عَنْهُ طَاوُسٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وداود وقال ابن عباس وأحمد وإسحق

يُصَامُ عَنْهُ صَوْمُ النَّذْرِ وَيُطْعَمُ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ يُطْعَمُ عَنْهُ وَلَا يَجُوزُ الصِّيَامُ عَنْهُ لَكِنْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالثَّوْرِيِّ أَنَّهُ يُطْعَمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدَّانِ *

﴿فَرْعٌ﴾ فِي

مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ الصِّيَامِ

(إحْدَاهَا) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ بِمَا رَوَاهُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ " إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَعَنْ ابْنِ عمر

قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ والتوفيق لما تجب وَتَرْضَى رَبُّنَا وَرَبُّكَ اللَّهُ " رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي كِتَابِ الْأَدَبِ مِنْ سُنَنِهِ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ " بَلَغَنِي أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ آمَنْتُ بِاَلَّذِي خَلَقَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا " هَكَذَا رَوَاهُ عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَذْكَارٌ أُخَرُ ذَكَرْتُهَا فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ (الثَّانِيَةُ) يُسْتَحَبُّ لِلصَّائِمِ أَنْ يَدْعُوَ فِي حَالِ صَوْمِهِ بِمُهِمَّاتِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا لَهُ وَلِمَنْ يُحِبُّ وَلِلْمُسْلِمِينَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ وَالْمَظْلُومُ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهَكَذَا الرِّوَايَةُ حَتَّى بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ فَيَقْتَضِي اسْتِحْبَابُ دُعَاءِ الصَّائِمِ مِنْ أَوَّلِ الْيَوْمِ إلَى آخِرِهِ لِأَنَّهُ يُسَمَّى صَائِمًا فِي كُلِّ ذَلِكَ (الثَّالِثَةُ) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا يَقُولُ أَحَدُكُمْ إنِّي صُمْتُ رَمَضَانَ كُلَّهُ وَقُمْتُهُ فَلَا أَدْرِي أَكَرِهَ التَّزْكِيَةَ أَوْ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ نَوْمَةٍ أَوْ رَقْدَةٍ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ أَوْ صَحِيحَةٍ وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا صَاحِبُ الْبَيَانِ (الرَّابِعَةُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ صَمْتُ

يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ لِلصَّائِمِ وَلِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا ينم بَعْدَ احْتِلَامٍ وَلَا صُمَاتَ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ " دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ يُقَالُ لَهَا زَيْنَبُ فَرَآهَا لَا تَتَكَلَّمُ فقال مالها لَا تَتَكَلَّمُ فَقَالُوا حَجَّتْ مُصْمِتَةً فَقَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ هَذَا مِنْ عمل الجاهلية فتكلمت " رواه البخاري في صححيه (قَوْلُهُ) امْرَأَةٌ مِنْ أَحْمَسَ هُوَ بِالْحَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهِيَ قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِمْ أَحْمَسِيُّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ نُسُكِهِمْ الصُّمَاتُ وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَعْتَكِفُ الْيَوْمَ وَاللَّيْلَةَ فَيَصْمُتُ لَا يَنْطِقُ فَنُهُوا يَعْنِي فِي الْإِسْلَامِ عَنْ ذَلِكَ وَأُمِرُوا بِالذِّكْرِ وَالْحَدِيثِ بِالْخَيْرِ هَذَا كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ الْمَعْرُوفُ لِأَصْحَابِنَا وَلِغَيْرِهِمْ أَنَّ الصَّمْتَ إلَى اللَّيْلِ مَكْرُوهٌ وَقَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ بِتَرْكِ الْكَلَامِ فِي رَمَضَانَ جُمْلَةً وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يُلَازِمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ الصَّمْتَ فِي رَمَضَانَ لَكِنْ لَهُ أَصْلٌ فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا وَهُوَ قِصَّةُ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فلن أكلم اليوم انسيا) أَرَادَ بِالصَّوْمِ الصَّمْتَ فَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا يَلْزَمُنَا عِنْدَ عَدَمِ النَّهْيِ جَعَلَ ذَلِكَ قُرْبَةً وَمَنْ قَالَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا لَا يَلْزَمُنَا قَالَ لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ وَهُوَ كَلَامٌ بَنَاهُ علي أن شَرْعِنَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَهُوَ الصَّوَابُ (الْخَامِسَةُ) قَالَ الشافعي والاصحاب رحمهم الله تعالي الْجُودُ وَالْأَفْضَالُ يُسْتَحَبُّ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَهُوَ فِي رَمَضَانَ آكَدُ وَيُسَنُّ زِيَادَةُ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَدَلِيلُ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ (مِنْهَا) حَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ " رواه البخاري وسلم قال العلماء (قوله) كَالرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ أَيْ فِي الْإِسْرَاعِ وَالْعُمُومِ وَعَنْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ إذَا دَخَلَ العشر الاواخر أحيى اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " كَانَ يَجْتَهِدُ فِي العشر الاواخر مالا يجتهد

فِي غَيْرِهِ " وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوقِظُ أَهْلَهُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَيَرْفَعُ الْمِئْزَرَ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَعَنْ أنس قال " قيل يارسول اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ قَالَ صَدَقَةُ رَمَضَانَ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ

  • قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْجُودُ وَالْأَفْضَالُ مُسْتَحَبٌّ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَفِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ أَفْضَلُ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالسَّلَفِ وَلِأَنَّهُ شَهْرٌ شَرِيفٌ فَالْحَسَنَةُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ وَلِأَنَّ النَّاسَ يَشْتَغِلُونَ فِيهِ بِصِيَامِهِمْ وزيادة طاعاتهم عَنْ الْمَكَاسِبِ فَيَحْتَاجُونَ إلَى الْمُوَاسَاةِ وَإِعَانَتِهِمْ
  • ﴿فَرْعٌ﴾ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى عِيَالِهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَأَنْ يُحْسِنَ إلَى أرحامه وجيرانه لاسيما فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ (السَّادِسَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا السُّنَّةُ كَثْرَةُ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ وَمُدَارَسَتِهِ وَهُوَ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى غَيْرِهِ وَيَقْرَأَ غَيْرُهُ عليه للحديث السابق قريبا عن ابن عباس ويسن الاعتكاف فيه وآكده الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كان يعتكف الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ " رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ مَعْنَاهُ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُولَى وَالْعَشْرَ الْوَسَطَ مِنْ رَمَضَانَ " مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (السَّابِعَةُ) يُسْتَحَبُّ صَوْنُ نَفْسِهِ فِي رَمَضَانَ عَنْ الشَّهَوَاتِ فَهُوَ سِرُّ الصَّوْمِ وَمَقْصُودُهُ الْأَعْظَمُ وَسَبَقَ أَنَّهُ يَحْتَرِزُ عَنْ الْغِيبَةِ وَالْكَلَامِ القبيح والمشاتمة والمسافهة وكل مالا خَيْرَ فِيهِ مِنْ الْكَلَامِ (الثَّامِنَةُ) يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ غُسْلِ الْجَنَابَةِ مِنْ جِمَاعٍ أَوْ احْتِلَامٍ عَلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي تَأْخِيرِهِ مَحْمُولَةٌ على بيان الجواز والا فالكثير من مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْفَجْرِ (التَّاسِعَةُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ السِّوَاكُ بَعْدَ الزَّوَالِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ صَوْمِ النَّفْلِ وَالْفَرْضِ وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ لَا يُكْرَهُ فِي النَّفْلِ لِيَكُونَ أَبْعَدَ مِنْ الرِّيَاءِ وَهَذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ غَرِيبٌ أَنَّ السِّوَاكَ لَا يُكْرَهُ فِي كُلِّ صَوْمٍ لَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَلَا بَعْدَهُ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ السِّوَاكِ مَبْسُوطَةً قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا اسْتَاكَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ السِّوَاكِ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ بِشَرْطِ أَنْ يَحْتَرِزَ عن ابتلاع شئ مِنْهُ أَوْ مِنْ رُطُوبَتِهِ فَإِنْ ابْتَلَعَهُ أَفْطَرَ وَالِاسْتِيَاكُ قَبْلَ الزَّوَالِ بِالرَّطْبِ وَالْيَابِسِ جَائِزٌ بِلَا كَرَاهَةٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَعُرْوَةُ وَمُجَاهِدٌ وَأَيُّوبُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثور وداود كرهه بِالرَّطْبِ جَمَاعَةٌ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ

عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ وَالشَّعْبِيِّ وَالْحَكَمِ وَقَتَادَةَ ومالك واحمد واسحق وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَمِمَّنْ قَالَ بِالسِّوَاكِ لِلصَّائِمِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَكَرِهَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ عطاء ومجاهد واحمد واسحق وَأَبُو ثَوْرٍ (الْعَاشِرَةُ) قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْحَيْضَ والنفاس والجنون والردة كل واحد منها يُبْطِلُ الصَّوْمَ سَوَاءٌ طَالَ أَمْ كَانَ لَحْظَةً مِنْ النَّهَارِ وَصَوْمُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ صَحِيحٌ وَاَلَّذِي لَا يُمَيِّزُ لَا يَصِحُّ وَكَذَا لَا يَصِحُّ صَوْمُ السَّكْرَانِ قَالَ أَصْحَابُنَا شَرْطُ الصَّوْمِ الْإِسْلَامُ وَالتَّمْيِيزُ إلَّا الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمَ كَمَا سَبَقَ فِيهِمَا وَالنَّقَاءُ عَنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْوَقْتُ الْقَابِلُ للصوم احترازا عَنْ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ (الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) عَنْ أُمِّ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " دَخَلَ عَلَيْهَا فَقَدَّمَتْ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ كُلِي فَقَالَتْ إنِّي صَائِمَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّائِمُ تُصَلِّي عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ إذَا أُكِلَ عِنْدَهُ حَتَّى يَفْرُغُوا " رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حديث حسن

  • [باب صوم التطوع] (والايام التي نهى عن الصوم فيها) * قال المصنف رحمه الله
  • ﴿يستحب لمن صام رمضان أن يتبعه بست من شوال لما روى أبو أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ واتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر "﴾
  • ﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ " من صام رمضان ثم أتبعه ستا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ " وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ بِلَفْظِهِ فِي الْمُهَذَّبِ وَاسْمُ أَبِي أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدِ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيِّ بِالنُّونِ وَالْجِيمِ شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ أَوْ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ " مِنْ غَيْرِ هَاءِ التَّأْنِيثِ فِي آخِرِهِ هَذِهِ لُغَةُ الْعَرَبِ الْفَصِيحَةُ الْمَعْرُوفَةُ يَقُولُونَ صُمْنَا خَمْسًا وَصُمْنَا سِتًّا وَصُمْنَا عَشْرًا وَثَلَاثًا وَشَبَهُ ذَلِكَ بِحَذْفِ الْهَاءِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مُذَكَّرَا وَهُوَ الْأَيَّامُ فَمَا لَمْ يُصَرِّحُوا بِذِكْرِ الْأَيَّامِ يَحْذِفُونَ الْهَاءَ فَإِنْ ذَكَرُوا الْمُذَكَّرَ أَثْبَتُوا الْهَاءَ فَقَالُوا صُمْنَا سِتَّةَ أَيَّامٍ وَعَشْرَةَ أَيَّامٍ وَشَبَهُ ذَلِكَ وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي جَوَازِهِ وَمِمَّنْ نَقَلَهُ عَنْ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْمَشْهُورِينَ وَفُضَلَائِهِمْ الْمُتْقِنِينَ وَمُعْتَمَدِيهِمْ الْمُحَقِّقِينَ الْفَرَّاءُ ثُمَّ ابْنُ السِّكِّيتِ

وغيرهما من المتقدمين والمتأخرين قال أبو إسحق الزجاج وفى تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) إجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ سِرْنَا خَمْسًا بَيْنَ يَوْمٍ وليلة وأنشد الجعدى

  • فطفت ثَلَاثًا بَيْنَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ
  • وَمِمَّا جَاءَ مِثْلَهُ في القرآن العظيم قوله تعالى (والمطلقات يتربصن بانفسهن اربعة اشهر وعشرا) مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُرَادَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا وَلَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ من اليوم العاشر وتدخل الليلة الحادية عشر ومئله قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا عشرا) أَيْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى (إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي تَعْلِيلِ هَذَا الْبَابِ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِتَغْلِيبِ اللَّيَالِي عَلَى الْأَيَّامِ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَوَّلَ الشَّهْرِ اللَّيْلُ فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيَالِي هِيَ الْأَوَائِلُ غَلَبَتْ لِأَنَّ الْأَوَائِلَ أَقْوَى وَمِنْ هَذَا قَوْلُ الْعَرَبِ خَرَجْنَا لَيَالِيَ الْفِتْنَةِ وَخِفْنَا لَيَالِيَ إمَارَةِ الْحَجَّاجِ وَالْمُرَادُ الْأَيَّامُ بِلَيَالِيِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
  • (أَمَّا) حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ صَوْمُ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ قَالُوا وَيُسْتَحَبُّ ان يصومها متتايعة فِي أَوَّلِ شَوَّالٍ فَإِنْ فَرَّقَهَا أَوْ أَخَّرَهَا عن أول شَوَّالٍ جَازَ وَكَانَ فَاعِلًا لِأَصْلِ هَذِهِ السُّنَّةِ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ وَإِطْلَاقِهِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وداود
  • وقال مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُكْرَهُ صَوْمُهَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَصَوْمُ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ يَصُومُهَا وَلَمْ يَبْلُغْهُ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ كَانُوا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ وَأَنْ يُلْحِقَ بِرَمَضَانَ أَهْلُ الْجَفَاءِ وَالْجَهَالَةِ مَا لَيْسَ مِنْهُ لَوْ رَأَوْا فِي ذَلِكَ رُخْصَةً عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرَأَوْهُمْ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ هَذَا كَلَامُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ
  • وَدَلِيلُنَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ السَّابِقُ وَلَا مُعَارِضَ لَهُ (وَأَمَّا) قَوْلُ مَالِكٍ لَمْ أَرَ أَحَدًا يَصُومُهَا فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الْكَرَاهَةِ لِأَنَّ السُّنَّةَ ثَبَتَتْ فِي ذَلِكَ بِلَا مُعَارِضٍ فَكَوْنُهُ لَمْ يَرَ لَا يَضُرُّ وَقَوْلُهُمْ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْفَى ذَلِكَ فَيُعْتَقَدُ وُجُوبُهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى أَحَدٍ وَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ إنَّهُ يُكْرَهُ صَوْمُ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ وَسَائِرِ الصَّوْمِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ وَهَذَا لا يقوله أحد * قال المصنف رحمه الله
  • ﴿ويستحب لغير الحاج ان يصوم يوم عرفة لما روى أبو قتادة قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم صوم عاشوراء كفارة سنة وصوم يوم عرفة كفارة سنتين سنة قبلها ماضية وسنة بعدها مستقبلة " ولا يستحب ذلك للحاج لما روت ام الفضل بنت الحارث " ان اناسا اختلفوا عندها في يوم عرفة فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بعضهم هو صائم وقال بعضهم ليس بصائم فارسلت إليه بقدح من لبن وهو واقف علي بعيره بعرفة فشرب " ولان الدعاء في هذا اليوم يعظم ثوابه والصوم يضعفه فكان الفطر افضل﴾

﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ قَالَ " عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقَالَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالسَّنَةَ الْبَاقِيَةَ " وَحَدِيثُ أُمِّ الْفَضْلِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أُمِّ الْفَضْلِ وَرَوَيَا أَيْضًا مِثْلَهُ مِنْ رِوَايَةِ أُخْتِهَا مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَاسْمُ أُمِّ

الْفَضْلِ لُبَابَةُ الْكُبْرَى وَهِيَ أُمُّ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِخْوَتِهِ وَكَانُوا سِتَّةَ نُجَبَاءَ وَلَهَا أُخْتٌ يُقَالُ لَهَا لُبَابَةُ الصُّغْرَى وَهِيَ أُمُّ خَالِدِ بْنِ الواليد وكن عشر أخوات وميمونة بنت الحرث أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ إحْدَاهُنَّ وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ أَوَّلُ امْرَأَةٍ أَسْلَمَتْ بَعْدَ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَمَّا) حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يُسْتَحَبُّ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ بِعَرَفَةَ (وَأَمَّا) الْحَاجُّ الْحَاضِرُ فِي عَرَفَةَ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْأَصْحَابُ يُسْتَحَبُّ لَهُ فِطْرُهُ لِحَدِيثِ أُمِّ الْفَضْلِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ لَهُ صَوْمُهُ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِكَرَاهَتِهِ الدَّارِمِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَآخَرُونَ وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ كَرَاهَتَهُ عَنْ كَثِيرِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْجُمْهُورُ الْكَرَاهَةَ بَلْ قَالُوا يُسْتَحَبُّ فِطْرُهُ كَمَا قَالَهُ الشافعي (وأما) قول المصنف وامام الحرمين لا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِلْحَاجِّ فَعِبَارَةٌ نَاقِصَةٌ لِأَنَّهَا لَا تُفِيدُ اسْتِحْبَابَ فِطْرِهِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ

  • وَاحْتُجَّ لِمَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم " نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَجْهُولٌ وَعَنْ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ " سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ قَالَ حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَصُمْهُ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَصُمْهُ وَمَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ فَأَنَا لَا أَصُومُهُ وَلَا آمُرُ بِهِ وَلَا أَنْهَى عنه " وراه التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ لَا دَلَالَةَ فِيهِمَا لِمَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ ضَعِيفٌ وَالثَّانِيَ لَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ وَإِنَّمَا هُوَ خِلَافُ الْأَفْضَلِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ
  • ﴿فَرْعٌ﴾ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لِلْحَاجِّ بِعَرَفَةَ الْفِطْرُ يَوْمَ عَرَفَةَ هَكَذَا أَطْلَقَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي إنْ كَانَ الشَّخْصُ مِمَّنْ لَا يَضْعُفُ بِالصَّوْمِ عَنْ الدُّعَاءِ وَأَعْمَالِ الْحَجِّ فَالصَّوْمُ أَوْلَى لَهُ وَإِلَّا فَالْفِطْرُ وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ إنْ كَانَ قَوِيًّا وَفِي الشِّتَاءِ وَلَا يَضْعُفُ بِالصَّوْمِ عَنْ الدُّعَاءِ فَالصَّوْمُ أَفْضَلُ لَهُ قَالَ وَبِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ وَعَطَاءٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا هَذَا كَلَامُ الرُّويَانِيِّ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ لَوْ عَلِمَ الرَّجُلُ أَنَّ الصَّوْمَ بِعَرَفَةَ لَا يُضْعِفُهُ فَصَامَهُ كَانَ حَسَنًا وَاخْتَارَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا وَالْمَذْهَبُ اسْتِحْبَابُ الْفِطْرِ مُطْلَقًا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أصحابنا وصرجوا بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ
  • ﴿فَرْعٌ﴾ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي صَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ
  • ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا اسْتِحْبَابُ فِطْرِهِ وَرَوَاهُ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَنَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَنَقَلَهُ الْعَبْدَرِيُّ عَنْ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ غَيْرَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَائِشَةَ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي العاص الصحابي وعائشة واسحق بْنِ رَاهْوَيْهِ اسْتِحْبَابَ الصَّوْمِ وَاسْتَحَبَّهُ عَطَاءٌ فِي الشِّتَاءِ وَالْفِطْرَ فِي الصَّيْفِ وَقَالَ قَتَادَةُ لَا باس

بِالصَّوْمِ إذَا لَمْ يُضْعِفْ عَنْ الدُّعَاءِ وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ يَجِبُ الْفِطْرُ بِعَرَفَةَ وَدَلِيلُنَا مَا سَبَقَ

  • ﴿فَرْعٌ﴾ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لِلْحَاجِّ فِطْرُ عَرَفَةَ لِيَقْوَى عَلَى الدُّعَاءِ هَكَذَا عَلَّلَهُ الشافعي والاصحاب قال الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَلِأَنَّ الْحَاجَّ ضَاحٍ مُسَافِرٌ وَالْمُرَادُ بِالضَّاحِي الْبَارِزُ لِلشَّمْسِ لِأَنَّهُ يَنَالُهُ مِنْ ذَلِكَ مَشَقَّةٌ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصُومَ مَعَهَا وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ صَوْمُ يَوْمِ الِاسْتِسْقَاءِ وَإِنْ كَانَ يَوْمَ دُعَاءٍ وَسَبَقَ هُنَاكَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَمُخْتَصَرُهُ أَنَّ الْوُقُوفَ يَكُونُ آخِرَ النَّهَارِ وَوَقْتَ تَأْثِيرِ الصَّوْمِ مَعَ أَنَّهُ مُسَافِرٌ وَالِاسْتِسْقَاءُ يَكُونُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ قَبْلَ ظُهُورِ أَثَرِ الصِّيَامِ مَعَ أَنَّهُ مُقِيمٌ
  • ﴿فَرْعٌ﴾ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ هَكَذَا ذَكَرُوهُ هُنَا وَسَنُوَضِّحُهُ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ
  • ﴿فَرْعٌ﴾ قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ يَوْمُ عَرَفَةَ أَفْضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ اُخْتُلِفَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ أَيُّهُمَا أفضل فقل بَعْضُهُمْ يَوْمُ عَرَفَةَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ صِيَامَهُ كَفَّارَةَ سَنَتَيْنِ وَلَمْ يَرِدْ مِثْلُهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم " خير يوم طلعت فيه الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ " هَذَا كَلَامُ السَّرَخْسِيِّ وَالْمَشْهُورُ تَفْضِيلُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَسَنُعِيدُ الْمَسْأَلَةَ فِي فَصْلِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَفِي كِتَابِ الطَّلَاقِ فِي تَعْلِيقِ الطلاق في تعليق عَلَى أَفْضَلِ الْأَيَّامِ وَمِمَّا يَدُلُّ لِتَرْجِيحِ يَوْمِ عَرَفَةَ أَنَّهُ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ كَمَا سَبَقَ وَلِأَنَّ الدُّعَاءَ فِيهِ أَفْضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ وَلِأَنَّهُ جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مامن يَوْمٍ يُعْتِقُ اللَّهُ فِيهِ مِنْ النَّارِ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ "
  • ﴿فَرْعٌ﴾ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ " يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْمُسْتَقْبِلَةَ " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي فِيهِ تَأْوِيلَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ لَهُ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ (وَالثَّانِي) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْصِمُهُ في هاتين السنتين فلا يعص فِيهِمَا وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ أَمَّا السَّنَةُ الْأُولَى فَتُكَفِّرُ ما جرى فيها قال واختلف الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى تَكْفِيرِ السَّنَةِ الْبَاقِيَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ وقال بعضهم معناه إذا ارتكب فيها مَعْصِيَةً جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ الْمَاضِي كَفَّارَةً لَهَا كَمَا جَعَلَهُ مُكَفِّرًا لِمَا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْصِمُهُ فِي السَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ عَنْ ارْتِكَابِ مَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى كَفَّارَةٍ وَقَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ فِي تَكْفِيرِ السَّنَةِ الْأُخْرَى يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ (أَحَدُهُمَا) الْمُرَادُ السَّنَةُ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ مَاضِيَتَيْنِ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ أَرَادَ سَنَةً مَاضِيَةً وَسَنَةً مُسْتَقْبَلَةً قَالَ وهذا لا يوجد مثله في شئ مِنْ الْعِبَادَاتِ أَنَّهُ يُكَفِّرُ الزَّمَانَ الْمُسْتَقْبَلَ وَإِنَّمَا ذَلِكَ خَاصٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَيْنِ

الِاحْتِمَالَيْنِ بِحُرُوفِهِمَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَكُلُّ مَا يَرِدُ فِي الْأَخْبَارِ مِنْ تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ فَهُوَ عِنْدِي مَحْمُولٌ عَلَى الصَّغَائِرِ دُونَ الْمُوبِقَاتِ هَذَا كَلَامُهُ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مَا يُؤَيِّدُهُ فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا مِنْ إمرى مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إلَّا كَانَتْ لَهُ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ مَا لَمْ تُؤْتَ كَبِيرَةٌ وَذَلِكَ الدَّهْرُ كُلُّهُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الصلاة الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ ما لم تغش الكبائر " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يقول " الصلوات الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ مكفرات لما بينهن من الذنوب إذا اجتنب الْكَبَائِرُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ قُلْتُ وَفِي مَعْنَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ تَأْوِيلَانِ (أَحَدُهُمَا) يُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ كَبَائِرُ فَإِنْ كَانَتْ كَبَائِرَ لم يكفر شيئا لا الكبائر لَا الْكَبَائِرَ وَلَا الصَّغَائِرَ (وَالثَّانِي) وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ كُلَّ الذُّنُوبِ الصَّغَائِرِ وَتَقْدِيرُهُ يَغْفِرُ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا إلَّا الْكَبَائِرَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الْمَذْكُورُ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ غُفْرَانِ الصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَنَّ الْكَبَائِرَ إنَّمَا تُكَفِّرُهَا التَّوْبَةُ أو رحمة الله تعالي (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ وَوَقَعَ فِي الصَّحِيحِ غَيْرُهَا مِمَّا فِي مَعْنَاهَا فَإِذَا كَفَّرَ الْوُضُوءُ فَمَاذَا تُكَفِّرُهُ الصلاة وإذا كفرت الصَّلَوَاتُ فَمَاذَا تُكَفِّرُهُ الْجُمُعَات وَرَمَضَانُ وَكَذَا صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ وَيَوْمُ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ وَإِذَا وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (فَالْجَوَابُ) مَا أَجَابَ بِهِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ صَالِحٌ لِلتَّكْفِيرِ فَإِنْ وَجَدَ مَا يُكَفِّرُهُ مِنْ الصَّغَائِرِ كَفَّرَهُ وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً كُتِبَتْ بِهِ حَسَنَاتٌ وَرُفِعَتْ لَهُ بِهِ دَرَجَاتٌ وَذَلِكَ كَصَلَوَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالصِّبْيَانِ وَصِيَامِهِمْ وَوُضُوئِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عِبَادَاتِهِمْ وَإِنْ صَادَفَ كَبِيرَةً أَوْ كَبَائِرَ وَلَمْ يُصَادِفْ صَغَائِرَ رَجَوْنَا أَنْ تُخَفِّفَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْأَشْرَافِ فِي آخِرِ كِتَابِ الِاعْتِكَافِ فِي بَابِ الْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " قَالَ هَذَا قَوْلٌ عام يرجى لم قَامَهَا إيمَانًا وَاحْتِسَابًا أَنْ تُغْفَرَ لَهُ جَمِيعُ ذنوبه صغيرها وكبيرها *

  • قال المصنف رحمه الله
  • ﴿ويستحب أن يصوم يوم عاشورا لحديث أبي قتادة ويستحب أن يصوم يوم تاسوعاء لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم لئن بقيت الي قابل لاصومن اليوم التاسع "﴾
  • ﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ سَبَقَ بَيَانُهُ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ فِيهِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن

صيام يوم عاشورا فَقَالَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ " وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عباس فرواه مسلم بلفظه وفى رواية مسلم زِيَادَةٌ " قَالَ فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَعَاشُورَاءُ وَتَاسُوعَاءُ اسْمَانِ مَمْدُودَانِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ في كتب اللغة وحكى عن ابن عمر والشيبابى قصرهما قال أصحابنا عاشورا هُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ الْمُحَرَّمِ وَتَاسُوعَاءُ هُوَ التَّاسِعُ مِنْهُ هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَاشُورَاءُ هُوَ الْيَوْمُ التاسع من المحرم ثبت ذلك عنه فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَتَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ إظْمَاءِ الْإِبِلِ فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْيَوْمَ الْخَامِسَ مِنْ أَيَّامِ الْوَرْدِ رِبْعًا بِكَسْرِ الرَّاءِ وَكَذَا تُسَمِّي بَاقِيَ الْأَيَّامِ عَلَى هَذِهِ النِّسْبَةِ فَيَكُونُ التَّاسِعُ عَلَى هَذَا عِشْرًا بِكَسْرِ الْعَيْنِ والصحيح ومما قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَهُوَ أَنَّ عَاشُورَاءَ هُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ وَمُقْتَضَى إطْلَاقِ اللَّفْظِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ (وَأَمَّا) تَقْدِيرُ أَخْذِهِ مِنْ إظْمَاءِ الْإِبِلِ فَبَعِيدٌ وَفِي صَحِيحِ مسلم عن ابن عباس ما يرده قَوْلَهُ لِأَنَّهُ قَالَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يصوم عَاشُورَاءَ فَذَكَرُوا أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى تَصُومُهُ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّهُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ يَصُومُ التَّاسِعَ " وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الَّذِي كَانَ يَصُومُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ هُوَ التَّاسِعَ فَتَعَيَّنَ كَوْنُهُ الْعَاشِرَ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وغيرهم علي استحباب صوم عاشورا وتاسوعا وَذَكَرَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فِي حِكْمَةِ اسْتِحْبَابِ صَوْمِ تَاسُوعَاءَ أَوْجُهًا (أَحَدُهَا) أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ فِي اقْتِصَارِهِمْ عَلَى الْعَاشِرِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَخَالِفُوا الْيَهُودَ وَصُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا وَبَعْدَهُ يَوْمًا " (الثَّانِي) أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ وَصْلُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِصَوْمٍ كَمَا نهى أن يصوما يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَحْدَهُ ذَكَرَهُمَا الْخَطَّابِيُّ وَآخَرُونَ (الثَّالِثَ) الِاحْتِيَاطُ فِي صَوْمِ الْعَاشِرِ خَشْيَةَ نَقْصِ الْهِلَالِ وَوُقُوعِ غَلَطٍ فَيَكُونُ التَّاسِعُ فِي الْعَدَدِ هُوَ الْعَاشِرُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ

  • ﴿فَرْعٌ﴾ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ هَلْ كَانَ وَاجِبًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ أَمْ لَمْ يَجِبْ فِي وَقْتٍ أَبَدًا عَلَى وَجْهَيْنِ مَشْهُورَيْنِ لِأَصْحَابِنَا وَهُمَا احْتِمَالَانِ ذَكَرَهُمَا الشَّافِعِيُّ (أَصَحُّهُمَا) وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ بَلْ صَرِيحُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لم يكن واجبا قط (والثاني) أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ الْيَوْمُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَأَنَّهُ سُنَّةٌ فَأَمَّا دَلِيلُ مَنْ قَالَ كَانَ واجبا فأحاديث كشيرة صَحِيحَةٌ (مِنْهَا) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بَعَثَ رَجُلًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ إلَى قَوْمِهِ يَأْمُرُهُمْ فَلْيَصُومُوا هَذَا الْيَوْمَ وَمَنْ طَعِمَ مِنْهُمْ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رواية سلمة بن الاكوع وروياه في صحيحهما بِمَعْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ الرُّبَيِّعِ بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الباء بِنْتِ مُعَوِّذٍ وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ فَلَمَّا فُرِضَ صِيَامُ رَمَضَانَ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ عَاشُورَاءَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ أو المسلمون قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ فَلَمَّا اُفْتُرِضَ رَمَضَانُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ قَالَ " إنَّمَا كَانَ يَوْمًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصومه قبل أن ينزل رَمَضَانُ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ تَرَكَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سُمْرَةَ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا بِصِيَامِ عاشورا وَيَحُثُّنَا عَلَيْهِ وَيَتَعَاهَدُنَا عِنْدَهُ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ لم يأمرنا ولم ينهنا ولم يتعاهدنا عِنْدَهُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِصِيَامِهِ " رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ (وَقَوْلُهُ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ " دَلِيلٌ عَلَى تَخْيِيرِهِ مَعَ أَنَّهُ سُنَّةُ الْيَوْمِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ وَاجِبًا لَمْ يَصِحَّ التَّخْيِيرُ

  • وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا بَلْ كَانَ سُنَّةً بِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ (مِنْهَا) حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ " أَنَّهُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قال الْبَيْهَقِيُّ وَقَوْلُهُ " لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا قَطُّ لِأَنَّ لم لنفي الماضي وَعَنْ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمٌ كَانَ يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَرِهَهُ فَلْيَدَعْهُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ " كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من شاء صامه وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَأَمَّا) الْجَوَابُ عَنْ الْأَحَادِيثِ فَهُوَ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى تَأَكُّدِ الاستحباب جمعا بين الا حديث (وَقَوْلُهُ) فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ أَيْ تُرِكَ تَأَكُّدُ الِاسْتِحْبَابِ وَكَذَا قَوْلُهُ فَمَنْ شَاءَ صَامَ ومن شاء أفطر
  • قال المصنف رحمه الله
  • ﴿ويستحب صيام ايام البيض وهي ثلاثة من كل شهر لما روى أبو هريرة قَالَ " أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر﴾
  • ﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَثَبَتَتْ أَحَادِيثُ فِي الصَّحِيحِ بِصَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لِوَقْتِهَا وَظَاهِرُهَا أَنَّهُ مَتَى صَامَهَا حَصَلَتْ الْفَضِيلَةُ وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ " أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَالَتْ نَعَمْ قَالَتْ قُلْتُ مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ قَالَتْ مَا كَانَ يُبَالِي مِنْ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ " وَجَاءَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ تَخْصِيصُ أَيَّامِ الْبِيضِ فِي أَحَادِيثُ (مِنْهَا) حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا صُمْتَ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثًا فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَعَنْ

قتادة ابن مِلْحَانَ قَالَ كَانَ " رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِصِيَامِ أَيَّامِ الْبِيضِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَجْهُولٌ وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صِيَامُ الدَّهْرِ أَيَّامَ البيض ثلاث عشرة ورابع عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِهِ وَالْأَيَّامُ الْبِيضُ وَفِي بَعْضِهَا وَأَيَّامُ الْبِيضِ بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَهُوَ أَوْضَحُ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَيَّامُ الْبِيضِ هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ الْمُهَذَّبِ أَيَّامُ الْبِيضِ بِإِضَافَةِ أَيَّامٍ إلَى الْبِيضِ وَهَكَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي التَّنْبِيهِ عَنْ نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَوَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَغَيْرِهَا وَفِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ التَّنْبِيهِ أَوْ أَكْثَرِهَا الْأَيَّامُ الْبِيضُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَهَذَا خَطَأٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مَعْدُودٌ فِي لَحْنِ الْعَوَامّ لِأَنَّ الْأَيَّامَ كُلَّهَا بِيضٌ وَإِنَّمَا صَوَابُهُ أَيَّامُ الْبِيضِ أَيْ أَيَّامُ اللَّيَالِي الْبِيضِ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى اسْتِحْبَابِ صَوْمِ أَيَّامِ الْبِيضِ قَالُوا هُمْ وَغَيْرُهُمْ وَهِيَ الْيَوْمُ الثَّالِثَ عَشْرَ وَالرَّابِعَ عَشْرَ وَالْخَامِسَ عَشْرَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُ وَفِيهِ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا حَكَاهُ الصَّيْمَرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهَا الثَّانِي عَشْرَ وَالثَّالِثَ عَشْرَ وَالرَّابِعَ عَشْرَ وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ الْحَدِيثُ السَّابِقُ فِي تَفْسِيرِهَا وَقَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَيْضًا وَغَيْرِهِمْ (وَأَمَّا) سَبَبُ تَسْمِيَةِ هَذِهِ اللَّيَالِي بِيضًا فَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَالْجُمْهُورُ لِأَنَّهَا تَبْيَضُّ بِطُلُوعِ الْقَمَرِ مِنْ.
أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ

  • ﴿فَرْعٌ﴾ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ أَيَّامَ الْبِيضِ لَا يَجِبُ صَوْمُهَا الْآنَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ اخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ كَانَتْ وَاجِبَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ أَمْ لا فقيل كانت واجية فَنُسِخَتْ بِشَهْرِ رَمَضَانَ وَقِيلَ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً قَطُّ وَمَا زَالَتْ سُنَّةً قَالَ وَهُوَ أَشْبَهَ بمذهب الشافعي رحمه الله
  • قال المصنف رحمه الله

﴿ويستحب صوم يوم الاثنين والخميس لما روى اسامة ابن زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يصوم الاثنين والخميس فسئل عن ذلك فقال أن الاعمال تعرض يوم الاثنين والخميس "﴾

  • ﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ أُسَامَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ الدارمي وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أُسَامَةَ لَفْظُ الدَّارِمِيِّ كَلَفْظِهِ فِي الْمُهَذَّبِ (وَأَمَّا) لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ فَقَالَ عَنْ أُسَامَةَ قَالَ " قُلْتُ يارسول اللَّهِ إنَّكَ تَصُومُ حَتَّى لَا تَكَادَ تُفْطِرُ وتفطر حتي لا تكاد أن تَصُومُ إلَّا فِي يَوْمَيْنِ إنْ دَخَلَا فِي صِيَامِكَ وَإِلَّا صُمْتُهُمَا قَالَ أَيُّ يَوْمَيْنِ قُلْتُ يوم الاثنين والخميس قال ذانك يوما تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ " وَقَدْ ثَبَتَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي صَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ (مِنْهَا) حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ الِاثْنَيْنِ قَالَ

ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كل جمعة مرتين يوم الاثنين ويوم الخميس فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إلَّا عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ اُتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ " تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا إلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ اُنْظُرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا " وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ سُمِّيَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ لِأَنَّهُ ثَانِي الْأَيَّامِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ سَبِيلُهُ أَنْ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعَ بَلْ يُقَالُ مَضَتْ أَيَّامُ الِاثْنَيْنِ قَالَ وَقَدْ حَكَى البصريون اليوم الاثن والجمع الثنى وذكر الفراء أَنَّ جَمْعَهُ الأثانين وَالْأَثَّانِ وَفِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ الْيَوْمُ الثَّنِيُّ فَعَلَى هَذَا جَمْعُهُ الْأَثْنَاءُ وَقَالَ الجوهرى لا يثني ولا يجمع لانه متي فَإِنْ أَحْبَبْتَ جَمْعَهُ قُلْتَ أَثَانِينَ (وَأَمَّا) يَوْمُ الْخَمِيسِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ خَامِسُ الْأُسْبُوعِ قَالَ النَّحَّاسُ جَمْعُهُ أَخْمِسَةٌ وَخَمْسٌ وَخُمْسَانُ كَرَغِيفٍ وَرَغْفٍ وَرُغْفَانَ وَأَخْمِسَاءُ كَأَنْصِبَاءِ وَأَخَامِسِ حَكَاهُ الْفَرَّاءُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَلَى استحباب صوم الاثنين والخميس والله أعلم

(فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا وَمِنْ الصَّوْمِ الْمُسْتَحَبِّ صَوْمُ الاشهر الحرم وهي ذوالقعدة وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ وَأَفْضَلُهَا الْمُحَرَّمُ قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ أَفْضَلُهَا رَجَبٌ وَهَذَا غَلَطٌ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ الله تعالى " افضل الصوم بعد مضان شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ " وَمِنْ الْمَسْنُونِ صَوْمُ شَعْبَانَ وَمِنْهُ صَوْمُ الْأَيَّامِ التِّسْعَةِ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ وَجَاءَتْ فِي هَذَا كُلِّهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ (مِنْهَا) حَدِيثُ مُجِيبَةَ الْبَاهِلِيَّةِ عَنْ أَبِيهَا أَوْ عَمِّهَا " أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ انْطَلَقَ فَأَتَاهُ بَعْدَ سَنَةٍ وقد تغيرت حالته وهيئة فقال يارسول اللَّهِ أَمَا تَعْرِفُنِي قَالَ وَمَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا الْبَاهِلِيُّ الَّذِي جِئْتُكَ عَامَ الْأَوَّلِ قَالَ فَمَا غَيَّرَكَ وَقَدْ كُنْتَ حَسَنَ الْهَيْئَةِ قَالَ ما اكلت

طَعَامًا مُنْذُ فَارَقْتُكَ إلَّا بِلَيْلٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ عَذَّبْتَ نَفْسَكَ ثُمَّ قَالَ صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ وَيَوْمًا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ قَالَ زِدْنِي فَإِنَّ بِي قُوَّةً قَالَ صُمْ يَوْمَيْنِ قَالَ زِدْنِي قَالَ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَالَ زِدْنِي قَالَ صُمْ مِنْ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ صُمْ مِنْ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ صُمْ مِنْ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ ثُمَّ أَرْسَلَهَا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُمْ مِنْ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ إنَّمَا أَمَرَهُ بِالتَّرْكِ لِأَنَّهُ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ إكْثَارُ الصَّوْمِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي اول الحديث (فأما) من لا يَشُقَّ عَلَيْهِ فَصَوْمُ جَمِيعِهَا فَضِيلَةٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إلَّا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ منه صياما في شعبان " روراه الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إلَّا قَلِيلًا " قَالَ الْعُلَمَاءُ اللَّفْظُ الثَّانِي مُفَسِّرٌ لِلْأَوَّلِ وَبَيَانٌ لِأَنَّ مُرَادَهَا بِكُلِّهِ غَالِبُهُ وَقِيلَ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ فِي وَقْتٍ وَيَصُومُ بَعْضَهُ فِي سَنَةٍ أُخْرَى وَقِيلَ كَانَ يَصُومُ تَارَةً مِنْ أَوَّلِهِ وَتَارَةً مِنْ وَسَطِهِ وَتَارَةً مِنْ آخِرِهِ وَلَا يُخَلِّي مِنْهُ شَيْئًا بِلَا صِيَامٍ لَكِنْ فِي سِنِينَ وَقِيلَ فِي تَخْصِيصِهِ شَعْبَانَ بِكَثْرَةِ الصِّيَامِ لِأَنَّهُ تُرْفَعُ.
فِيهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ فِي سَنَتِهِمْ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ (فَإِنْ قِيلَ) فَقَدْ سَبَقَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَفْضَلَ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ الْمُحَرَّمُ فَكَيْفَ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي شَعْبَانَ دُونَ الْمُحَرَّمِ (فَالْجَوَابُ) لَعَلَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمْ فَضْلَ الْمُحَرَّمِ إلَّا فِي آخِرِ الْحَيَاةِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ صَوْمِهِ أَوْ لَعَلَّهُ كَانَتْ تَعْرِضُ فِيهِ أَعْذَارٌ تَمْنَعُ مِنْ إكْثَارِ الصَّوْمِ فِيهِ كَسَفَرٍ وَمَرَضٍ وَغَيْرِهِمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ وَإِنَّمَا لَمْ يَسْتَكْمِلْ شَهْرًا غَيْرَ رَمَضَانَ لِئَلَّا يُظَنَّ وُجُوبُهُ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم مامن أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ قَالُوا يارسول اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بشئ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ صَلَاةِ الْعِيدِ وَعَنْ هُنَيْدَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ امْرَأَتِهِ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَأَوَّلَ اثْنَيْنِ مِنْ الشَّهْرِ وَالْخَمِيسَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَا وَخَمِيسَيْنِ (وَأَمَّا) حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ " مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ وَفِي رِوَايَةٍ " لَمْ يَصُمْ الْعَشْرَ " رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ في صحيحه فقال العلماء هو متأول علي انها لم تره ولا يَلْزَمْ مِنْهُ تَرْكُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكُونُ عِنْدَهَا فِي يَوْمٍ مِنْ تِسْعَةِ أَيَّامٍ وَالْبَاقِي عِنْدَ بَاقِي أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أَوْ لَعَلَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

كَانَ يَصُومُ بَعْضَهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَكُلَّهُ فِي بَعْضِهَا وَيَتْرُكُهُ فِي بَعْضِهَا لِعَارِضِ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الاحاديث * قال المصنف رحمه الله

  • ﴿ولا يكره صوم الدهر إذا أفطر أيام النهي ولم يترك فيه حقا ولم يخف ضررا لما روت أم كلثوم مولاة أسماء قالت " قيل لعائشة تصومين الدهر وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن صيام الدهر قالت نعم وقد سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينهى عن صيام الدهر ولكن من افطر يوم النحر ويوم الفطر فلم يصم الدهر " وسئل عبد الله بن عمر عن صيام الدهر فقال " أولئك فينا من السابقين ايعني من صام الدهر " فان خاف ضررا أو ضيع حقا كره " لما رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخا بين سلمان وبين أبي الدرداء فجاء سلمان يزور أبا الدرداء فرأى أم سلمة متبذلة فقال ما شانك فقالت إن اخاك ليس له حاجة في شئ من الدنيا فقال سلمان يا أبا الدرداء إن لربك عليك حقا ولاهلك عليك حقا ولجسدك عليك حقا فصم وأفطر وقم ونم وأت اهلك واعط كل ذى حق حقه فذكر أبو الدرداء لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قال سلمان فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما قال سلمان "﴾

﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَسَلْمَانَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ فِيهِ رُوِيَ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ (وَقَوْلُهُ) فَرَأَى أُمَّ سَلَمَةَ مُتَبَذِّلَةً هَكَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمُهَذَّبِ أُمُّ سَلَمَةَ وَهُوَ غَلَطٌ صَرِيحٌ وَصَوَابُهُ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ وَهِيَ زَوْجَةُ أَبِي الدَّرْدَاءِ هَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَجَمِيعِ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهَا وَاسْمُ أُمِّ الدَّرْدَاءِ هَذِهِ خَيْرَةُ وَهِيَ صَحَابِيَّةٌ وَلِأَبِي الدَّرْدَاءِ زَوْجَةٌ أُخْرَى يُقَالُ لَهَا أُمُّ الدَّرْدَاءِ وَهِيَ تَابِعِيَّةٌ فَقِيهَةٌ فَاضِلَةٌ حَكِيمَةٌ اسْمُهَا هَجِيمَةُ وَقِيلَ جَهِيمَةُ وَقَدْ أَوْضَحْتُهَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ (وَأَمَّا) حَدِيثُ أُمِّ كُلْثُومٍ عَنْ عَائِشَةَ 1 وَأَمَّا الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَلَفْظُهُ " كُنَّا نَعُدُّ أُولَئِكَ فِينَا مِنْ السَّابِقِينَ " (أَمَّا) حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ فِي صَوْمِ الدَّهْرِ نَحْوَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْمُرَادُ بِصَوْمِ الدَّهْرِ سَرْدُ الصَّوْمِ فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ إلَّا الْأَيَّامَ الَّتِي لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا وَهِيَ الْعِيدَانِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَحَاصِلُ حكمه عندنا انه

إنْ خَافَ ضَرَرًا أَوْ فَوَّتَ حَقًّا بِصِيَامِ الدهر كره له وإن يَخَفْ ضَرَرًا وَلَمْ يُفَوِّتْ حَقًّا لَمْ يُكْرَهْ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ وَأَطْلَقَ الْبَغَوِيّ وَطَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ أَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ مَكْرُوهٌ وَأَطْلَقَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ أَنَّهُ مَسْنُونٌ وَكَذَا قَالَ الدَّارِمِيُّ مَنْ قَدَرَ عَلَى صَوْمِ الدَّهْرِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ فَفَعَلَ فَهُوَ فَضْلٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ لَا بَأْسَ بِسَرْدِ الصَّوْمِ إذَا أَفْطَرَ أَيَّامَ النَّهْيِ الْخَمْسَةِ قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ النَّصَّ وَبِهَذَا قَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ

  • ﴿فَرْعٌ﴾ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي صِيَامِ الدَّهْرِ إذَا أَفْطَرَ أَيَّامَ النَّهْيِ الْخَمْسَةِ وَهِيَ الْعِيدَانِ وَالتَّشْرِيقُ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إذَا لَمْ يَخَفْ مِنْهُ ضَرَرًا وَلَمْ يُفَوِّتْ بِهِ حَقًّا قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وغيره عن جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَمِمَّنْ نَقَلُوا عَنْهُ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو طَلْحَةَ وَعَائِشَةَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَالْجُمْهُورِ مِنْ بَعْدِهِمْ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ يُكْرَهُ مُطْلَقًا
  • وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال " يارسول اللَّهِ كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ قَالَ لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ أَوْ لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ " وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ " يارسول اللَّهِ إنِّي رَجُلٌ أَسْرُدُ الصَّوْمَ أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ فَقَالَ صُمْ إنْ شِئْتَ وَأَفْطِرْ إنْ شِئْتَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ سرد الصوم لا سِيَّمَا وَقَدْ عَرَضَ بِهِ فِي السَّفَرِ وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه ومسلم قَالَ " مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ هَكَذَا وَعَقَدَ تِسْعِينَ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ هَكَذَا مَرْفُوعًا وموقوفا علي أبى موسى واحتج بِهِ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي صَوْمِ الدَّهْرِ وَافْتَتَحَ الْبَابَ بِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَأَشَارَ غَيْرُهُ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى كَرَاهَتِهِ وَالصَّحِيحُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ وَمَعْنَى ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ أَيْ عَنْهُ فَلَمْ يَدْخُلْهَا أَوْ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ أَيْ لَا يَكُونُ لَهُ فِيهَا مَوْضِعٌ وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ أَلَانَ الْكَلَامَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ وَتَابَعَ الصِّيَامَ وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ " رواه البيهقى باسناد 1 وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صِيَامِ الدَّهْرِ فَقَالَ " كُنَّا نَعُدُّ أُولَئِكَ فِينَا مِنْ السَّابِقِينَ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَعَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ " كَانَتْ تَصُومُ الدَّهْرَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ " كَانَ أَبُو طَلْحَةَ لَا يَصُومُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْلِ الْغَزْوِ فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ أَرَهُ مُفْطِرًا إلَّا يَوْمَ الْفِطْرِ أَوْ الْأَضْحَى " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ " لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ " بِأَجْوِبَةٍ (أَحَدُهَا) جَوَابُ عَائِشَةَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَتَابَعَهَا عَلَيْهِ خَلَائِقُ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ صَامَ الدَّهْرَ حَقِيقَةً بِأَنْ يَصُومَ مَعَهُ الْعِيدَ وَالتَّشْرِيقَ وَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِالْإِجْمَاعِ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَجِدُ مِنْ مَشَقَّتِهِ مَا يَجِدُ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ يَأْلَفُهُ وَيَسْهُلُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ خَبَرًا لَا دُعَاءً وَمَعْنَاهُ لَا صَامَ صَوْمًا يَلْحَقُهُ فِيهِ مَشَقَّةٌ كَبِيرَةٌ وَلَا أَفْطَرَ بَلْ هُوَ صَائِمٌ لَهُ ثَوَابُ الصَّائِمِينَ (وَالثَّالِثُ) أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَضَرَّرَ بِصَوْمِ الدَّهْرِ أَوْ فَوَّتَ بِهِ حَقًّا وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ فِي حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَانَ النَّهْيُ خِطَابًا لَهُ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ عَجَزَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَنَدِمَ عَلَى كَوْنِهِ لَمْ يَقْبَلْ الرخصة وكان يقول يا ليتي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ يَضْعُفُ عَنْ ذَلِكَ وَأَقَرَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو لِعِلْمِهِ بِقُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ بِلَا ضَرَرٍ

  • ﴿فَرْعٌ﴾ فِي تَسْمِيَةِ بَعْضِ الْأَعْلَامِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِمَّنْ صام الدهر غير أيام النهي الخمسة العيدان وَالتَّشْرِيقِ (فَمِنْهُمْ) عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ وَأَبُو أُمَامَةَ وَامْرَأَتُهُ وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ ذَلِكَ عَنْهُمْ بِأَسَانِيدِهِ وَحَدِيثُ أَبِي طَلْحَةَ فِي صَحِيحِ البخاري ومنهم سعيد ابن الْمُسَيِّبِ وَأَبُو عَمْرِو بْنُ حِمَاسٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ سِينٌ وَسَعِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنُ عبد الرحمن ابن عَوْفٍ التَّابِعِيُّ سَرَدَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ صَاحِبُ ابْنِ مَسْعُودٍ (2) وَمِنْهُمْ الْبُوَيْطِيُّ وَشَيْخُنَا ابو ابراهيم اسحق بن احمد المقدسي الفقيه الامام الزاهد

﴿فَرْعٌ﴾ قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ صَحَّ نَذْرُهُ بِلَا خِلَافٍ وَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ وَتَكُونُ الْأَعْيَادُ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَشَهْرُ رمضان وقضاؤه مستثناة فان فاته شئ مِنْ صَوْمِ رَمَضَانَ بِعُذْرٍ وَزَالَ الْعُذْرُ لَزِمَهُ قَضَاءُ فَائِتِ رَمَضَانَ لِأَنَّهُ آكَدُ مِنْ النَّذْرِ وهل يكون نذره متناولا لايام القضاء فِيهِ طَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يَكُونُ لِأَنَّ تَرْكَ الْقَضَاءِ مَعْصِيَةٌ فَتَصِيرُ أَيَّامُ الْقَضَاءِ كَشَهْرِ رَمَضَانَ فلا تدخل فِي النَّذْرِ فَعَلَى هَذَا يَقْضِي عَنْ رَمَضَانَ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ النَّذْرِ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ (وَالثَّانِي) وَهُوَ الْأَشْهَرُ فِيهِ وجهان حكاهما البند نيجى وَأَبُو الْقَاسِمِ الْكَرْخِيُّ شَيْخُ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ وَحَكَاهُمَا صَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ (أَحَدُهُمَا) هُوَ كَالطَّرِيقِ الْأَوَّلِ (وَالثَّانِي) يَتَنَاوَلُهَا النَّذْرُ لِأَنَّهُ كَانَ يُتَصَوَّرُ صَوْمُهَا عَنْ نَذْرِهِ فَأَشْبَهَتْ غَيْرَهَا مِنْ الْأَيَّامِ بِخِلَافِ أَيَّامِ رَمَضَانَ فَعَلَى هَذَا إذَا قَضَى رَمَضَانَ هَلْ تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ بِسَبَبِ الْقَضَاءِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) لَا كَمَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِعُذْرٍ وَدَامَ عُذْرُهُ حَتَّى مَاتَ (وَالثَّانِي) يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ كَانَ قَادِرًا عَلَى صَوْمِهِ عَنْ النَّذْرِ فَعَلَى هَذَا لَهُ أَنْ يُخْرِجَ الْفِدْيَةَ فِي حَيَاتِهِ لِأَنَّهُ قَدْ أَيِسَ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِتْيَانِ به فصار كالشيخ الهرم هكذا ذَكَرَ هَؤُلَاءِ الْمَسْأَلَةَ فِيمَنْ فَاتَهُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِعُذْرٍ وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ هَذَا الْحُكْمُ جَارٍ سَوَاءٌ فَاتَهُ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا كُلُّهُمْ وَهَكَذَا الْحُكْمُ إذَا نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ ثُمَّ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ بِالصَّوْمِ فَيَجِبُ صَوْمُ الْكَفَّارَةِ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالشَّرْعِ وَإِنْ كَانَتْ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ فَكَانَتْ آكَدَ مِنْ النَّذْرِ الَّذِي يُوجِبُهُ هُوَ عَلَى نَفْسِهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُكْمُ الْفِدْيَةِ عَنْ صَوْمِ النَّذْرِ مَا سَبَقَ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ سُرَيْجٍ وَهَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ وَقَطَعَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ إذَا صَامَ عَنْ الْكَفَّارَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ لَمْ يُمْكِنْ قَضَاؤُهُ وَلَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ إنْ أَفْطَرَ بِعُذْرٍ وَإِلَّا فَتَجِبُ قَالُوا وَلَوْ نَذَرَتْ الْمَرْأَةُ صَوْمَ الدَّهْرِ فَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا فَإِنْ مَنَعَهَا فَلَا قَضَاءَ وَلَا فِدْيَةَ لِأَنَّهَا مَعْذُورَةٌ وَإِنْ أَذِنَ لَهَا أَوْ مَاتَ لَزِمَهَا الصَّوْمُ فان افطرت بلا عذرا اثمت ولزمتها الفدية * قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى *

﴿ولا يجوز للمرأة ان تصوم التطوع وزوجها حاضر الا باذنه لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لا تصوم المرأة التطوع وبعلها شاهد إلا باذنه " ولان حق الزوج فرض فلا يجوز تركه بنفل﴾

  • ﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
  • لَفْظُ الْبُخَارِيِّ " لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ " وَلَفْظُ مُسْلِمٍ لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ " وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ غَيْرَ رَمَضَانَ " إسْنَادُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ (أَمَّا) حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ صَوْمُ تَطَوُّعٍ وزوجها حاضر إلا باذنه لهذا الْحَدِيثِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ فَلَوْ صَامَتْ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا صَحَّ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ حَرَامًا لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِمَعْنًى آخَرَ لَا لِمَعْنًى يَعُودُ إلَى نَفْسِ الصَّوْمِ فَهُوَ كَالصَّلَاةِ فِي دَارٍ مَغْصُوبَةٍ فَإِذَا صَامَتْ بِلَا إذْنٍ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ الثَّوَابُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى هَذَا لَفْظُهُ وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ فِي نَظَائِرِهَا الْجَزْمُ بِعَدَمِ الثَّوَابِ كَمَا سَبَقَ فِي الصَّلَاةِ فِي دَارٍ مَغْصُوبَةٍ (وَأَمَّا) صومها التطوع في غيبة لزوج عَنْ بَلَدِهَا فَجَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ وَلِزَوَالِ مَعْنَى النَّهْيِ (وَأَمَّا) قَضَاؤُهَا رَمَضَانَ وَصَوْمُهَا الْكَفَّارَةَ وَالنَّذْرَ فَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَمَةُ الْمُسْتَبَاحَةُ لِسَيِّدِهَا فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ كَالزَّوْجَةِ (وَأَمَّا) الْأَمَةُ الَّتِي لَا تَحِلُّ لِسَيِّدِهَا بِأَنْ كَانَتْ مَحْرَمًا لَهُ كَأُخْتِهِ أَوْ كَانَتْ مَجُوسِيَّةً أَوْ غَيْرَهُمَا وَالْعَبْدُ فَإِنْ تَضَرَّرَا بِصَوْمِ التَّطَوُّعِ بِضَعْفٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ نَقَصَا لَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرَا وَلَمْ يَنْقُصَا جَازَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
  • ﴿وَمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمِ تَطَوُّعٍ أَوْ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ استحب له اتمامها فَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا جَازَ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ " دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال هل عندك شئ فقلت لا فقال إذا أَصُومُ ثُمَّ دَخَلَ عَلِيَّ يَوْمًا آخَرَ فَقَالَ هل عندك شئ فقلت نعم فقال إذا أُفْطِرُ وَإِنْ كُنْتُ قَدْ فَرَضْتُ الصَّوْمَ "﴾

﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ وَسَنَذْكُرُ لَفْظَهُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ وَمَعْنَى فَرَضْتُ الصَّوْمَ نَوَيْتُهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إذَا دَخَلَ فِي صَوْمِ تَطَوُّعٍ أَوْ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ اُسْتُحِبَّ لَهُ إتْمَامُهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى " وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ " وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُمَا بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لَكِنْ يُكْرَهُ الْخُرُوجُ منهما بلا عذر لقوله تعالي " ولا تبطلو اعمالكم " هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْخُرُوجُ بِلَا عُذْرٍ وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى (وَأَمَّا) الْخُرُوجُ مِنْهُ بِعُذْرٍ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ وَيُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهُ سَوَاءٌ خَرَجَ بِعُذْرٍ أَمْ بِغَيْرِهِ لِمَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَالْأَعْذَارُ مَعْرُوفَةٌ (مِنْهَا) أَنْ يَشُقَّ عَلَى ضَيْفِهِ أَوْ مُضِيفِهِ صَوْمُهُ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْطِرَ فَيَأْكُلَ مَعَهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَإِنَّ لِزُوَّارِكَ عَلَيْكَ حَقًّا " وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضيفه " رواهما البخاري ومسلم (وما) الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ نَزَلَ عَلَى قَوْمٍ فَلَا يَصُومَنَّ تَطَوُّعًا إلَّا بِإِذْنِهِمْ " فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ (وَأَمَّا) إذَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى ضَيْفِهِ أَوْ مُضِيفِهِ صَوْمُهُ التَّطَوُّعَ فَالْأَفْضَلُ بَقَاؤُهُ وَصَوْمُهُ وَسَنُوَضِّحُ الْمَسْأَلَةَ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَأَمَّا) إذَا دَخَلَ فِي حَجِّ تَطَوُّعٍ أَوْ عُمْرَةِ تَطَوُّعٍ فَإِنَّهُ يلزمه اتمامهما بِلَا خِلَافٍ فَإِنْ أَفْسَدَهُمَا لَزِمَهُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدهمَا وَيَجِبُ قَضَاؤُهُمَا بِلَا خِلَافٍ *

﴿فَرْعٌ﴾ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الشُّرُوعِ فِي صَوْمِ تَطَوُّعٍ أَوْ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ

  • قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْبَقَاءُ فِيهِمَا وَأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْهُمَا بِلَا عُذْرٍ لَيْسَ بِحِرَامٍ وَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهُمَا وَبِهَذَا قَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مسعود وابن عمر وابن عباس وجابر ابن عبد الله وسفيان الثوري واحمد واسحق وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُمَا لِعُذْرٍ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَلَا إثْمَ وَإِنْ خَرَجَ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَعَلَيْهِ الْإِثْمُ
  • وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ فَإِنْ خَرَجَ بِلَا عُذْرٍ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَإِنْ خَرَجَ بِعُذْرٍ فَلَا قَضَاءَ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ يَظُنُّهُمَا عَلَيْهِ ثُمَّ بَانَ فِي أَثْنَائِهِمَا أَنَّهُمَا لَيْسَا عَلَيْهِ هَلْ يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهُمَا أَمْ لَا
  • واحتج لم أَوْجَبَ إتْمَامَ صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَصَلَاتِهِ بِمُجَرَّدِ الشُّرُوعِ فيهما يقوله تعلى (ولا تبطلوا اعمالكم) وَبِحَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ " رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وَسَلَّمَ قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ الْإِسْلَامِ " خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ قَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ " إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ قَالُوا وَهَذَا الاستثناء متصل فمقتضاه وجوب التطوع بمحرد الشُّرُوعِ فِيهِ قَالُوا وَلَا يَصِحُّ حَمْلُكُمْ عَلَى أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَقْدِرُ لَكِنْ لَكَ أَنْ تَطَّوَّعَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الِاتِّصَالُ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الِانْقِطَاعِ فِيهِ بِغَيْرِ دليل
  • واحتجوا ايصا بِالْقِيَاسِ عَلَى حَجِّ التَّطَوُّعِ وَعُمْرَتِهِ فَإِنَّهُمَا يَلْزَمَانِ بِالشُّرُوعِ بِالْإِجْمَاعِ
  • وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ " دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم فقال هل عندكم شئ قُلْنَا لَا قَالَ فَإِنِّي إذَنْ صَائِمٌ ثُمَّ اتانا يوما آخر فقلنا يارسول اللَّهِ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَقَالَ أَرِنِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا فَأَكَلَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا " وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ قَالَتْ عَائِشَةُ " فقلنا يارسول اللَّهِ قَدْ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَحَبَسْنَاهُ لَكَ

فَقَالَ أَدْنِيهِ فَأَصْبَحَ صَائِمًا وَأَفْطَرَ " هَذَا لَفْظُهُ وعن عائشة ايضا قالت " دخل على رسو لله اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فقال اعندك شئ فقلت لا قال إني إذا أَصُومُ قَالَتْ وَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا آخَرَ فَقَالَ أعندك شئ قلت نعم قال إذا أُفْطِرُ وَإِنْ كُنْتُ قَدْ فَرَضْتُ الصَّوْمَ " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ وَقَالَ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ وعن ابى جحيفة قال " آخا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا مَا شَأْنُكِ قَالَتْ أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ فِي الدُّنْيَا حَاجَةٌ فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَ مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ فَأَكَلَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ قَالَ نَمْ فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ نَمْ فَنَامَ ثم ذهب يقوم قال نَمْ فَنَامَ فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ قُمْ الْآنَ فَصَلَّيَا فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَ سَلْمَانُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وعن أم هاني قَالَتْ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصائم المتطوع أميره نَفْسِهِ إنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَفِي رِوَايَاتٍ " أَمِينُ أَوْ أَمِيرُ نَفْسِهِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَأَلْفَاظُ رِوَايَاتِهِمْ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى وَإِسْنَادُهَا جَيِّدٌ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ " إذَا أَصْبَحْتَ وأنت ناوى الصَّوْمَ فَأَنْتَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إنْ شِئْتَ صُمْتَ وَإِنْ شِئْتَ أَفْطَرْتَ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى بِإِفْطَارِ التطوع بأس رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (وَأَمَّا) الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الصَّائِمُ بِالْخِيَارِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نِصْفِ النَّهَارِ " فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ رَفْعُهُ كَذَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَرَوَى مِثْلَهُ مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَأَنَسٍ وَأَبِي أُمَامَةَ رَوَاهَا كُلَّهَا الْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهَا لِضَعْفِ رُوَاتِهَا وَكَذَا الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ

عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَا بَأْسَ أَنْ أُفْطِرَ مَا لَمْ يَكُنْ نَذْرٌ أَوْ قَضَاءُ رَمَضَانَ " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَضَعَّفَهُ (وَأَمَّا) الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِحَدِيثِ طَلْحَةَ فَهُوَ ان مَعْنَاهُ لَكِنْ لَكَ أَنْ تَطَّوَّعَ وَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا وَهُوَ إنْ كَانَ خِلَافَ الْأَصْلِ لَكِنْ يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهُ لِيُجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا (وَأَمَّا) الْقِيَاسُ عَلَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَالْفَرْقُ ان الحج لا يخرج منه الافساد لِتَأَكُّدِ الدُّخُولِ فِيهِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ

  • ﴿فَرْعٌ﴾ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ سَوَاءٌ أَخْرَجَ مِنْهُ بِعُذْرٍ أَمْ بِغَيْرِهِ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ كَمَا سَبَقَ
  • وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ
  • وَاحْتُجَّ لَهُ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ قَالَ " بَلَغَنِي أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ أَصْبَحَتَا صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ فَأُهْدِيَ لَهُمَا طَعَامٌ فَأَفْطَرَتَا عَلَيْهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ عائشة فقالت حفصة يارسول اللَّهِ إنِّي أَصْبَحْتُ أَنَا وَعَائِشَةُ صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ وَقَدْ أُهْدِيَ لَنَا هَدِيَّةٌ فَأَفْطَرْنَا عَلَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْضِيَا مَكَانَهُ يَوْمًا آخَرَ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ رواه الثقاة الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ هَكَذَا مُنْقَطِعًا بينه وبين عائشة وحفصة مالك بن أنس ويونس بن يزيد ومعمر وأبى جُرَيْجٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَسُفْيَانِ بْنِ عُيَيْنَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيِّ وَبَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَغَيْرِهِمْ ثُمَّ رَوَاهُ البيهقى باسناد جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ " كُنْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ فَعَرَضَ لَنَا طَعَامٌ فَاشْتَهَيْنَاهُ فَأَكَلْنَا فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبدرتني حفصة وكانت بنت أبيها حَقًّا فَقَصَّتْ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ " قال البيهقى هكذا رَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ وَصَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَوَهَمُوا فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ قُلْتُ لَهُ احدثك عروة عن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ " أَصْبَحْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ " فَقَالَ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا شَيْئًا لَكِنْ حَدَّثَنِي نَاسٌ فِي خِلَافَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ بَعْضِ مَنْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ " أَصْبَحْتُ أَنَا وحفصة

صَائِمَتَيْنِ فَأُهْدِيَ لَنَا هَدِيَّةٌ فَأَكَلْنَاهَا فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَدَرَتْنِي حفصة وكانت بنت أبيها فذكر ت ذلك له فقال اقضيا يوما مكانه " وكذلك رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابي جُرَيْجٍ ثُمَّ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عينية عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عن عائشة فذكره وَقَالَ فِيهِ " صُومَا يَوْمًا مَكَانَهُ " قَالَ سُفْيَانُ فَسَأَلُوا الزُّهْرِيَّ وَأَنَا شَاهِدٌ فَقَالُوا أَهُوَ عَنْ عُرْوَةَ فَقَالَ لَا ثُمَّ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحُمَيْدِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ مُرْسَلًا قَالَ سُفْيَانُ فَقِيلَ لَلزُّهْرِيِّ هُوَ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ لَا قَالَ سُفْيَانُ وَكُنْتُ سَمِعْتُ صَالِحَ بْنَ أَبِي الْأَخْضَرِ حَدَّثَنَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ الزُّهْرِيُّ لَيْسَ هُوَ عَنْ عُرْوَةَ فَظَنَنْتُ أَنَّ صَالِحًا

أُتِيَ مِنْ قِبَلِ الْعَرْضِ قَالَ الْحُمَيْدِيُّ أَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ لَوْ كَانَ من حديث معمر مَا نَسِيتُهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فَقَدْ شَهِدَ ابْنُ جريج وابن عينية عَلَى الزُّهْرِيِّ وَهُمَا شَاهِدَا عَدْلٍ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عُرْوَةَ فَكَيْفَ يَصِحُّ وَصْلُ مَنْ وَصَلَهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ سَأَلْتُ الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ لَا يَصِحُّ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ

  • وَاحْتَجَّ بِحِكَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَسُفْيَانَ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَبِإِرْسَالِ مَنْ أَرْسَلَ الْحَدِيثَ عَنْ الزُّهْرِيِّ مِنْ الْأَئِمَّةِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ وَإِنْ كَانَ ثِقَةً فَقَدْ وَهِمَ فِيهِ وَقَدْ خَطَّأَهُ فِيهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَالْمَحْفُوظُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلًا ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ مَا ذَكَرَهُ عَنْهُمَا ثم رواه باسناده عن زميل ابن عَبَّاسٍ مَوْلَى عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ هَذَا ضَعِيفٌ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أوجه أخر عن عائشة لا يصح شئ مِنْهَا وَقَدْ بَيَّنْتُهَا فِي الْخِلَافِيَّاتِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْبَيْهَقِيّ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ عَائِشَةَ السَّابِقَ مِنْ طَرِيقٍ قَالَا فِيهِ قَالَتْ " دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ خَبَّأْنَا لَكَ حَيْسًا فَقَالَ إنِّي كُنْتُ أُرِيدُ الصَّوْمَ وَلَكِنْ قَرِّبِيهِ وَأَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ " قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ هَذِهِ الزِّيَادَةُ " وَأَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ " لَيْسَتْ مَحْفُوظَةً
  • وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا لِعَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ بِمَا احْتَجَّ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ " صَنَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا فَأَتَى هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَلَمَّا وُضِعَ الطَّعَامُ قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ إنِّي صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاكُمْ أَخُوكُمْ وَتَكَلَّفَ لَكُمْ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَفْطِرْ وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ إنْ شثت " قَالُوا وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَضَاءِ وَلَمْ يَصِحَّ في وجوبه شئ (وَأَمَّا) الْحَدِيثُ السَّابِقُ عَنْ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ ضَعِيفٌ كَمَا سَبَقَ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَحُمِلَ الْقَضَاءُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (أَمَّا) الْخُرُوجُ مِنْ صَلَاةِ الْفَرْضِ الْمَكْتُوبَةِ وَالْقَضَاءِ والنذر وضيام الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ فَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي آخِرِ بَابِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَفِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الصِّيَامِ قبيل هذا الباب
  • قال المصنف رحمه الله
  • ﴿ولا يجوز صوم يوم الشك لما روى عن عمار رضي الله عنه انه قال " مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فان صام يوم الشك عن رمضان لم يصح لقوله صلي الله عليه وسلم " ولا تستقبلوا الشهر استقبالا " ولانه يدخل في العبادة وهو في شك من وقتها فلم يصح كما كما لو دخل في الظهر وهو يشك في وقتها وإن صام فيه عن فرض عليه كره وأجزأه كما لو صلي في دار مغصوبة وإن صام عن تطوع نظرت فان لم يصله بما قبله ولا وافق عادة له لم يصح لان الصوم قربة فلا يصح بقصد معصية وإن وافق عادة له جاز لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِيَوْمٍ وَلَا بِيَوْمَيْنِ إلا أن يوافق صوما كان يصومه أحدكم " إن وصله بما قبل النصف جاز وإن وصله بما بعده لم يجز لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا صِيَامَ حَتَّى يَكُونَ رمضان "﴾
  • ﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ عَمَّارٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَأَمَّا) حَدِيثُ " لَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ " فَصَحِيحٌ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصِّيَامِ فِي وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ (وَأَمَّا) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ " لَا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ " فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ " إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا صِيَامَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وغيرهم قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ بَلْ رَوَاهُ وَسَكَتَ عَلَيْهِ وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ قَالَ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ قَالَ وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لَا يُحَدِّثُ بِهِ يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ وَذَكَرَ النَّسَائِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ هَذَا الْكَلَامَ قَالَ أَحْمَدُ وَالْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثِقَةٌ لَا يُنْكَرُ مِنْ حَدِيثِهِ إلَّا هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ النَّسَائِيُّ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرَ الْعَلَاءِ (أَمَّا) حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا لَا يَصِحُّ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ عَنْ رَمَضَانَ بِلَا خِلَافٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنْ صَامَهُ عَنْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كفارة أجزأه وفى كراهيته وَجْهَانِ (قَالَ) الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ يُكْرَهُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ (وَالثَّانِي) لَا يُكْرَهُ وَبِهِ قَطَعَ الدَّارِمِيُّ وهو

مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُتَوَلِّي وَالْجُمْهُورِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ يُكْرَهُ وَيُجْزِئُهُ قَالَ وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَصُومَ فِيهِ تَطَوُّعًا لَهُ سَبَبٌ فَالْفَرْضُ أَوْلَى كَالْوَقْتِ الَّذِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ لِأَنَّ وَقْتَ قَضَائِهِ قَدْ ضَاقَ (وأما) إذا صامه تطوع فَإِنْ كَانَ لَهُ سَبَبٌ بِأَنْ كَانَ عَادَتُهُ صَوْمَ الدَّهْرِ أَوْ صَوْمَ يَوْمٍ وَفِطْرَ يَوْمٍ أَوْ صَوْمَ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ كَيَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَصَادَفَهُ جَازَ صَوْمُهُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَبِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ احْتَجَّ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ كَمَا سَبَقَ وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبَبٌ فَصَوْمُهُ حَرَامٌ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُ فَإِنْ خَالَفَ وَصَامَ أَثِمَ بِذَلِكَ وَفِي صِحَّةِ صَوْمِهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي طَرِيقَةِ خُرَاسَانَ (أَصَحُّهُمَا) بُطْلَانُهُ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ (وَالثَّانِي) يَصِحُّ وَبِهِ قَطَعَ الدَّارِمِيُّ وَصَحَّحَهُ السَّرَخْسِيُّ لِأَنَّهُ صَالِحٌ لِلصَّوْمِ فِي الْجُمْلَةِ بِخِلَافِ صَوْمِ الْعِيدِ قَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا فِي وَقْتِ النَّهْيِ قَالُوا وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَهُ فَفِي صِحَّةِ نَذْرِهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ صَوْمِهِ إنْ صَحَّ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا قَالُوا فَإِنْ صَحَّحْنَاهُ فَلْيَصُمْ يَوْمًا غَيْرَهُ فَإِنْ صَامَهُ أَجْزَأَهُ عَنْ نَذْرِهِ هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَصِلْ يَوْمَ الشَّكِّ بِمَا قَبْلَ نِصْفِ شَعْبَانَ فَأَمَّا إذَا وَصَلَهُ بِمَا قَبْلَهُ فَيَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنْ وَصَلَهُ بِمَا بَعْدَ نِصْفِ شَعْبَانَ لَمْ يُجْزِهِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَمَّا إذَا صَامَ بَعْدَ نِصْفِ شَعْبَانَ غَيْرَ يَوْمِ الشَّكِّ فَفِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وغيره من الْمُحَقِّقِينَ لَا يَجُوزُ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ (وَالثَّانِي) يَجُوزُ وَلَا يُكْرَهُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ إلَى اخْتِيَارِهِ وَأَجَابَ الْمُتَوَلِّي عَنْ الْحَدِيثِ السَّابِقِ " إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا صِيَامَ حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ " بِجَوَابَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يَخَافُ الضَّعْفَ بِالصَّوْمِ فَيُؤْمَرُ بِالْفِطْرِ حَتَّى يَقْوَى لِصَوْمِ رَمَضَانَ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَمُوَافِقُوهُ وَالْجَوَابَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُتَوَلِّي يُنَازَعُ فِيهِمَا *

﴿فَرْعٌ﴾ قَالَ أَصْحَابُنَا يَوْمُ الشَّكِّ هُوَ يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إذَا وَقَعَ فِي أَلْسِنَةِ الناس إنه رؤى وَلَمْ يَقُلْ عَدْلٌ إنَّهُ رَآهُ أَوْ قَالَهُ وَقُلْنَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ أَوْ قَالَهُ عَدَدٌ مِنْ النِّسَاءِ أَوْ الصِّبْيَانِ أَوْ الْعَبِيدِ أَوْ الْفُسَّاقِ وَهَذَا الْحَدُّ لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا قَالُوا فَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَحَدَّثْ برؤيته أحد فليس بيوم شك سواء كانت السَّمَاءُ مُصْحِيَةً أَوْ أَطْبَقَ الْغَيْمُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الرافعي

وَجْهًا عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْبَافِيِّ بِالْمُوَحَّدَةِ وَبِالْفَاءِ إن كَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً وَلَمْ يُرَ الْهِلَالُ فَهُوَ شَكٌّ وَحَكَى أَيْضًا وَجْهًا آخَرَ عَنْ أَبِي طَاهِرٍ الزِّيَادِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ يَوْمَ الشَّكِّ مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ الْجَائِزَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ فَإِنْ شَهِدَ عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ امْرَأَةٌ فَقَدْ تَرَجَّحَ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ فَلَيْسَ بِشَكٍّ وَلَوْ كَانَ فِي السَّمَاءِ قِطَعُ سَحَابٍ

يمكن رؤية الهلال من خللها وَيُمْكِنُ أَنْ يَخْفَى تَحْتَهَا وَلَمْ يُتَحَدَّثْ بِرُؤْيَتِهِ فوجهان (قال) الشيخ أبو محمد هو يوم شك (وقال) غيره ليس بيوم شك وهو الاصح وقال إمام الحرمين ان كان ببلد يستقل أهله بطلب الهلال فليس بشك وان كَانُوا فِي سَفَرٍ وَلَمْ تَبْعُدْ رُؤْيَةُ أَهْلِ الْقُرَى فَيُحْتَمَلُ جَعْلُهُ يَوْمَ شَكٍّ هَذَا كَلَامُهُ

  • ﴿فَرْعٌ﴾ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ
  • قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ عِنْدَنَا وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مسعود وابن عمار وَحُذَيْفَةَ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي وَائِلٍ وَعِكْرِمَةَ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ قَالَ وَقَالَ مَالِكٌ سَمِعْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْهُ هَذَا كَلَامُ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ أَيْضًا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَدَاوُد الظَّاهِرِيُّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ أَقُولُ وَقَالَتْ عَائِشَةُ وأختها أسماء نصومه من رمضان وكانث عَائِشَةُ تَقُولُ " لَأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ " وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا قَالَ الْعَبْدَرِيُّ وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ إنْ صَامَ الْإِمَامُ صَامُوا وَإِنْ أَفْطَرَ أَفْطَرُوا وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إنْ كَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً لَمْ يَجُزْ صَوْمُهُ وَإِنْ كَانَتْ مُغَيِّمَةً وَجَبَ صَوْمُهُ عَنْ رَمَضَانَ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ كَمَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ

وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ كَمَذْهَبِ الْحَسَنِ هَذَا بَيَانُ مَذَاهِبِهِمْ فِي صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ عَنْ رَمَضَانَ فَلَوْ صَامَهُ تَطَوُّعًا بِلَا عَادَةٍ وَلَا وَصْلَةٍ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وبه قال الجمهور وحكاه العبدرى وعثمان وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَعَمَّارٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْمَالِكِيِّ وَدَاوُد

  • وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُكْرَهُ صَوْمُهُ تَطَوُّعًا وَيَحْرُمُ صَوْمُهُ عَنْ رَمَضَانَ
  • وَاحْتُجَّ لِمَنْ قَالَ بِصَوْمِهِ عَنْ رَمَضَانَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَزَعَمُوا أَنَّ مَعْنَاهُ ضَيِّقُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ وَبِأَنَّ عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ وَابْنَ عُمَرَ كَانُوا يَصُومُونَهُ فَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ فَقَالَتْ " لَأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ " وَعَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا كَانَتْ تَصُومُ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ مِنْ رمضان وعن أَبِي هُرَيْرَةَ لَأَنْ أَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّهْيِ عَنْ تَقَدُّمِ الشَّهْرِ بِصَوْمٍ إلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَصَحَّ مِنْ هَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ (وَأَمَّا) قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّمَا قَالَهُ عند شهادة رجل على رؤية الْهِلَالِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ قَالَ (وَأَمَّا) مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ فَقَدْ رُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ " قَالَ لَوْ صُمْتُ السَّنَةَ كُلَّهَا لَأَفْطَرْتُ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ " وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عبد العزيز بن حكيم الخضرمى قال رأيت ابن عمر بأمر رجلا يفطر فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ قَالَ وَرِوَايَةُ يزيد بن هرون تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ كَمَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ

فِي الصَّوْمِ إذَا غُمَّ الشَّهْرُ دُونَ أَنْ يَكُونَ صَحْوًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَمُتَابَعَةُ السَّنَةِ الثَّابِتَةِ وَمَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَعَوَامُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْلَى بِنَا وَهُوَ مَنْعُ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ هَذَا كَلَامُ الْبَيْهَقِيّ

  • وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْ ابْنُ عُمَرَ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ " وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ فَقَالَ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا ثُمَّ عَقَدَ إبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ وَقَالَ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا ثَلَاثِينَ " وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ زِيَادَةٌ قَالَ " وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا كَانَ شَعْبَانُ تسعا وعشرين نظر له فان رؤى فَذَاكَ وَإِنْ لَمْ يُرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرَةٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرَةٌ أَصْبَحَ صائما فال وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفْطِرُ مَعَ النَّاسِ وَلَا يَأْخُذُ بِهَذَا الْحِسَابِ " وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ " قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُومُوا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فَإِنْ غَبِيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْهُ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ " فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ " وَفِي رواية فان غمى عليكم الشهر

فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ " وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ بِمَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ قَدَرْتُ الشئ أَقْدُرُهُ وَأَقْدِرُهُ بِضَمِّ الدَّالِ وَكَسْرِهَا وَقَدَّرْتُهُ وَأَقْدَرْتُهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ مِنْ التَّقْدِيرِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ ومنه قوله تعالي (فقدرنا فنعم القادرون)

  • وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ " فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ " وهو تفسير لاقدروا لَهُ وَلِهَذَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي رِوَايَةٍ بَلْ تَارَةً يَذْكُرُ هَذَا وَتَارَةً يَذْكُرُ هَذَا وَتُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ السَّابِقَةُ " فَاقْدُرُوا ثَلَاثِينَ " قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَاوَرْدِيُّ حَمَلَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَاقْدُرُوا لَهُ " عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إكْمَالُ الْعُدَّةِ ثَلَاثِينَ كَمَا فَسَّرَهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالُوا وَيُوَضِّحُهُ وَيَقْطَعُ كُلَّ احْتِمَالٍ وَتَأْوِيلٍ فِيهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ " فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا " وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ " أَهْلَلْنَا رَمَضَانَ وَنَحْنُ بِذَاتِ عِرْقٍ فَأَرْسَلْنَا رَجُلًا إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ اللَّهَ تعالي قَدْ أَمَدَّهُ لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَانَ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ حَالَتْ دُونَهُ غَمَامَةٌ فَأَكْمِلُوا شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَعَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابٌ فَكَمِّلُوا ثَلَاثِينَ وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ
فصول الكتاب · 39 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المجموع شرح المهذب · 657 صفحة
ـ[المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي)) ]ـ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كتاب الحج
كتاب الأطعمة
كتاب الحوالة
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الوديعةكتاب العاريّة
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب السبق والرمى
كتاب اللقطة
كتاب اللقيط
كتاب الهبات
كتاب الوصايا
كتاب العتقكتاب المكاتب
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الايلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب الأيمان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب السير
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب الإقرار
جارٍ التحميل