المجموع شرح المهذبصفحات 199-238
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الطَّهَارَةِ

صفحات 199-238
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
الناشر
دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاصِّ لَا يَصِحُّ إلَّا مَا أَمَّ فِيهَا وَعَلَى قَوْلِ الْمَرْوَزِيِّ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ الْأَوَّلُ إنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فَإِنْ اقْتَدَى ثَانِيًا بَطَلَ جَمِيعُ مَا اقْتَدَى فِيهِ وَلَوْ كان الطاهر ثلاثة وواحد نجس وَصَلَّوْا كَمَا ذَكَرْنَا فَالصُّبْحُ وَالظُّهْرُ صَحِيحَتَانِ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ وَالْعَصْرُ صَحِيحَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِ إمَامِ الْمَغْرِبِ وَالْمَغْرِبُ بَاطِلَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِ إمَامِهَا هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْحَدَّادِ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاصِّ لَا يَصِحّ الِاقْتِدَاءُ مُطْلَقًا وَالْمَرْوَزِيُّ يصحح اقتداءين ان اقتصر عليهما والا بطل جميع اقتداءه ولو كانت الآنية خَمْسَةً فَإِنْ كَانَ الطَّاهِرُ وَاحِدًا وَالْبَاقِي نَجِسًا لَمْ يَصِحَّ إلَّا مَا أَمَّ فِيهَا بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ الطَّاهِرُ اثْنَيْنِ صَحَّتْ الصُّبْحُ للجميع والظهر لا مامها وَإِمَامِ الصُّبْحِ وَتَبْطُلُ لِلْبَاقِينَ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ بَاطِلَاتٌ إلَّا فِي حَقِّ أَئِمَّتِهَا وَلَوْ كَانَ الطَّاهِرُ ثَلَاثَةً صَحَّتْ الصُّبْحُ وَالظُّهْرُ لِلْجَمِيعِ وَالْعَصْرُ لا مامها وَإِمَامَيْ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ فَقَطْ وَبَطَلَتْ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ إلَّا لِإِمَامَيْهِمَا وَلَوْ كَانَ الطَّاهِرُ أَرْبَعَةً صَحَّتْ الصَّلَوَاتُ كُلُّهَا إلَّا الْمَغْرِبَ فِي حَقِّ إمَامِ الْعِشَاءِ وَإِلَّا الْعِشَاءَ فِي حَقِّ غَيْرِ إمَامِهَا هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْخَمْسَةِ مَذْهَبُ ابْنِ الْحَدَّادِ وَلَا يَخْفَى تَفْرِيعُ الْآخَرِينَ: وَلَوْ كَثُرَتْ الْأَوَانِي وَالْمُجْتَهِدُونَ لَمْ يَخْفَ حُكْمُهُمْ وَتَخْرِيجُ مَسَائِلِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَضَابِطُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَدَّادِ يَصِحُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا أَمَّ فِيهِ وَمَنْ اقْتَدَى بِهِ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ بِعَدَدِ بَقِيَّةِ الطَّاهِرِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ جَلَسَ رَجُلَانِ فَسُمِعَ منهما صوت حدث فتنا كراه فهو كمسألة الانائين فَتَصِحُّ صَلَاةُ كُلِّ وَاحِدٍ فِي الظَّاهِرِ وَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِصَاحِبِهِ وَلَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَسُمِعَ بَيْنَهُمْ صَوْتٌ تَنَاكَرُوهُ فَهُوَ كَمَسْأَلَةِ الْأَوَانِي الثَّلَاثَةِ وَفِيهَا الْمَذَاهِبُ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاصِّ لَا يَصِحُّ اقتداء وعند ابن الحداد يصج الِاقْتِدَاءُ لِلْأَوَّلِ وَالْمَرْوَزِيُّ يُصَحِّحُ الِاقْتِدَاءَ الْأَوَّلَ إنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَيُعِيدُهُمَا وَلَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً أَوْ خَمْسَةً فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي الْآنِيَةِ حَرْفًا حَرْفًا هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ هُنَا وَإِنْ صَحَّ فِي الْآنِيَةِ لِتَيَسُّرِ الِاجْتِهَادِ في

الْآنِيَةِ دُونَ الْأَشْخَاصِ فِي الْحَدَثِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَقَدْ يُفْرَضُ زِيَادَةٌ فِي الْآنِيَةِ وَهِيَ أَنَّ الْخَمْسَةَ لَوْ اجْتَهَدُوا فِي الْآنِيَةِ الْخَمْسَةِ وَالنَّجَسُ وَاحِدٌ فَأَدَّى اجْتِهَادُ أَحَدِهِمْ إلَى طَهَارَةِ إنَاءٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ وَاجْتَهَدَ فِي بَقِيَّتِهَا فَعَيَّنَ النَّجَسَ بِاجْتِهَادِهِ فَمَنْ اسْتَعْمَلَ هَذَا النَّجَسَ لَا يَقْتَدِي بِهِ هَذَا الْإِنْسَانُ وَيَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِالْبَاقِينَ بِلَا خِلَافٍ كَيْفَ كَانَ يَعْنِي وَلَا إعَادَةَ قَالَ وَلَا يَتَأَتَّى هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْحَدَثِ إذا لَيْسَ هُنَاكَ اجْتِهَادٌ وَلَا تَمَسُّكٌ بِدَلَالَةٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهَا قَالَ فَإِنْ تَكَلَّفَ مُتَكَلِّفٌ وَفَرَضَ فِيهِ عَلَامَاتٍ ظَنِّيَّةً اسْتَوَى الْبَابَانِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ الْآنَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • (فَرْعٌ) ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَغَيْرُهُمْ هُنَا مَسْأَلَةٌ ذَاتُ فُرُوعٍ تُشْبِهُ هَذِهِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا وَذَكَرَهَا كَثِيرُونَ فِي آخِرِ صِفَةِ الْوُضُوءِ وَقَدْ رَأَيْتُ تَقْدِيمَهَا تَأَسِّيًا بِهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَمُسَارَعَةً إلَى الْخَيْرَاتِ قَبْلَ حُلُولِ الْمَنِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْآفَاتِ وَكَانَ عَادَةُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ إذَا ذكر مسألة ذكر معها كل ماله تَعَلُّقٌ بِهَا وَمَا يُشْبِهُهَا وَنِعْمَتْ الْخَصْلَةُ
  • قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ إذَا تَوَضَّأَ لِلظُّهْرِ عَنْ حَدَثٍ وَصَلَّاهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ لِلْعَصْرِ عَنْ حَدَثٍ وَصَلَّاهَا ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ نَسِيَ مَسْحَ الرَّأْسِ أَوْ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ الطَّهَارَةِ مِنْ إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ وَلَمْ يَعْرِفْ عَيْنَهَا لَزِمَهُ إعَادَةُ الصَّلَاتَيْنِ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا بَاطِلَةٌ وَقَدْ جَهِلَهَا فَهُوَ كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ صَلَاتَيْنِ: وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا: وَأَمَّا الطَّهَارَةُ فَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ فَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الصَّحِيحِ الْجَدِيدِ أَنَّ تَفْرِيقَ الْوُضُوءِ جَائِزٌ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَتَمَّتْ طَهَارَتُهُ وَإِنْ قُلْنَا بِالْقَدِيمِ إنَّ تَفْرِيقَ الْوُضُوءِ يُبْطِلُهُ اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ وَلَوْ تَوَضَّأَ لِلظُّهْرِ عَنْ حَدَثٍ فَصَلَّاهَا ثُمَّ حَضَرَتْ الْعَصْرُ فَجَدَّدَ الْوُضُوءَ وَلَمْ يُحْدِثْ وَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ تَيَقَّنَ تَرْكَ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي إحْدَى طَهَارَتَيْهِ وَجَهِلَهَا فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُبْنَى عَلَى أَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا تَفْرِيقُ الْوُضُوءِ وَالْآخَرُ أَنَّ التَّجْدِيدَ

هَلْ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَفِيهِمَا خِلَافٌ فَنَذْكُرُ الطَّهَارَةَ ثُمَّ الصَّلَاةَ فَأَمَّا الطَّهَارَةُ: فَإِنْ قُلْنَا التَّجْدِيدُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ طَهَارَةً صَحِيحَةٍ: إمَّا الْأُولَى وَإِمَّا الثَّانِيَةُ وَإِمَّا بَعْضُهَا مِنْ الْأُولَى وَبَعْضُهَا مِنْ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ إنْ تَرَكَهُ مِنْ الثَّانِيَةِ فَالْأُولَى صَحِيحَةٌ وَإِلَّا فَالثَّانِيَةُ إنْ قُلْنَا لَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ حَصَلَ الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ مِنْ الْأُولَى وَالرَّأْسُ وَالرِّجْلَانِ مِنْ الثَّانِيَةِ وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ أَنَّ التَّجْدِيدَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ بُنِيَ عَلَى التَّفْرِيقِ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَجُوزُ اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ وَإِنْ قُلْنَا يجوز بنى على أنه إذا فَرْقٌ هَلْ يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ أُخْرَى لِبَاقِي الْأَعْضَاءِ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَحْتَاجُ بَلْ تَكْفِيهِ النِّيَّةُ السَّابِقَةُ فَإِنْ قُلْنَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ جَدِيدَةٍ انْبَنَى عَلَى أَنَّ تَفْرِيقَ النِّيَّةِ عَلَى الْأَعْضَاءِ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا وَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا يَجُوزُ فَإِنْ قُلْنَا يَجُوزُ بُنِيَ عَلَى طَهَارَتِهِ فَيَمْسَحُ رَأْسَهُ ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ وَإِنْ قُلْنَا تَكْفِيهِ النِّيَّةُ السَّابِقَةُ انْبَنَى عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ لُمْعَةً مِنْ عُضْوِهِ فِي الغسلة الاولى فانغمست فِي الثَّانِيَةِ هَلْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَرْتَفِعُ فَهُوَ كَمَا إذَا قُلْنَا لَا تَكْفِيهِ النِّيَّةُ السَّابِقَةُ وَإِنْ قُلْنَا يَرْتَفِعُ فِي مَسْأَلَةِ اللُّمْعَةِ فَفِي التَّجْدِيدِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا هُوَ كَاللُّمْعَةِ وَالثَّانِي الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ وَالْمَسَائِلُ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهَا سَتَأْتِي فِي بَابِ صِفَةِ الْوُضُوءِ وَبَابِ نِيَّتِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاضِحَةً مَبْسُوطَةً: وَالْحَاصِلُ لِلْفَتْوَى مِنْ هَذَا الْخِلَافِ أَنَّهُ يُبْنَى عَلَى طَهَارَتِهِ فَيَمْسَحُ رَأْسَهُ ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ بناء على الراجح في جميع هذه الاوصول هَذَا حُكْمُ الطَّهَارَةِ: وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَيَجِبُ إعَادَةُ الظهر بلا خلاف بين أصحابنا لا نا شككنا في فعلها بطهارة والاصل بقاؤها عَلَيْهِ وَأَمَّا الْعَصْرُ فَمَبْنِيَّةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ فَإِنْ قُلْنَا طَهَارَتُهُ الْآنَ صَحِيحَةٌ فَعَصْرُهُ صَحِيحٌ وَإِنْ قُلْنَا يَجِبُ اسْتِئْنَافُهَا أَوْ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا بِمَسْحِ الرَّأْسِ وَغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَجَبَ إعَادَةُ الْعَصْرِ هَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ: وَقَدْ يُقَالُ كَيْفَ جَزَمُوا بِوُجُوبِ إعَادَةِ الظُّهْرِ وَقَدْ حَصَلَ الشَّكُّ فِيهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا وَمَنْ شَكَّ فِي تَرْكِ سَجْدَةٍ مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَا شئ عَلَيْهِ بَلْ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ: وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ كَتِلْكَ وَالْفَرْقُ

من وجهين أحدهما أن الطهارة شرط للصلاة وَشَكَكْنَا هَلْ أَتَى بِهِ أَمْ لَا وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ أَتَى بِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّلَاةِ فَشَكَكْنَا هَلْ دَخَلَ فِيهَا أم لا واللاصل عدم الدخول ولم يعارض هذا الاصل شئ آخر وأما مسألة ترك السجدة فقد تيقن فِيهَا الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ وَشَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ فِي أَنَّهُ جَرَى مُبْطِلٌ أَمْ لَا وَالْأَصْلُ عَدَمُ مُبْطِلٍ وَالظَّاهِرُ مُضِيُّهَا عَلَى الصِّحَّةِ: الْفَرْقُ الثَّانِي أَنَّ الشَّكَّ فِي تَرْكِ السَّجْدَةِ وَنَحْوِهَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَعُفِيَ عَنْهُ بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ هَذَا تَحْرِيرُ الْمَسْأَلَةِ وَقَدْ ذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ نَاقِصَةً وَأَحْسَنُهُمْ لَهَا ذِكْرًا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تعليقه ولو توضأ للصبح عَنْ حَدَثٍ فَصَلَّاهَا ثُمَّ جَدَّدَ لِلظُّهْرِ ثُمَّ توضأ للعصر عن حدث جَدَّدَ لِلْمَغْرِبِ ثُمَّ تَوَضَّأَ لِلْعِشَاءِ عَنْ حَدَثٍ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ مَسْحًا فِي إحْدَى الطِّهَارَاتِ وَجَبَ إعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِطَهَارَةِ عن حَدَثٍ بِلَا خِلَافٍ وَفِي الَّتِي صَلَّاهَا بَعْدَ تجديد الخلاف والتفصيل السَّابِقُ: وَلَوْ تَوَضَّأَ عَنْ حَدَثٍ وَصَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ نَسِيَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَصَلَّى فَتَوَضَّأَ ثَانِيًا وَصَلَّى ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ مَسْحًا فِي إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ وَسَجْدَةً مِنْ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ وَلَمْ يَعْلَمْ مَحَلَّهُمَا فَطَهَارَتُهُ الْآنَ صَحِيحَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَيَلْزَمُهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَ الْمَسْحَ فِي الطَّهَارَةِ الْأُولَى وَالسَّجْدَةِ مِنْ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَهُوَ وَاضِحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • (فَرْعٌ) وَمِمَّا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ مُتَّصِلًا بِهَذِهِ وَهُوَ مِمَّا يُشْبِهُهَا اقْتَدَى شَافِعِيٌّ بِحَنَفِيٍّ وَعَكْسُهُ وَفِيهِ خِلَافٌ وَتَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَالْأَكْثَرُونَ ذَكَرُوهُ فِي بَابِ صِفَةِ الْأَئِمَّةِ وَأَنَا أَرَى تَقْدِيمَهُ مُوَافَقَةً لِلْإِمَامِ وَمُسَارَعَةً إلَى الْخَيْرِ لَكِنِّي أَذْكُرُهَا مُخْتَصَرَةً فَإِنْ وَصَلَتْ بَابَ صِفَةِ الْأَئِمَّةِ بَسَطْتُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ كان شيخي يذكر ههنا اقْتِدَاءَ الشَّافِعِيِّ بِالْحَنَفِيِّ قَالَ وَنَحْنُ نَذْكُرُهُ فَإِذَا تَوَضَّأَ حَنَفِيٌّ وَاقْتَدَى بِهِ شَافِعِيٌّ وَالْحَنَفِيُّ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَالشَّافِعِيُّ يَعْتَقِدُهَا فَثَلَاثَةُ أوجه أحدها وهو قول الاستاذ أبى اسحق الاسفرايني لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ لِأَنَّهُ وَإِنْ نَوَى فَلَا يَرَاهَا وَاجِبَةً فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ فَلَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ القفال يصح وان لم ينولان كُلَّ وَاحِدٍ مُؤَاخَذٌ بِمُوجَبِ اعْتِقَادِهِ وَالِاخْتِلَافُ فِي الْفُرُوعِ رَحْمَةٌ: وَالثَّالِثُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حامد

الاسفراينى إنْ نَوَى صَحَّ وَإِلَّا فَلَا: فَهَذِهِ الْأَوْجُهُ مَشْهُورَةٌ وَالْمُخْتَارُ وَجْهٌ رَابِعٌ سَنَذْكُرُهُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ صِفَةِ الْأَئِمَّةِ وَهُوَ أَنَّهُ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِالْحَنَفِيِّ وَنَحْوِهِ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ إخْلَالُهُ بِمَا نَشْتَرِطُهُ وَنُوجِبُهُ وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ جَارِيَةٌ فِي صَلَاةِ الشَّافِعِيِّ خَلْفَ حَنَفِيٍّ وَغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَرَاهُ الشَّافِعِيُّ وَيَرَاهُ ذَلِكَ الْمُصَلِّي بِأَنْ أَبْدَلَ الْفَاتِحَةَ أَوْ لَمْ يَطْمَئِنَّ أَوْ مَسَّ فرجا أو امرأة فعند الاستاذ أبي اسحق وَأَبِي حَامِدٍ صَلَاةُ الشَّافِعِيِّ خَلْفَهُ بَاطِلَةٌ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ وَعِنْدَ الْقَفَّالِ صَحِيحَةٌ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِ الْإِمَامِ قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَوْ صَلَّى الْحَنَفِيُّ عَلَى خلاف مذهبه مما يصححه الشافعي بأن افتصد وَلَمْ يَتَوَضَّأْ أَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ قَدْرَ قُلَّتَيْنِ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ فَاقْتَدِي بِهِ شَافِعِيٌّ فَعِنْدَ الْقَفَّالِ لَا يَصِحُّ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِ الْإِمَامِ وَعِنْدَ أَبِي حَامِدٍ يَصِحُّ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ قَالَ الْإِمَامُ وَلَوْ وَجَدَ شَافِعِيٌّ وَحَنَفِيٌّ نَبِيذَ تَمْرٍ وَلَمْ يَجِدَا مَاءً فَتَوَضَّأَ بِهِ الْحَنَفِيُّ وَتَيَمَّمَ الشَّافِعِيُّ وَاقْتَدَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فَصَلَاةُ الْمَأْمُومِ بَاطِلَةٌ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَرَى بُطْلَانَ صَلَاةِ صَاحِبِهِ فَأَشْبَهَ الرَّجُلَيْنِ إذَا سُمِعَ مِنْهُمَا صوت حدث تنا كراه وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْمَاءُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِهِ حَنَفِيٌّ هَلْ هُوَ مُسْتَعْمَلٌ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • (فَرْعٌ) فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ لم يذكرها المصنف أحداها قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ لَوْ كَانَ لَهُ غَنَمٌ فَاخْتَلَطَتْ بِغَنَمِ غَيْرِهِ أَوْ اخْتَلَطَتْ رَحْلُهُ بِرِحَالِ غَيْرِهِ أَوْ حَمَامُهُ بِحَمَامِ غَيْرِهِ فَلَهُ التَّحَرِّي وَكَذَا قَالَ الْبَغَوِيّ لَوْ اخْتَلَطَتْ شَاتُه أَوْ حَمَامُهُ بِشَاةِ غَيْرِهِ وَحَمَامِهِ فَلَهُ أَخْذُ وَاحِدَةٍ بِالِاجْتِهَادِ فَإِنْ نَازَعَهُ مَنْ فِي يَدِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ وَذَكَرَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ فِي شَاتِه وَثَوْبِهِ الْمُخْتَلَطَيْنِ وَجْهَيْنِ فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ بِهِ: الثَّانِيَةُ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا اختلطت زوجته بنساء واشتبهت لم يجزله وطئ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِالِاجْتِهَادِ بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ كُنَّ مَحْصُورَاتٍ أَوْ غَيْرَ مَحْصُورَاتٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ وَالْأَبْضَاعُ يُحْتَاطُ لَهَا وَالِاجْتِهَادُ خِلَافُ الِاحْتِيَاطِ: وَلَوْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ النَّسَبِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ مَحَارِمِهِ

بِنِسْوَةٍ فَإِنْ كُنَّ غَيْرَ مَحْصُورَاتٍ كَنِسْوَةِ بَلَدٍ كَبِيرٍ فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِلَا خِلَافٍ وَلَا يُفْتَقَرُ إلَى اجْتِهَادٍ كَمَا لَوْ غُصِبَتْ شَاةٌ وَذُبِحَتْ فِي بَلَدٍ لَا يَحْرُمُ اللحم بسببها لا نغمارها فِي غَيْرِهَا وَإِنْ كُنَّ مَحْصُورَاتٍ كَقَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَلَوْ اجْتَهَدَ: وَالثَّانِي يَجُوزُ سَوَاءٌ اجْتَهَدَ أَمْ لَا وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ: الثَّالِثَةُ إنْ اخْتَلَطَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّيَاتِ بَلَدٍ أَوْ إنَاءُ بَوْلٍ بِأَوَانِي بَلَدٍ فَلَهُ أَكْلُ بَعْضِ الْمُذَكَّيَاتِ وَالْوُضُوءُ بِبَعْضِ الْأَوَانِي وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَإِلَى أَيِّ حَدٍّ يَنْتَهِي فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْبَحْرِ أَحَدُهُمَا إلَى أَنْ يَبْقَى وَاحِدٌ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ تَمْرَةً فَاخْتَلَطَتْ بِتَمْرٍ كَثِيرٍ فَإِنَّهُ يَأْكُلُ الجميع الاتمرة وَلَا يَحْنَثُ: وَالثَّانِي يَجُوزُ إلَى أَنْ يَبْقَى قَدْرٌ لَوْ كَانَ الِاخْتِلَاطُ بِهِ ابْتِدَاءً مُنِعَ الْجَوَازُ وَلَمْ يُرَجِّحْ وَاحِدًا مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ وَقَدْ جَزَمَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ بِمِثْلِهِ فِيمَا لَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ مِنْ أَرْضٍ وَنَحْوِهَا وَسَنُوَضِّحُ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ طَهَارَةِ الْبَدَنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: الرَّابِعَةُ حَكَى صَاحِبُ الْبَحْرِ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ لَوْ كَانَ لَهُ دَنَّانِ فِي أَحَدِهِمَا دَبْسٌ وَفِي الْآخَرِ خَلٌّ وَاغْتَرَفَ مِنْهُمَا فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ ثُمَّ رَأَى فِي الْإِنَاءِ فَأْرَةً مَيْتَةً لَا يَعْلَمُ مِنْ أَيِّهِمَا هِيَ تَحَرَّى فِي الدَّنَّيْنِ فَإِذَا أَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى طَهَارَةِ أَحَدِهِمَا وَنَجَاسَةِ الْآخَرِ فَإِنْ كَانَ اغْتَرَفَ بِمِغْرَفَتَيْنِ فَاَلَّذِي أَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى طَهَارَتِهِ طَاهِرٌ وَالْآخَرُ نَجَسٌ وَإِنْ كَانَ بِمِغْرَفَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ ظَهَرَ بِالِاجْتِهَادِ أَنَّ الفأرة كانت في الثاني فالاول باق على طَهَارَتِهِ وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَوَّلِ فَهُمَا نَجَسَانِ: الْخَامِسَةُ إذَا اشْتَبَهَ الْمَاءَانِ فَتَوَضَّأَ بِأَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ وَقُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ فَبَانَ أَنَّ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ طَاهِرٌ فَقَدْ حَكَى الشَّاشِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْمُسْتَظْهِرِيِّ ثُمَّ الْمُعْتَمَدِ أَنَّهُ لَا يصح وضوءه في اختيار الشيخ أبي اسحق الْمُصَنِّفَ لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ فَهُوَ كَالْمُصَلِّي إلَى جِهَةٍ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ وَافَقَ الْقِبْلَةَ وَكَذَا مَنْ صَلَّى شَاكًّا فِي دُخُولِ الْوَقْتِ بِلَا اجْتِهَادٍ فَوَافَقَهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ قَالَ وَاخْتِيَارُ ابْنِ الصَّبَّاغِ أَنَّهُ

يَصِحُّ وُضُوءُهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إصَابَةُ الطَّاهِرِ وَقَدْ حَصَلَ قَالَ الشَّاشِيُّ وَهَذَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَعْتَذِرَ بِأَنَّهُ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ شاكا في شرطها فوزانه لَوْ صَلَّى هُنَا قَبْلَ بَيَانِ طَهَارَةِ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِالِاتِّفَاقِ قَالَ وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الطَّهَارَةَ فِي نَفْسِهَا عِبَادَةٌ وَقَدْ شَرَعَ فِيهَا شَاكًّا فِي شَرْطِهَا فَكَانَ مُتَلَاعِبًا (قُلْتُ) وَقَدْ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ في فتاويه بصحة وضؤه والمختار بطلان وضؤه وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • فَصْلٌ (تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ شُكِيَ إلَيْهِ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إليه الشئ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ ريحا قال أَصْحَابُنَا نَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ وَالْيَقِينَ لَا يُتْرَكُ حُكْمُهُ بِالشَّكِّ وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مَطْرَدَةٌ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا إلَّا مَسَائِلُ يَسِيرَةٌ لِأَدِلَّةٍ خَاصَّةٍ عَلَى تَخْصِيصِهَا وَبَعْضُهَا إذَا حُقِّقَ كَانَ دَاخِلًا فِيهَا وَسَأَذْكُرُهَا الْآنَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ لَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ أَوْ مَائِعٌ آخَرُ مِنْ لَبَنٍ أَوْ عَسَلٍ أَوْ دُهْنٍ أَوْ طَبِيخٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ عَصِيرٍ أَوْ غَيْرِهَا مما أصله الطهارة وتردد في نجاسة فَلَا يَضُرُّ تَرَدُّدُهُ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى طَهَارَتِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ تَرَدُّدُهُ بَيْنَ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ مُسْتَوِيًا أَوْ تَرَجَّحَ احْتِمَالُ النَّجَاسَةِ إلَّا عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ أَنَّهُ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ النَّجَاسَةُ حُكِمَ بِهَا 1 وَالصَّحِيحُ مَا سَبَقَ وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ حَدَثٍ أَوْ طَهَارَةٍ أَوْ حَيْضِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ فَلَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْأَصْلِ وَلَا يَلْزَمُهُ شئ هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَسْتَنِدْ الظَّنُّ إلَى سَبَبٍ مُعَيَّنٍ فَإِنْ اسْتَنَدَ كَمَسْأَلَةِ بَوْلِ الْحَيَوَانِ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ إذَا تَغَيَّرَ وَمَسْأَلَةُ الْمَقْبَرَةِ الْمَشْكُوكِ فِي نَبْشِهَا وَثِيَابُ الْمُتَدَيِّنِينَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَلَهَا أَحْكَامٌ مَعْرُوفَةٌ فَفِي بَعْضِهَا يُعْمَلُ بِالظَّاهِرِ بِلَا خِلَافٍ كَمَسْأَلَةِ بَوْلِ الْحَيَوَانِ (2) وَشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ فَإِنَّهَا تُفِيدُ الظَّنَّ وَتَقَدَّمَ عَلَى أَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِلَا خِلَافٍ وَفِي بَعْضِهَا

قَوْلَانِ كَمَسْأَلَةِ الْمَقْبَرَةِ وَنَحْوِهَا وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ بَابِ الْآنِيَةِ فِي آنِيَةِ الْكُفَّارِ المتدينين باستعمال النجاسة وجهين أنها مَحْكُومٌ بِنَجَاسَتِهَا عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَالثَّانِي بِطَهَارَتِهَا عَمَلًا بِالْأَصْلِ وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ هَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَقْبَرَةِ الْمَشْكُوكِ فِي نَبْشِهَا قَالُوا وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّهُ تَعَارُضُ أَصْلٍ وَظَاهِرٍ فَأَيُّهُمَا يُرَجَّحُ فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ وَبَالَغَ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِي التَّخْرِيجِ عَلَى هَذَا فَأَجْرَوْا قَوْلَيْنِ فِي الْحُكْمِ بِنَجَاسَةِ ثِيَابِ مُدْمِنِي الْخَمْرِ وَالْقَصَّابِينَ وَشَبَهِهِمْ مِمَّنْ يُخَالِطُ النَّجَاسَةَ وَلَا يَتَصَوَّنُ مِنْهَا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا وَطَرَّدُوهَا فِي طِينِ الشَّوَارِعِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ نَجَاسَتُهُ وابع بَعْضُهُمْ فَطَرَّدَهَا فِي ثِيَابِ الصِّبْيَانِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ هَلْ تَثْبُتُ النَّجَاسَةُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ فِيهِ قَوْلَانِ وَالرَّاجِحُ الْمُخْتَارُ فِي هَذَا كُلِّهِ طَرِيقَةُ العراقيين وهي القطع بطهارة كل هذا وشبهه وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى طَهَارَةِ ثِيَابِ الصِّبْيَانِ فِي مَوَاضِعَ وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا الْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ تَعَارَضَ فِيهَا أَصْلٌ وَظَاهِرٌ أَوْ أَصْلَانِ فَفِيهَا قَوْلَانِ وَمِمَّنْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَالْقَاضِي أَبُو سَعْدٍ الْهَرَوِيُّ فِي كِتَابِهِ الْأَشْرَافِ على غوامض الحكومات وهذا الاصلاق الَّذِي ذَكَرُوهُ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَمْ يُرِيدُوا حَقِيقَةَ الْإِطْلَاقِ فَإِنَّ لَنَا مَسَائِلَ يُعْمَلُ فِيهَا بالظن بلا خلاف كشهادة عَدْلَيْنِ فَإِنَّهَا تُفِيدُ الظَّنَّ وَيُعْمَلُ بِهَا بِالْإِجْمَاعِ ولا ينظر إلى أصلى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَكَمَسْأَلَةِ بَوْلِ الْحَيَوَانِ وَأَشْبَاهِهَا وَمَسَائِلُ يُعْمَلُ فِيهَا بِالْأَصْلِ بِلَا خِلَافٍ كَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ أَحْدَثَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ صَلَّى أَرْبَعًا لَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ يُعْمَلُ فِيهَا كُلُّهَا بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْبَقَاءُ عَلَى الطَّهَارَةِ وَعَدَمِ الطلاق والعتق والركعة الرابعة واشتباهها بَلْ الصَّوَابُ فِي الضَّابِطِ مَا حَرَّرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو بْنُ الصَّلَاحِ فَقَالَ إذَا تَعَارَضَ أَصْلَانِ أَوْ أَصْلٌ وَظَاهِرٌ وَجَبَ النَّظَرُ فِي التَّرْجِيحِ كَمَا فِي تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ فَإِنْ تَرَدَّدَ فِي الرَّاجِحِ فَهِيَ مَسَائِلُ الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ تَرَجَّحَ دَلِيلُ الظَّاهِرِ حُكِمَ بِهِ كَإِخْبَارِ عَدْلٍ بِالنَّجَاسَةِ وكبول الظبية وَإِنْ تَرَجَّحَ دَلِيلُ الْأَصْلِ حُكِمَ بِهِ بِلَا خِلَافٍ هَذَا كَلَامُ أَبِي عَمْرٍو.
قَالَ إمَامُ الحرمين ما يتردد في طهارته ونجاسة مِمَّا أَصْلُهُ الطَّهَارَةُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ طَهَارَتُهُ فَالْوَجْهُ الْأَخْذُ بِطَهَارَتِهِ وَلَوْ أَرَادَ الْإِنْسَانُ طَلَبَ يَقِينِ

الطهارة فلا حرج بشرط لَا يَنْتَهِيَ إلَى الْوَسْوَاسِ الَّذِي يُنَكِّدُ عَيْشَهُ وَيُكَدِّرُ عَلَيْهِ وَظَائِفَ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّ الْمُنْتَهَى إلَى ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ مَسَالِكِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ قَالَ وَالْوَسْوَسَةُ مَصْدَرُهَا الْجَهْلُ بِمَسَالِكِ الشَّرِيعَةِ أَوْ نُقْصَانٌ فِي غَرِيزَةِ الْعَقْلِ

  • الْقِسْمُ الثَّانِي مَا اسْتَوَى في طهارته ونجاسته التقدير ان فَيَجُوزُ الْأَخْذُ بِطَهَارَتِهِ وَلَوْ تَرَكَهُ الْإِنْسَانُ كَانَ مُحْتَاطًا: الثَّالِثُ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ نَجَاسَتُهُ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَحَدُهُمَا طَهَارَتُهُ وَالثَّانِي نَجَاسَتُهُ (قُلْتُ) هَذَا الَّذِي أَطْلَقَهُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ على اطلاقه بل هو على مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
  • (فَرْعٌ) اعْلَمْ أَنَّ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ كِتَابَ التَّبْصِرَةِ فِي الْوَسْوَسَةِ وَهُوَ كِتَابٌ نَافِعٌ كَثِيرُ النَّفَائِسِ وَسَأَنْقُلُ مِنْهُ مَقَاصِدَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ: وَاشْتَدَّ إنْكَارُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِهِ هَذَا عَلَى مَنْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا جَدِيدًا حَتَّى يَغْسِلَهُ لِمَا يَقَعُ مِمَّنْ يُعَانِي قِصَرَ الثِّيَابِ وَتَجْفِيفِهَا وَطَيِّهَا مِنْ التَّسَاهُلِ وَإِلْقَائِهَا وَهِيَ رطبة علي الارض النجسة ومباشرتها لها يَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ نَجَاسَتُهُ وَلَا يُغْسَلُ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْحَرُورِيَّةِ الْخَوَارِجِ اُبْتُلُوا بِالْغُلُوِّ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَبِالتَّسَاهُلِ فِي مَوْضِعِ الِاحْتِيَاطِ قَالَ وَمَنْ سَلَكَ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ يَعْتَرِضُ عَلَى أَفْعَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ الْجَدِيدَةَ قَبْلَ غَسْلِهَا وَحَالُ الثِّيَابِ فِي ذَلِكَ فِي أَعْصَارِهِمْ كَحَالِهَا فِي عَصْرِنَا بِلَا شَكٍّ ثُمَّ قَالَ أَرَأَيْتَ لَوْ أَمَرْتُ بِغَسْلِهَا أَكُنْتَ تَأْمَنُ فِي غَسْلِهَا أَنْ يُصِيبَهَا مِثْلَ هَذِهِ النَّجَاسَةِ الْمُتَوَهَّمَةِ فَإِنْ قُلْتَ أَنَا أَغْسِلُهَا بِنَفْسِي فَهَلْ سَمِعْتَ فِي ذَلِكَ خَبَرًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ وَجَّهُوا عَلَى الْإِنْسَانِ عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ أَوْ النَّدْبِ والاحتياط غَسْلَ ثَوْبِهِ بِنَفْسِهِ احْتِرَازًا مِنْ أَوْهَامِ النَّجَاسَةِ
  • (فَرْعٌ) قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةَ نَبَغَ قَوْمٌ يَغْسِلُونَ أَفْوَاهَهُمْ إذَا أَكَلُوا خُبْزًا وَيَقُولُونَ الْحِنْطَةُ تُدَاسُ بِالْبَقَرِ وَهِيَ تَبُولُ وَتَرُوثُ فِي الْمَدَاسَةِ أَيَّامًا طَوِيلَةً وَلَا يَكَادُ يَخْلُو طَحِينُ ذَلِكَ عَنْ نَجَاسَتِهِ قَالَ وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْغُلُوِّ وَالْخُرُوجِ عَنْ عَادَةِ السَّلَفِ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ فِي الْأَعْصَارِ

السَّالِفَةِ مَا زَالُوا يَدْرُسُونَ بِالْبَقَرِ كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ هَذَا الْعَصْرِ وَمَا نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ ذَوِي التَّقْوَى وَالْوَرَعِ أَنَّهُمْ رَأَوْا غَسْلَ الْفَمِ مِنْ ذَلِكَ هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو وَالْفِقْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْ الْقَمْحِ الْمُتَنَجِّسِ بِذَلِكَ قَلِيلٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَمْحِ السَّالِمِ مِنْ النَّجَاسَةِ فَقَدْ اشْتَبَهَ إذَنْ وَاخْتَلَطَ قَمْحٌ قَلِيلٌ نَجِسٌ بِقَمْحٍ طَاهِرٍ لَا يَنْحَصِرُ وَلَا مَنْعَ مِنْ ذَلِكَ بَلْ يَجُوزُ التَّنَاوُلُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ أَرَادَ كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِنِسَاءٍ لَا يَنْحَصِرْنَ فَلَهُ نِكَاحُ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ وَهَذَا أَوْلَى بِالْجَوَازِ وَفِي كَلَامِ الْأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيِّ فِي شَرْحِهِ لِلْمِفْتَاحِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ وَإِنْ تَعَيَّنَ مَا سَقَطَ الرَّوْثُ عَلَيْهِ فِي حَالِ الدِّرَاسِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ

  • (فَرْعٌ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةِ لَوْ أَصَابَ ثَوْبَهُ أَوْ غيره شئ مِنْ لُعَابِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَعَرَقِهَا جَازَتْ صلاته قَالَ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ لَا تَزَالُ تَتَمَرَّغُ فِي الْأَمْكِنَةِ النَّجِسَةِ وَتَحُكُّ بِأَفْوَاهِهَا قَوَائِمُهَا الَّتِي لَا تَخْلُو مِنْ النَّجَاسَةِ فَإِنَّا لَا نَتَيَقَّنُ نَجَاسَةَ عَرَقِهَا وَلُعَابِهَا لِأَنَّهَا تَخُوضُ الْمَاءَ الْكَثِيرَ وَتَكْرَعُ فِيهِ كَثِيرًا فَغَلَّبْنَا أَصْلَ الطَّهَارَةِ فِي لُعَابِهَا وَعَرَقِهَا قَالَ وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُمْ يَرْكَبُونَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ فِي الْجِهَادِ وَالْحَجِّ وَسَائِرِ الْأَسْفَارِ وَلَا يَكَادُ يَنْفَكُّ الرَّاكِبُ في مثل ذلك عن أن يصيبه شئ مِنْ عَرَقِهَا أَوْ لُعَابِهَا وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِي ثِيَابِهِمْ الَّتِي رَكِبُوا فِيهَا وَلَمْ يُعِدُّوا ثَوْبَيْنِ ثَوْبًا لِلرُّكُوبِ وَثَوْبًا لِلصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) سئل الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح في فتاويه عن جوخ حُكِيَ أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَهَا يَجْعَلُونَ فِيهَا شَحْمَ خِنْزِيرٍ وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ فَقَالَ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيمَا بِيَدِهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يُحْكَمْ بِالنَّجَاسَةِ وَسُئِلَ عَنْ بَقْلٍ فِي أَرْضٍ نَجِسَةٍ أَخَذَهُ الْبَقَّالُونَ وَغَسَلُوهُ غَسَلَا لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي التَّطْهِيرِ هَلْ يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ مَا يُصِيبُهُ فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ فَقَالَ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ نَجَاسَةُ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْبَقْلِ بِأَنْ احْتَمَلَ أَنَّهُ مِمَّا ارْتَفَعَ عَنْ مَنْبَتِهِ النَّجَسِ لَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَةِ مَا أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ لِتَظَاهُرِ أَصْلَيْنِ عَلَى طَهَارَتِهِ وَسُئِلَ عن

الْأَوْرَاقِ الَّتِي تُعْمَلُ وَتُبْسَطُ وَهِيَ رَطْبَةٌ عَلَى الْحِيطَانِ الْمَعْمُولَةِ بِرَمَادٍ نَجَسٍ وَيُنْسَخُ فِيهَا وَيُصِيبُ الثوب من ذلك المداد الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ فِيهَا مَعَ عُمُومِ الْبَلْوَى فَقَالَ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ وَسُئِلَ عَنْ قَلِيلِ قَمْحٍ بَقِيَ فِي سُفْلِ هُرْيٍ وَقَدْ عَمَّتْ البلوى ببعر الفأر فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ فَقَالَ مَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ نَجَاسَةً فِي هَذَا الْجُبِّ الْمُعَيَّنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ فِي طِينِ الشَّوَارِعِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ نَجَاسَتُهُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ: وَالثَّانِي بِطَهَارَتِهِ بِنَاءً عَلَى تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ قَالَ الْإِمَامُ كَانَ شَيْخِي يَقُولُ وَإِذَا تَيَقَّنَّا نَجَاسَةَ طِينِ الشَّوَارِعِ فَلَا خِلَافَ فِي الْعَفْوِ عَنْ الْقَلِيلِ الَّذِي يَلْحَقُ ثياب الطارقين فان الناس لابد لَهُمْ مِنْ الِانْتِشَارِ فِي حَوَائِجِهِمْ فَلَوْ كَلَّفْنَاهُمْ الْغُسْلَ لَعَظُمَتْ الْمَشَقَّةُ وَلِهَذَا عَفَوْنَا عَنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَالْبَثَرَاتِ: قَالَ الْإِمَامُ وَكَانَ شَيْخِي يَقُولُ الْقَلِيلُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ مَا لَا يُنْسَبُ صَاحِبُهُ إلَى كَبْوَةٍ أَوْ عَثْرَةٍ أَوْ قِلَّةٍ تُحْفَظُ عَنْ الطِّينِ (فَرْعٌ) مَاءُ الْمِيزَابِ الَّذِي يُظَنُّ نَجَاسَتُهُ وَلَا يُتَيَقَّنُ طَهَارَتُهُ وَلَا نَجَاسَتُهُ: قَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي طِينِ الشَّوَارِعِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِيهِ نَظَرٌ وَالْمُخْتَارُ الْجَزْمُ بِطَهَارَتِهِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ هُنَاكَ نَجَاسَةٌ انْغَسَلَتْ

  • (فَرْعٌ) قَدْ سَبَقَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ نَصَّ عَلَى طَهَارَةِ ثِيَابِ الصِّبْيَانِ فِي مَوَاضِعَ وَيَدُلُّ لَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى وَهُوَ حَامِلُ أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَهِيَ طِفْلَةٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَكَذَا يَجُوزُ مُؤَاكَلَةُ الصِّبْيَانِ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ طَبِيخٍ وَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ وَأَكْلُ فَضْلِ مَائِعٍ أَكَلَ منه صبى وصبية ما لك يَتَيَقَّنْ نَجَاسَةَ يَدِهِ فَإِنَّ يَدَهُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ نَجَاسَتُهَا: وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ مَعَ الصَّبِيِّ طَبِيخًا وَلَمْ تَزَلْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غير انكار

وَكَذَا رِيقُ الصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ يُكْثِرُ مِنْهُ وَضْعُ النَّجَاسَةِ فِي فَمِهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى تُتَيَقَّنَ نَجَاسَتُهُ (فَرْعٌ) هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ كُلُّهُ فِيمَا عُلِمَ أَنَّ أَصْلَهُ الطَّهَارَةُ وَشَكَّ فِي عُرُوضِ نَجَاسَتِهِ أَمَّا مَا جُهِلَ أَصْلُهُ فَقَدْ ذَكَرَ الْمُتَوَلِّي فِيهِ مَسَائِلَ يُقْبَلُ مِنْهُ بَعْضُهَا وَيُنْكَرُ بَعْضٌ فَقَالَ لَوْ كَانَ مَعَهُ إنَاءُ لَبَنٍ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ لَبَنُ حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ رَأَى حَيَوَانًا مَذْبُوحًا وَلَمْ يَدْرِ أَذْبَحَهُ مُسْلِمٌ أَمْ مَجُوسِيٌّ أَوْ رَأَى قِطْعَةَ لَحْمٍ وَشَكَّ هَلْ هِيَ مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ وَجَدَ نَبَاتًا وَلَمْ يَدْرِ هَلْ هُوَ سُمٌّ قَاتِلٌ أَمْ لَا فَلَا يُبَاحُ لَهُ التَّنَاوُلُ فِي كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ لِأَنَّهُ يَشُكُّ فِي الْإِبَاحَةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا هَذَا كَلَامُ الْمُتَوَلِّي: فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُذَكَّاةِ وَقِطْعَةُ اللَّحْمِ فَعَلَى مَا ذَكَرَ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُبَاحُ بِذَكَاةِ أَهْلِ الذَّكَاةِ وَشَكَكْنَا فِي ذَلِكَ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ: وَأَمَّا مَسْأَلَةُ النَّبَاتِ وَاللَّبَنِ وَشَبَهِهِمَا فَيَتَعَيَّنُ إجْرَاؤُهَا عَلَى الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ لِأَصْحَابِنَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَكُتُبِ الْمَذْهَبِ أَنَّ أَصْلَ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَمْ التَّحْرِيمِ أَمْ لَا حُكْمَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٍ الصَّحِيحُ مِنْهَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ لاحكم قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ وَلَا يُحْكَمُ عَلَى الْإِنْسَانِ في شئ يَفْعَلُهُ بِتَحْرِيمٍ وَلَا حَرَجٍ وَلَا نُسَمِّيهِ مُبَاحًا لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالتَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ فَكَيْفَ يَدَّعِي ذَلِكَ قَبْلَ الشَّرْعِ وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ سَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْعِ وَأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُثْبِتُ شَيْئًا فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّحْرِيمِ فَهُوَ كَمَا قَالَ الْمُتَوَلِّي لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ وَإِنْ قُلْنَا بِالصَّحِيحِ فَهُوَ حَلَالٌ حَتَّى يَتَحَقَّقَ 1 سَبَبُ التَّحْرِيمِ وَيُشْبِهُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَأَصْحَابُنَا فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ فِيمَا إذَا وَجَدْنَا حَيَوَانًا لَا يُعْرَفُ أَهُوَ مَأْكُولٌ أَمْ لَا وَلَا تَسْتَطِيبُهُ الْعَرَبُ وَلَا تَسْتَخْبِثُهُ وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْمُسْتَطَابِ وَالْمُسْتَخْبَثِ فَهَلْ يُحَلُّ أَكْلُهُ: فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِأَصْحَابِنَا بَنَاهُمَا الْأَصْحَابُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَأَمَّا مَسْأَلَةُ قِطْعَةِ اللَّحْمِ فَقَدْ أَطْلَقَ الْمُتَوَلِّي الْحُكْمَ بِتَحْرِيمِهَا وَقَالَ شَيْخُهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ فِيهَا تَفْصِيلًا حَسَنًا فَقَالَ لَوْ وَجَدَ

قِطْعَةَ لَحْمٍ مُلْقَاةٍ وَجَهِلَ حَالَهَا فَإِنْ كَانَتْ مُلْقَاةً عَلَى الْأَرْضِ غَيْرِ مَلْفُوفَةٍ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مَيْتَةٌ وَقَعَتْ مِنْ طَائِرٍ وَنَحْوِهِ فتكون حراما وان كانت فمكتل أَوْ خِرْقَةٍ وَنَحْوِهِمَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُذَكَّاةٌ فَتَكُونُ حَلَالًا إلَّا إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ مَجُوسٌ وَاخْتَلَطُوا بِالْمُسْلِمِينَ فَلَا تُبَاحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْفَصْلِ الْمُتَعَلِّقِ بِالشَّكِّ فِي الْأَشْيَاءِ أَنَّ حُكْمَ الْيَقِينِ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ إلَّا فِي مَسَائِلَ يَسِيرَةٍ خَرَجَتْ لا دلة خَاصَّةٍ عَلَى تَخْصِيصِهَا وَبَعْضُهَا إذَا حُقِّقَ كَانَ دَاخِلًا فِيهَا وَقَدْ انْدَرَجَ مِنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ جُمْلَةٌ فِيمَا سَبَقَ فِي هَذَا الْفَصْلِ كَمَسْأَلَةِ الظبية ونحوها فقد ذكر أبو العباس ابن الْقَاصِّ فِي كِتَابِهِ التَّلْخِيصُ أَنَّ كُلَّ مَنْ شك في شئ هَلْ فَعَلَهُ أَمْ لَا فَهُوَ غَيْرُ فَاعِلٍ فِي الْحُكْمِ وَلَا يُزَالُ حُكْمُ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ إلَّا فِي إحْدَى عَشْرَةً مَسْأَلَةً إحْدَاهَا إذَا شك ما سح الخف هل انقضت المدة أم لا: الثانية شَكَّ هَلْ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ أَمْ فِي السَّفَرِ يُحْكَمُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ: الثَّالِثَةُ إذَا أَحْرَمَ الْمُسَافِرُ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ خَلْفَ مَنْ لَا يَدْرِي أَمُسَافِرٌ هُوَ أَمْ مُقِيمٌ لَمْ يَجُزْ الْقَصْرُ: الرَّابِعَةُ بَالَ حَيَوَانٌ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ فَوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا وَلَمْ يَدْرِ أَتَغَيَّرَ بِالْبَوْلِ أَمْ بِغَيْرِهِ فَهُوَ نَجَسٌ: الْخَامِسَةُ الْمُسْتَحَاضَةُ الْمُتَحَيِّرَةُ يَلْزَمُهَا الْغُسْلُ عِنْد كُلِّ صَلَاةٍ تَشُكُّ فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ قَبْلَهَا: السَّادِسَةُ مَنْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ فِي بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ وَجَهِلَ مَوْضِعَهَا يَلْزَمُهُ غَسْلُهُ كُلُّهُ: السَّابِعَةُ شَكَّ مُسَافِرٌ أَوَصَلَ بَلَدَهُ أَمْ لَا لَا يَجُوزُ لَهُ التَّرَخُّصُ الثَّامِنَةُ شَكَّ مُسَافِرٌ هَلْ نَوَى الْإِقَامَةَ أَمْ لَا لَا يَجُوزُ لَهُ التَّرَخُّصُ: التَّاسِعَةُ الْمُسْتَحَاضَةُ وَسَلِسُ الْبَوْلِ إذَا تَوَضَّأَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ انْقَطَعَ حَدَثُهُ أَمْ لَا فَصَلَّى بِطَهَارَتِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ: الْعَاشِرَةُ تَيَمَّمَ ثُمَّ رَأَى شَيْئًا لَا يَدْرِي أَسْرَابٌ هُوَ أَمْ مَاءٌ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ وَإِنْ بَانَ سَرَابًا: الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ رَمَى صَيْدًا فَجَرَحَهُ ثُمَّ غَابَ فَوَجَدَهُ مَيْتًا وَشَكَّ هَلْ أَصَابَتْهُ رَمْيَةٌ أُخْرَى مِنْ حَجَرٍ غَيْرِهِ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ كَلْبًا
  • هَذِهِ مَسَائِلُ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ قَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِهِ لِلتَّلْخِيصِ قَدْ خَالَفَهُ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ

الْمَسَائِلِ كُلِّهَا فَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ فِي مَسْحِ الخف قال اصحابنا بنا لَمْ يُتْرَكْ فِيهِمَا الْيَقِينُ بِالشَّكِّ بَلْ لِأَنَّ الْأَصْلَ غَسْلُ الرِّجْلِ وَشَرْطُ الْمَسْحِ بَقَاءُ الْمُدَّةِ وَشَكَكْنَا فِيهِ فَعَمِلْنَا بِالْأَصْلِ الْغَسْلِ هَذَا قَوْلُ الْقَفَّالِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ: قَالَ الْقَفَّالُ وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فَحُكْمُهَا صَحِيحٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ تَرْكُ يَقِينٍ بِشَكٍّ لِأَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ بِشَرْطٍ فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْإِتْمَامُ: قَالَ وَأَمَّا الرَّابِعَةُ فَحُكْمُهَا صَحِيحٌ لَكِنْ لَيْسَ هُوَ تَرْكُ يَقِينٍ بِشَكٍّ لِأَنَّ الظَّاهِرَ تَغَيُّرُهُ بِالْبَوْلِ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ أَنَّهُ تَرَكَ الْأَصْلَ بِظَاهِرٍ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَوْفَاةً: قَالَ وَأَمَّا الْخَامِسَةُ فَحُكْمُهَا صَحِيحٌ لَكِنْ لَيْسَ تَرْكُ أَصْلٍ بِشَكٍّ بَلْ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا فَإِذَا شَكَّتْ فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ فَصَلَّتْ بِلَا غسل لم تستيقن الْبَرَاءَةَ مِنْ الصَّلَاةِ وَفِي هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَفَّالُ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ: قَالَ وَأَمَّا السَّادِسَةُ فَلَيْسَ تَرْكُ يَقِينٍ بِشَكٍّ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا بِطَهَارَةٍ عَنْ هَذِهِ النَّجَاسَةِ فَمَا لَمْ يَغْسِلْ الْجَمِيعَ هُوَ شَاكٌّ فِي زَوَالِ مَنْعِهِ مِنْ الصَّلَاةِ

  • قَالَ وَأَمَّا السَّابِعَةُ فَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَهُ الْقَصْرُ لِأَنَّهُ شَاكٌّ فِي زَوَالِ سَبَبِ الرُّخْصَةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ: وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ كَمَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ تَرْكَ يَقِينٍ بِشَكٍّ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَفَّالُ فِيهِ نَظَرٌ: وَالظَّاهِرُ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ
  • قَالَ وَأَمَّا الثَّامِنَةُ فَحُكْمُهَا صَحِيحٌ وَلَكِنْ لَيْسَ تَرْكُ يَقِينٍ بِشَكٍّ بَلْ الْأَصْلُ الْإِتْمَامُ فَلَا يَقْصُرُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ سَبَبَ الرُّخْصَةِ وَفِي هَذَا نَظَرٌ: وَالظَّاهِرُ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ: وَأَمَّا التَّاسِعَةُ فَحُكْمُهَا صَحِيحٌ لَكِنْ لَيْسَ تَرْكُ يَقِينٍ بِشَكِّ لِأَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ لَا تَحِلُّ لَهَا الصَّلَاةُ مَعَ الْحَدَثِ إلَّا لِلضَّرُورَةِ فَإِذَا شَكَّتْ فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ فَقَدْ شَكَّتْ فِي السَّبَبِ الْمُجَوِّزِ لِلصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ فَرَجَعَتْ إلَى أَصْلِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ بِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَالظَّاهِرُ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ: وَأَمَّا الْعَاشِرَةُ فَحُكْمُهَا صَحِيحٌ لَكِنْ لَيْسَ تَرْكُ يَقِينٍ بِشَكٍّ وَإِنَّمَا بَطَلَ التَّيَمُّمُ بِرُؤْيَةِ السَّرَابِ لِأَنَّهُ تَوَجَّهَ الطَّلَبُ وَإِذَا تَوَجَّهَ الطَّلَبُ بَطَلَ التَّيَمُّمُ وَالظَّاهِرُ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ: قَالَ وَأَمَّا

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ فَفِي حِلِّ الصَّيْدِ قَوْلَانِ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَحِلُّ فَلَيْسَ تَرْكُ يَقِينٍ بِشَكٍّ لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ وَقَدْ شَكَكْنَا فِي الْإِبَاحَةِ قَالَ الْقَفَّالُ فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ كُلَّهَا مُسْتَمِرَّةٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْيَقِينَ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ هَذَا كَلَامُ الْقَفَّالِ وَالصَّوَابُ فِي أَكْثَرِهَا مَعَ أَبِي الْعَبَّاسِ كَمَا ذَكَرْنَا وَهُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ

  • وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ استثني صاحب التلخليص مَسَائِلَ مِمَّا يُتْرَكُ فِيهَا الْيَقِينُ بِالشَّكِّ قَالَ وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْمُسْتَفَادَ مِنْهَا وَنَحْذِفُ مَا لَا يُشْكِلُ قَالَ فَمِمَّا اسْتَثْنَاهُ أَنَّ النَّاسَ لَوْ شكوا في انقضاء الوقت يوم الجمعة 1 يُصَلُّوا جُمُعَةً وَلَمْ يَسْتَصْحِبُوا الْيَقِينَ وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَيْضًا مَسْأَلَتَيْ الْخُفِّ وَمَسْأَلَتَيْ شَكِّ الْمُسَافِرِ فِي وصول بلده ونية الْإِقَامَةَ وَلَمْ يَزِدْ الْإِمَامُ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَا اقْتَصَرَ الْغَزَالِيُّ عَلَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَنَقَلَ خِلَافًا فِي مَسْأَلَتَيْ الْمُسَافِرِ دُونَ الْمَسْحِ وَالْجُمُعَةِ
  • قَالَ الْإِمَامُ لَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ مُدَّةَ الْمَسْحِ وَوَقْتَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِهِ فَإِذَا وَقَعَ فِيهِ شَكٌّ لَاحَ تَعَيَّنَ الرَّدُّ إلَى الْأَصْلِ
  • وَأَمَّا وُصُولُ دَارِ الْإِقَامَةِ وَالْعَزْمُ عَلَى الْإِقَامَةِ فَمُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الشَّاكِّ وَمِنْهُ تَتَلَقَّى مَعْرِفَتَهُ فَإِذَا جَهِلَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَصْلًا
  • قَالَ الْإِمَامُ عَلَى أَنَّ الْوَجْهَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ: وَمِمَّا لَمْ يَسْتَثْنِهِ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةُ إذَا تَوَضَّأَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ مَسَحَ رَأْسَهُ مَثَلًا أم لا وفيه وجهان الاصح صحة وضوءه وَلَا يُقَالُ الْأَصْلُ عَدَمُ الْمَسْحِ وَمِثْلُهُ لَوْ سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ عِنْدَ الخراسانيين
  • اصحها وبه قطع العراقيون لا شئ عَلَيْهِ وَمَضَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الصِّحَّةِ فَإِنْ تَكَلَّفَ مُتَكَلِّفٌ وَقَالَ الْمَسْأَلَتَانِ دَاخِلَتَانِ فِي الْقَاعِدَةِ فَإِنَّهُ شَكَّ هَلْ تَرَكَ أَمْ لَا وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فليس تكلفه بشئ لِأَنَّ التَّرْكَ عَدَمٌ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ وَإِنَّمَا الْمَشْكُوكُ فِيهِ الْفِعْلُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَلَمْ يُعْمَلْ بِالْأَصْلِ
  • وَأَمَّا إذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ فَرَأَى عَلَيْهِ نَجَاسَةً وَاحْتَمَلَ حُصُولُهَا فِي الصَّلَاةِ وَحُدُوثُهَا بَعْدَهَا فَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ بَلْ مَضَتْ عَلَى الصِّحَّةِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ طَهَارَةِ الْبَدَنِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ الاصل

عَدَمُ النَّجَاسَةِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِثْنَائِهَا لِدُخُولِهَا فِي الْقَاعِدَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ تَحَقَّقَتْ النَّجَاسَةُ وَشَكَّ فِي انْعِقَادِ الصَّلَاةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَبَقَاؤُهَا فِي الذِّمَّةِ فَيَحْتَاجُ إلَى اسْتِثْنَائِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَلَهُ الْحَمْدُ وَالنِّعْمَةُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ* قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى

* بَابُ (الْآنِيَةِ)

(كُلُّ حَيَوَانٍ نَجِسَ بِالْمَوْتِ طَهُرَ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ وَهُوَ مَا عَدَا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ وَلِأَنَّ الدِّبَاغَ يَحْفَظُ الصِّحَّةُ عَلَى الْجِلْدِ وَيَصْلُحُهُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ كَالْحَيَاةِ ثُمَّ الْحَيَاةُ تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ الْجِلْدِ فَكَذَلِكَ الدِّبَاغُ: وَأَمَّا الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَلَا يَطْهُرُ جِلْدُهُمَا بِالدِّبَاغِ لِأَنَّ الدِّبَاغَ كَالْحَيَاةِ ثُمَّ الْحَيَاةُ لَا تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ الْكَلْبِ والخنزير فكذلك الدباغ)

  • (الشَّرْحُ) الْآنِيَةُ جَمْعُ إنَاءٍ وَجَمْعُ الْآنِيَةِ الْأَوَانِي فَالْإِنَاءُ مُفْرَدٌ وَجَمْعُهُ آنِيَةٌ وَالْأَوَانِي جَمْعُ الْجَمْعِ فَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي أَقَلَّ مِنْ تِسْعَةٍ إلَّا مَجَازًا وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الْغَزَالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ الْآنِيَةَ فِي الْمُفْرَدِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فِي اللُّغَةِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ جَمْعُ الْإِنَاءِ آنِيَةٌ وَجَمْعُ الْآنِيَةِ الْأَوَانِي كَسِقَاءٍ وَأَسْقِيَةٍ وَأَسَاقٍ
  • وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَمَّا مُسْلِمٌ فَذَكَرَهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَأَمَّا أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ فَفِي كِتَابِ اللِّبَاسِ وَالنَّسَائِيِّ فِي الذَّبَائِحِ وَهَذَا الْمَذْكُورُ لَفْظُ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَقَلِيلِينَ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَمَّا رِوَايَةُ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَآخَرِينَ فَفِيهَا إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ وَقَدْ جَمَعْتُ طُرُقَهُ وَاخْتِلَافَ ألفاظه في كتابه جَامِعِ السُّنَّةِ: وَيُقَالُ طَهُرَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ: وَأَمَّا الْإِهَابُ بِكَسْرِ

الْهَمْزَةِ فَجَمْعُهُ أُهُبٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ وَأَهَبٌ بفتحها لُغَتَانِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ اللُّغَةِ فِيهِ فَقَالَ إمَامُ اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ الْإِهَابُ هُوَ الْجِلْدُ قَبْلَ أَنْ يُدْبَغَ وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ فِي سُنَنِهِ وَحَكَاهُ عَنْ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ وَكَذَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: وَذَكَرَ الْأَزْهَرِيُّ فِي شَرْحِ أَلْفَاظِ الْمُخْتَصَرِ وَالْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ الْجِلْدُ وَلَمْ يُقَيِّدُوهُ بِمَا لَمْ يُدْبَغْ: الْخِنْزِيرُ مَعْرُوفٌ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي نُونِهِ هَلْ هِيَ زَائِدَةٌ أَمْ أَصْلِيَّةٌ وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ: وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَكُلُّ حَيَوَانٍ نَجِسَ بِالْمَوْتِ فَمَعْنَاهُ حَكَمْنَا بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَنَّهُ نَجَسٌ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ فَلِهَذَا اسْتَثْنَاهُ الْمُصَنِّفُ فَقَالَ مَا عَدَا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَقَدْ ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَزَعَمَ أَنَّ بِقَوْلِهِ نَجِسَ بِالْمَوْتِ يَخْرُجُ الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْجُسْ بِالْمَوْتِ بَلْ كَانَ نَجِسًا قَبْلَهُ وَاسْتَمَرَّتْ نَجَاسَتُهُ هَذَا الْإِنْكَارُ بَاطِلٌ وَإِنَّمَا حَصَلَ الْإِنْكَارُ لِحَمْلِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى غَيْرِ مُرَادِهِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْتُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَكُلُّ الْجُلُودِ النَّجِسَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ تَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ إلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَالْمُتَوَلَّدَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا.
    وَسَنَذْكُرُ مَذَاهِبَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَرْعٍ: وَحَكَى الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَجْهًا أَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ لَيْسَ بِنَجَسٍ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي عَنْ حِكَايَةِ ابْنِ الْقَطَّانِ قَالَ وَإِنَّمَا أُمِرَ بِالدَّبْغِ بِسَبَبِ الزُّهُومَةِ الَّتِي فِي الْجِلْدِ فَإِنَّهَا نَجِسَةٌ فَيُؤْمَرُ بِالدَّبْغِ لا زالتها كَمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ النَّجَاسَةِ وَهَذَا الْوَجْهُ فِي نِهَايَةِ الضَّعْفِ وَغَايَةِ الشُّذُوذِ وَفَسَادُهُ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ وَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا دبغ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ فَإِنْ قِيلَ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْجِلْدَ نَجَسُ الْعَيْنِ فَتُحْمَلُ الطَّهَارَةُ فِيهِ عَلَى الطَّهَارَةِ مِنْ نَجَاسَةِ الْمُجَاوَرَةِ بِالزُّهُومَةِ كَمَا يُقَالُ طَهُرَ ثَوْبُهُ إذَا غُسِلَ مِنْ النَّجَاسَةِ: فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ لَيْسَ له دليل يعضده ولا حجة تَسْنُدُهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ وَتَخْصِيصُهُ الْجِلْدَ بِالطَّهَارَةِ دُونَ بَاقِي الْأَعْضَاءِ وَالْأَجْزَاءِ دَلِيلٌ عَلَى تناقض قوله

وَقَدْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ اتَّفَقَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ نَجَسٌ وَكَذَا صَرَّحَ بِنَقْلِ الِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ آخَرُونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • وَأَمَّا الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ وَفَرْعُ أَحَدِهِمَا فَلَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ بِلَا خِلَافٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ
  • وَقَوْلُهُ فَلَا يَطْهُرُ جِلْدُهَا بِالدِّبَاغِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ جِلْدُهُمَا بِالتَّثْنِيَةِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ فَالتَّثْنِيَةُ تَعُودُ إلَى النَّوْعَيْنِ وَقَوْلُهُ جِلْدُهَا يَعُودُ إلَى الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَاَللَّذَانِ بَعْدَهُمَا
  • وَأَمَّا قَوْلُهُ كُلُّ حَيَوَانٍ نَجِسَ بِالْمَوْتِ فَاحْتِرَازٌ مِمَّا لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ بَلْ يَبْقَى طَاهِرًا وَذَلِكَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ ذَكَرَهَا صَاحِبُ الْحَاوِي السَّمَكُ وَالْجَرَادُ وَالْجَنِينُ بَعْدَ ذَكَاةِ أُمِّهِ وَالصَّيْدُ إذَا قَتَلَهُ الْكَلْبُ أَوْ السَّهْمُ بِشَرْطِهِ وَالْخَامِسُ الْآدَمِيُّ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فَهَذِهِ مَيْتَاتٌ طَاهِرٌ لَحْمُهَا وَجِلْدُهَا فَأَمَّا الْجَرَادُ فَلَا جِلْدَ لَهُ وَالسَّمَكُ مِنْهُ مَا لَا جِلْدَ لَهُ وَمِنْهُ مَا لَهُ جِلْدٌ كَعَظِيمِ حِيتَانِ الْبَحْرِ وَالْجَنِينُ وَالصَّيْدُ لَهُمَا جِلْدٌ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ بِلَا دِبَاغِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفِ مِنْ بَيْعٍ وَاسْتِعْمَالٍ فِي يَابِسٍ وَرَطْبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ: وَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَإِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ فَجِلْدُهُ طَاهِرٌ لَكِنْ لا يجوز استعمال جلده ولا شئ مِنْ أَجْزَائِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِحُرْمَتِهِ وَكَرَامَتِهِ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى تَحْرِيمِهِ وَصَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ مِنْهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَخَلَائِقُ قَالَ الدَّارِمِيُّ فِي الاستذ كار لَا يَخْتَلِفُ الْقَوْلُ أَنَّ دِبَاغَ جُلُودِ بَنِي آدَمَ وَاسْتِعْمَالَهَا حَرَامٌ وَنَقَلَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو محمد علي بن احمد بن سعيد ابن حَزْمٍ فِي كِتَابِهِ كِتَابِ الْإِجْمَاعِ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَحْرِيمِ سَلْخِ جِلْدِ الْآدَمِيِّ وَاسْتِعْمَالِهِ: وَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ أَنَّ الْآدَمِيَّ يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ فَجِلْدُهُ نَجِسٌ وَهَلْ يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمْ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ يَطْهُرُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ وَالْجُمْهُورِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا كُلُّ جِلْدٍ نَجِسَ بِالْمَوْتِ طَهُرَ بِالدِّبَاغِ وَدَلِيلُهُ عُمُومُ الْحَدِيثِ أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ لِأَنَّ دِبَاغَهُ حَرَامٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الِامْتِهَانِ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ الدِّبَاغَ لَا يَحْرُمُ لِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ حُصُولُ الِامْتِهَانِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ حَصَلَ وَأَغْرَبَ الدَّارِمِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَذَكَرَا وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى دِبَاغُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ) هِيَ سَبْعَةُ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ شئ مِنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِهِ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ جِلْدُ مَأْكُولِ اللَّحْمِ دُونَ غَيْرِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ وَابْنِ المبارك وأبي داود واسحق ابن رَاهْوَيْهِ وَالثَّالِثُ يَطْهُرُ بِهِ كُلُّ جُلُودِ الْمَيْتَةِ إلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَالْمُتَوَلَّدَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَحَكَوْهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَالرَّابِعُ يَطْهُرُ بِهِ الْجَمِيعُ إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْخَامِسُ يَطْهُرُ الْجَمِيعُ وَالْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ إلَّا أَنَّهُ يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ فَيُسْتَعْمَلُ فِي الْيَابِسِ دُونَ الرَّطْبِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ لَا فِيهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِيمَا حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْهُ: وَالسَّادِسُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ جَمِيعُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ والكلب والخنزير ظاهرا وباطنا قاله دَاوُد وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: وَالسَّابِعُ يُنْتَفَعُ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ بِلَا دِبَاغٍ وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا فِي الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ حَكَوْهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ: وَاحْتَجَّ لِأَحْمَدَ وَمُوَافِقِيهِ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا قَوْلُ الله تعالى (حرمت عليكم الميتة) وَهُوَ عَامٌّ فِي الْجِلْدِ وَغَيْرِهِ وَبِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ مَوْتِهِ بشهر أن لا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ عُمْدَتُهُمْ قَالُوا وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الميتة فلم يطهر بشئ كَاللَّحْمِ وَلِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي نَجِسَ بِهِ هُوَ الْمَوْتُ وَهُوَ مُلَازِمٌ لَهُ لَا يَزُولُ بِالدَّبْغِ فَلَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ وَأَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ وَهُمَا صَحِيحَانِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَبِحَدِيثِ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ (هَلَّا أَخَذُوا إهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا مَيْتَةٌ قَالَ إنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ طُرُقٍ أَمَّا مُسْلِمٌ فَرَوَاهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَرَوَاهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ صَحِيحِهِ مِنْهَا كِتَابُ الزَّكَاةِ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي كِتَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَغَيْرِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا لِأَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ وَالْحُفَّاظِ

جَعَلَهُ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ كَأَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ مَوَاضِعُهُ مِنْ الْبُخَارِيِّ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا مسكها ثم مازلنا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هكذا ورواه أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَاتَتْ شَاةٌ لِسَوْدَةِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاتَتْ فُلَانَةُ تَعْنِي الشَّاةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَلَّا أَخَذْتُمْ مَسْكَهَا فَقَالَتْ نَأْخُذُ مَسْكَ شَاةٍ قَدْ مَاتَتْ وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ كَرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ

  • وَبِحَدِيثِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ) حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ وَآخَرُونَ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ فِي اللِّبَاسِ وَالنَّسَائِيِّ فِي الذَّبَائِحِ وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ سِقَاءٍ فَقِيلَ لَهُ إنَّهُ مَيْتَةٌ فَقَالَ دِبَاغُهُ يَذْهَبُ بِخَبَثِهِ أَوْ نَجَسِهِ أَوْ رِجْسِهِ رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ
  • وَبِحَدِيثِ جَوْنِ بِفَتْحِ الْجِيمِ ابْنِ قَتَادَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَكَسْرِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ دَعَا بِمَاءٍ مِنْ عِنْدِ امْرَأَةٍ قَالَتْ مَا عِنْدِي إلَّا فِي قِرْبَةٍ لِي مَيْتَةٍ قَالَ أَلَيْسَ قَدْ دَبَغْتِهَا قَالَتْ بَلَى قَالَ فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَّا أَنَّ جَوْنًا اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هُوَ مَجْهُولٌ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ هُوَ مَعْرُوفٌ وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ وَلِأَنَّهُ جِلْدٌ طَاهِرٌ طَرَأَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ فَجَازَ أَنْ يَطْهُرَ كَجِلْدِ الْمُذَكَّاةِ إذَا تَنَجَّسَ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِالْآيَةِ فَهُوَ أَنَّهَا عَامَّةٌ خَصَّتْهَا السُّنَّةُ: وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ هَذَا لِقَوْلِهِ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرَيْنِ وَكَانَ يَقُولُ هَذَا آخِرُ الْأَمْرِ قَالَ ثُمَّ تَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هَذَا الْحَدِيثَ لَمَّا اضْطَرَبُوا فِي إسْنَادِهِ حَيْثُ رَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ عُكَيْمٍ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ جُهَيْنَةَ: هَذَا

كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ وَرُوِيَ بِشَهْرَيْنِ وَرُوِيَ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالْآثَارِ وَآخَرُونَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ وابن عكيم ليس بصاحبي وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ جَوَازُ الدِّبَاغِ وَوَهَّنُوا هَذَا الْحَدِيثَ لِأَنَّ ابْنَ عُكَيْمٍ لَمْ يلق النبي صلى الله لعيه وَسَلَّمَ إنَّمَا هُوَ حِكَايَةٌ عَنْ كِتَابٍ أَتَاهُمْ وَعَلَّلُوهُ أَيْضًا بِأَنَّهُ مُضْطَرِبٌ وَعَنْ مَشْيَخَةٍ مَجْهُولِينَ لَمْ تَثْبُتْ صُحْبَتُهُمْ إذَا عُرِفَ هَذَا: فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ وَالثَّانِي أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ كَمَا سَبَقَ وَكَمَا نَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ احمد ولا يقدح في هذين الجوابين قبول التِّرْمِذِيِّ إنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ لِأَنَّهُ قَالَهُ عَنْ اجْتِهَادِهِ وَقَدْ بَيَّنَ هُوَ وَغَيْرُهُ وَجْهَ ضَعْفِهِ كَمَا سَبَقَ: الثَّالِثُ أَنَّهُ كِتَابٌ وَأَخْبَارُنَا سَمَاعٌ وَأَصَحُّ إسْنَادًا وَأَكْثَرُ رُوَاةً وَسَالِمَةٌ مِنْ الِاضْطِرَابِ فَهِيَ أَقْوَى وَأَوْلَى: الرَّابِعُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي النَّهْيِ وَأَخْبَارُنَا مُخَصِّصَةٌ لِلنَّهْيِ بِمَا قَبْلَ الدِّبَاغِ مُصَرِّحَةٌ بِجَوَازِ الِانْتِفَاعِ بَعْدَ الدِّبَاغِ وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ: وَالْخَامِسُ أَنَّ الْإِهَابَ الْجِلْدُ قَبْلَ دِبَاغِهِ وَلَا يُسَمَّى إهَابًا بَعْدَهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ وَالنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ وَأَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ وَالْجَوْهَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بَلْ النَّهْيُ لِمَا قَبْلَ الدِّبَاغِ تَصْرِيحًا: فَإِنْ قَالُوا خَبَرُنَا مُتَأَخِّرٌ فَقُدِّمَ: فَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا لَا نُسَلِّمُ تَأَخُّرَهُ عَلَى أَخْبَارِنَا لِأَنَّهَا مُطْلَقَةٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا قَبْلَ وَفَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدُونِ شَهْرَيْنِ وَشَهْرٍ: الثَّانِي أَنَّهُ رُوِيَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ وَرُوِيَ شَهْرَيْنِ وَرُوِيَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا كَمَا سَبَقَ وَكَثِيرٌ مِنْ الرِّوَايَاتِ لَيْسَ فِيهَا تَارِيخٌ وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَتَيْ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا فَحَصَلَ فيه نوع اضطراب فليبق فِيهِ تَارِيخٌ يُعْتَمَدُ: الثَّالِثُ لَوْ سَلِمَ تَأَخُّرَهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ لِأَنَّهُ عَامٌّ وَأَخْبَارُنَا خَاصَّةٌ وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عَنْ الْجَمَاهِيرِ مِنْ أَهْلِ أُصُولِ الْفِقْهِ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى اللَّحْمِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ نُصُوصٍ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ والثاني ان الدباغ في اللحم لا يتأنى وَلَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ بَلْ يَمْحَقُهُ بِخِلَافِ الْجِلْدِ فَإِنَّهُ يُنَظِّفُهُ وَيُطَيِّبُهُ وَيُصَلِّبُهُ: وَبِهَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ يجاب

عَنْ قَوْلِهِمْ الْعِلَّةُ فِي التَّنْجِيسِ الْمَوْتُ وَهُوَ قَائِمٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • وَأَمَّا الْأَوْزَاعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ فَاحْتَجَّ لَهُمْ بِمَا رَوَى أَبُو الْمَلِيحِ عَامِرُ بن اثامة عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ أَنْ تُفْتَرَشَ قَالُوا فَلَوْ كَانَتْ تَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ لَمْ يَنْهَ عَنْ افتراشها مطلقا: وبحديث سلمة ابن المحبق الذى قدمناه (دباغ الادم ذكاته) قالوا وذكاة مالا يُؤْكَلُ لَا تُطَهِّرُهُ قَالُوا وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يُؤْكَلُ فَلَمْ يَطْهُرْ جِلْدُهُ بِالدَّبْغِ كَالْكَلْبِ: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فقد طهر وبحديث إذا دبع الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ وَهُمَا صَحِيحَانِ كَمَا سَبَقَ وَهُمَا عَامَّانِ لِكُلِّ جِلْدٍ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ كَمَا سَبَقَ: وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْمُسْتَدْرَكِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْعَامَّةِ فَهِيَ عَلَى عُمُومِهَا إلَّا مَا أَجْمَعْنَا عَلَى تَخْصِيصِهِ وَهُوَ الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ فَإِنْ قَالُوا جِلْدُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَا يُسَمَّى إهَابًا كَمَا حَكَاهُ عَنْهُمْ الْخَطَّابِيُّ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا خِلَافُ لُغَةٍ الْعَرَبِ: قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْأَزْهَرِيُّ جَعَلَتْ الْعَرَبُ جِلْدَ الْإِنْسَانِ إهَابًا وَأَنْشَدَ فِيهِ قَوْلَ عَنْتَرَةَ
  • فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الْأَصَمِّ إهَابَهُ
  • أَرَادَ رَجُلًا لَقِيَهُ فِي الْحَرْبِ فَانْتَظَمَ جِلْدَهُ بِسِنَانِ رُمْحِهِ وَأَنْشَدَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ فِيهِ أَبْيَاتًا كَثِيرَةً مِنْهَا قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ
  • لَا يَدَّخِرَانِ مِنْ الْإِيغَامِ بَاقِيَةً
  • حَتَّى تَكَادَ تُفْرَى عَنْهُمَا الْأُهُبُ
  • وَعَنْ عَائِشَةَ فِي وَصْفِهَا أَبِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ وَحَقَنَ الدِّمَاءَ فِي أُهُبِهَا تدماء الناس وهذا مشهور لا حاجة إلى الا طالة فِيهِ وَلِأَنَّهُ جِلْدُ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ فَأَشْبَهَ الْمَأْكُولَ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِهِمْ الْأَوَّلِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَحْسَنُهُمَا وَأَصَحُّهُمَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَيْهَقِيُّ وَآخَرُونَ غَيْرُهُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ افْتِرَاشِ جُلُودِ السِّبَاعِ إنَّمَا كَانَ لِكَوْنِهَا لَا يُزَالُ عَنْهَا الشَّعْرُ فِي الْعَادَةِ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُقْصَدُ لِلشَّعْرِ كَجُلُودِ الْفَهْدِ وَالنَّمِرِ فَإِذَا دُبِغَتْ بَقِيَ الشَّعْرُ نَجِسًا فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ فَلِهَذَا نُهِيَ عَنْهَا: الثَّانِي أَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ الدَّبْغِ كَذَا أَجَابَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَهُوَ ضَعِيفٌ إذْ لَا مَعْنًى لِتَخْصِيصِ السِّبَاعِ حِينَئِذٍ بَلْ كُلُّ الْجُلُودِ

فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّهَا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ قبل الدبغ غالبا أو كثيرا

  • والجواب عن حديث سلمة أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ دِبَاغَ الْأَدِيمِ مُطَهِّرٌ 1 لَهُ وَمُبِيحٌ لِاسْتِعْمَالِهِ كَالذَّكَاةِ: وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْكَلْبِ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ نَجِسٌ فِي حَيَاتِهِ فَلَا يَزِيدُ الدِّبَاغُ عَلَى الْحَيَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
  • وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ جِلْدُ الْكَلْبِ وَدَاوُد فِي قَوْلِهِ وَالْخِنْزِيرُ فَاحْتَجَّ لَهُمَا بِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْحِمَارِ وَغَيْرِهِ: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَحَادِيثَ لَا دَلَالَةَ فِيهَا فَتَرَكْتُهَا لِأَنِّي الْتَزَمْتُ فِي خُطْبَةِ الْكِتَابِ الْإِعْرَاضَ عَنْ الدَّلَائِلِ الْوَاهِيَةِ (2) وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْحَيَاةَ أَقْوَى مِنْ الدِّبَاغِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا سَبَبٌ لِطَهَارَةِ الْجُمْلَةِ وَالدِّبَاغُ إنَّمَا يُطَهِّرُ الْجِلْدَ فَإِذَا كَانَتْ الْحَيَاةُ لَا تُطَهِّرُ الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ فَالدِّبَاغُ أَوْلَى وَلِأَنَّ النَّجَاسَةَ إنَّمَا تَزُولُ بِالْمُعَالَجَةِ إذَا كَانَتْ طَارِئَةً كَثَوْبٍ تَنَجَّسَ أَمَّا إذَا كَانَتْ لَازِمَةً لِلْعَيْنِ فَلَا كَالْعَذِرَةِ وَالرَّوْثِ فَكَذَا الْكَلْبُ وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِالْأَحَادِيثِ فَأَجَابَ الاصحاب بأنها عَامَّةٌ مَخْصُوصَةٌ بِغَيْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَجَوَابٌ آخَرُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّا اتَّفَقْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَلَى إخْرَاجِ الْخِنْزِيرِ مِنْ الْعُمُومِ وَالْكَلْبُ فِي مَعْنَاهُ: وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْحِمَارِ فَالْفَرْقُ أَنَّهُ طَاهِرٌ فِي الْحَيَاةِ فَرَدَّهُ الدِّبَاغُ إلَى أَصْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
  • وَأَمَّا مَالِكٌ وَمَنْ وَافَقَهُ فَاحْتَجُّوا فِي طَهَارَةِ ظَاهِرِهِ دُونَ بَاطِنِهِ بِأَنَّ الدِّبَاغَ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي الظَّاهِرِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ كَحَدِيثِ إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ وَغَيْرِهِ فَهِيَ عَامَّةٌ فِي طَهَارَةِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَبِحَدِيثِ سَوْدَةَ الْمُتَقَدِّمِ قَالَتْ (مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا وَهُوَ جِلْدُهَا فَمَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا) حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي مَائِعٍ وَهُمْ لَا يُجِيزُونَهُ وَإِنْ كَانُوا يُجِيزُونَ شُرْبَ الْمَاءِ مِنْهُ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجَسُ عِنْدَهُمْ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَلِأَنَّ مَا طَهُرَ ظَاهِرُهُ طَهُرَ بَاطِنُهُ كَالذَّكَاةِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إنَّمَا يُؤَثِّرُ الدِّبَاغُ فِي الظَّاهِرِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا نُسَلِّمُ: بَلْ يُؤَثِّرُ فِي الْبَاطِنِ أَيْضًا بانتزاع الفضلات وتنشف رُطُوبَاتِهِ الْمُعَفَّنَةِ كَتَأْثِيرِهِ فِي الظَّاهِرِ: وَالثَّانِي أَنَّ ما ذكروه مُخَالِفٌ لِلنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ والله أعلم

وَأَمَّا الزُّهْرِيُّ فَاحْتَجَّ بِرِوَايَةٍ جَاءَتْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الدِّبَاغَ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ وَأَمَّا هَذِهِ الرِّوَايَةُ فَمُطْلَقَةٌ مَحْمُولَةٌ عَلَى الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَاتِ الْمَشْهُورَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ مَذَاهِبَ السَّلَفِ بِنَحْوِ مَا سَبَقَ ثُمَّ قَالَ وَلَا يَسْتَنِدُ عَلَى هَذَا السِّبْرِ غَيْرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ مَنْ قَالَ يُؤَثِّرُ الدِّبَاغُ فِي الْمَأْكُولِ خَاصَّةً تَعَلَّقُوا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ مُسْتَقِلٌّ بِالْإِفَادَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَطَّرِدْ مَذْهَبُهُ فِي الْخِنْزِيرِ عَمَلًا بِالْعُمُومِ وَلَا يُظْهِرُ فَرْقٌ بَيْنَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ
  • وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ نَظَرَ إلَى مَا أَمَرَ بِهِ الشَّرْعُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْأَشْيَاءِ الْجَائِزَةِ كَالْقَرَظِ وَغَاصَ عَلَى فَهْمِ الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ سَبَبَ نَجَاسَةِ الجلود بالموت انها بانقطاع الحياة عنبا تَتَعَرَّضُ لِلْبِلَى وَالْعَفَنِ وَالنَّتْنِ فَإِذَا دُبِغَتْ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِلتَّغَيُّرِ وَقَدْ بَطَلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى خُصُوصِ السَّبَبِ وَامْتَنَعَ التَّعْمِيمُ لِمَا ذَكَرْنَا فِي جِلْدِ الْخِنْزِيرِ وَأَرْشَدَ الدِّبَاغُ إلَى مَعْنًى يُضَاهِي بِهِ الْمَدْبُوغُ الْحَيَوَانَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَإِنَّ الْحَيَاةَ دَافِعَةٌ لِلْعَفِنِ وَالْمَوْتُ جَالِبٌ لَهُ وَالدِّبَاغُ يَرُدُّهُ إلَى مُضَاهَاةِ الْحَيَاةِ فِي السَّلَامَةِ مِنْ التَّغَيُّرِ فَانْتَظَمَ بِذَلِكَ اعْتِبَارُ الْمَدْبُوغِ بِالْحَيِّ فَقَالَ كُلُّ مَا كَانَ فِي الْحَيَاةِ طَاهِرًا عَادَ جِلْدُهُ بِالدَّبْغِ طَاهِرًا وَمَا كَانَ نَجَسًا لَا يَطْهُرُ ثُمَّ ثَبَتَ عِنْدَهُ نَجَاسَةُ الْكَلْبِ مِنْ نجاسة لعابه والله اعلم * قال المصنف رحمه الله
  • (وَيَجُوزُ الدِّبَاغُ بِكُلِّ مَا يُنَشِّفُ فُضُولَ الْجِلْدِ وَيُطَيِّبُهُ وَيَمْنَعُ مِنْ وُرُودِ الْفَسَادِ عَلَيْهِ كَالشَّثِّ وَالْقَرَظِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْمَلُ عَمَلَهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (أَلَيْسَ فِي الْمَاءِ وَالْقَرَظِ مَا يُطَهِّرُهُ فَنَصَّ عَلَى الْقَرَظِ لِأَنَّهُ يُصْلِحُ الْجِلْدَ وَيُطَيِّبُهُ فَوَجَبَ أَنْ يجوز بكل ما عمل عمله)
  • (الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ الْإِمَامَانِ الحافظان أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنُ عَلِيٍّ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِمَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ فَقَالَ هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا ميتة قال انما

حرام كلها أَوَ لَيْسَ فِي الْمَاءِ وَالْقَرَظِ مَا يُطَهِّرُهَا وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ فِي سُنَنِهِمَا بِمَعْنَاهُ عَنْ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجَالٌ يَجُرُّونَ.
شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الْحِمَارِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ أَخَذْتُمْ إهَابَهَا قَالُوا إنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطَهِّرُهَا الْمَاءَ وَالْقَرَظَ هَكَذَا جَاءَتْ روايات الحديث يطهرها بِالتَّأْنِيثِ وَوَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ يُطَهِّرُهُ وَهُوَ تَحْرِيفٌ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا وَالْقَرَظُ بِالظَّاءِ لَا بِالضَّادِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَاضِحًا فَلَا يَضُرُّ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ مُصَحَّفًا وَالْقَرَظُ وَرَقُ شَجَرِ السَّلَمِ بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ وَمِنْهُ أَدِيمٌ مَقْرُوظٌ أَيْ مَدْبُوغٌ بِالْقَرَظِ قَالُوا وَالْقَرَظُ يَنْبُتُ بِنَوَاحِي تِهَامَةَ وَأَمَّا الشَّثُّ فَضَبْطُهَا فِي الْمُهَذَّبِ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَوَقَعَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ الازهرى هو الشبب بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ مِنْ الْجَوَاهِرِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ يُدْبَغُ بِهِ يُشْبِهُ الزَّاجَ قَالَ وَالسَّمَاعُ فِيهِ الشَّبُّ يَعْنِي بِالْمُوَحَّدَةِ وَقَدْ صَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ الشَّثُّ يَعْنِي بِالْمُثَلَّثَةِ قال والشث بالمثلثة شجر من الطَّعْمِ لَا أَدْرِي أَيُدْبَغُ بِهِ أَمْ لَا هَذَا كَلَامُ الْأَزْهَرِيِّ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ صَاحِبَ الشَّامِلِ وَالْبَحْرِ وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَبُو الْفَرَجِ الدَّارِمِيُّ بِالْمُثَلَّثَةِ وَفِي صِحَاحِ الْجَوْهَرِيِّ الشَّثُّ بِالْمُثَلَّثَةِ نَبْتٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ مُرُّ الطَّعْمِ يُدْبَغُ بِهِ وَفِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ قَالَ أَصْحَابُنَا الشَّثُّ يَعْنِي بِالْمُثَلَّثَةِ

  • قَالَ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ بِالْمُوَحَّدَةِ قَالَ وَقَدْ قِيلَ الْأَمْرَانِ وَأَيُّهُمَا كَانَ فَالدِّبَاغُ بِهِ جَائِزٌ وَصَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَآخَرُونَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ بِالشَّبِّ وَالشَّثِّ جَمِيعًا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ
  • وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ لِلشَّبِّ وَلَا الشَّثِّ ذِكْرٌ فِي حَدِيثِ الدِّبَاغِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِنَّهُ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالدِّبَاغُ بِمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَدْبُغُ بِهِ وَهُوَ الشَّثُّ وَالْقَرَظُ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ
  • وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ النَّصُّ عَلَى الشَّثِّ وَالْقَرَظِ كَذَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ الْأَصْحَابِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَعْلِيقِهِ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ مَيْمُونَةَ الَّذِي قَدَّمْتُهُ وَقَالَ هَذَا هُوَ الَّذِي أَعْرِفُهُ مَرْوِيًّا قَالَ وَأَصْحَابُنَا يروون يطهره الشث والقرظ وهذا ليس بشئ

وَاعْلَمْ أَنَّ الدِّبَاغَ لَا يَخْتَصُّ بِالشَّبِّ وَالْقَرَظِ بل يجوز بكل ما عمل عملهما كَقُشُورِ الرُّمَّانِ وَالْعَفْصِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ يجوز الدباغ بكل شئ قَامَ مَقَامَ الْقَرَظِ مِنْ الْعَفْصِ وَقُشُورِ الرُّمَّانِ وَغَيْرِهِمَا إذَا نَظَّفَ الْفُضُولَ وَاسْتَخْرَجَهَا مِنْ بَاطِنِ الْجِلْدِ وَحَفِظَهُ مِنْ أَنْ يُسْرِعَ إلَيْهِ الْفَسَادُ قَالَ وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الصَّنْعَةِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ كَمَا قَدَّمْتُهُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجَمَاهِيرُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ وَذَكَرَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ فِيهِ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ بِغَيْرِ الشَّبِّ وَالْقَرَظِ كَمَا يَخْتَصُّ وُلُوغُ الْكَلْبِ بِالتُّرَابِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: وَقَدْ حَكَى الرَّافِعِيُّ أَيْضًا وَجْهًا فِي اخْتِصَاصِهِ بِالشَّثِّ وَالْقَرَظِ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْلَقَ الدِّبَاغَ وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَدْبُغُ بِأَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ فَوَجَبَ جَوَازُهُ بِكُلِّ مَا حَصَلَ بِهِ مَقْصُودُ الدِّبَاغِ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وُلُوغِ الْكَلْبِ أَنَّ الدِّبَاغَ إحَالَةٌ فَحَصَلَ بِمَا تَحْصُلُ بِهِ الْإِحَالَةُ وَالْوُلُوغُ إزَالَةُ نَجَاسَةٍ دَخَلَهَا التَّعَبُّدُ فَاخْتَصَّتْ بِالتُّرَابِ كَالتَّيَمُّمِ وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَإِنَّمَا التَّفْرِيعُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ جَوَازُ الدِّبَاغِ بِكُلِّ مَا حَصَلَ بِهِ مَقْصُودُهُ قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الطَّرِيقَتَيْنِ وَلَا يَحْصُلُ بِتَشْمِيسِ الْجِلْدِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ يَجُوز حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ: وَأَمَّا التُّرَابُ فَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الدِّبَاغُ بِهِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ مِمَّنْ قَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَأَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمٌ بن ايوب الرازي في كتابه رؤس الْمَسَائِلِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَخَلَائِقُ آخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُ يَحْصُلُ حَكَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ وَرَجَّحَهُ: وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الْإِفْصَاحِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الدِّبَاغَ لَا يَحْصُلُ بِالتُّرَابِ وَالرَّمَادِ قَالَ الْقَاضِي وَلَمْ أَرَ لِلشَّافِعِيِّ فِي هَذَا نَصًّا وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الصَّنْعَةِ فَإِنْ كَانَ لِلتُّرَابِ وَالرَّمَادِ هَذَا الْفِعْلُ حَصَلَ الدِّبَاغُ بِهِمَا وَأَمَّا الْمِلْحُ فَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الْإِفْصَاحِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ نَصَّ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الدِّبَاغُ وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَقَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِالْحُصُولِ *

(فَرْعٌ) لَوْ دَبَغَهُ بِعَيْنٍ نَجِسَةٍ كَذَرْقِ الْحَمَامِ وَغَيْرِهِ أَوْ بِمُتَنَجِّسٍ كَقَرَظٍ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ أَوْ دَبَغَهُ بِمَاءٍ نَجِسٍ فَهَلْ يَحْصُلُ بِهِ الدِّبَاغُ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ الْحُصُولُ وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ لِأَنَّ الْغَرَضَ تَطَيُّبُ الْجِلْدِ وَإِزَالَةُ الْفُضُولِ وَهَذَا حَاصِلٌ بِالنَّجَسِ كَالطَّاهِرِ وَالثَّانِي لَا يَحْصُلُ لِأَنَّ النجس لا يصلح لِلتَّطْهِيرِ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ وَجَبَ غَسْلُهُ بَعْدَ حُصُولِ الدِّبَاغِ بِلَا خِلَافٍ وَيَكُونُ نَجِسًا بِالْمُجَاوَرَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ دَبَغَهُ بِطَاهِرٍ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

  • (فَرْعٌ) لَا يَفْتَقِرُ الدِّبَاغُ إلَى فِعْلِ فَاعِلٍ لِأَنَّ مَا طَرِيقُهُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى فِعْلٍ كَالسَّيْلِ إذَا مَرَّ عَلَى نَجَاسَةٍ فَأَزَالَهَا فَإِنَّهُ يَطْهُرُ مَحَلُّهَا بِلَا خِلَافٍ 1 فَلَوْ أَطَارَتْ الرِّيحُ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَأَلْقَتْهُ فِي مَدْبَغَةٍ فَانْدَبَغَ صَارَ طَاهِرًا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ وَاضِحٌ
  • (فَرْعٌ) لَوْ أَخَذَ جِلْدَ مَيْتَةٍ لِغَيْرِهِ فَدَبَغَهُ طَهُرَ وَلِمَنْ يَكُونُ: فِيهِ أَوْجُهٌ أَحَدُهَا لِلدَّابِغِ كَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا بَعْدَ أَنْ تَحَجَّرَهُ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ لِلْمُحْيِي: وَالثَّانِي لِصَاحِبِ الْمَيْتَةِ لِتَقَدُّمِ حَقِّهِ: وَالثَّالِثُ إنْ كَانَ رَفَعَ يَدَهُ عَنْهُ ثُمَّ أَخَذَهُ الدَّابِغُ فَهُوَ لِلدَّابِغِ وَإِنْ كَانَ غَصَبَهُ فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الْأَصَحُّ وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْأَوْجُهُ مَبْسُوطَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْغَصْبِ حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَإِنَّمَا أَشَرْتُ إلَيْهَا لِمَا قَدَّمْتُهُ فِي الْخُطْبَةِ أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ تَقْدِيمُ مَسْأَلَةٍ لِنَوْعِ ارْتِبَاطٍ قَدَّمْتُهَا وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف رحمه الله
  • (وهل يفتقر إلى غسله بالماء بعد الدباغ فيه وجهان أحدهما لا يفتقر: لان طهارته تتعلق بالاستحالة وقد حصل ذلك فطهر كالخمر إذا استحالت خلا وقال أبو إسحاق لا يطهر حتى يغسل بالماء لان ما يدبغ به تنجس بملاقاة الجلد فإذا زالت نجاسة الجلد بقيت نجاسة ما يدبغ به فوجب ان يغسل حتى يطهر)
  • (الشَّرْحُ) هَذَانِ الْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُسْتَظْهِرِيِّ أن الاول منهما قول

أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْقَاصِّ وَرَأَيْتُ أَنَا كَلَامَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرَهُ وَاخْتَلَفَ الْمُصَنِّفُونَ فِي أَصَحِّهِمَا فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ وُجُوبُ الْغَسْلِ مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْوَجِيزِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيُّ فِي كتابيه التهذيب والانتخاب الدمشقي: وَقَالَ الْبَغَوِيّ الْأَصَحُّ لَا يَفْتَقِرُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَكْثَرِينَ وَتَوْجِيهُ الْوَجْهَيْنِ مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ وَيَدُلُّ لِعَدَمِ الْغَسْلِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ) وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ طَهُرَتْ عَيْنُهُ الَّتِي كَانَتْ نَجِسَةً وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُغْسَلُ هذا فِي وُجُوبِ غَسْلِهِ بَعْدَ الدِّبَاغِ وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي أَثْنَاءِ الدِّبَاغِ فَفِي وُجُوبِهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ أَصَحُّهُمَا لَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ قَالُوا وَمَأْخَذُ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ الْمُغَلَّبَ فِي الدِّبَاغِ الْإِزَالَةُ أَمْ الْإِحَالَةُ وَفِيهِ وجهان فان غلبنا الا زالة افْتَقَرَ إلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا: وَيُسْتَدَلُّ لِلْأَصَحِّ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْخَمْرِ إذَا اسْتَحَالَتْ فَإِنَّهَا تَطْهُرُ بِمُجَرَّدِ الا ستحالة وَلِلْوَجْهِ الْآخَرِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ وَلِأَنَّهُ يُلَيِّنُ الْجِلْدَ وَيَصِلُ بِهِ الشَّثُّ وَالْقَرَظُ وَنَحْوُهُمَا إلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ: واذ أَوْجَبْنَا غَسْلَهُ بَعْدَ الدِّبَاغِ فَهُوَ طَاهِرُ الْعَيْنِ بِلَا خِلَافٍ وَالدِّبَاغُ حَاصِلٌ قَطْعًا لَكِنَّهُ نَجِسٌ بِالْمُجَاوَرَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَهُوَ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ فيجوز بيعه إذا جوزنا ببيع جِلْدِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغِ صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ: وَأَمَّا إذَا أَوْجَبْنَا اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ فِي أَثْنَاءِ الدِّبَاغِ فَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ فَالْجِلْدُ نَجِسُ الْعَيْنِ بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ: وَهَلْ يَطْهُرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِنَقْعِهِ فِي مَاءٍ كَثِير أَمْ يُشْتَرَطُ رَدُّهُ إلَى الْمَدْبَغَةِ وَاسْتِعْمَالُ الشَّثِّ حَكَى الرَّافِعِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ شَيْخِهِ وَالِدِهِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قال لابد مِنْ ابْتِدَاءِ دَبْغِهِ ثَانِيًا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا يَبْعُدُ عِنْدِي أَنَّهُ يُكْتَفَى بِنَقْعِهِ فِي الْمَاءِ الطهور ووجهه الامام أحسن توجيه وَأَنَا أَظُنُّ الرَّافِعِيَّ أَرَادَ بِالْوَجْهَيْنِ قَوْلَ الْإِمَامِ وَوَالِدِهِ: ثُمَّ إذَا أَوْجَبْنَا اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ بَعْدَ الدِّبَاغِ اُشْتُرِطَ كَوْنُهُ طَهُورًا نَقِيًّا مِنْ أَدْوِيَةِ الدِّبَاغِ وَغَيْرِهَا بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ إزَالَةُ نَجَاسَةٍ وَأَمَّا إذَا اشْتَرَطْنَاهُ فِي أَثْنَاءِ

الدِّبَاغِ فَلَا بَأْسَ بِكَوْنِهِ مُتَغَيِّرًا بِأَدْوِيَةِ الدِّبَاغِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • (فَرْعٌ) الْأَجْزَاءُ الَّتِي يَتَشَرَّبُهَا الْجِلْدُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الْمَدْبُوغِ بِهَا طَاهِرَةٌ بِلَا خِلَافٍ وأما الاجزاء المتنائرة من الادوية فان تنائرت فِي أَثْنَاءِ الدِّبَاغِ فَهِيَ نَجِسَةٌ بِلَا خِلَافٍ صرح به البغوي: وان تنائرت بعده فهل نحكم بطهارتها تَبَعًا لِلْجِلْدِ أَمْ بِنَجَاسَتِهَا فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ قَالُوا وَهُمَا الْوَجْهَانِ فِي افْتِقَارِ الْجِلْدِ إلَى غَسْلِهِ بَعْدَ الدِّبَاغِ إنْ قُلْنَا يَفْتَقِرُ فَهِيَ نَجِسَةٌ وَإِلَّا فَهِيَ طَاهِرَةٌ تَبَعًا لَهُ كَذَا قاله القاضى حسين والمتولي والروياني وغيرهم والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
  • (وإذا طهر الجلد بالدباغ جاز الِانْتِفَاعُ بِهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هلا أخذتم اهابها فد بغتموه فانتفعتم به) (الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَقَوْلُهُ جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ يَعْنِي فِي الْيَابِسَاتِ وَالْمَائِعَاتِ وَجَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَفِيهِ وَطَهُرَ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الَّذِي تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَقَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ تَصْرِيحًا وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ شَيْخُ الْأَصْحَابِ فِي تَعْلِيقِهِ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ بَعْدَ الدِّبَاغِ طَاهِرٌ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ جَائِزٌ فِي الْمَائِعَاتِ وَحَكَى أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي طَهَارَتِهِ قَوْلَيْنِ وَحَكَاهُمَا جَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَصَحُّهُمَا وَهُوَ الْجَدِيدُ يَطْهُرُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا كَمَا ذَكَرْنَا: وَالثَّانِي وَهُوَ الْقَدِيمُ لَا يَطْهُرُ بَاطِنًا فَيُسْتَعْمَلُ فِي يَابِسٍ لَا رَطْبٍ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ لَا فِيهِ وَهَذَا النَّقْلُ عَنْ الْقَدِيمِ غَرِيبٌ وَالْمُحَقِّقُونَ يُنْكِرُونَهُ وَيَقُولُونَ لَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ بِعَدَمِ طَهَارَةِ بَاطِنِهِ لَا قَدِيمٍ وَلَا غَيْرِهِ وَإِنَّمَا هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ قَالَ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ قَالَ الدَّارِمِيُّ وَلَمْ يُرَ هَذَا فِي الْقَدِيمِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَنْ الْقَدِيمِ أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ قَالَ كَانَ شَيْخِي يَحْكِي عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّهُ قَالَ لَا يَتَوَجَّهُ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ فِي مَنْعِ بَيْعِ المدبوغ لا بتقدير قول

لِلشَّافِعِيِّ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ لَا بَاطِنُهُ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ بَلْ اسْتَنْبَطُوهُ مِنْ مَنْعِ الْبَيْعِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ بَلْ لِمَنْعِ الْبَيْعِ دَلِيلٌ آخَرُ قَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • (فَرْعٌ) اعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ الْقَدِيمَ لَيْسَ بِلَازِمٍ أَنْ يَكُونَ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ بَلْ هُوَ قَوْلُ مُجْتَهِدٍ قَدْ يُوَافِقُ مَالِكًا وَقَدْ يُخَالِفُهُ قَالَ القفال في شرح التليخص أَكْثَرُ الْقَدِيمِ قَدْ يُوَافِقُ مَالِكًا وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا الْفَرْعَ لِأَنِّي رَأَيْتُ مَنْ يَغْلَطُ فِي هَذَا بِمَا لَا أُوثِرُ نَشْرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) اسْتِعْمَالُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ جَائِزٌ فِي الْيَابِسِ دُونَ الرَّطْبِ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ فَقَالَ قَالَ أَصْحَابُنَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ قَبْلَ الدِّبَاغِ فِي الْيَابِسَاتِ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالشَّيْخِ نَصْرٍ الْمَقْدِسِيِّ وَصَاحِبِ الْبَيَانِ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ قَبْلَ الدِّبَاغِ فَمُرَادُهُمْ اسْتِعْمَالُهُ فِي الرَّطَبَاتِ أَوْ فِي اللبس لَا فِي الْيَابِسِ وَسَيَأْتِي كَلَامُ الْأَصْحَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي عَظْمِ الْفِيلِ أَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَابِسِ وَلَا يَحْرُمُ: وَمِمَّنْ صَرَّحَ فِي عَظْمِ الْفِيلِ بِكَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْيَابِسِ وَتَحْرِيمِهِ فِي الرَّطْبِ الشَّيْخُ نَصْرٌ فَدَلَّ أَنَّ مُرَادَهُ هُنَا اسْتِعْمَالُهُ فِي الرَّطْبِ: وَأَمَّا قَوْلُ الْعَبْدَرِيِّ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ قَبْلَ الدِّبَاغِ فِي الْيَابِسَاتِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ فَغَلَطٌ مِنْهُ: وَصَوَابُهُ أَنْ يَقُولَ فِي الرَّطَبَاتِ (فَرْعٌ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ يَجُوزُ هِبَتُهُ 1 قَبْلَ الدِّبَاغِ وَلَا يَجُوزُ رَهْنُهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَرَهْنُهُ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ دَلِيلُنَا أَنَّهُ عَيْنٌ نَجِسَةٌ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَرَهْنُهُ كَالْعَذِرَةِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ النَّجِسِ فَإِنَّ عَيْنَهُ طَاهِرٌ وَكَذَا قَالَ الرُّويَانِيُّ يَجُوزُ هِبَتُهُ عَلَى سَبِيلِ نَقْلِ الْيَدِ وَكَذَا الوصية به لا التمليك والله أعلم قال المصنف رحمه الله
  • (وهل يجوز بيعه فيه قولان قال في القديم لا يجوز لانه حرم التصرف في بالموت ثم رخص في الانتفاع به فبقي ما سوى الانتفاع على التحريم وقال في الجديد يجوز لانه منع من بيعه لنجاسته وقد زالت النجاسة فوجب أن يجوز البيع كالخمر إذا تخللت)

(الشَّرْحُ) هَذَانِ الْقَوْلَانِ فِي صِحَّةِ بَيْعِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ مَشْهُورَانِ وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ هُوَ الْجَدِيدُ وَهُوَ صِحَّتُهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ حُرِّمَ التَّصَرُّفُ فِيهِ ثُمَّ رُخِّصَ فِي الِانْتِفَاعِ بِعَيْنِهِ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ إطْلَاقِ الِانْتِفَاعِ وَأَمَّا الانتفاع بثمنه فليس انتفعاعا بِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ طَاهِرًا مُنْتَفَعًا بِهِ أَنْ يَجُوزَ بَيْعُهُ فَإِنَّ أُمَّ الْوَلَدِ وَالْوَقْفَ وَالطَّعَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي تَوْجِيهِ الْقَدِيمِ: وَأَمَّا مَا يُوَجِّهُهُ بِهِ كَثِيرٌ من الْخُرَاسَانِيِّينَ مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ مَنْعَ بَيْعِهِ إنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ لَا يَطْهُرُ بَاطِنُهُ فَضَعِيفٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ: وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَمَّا اُحْتُجَّ بِهِ لِلْقَدِيمِ مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ وَالْوَقْفِ وَطَعَامِ دَارِ الْحَرْبِ بِأَنَّ مَنْعَ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ لِاسْتِحْقَاقِهَا الْحُرِّيَّةَ وَالْوَقْفُ لَا يَمْلِكُهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَإِنْ مَلَكَهُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْبَطْنِ الثَّانِي: وَطَعَامُ دَارِ الْحَرْبِ لَا يَمْلِكُهُ وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ أَكْلُ قَدْرِ الْحَاجَةِ وَالْمَنْعُ فِي مَسْأَلَتِنَا لِلنَّجَاسَةِ وَقَدْ زَالَتْ فَجَازَ الْبَيْعُ: فَإِذَا جَوَّزْنَا بَيْعَهُ جَازَ رَهْنُهُ وَإِجَارَتُهُ وَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْ بَيْعَهُ فَفِي جَوَازِ إجَارَتِهِ وَجْهَانِ كَالْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَقَالَ الرُّويَانِيُّ وَقِيلَ يَجُوزُ إجَارَتُهُ قَطْعًا وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي بَيْعِهِ 1 وَرَهْنِهِ أَمَّا بَيْعُهُ قَبْلَ الدِّبَاغِ فَبَاطِلٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَحَكَى الْعَبْدَرِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ جوازه * قال المصنف رحمه الله (وهل يجوز أكله ينظر فان كان من حيوان يؤكل ففيه قولان قال في القديم لا يؤكل لقوله صلى الله عليه وسلم انما حرم من الميتة أكلها وقال في الجديد.
يؤكل لانه جلد طاهر من حيوان مأكول فأشبه جلد المذكي: وان كان من حيوان لا يؤكل لم يحل أكله لان الدباغ ليس بأقوى من الذكاة والذكاة لا تبيح ما لا يؤكل لحمه فلان لا يبيحه الدباغ أولى وحكى شيخنا أبو حاتم القزويني عن القاضى أبي القاسم بن كج أنه حكي وجها آخر أنه يحل لان الدباغ عمل في تطهيره كما عمل في تطهير ما يؤكل فعمل في اباحته بخلاف الذكاة) (الشَّرْحُ) الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ تمام حديث بن عباس المذكور في

أَوَّلِ الْفَصْلِ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال هلا أخذتم اهابها فدبغتموه فانتفعم بِهِ قَالُوا إنَّهَا مَيْتَةٌ قَالَ إنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ إنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ أَكْلَهَا وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ فِي حِلِّ أَكْلِهِ مَشْهُورَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْقَدِيمُ وَهُوَ التَّحْرِيمُ لِلْحَدِيثِ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا يُفْتَى فِيهِ عَلَى الْقَدِيمِ: وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمَسَائِلَ الَّتِي يُفْتَى فِيهَا عَلَى الْقَدِيمِ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ: وَصَحَّحَتْ طَائِفَةٌ الْجَدِيدَ وَهُوَ حِلُّ الْأَكْلِ: مِنْهُمْ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ وَالْفُورَانِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْبُلْغَةِ وَقَطَعَ بِهِ فِي التَّحْرِيرِ وَيُجَابُ لِهَؤُلَاءِ عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ تَحْرِيمُ أَكْلِ اللَّحْمِ فَإِنَّهُ الْمَعْهُودُ: هَذَا حُكْمُ جِلْدِ الْمَأْكُولِ: فَأَمَّا جِلْدُ مَا لَا يُؤْكَلُ فَالْمَذْهَبُ الْجَزْمُ بِتَحْرِيمِهِ وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَاتٌ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ ضَعِيفٌ وَحَكَى الْفُورَانِيُّ عَنْ شَيْخِهِ الْقَفَّالِ أَنَّهُ قَالَ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ فَفِي الْجَمِيعِ الْقَوْلَانِ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: فَلَأَنْ لَا يُبِيحَهُ الدِّبَاغُ أَوْلَى: هَذِهِ اللَّامُ فِي قَوْلِهِ فلان مفتوحة وهى لام الابتدء كَقَوْلِك لَزَيْدٌ قَائِمٌ أَوْ اللَّامُ الْمُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ وَهِيَ كَثِيرَةُ التَّكْرَارِ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَغَيْرِهَا: وَإِنَّمَا ضَبَطْتُهَا لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُبْتَدِئِينَ يَكْسِرُونَهَا وَذَلِكَ خَطَأٌ وَأَمَّا الشَّيْخُ أَبُو حَاتِمٍ فَاسْمُهُ مَحْمُودُ بْنُ الْحَسَنِ كَانَ حَافِظًا لِلْمَذْهَبِ لَهُ مُصَنَّفَاتٌ فِي الْأُصُولِ وَالْمَذْهَبِ وَالْخِلَافِ وَالْجَدَلِ وَهُوَ الْقَزْوِينِيُّ بِكَسْرِ الْوَاوِ مَنْسُوبٌ إلَى قَزْوِينَ بِكَسْرِ الْوَاوِ الْمَدِينَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِخُرَاسَانَ وَأَمَّا ابْنُ كَجٍّ فَبِفَتْحِ الْكَافِ وَبَعْدَهَا جِيمٌ مُشَدَّدَةٌ اسْمُهُ يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ كَجٍّ لَهُ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ نَفِيسَةٌ فِيهَا نُقُولٌ غَرِيبَةٌ وَمَسَائِلُ غَرِيبَةٌ مُهِمَّةٌ لَا تَكَادُ تُوجَدُ لِغَيْرِهِ: تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَطَّانِ وَحَضَرَ مَجْلِسَ الدَّارَكِيِّ قَتَلَهُ اللُّصُوصُ لَيْلَةَ السَّابِعِ والعشرين من رمضان سنة خمسة وَأَرْبَعِمِائَةٍ بِالدِّينَوَرِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الطَّبَقَاتِ جَمَعَ بن كَجٍّ رِئَاسَةَ الْعِلْمِ وَالدُّنْيَا وَرَحَلَ إلَيْهِ النَّاسُ مِنْ الْآفَاقِ رَغْبَةً فِي عِلْمِهِ وَجُودِهِ وَاَللَّهُ أعلم قال المصنف رحمه الله

  • (كل حيوان نجس بالموت نجس شعره وصوفه على المنصوص وروى عن الشافعي رحمه الله انه رجع عن تنجيس شعر الآدمى واختلف أصحابنا في ذلك على ثلاث طرق: فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَقَالَ يَنْجُسُ الشَّعْرُ بِالْمَوْتِ قَوْلًا واحدا لانه جزء متصل بالحيوان.
    اتصال خلقة فينجس بالموت كالاعضاء ومنهم من جعل الرجوع عن تنجيس شعر الآدمى رجوعا عن تنجيس جميع الشعور فجعل في الشعور قولين أحدهما ينجس لما ذكرناه والثاني لا ينجس لانه لا يحس ولا يتألم فلا تلحقه نجاسة الموت ومنهم من جعل هذه الرواية رجوعا عن تنجيس شعر الادمى خاصة فجعل في الشعر قولين أحدهما ينجس الجميع لما ذكرناه والثاني ينجس الجميع الا شعر الآدمى فانه لا ينجس لانه مخصوص بالكرامة ولهذا يحل لبنه مع تحريم أكله: وَأَمَّا شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فانا إذا قلنا اشعر غيره طاهر فشعره صلى الله عليه وسلم أولى بالطهارة وإذا قلنا ان شعر غيره نجس ففي شعره عليه السلام وجهان أحداهما أنه نجس لِأَنَّ مَا كَانَ نَجِسًا مِنْ غَيْرِهِ كَانَ نجسا منه كالدم وقال أبو جعفر الترمذي هو طاهر لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاوَلَ أبا طلحة رضي الله عنه شعره فقسمه بين الناس: وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا إنَّهُ نَجِسٌ عُفِيَ عَنْ الشعرة والشعرتين في الماء والثوب لانه لا يمكن الاحتراز منه فعفى عنه كما عفى دم البراغيث) (الشَّرْحُ) أَمَّا قَوْلُهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاوَلَ أَبَا طَلْحَةَ شَعْرَهُ فَقَسَمَهُ بَيْنَ النَّاسِ فَحَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَمَّا أَحْكَامُ الْمَسْأَلَةِ فَحَاصِلُهَا أَنَّ الْمَذْهَبَ نَجَاسَةُ شَعْرِ الْمَيْتَةِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ وَطَهَارَةُ شَعْرِ الْآدَمِيِّ هَذَا مُخْتَصَرِ الْمَسْأَلَةِ وَأَمَّا بَسْطُهَا فَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ ثَلَاثَ طُرُقٍ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ فِي الْمَذْهَبِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ الشَّعْرُ وَالصُّوفُ والوبر والعظم والقرن والظلف نحلها الْحَيَاةُ وَتَنْجُسُ بِالْمَوْتِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ الْبُوَيْطِيُّ وَالْمُزَنِيُّ وَالرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ وَحَرْمَلَةُ وَرَوَى إبْرَاهِيمُ الْبُلَيْدِيُّ عَنْ الْمُزَنِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ تَنْجِيسِ شَعْرِ الْآدَمِيِّ وَقَالَ صاحب الجاوى الشَّعْرُ وَالْوَبَرُ وَالصُّوفُ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ هَذَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي كُتُبِهِ وَاَلَّذِي نَقَلَهُ عَنْهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ الْبُوَيْطِيُّ وَالْمُزَنِيُّ وَالرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ وَحَرْمَلَةُ وَأَصْحَابُ الْقَدِيمِ قَالَ وَحَكَى ابْنُ سُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْأَنْمَاطِيِّ عَنْ الْمُزَنِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ تَنْجِيسِ الشَّعْرِ وَحَكَى إبْرَاهِيمُ الْبُلَيْدِيُّ عَنْ الْمُزَنِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ

انه رجع عن تنجيس شعر الآدمى وحكي الرَّبِيعُ الْجِيزِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الشَّعْرَ تَابِعٌ لِلْجِلْدِ يَطْهُرُ بِطَهَارَتِهِ وَيَنْجُسُ بِنَجَاسَتِهِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ الْحِكَايَاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي شَذَّتْ عَنْ الْجُمْهُورِ فَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ قَوْلًا ثَانِيًا لِلشَّافِعَيَّ أَنَّ الشَّعْرَ طَاهِرٌ وَامْتَنَعَ الْجُمْهُورُ مِنْ إثْبَاتِ قَوْلٍ ثَانٍ لِمُخَالِفَتِهَا نُصُوصَهُ وَيُحْتَمَل أَنَّهُ حَكَى مَذْهَبَ غَيْرِهِ: وَأَمَّا شَعْرُ الْآدَمِيِّ فَفِيهِ قَوْلَانِ أَشْهَرُهُمَا عَنْهُ أَنَّهُ نَجِسٌ: وَالثَّانِي وَهُوَ مَنْصُوصٌ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُ طَاهِرٌ هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْحَاوِي وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ شَعْرَ غَيْرِ الْآدَمِيِّ وَصُوفَهُ وَوَبَرَهُ وَرِيشَهُ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ: وَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَاخْتَلَفُوا فِي الرَّاجِحِ فِيهِ فَاَلَّذِي صَحَّحَهُ أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ نَجَاسَتُهُ وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ جَمِيعُ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَوْ جَمَاهِيرُهُمْ طَهَارَتُهُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فَقَدْ صَحَّ عَنْ الشَّافِعِيِّ رُجُوعُهُ عَنْ تَنْجِيسِ شَعْرِ الْآدَمِيِّ فَهُوَ مَذْهَبُهُ وَمَا سِوَاهُ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ لَهُ: ثُمَّ الدَّلِيلُ يَقْتَضِيهِ وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَرْعٍ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ: ثُمَّ إنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي شَعْرِ مَيْتَةِ الْآدَمِيِّ مُفَرَّعٌ عَلَيَّ نَجَاسَةِ مَيْتَةِ الْآدَمِيِّ أَمَّا إذَا قُلْنَا بِطَهَارَةِ مَيْتَتِهِ فَشَعْرُهُ طَاهِرٌ بِلَا خِلَافٍ كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّاشِيُّ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَإِذَا انْفَصَلَ شَعْرُ آدَمِيٍّ فِي حَيَاتِهِ فَطَاهِرٌ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ تَكْرِمَةً لِلْآدَمِيِّ وَلِعُمُومِ الْبَلْوَى وَعُسْرِ الِاحْتِرَازِ وَأَمَّا إذَا انْفَصَلَ جُزْءٌ مِنْ جَسَدِهِ كَيَدِهِ وَظُفْرِهِ فَقَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ أَوْ جُمْهُورُهُمْ بِنَجَاسَتِهِ قَالُوا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي مَيْتَتِهِ بِجُمْلَتِهِ لِحُرْمَةِ الْجُمْلَةِ وَقَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الطَّهَارَةُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مَنْ قَالَ الْعُضْوُ الْمُبَانُ فِي الْحَيَاةِ نَجِسٌ فَقَدْ غَلِطَ وَالْوَجْهُ اعْتِبَارُ الْجُزْءِ بِالْجُمْلَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَأَمَّا شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا قُلْنَا بِطَهَارَةِ غَيْرِهِ فَهُوَ: أَوْلَى وَإِلَّا فَوَجْهَانِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ هُوَ طَاهِرٌ وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ نَجِسٌ: وَهَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ أَوْ كَالْغَلَطِ وَسَأَذْكُرُ فِي شَعْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وفضلات بَدَنِهِ فَرْعًا مَخْصُوصًا بِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا أنه نجس عفى عن الشعرة والشعرتين فظاهره تعميم العفو في شعر الآدمى وغيره وَقَدْ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى الْعَفْوِ وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي تَخْصِيصِهِ بِالْآدَمِيِّ فَأَطْلَقَتْ

طَائِفَةٌ الْكَلَامَ إطْلَاقًا يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ كَمَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَصَرَّحَ الْقَاضِي بِجَرَيَانِ الْعَفْوِ فِي شَعْرِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ هَذَا عَنْ تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَلَمْ أَرَهُ أَنَا فِيهِ هَكَذَا وَلَكِنَّ نُسَخَ تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ يَقَعُ فِيهَا اخْتِلَافٌ وَخَصَّتْ طَائِفَةٌ ذَلِكَ بشعر الآدمى منهم الفوراني وابن الصباغ والحرجاني فِي التَّحْرِيرِ وَالرُّويَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَجْهٌ وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ التَّعْمِيمُ: وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ كَالصَّرِيحَةِ فِيهِ فَإِنَّهُ فَصَّلَ الْكَلَامَ فِي الشَّعْرِ ثُمَّ قَالَ وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا إنَّهُ نَجِس عُفِيَ وَلِأَنَّ الْجَمِيعَ سَوَاءٌ فِي عموم الابتلاء وعسر الاحتراز: وأما قول الصمنف كالشعرة والشعرتين فليس تحديدا لما يعفا عنه بل كالمثال لليسير الذى يعفا عنه وعبارة أصحابنا يعفا عَنْ الْيَسِيرِ مِنْهُ كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْجُمْهُورُ: وَذَكَرَ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا فَسَّرَهُ بِالشَّعْرَةِ وَالشَّعْرَتَيْنِ: وَقَالَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ إذَا حَكَمْنَا بِنَجَاسَةِ شَعْرِ الْآدَمِيِّ فَمَا يُنْتَفُ مِنْ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ عَلَى الْعُرْفِ الْغَالِبِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ مَعَ نَجَاسَتِهِ كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ: قَالَ ثُمَّ الْقَوْلُ فِي ضَبْطِ الْقَلِيلِ كَالْقَوْلِ فِي دَمِ الْبَرَاغِيثِ قَالَ وَلَعَلَّ الْقَلِيلَ مَا يَغْلِبُ انْتِتَافُهُ مَعَ اعْتِدَالِ الْحَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • (فَرْعٌ) الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْقَطْعُ بِطَهَارَةِ شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَبَقَ وَدَلِيلُهُ الْحَدِيثُ وَعِظَمُ مَرْتَبَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ قَالَ بِالنَّجَاسَةِ قَالُوا إنَّمَا قَسَّمَ الشَّعْرَ لِلتَّبَرُّكِ قَالُوا وَالتَّبَرُّكُ يَكُونُ بِالنَّجِسِ كَمَا يَكُونُ بِالطَّاهِرِ كَذَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ قَالُوا لِأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي أَخَذَهُ كُلُّ وَاحِدٍ كَانَ يَسِيرًا مَعْفُوًّا عَنْهُ وَالصَّوَابُ القطع بالطاهرة كَمَا قَالَهُ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَكَاهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ آخَرِينَ وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَآخَرُونَ: وَأَمَّا بَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَمُهُ فَفِيهِمَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَقَلِيلٌ مِنْهُمْ فِي الْعَذِرَةِ وَجْهَيْنِ وَنَقَلَهُمَا فِي الْعَذِرَةِ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْغَزَالِيِّ طَرْدَهُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْعَذِرَةِ وَزَعَمَ أَنَّ الْعَذِرَةَ نَجِسَةٌ بِالِاتِّفَاقِ وَأَنَّ الْخِلَافَ مَخْصُوصٌ بِالْبَوْلِ وَالدَّمِ وَهَذَا الْإِنْكَارُ غَلَطٌ بَلْ الخلاف في العذرة نَقَلَهُ غَيْرُ الْغَزَالِيِّ كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَصَاحِبِ الْبَيَانِ وَآخَرِينَ وَأَشَارَ إلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ فَقَالُوا فِي فَضَلَاتِ بَدَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَوْلِهِ وَدَمِهِ وَغَيْرِهِمَا وَجْهَانِ: وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ فِي الْخَصَائِصِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا جَمِيعُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

طَاهِرٌ قَالَ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَهَذَا نَقْلُ الْقَفَّالِ وَهُوَ شَيْخُ طَرِيقَةِ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَعَلَيْهِ مَدَارُهَا وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِنَجَاسَةِ هَذِهِ الْفَضَلَاتِ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَنَزَّهُ مِنْهَا وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِطَهَارَتِهَا بِالْحَدِيثَيْنِ الْمَعْرُوفَيْنِ أَنَّ أَبَا طَيْبَةَ الْحَاجِمَ حَجَمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرِبَ دَمَهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ وَأَنَّ امْرَأَةً شَرِبَتْ بَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا وَحَدِيثُ أَبِي طَيْبَةَ ضَعِيفٌ وَحَدِيثُ شرب المرأة البول صحيح رواه الدارقطني وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَهُوَ كَافٍ فِي الِاحْتِجَاجِ لِكُلِّ الْفَضَلَاتِ قِيَاسًا: وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا ولم يأمرها بغسل فمها ولانهاها عَنْ الْعَوْدِ إلَى مِثْلِهِ وَأَجَابَ الْقَائِلُ بِالطَّهَارَةِ عَنْ تَنَزُّهِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالنَّظَافَةِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ نَجَاسَةُ الدَّمِ وَالْفَضَلَاتِ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَخَالَفَهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فَقَالَ الْأَصَحُّ طَهَارَةُ الْجَمِيعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • (فَرْعٌ) قَدَّمْنَا فِي شَعْرِ مَيْتَةِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ خِلَافًا: الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ نَجِسٌ وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا سِوَى الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمُتَوَلَّدِ مِنْ أَحَدِهِمَا أَمَّا شُعُورُ هَذِهِ فَقَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ بِنَجَاسَتِهَا وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا الْخِلَافَ: وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ إذَا قُلْنَا بِطَهَارَةِ غَيْرِهَا فَفِيهَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الطَّهَارَةُ وَأَصَحُّهُمَا النجاسة: قال امام الحرمين قطع الصيد لاني بِنَجَاسَتِهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو حامد المروروذى هِيَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ طَاهِرَةٌ قَالَ الْإِمَامُ وَاخْتَارَهُ شَيْخِي يَعْنِي وَالِدَهُ أَبَا مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْوَجْهَانِ جَارِيَانِ فِي حَالَتَيْ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ (فَرْعٌ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ فَنَجِسَ بِالْمَوْتِ كَالْأَعْضَاءِ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مُتَّصِلٌ عَنْ الْحَمْلِ وَالْبَيْضِ الْمُتَصَلِّبِ فِي جَوْفِ مَيْتَتِهِ وَبِقَوْلِهِ بِالْحَيَوَانِ عَنْ أَغْصَانِ الشَّجَرِ كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ وَبِقَوْلِهِ اتصال خلقة الْأُذُنِ الْمُلْصَقَةِ وَقَوْلُهُ فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَقَالَ يَنْجُسُ الشَّعْرُ بِالْمَوْتِ قَوْلًا وَاحِدًا لَيْسَ مَعْنَاهُ الْقَدْحَ فِي النَّاقِلِ بِتَكْذِيبٍ ونحوه وانما

مَعْنَاهُ تَأْوِيلُ الرِّوَايَةِ عَلَى حِكَايَةِ مَذْهَبِ الْغَيْرِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ نَقْلِ صَاحِبِ الْحَاوِي وَقَوْلُهُ يَنْجُسُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا وَقَوْلُهُ لَا يُحِسُّ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ هَذِهِ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (هَلْ تحس منهم من أحد وَفِيهِ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ يَحُسُّ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الحاء وقوله بألم بِالْهَمْزِ وَيَجُوزُ تَرْكُهُ (فَرْعٌ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ مَا كَانَ نَجِسًا مِنْ غَيْرِهِ كَانَ نَجِسًا مِنْهُ كَالدَّمِ قَدْ وَافَقَهُ عَلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَهَذَا الْقِيَاسُ يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِنَجَاسَةِ الدَّمِ وَلَيْسَ مَقْطُوعًا بِهِ بَلْ فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ: وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي إنَّ أَبَا جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيَّ الْقَائِلَ بِطَهَارَةِ شَعْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ قَدْ حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ وَشَرِبَ دَمَهُ أَفَتَقُولُ بِطَهَارَةِ دَمِهِ فَرَكِبَ الْبَابَ وَقَالَ أَقُولُ بِهِ: قِيلَ لَهُ قَدْ شَرِبَتْ امْرَأَةٌ بَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفَتَقُولُ بِطَهَارَتِهِ فَقَالَ لَا: لِأَنَّ الْبَوْلَ اسْتَحَالَ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الدَّمُ وَالشَّعْرُ لِأَنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ هَذَا كَلَامُ صاحبا الْحَاوِي وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ يَقُولُ بِطَهَارَةِ الشَّعْرِ وَالدَّمِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ عَلَى الدَّمِ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ وَحِينَئِذٍ يُنْكِرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ هَذَا الْقِيَاسَ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ اخْتَارَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ جَائِزٌ: فَإِنْ مَنَعَ الْخَصْمُ الْأَصْلَ أَثْبَتَهُ الْقَايِسُ بِدَلِيلِهِ الْخَاصِّ ثُمَّ أَلْحَق بِهِ الْفَرْعَ وَقَدْ أَكْثَر الْمُصَنِّفُ فِي الْمُهَذَّبِ مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَكُلُّهُ خَارِجٌ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَبَا طَلْحَةَ الصَّحَابِيَّ وَأَبَا جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيَّ أَمَّا أبو طلحة فاسمه زيد ابن سهل بن الاسود النصارى شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَأُحُدًا وَسَائِرَ الْمُشَاهَدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَكَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَرَدُوا الصَّوْمَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَنَذْكُرُهُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الصِّيَامِ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ الْحَافِظُ عَاشَ أَبُو طَلْحَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَسْرُدُ الصَّوْمَ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَقَالَ تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَمَّا أَبُو جَعْفَرٍ فَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ نَصْرٍ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ تَنْشَرِحُ بِذِكْرِهِمْ الصُّدُورُ وَتَرْتَاحُ لِذِكْرِ مَآثِرِهِمْ الْقُلُوبُ كَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَنَفِيًّا ثُمَّ صَارَ شَافِعِيًّا لِرُؤْيَا رَآهَا مَشْهُورَةٍ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ آخُذُ بِرَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ فَأَعْرَضَ عَنِّي فَقُلْت بِرَأْيِ مَالِكٍ فَقَالَ خُذْ مَا وَافَقَ سُنَّتِي فَقُلْت بِرَأْيِ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ أو ذاك رأى الشافعي ذلك رد على مَنْ خَالَفَ سُنَّتِي حَكَى هَذِهِ الرُّؤْيَا الْمُصَنِّفُ فِي الطَّبَقَاتِ وَآخَرُونَ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى تِرْمِذَ الْبَلْدَةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي نُسِبَ إلَيْهَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ

وَفِي ضَبْطِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ذَكَرَهَا الْحَافِظُ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْأَنْسَابُ أَحَدُهَا تِرْمِذُ بِكَسْرِ التَّاءِ وَالْمِيمِ: وَالثَّانِي بِضَمِّهِمَا قَالَ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ: وَالثَّالِثُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ الْمُتَدَاوَلُ بَيْنَ أَهْلِ تِرْمِذَ وَهِيَ مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الَّذِي يُقَال لَهُ جَيْحُونَ وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ تُقَالُ فِي كُلِّ مَنْ يُقَالُ لَهُ التِّرْمِذِيُّ: قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الطَّبَقَاتِ سَكَنَ أَبُو جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيُّ بَغْدَادَ وَلَمْ يَكُنْ لِلشَّافِعِيِّينَ فِي وَقْتِهِ بِالْعِرَاقِ أَرْأَسُ وَلَا أَوْرَعُ وَلَا أَكْثَرُ نَقْلًا مِنْهُ وَكَانَ قُوتُهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ وُلِدَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ مِائَتَيْنِ وَتُوُفِّيَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَمَوْضِعُ بَسْطِ أَحْوَالِهِ الطَّبَقَاتُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي شَعْرِ الْمَيْتَةِ وَعَظْمِهَا وَعَصَبِهَا: فَمَذْهَبُنَا أَنَّ الشَّعْرَ وَالصُّوفَ وَالْوَبَرَ وَالرِّيشَ وَالْعَصَبَ وَالْعَظْمَ وَالْقَرْنَ وَالسِّنَّ وَالظِّلْفَ نَجِسَةٌ: وَفِي الشَّعْرِ خِلَافٌ ضَعِيفٌ سَبَقَ: وَفِي الْعَظْمِ خِلَافٌ أَضْعَفُ مِنْهُ قَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا وَأَمَّا الْعَصَبُ فَنَجِسٌ بِلَا خِلَافٍ هَذَا فِي غَيْرِ الْآدَمِيِّ وَمِمَّنْ قَالَ بِالنَّجَاسَةِ عَطَاءٌ وَذَهَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنُ البصري ومالك واحمد واسحق وَالْمُزَنِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ إلَى أَنَّ الشُّعُورَ وَالصُّوفَ وَالْوَبَرَ وَالرِّيشَ طَاهِرَةٌ وَالْعَظْمَ وَالْقَرْنَ وَالسِّنَّ وَالظِّلْفَ وَالظُّفُرَ نَجِسَةٌ كَذَا حَكَى مَذَاهِبَهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَحَكَى الْعَبْدَرِيُّ عَنْ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ واليث ابن سعدان هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَنْجَسُ بِالْمَوْتِ لَكِنْ تَطْهُرُ بِالْغَسْلِ وَعَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ الشَّعْرُ وَالصُّوفُ وَالْوَبَرُ وَالرِّيشُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُد وَكَذَا لَا يَنْجُسُ الْعِظَامُ وَالْقُرُونُ وَبَاقِيهَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَّا شَعْرَ الْخِنْزِيرِ وَعَظْمَهُ وَرَخَّصَ لِلْخَرَّازِينَ فِي اسْتِعْمَالِ شَعْرِ الْخِنْزِيرِ لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهِ وَعَنْهُ فِي الْعَصَبِ رِوَايَتَانِ وَاحْتُجَّ لِمَنْ قَالَ بِطَهَارَةِ الشَّعْرِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حين) وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ حَالٍ وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَيْتَةِ إنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ: وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا بَأْسَ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَ وَلَا بِشَعْرِهَا إذَا غُسِلَ وَذَكَرُوا أَقْيِسَةً وَمُنَاسِبَاتٍ لَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة) وَهُوَ عَامٌّ لِلشَّعْرِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ قَالُوا الشَّعْرُ لَيْسَ مَيْتَةً قَالَ أَصْحَابُنَا قُلْنَا بَلْ هُوَ مَيْتَةٌ فَإِنَّ الْمَيْتَةَ اسْم لِمَا فَارَقَتْهُ الرُّوحُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ: قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَلِهَذَا لَوْ حلف لا يمسس مَيْتَةً فَمَسَّ شَعْرَهَا حَنِثَ فَإِنْ قَالُوا هَذِهِ الآية عاملة فِي الْمَيْتَةِ: وَالْآيَةُ الَّتِي احْتَجَجْنَا بِهَا خَاصَّةٌ فِي بَعْضهَا وَهُوَ الشَّعْرُ وَالصُّوفُ وَالْوَبَرُ: وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ: فَالْجَوَابُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْآيَتَيْنِ فِيهَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ فَإِنَّ تِلْكَ الْآيَةَ أَيْضًا عَامَّةٌ فِي الْحَيَوَانِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ وَهَذِهِ خَاصَّةٌ بِتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ فَكُلُّ آيَةٍ عَامَّةٌ من وجه خاصة

من وجه فتساويتا مِنْ حَيْثُ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ: وَكَانَ التَّمَسُّكُ بِآيَتِنَا أَوْلَى لِأَنَّهَا وَرَدَتْ لِبَيَانِ الْمُحَرَّمِ وَأَنَّ الْمَيْتَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْنَا وَوَرَدَتْ الْأُخْرَى لِلِامْتِنَانِ بِمَا أُحِلَّ لَنَا وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فانتفعتم به والغالب أن الشاة لا تخلوا مِنْ شَعْرٍ وَصُوفٍ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ طَهَارَتَهُ وَالِانْتِفَاعَ بِهِ فِي الْحَالِ: وَلَوْ كَانَ طَاهِرًا لَبَيَّنَهُ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا نَظَرٌ: وَاعْتِمَادُ الْأَصْحَابِ عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَذَكَرُوا أَقْيِسَةً كَثِيرَةً تَرَكْتهَا لِضَعْفِهَا وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بقوله تعالى (ومن أصوافها وأوبرها وأشعارها) أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى شَعْرِ الْمَأْكُولِ إذَا ذُكِّيَ أَوْ أُخِذَ فِي حَيَاتِهِ كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ وأجاب الماوردى بجواب آخران مِنْ لِلتَّبْعِيضِ وَالْمُرَادُ بِالْبَعْضِ الطَّاهِرُ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا 1 وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَجْوَدُهُمَا أَنَّهُ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ قَالُوا لِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ يُوسُفُ بْنُ السَّفْرِ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ قَالُوا وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ هَذِهِ عِبَارَةُ جَمِيعِ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ فِيهِ وَهِيَ أبلغ العبارات عندهم في الجرح قال الدارقطني هُوَ مَتْرُوكٌ يَكْذِبُ عَلَى الْأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ هُوَ يَضَعُ الْحَدِيثَ: الْجَوَابُ الثَّانِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ مَنْ يَقُولُ بِطَهَارَةِ الشَّعْرِ بِلَا غَسْلٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ يَطْهُرُ الشَّعْرُ بِالْغَسْلِ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَقَدْ بَيَّنَّا اتِّفَاقَ الْحُفَّاظِ عَلَى ضَعْفِهِ وَبَيَانُهُمْ سَبَبُ الضَّعْفِ وَالْجَرْحِ: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهَا عَيْنٌ نَجِسَةٌ فَلَمْ تَطْهُرْ بِالْغَسْلِ كَالْعَذِرَةِ واللحم: واحتج من قال بطهارة الْمَيْتَةِ بِحَدِيثٍ عَنْ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْتَشَطَ بِمُشْطٍ مِنْ عَاجٍ وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ حميد الشامي

عَنْ سُلَيْمَانَ الْمُنَبِّهِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَا ثَوْبَانُ اشْتَرِ لَفَاطِمَةَ قِلَادَةً مِنْ عَصَبٍ وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ قَالَ صَاحِبُ هَذَا الْمَذْهَبِ وَالْعَاجُ عَظْمُ الْفِيلِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يحيى العظام وهى رميم قل يحييها الذى أنشأها أول مرة) فَأَثْبَتَ لَهَا إحْيَاءً فَدَلَّ عَلَى مَوْتِهَا وَالْمَيْتَةُ نَجِسَةٌ فَإِنْ قَالُوا الْمُرَادُ أَصْحَابُ الْعِظَامِ فَحَذَفَ الْمُضَافَ اخْتِصَارًا قُلْنَا هَذَا خِلَافُ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ: وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بما روى عمر وبن دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَدَّهِنَ فِي عَظْمِ فِيلٍ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ وَالسَّلَفُ يُطْلِقُونَ الْكَرَاهَةَ وَيُرِيدُونَ بِهَا التَّحْرِيمَ وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ فَأَشْبَهَ الْأَعْضَاءَ: وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ الْأَئِمَّةُ وَالثَّانِي أَنَّ الْعَاجَ هُوَ الذَّبْلُ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ عَظْمُ ظَهْرِ السُّلَحْفَاةِ البحرية كذا قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ الْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ عَظْمٍ عَاجًا: وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ بِالْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ فَإِنَّ حُمَيْدًا الشَّامِيَّ وَسُلَيْمَانَ الْمُنَبِّهِيَّ مَجْهُولَانِ وَالْمُنَبِّهِيُّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَبَعْدَهَا نُونٌ مَفْتُوحَةٌ ثم باء موحدة مكسوة مشددة والله أعلم وبالله التوفيق * قال المصنف رحمه الله

  • (فان دبغ جلد الميتة وعليه شعر قال في الام لا يطهر لان الدباغ لا يؤثر في تطهيره وروى الربيع بن سليمان الجيزى عنه أنه يطهر لانه شعر نابت على جلد طاهر فكان كالجلد في الطهارة كشعر الحيوان في حال الحياة)
  • (الشَّرْحُ) هَذَانِ الْقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ وَقَدْ1
فصول الكتاب · 39 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المجموع شرح المهذب · 657 صفحة
ـ[المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي)) ]ـ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كتاب الحج
كتاب الأطعمة
كتاب الحوالة
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الوديعةكتاب العاريّة
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب السبق والرمى
كتاب اللقطة
كتاب اللقيط
كتاب الهبات
كتاب الوصايا
كتاب العتقكتاب المكاتب
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الايلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب الأيمان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب السير
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب الإقرار
جارٍ التحميل