كتاب الحدود
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(الشرح) أصل الحد في اللغة: المنع، وقيل للبواب حداد، لانه يمنع من يدخل الدار من غير أهلها، قال الاعشى: فقمنا ولما يصح ديكنا
- إلى جونة عند حدادها وسمى الحديد حديدا لمنعه من السلاح ووصوله إلى لابسه: وحد الشئ يمنع أن يدخل فيه ما ليس منه وأن يخرج منه ما هو منه، والحد في الشرع يمنع المحدود من العود إلى ما كان ارتكبه، وكذا السجان سمى حدادا لهذا المعنى قال الشاعر: لقد ألف الحداد بين عصابة
- فسائل في الاقياد ماذا ذنوبها قال القائد الاعلى للقوات الاندلسية في حينه في كتابه المحلى لم يصف الله تعالى حدا من العقوبة محدودا لا يتجاوز في النفس أو الاعضاء أو البشرة الا في سبعة أشياء وهى: 1 - المحاربة 2 - الردة 3 - الزنا 4 - القذف بالزنا 5 - السرقة 6 - جحد العارية 7 - تناول الخمر في شرب أو أكل
قال المصنف رحمه الله:
﴿باب حد الزنا﴾
الزنا حرام وهو من الكبائر العظام، والدليل عليه قوله عز وجل (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) وقوله تعالى (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزفون ومن يفعل ذلك يلق أثاما) وروى عبد الله قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله عز وجل قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم، قال: قلت: ثم أي قال أن تقتل ولدك مخافة أن يأكل معك، قال قلت: ثم أي قال أن تزانى حليلة جارك.
(الشرح) حديث عبد الله (سألت النبي صلى الله عليه وسلم..) متفق عليه وأخرج أحمد والطبراني في الكبير والاوسط عن المقداد بن الاسود رضى الله عنه لاصحابه ما تقولون في الزنا؟ قالوا حرام حرمه الله عز وجل ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاصحابه: لان يزنى الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزنى بامرأة جاره) وروى بن أبى الدنيا والخرائطي عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم الزانى بحليلة جاره لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه، ويقول ادخل النار مع الداخلين) اللغة قوله (أن تجعل لله ندا) الند المثل والنظير وكذلك النديد والنديدة.
أجمعت الشرائع القديمة والحديثة على حرمة الزنا، وهو أن يأتي رجل وامرأة بفعل الجماع بغير أن تكون بينهما علاقة الزوجية المشروعة، وما زالت المجتمعات
البشرية مجمعة عليه منذ أقدم عصور التاريخ إلى يومنا الحاضر ولم يخالفها فيه حتى اليوم إلا شرذمة قليلة من الذين جعلوا عقولهم تابعة لاهوائهم وشهواتهم البهيمية أو أوتوا من قبل عقولهم، ويظنون كل مخالفة للنظام والعرف الجارى اختراعا لفلسفة جديدة، والعلة في هذا الاجماع العالمي أن الفطرة الانسانية بنفسها تقتضي حرمة الزنا، ومما يتوقف عليه بقاء النوع الانساني وقيام التمدن الانساني أن لا تكون الحرية للرجل والمرأة في أن يجتمعا ابتغاء اللذة وقضاء لشهوتهما النفسية متى شاء اثم يفترقا متى أرادا، بل يجب أن تكون العلاقة بين كل رجل وامرأة قائمة على عهد للوفاء دائم بحكم معروف في المجتمع، وتكون مستندة إلى ضمان المجتمع كله.
قالت الحنابلة في منار السبيل: الزنى هو فعل الفاحشة في قبل أو دبر وهو من أكبر الكبائر، قال الامام أحمد لا أعلم حدا بعد القتل ذنبا أعظم من الزنا، وأجمعوا على تحريمه.
ولقد كان الزنا في الجاهلية على قسمين سرا وعلانية، وعاما وخاصا، فالخاص السرى هو أن يكون للمرأة خدن يزنى بها سرا فلا تبذل نفسها لكل أحد،
والعام الجهرى هو المراد بالسفاح، كما قال ابن عباس وهو البغاء، وكان البغايا من الاماء وكن ينصبن الرايات الحمر لتعرف منازلهن.
وروى عن ابن عباس أن أهل الجاهلية كانوا يحرمون ما ظهر من الزنا ويقولون انه لؤم، ويستحلون ما خفى ويقولون لا بأس به، وهذان النوعان معروفان الان وفاشيان في بلاد الافرنج والبلاد التى تقلد الافرنج في شرور مدنيتهم كمصر والاستانة.
وقبل الكلام في الاحكام علينا أن نلقى نظرة سريعة على أحكام الشرائع
السابقة، ففى الكتاب المقدس لليهود الاصحاح الثاني والعشرون 16، 17 (وإذا أراد رجل عذراء لم تخطب فاضطجع معها يمهرها لنفسه زوجة إن أبى أبوها أن يعطية إياها يزن له فضة كمهر العذارى) وفى 28، 29، من نفس المرجع، إذا وجد رجل فتاة عذراء غير مخطوبة فأمسكها واضطجع معها فوجدا يعطى الرجل الذى اضطجع معها لابي الفتاة خمسين مثقالا من الفضة وتكون هي له زوجة من أجل أنه قد أذلها، غير أنه إذا زنى أحد ببنت القسيس عوقب بالشنق بموجب القانون اليهودي وعوقبت البنت بالاحراق وهذه الفكرة هي شبيهة بفكرة الهنادك، ففى كتاب القانون الدينى لمانو (أيما رجل زنى ببنت من طبقته عن رضاها فليس عليه شئ من العقوبة، وله أن يؤدى الاجرة إلى والدها وينكحها ان رضى به.
وأما إذا كانت البنت من طبقة أعلى من طبقته فلتخرج البنت من بيتها ويعاقب الرجل بقطع الاعضاء، ويجوز تغيير هذه العقوبة بإحراق البنت حية إذا كانت من الطبقة البرهمية.
أما عقوبة الزنا بالمتزوجة فعند المصريين الفراعنة أن يضرب الرجل ضربا شديدا بالعصا ويجدع أنفه، وكذا في بابل وآشور وفارس القديمة، أما الهنود فكانت عقوبة المرأة عندهم أن تطرح أمام الكلاب حتى تمزقها، وعقوبة الرجل أن يضجع على سرير محمى من الحديد وتشعل حوله النار، وقد كان من حق الرجل عند اليونان والروم في بدء الامر أنه إذا وجد أحدا يزنى بامرأته أن يقتله أو ينال منه إن شاء غرامة مالية، ثم أصدر قيصر أغسطس مرسوما بأن
يصادر الرجل بنصف ما يملك من المال والبيوت وينفى من موطنه، وأن تحرم المرأة من نصف صداقها وتصادر بنصف ما تملك من المال وتنفى إلى بقعة أخرى ثم جاء قسطنطين وغير هذا القانون بإعدام الرجل والمرأة، ثم تغير هذا في
عهد ليون مارسين بالحبس المؤبد، ثم جاء قيصر جستينين وخفف هذه العقوبة وغيرها بضرب الاسواط ثم حبسها في دير الراهبات وإعطاء زوجها الحق في أنه إن شاء استخرجها من الدير في ضمن مدة سنتين، أو تركها فيه إن شاء طول حياتها.
وأما الاحكام في القانون اليهودي عن الزنا بامرأة الغير فهى (إذا اضطجع رجل مع امرأة اضطجاع زرع وهى أمة مخطوبة لرجل ولم تفد فداء ولا أعطيت حريتها فليكن تأديب ولا يقتلا لانها لم تعتق) (إذا وجد رجل مضطجعا مع امرأة زوجة بعل يقتل الاثنان، الرجل المضطجع مع المرأة والمرأة) .
(إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل في المدينة واضطجع معها فاخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا، الفتاة من أجل أنها لم تصرخ في المدينة، والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه فتنتزع الشر من وسطك، ولكن إن وجد الرجل الفتاة المخطوبة في الحقل وأمسكها الرجل واضطجع معها يموت الرجل الذى اضطجع معها وحده، وأما الفتاة فلا يفعل بها شيئا) الاصحاح الثاني والعشرون 22 - 26.
وقد استنبط المسيحيون استنباطات خاطئه.
ومن بعض أقوال المسيح في المرأة التى جاء بها اليهود وهى زانيه ليحكم، فإذا زنى عندهم رجل بكر بامرأة باكرة فإن فعلهما على كونه ذنبا ليس بجريمة مستلزمه للعقوبه على كل حال.
وأما إذا كان أحد المرتكبين لهذا الفعل الرجل أو المرأة أو كلاهما متزوجا فإنه الجريمه غير أن الذى يجعله الجريمه انما هو نقض العهد لا الزنا المحض، فكل من أتى بفعل الزنا بعد كونه متزوجا فإنه مجرم لانه نقض العهد الذى كان عقده
مع زوجته أو زوجها إن كانت المرتكبه امرأة أمام المذبح بواسطة القسيس،
أما عقوبته على إتيانه بهذه الجريمة فإنما هي أن تقيم زوجته عليه الدعوى وتشكو غدره إلى المحكمة وتطلب منها التفريق بينهما، وكذلك ليس من حق زوج المرأة الزانية أن يقيم عليها الدعوى في المحكمة ويطلقها أمامها فحسب، بل له كذلك أن ينال غرامة مالية من الرجل الذى أفسد زوجته.
ومن العجيب أن هذه العقوبة سيف يقطع من جانبين، فإن المرأة وإن كان لها أن تقيم الدعوى على زوجها الغادر وتنال من المحكمة حكم تفريقها منه، ولكن لا يجوز لها أن تنكح رجلا آخر طول حياتها، وكذلك الرجل إن فعل بزوجته الغادرة، ومعنى ذلك أن كل من أحب من الزوجين أن يحيا في الدنيا حياة الرهبان والراهبات فعليه أن يشكو إلى المحكمة.
أما الاسلام فإنه يراها جريمة مستلزمة للمؤاخذة والعقوبة ويغلظ في نظره شدة هذه الجريمة لا على أساس أنه نقض العهد أو تعدى على فراش غيره، ولكن على أساس أنه سلك لقضاء شهوته طريقا غير مشروع، وعلى أساس أنه إذا أطلق عناس الناس لاتيانها متى شاؤوا، فإنها لا تلبث أن تستأصل شأفة نوع الانسان وتمدنه معا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) إذا وطئ رجل من أهل دار الاسلام امرأة محرمة عليه من غير عقد ولا شبهة عقد وغير ملك ولا شبهة ملك وهو عاقل بالغ مختار عالم بالتحريم وجب عليه الحد، فإن كان محصنا وجب عليه الرجم لما روى ابن عباس رضى الله عنه قال، قال عمر: لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائلهم ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلون ويتركون فريضة أنزلها الله، ألا إن الرجم إذا أحصن الرجل وقامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف، وقد قرأتها الشيخ والشيخه إذا زنيا فارجموهما البتة، وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا، ولا يجلد المحصن مع الرجم لما روى أبو هريرة وزيد بن خالد الجنى رضى الله عنهما قالا: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقام إليه رجل فقال إن إبنى كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته، فقال على إبنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس
على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرجمها، ولو وجب الجلد مع الرجم لامر به.
(فصل)
والمحصن الذى يرجم هو أن يكون بالغا عاقلا حرا وطئ في نكاح صحيح، فإن كان صبيا أو مجنونا لم يرجم، لانهما ليسا من أهل الحد، وإن كان مملوكا لم يرجم.
وقال أبو ثور: إذا أحصن بالزوجبة رجم، لانه حد لا يتبعض فاستوى فيه الحر والعبد كالقطع في السرقة، وهذا خطأ لقوله عز وجل (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعلبهن نصف ما على المحصنات من العذاب) فأوجب مع الاحصان خمسين جلدة.
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلم قال: إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد، ولان الرجم أعلى من جلد مائة، فإذا لم يجب على المملوك جلد مائة فلان لا يجب الرجم أولى، ويخالف القطع في السرقه فإنه ليس في السرقه حد غير القطع، فلو أسقطناه سقط الحد وفى ذلك فساد، وليس كذلك الزنا فإن فيه حدا غير الرجم فإذا أسقطناه لم يسقط الحد.
وأما من لم يطأ في النكاح الصحيح فليس بمحصن وإذا زنى لم يرجم، لما روى مسروق عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا يحل دم امرئ مسلم يشهد أَنْ لَا إلَهَ
إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزانى والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعه) ولا خلاف أن المراد بالثيب الذى وطئ في نكاح صحيح واختلف أصحابنا هل يكون من شرطه أن يكون الوطئ بعد كماله بالبلوغ والعقل والحريه أم لا؟ فمنهم من قال ليس من شرطه أن يكون الوطئ بعد الكمال فلو وطئ وهو صغير أو مجنون أو مملوك ثم كمل فزنى رجم، لانه وطئ أبيح للزوج الاول فثبت به الاحصان، كما لو وطئ بعد الكمال، ولان النكاح يجوز أن يكون قبل الكمال فكذلك الوطئ.
ومنهم من قال من شرطه أن يكون الوطئ بعد الكمال، فإن وطئ في حال الصغر أو الجنون أو الرق ثم كمل وزنى لم يرجم، وهو ظاهر النص، والدليل عليه ما رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(خذوا عنى خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم، فلو جاز أن يحصن الوطئ في حال النقصان لما علق الرجم بالزنا، ولان الاحصان كمال فشرط أن يكون وطؤه في حال الكمال، فعلى هذا إذا وطئ في نكاح صحيح فإن كانا حرين بالغين عاقلين صارا محصنين، وإن كانا مملوكين أو صغيرين أو مجنونين لم يصيرا محصنين، وإن كان أحدهما حرا بالغا عاقلا والآخر مملوكا أو صغيرا أو مجنونا ففيه قولان (أحدهما) أن الكامل منهما محصن والناقص منهما غير محصن وهو الصحيح لانه لما جاز أن يجب بالوطئ الواحد الرجم على أحدهما دون الاخر جاز أن يصير أحدهما بالوطئ الواحد محصنا دون الاخر والقول الثاني أنه لا يصير واحد منهما محصنا لانه وطئ لا يصير به أحدهما محصنا فلم يصر الاخر به محصنا كوطئ الشبهة، ولا يشترط في إحصان الرجم أن يكون مسلما لما روى ابْنِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم أتى بيهوديين زنيا فأمر برجمهما.
(فصل)
وإن كان غير محصن نظرت فإن كان حرا جلد مائة وغرب سنة لقوله عز وجل (الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) وروى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خذوا عنى خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائه وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم.
وإن كان مملوكا جلد خمسين عبدا كان أو أمة لقوله عز وجل (فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) فجعل ما على الامة نصف ما على الحرة لنقصانها بالرق، والدليل عليه أنها لو أعتقت كمل حدها، والعبد كالامة في الرق فوجب عليه نصف ما على الحر، وهل يغرب العبد بعد الجلد؟ فيه قولان.
(أحدهما)
أنه لا يغرب لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد.
ولم يذكر النفى، ولان القصد بالتغريب تعذيبه بالاخراج عن الاهل، والمملوك لا أهل له والقول الثاني: أنه يغرب، وهو الصحيح، لقوله عز وجل (فعليهن نصف
ما على المحصنات من العذاب) ولانه حد يتبعض فوجب على العبد كالجلد، فإذا قلنا إنه يغرب ففى قدره قولان: (أحدهما) أنه يغرب سنة، لانها مدة مقدرة بالشرع، فاستوى فيها الحر والعبد كمدة العنين.
(والثانى)
أنه يغرب نصف سنة للآية، ولانه حد يتبعض فكان العبد فيه على النصف من الحر كالجلد.
(الشرح) أثر ابن عباس (لقد خشيت أن يطول بالناس ... ) متفق عليه وفى رواية أخرى (قال عمر وهو جالس على مقبر رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ الله بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل الله عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلون بترك فريضة أنزلها الله، وان الرجم في كتاب الله حق على كل من زنى إذا أحصن من الرجال أو النساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف) رواه مسلم عن أبى الطاهر وحرملة، ورواه البخاري عن يحيى بن سلمان عن ابن وهب.
ورواه البيهقى.
وقال الحافظ وعزاه الشيخين ومراده أصل الحديث، وفى روايه الترمذي (لولا انى أكره أن أزيد في كتاب الله لكتبته في المصحف، فإنى قد خشيت أن يجئ قوم فلا يجدونه في كتاب الله فيكفرون به) وروى الحاكم والطبراني (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة لما قضيا من اللذة) وروى ابن حبان والبيهقي ((عن زر بن حبيش قال، قال لى أبى بن كعب كأين تعد أو كأين تقرأ سورة الاحزاب؟ قلت ثلاث وسبعين آية، قال أقط لقد رأيتها وإنها لتعدل سورة البقره وان فيها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم.
حديث أبى هريرة وزيد بن خالد الجهنى أنهما قالا (ان رجلا من الاعراب أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لى بكتاب الله، وقال الخصم الآخر وهو أفقه منه نعم ناقض بيننا بكتاب الله وائذن لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قل: قال ان ابني كان عسيفا على هذا
فزنى بامرأته وإنى أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وان على امرأة هذا الرجم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والذى نهسى بيده لاقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس (لرجل من أسلم) إلى امرأة هذا، فان اعترفت فارجمها قال فغدا عليها فاعترفت فأمر بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرجمت) رواه الجماعة والبيهقي.
حديث أبى هريرة (إذا زنت أمة أحدكم ... ) رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود (إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم ان زنت فليجلدها الحد ولا يثرب ثم ان زنت الثالثة فليبعها ولو بحب من شعر) وفى رواية أبى داود (في الرابعة الحد والبيع) .
حديث عبد الله (لا يحل دم امرئ ... ) متفق عليه، وأبو داود والترمذي والنسائي.
وعن عائشة (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسول الله إلا في إحدى ثلاث زنا بعد إحصان فانه يرجم ورجل خرج محاربا لله ولرسوله فانه يقتل أو يصلب أو ينفى من الارض أو يقتل نهسا فيقتل بها) رواه أبو داود والنساء.
حديث عبادة بن الصامت (خذوا عنى ... ) (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا نزل عليه الوحى كرب لذلك وتريد وجهه فأنزل الله عليه ذات يوم فلقى ذلك فلما سرى عنه قال خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب، والبكر بالبكر جلد مائة ثم رجم بالحجارة والبكر جلد مائة ونفى سنة) رواه مسلم.
وفى رواية (خذوا عنى خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة
ونفى سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) رواه الجماعة الا البخاري والنسائي
حديث ابن عمر (أتى بيهوديين.
) سبق تخريجه.
اللغة.
قوله (وجب عليه الرجم) وأصله الرمى بالرجام وهى الحجارة الضخام.
وكل رجم في القرآن فمعناه القتل.
وأما الجلد فمأخوذ من جلد الانساني وهو الضرب الذى يصل إلى جلده.
قال الجوهرى جلده الحد جلدا أي ضربه وأصاب جلده كقولك رأسه وبطنه، وانما جعلت العقوبة في الزنا بذلك ولم تجعل بقطع آلة الزنا كما جعلت عقوبة السرقة والمحاربة بقطع آلة السرقة وهى اليد والرجل لانه يودى إلى قطع النسل، ولعل قطع يد السارق يكون عاما في السارق والسارقة وقطع الذكر يختص بالرجل دون المرأة.
قوله (كان عسيفا) العسيف الاجير والجمع عسفاء قال: أطعت النفس في الشهوات حتى أعادتني عسيفا عند عبدى (لا يثرب) قال الخطابى لا يقتصر على التثريب.
(العسيف) قال مالك الاجير، ويطلق العسيف على السائل والعبد والخادم والعسف في أصل اللغة الجور وسمى الاجير بذلك لان المستأجر يعسفه على العمل أي يجوز عليه.
(تنبيه) قوله يا أنيس بضم الهمزة بعدها نون إثم تحتية ثم سين مهملة مصغرا قال ابن عبد البر هو ابن الضحاك الاسلمي، وقيل ابن مرشد، وقال ابن السكن في كتاب الصحابة لم أدر من هو ولا ذكر الا في هذا الحديث، وغلط بعضهم فقال انه أنس بن مالك.
قوله (إذا وطئ رجل من أهل دار الاسلام..) وهو من باب ما لا خلاف فيه، وهذا قول امام الائمة ابن حزم في مراتب الاجماع، واتفقوا
أن من زنى وهو حر بالغ غير محصن وهو عاقل مسلم غير سكران ولا مكره في أرض غير حرم مكة ولا في أرض الحرب بامرأة بالغه ليست أمة لزوجته ولا لولده ولا لاحد من رقيقه ولا لاحد من أبويه ولا ممن ولده بوجه من الوجعة ولا ادعى أنها زوجته ولا ادعى أنها أمته بوجه من الوجوه ولا هي من المعنم ولا هي مخدمة له ولا مباحة الفرج له من مالكها، وهى عاقلة غير سكرى ولا
مكرهة ولا هي مستأجرة للزنا، ولا هي أمنه متزوجة من عبده، ولا هي ذمية ولا هي حربية وهو يعلم أنها حرام عليه أو ليست ملكا له ولا عقد عليها نكاحا ولم يتب ولا تقادم زناه قبل أخذه بشهر ولا تزوجها ولا اشتراها بعد أن زنى بها أن عليه جلد مائة، واتفقوا أنه إذا زنى كما ذكرنا وكان قد تزوج قبل ذلك وهو بالغ مسلم حر عاقل بحرة مسلمة بالغة عاقلة نكاحا صحيحا ووطئها وهو في عقله قبل أن يزنى ولم يتب ولا طال الامر أن عليه الرجم بالحجارة حتى يموت.
قوله (المحصن الذى يرجم..) قال ابن حزم في المحلى قال الله تعالى (فإذا أحصن ... ) فبيقين ندرى أن الله تعالى أراد فإذا تزوجن ووطئن فعليهن نصف ما على الحرائر المحصنات من العذاب، والحرة المحصنة فإن عليها جلد مائة والرجم وبالضرورة ندرى أن الرجم لا نصف له فبقى عليهن نصف المائة.
ثم قال: واختلف الناس في المملوك الذكر إذا زنى، فقالت طائفة ان حده حد الحر من الجلد والنفى والرجم.
وقال الكاسانى في البدائع (ان وجوب الحد على المرأة في باب الزنا ليس لكونها زانية، لان فعل الزنا لا يتحقق وهو الوطئ، لانها موطوءة وليست بواطئة، وتسميتها في الكتاب العزيز زانية مجاز لا حقيقة، وانما وجب عليها لكونها مزنيا بها وفعل الصبى والمجنون ليس بزنا فلا تكون هي مزنيا بها فلا
يجب عليها الحد، وفعل الزنا يتحقق من العاقل البالغ فكانت الصبية أو المجنونة مزنيا بها، الا أن الحد لم يجب عليها لعدم الاهلية، والاهلية ثابتة في جانب الرجل فيجب.
قالت الحنابلة في منار السبيل: فإذا زنى المحصن وجب رجمه حتى يموت.
وروى حديث عمر السابق الاشارة إليه وحديث ماعز، ولا يجب الرجم الا على المحصن بإجماع أهل العلم، والمحصن هو من وطئ زوجته في قبلها بنكاح صحيح لا باطل ولا فاسد لانه ليس بنكاح في الشرع، وهما حران مكلفان فلا احصان مع صغر أحدهما أو جنونه أو رقه، ولان الاحصان كمال فيشترط أن يكون في حال الكمال وتصير الزوجة أيضا محصنة حيث كانا بالصفات المتقدمة حال الوطئ ولا يشترط الاسلام في الاحصان، ولا خلاف بين أهل العلم في أن الزنى ووطئ الشبهة لا يصير به أحدهما محصنا، ولا نعلم بينهم خلافا في أن التسرى لا يحصل به الاحصان لواحد منهما، لكونه ليس بنكاح ولا تثبت فيه أحكامه، وإن زنى الحر غير المحصن جلد مائة جلدة وغرب عاما إلى مسافة قصر لان أحكام السفر من القصر والفطر لا تثبت بدونه، وفى الكافي وحيث رأى الامام الزيادة في المسافة فله ذلك، لان عمر رضى الله عنه غرب إلى الشام والعراق، وإن رأى زيادة على الحول لم يجز لان مدة الحول منصوص عليها فلم يدخلها الاجتهاد والمسافة غير منصوص عليها فرجع فيها إلى الاجتهاد اه.
وتغرب المرأة مع محرم لعموم نهيها عن السفر بلا محرم وعليها أجرته، ويغرب غريب إلى غير وطنه.
وإن زنى الرقيق جلد خمسين جلدة، بكرا أو ثيبا لقوله تعالى (فعليهن نصف ما على المحصنات ... ) والعذاب المذكور في القرآن مائة جلدة فينصرف التنصيف إليه دون غيره والرجم لا يتأتى تنصيفه.
وعن عبد الله بن عباس المخزومى قال (أمرنى عمر بن الخطاب في فتية من قريش فجلدنا ولائد من ولائد الامارة خمسين خمسين في الزنى) رواه مالك.
ولا يغرب لان تغريبه إضرارا بسيده دونه، ولانه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بتغريب الامة إذا زنت في حديث أبى هريرة وزيد بن خالد) وقد سبق قالت المالكية: والزناة الذين تختلف العقوبة باختلافهم أربعة أصناف، محصنون ثيب وأبكار، وأحرار وعبيد، وذكور وأناث، والحدود الاسلامية ثلاثة: رجم وجلد وتغريب: فأما الثيب الاحرار المحصنون فإن المسلمين أجمعوا على أن حدهم الرجم إلا فرقة من أهل الاهواء، فإنهم رأوا أن حد كل زان الجلد، وإنما صار الجمهور للرجم لثبوت أحاديث الرجم، فخصصوا الكتاب بالسنة، أعنى قوله تعالى (الزانيه والزانى) الاية.
واختلفوا موضعين، أحدهما هل يجلدون مع الرجم أم لا، والموضع الثاني في شروط الاحصان.
قال القرطبى في تفسيره: قوله تعالى (مائة جلدة) هذا حد الزانى الحر البالغ البكر، وكذلك الزانية البالغة البكر الحرة، وثبت بالسنة تغريب عام على الخلاف
في ذلك، وأما المملوكات فالواجب خمسون جلدة لقوله تعالى (فإن أتين بفاحشة) وهذا في الامة ثم العبد في معناها، وأما المحصن من الاحرار فعليه الرجم دون الجلد، ومن العلماء من يقول يجلد مائة ثم يرجم.
ثم قال في مكان آخر فإن زنى بالغ بصبية أو عاقل بمجنونة أو مستيقط بنائمة فإن ذلك من جهة الرجل زنى فهذا زان نكح غير زانية، ثم قال قلنا هو زنى من كل جهة إلا أن أحدهما سقط فيه الحد والاخر ثبت فيه.
قال الشوكاني: والحاصل أن أحاديث التغريب قد جاوزت حد الشهرة المعتبرة
عند الحنفية فيما ورد من السنة زائدا على القرآن، فليس لهم معذرة عنها بذلك وقد عملوا بما هو دونها، وقد أجاب صاحب البحر عن أحاديث التغريب بأنه عقوبة لا حد، ويجاب عن ذلك بالقول بموجبه، فإن الحدود كلها عقوبات، والنزاع في ثبوته لا في مجرد التسمية.
(قلت) فإن العلماء اختلفوا هل يجلد من وجب عليه الرجم، وقال الحسن البصري واسحاق وأحمد وأبو داود (الزانى المحصن يجلد ثم يرجم) عمدة الجمهور أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجم ماعزا ورجم امرأة من جهينة ورجم يهوديين وامرأة من عامر من الازد، كل ذلك مخرج في الصحاح ولم يرو أنه جلد واحد منهم.
ومن جهة المعنى أن الحد الاصغر ينطوى في الحد الاكبر، وذلك أن الحد انما وضع للزجر فلا تأثير للزجر بالضرب مع الرجم.
وعمدة الفريق الثاني عموم قوله تعالى (الزانية والزانى ... ) فلم يخص محصن من غير محصن.
واحتجوا أيضا بحديث على رضى الله عنه خرجه مسلم وغيره أن عليا رضى الله عنه جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، وقال جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله.
وأما الاحصان فإنهم اتفقوا على أنه من شرط الرجم، واختلفوا في شروطه فقال مالك البلوغ والاسلام والحرية والوطئ في عقد صحيح وحالة جائز فيها الوطئ والوطئ المحظور هو عنده الوطئ في الحيض أو في الصيام، فإذا زنا بعد الوطئ الذى هو بهذه الصفة وهو بهذه الصفات فحده الرجم.
ووافق أبو حنيفة مالكا في هذه الشروط إلا في الوطئ المحظور واشترط في الحرية أن تكون من الطرفين أعنى أن يكون الزانى والزانية حرين ولم يشترط الاسلام الشافعي.
وعمدة الشافعي ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر، وهو
حديث متفق عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجم اليهودية واليهودى، وعمدة مالك من طريق المعنى أن الاحصان عنده فضيله، ولا فضيله مع عدم الاسلام وهذا مبناه على أن الوطئ في نكاح صحيح هو مندوب إليه فهذا هو حكم الثيب.
وأما الابكار فان المسلمين أجمعوا على أن حد البكر في الزنا جلد مائة، واختلفوا في التغريب فقال أبو حنيفة وأصحابه لا تغريب أصلا.
وقال الشافعي: لابد من التغريب مع الجلد لكل زان ذكرا كان أو أنثى حرا كان أو عبدا.
وقال مالك يغرب الرجل ولا تغرب المرأة، وبه قال الاوزاعي ولا تغريب عند مالك على العبيد فعمدة من أوجب التغريب على الاطلاق حديث عبادة بن الصامت، ومن خصص المرأة من هذا العموم فانما خصصه بالقياس، لانه رأى أن المرأه تعرض بالغربة لاكثر من الزنا، وهذا من القياس المرسل أعنى المصلحى الذيى كثيرا ما يقول به مالك.
وأما عمدة الحنفية فظاهر الكتاب وهو مبنى على رأيهم أن الزيادة على النص فسخ وأنه ليس ينسخ الكتاب بأخبار الآحاد، ورووا عن عمر أنه حد ولم يغرب، وروى الكوفيون عن أبى بكر وعمر أنهم غربوا.
وأما حكم العبيد في هذه الفاحشة فان العبيد صنفان ذكور وأناث، أما الاناث فان العلماء أجمعوا على أن الامة إذا تزوجت وزنت أن حدها خمسون جلدة، واختلفوا إذا لم تزوج، فقال جمهور فقهاء الامصار حدها خمسون جلدة وقالت طائفة.
لا حد عليها وانما عليها تعزير فقط، وروى ذلك عن عمر بن الخطاب، وقال قوم لا حد على الامة أصلا، والسبب في اختلافهم الاشتراك الذى في اسم الاحصان في قوله تعالى (فان أحصن) فمن فهم الاحصان التزوج قال بدليل الخطاب لا تجلد الغير المتزوجة، ومن فهم من الاحصان الاسلام
جعلة عاما في المتزوجة وغيرها، واحتج على من لم ير على غير المتزوجة حدا بحديث أبى هريرة وزيد بن خالد، وأما الذكر من العبيد ففقهاء الامصار على أن حد العبد نصف حد الحر قياسا على الامة، وقال أهل الظاهر حده مائة جلدة مصيرا إلى عموم قوله تعالى (فاجلدوا..) ولم يخصص حرا من عبد، ومن الناس من درأ الحد عنه قياسا على الامة، وهذا شاذ وروى عن ابن عباس.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن زنى وهو بكر فلم يحد حتى أحصن وزنى ففيه وجهان (أحدهما) أنه يرجم ويدخل فيه الجلد والتغريب لانهما حدان يجبان بالزنا فتداخلا، كما لو وجب حدان وهو بكر.
(والثانى)
أنه لا يدخل فيه لانهما حدان مختلفان فلم يدخل أحدهما في الاخر كحد السرقة والشرب، فعلى هذا يجلد ثم يرجم ولا يغرب، لان التغريب يحصل بالرجم.
(الشرح) أخرج البيهقى في سننة الكبرى عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يمسها ثم زنى، فقال سعيد السنة فيه أن يجلد ولا يرجم وأخرج عن رجل من بنى عجل قال: جئت مع على رضى الله عنه بصفين فإذا رجل في زرع ينادى أنى قد أصبت فاحشة فأقيموا على الحد، فرفعته إلى على رضى الله عنه، فقال له على رضى الله عنه هل تزوجت؟ قال نعم، قال فدخلت بها؟ قال لا، قال فجلده مائة وأغرمه نصف الصداق وفرق بينهما.
ورواه من طريق أخرى: ثم قال، قال الشيخ أما التفريق بينهما بالزنا حكما فلا نقول به.
وأخرج عن أبى الزناد عن الفقهاء من أهل المدينة كانوا يقولون (من تزوج
ممن لم يكن أحصن قبل ذلك فزنى أن يدخل بامرأته فلا رجم عليه، والمرأة مثل ذلك، فإن دخل بامرأته ساعة من ليل أو نهار أو أكثر فزنى بعد ذلك فعليه الرجم والمرأة مثل ذلك والاماء وأمهات الاولاد لا يوجبن الرجم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) والوطئ الذى يجب به الحد أن يغيب الحشفة في الفرج فإن أحكام الوطئ تتعلق بذلك ولا تتعلق بما دونه وما يجب بالوطئ في الفرج من الحد يجب بالوطئ في الدبر لانه فرج مقصود فنعلق الحد بالايلاج فيه كالقبل، ولانه إذا وجب بالوطئ في القبل، وهو مما يستباح، فلان يجب بالوطئ في الدبر وهو مما لا يستباح أولى.
(فصل)
ولا يجب على الصبى والمجنون حد الزنا لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حتى يفيق، ولانه إذا سقط عنه التكليف في العبادات والمآثم في المعاصي فلان يسقط الحد ومبناه على الدرء والاسقاط.
أولى، وفى السكران قولان وقد بيناهما في الطلاق.
(فصل) ولا يجب على المرأة إذا أكرهت على التمكين من الزنا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) ولانها مسلوبة الاختيار فلم يجب عليها الحد كالنائمة، وهل يجب على الرجل إذا أكره على الزنا؟ فيه وجهان (أحدهما) وهو المذهب أنه لا يجب عليه لما ذكرنا في المرأة (والثانى) أنه يجب لان الوطئ لا يكون إلا بالانتشار الحادث عن الشهوة والاختيار.
(فصل)
ولا يجب على من لا يعلم تحريم الزنا لما روى سعيد بن المسيب قال
ذكر الزنا بالشام، فقال رجل زنيت البارحة، فقالوا ما تقول؟ قال ما علمت أن الله عز وجل حرمه، فكتب - يعنى عمر - إن كان يعلم أن الله حرمة فخذوه وإن لم يكن قد علم فأعلموه فإن عاد فارجموه.
وروى أن جارية سوداء رفعت إلى عمر رضى الله عنه وقيل إنها زنت فخفقها بالدرة خفقات، وقال أي لكاع زنيت؟ فقالت من غوش بدرهمين - تخبر بصاحبها الذى زنى بها ومهرها الذى أعطاها - فقال عمر رضى الله عنه ما ترون؟ وعنده على وعثمان وعبد الرحمن بن عوف، فقال على رضى الله عنه أرى أن
ترجمها، وقال عبد الرحمن أرى مثل ما ر أي أخوك، فقال لعثمان ما تقول؟ قال أراها تستهل بالذى صنعت لا ترى به بأسأ، وإنما حد الله على من علم أمر الله عزوجل، فقال صدقت، فإن زنى رجل بامرأة وادعى أنه لم يعلم بتحريمه فإن كان قد نها فيما بين المسلمين لم يقبل قوله لانا نعلم كذبه، وإن كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَشَأَ فِي بادية بعيدة من المسلمين أو كان مجنونا فأفاق وزنى قبل أن يعلم الاحكام قبل قوله لانه يحتمل ما يدعيه فلم يجب الحد، وإن وطئ المرتهن الجارية المرهونة بإذن الراهن، وادعى أنه جهل تحريمه ففيه وجهان.
(أحدهما) أنه لا يقبل دعواه إلا أن يكون قريب العهد بالاسلام أو نشأ في موضع بعيد من المسلمين كما لا يقبل دعوى الجهل إذا وطئها من غير إذن الراهن (والثانى) أنه يقبل قوله لان معرفة ذلك تحتاج إلى فقه.
(فصل) وإن وجد امرأة في فراشه فظنها أمته أو زوجته فوطئها لم يلزمه الحد لانه يحتمل ما يدعيه من الشبهة.
(فصل)
وإن كان أحد الشريكين في الوطئ صغيرا والآخر بالغا أو أحدهما مستيقظا والاخر نائما، أو أحدهما عاقلا والاخر مجنونا، أو أحدهما عالما
بالتحريم والاخر جاهلا، أو أحدهما مختارا والاخر مستكرها، أو أحدهما مسلما والاخر مستأمنا وجب الحد على من هو من أهل الحد ولم يجب على الاخر، لان أحدهما انفرد بما يوجب الحد وانفرد الاخر بما يسقط الحد فوجب الحد على أحدهما وسقط عن الاخر.
وإن كان أحدهما محصنا والاخر غير محصن وجب على المحصن الرجم وعلى غير المحصن الجلد والتغريب، لان أحدهما انفرد بسبب الرجم والاخر انفرد بسبب الجلد والتغريب، وإن أقر أحدهما بالزنا وأنكر الاخر وجب على المقر الحد لما روى سهل بن سعد الساعدي أن رجلا أقر أنه زنى بامرأة، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليها فجحدت فحد الرجل.
وروى أبو هريرة رضى الله عنه وزيد بن خالد الجهنى إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: على ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها.
فأوجب الحد على الرجل وعلق الرجم على اعتراف المرأة
(فصل)
وإن استأجر امرأة ليزني بها فزنى بها أو تزوج ذات رحم محرم فوطئها وهو يعتقد تحريمها وجب عليه الحد لانه لا تأثير للعقد في إباحة وطئها فكان وجوده كعدمه، وإن ملك ذات رحم محرم ووطئها ففيه قولان
(أحدهما)
أنه يجب عليه الحد لان ملكه لا يبيح وطأها بحال فلم يسقط الحد
(والثانى)
أنه لا يجب عليه الحد، وهو الصحيح لانه وطئ في ملك فلم يجب به الحد كوطئ أمته الحائض، ولانه لا يختلف المذهب أنه يثبت به النسب وتصير الجارية أم ولد له فلم يجب به الحد، فإن وطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره لم يجب عليه الحد.
وقال أبو ثور: إن علم بتحريمها وجب عليه الحد، لان ملك البعض لا يبيح الوطئ فلم يسقط الحد كملك ذات رحم محرم.
وهذا خطأ لانه
اجتمع في الوطئ ما يوجب الحد وما يسقط فغلب الاسقاط، لان مبنى الحد على الدرء والاسقاط، وإن وطئ جارية ابنه لم يجب عليه الحد، لان له فيها شبهة ويلحقه نسب ولدها فلم يلزمه الحد بوطئها (الشرح) حديث (رفع القلم ... ) سبق تخريجه حديث (رفع عن أمتى ... ) أخرجه الطبراني عن ثوبان.
أثر سعيد بن المسيب أخرجه البيهقى في السنن من رواية بكر بن عبد الله عن عمر أنه كتب إليه في رجل قيل له متى عهدك بالنساء فقال البارحة، قبل بمن؟ قال بأم مثواى - يعنى ربة منزلي - فقيل له قد هلكت، قال ما علمت أن الله حرم الزنا، فكتب عمر أن يستحلف ثم يخلى سبيله وقال الحافظ في التلخيص: وروينا في فوائد عبد الوهاب بن عبد الرحيم الجويرى قال: أنا سفيان عن عمر وبن دينار أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: ذكر الزنا بالشام فقال رجل قد زنيت البارحة، فقالوا ما تقول؟ فقال أو حرمه الله؟ ما علمت أن الله حرمه، فكتب إلى عمر فقال: إن كان علم أن الله حرمه فحدوه، وإن لم يكن علم فعلموه فإن عاد فحدوه.
ثم قال وهكذا أخرجه عبد الرزاق حديث سهل أخرجه البيهقى بألفاظ مقاربة وأحمد وأبو داود وفيه عبد السلام
ابن حفص متكلم فيه أثر (أن جارية سوداء) أخرجه البيهقى في السنن الكبرى وأخرج عن سعيد بن المسيب أنه سمع ابن عباس يقول: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ الناس يوم الجمعة أتاه رجل مِنْ بَنِي لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مناه فتخطى الناس حتى اقترب إليه فقال يا رسول الله أقم على الحد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم اجلس فانتهره، فجلس ثم قام الثانية فقال مثل ذلك،
فقال اجلس ثم قام الثالثة فقال مثل ذلك، فقال ما حدك؟ قال أتيت امرأة حراما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجال من أصحابه فيهم على بن أبى طالب وعباس وزيد بن حارثة وعثمان بن عفان رضى الله عنهم انطلقوا به فاجلدوه مائة جلدة، ولم يكن الليثى تزوج، فقيل يا رسول الله ألا نجلد التى خبث بها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ائتونى به مجلودا، فلما أتى به قال له من صاحبتك؟ قال فلانة لامرأة من بنى بكر فدعاها فسألها عن ذلك فقالت كذب والله ما أعرفه وأنى مما قال لبريئه، الله على ما أقول من الشاهدين، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ شهودك أنك خبثت بها فإنها تنكر، فإن كان لك شهداء جلدتها وإلا جلدتك حد الفرية، فقال يا رسول الله ما لى شهداء، فأمر به فجلد حد الفريه ثمانين) وفيه القاسم بن فياض تكلم فيه غير واحد، وقال النسائي هذا حديث منكر حديث أبى هريرة وزيد بن خالد الجهنى سبق تخريجه اللغة.
قوله (فخفقها بالدرة خفقات) أي ضربها ضربا خفيفا، يقال خفقه يخفقه ويخفقه، والمخفقة الدرة التى يخفق بها، وهى آلة عريضة فيها جلود مخفوقة قوله (أي لكاع) اللكع اللئيم والمرأة لكاع ولا يستعمل الا في النداء.
وقال أبو عبيد اللكع عند العرب العبد، وقال الليث يقال امرأة لكاع وملكعانة، ورجل لكع وملكعان ولكيع كل ذلك يوصف به الاحمق قوله (من غوش بدرهمين) هو اسم طائر سمى به الرجل قوله (أراها تستهل) أراها أظنها وكل ما كان أرى بالضم لما لم يسم فاعله فمعناه أظن وكل ما كان مفتوحا فهو الذى من الرأى أو رؤية البصر وتستهل بتخفيف اللام أي تراه سهلا لا بأس به عندها ومن رواه بالتشديد فهو خطأ وان صح فمقتضاه تضحك.
قوله (ومبناه على الدرء والاسقاط) الدرء الدفع ودرأه دفعه وقد ذكر
قوله (والوطئ الذى يجب به الحد..) قلت فيه مسألتان: الاولى: غياب الحشفة في الفرج فإن أحكام الوطئ تتعلق بذلك لا بما دونه وهذا ما لا خلاف فيه: الثانية: ما يجب بالوطئ في الفرج من الحد يجب بالوطئ في الدبر ... ) ففيه خلاف.
قال الكاسانى في البدائع (الوطئ في الدبر في الانثى أو الذكر لا يوجب الحد عند أبى حنيفة، وان كان حراما لعدم الوطئ في القبل فلم يكن زنا.
ثم قال: ولابي حنيفة ما ذكرنا أن اللواطة ليست بزنا لما ذكرنا أن الزنا اسم للوطئ في قبل المرأة، ألا ترى أنه يستقيم أن يقال لاط وما زنا وزنا وما لاط (ويقال فلان لوطى وفلان زانى فكذا يختلفان اسما واختلاف الاسامي دليل اختلاف المعاني، ولهذا اختلف الصحابة في حد هذا الفعل، ولو كان هذا زنا لم يكن لاختلافهم معنى، لان موجب الزنا كان معلوما لهم بالنص فثبت أنه ليس بزنا ولا في معنى الزنا أيضا لما في الزنا من اشتباه الانساب وتضييع الولد ولم يوجد ذلك في هذا الفعل إنما فيه تضييع الماء المهين الذى يباح مثله بالعزل.
والشافعي يوجب الحد وهو الرجم إن كان محصنا والجلد إن كان غير محصن لا لانه زنا بل لانه في معنى الزنا المشاركة الزنا في المعنى المستدعى لوجوب الحد وهو الوطئ الحرام.
وقالت الحنابلة: وشرط وجوب الحد ثلاثة (احدها) تغييب الحشفة في فرج أو دبر لآدمي حى ذكر أو أنثى، واستدلوا بحديث أبى هريرة في حديث الاسلمي الذى رواه أبو داود والدارقطني (فأقبل عليه في الخامسة قال أنكتها؟ قال: نعم، قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر، قال: نعم، وفى آخره فأمر به فرجم، ولو تلوط بغلام لزمه الحد، لحديث أبى موسى مرفوعا
(إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان) وعنه حده الرجم بكل حال، لانه إجماع الصحابة فانهم أجمعوا على قتله وانما اختلفوا في الكيفية.
قال الخطابى في معالم السنن: بعد أن أورد حديثى ابن عباس (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) والثانى (البكر يؤخذ على اللوطية قال يرجم) قلت: وفى كليهما ضعف، بل قال الحافظ في التلخيص عن الاول استنكره النسائي، ورواه ابن ماجه والحاكم وإسناده أضعف من رواية الترمذي وغيره.
وقال ابن الطلاع في أحكامه لَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه رجم في اللواط ولا أنه حكم فيه، وفى الثاني قال لا يصح وقد أخرجه البزار وفيه عاصم متروك.
في هذا الصنع هذه العقوبة العظيمه، وكأن معنى الفقهاء فيه أن الله سبحانه أمطر الحجارة على قوم لوط فقتلهم بها ورتبوا للقتل المأمور به على معاني ما جاء فيه من أحكام الشريعة فقالوا: يقتل بالحجارة رجما ان كان محصنا ويجلد مائة إن كان بكرا ولا يقتل، وإلى هذا ذهب سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ والنخعي والحسن وقتادة وهو أظهر قولى الشافعي.
وحكى ذلك أيضا عن أبى يوسف ومحمد.
وقال الاوزاعي: حكمه حكم الزانى، وقال مالك بن أنس وإسحاق بن راهويه يرجم ان أحصن أو لم يحصن وروى ذلك عن الشعبى، وقال أبو حنيفة يعزر ولا يحد وذلك أن هذا الفعل ليس عندهم بزنا.
وقال بعض اهل الظاهر لا شئ على من فعل هذا الصنيع (قلت) وهذا أبعد الاقاويل عن الصواب دعاها إلى إغراء الفجار به وتهوين ذلك بأعينهم وهو قول مرغوب عنه.
قال الشيخ الفقى في تعليقه: والاظهر والله أعلم هو قتل الفاعل والمفعول به كما هو ظاهر الحديث، لان في هذه الفاحشة القذرة إفسادا أي افساد للفطرة وعكسا للاوضاع: ولذلك جمع الله تعالى لاهلها الفاعلين والمفعول بهم عقوبتين عظيمتين الخسف والحصب بحجارة من سجيل (قلت) ردا عليه، أما الفعله فأوافقه على ما قاله فيها بل ثبت فيها اللعن والخسف لقوم لوط، أما الحد استنادا إلى حديث لم يصح سنده فهذا تشريع حكم لم يأذن به الله ولا فعله رسوله وحكم بغير ما أنزل الله، وللحاكم أن يختار ما يشاء من التعذيب لهؤلاء الفسقة حتى يردعهم
وقد أخرج أبو داود الطيالسي في مسنده والبيهقي عن على أنه رجم لوطيا، قال الشافعي وبهذا نأخذ محصنا كان أو غير محصن، وأخرج البيهقى عن أبى بكر أنه جمع الناس في حق رجل ينكح كما تنكح النساء فَسَأَلَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك فكان أشدهم يومئذ قولا على بن أبى طالب قال: هذا ذنب لم تعص به أمة من الامم إلا أمة واحدة صنع الله بها ما قد علمتم نرى أن تحرقه بالنار فاجتمع أصحاب النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ يحرقه بالنار فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد يأمره أن يحرقه بالنار، وفى إسناده إرسال.
وروى من وجه آخر عن على في غير هذه القصة قال يرجم ويحرق بالنار، وأخرج البيهقى عن ابن عباس أنه سئل عن حد اللوطى فقال ينظر أعلى بناء في القرية فيرمى به منكسا ثم يتبع بالحجارة، وقد اختلف أهل العلم في عقوبة الفاعل للواط والمفعول به بعد اتفاقهم على تحريمه وأنه من الكبائر.
قوله (ولا يجب على الصبى ... ) فهذا مما لا خلاف فيه.
قوله (ولا يجب على المرأة إذا أكرهت ... ) قال الكاسانى في البدائع (وكذلك الوطئ عن اكراه لا يوجب الحد)
قلت: أما الرجل فلا اكراه عليه، لان الوطئ لا يكون إلا بالانتشار الحادث عن الشهوة.
قوله (وإن كان أحد الشريكين ... ) وقال الشوكاني: استدل بحديث سهل بن سعد مالك والشافعي فقالا يحد من أقر بالزنا بامرأة معينة للزنا لا للقذف، وقال الاوزاعي وأبو حنيفة يحد للقذف فقط قال: لان إنكارها شبهة وأجيب بأنه لا يبطل اقراره، وذهبت الهادوية ومحمد، وروى عن الشافعي إلى أنه يحد للزنا وللقذف، واستدلوا بحديث ابن عباس الذى ذكرناه (قلت السابق تخريجه) وهذا هو الظاهر لوجهين، الاول أن غاية ما في حديث سهل أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يحد ذلك الرجل للقذف وذلك لا ينتهض للاستدلال به على السقوط لاحتمال أن يكون ذلك لعدم الطلب من المرأة أو لوجود مسقط بخلاف حديث ابن عباس فان فيه أنه أقام الحد عليه
والوجه الثاني أن ظاهر أدلة القذف العموم فلا يخرج من ذلك إلا ما خرج بدليل وقد صدق على من كان كذلك أنه قاذف قوله (وإن استأجر امرأة.
) روى محمد بن حزم بسنده أن امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب فقالت يا أمير المؤمنين أقبلت أسوق غنما لى فلقينى رجل فحفن لى حفنة من تمر ثم حفن لى حفنة من تمر ثم حفن لى حفة من تمر ثم أصابني، فقال عمر ما قلت؟ فأعادت، فقال عمر ويشير بيده مهر مهر مهر ثم تركها.
وبه إلى عبد الرزاق أن امرأة أصابها الجوع فأتت راعيا فسألته الطعام فأبى عليها حتى تعطيه نفسها، قالت فحثى لى ثلاث حثيات من تمر وذكرت أنها كانت جهدت من الجوع، فأخبرت عمر فكبر وقال مهر مهر مهر ودرأ عنها الحد وقال أبو محمد (ذهب إلى هذا أبو حنيفة ولم ير الزنا إلا ما كان عن مطارفة
وأما ما كان عن عطاء أو استئجار فليس زنا ولا حد فيه.
وقال أبو يوسف ومحمد وأبو ثور وأصحابنا وسائر الناس هو زنا كله وفيه الحد وأما المالكيون والشافعيون فعهدنا بهم يشنعون خلاف الصاحب الذى لا يعرف له مخالف من الصحابة إذا وافق تقليدهم، وهم قد خالفوا عمر، ولا يعرف له مخالف من الصحابة بل هم يعدون مثل هذا إجماعا، ويستدلون على ذلك بسكوت من بالحضرة من الصحابة عن النكير لذلك.
وأما الحنفيون المقلدون لابي حنيفة في هذا فمن عجائب الدنيا التى لا يكاد يوجد لها نظير أن يقلدوا عمر في إسقاط الحد ههنا بثلاث حشيات من تمر مهر، وقد خالفوا هذه القضية بعينها فلم يجيزوا النكاح الصحيح مثل هذا وأضعافه مهرا بل متعوا من أقل من عشرة دراهم في ذلك، فهذا هو الاستخفاف حقا والاخذ بما اشتهوا من قول الصاحب حيث اشتهوا وترك ما اشتهوا، فما هذا دينا وأف لهذا عملا، ثم قال: وعلى هذا لا يشاء زان ولا زانية أن يزنيا علانية إلا فعلا وهما في أمن من الحد بأن يعطيها درهما يستأجرها به الزنا ثم قال: وحد الزنا واجب على المستأجر والمستأجرة بل جرمهما أعظم من جرم الزانى والزانية بغير استئجار لان المستأجر والمستأجرة زادا على سائر الزنا حراما آخر، وهو أكل المال بالباطل، وأما المخدمة فروى ابن الماجشون
صاحب مالك أن المخدمة سنين كثيرة لا حد على المخدم إذا وطئها، وهذا قول فاسد، ومع فساده ساقط.
أما فساده فإسقاطه الحد الذى أوجبه الله تعالى في الزنا، وأما سقوطه فتفريقه بين المخدمة مدة طويلة والمخدمة مدة قصيرة ويكلف تحديد تلك المدة المسقطة للحد التى يسقط فهيا الحد، فإن حد مدة كان متزايدا من القول بالباطل بلا برهان، وإن لم يحد شيئا كان محرما موجبا شارعا مالا يدرى
فيما لا يدرى، وهذه تخاليط نعوذ بالله منها.
والحد كامل واجب على المخدم والمخدمة ولو أخدمها عمر نوح في قومه لانه زنا وعمر من ليست له فراشا.
ثم قال من زنى بامرأة ثم تزوجها لم يسقط الحد بذلك، لان الله تعالى قد أوجبه عليه فلا يسقطه زواجه إياها، وكذلك إذا زنى بأمة ثم اشتراها، وهو قول جمهور العلماء وقال أبو حنيفة لا حد عليه في كلتا المسألتين، وهذه من تلك الطوام.
قال الشوكاني بعد أن أورد حديث البراء (لقيت خالي ومعه الراية فقلت أبن تريد، قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى رجل تزوج امرأة أبيه من بعد أن أضرب عنقه وآخذ ماله، رواه الخمسة ولم يذكر ابن ماجه والترمذي أخذ المال.
وأخرج أبو داود عن البراء بينما أطوف على إبل لى ضلت إذ أقبل ركب أو فوارس معهم لواء، فجعل الاعراب يطيفون بى لمزلتى من النبي صلى الله عليه وسلم إذ اتوا قبة فاستخرجوا منها رجلا فضربوا عنقة، فسألت عنه فذكروا أنه أعرس بامرأة أبيه) ثم أورد الاختلافات في الروايات، ثم قال وللحديث أسانيد كثيرة منها ما رجاله رجال الصحيح، والحديث فيه دليل على أنه يجوز للامام أن يأمر بقتل من خالف قطعيا من قطعيات الشريعة، ثم قال ولكنه لابد من حمل الحديث على أن ذلك الرجل الذى أمر صلى الله عليه وسلم بقتله عالم بالتحريم وفعله مستحلا وذلك من موجبات الكفر والمرتد يقتل، وفيه أيضا متمسك لقول مالك أنه يجوز التعزير بالقتل، وفيه دليل أيضا على أنه يجوز أخذ مال من ارتكب معصية مستحلا لها بعد إراقة دمه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) واللواط محرم لقوله عز وجل (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها أحد من العالمين) فسماه فاحشة، وقد قال عز وجل (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن) ولان الله عز وجل عذب بها قوم لوط بما لم يعذب به أحدا، فدل على تحريمه، ومن فعل ذلك وهو ممن يجب عليه حد الزنا وجب عليه الحد، وفى حده قولان (أحدهما) وهو المشهور من مذهبه أنه يجب فيه ما يجب في الزنا، فإن كان غير محصن وجب عليه الجلد والتغريب، وإن كان محصنا وجب عليه الرجم، لما روى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان، ولانه حد يجب بالوطئ فاختلف فيه البكر والثيب كحد الزنا والقول الثاني أن يجب قتل الفاعل والمفعول به لما روى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) ولان تحريمه أغلظ فكان حده أغلظ، وكيف يقتل؟ فيه وجهان (أحدهما) أنه يقتل بالسيف لانه أطلق القتل في الخبر فانصرف إطلاقه إلى القتل بالسيف.
(والثانى)
أنه يرجم لانه قتل يجب بالوطئ فكان بالرجم كقتل الزنا (الشرح) حديث أبى موسى الاشعري في إسناده محمد بن عبد الرحمن كذبه أبو حاتم.
وقال البيهقى لا أعرفه، والحديث منكر بهذا الاسناد، وأخرجه اليبهقى في السنن الكبرى.
حديث ابن عباس أخرجه الخمسة الا النسائي والحاكم والبيهقي، وقال الحافظ رجاله موثقون الا أن فيه اختلافا، وقال الترمذي إنما يعرف هذا الحديث عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ هذا الوجه
وروى محمد بن اسحاق هذا الحديث عن عمرو بن أبى عمرو فقال (ملعون
من عمل عمل قوم لوط.
ولم يذكر القتل) وقال يحيى بن معين: عمرو بن أبى عمرو مولى المطلب ثقة ينكر عليه حديث عكرمة عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (اقتلوا الفاعل والمفعول به) قال الشوكاني ويجاب عن ذلك بأنه قد احتج الشيخان به، وروى عنه مالك في الموطأ وقد استنكر النسائي هذا الحديث وقد سبق الكلام في هذا الموضوع
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ومن حرمت مباشرته في الفرج بحكم الزنا أو اللواط حرمت مباشرته فيما دون الفرج بشهوة، والدليل عليه قوله عز وجل (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لا يخلون أحدكم بامرأة ليست له بمحرم فإن ثالثهما الشيطان، فإذا حرمت الخلوة بها، فلان تحرم المباشرة أولى لانها أدعى إلى الحرام، فإن فعل ذلك لم يجب عليه الحد ما رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ (إنِّي أخذت امرأة في البستان وأصبت منها كل شئ غير أنى لم أنكحها فاعمل بى ما شئت، فقرأ عليه أقم الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحسنات يذهبن السيئات.
ويعزر عليه لانه معصية ليس فيها حد ولا كفارة فشرع فيها التعزير.
(فصل)
ويحرم إتيان المرأة المرأة لما روى أبو موسى الاشعري إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان) ويجب فيه التعزير دون الحد لانها مباشرة من غير ايلاج فوجب بها التعزير دون الحد كمباشرة الرجل المرأة فيما دون الفرج.
(الشرح) حديث (لا يخلون رجل بامرأة.
) رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس (لَا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ إلَّا مَعَ ذِي محرم) وروى الطبراني عنه (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يخلون بامرأة ليس بينه وبينها محرم)
وروى عن أبى أمامة (اياك والخلوة بالنساء، والذى نفسي بيده ما خلا رجل بامرأة الا ودخل الشيطان بينهما، ولان يزحم رجل خنزيرا متلطخا بطين أو حمأة خير له من أن يزحم منكبه منكب امرأة لا تحل له) حديث غريب وأخرج الخطيب في تاريخ بغداد عن عمر بن الخطاب (لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ، ومن سائته سيئتة وسرته حسنته فذاكم مؤمن) حديث أبى موسى سبق تخريجه اللغة.
قوله (وزلفا من الليل) الزلفة الطائفة من الليل، وجمعها زلف وزلفات وما ذكره المصنف لا خلاف فيه
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويحرم اتيان البهيمة لقوله عز وجل (والذين هم لفروجهم حافظون الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) فإن أتى البهيمة وهو ممن يجب عليه حد الزنا ففيه ثلاثة أقوال (أحدها) أنه يجب عليه القتل لما روى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال (من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه) وكيف يقتل؟ على الوجهين في اللواط.
والقول الثاني أنه كالزنا، فإن كان غير محصن جلد وغرب، وان كان محصنا رجم، لانه حد يجب بالوطئ فاختلف فيه البكر والثيب كحد الزنا والقول الثالث أنه يجب فيه التعزير، لان الحد يجب للردع عما يشتهى وتميل
النفس إليه، ولهذا وجب في شرب الخمر ولم يجب في شرب البول وفرج البهيمة لا يشتهى فلم يجب فيه الحد.
وأما البهيمة فقد اختلف أصحابنا فيها، فمنهم من قال يجب قتلها لحديث ابن عباس وأبى هريرة، ولانها ربما أتت بولد مشوه الخلق، ولانها إذا بقيت كثر تعبير الفاعل بها.
ومنهم من قال لا يجب قتلها، لان البهيمة لا تذبح لغير مأكلة، وحديث
ابن عباس يرويه عمرو بن عمرو وهو ضعيف، وحديث أبى هريره يرويه على بن مسهر، وقال أحمد رحمه الله: إن كان روى هذا الحديث غير على وإلا فليس بشئ ومنهم من قال إن كانت البهيمة مما تؤكل ذبحت، وإن كانت مما لا تؤكل لم تذبح، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ذبح الحيوان لغير مأكلة، فإن قلنا إنه يجب قتلها وهى مما يؤكل ففى أكلها وجهان (أحدهما) أنه يحرم لان ما أمر بقتله لم يؤكل كالسبع (والثانى) أنه يحل أكلها لأنه حيوان مأكول ذبحه من هو من أهل الذكاة وإن كانت البهيمة لغيره وجب عليه ضمانها إن كانت مما لا تؤكل وضمان ما نقص بالذبح إذا قلنا إنها تؤكل لانه هو السبب في إتلافها وذبحها.
(فصل) وإن وطئ امرأة ميتة وهو من أهل الحد ففيه وجهان (أحدهما) أنه يجب عليه الحد لانه إيلاج في فرج محرم ولا شبهة له فيه فأشه إذا كانت حية (والثانى) أنه لا يجب لانه لا يقصد فلا يجب فيه الحد (الشرح) حديث ابن عباس (من أتى بهيمة ... ) أخرجه أبو يعلى، وقال في اسناده كلام، ورواه ابن عدى عن أبى يعلى، ثم قال، قال لنا أبو يعلى: بلغنا أن عبد الغفار رجع عنه، وقال ابن عدى انهم كانوا لقنوه حديث أبى هريرة (من وقع على بهيمة..) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن أبى عمرو وسبق الكلام عليه حديث نهى النبي عن ذبح الحيوان الا لاكله) أبو داود في المراسيل وفى الموطأ وروى البيهقى عن ابن عباس: من وجدتموه وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة معه، فقيل لابن عباس ما شأن البهيمة؟ فقال مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك شيئا، ولكن أَرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كره أن يؤكل من لحمها أو ينتفع بها بعد ذلك العمل قال الشوكاني: وقد روى سفيان الثوري عن عاصم عن أبى رزين عن ابن عباس أنه قال (من أتى بهيمة فلا حد عليه)
حدثنا بذلك محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدى حدثنا سفيان، وهذا أصح من حديث ابن عباس اللغة قوله (مشوه الخلق) أي قبيح الخلق، ومنه الحديث شاهت الوجوه قبحت.
وشوهه الله فهو مشوه، قال الشاعر يصف فرسا: فهى شوهاء كالجوالق فوها مستجاف يضل فيه لشكيم قال الشوكاني اختلف أهل العلم فيمن وقع على بهيمة، فأخرج البيهقى عن جابر بن زيد أنه قال من أتى بهيمة أقيم عليه الحد وأخرج أيضا عن الحسن أنه قال ان كان محصنا رجم.
وروى عن الحسن البصري أنه قال هو بمنزلة الزانى، قال الحاكم أرى أن يجلد ولا يبلغ به الحد، وهو مجمع على تحريم اتيان البهيمة، كما حكى ذلك صاحب البحر، وقد ذهب إلى أنه يوجب الحد كالزنا الشافعي في قول له والهادوية وأبو يوسف، وذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي في قول له
والمرتضى والمؤيد بالله والناصر والامام يحيى إلى أنه يوجب التعزير فقط، إذ ليس بزنا، ورد بأنه فرج محرم شرعا مشتهى طبعا فأوجد الحد كالقبل، وذهب الشافعي في قول له إلى أنه يقتل أخذا بحديث الباب وقد ذهب إلى تحريم لحم البهيمة المفعول بها والى أنها تذبح على عليه السلام والشافعي في قول، وذهبت القاسمية والشافعي في قول له وأبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يكره أكلها تنزيها فقط، قال في البحر انها تذبح البهيمة، ولو كانت غير مأكولة لئلا تأتى بولد مشوه، كما روى أن راعيا أتى بهيمة فأتت بولد مشوه اه (قلت) أما الاتيان بولد مشوه من بهيمة فهذا يعتبر من الفروض الغير معقولة التى أوردها هؤلاء في وقت الفراغ الذهنى
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويحرم الاستمناء لقوله عز وجل (والذين هم لفروجهم حافظون الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) ولانها مباشرة تفضى إلى قطع النسل فحرم كاللواط.
فإن فعل عزر ولم يحد، لانها مباشرة محرمة من غير ايلاج فأشبهت مباشرة الاجنبية فيما دون الفرج وبالله التوفيق
(الشرح) قال الكاسانى في البدائع: وكذا وطئ المرأة الميتة لا يوجب الحد ويوجب التعزير لعدم وطئ المرأة الحية.
وقالت الحنابلة وإن زنى بميته فروايتان وأطلقهما في الهداية، والمذهب ومسبوك الذهب، والمستوعب، والخلاصة، والمغنى، والكافي، والمقنع، والمحرر، والشرح، والحاوى الصغير، وغيرهما، وحكاهما في الكافي وغيره وجهين.
(أحدهما)
لا حد عليه وهو الصحيح من المذهب اختاره ابن عبدوس في تذكرته وصححه في التصحيح، وجزم به في الوجيز والآدمي ومنوره وغيرهما.
(والوجه الثاني) يجب عليه الحد اختاره أبو بكر والناظم وقدمه في الرعايتين قوله (ويحرم الاستمناء..) قالت الحنابلة ومن استمنى بيده بلا حاجة عزر وعنه يكره ذلك نقل ابن منصور لا يعجبنى بلا ضرورة.
قال مجاهد كانوا يأمرون فتيانهم أن يستعفوا به، وقال العلاء بن زياد كانوا يفعلونه في مغازيهم وعنه يحرم مطلقا.
وقال ابن عقيل إن كان غنيا بوجود طول زوجة أو أمة أو حرة لم يجز له الاستمناء، وأصحابنا وشيخنا لم يطلقوا التحريم ولم يذكروا سوى الكراهة قال وإن كان غير قادر على طول امرأة لكنه لا شهوة له تحمل على الزنا ولا يخاف غلبان اللذة حرم عليه أيضا للخبر، فان كان متردد الحال به للفتور والشهوة وليس له ما يتزوج به لم يحرم، لان حاله دون القادر ودون حال المتغلب للشهوة وإن كان متغلب الشهوة خائفا من العنت للضيق والشهوة ولا جدة له على النكاح جاز له ذلك، قال في الفصول وإن استمنى وصور في نفسه شخصا أو دعا باسمه فان كانت زوجته أو أمته وكان غائبا عنها فلا بأس وإن كان الشخص الذى يتصوره أو نادى أجنبية أو غلاما كره ذلك.
وقال في المفردات: الاستمناء أحب إلى من نكاح الامة، وقال إذا قور بطيخة أو سوى عجينة أو أديما أو كدة في صنم فاستمنى به كان على ما قدمنا س التفصيل، قال أبو العباس وهذا ليس بجيد، ولو خرجه على الآلة الذى تستمنى به
المرأة لكان أقرب، مع أن الرجل أغنى عن الآلة منها وقال ابن مفلح في الفروع: والمرأة كرجل فتستعمل شيئا مثل الذكر، ويحتمل المنع وعدم القياس.
ذكره ابن عقيل وفى هامش مخطوطة الازهر حاشية: قال القاضى في ضمن المسألة لما ذكر
المرأة قال بعض أصحابنا لا بأس به إذا قصد به طفى الشهورة والتعفف عن الزنا، قال والصحيح عندي أنه لا يباح والله أعلم قال ابن العربي في أحكام القرآن، قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حرملة بن عبد العزيز قال سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة فتلا هذه (والذين هم لفروجهم حافظون ... هم العادون) وهذا لانهم يكنون عن الذكر بعميرة، وفيه يقول الشاعر: إذا حللت بواد لا أنيس به فاجلد عميرة لا داء ولا حرج ويسميه أهل العراق الاستمناء، وهو استفعال من المنى، وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة، أصله الفصد والحجامة.
وعامة العلماء على تحريمه وهو الحق الذى لا ينبغى أن يدان الله إلا به.
وقال بعض العلماء إنه كالفاعل بنفسه وهى معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل، ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها.
فإن قبل فقد قيل إنها خير من نكاح الامة، قلنا نكاح الامة ولو كانت كافرة على مذهب العلماء خير من هذا، وإن كان قد قال به قائل، ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل عار بالرجل الدنئ فكيف بالرجل الكبير (وهذا نص ما نقله القرطبى ولم يشر إلى مصدره) وقال الخازن في تفسير (فمن ابتغى وراه ذلك ... ) فيه دليل على أن الاستمناء باليد حرام، وهو قول أكثر العلماء.
سئل عطاء فقال مكروه، سمعت أن قوما يحشرون وأيديهم حبالى فأظن أنهم هؤلاء وقال سعيد بن جبير عذب الله أمة كانوا يعبثون بمذاكيرهم.
وقال ابن كثير في تفسير الآية، وقد استدل الامام الشافعي رحمه الله ومن وافقه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية الكريمة (والذين هم لفروجهم
حافظون..أيمانهم) قال فهذا الصنيع خارج عن هذين القسمين، وقد قال الله تعالى (فمن ابتغى ... ) وقد استأنسوا بحديث رواه الامام الحسن بن عرفة في جزئه المشهور حيث روى بعنعنته إلى أنس بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم ولا يجمعهم مع العاملين ويدخلهم النار أول الداخلين الا أن يتوبوا، ومن تاب تاب الله عليه، الناكح يده والفاعل والمفعول به، ومن شرب الخمر والضارب والديه حتى يستخيثا، والمؤذى جيرانه حتى يلعنوه والناكح حليلة جاره، وقال ابن كثير حديث غريب واسناده فيه من لا يعرف لجهالته.
وقال ابن حزم في مراتب الاجماع (واختلفوا في الاستمناء أحرام هو أم مكروه أم مباح؟) (قلت) ولو كان الامر لى لافضت كثيرا في هذا الموضوع الذى أصبح بهم كثيرا من شبابنا في هذه الايام إلى تأخر فيها سن الزواج لطول مدة التعليم، ولكن الامر لله ومراعاة لطلب الناشر لذكرت ما قاله أهل الظاهر وما رووه عن الصحابة وبعض التابعين حينما سئلوا (انما هو عضوك تدلكه) ونشرت مجلة الدكتور بحثا عن الاستمناء قررت أن الافراط فيه مضر
قال المصنف رحمه الله تعالى
باب اقامة الحد لا يقيم الحدود على الاحرار الا الامام أو من فوض إليه الامام لانه لم يقم حد على حر عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم الا بإذنه ولا في أيام الخلفاء الا بإذنهم، ولانه حق لله تعالى يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن في استيفائه الحيف فلم يجز بغير اذن الامام، ولا يلزم الامام أن يحضر اقامة الحد ولا أن يبتدئ بالرجم، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ برجم جماعة ولم ينقل أنه حضر بنفسه ولا أنه رماهم بنفسه، فإن ثبت الحد على عبد بإقراره، ومولاه حر مكلف عدل فله أن يجلده في الزنا والقذف والشرب، لما روى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّ النَّبِيَّ
صلى الله عليه وسلم قال: اقيموا الحدوه على ما ملكت أيمانكم.
وقال عبد الرحمن ابن أبى ليلى: ادركت بقايا الانصار وهم يضربون الوليدة من ولائدهم في مجالسهم إذا زنت، وهل له أن يغربه؟ فيه وجهان
(أحدهما)
أنه لا يغرب الا الامام لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إذا زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إذا زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر، فأمر بالجلد دون النفى
(والثانى)
وهو المذهب أن له أن يغرب لحديث على كرم الله وجهه، ولان ابن عمر جلد أمة له زنت ونفاها إلى فدك، ولان من ملك الجلد ملك النفى كالامام، وان ثبت عليه الحد بالبينه ففيه وجهان
(أحدهما)
أنه يجوز أن يقيم عليه الحد، وهو المذهب، لانا قد جعلناه في حقه كالامام، وكذلك في اقامة الحد عليه بالبينة
(والثانى)
أنه لا يجوز لانه يحتاج إلى تزكية الشهود، وذلك إلى الحاكم، فعلى هذا إذا ثبت عند الحاكم بالبينة جاز للسيد أن يقيم الحد من غير اذنه، وهل له أن يقطعه في السرقة؟ فيه وجهان.
أحدهما أنه لا يملك، لانه لا يملك من جنس القطع ويملك من جنس الجلد وهو التعزير.
والثانى أنه يملك وهو المنصوص في البويطى لحديث على كرم الله وجهه، ولان ابن عمر قطع عبدا له سرق، وقطعت عائشة رضى الله عنها أمة لها سرقت، ولانه حد فملك السيد
اقامته على مملوكه كالجلد، وله أن يقتله بالردة على قول من ملك اقامة الحد على العبد، وعلى قول من منع من القطع يجب أن لا يجوز له القتل، والصحيح أن له أن يقتله، لان حفصة رضى الله عنها قتلت أمة لها سحرتها، والقتل بالسحر لا يكون الا في كفر، ولانه حد فملك المولى اقامته على المملوك كسائر الحدود وان كان المولى فاسقا ففيه وجهان.
(أحدهما) أنه يملك اقامة الحد لانه ولاية تثبت بالملك فلم يمنع الفسق منها كنرويج الامة.
(والثانى)
أنه لا يملكه لانه ولاية في إقامة الحد فمنع الفسق منها كولاية الحاكم، وإن كانت امرأة فالمذهب أنه يجوز لها إقامة الحد، لان الشافعي استدل بأن فاطمة عليها السلام جلدت أمة لها زنت.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يجوز لها لانها ولاية على الغير فلا تملكها المرأة كولاية التزويج، فعلى هذا فيمن يقيم وجهان
(أحدهما)
أنه يقيمه وليها في النكاح قياسا على تزويج أمتها
(والثانى)
أنه يقيمه عليها الامام لان الاصل في إقامة الحد هو الامام، فإذا سقطت ولاية المولى ثبت الاصل، وإن كان للمولى مكاتب ففيه وجهان ذكرناهما في الكتابة.
(الشرح) حديث (أقيموا الحدود ... ) عن على قال: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأمة فجرت فقال أقم عليها الحد فانطلقت فوجدتها لم تجف من دمائها، فرجعت فقال أفرغت؟ فقلت وجدتها ولم تجف من دمائها، قال فإذا جفت من دمائها فأقم عليها الحد، قال، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقيموا الحد على ما ملكت أيمانكم، أخرجه البيهقى ومن طريق آخر (عن على قال: ولدت أمة لبعض أزواج النبي صلى الله عليه
وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أقم عليها الحد فذكر نحوه ومن طريق آخر قال: خطبنا على رضى الله عنه فقال أيها الناس أيما عبد وأمة فجرا فأقيموا عليهما الحد وإن زنيا اجلدوهما الحد ... ثم ذكر باقى الحديث الاول في أن دمها لم يجف بعد.
وأخرج مسلم قال خطب على فقال يا أيها الناس أقيموا الحدود على أرقاتكم من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها فإذا هي حديثة عهد بالنفاس..وذكر ما سبق حديث أبى هريره (إذا زنت أمة أحدكم ... ) أخرجه مسلم والبخاري عن أبى هريرة وزيد بن خالد الجهنى وأحمد وأبو داود، وذكر فيها الرابعة الحد والبيع) أثر فاطمة رضى الله عنها (أن فاطمة جلدت أمة لها زنت) أخرجه البيهقى في
السنن الكبرى أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حدت جارية لها زنت وأخرج أن أنس بن مالك كان إذا زنى مملوكه أمر بعض بنيه فأقام عليه الحد.
وروى عن عبد الله بن عمر أنه حد جارية له زنت.
وروى عن سعيد بن جبير يقول إذا زنت الامة لم تجلد الحد ما لم تزوج، فسألت عبد الرحمن بن أبى ليلى فقال أدركت بقايا الانصار وهم يضربون الوليدة من ولائدهم في مجالسهم إذا زنت وروى البيهقى عن أبى الزناد عن أبيه عن الفقهاء الذين ينتهى إلى قولهم من أهل المدينة كانوا يقولون لا ينبغى لاحد أن يقيم شيئا من الحدود دون السلطان إلا إن للرجل أن يقيم حد الزنا على عبده وأمته اللغة.
قوله (يضربون الوليدة من ولائدهم) الوليدة الامة وجمعها ولائد قيل سميت بذلك لانها تربى تربية الاولاد وتعلم الاداب قوله (ولا يثرب عليها) التثريب التعبير والاسنقصاء في اللوم، قال الله
تعالى (لا تثريب عليكم) أي لا توبيخ عليكم ولا تعداد لذنوبكم (ولا يثرب عليها) بمثناة تحتية مضمومة ومثلثة مفتوحة ثم راء مشددة وبعدها موحدة وهو التعنيف قوله (لا يقيم الحدود..) فهذا كما قلنا سابقا لا خلاف فيه قوله (فإن ثبت الحد على عبد ... ) قال الشوكاني أن المراد بالتبين أن يعلم السيد بذلك، وإن لم يقع إقرار ولا قامت شهادة، واليه ذهب بعضهم، وحكى في البحر الاجماع على أنه يعتبر شهادة أربعة في العبد كالحر، والامة حكمها حكمه وقد ذهب الاكثر إلى أن الشهادة تكون إلى الامام أو الحاكم.
وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنها تكون عند السيد، ثم قال وفى الرابعة الحد والبيع نص في محل النزاع، وبها يرد على النووي حيث قال إنه لما لم يحصل المقصود من الزجر عدل إلى الاخراج عن الملك دون الجلد مستدلا على ذلك بقوله فليبعها، وكذا وافقه ابن دقيق العبد وهو مردود.
وأما الحافظ في الفتح فقال الارجح انه يجلدها قبل البيع ثم يبيعها، وصرح بأن السكوت عن الجلد للعلم به، ولا يخفى أنه لم يسكت عن ذلك، وظاهر الامر
بالبيع أنه واجب، وذهب الجمهور إلى أنه مستحب فقط، وزعم بعض الشافعية أن الامر بالبيع منسوخ كما حكاه ابن الرفعة في المطلب ولا أعرف له ناسخاء فإن كان هو النهى عن إضاعة المال كما زعم بعضهم، فيجاب عنه أولا بأن الاضاعة إنما تكون إذا لم يكن شئ في مقابل المبيع، والمأمور به ها هنا هو البيع لا الاضاعة وذكر الحبل من الشعر للمبالغة، ولو سلم عدم إرادة المبالغة لما كان في البيع بحبل من شعر إضاعة وإلا لزم أن يكون بيع الشئ الكثير بالحقير إضاعة وهو ممنوع.
وقد ذهب داود وأهل الظاهر إلى أن البيع واجب لان ترك مخالطة الفسقة ومفارقتهم واجبان، وبيع الكثير بالحقير جايز إذا كان البائع عالما به بالاجماع.
قال ابن بطال حمل الفقهاء الامر بالبيع على الحض على مباعدة من تكرر منه الزنا لئلا يظن بالسيد الرضا بذلك ولما في ذلك من الوسيلة إلى تكثير أولاد الزنا، قال وحمله بعضهم على الوجوب ولا سلف له في الامة فلا يشتغل به.
اه وظاهره أنه أجمع السلف على عدم وجوب البيع، فإن صح ذلك كان هو القرينة الصارفة للامر عن الوجوب وإلا كان الحق ما قاله أهل الظاهر، والاحاديث دالة على أن السيد يقيم الحد على مملوكه، وإلى ذلك ذهب جماعة من السلف والشافعي.
وذهبت العترة إلى أن حد المماليك إلى الامام إن كان ثم إمام وإلا كان إلى سيده وذهب مالك إلى أن الامة إن كانت مزوجة كان أمر حدها إلى الامام، إلا أن يكون زوجها عبدا لسيدها فأمر حدها إلى السيد، واستثنى مالك أيضا القطع في السرقة، وهو وجه للشافعية، وفى وجه لهم آخر يستثنى حد الشرب.
وروى عن الثوري والاوزاعي أنه لا يقيم السيد الا حد الزنا وذهبت الحنفية إلى أنه لا يقيم الحدود على المماليك الا الامام مطلقا، الا أن الاحاديث التى ذكرت سابقا أنه يحد المملوك سيده من غير فرق بين أن يكون الامام موجودا أو معدوما، وبين أن يكون السيد صالحا لاقامة الحد أم لا وقال ابن حزم: يقيمه السيد الا إذا كان كافرا، وروى قول ابن أبى ليلى
المذكور سابقا.
وروى الشافعي عن ابن عباس أنه قطع يد عبده، وجلد عبدا له زنى.
وأخرج مالك عن عائشة أنها قطعت يد عبد لها، وأخرج أيضا أن حفصة
قتلت جارية لها سحرتها، وقد احتج من قال أنه لا يقيم الحدود مطلقا إلا الامام بما رواه الطحاوي عن مسلم بن يسار أنه قال: كان رجل من الصحابة يقول الزكاة والحدود والفئ والجمعة إلى السلطان.
وقال الطحاوي لا نعلم له مخالفا من الصحابة وتعقبه ابن حزم بأنه خالفه اثنى عشر صحابيا، والاحاديث تدل على أن الامة والعبد يجلدان سواء كانا محصنين أم لا.
وقد اختلف أهل العلم في المملوك إذا كان محصنا هل يرجم أم لا، فذهب الاكثر إلى الثاني، وذهب الزهري والثوري إلى الاول، واحتج الاولون بأن الرجم لا يتنصف، واحتج الآخرون بعموم الادلة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) والمستحب أن يحضر اقامة الحد جماعة لقوله عز وجل (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) والمستحب أن يكونوا أربعة، لان الحد يثبت بشهادتهم، فإن كان الحد هو الجلد وكان صحيحا قويا والزمان معتدل أقام الحد ولا يجوز تأخيره، فإن الفرض لا يجوز تأخيره من غير عذر ولا يجرد ولا يمد لما روى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ليس في هذه الامة مد ولا تجريد ولا غل ولا صفد ويفرق الضرب على الاعضاء ويتوقى الوجه والمواضع المخوفة لما روى هنيدة بن خالد الكندى أنه شهد عليا كرم الله وجهه أقام على رجل حدا وقال للجلاد اضربه واعط كل عضو منه حقه واتق وجهه ومذاكيره وعن عمر أنه أتى بجارية قد فجرت فقال اذهبا بها واضرباها ولا تخرقا لها جلدا، ولان القصد الردع دون القتل، وان كان الحر شديدا أو البرد شديدا أو كان مريضا مرضا يرجى برؤه، أو كان مقطوعا أو أقيم عليه حد آخر ترك إلى أن يعتدل الزمان ويبرأ من المرض أو القطع ويسكن ألم الحد، لانه إذا أقيم عليه الحد في هذه الاحوال أعان على قتله.
وإن كان نضو الخلق لا يطيق الضرب أو مريضا لا يرجى برؤه جمع مائة شمراخ فضرت به دفعة واحدة، لما روى سهل بن حنيف أنه أخبره بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الانصار أنه اشتكى رجل منهم حتى أضى، فدخلت عليه جارية لبعضهم فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال من قومه يعودنه ذكر لهم ذلك وقال استفتوا لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا ما رأينا بأحد من الضر مثل الذى هو به لو حملناه اليك يا رسول الله لتفسخت عظامه، ما هو الا جلد على عظم، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يأخذوا مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة، ولانه لا يمكن ضربه بالسوط لانه يتلف به ولا يمكن تركه لانه يؤدى إلى تعطيل الحد قال الشافعي رحمه الله ولانه إذا كانت الصلاة تختلف باختلاف حاله فالحد بذلك أولى، وإن وجب الحد على امرأة حامل لم يقم عليها الحد حتى تضع، وقد بيناه في القصاص.
(فصل)
وإن أقيم الحد في الحال التى لا تجوز فيها إقامته فهلك منه لم يضمن لان الحق قتله، وإن أقيم في الحال التى لا يجوز إقامته، فإن كانت حاملا فتلف منه الجنين وجب الضمان، لانه مضمون فلا يسقط ضمانه بجناية غيره، وإن تلف المحدود فقد قال إذا أقيم الحد في شدة حر أو برد فهلك لا ضمان عليه.
وقال في الام إذا ختن في شدة حر أو برد فتلف وجبت على عاقلته الدية، فمن أصحابنا من نقل جواب كل واحدة من المسئلتين إلى الاخرى وجعلهما على قولين
(أحدهما)
لا يجب لانه هلك من حد
(والثانى)
أنه يجب لانه مفرط، ومنهم من قال لا يجب الضمان في الحد لانه منصوص عليه ويجب في الختان لانه ثبت بالاجتهاد، وإن قلنا انه يضمن ففى القدر الذى يضمن وجهان
(أحدهما)
أنه
يضمن جميع الدية لانه مفرط
(والثانى)
أنه يضمن نصف الدية لانه مات من واجب ومحظور فسقط النصف ووجب النصف (الشرح) حديث سهل بن حنيف، الحديث عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أن رجلا مقعدا زنا بامرأة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلد بأثكال النخل،
يروى أنه أمر أن يأخذوا مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة، أخرجه الشافعي، ورواه البيهقى وقال هذا هو المحفوظ عن أبى أمامة مرسلا، ورواه احمد وابن ماجة من حديث أبى الزناد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عن سعيد ابن سعد بن عبادة قال: كان بين أبياتنا رجل مخدج ضعيف فلم يرع إلا وهو على أمة من إماء الدار يخبث بها، فرفع شأنه سعد بن عبادة إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال اجلدوه مائة سوط، فقال يا نبى الله هو أضعف من ذاك لو ضربناه مائة سوط لمات، قال فخذوا له عشكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه واحدة وخلوا سبيله) ورواه الدارقطني وقال وهم فيه فليح، ورواه أبو داود عن رجل من الانصار، ورواه النسائي عن سهل بن حنيف، ورواه الطبراني عن أبى سعيد الخدرى.
قال الحافظ بن حجر: فإن كانت الطرق كلها محفوظة فيكون أبو أمامة قد حمله عن جماعة من الصحابة وأرسله مرة.
اللغة.
قوله (ليس في هذه الامة مد ولا تجريد ولا غل ولا صفد) الغل بالفتح شد العنق بحبل أو غيره، والغل بالضم الحبل، والصفد بإسكان الفاء مصدر صفده بالحديد يصفده يخفف ويشدد.
والصفد بالتحريك القيد وهو الغل في العنق أيضا، وجمعه أيضا أصفاد وصفد، قال الله تعالى (مقرنين في الاصفاد) قوله (نضو الخلق) أي مهزول، وأصل النضو البعير المهزول والناقة نضوة
وقد أنضاه السفر هزله.
قوله (مائة شمراخ) الشمراخ واحد الشماريخ، وهو العثكال الذى يكون عليه البسر والرطب قوله (اشتكى رجل منهم حتى أضنى) أي مرض، والضنى المرض، يقال أضناه المرض أي أثقله.
قوله (مسرف الحر) أي مفرط في شدة الحر، وأصل السرف ضد القصد.
قوله (والمستحب أن يحضر..) قلت بل الواجب، لقول الله عز وجل (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) قوله (والمستحب أن يكونوا أربعا ... ) قال ابن حزم: واتفقوا أنه إن
صف الناس صفوفا كصفوف الصلاة فرجمه الشهود أو لا ثم الناس ورجمه الامام في المقر أو لا ثم الناس، واختلفوا فيما يدل عليه اسم الطائفة فقال مالك أربعة وقيل ثلاثة وقيل اثنان، وقيل سبعة وقيل ما فوقها.
وقال ابن حزم: وبيقين ندرى أن الله لو أراد بذلك عددا لبينه ولا وقفنا عليه ولم يدعنا نخبط فيه عشواء قوله (وكان صحيحا قويا..) وهذا ما لا خلاف فيه من تنفيذ الحد فورا دون إبطاء لكثرة الاحاديث في ذلك قوله (كان مريضا ... ) قال النووي في شرحه لصحيح مسلم أن النفساء والمريضة ونحوهما يؤخر جلدهما إلى البرء.
قال الخطابى في المعالم: ان المريض إذا كان ميؤوسا منه ومن معاودة الصحة والفوة إياه، وقد وجب عليه الحد، فإنه يتناول بالضرب الخفيف الذى لا بهده وقال الشافعي (إذا ضربه ضربة واحدة بما يجمع له من الشماريخ فعلم أن قد وصلت كلها إليه ووقعت به أجزأه ذلك.
وكان بعض أصحاب الشافعي يقول (إذا
كان السارق ضعيف البدن فخيف عليه من القط التلف لم يقطع) وقال بعضهم في وجوب القصاص على من قتل رجلا مريضا بنوع من الضرب لو ضرب بمثله صحيحا لم يهلك، فإنه يعتبر خلفة المقتول في الضعف والقوة وبنيته في احتمال الالم، فإن من الناس من لو ضرب الضرب المبرح الشديد لاحتمله بدنه وسلم عليه.
ومنهم من لا يحتمله ويسرع إليه التلف بالضرب الذى ليس بالمبرح الشديد فإذا مات هذا الضعيف كان ضاربه قاتلا وكان حكم الاخر بخلافه لقوة هذا وضعف ذلك.
(قلت) وهذا قول فيه نظر وضبط ذلك غير ممكن واعتباره متعذر والله أعلم وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه لا تعرف الحد إلا حدا واحدا الصحيح والزمن فيه سواء، قالوا ولو جاز هذا لجاز مثله في الحامل أن تضرب بشماريخ النخل ونحوه فلما أجمعوا أنه لا يجرى ذلك في الحامل كان الزمن مثل ذلك.
(قلت) إن أول اشارة عن كيفية ضرب السوط تتضمنها كلمة (فاجلدوا) من آية القرآن نفسه، فإن الجلد مأخوذ من الجلد وهو ظاهر البشرة من جسد الانسان، ومن ثم قد اتفق أصحاب المعاجم وعلماء التفسير على أن الضرب