كتاب الأطعمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(ما يؤكل شيئان حيوان وغير حيوان فاما الحيوان فضربان حيوان البر وحيوان البحر فاما حيوان البر فضربان طَاهِرٌ وَنَجِسٌ فَأَمَّا النَّجِسُ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وهو الكلب والخنزير والدليل عليه قوله تَعَالَى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) وقوله تعالى (ويحرم عليهم الخبائث) والكلب من الخبائث وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الكلب خبيث خبيث ثمنه) وأما الطاهر فضربان طائر ودواب فأما الدواب فضربان دَوَابُّ الْإِنْسِ وَدَوَابُّ الْوَحْشِ فَأَمَّا دَوَابُّ الْإِنْسِ فانه يحل منها الانعام وهي الابل والبقر والغنم لقوله تعالى (أحلت لكم بهيمة الانعام) وقوله تعالى (ويحل لهم الطيبات) والانعام من الطيبات ولم يزل الناس يأكلونها ويبتغون لحومها في الجاهلية والاسلام
- وتحل الخيل لِمَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (ذبحنا يوم خيبر من الخيل والبغال والحمير فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل) ولا تحل البغال والحمير لحديث جابر رضي الله عنه ولا يحل السنور لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (الهرة سبع) ولانه يصطاد بالناب ويأكل الجيف فهو كالاسد)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ (الْكَلْبُ خَبِيثٌ خَبِيثٌ ثَمَنُهُ) رَوَاهُ 1 وفى صحيح مسلم عن رافع
ابن خَدِيجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ) وَيُنْكَرُ عَلَى الْحُمَيْدِيِّ كَوْنُهُ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ فِي مُسْنَدِ رَافِعٍ مَعَ أَنَّ مُسْلِمًا كَرَّرَهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ صَحِيحِهِ وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَآخَرُونَ بِلَفْظِهِ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَلَفْظُهُمَا عَنْ جَابِرٍ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ) وَأَمَّا حَدِيثُ الْهِرَّةُ سَبُعٌ: فَرَوَاهُ 1 وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ الْهِرَّةِ وَأَكْلِ ثَمَنِهَا) وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ مَا يُؤْكَلُ شَيْئَانِ فَفِيهِ تَسَاهُلٌ لِأَنَّ مُقْتَضَى سِيَاقِهِ أَنَّ الْمَأْكُولَ يَنْقَسِمُ إلَى مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَأْكُولِ مَا يُمْكِنُ أَكْلُهُ لَا مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَكَانَ الْأَجْوَدُ أَنْ يَقُولَ الْأَعْيَانُ شَيْئَانِ حَيَوَانٌ وَغَيْرُهُ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ وَقَوْلُهُ طَائِرٌ وَدَوَابُّ هَكَذَا فِي النُّسَخِ طَائِرٌ وَكَانَ الْأَحْسَنُ طَيْرٌ وَدَوَابُّ لِأَنَّ الطَّيْرَ جَمْعٌ كَالدَّوَابِّ وَالطَّائِرُ مُفْرَدٌ كَالدَّابَّةِ (أَمَّا الْأَحْكَامُ) فَالْأَعْيَانُ شَيْئَانِ حَيَوَانٌ وَغَيْرُهُ وَالْحَيَوَانُ قِسْمَانِ بَرِّيٌّ وَبَحْرِيٌّ وَالْبَرِّيُّ ضَرْبَانِ طَاهِرٌ وَنَجِسٌ (فَأَمَّا) النَّجِسُ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَهُوَ الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَغَيْرِهِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فيه ولو ارتضع جدى من كلبة وربى عَلَى لَبَنِهَا فَفِي حِلِّهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الشَّاشِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمَا (أَصَحُّهُمَا) يَحِلُّ (وَالثَّانِي) لَا (وَأَمَّا) الطَّاهِرُ فَصِنْفَانِ طَيْرٌ وَدَوَابُّ وَالدَّوَابُّ نَوْعَانِ دَوَابُّ الْإِنْسِ وَدَوَابُّ الْوَحْشِ (فَأَمَّا) دَوَابُّ الْإِنْسِ فَيَحِلُّ مِنْهَا الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَيُقَالُ لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَنْعَامُ وَيَحِلُّ مِنْهَا الْخَيْلُ سَوَاءٌ مِنْهَا العتيق وهو الذى أبواه
عَرَبِيَّانِ وَالْبِرْذَوْنُ وَهُوَ الَّذِي أَبَوَاهُ عَجَمِيَّانِ وَالْهَجِينُ وَهُوَ الَّذِي أَبُوهُ عَرَبِيٌّ وَأُمُّهُ عَجَمِيَّةٌ وَالْمُفْرَقُ وَهُوَ عَكْسُهُ وَكُلُّ ذَلِكَ حَلَالٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ عِنْدَنَا وَيَحْرُمُ الْبَغْلُ وَالْحِمَارُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَيَحْرُمُ السِّنَّوْرُ الْأَهْلِيُّ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ حَلَالٌ وحكاه الرافعى عن أبى عبد الله البوسنجي مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَدِلَّةُ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي لَحْمِ الْخَيْلِ.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ حَلَالٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِمَّنْ قَالَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَفَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ وَعَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ وَعَطَاءٌ وَشُرَيْحٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وأحمد واسحق وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَدَاوُد وَغَيْرُهُمْ وَكَرِهَهَا طَائِفَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَكَمُ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَأْثَمُ بِأَكْلِهِ وَلَا يُسَمَّى حَرَامًا وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ والحمير لتركبوها وزينة) وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَكْلَ مِنْهَا وَذَكَرَ الْأَكْلَ مِنْ الْأَنْعَامِ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَبِحَدِيثِ صَالِحِ بن يحيى بن المقدام عن أبيه عن جَدِّهِ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ تقية بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ صَالِحٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ المقدام بن معد يكرب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ خَالِدٍ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ مَنْسُوخٌ رَوَى الدارقطني والبيهقي باسنادهما عن موسى بن هرون الْحَمَّالِ الْحَافِظِ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ قَالَ لَا يُعْرَفُ صَالِحُ بْنُ يَحْيَى وَلَا أَبُوهُ إلَّا بِجَدِّهِ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ نَظَرٌ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا إسْنَادٌ
مضطرب ومع اضطرابه هو مخالف لاحاديث الثقاة يَعْنِي فِي إبَاحَةِ لَحْمِ الْخَيْلِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي إسْنَادِهِ نَظَرٌ قَالَ وَصَالِحُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ لَا يُعْرَفُ سَمَاعُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ وَقَالَ أَبُو دَاوُد هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ وَقَالَ النَّسَائِيُّ حَدِيثُ الْإِبَاحَةِ أَصَحُّ قَالَ وَيُشْبِهُ إنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ دَلِيلٌ على ذلك قال النسائي ولا أعلم رواة غير نفيه وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَسَبَقَ بَيَانُ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ الَّتِي رَوَاهَا الْمُصَنِّفُ وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ (سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكنا نأكل لحوم الْخَيْلِ وَنَشْرَبُ أَلْبَانَهَا) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ لُحُومَ الْخَيْلِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنها (قَالَتْ أَكَلْنَا لَحْمَ فَرَسٍ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ (نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلْنَاهُ) (وَأَمَّا) الْجَوَابُ عَنْ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا الْآخَرُونَ فَهُوَ مَا أَجَابَ الْخَطَّابِيُّ وَأَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ أَنَّ ذِكْرَ الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْفَعَتَهُمَا مَقْصُورَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا خُصَّ هَذَانِ بِالذَّكَرِ لِأَنَّهُمَا مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنْ الْخَيْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخنزير) فَذَكَرَ اللَّحْمَ لِأَنَّهُ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ وَقَدْ أَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ شَحْمِهِ وَدَمِهِ وَسَائِرِ أَجْزَائِهِ قَالُوا وَلِهَذَا سَكَتَ عَنْ حَمْلِ الْأَثْقَالِ عَنْ الْخَيْلِ مَعَ قَوْله تَعَالَى فِي الْأَنْعَامِ (وَتَحْمِلُ أثقالكم) وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ هَذَا تَحْرِيمُ حَمْلِ الْأَثْقَالِ عَلَى الْخَيْلِ وَيَنْضَمُّ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي إبَاحَةِ لَحْمِ الْخَيْلِ مَعَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ الصَّحِيحِ لَهَا وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ فَسَبَقَ جَوَابُهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ *
(فَرْعٌ) لَحْمُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ حَرَامٌ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ قَالَ وَإِنَّمَا رَوَيْتُ الرُّخْصَةَ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ قُلْتُ وَرَوَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ كَمَا سَنُوضِحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَعِنْدَ مَالِكٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ فِي لَحْمِهَا أَشْهَرُهَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ شَدِيدَةٍ وَالثَّانِيَةُ حَرَامٌ وَالثَّالِثَةُ مُبَاحٌ وَاحْتَجَّ لِابْنِ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (قُلْ لا أجد فيما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أن يكون ميتة) الآية وبحديث غالب بن الحر قَالَ (أَصَابَتْنَا سَنَةٌ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي شئ أُطْعِمُ إلَّا الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت يارسول اللَّهِ أَصَابَتْنَا السَّنَةُ وَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي ما أطعم أهلى الا سمان حمر وَإِنَّكَ حَرَّمْتَ الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ فَقَالَ (أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ حُمُرِك فَإِنَّمَا حَرَّمْتُهَا مِنْ أَجْلِ حوال العربة) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى تَضْعِيفِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا هُوَ حَدِيثٌ يُخْتَلَفُ فِي إسْنَادِهِ يَعْنُونَ مُضْطَرِبًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يُعَارِضُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالُوا وَلَوْ بَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَحَادِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ فِي تَحْرِيمِهَا لَمْ يَصِرْ إلَى غَيْرِهَا
- وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ فِي تَحْرِيمِهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
- وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصَبْنَا حمرا فطبخناها فأمر مناديا فنادى أن اكفؤا الْقُدُورَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ وَرَوَيَاهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى
- وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ (لَمَّا قَدِمْنَا خيبر رأى رسول الله اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِيرَانًا تُوقَدُ فقال على ما تُوقَدُ هَذِهِ النِّيرَانُ فَقَالُوا عَلَى لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ قَالَ كَسِّرُوا الْقُدُورَ وَأَهْرِيقُوا مَا فِيهَا فقال رجل من القوم يارسول الله انهريقوا مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا فَقَالَ أَوْ ذَاكَ) رَوَاهُ البخاري ومسلم وعن عمر بْنِ دِينَارٍ قَالَ " قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَقَالَ قَدْ كان يقول ذاك الحكم بن عمر والغفاري عندنا بالبصرة ولكن أبا ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَرَأَ (قُلْ لا أَجِدُ فيما أوحي إلى محرما) " رواه البخاري وقوله أبا ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو وَغَيْرِهِ
- وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (لَا أَدْرِي أَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ حَمُولَةَ النَّاسِ فَكَرِهَ أَنْ تَذْهَبَ حَمُولَتُهُمْ أَوْ حَرَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ لَحْمَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ (أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيْبَرَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ وَقَعْنَا فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَانْتَحَرْنَاهَا فَلَمَّا غَلَتْ بِهَا الْقُدُورُ نَادَى مُنَادِي رسول الله صلى الله عليه وسلم اكفؤا الْقُدُورَ وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا فَقَالَ نَاسٌ إنَّمَا حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ وَقَالَ آخَرُونَ حَرَّمَهَا أَلْبَتَّةَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
- وَعَنْ ابن ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ (حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَحْمَ الْحُمُرِ وَلَحْمَ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ (حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ) وَعَنْ أَنَسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاءه جائى فقال أكلت الحمر ثم جاءه جائى فقال أكلت الحمر ثم جاءه جائى فَقَالَ أُفْنِيَتْ الْحُمُرُ فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ فَأُكْفِئَتْ الْقُدُورُ وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِاللَّحْمِ)
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (رِجْسٌ أو نجس) وعن المقدام بن معد يكرب قَالَ (حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْيَاءَ يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْهَا الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْأَحَادِيثُ فِي الْمَسْأَلَةِ كَثِيرَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (وَأَمَّا) الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي سُنَنِ أبى داود عن غالب بن الحر قَالَ (أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت يارسول اللَّهِ أَصَابَتْنَا السَّنَةُ وَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي ما أطعم أهلى إلا سمان حمر وَإِنَّكَ حَرَّمْت لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَقَالَ أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ حُمُرِك فَإِنَّمَا حَرَّمْتُهَا مِنْ أجل حوال العربة) يعنى بالحوال التى يَأْكُلُ الْجِلَّةَ وَهِيَ الْعَذِرَةُ فَهَذَا الْحَدِيثُ مُضْطَرِبٌ مُخْتَلِفُ الْإِسْنَادِ كَثِيرُ الِاخْتِلَافِ وَالِاضْطِرَابِ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ وممن أوضح اضطرابه الحافظ أبو القاسم ابن عَسَاكِرَ فِي الْأَطْرَافِ فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَلَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى الْأَكْلِ مِنْهَا حَالَ الِاضْطِرَارِ وَلِأَنَّهَا قِصَّةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ لَهَا فَلَا حُجَّةَ فِيهَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) لَحْمُ الْبَغْلِ حَرَامٌ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ جَمِيعُ الْأَئِمَّةِ إلَّا مَا حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ أَبَاحَهُ دَلِيلُنَا حَدِيثُ جَابِرٍ السَّابِقُ وَغَيْرُهُ
- (فَرْعٌ) لَحْمُ الْكَلْبِ حَرَامٌ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ بِأَسْرِهَا إلَّا رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ في الجرد
- (فَرْعٌ) السِّنَّوْرُ الْأَهْلِيُّ حَرَامٌ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَأَبَاحَهُ اللَّيْثُ بْنُ رَبِيعَةَ وَقَالَ مَالِكٌ يُكْرَهُ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَبَعْضُهُمْ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(فَرْعٌ) ذَبْحُ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لِيُدْبَغَ جِلْدُهُ أَوْ لِيُصْطَادَ عَلَى لَحْمِهِ السِّنَّوْرُ وَالْعِقْبَانُ وَنَحْوُ ذَلِكَ حَرَامٌ عِنْدَنَا وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَشُعَبُ الْمَسْأَلَةِ وَاضِحَةٌ فِي بَابِ الآنية *
- قال المصنف رحمه الله
- (وأما الوحش فانه يحل منه الظباء والبقر لقوله تعالى (ويحل لهم الطيبات) والظباء والبقر من الطيبات يصطاد ويؤكل ويحل الحمار الوحشى للآية ولما روى (أن أبا قتادة كان مع قوم محرمين وهو حلال فسنح لهم حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانا فأكلوا منها قالوا نأكل من لحم صيد ونحن محرمون فحملوا ما بقي من لحمها فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلوا ما بقى من لحمها) ويحل أكل الضبع لقوله عز وجل (ويحل لهم الطيبات) قال الشافعي رحمه الله ما زال الناس يأكلون الضبغ ويبيعونه بين الصفا والمروة
- وروى جَابِرٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (الضبغ صيد يؤكل) وفيه كبش إذا أصابه المحرم) (الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَحَدِيثُ جَابِرٍ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَوْلُهُ سَنَحَ هُوَ - بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ وَنُونٍ مُخَفَّفَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ - أَيْ عَرَضَ (قَوْلُهُ) يَأْكُلُونَ الضَّبُعَ وَيَبِيعُونَهُ الضَّمِيرُ فِي يَبِيعُونَهُ يَعُودُ إلَى لَحْمِ الضَّبُعِ وَإِلَّا فَالضَّبُعُ مُؤَنَّثَةٌ وَهُوَ - بِفَتْحِ الضَّادِ وَضَمِ الْبَاءِ - وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا وَالتَّثْنِيَةُ ضَبُعَانِ وَالْجَمْعُ ضِبَاعٌ وَالْمُذَكَّرُ ضِبْعَانٌ - بِكَسْرِ الضَّادِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ وَتَنْوِينِ النُّونِ - وَالْجَمْعُ ضَبَاعِينُ كَسِرْحَانَ وَسَرَاحِينَ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَدَوَابُّ الْوَحْشِ يَحِلُّ مِنْهَا الظِّبَاءُ وَالْبَقَرُ وَالْحُمُرُ وَالضَّبُعُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيَحِلُّ الْوَعْلُ بِلَا خِلَافٍ
- (فَرْعٌ) الضبغ وَالثَّعْلَبُ مُبَاحَانِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَدَاوُد وَحَرَّمَهُمَا أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ مَالِكٌ يُكْرَهَانِ وَمِمَّنْ قَالَ بِإِبَاحَةِ الضَّبُعِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَخَلَائِقُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمِمَّنْ أَبَاحَ الثَّعْلَبَ طَاوُسٌ وَقَتَادَةُ وَأَبُو ثور
قال المصنف رحمه الله
- (ويحل أكل الارنب لقوله تعالى (ويحل لهم الطيبات) والارنب من الطيبات ولما روى جابر ((أن غلاما من قومه أصاب أرنبا فذبحها بمروة فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أكلها فأمره أن يأكلها) ويحل اليربوع لقوله تعالي (ويحل لهم الطيبات) واليربوع من الطيبات تصطاده العرب وتأكله وأوجب فيه عمر رضى الله عنه على المحرم إذا أصابه جفرة فدل على أنه صيد مأكول ويحل اكل الثعلب لقوله تعالى (ويحل لهم الطيبات) والثعلب من الطيبات مستطاب يصطاد ولانه لا يتقوى بنابه فأشبه الارنب ويحل أكل ابن عرس والوز لما ذكرناه في الثعلب ويحل القنفذ لما روى أن ابن عمر رضى رضي الله عنهما سئل عن القنفذ فتلا قوله تعالى (قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه) الآية ولانه مستطاب لا يتقوى بنابه فحل أكله كالارنب
- ويحل الضب لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أنه أخبره خالد بن الوليد أنه دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيت ميمونة رضى الله عنها فوجد عندها ضبا محنوذا فقدمت الضب إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يده فقال خالد أحرام الضب يارسول الله قَالَ لَا وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فأجدني أعافه قال خالد فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر فلم ينهه)
(الشرح) حديث جابر في الارنب رواه البيهفى بِلَفْظِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَجَاءَتْ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ بِمَعْنَاهُ (منها) حديث أنس قال (أفصحنا أرنبا عن الظهران فأدركتها فأخدتها فَذَهَبْتُ بِهَا إلَى أَبِي طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا وَبَعَثَ بكتفها فخذها إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبِلَهُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قَبِلَهُ وَأَكَلَ مِنْهُ
- (وَأَمَّا) الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الْقُنْفُذِ فَهُوَ بَعْضُ حَدِيثٍ طويل عن عيسى بن ثميلة عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَسُئِلَ عَنْ أَكْلِ الْقُنْفُذِ فَتَلَا (قُلْ لا أجد فيما أوحي إلي محرما) الآية قال شيخ عنده سمعت أبى هُرَيْرَةَ يَقُولُ ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ (خَبِيثَةٌ مِنْ الْخَبَائِثِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذَا فَهُوَ كَمَا قَالَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ لَمْ يُرْوَ إلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ وَهُوَ إسْنَادٌ فِيهِ ضَعْفٌ (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ خَالِدٍ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (قَوْلُهُ) فَذَبَحَهَا بِمَرْوَةِ - هِيَ بِفَتْحِ الْمِيمِ - وَهِيَ الْحَجَرَةُ (قَوْلُهُ) الْقُنْفُذُ هُوَ - بِضَمِّ الْقَافِ وَالْفَاءِ - وَيُقَالُ بِفَتْحِ الْفَاءِ لُغَتَانِ ذَكَرَهُمَا الْجَوْهَرِيُّ وَجَمْعُهَا قَنَافِذُ وَالْوَبْرُ - بِإِسْكَانِ الْبَاءِ - جَمْعُهُ وِبَارٌ - بِكَسْرِ الواو - والضب المخنوذ أي المسوى قوله فاحترر به هَكَذَا هُوَ بِالرَّاءِ الْمُكَرَّرَةِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهِمَا وَذَكَرَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي أَلْفَاظِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ بِالزَّايِ بَعْدَ الرَّاءِ أَيْ وَطَعَنَهُ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَيَحِلُّ الْأَرْنَبُ وَالْيَرْبُوعُ وَالثَّعْلَبُ وَالْقُنْفُذُ وَالضَّبُّ وَالْوَبْرُ وابن عرس ولا خلاف في شئ مِنْ هَذِهِ إلَّا الْوَبْرِ وَالْقُنْفُذِ فَفِيهِمَا وَجْهٌ أنهما حرام
والصحيح المنصوس تحليلهما وبه قطع الجمهور ويحل الدلدك عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ وَفِيهِ وَجْهٌ (وَأَمَّا) السَّمُّورُ وَالسِّنْجَابُ وَالْفَنَلُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالنُّونِ وَالْقَاقِمُ بِالْقَافَيْنِ وَضَمِّ الثَّانِيَةِ وَالْحَوَاصِلُ فَفِيهَا وَجْهَانِ (الصَّحِيحُ) الْمَنْصُوصُ أَنَّهَا حَلَالٌ (وَالثَّانِي) أَنَّهَا حَرَامٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الضَّبِّ
- مذهبنا أنه حلال غير مكروه وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ يُكْرَهُ وَأَمَّا الْيَرْبُوعُ فَحَلَالٌ عِنْدَنَا لَا يُكْرَهُ
- دَلِيلُنَا حَدِيثُ خَالِدٍ وَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ في الصيحين وَأَمَّا الْقُنْفُذُ فَحَلَالٌ عِنْدَنَا لَا يُكْرَهُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ أَحْمَدُ يَحْرُمُ وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ يُكْرَهُ وَأَمَّا الْيَرْبُوعُ فَحَلَالٌ عِنْدَنَا لَا يُكْرَهُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ يُكْرَهُ وَنَقَلَ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَحْرِيمَ الضَّبِّ والوبر وابن عرس والقنفذ واليربوع
- قال المصنف رحمه الله
- (ولا يحل ما يتقوى بنابه ويعدو على الناس وعلى البهائم كالاسد والفهد والذئب والنمر والدب لقوله عز وجل (ويحرم عليهم الخبائث) وهذه السباع من الخبائث لانها تأكل الجيف ولا يستطيبها العرب ولما رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مخلب من الطير) وفى ابن آوى وجهان (أحدهما) يحل لانه لا يتقوى بنابه فهو كالارنب
(والثانى) لا يحل لانه مستخبث كريه الرائحة ولانه من جنس الكلاب فلم يحل أكله وفى سنور الوحش وجهان (أحدهما) لا يحل لانه يصطاد بنابه فلم يحل كالاسد والفهد (والثانى) يحل لانه حيوان يتنوع إلى حيوان وحشى وأهلي يحرم الاهلى منه ويحل الوحشى منه كالحمار الوحشى ولا يحل أكل حشرات الارض كالحيات والعقارب والفار والخنافس والعظاء والصراصير والعناكب والوزغ وسام أبرص والجعلان والديدان وبنات وردان وحمار قبان لقوله تعالى (يحرم عليهم الخبائث)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ جَمِيعًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ثعلبة الحشى (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عن أكل ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ) وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْمِخْلَبُ - بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ - وَهُوَ لِلظِّئْرِ وَالسِّبَاعِ كَالظُّفْرِ لِلْإِنْسَانِ (وَأَمَّا) الْحَشَرَاتُ فَبِفَتْحِ الْحَاءِ وَالشِّينِ وَهِيَ هَوَامُّ الْأَرْضِ وَصِغَارُ دَوَابِّهَا وَالْحَيَّةُ تُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى 1 وَالْبَطَّة (وَأَمَّا) الْعَقْرَبُ وَالْعَقْرَبَةُ وَالْعَقْرَبَا فَاسْمٌ لِلْأُنْثَى وَيُقَالُ لِلذَّكَرِ عُقْرُبَانٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ وَأَمَّا الْخَنَافِسُ فَجَمْعُ خنفساء بضم الخاء وبالمد والفاء مفتوحه
وَمَضْمُومَةٌ - وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَيُقَالُ خُنْفُسٌ وَخُنْفُسَةٌ (وَأَمَّا) الْعَنَاكِبُ فَجَمْعُ عَنْكَبُوتٍ وَهِيَ هذه الناسجة المعرفة قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْغَالِبُ عَلَيْهَا التَّأْنِيثُ (وَأَمَّا) سَامُّ أَبْرَصَ - فَبِتَشْدِيدِ الْمِيمِ - قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ كِبَارُ الْوَزَغِ قَالَ النَّحْوِيُّونَ وَاللُّغَوِيُّونَ سَامُّ أَبْرَصَ اسْمَانِ جُعِلَا وَاحِدًا وَيَجُوزُ فِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) الْبِنَاءُ عَلَى الْفَتْحِ كَخَمْسَةَ عَشَرَ (وَالثَّانِي) إعْرَابُ الاول وإضافته إلى الثاني ويكون الثاني مفتوحا لِأَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ (وَأَمَّا) الْجِعْلَانُ فَبِكَسْرِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ - جَمْعُ جُعَلٍ - بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ العين - وهى دويبة معروفة بدحرج القدر وأما الديدان - فبكسر الدال الاولى وهى جَمْعُ دُودٍ كَعُودٍ وَعِيدَانٍ وَوَاحِدَةٌ دُودَةٌ (وَأَمَّا) حمارقان فَدُوَيْبَّةٌ مَعْرُوفَةٌ كَثِيرَةُ الْأَرْجُلِ وَهِيَ فَعْلَانُ لَا ينصرف مَعْرِفَةً وَلَا نَكِرَةً وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَحْرُمُ أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ لِلْحَدِيثِ قَالُوا وَالْمُرَادُ بِذِي النَّابِ مَا تيقوى بِنَابِهِ وَيَعْدُو عَلَى الْحَيَوَانِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَمِنْ ذَلِكَ الْأَسَدُ وَالْفَهْدُ وَالنَّمِرُ وَالذِّئْبُ وَالدُّبُّ والقرد والفيل والببر - ببائين مُوَحَّدَتَيْنِ - الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ وَالثَّانِيَةُ سَاكِنَةٌ وَهُوَ حَيَوَانٌ معروف يعادى الاسد ويقال له أيضا الفرائق - بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِ النُّونِ - فَكُلُّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا إلَّا وَجْهًا
شَاذًّا فِي الْفِيلِ خَاصَّةً أَنَّهُ حَلَالٌ حَكَاهُ الرافعى عن الامام أبى عبد الله البوسنجى مِنْ أَصْحَابِنَا وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يَعْدُو مِنْ الْفِيَلَةِ إلَّا الْعِجْلُ الْمُغْتَلِمُ كَالْإِبِلِ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ تحريمه (وأما) ابن آوى وابن مفترص ففيهما وجهان (أصحهما) تحريمهما وبه قطع المراوزة
- وفى سنور البروجهان (الْأَصَحُّ) تَحْرِيمُهُ وَقَالَ الْخُضَرِيُّ حَلَالٌ (وَأَمَّا) الْحَشَرَاتُ فَكُلُّهَا مُسْتَخْبَثَةٌ وَكُلُّهَا مُحَرَّمَةٌ سِوَى مَا يَدْرُجُ (مِنْهَا) وَمَا يَطِيرُ فَمِنْهَا ذَوَاتُ السُّمُومِ وَالْإِبَرِ كالحية والعقرب والذنبور (ومنها) الوزغ وأنواعه كحرباء الظهيرة والعطا وَهِيَ مَلْسَاءُ تُشْبِهُ سَامَّ أَبْرَصَ وَهِيَ أَخَسُّ منه واحدتها عطاء وعطانه فكل هذا حرام ويحرم النمل والذر والفار والذباب والخنفساء والقراد والجعلان وبنات وردان وحمارقان والديدان إلا دودا لجبن وَالْخَلِّ وَالْبَاقِلَّا وَالْفَوَاكِهِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْمَأْكُولِ الَّذِي يَتَوَلَّدُ مِنْهُ الدُّودُ فَفِي حِلِّ أَكْلِ هَذَا الدُّودِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ سَبَقَتْ فِي بَابِ الْمِيَاهِ (أَحَدُهَا) يَحِلُّ (وَالثَّانِي) لَا (وَأَصَحُّهَا) يَحِلُّ أَكْلُهُ مَعَ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ لَا مُنْفَرِدًا وَيَحْرُمُ
- اللحكا وَهِيَ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْمَدِّ - وَهِيَ دُوَيْبَّةٌ تَغُوصُ فِي الرَّمْلِ إذَا رَأَتْ إنْسَانًا قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْحَشَرَاتِ الْيَرْبُوعُ وَالضَّبُّ فَإِنَّهُمَا حَلَالَانِ كَمَا سَبَقَ مَعَ دُخُولِهِمَا في اسم الحشرات وكذا أم حنين
فَإِنَّهَا حَلَالٌ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ قَالُوا وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَوَاتِ الْإِبَرِ الْجَرَادُ فَإِنَّهُ حَلَالٌ قَطْعًا وَكَذَا الْقُنْفُذُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا سَبَقَ وَأَمَّا الصَّرَّارَةُ فَحَرَامٌ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ كَالْخُنْفُسَاءِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي حَشَرَاتِ الْأَرْضِ كَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَالْجِعْلَانِ وَبَنَاتِ وَرْدَانَ والفار وَنَحْوِهَا
- مَذْهَبُنَا أَنَّهَا حَرَامٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَقَالَ مَالِكٌ حَلَالٌ لِقَوْلِهِ تعالى (قل لا أجد فيما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أن يكون ميتة) الْآيَةَ وَبِحَدِيثِ التَّلِبِ - بِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ لَامٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ - الصَّحَابِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (صَحِبْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أَسْمَعْ لِحَشَرَةِ الْأَرْضِ تَحْرِيمًا) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
- وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ بقوله تعالى (ويحرم عليهم الخبائث) وَهَذَا مِمَّا يَسْتَخْبِثُهُ الْعَرَبُ وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَابْنِ عُمَرَ
- وَعَنْ أُمِّ شَرِيكٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْأَوْزَاغِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَمَّا قَوْله تعالى (قل لا أجد فيما أحى محرما) الْآيَةَ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَعْنَاهَا مِمَّا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ وَتَسْتَطِيبُونَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهَذَا أَوْلَى مَعَانِي الْآيَةِ اسْتِدْلَالًا بِالسُّنَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَأَمَّا) حَدِيثُ التَّلِبِ فَإِنْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَمْ أَسْمَعْ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ سَمَاعِ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي أَكْلِ السِّبَاعِ الَّتِي تَتَقَوَّى بِالنَّابِ كَالْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالذِّئْبِ وَأَشْبَاهِهَا
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهَا حَرَامٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَالْجُمْهُورُ (وَقَالَ) مَالِكٌ تُكْرَهُ وَلَا تَحْرُمُ (وَاحْتَجَّ) بِقَوْلِهِ تَعَالَى (قُلْ لا أجد فيما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لغير الله به) وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فِي النَّهْيِ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا (كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ) وَأَجَابُوا عَنْ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يُخْبِرَ بِأَنَّهُ لَا يَجِدُ مُحَرَّمًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَّا هَذَا ثُمَّ وَرَدَ وَحْيٌ آخَرُ بِتَحْرِيمِ السِّبَاعِ فَأَخْبَرَ بِهِ وَالْآيَةُ مَكِّيَّةٌ وَالْأَحَادِيثُ مَدَنِيَّةٌ وَلِأَنَّ الْحَدِيثَ مُخَصِّصٌ لِلْآيَةِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي أَنْوَاعٍ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فيها (منها) القرد وهو حَرَامٌ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ ومكحول والحسن وابن خبيب الْمَالِكِيُّ
- وَقَالَ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ لَيْسَ بِحَرَامٍ (وَمِنْهَا) الْفِيلُ وَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيِّينَ وَالْحَسَنِ
- وَأَبَاحَهُ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ شِهَابٍ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ حُجَّةُ الْأَوَّلِينَ أَنَّهُ ذُو نَابٍ (وَمِنْهَا) الْأَرْنَبُ وَهُوَ حَلَالٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ العلماء كافة إلى مَا حُكِيَ عَنْ
ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُمَا كَرِهَاهَا
- دَلَّتْ لَنَا الْأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ فِي إباحتها ولم يثبت في النهى عنها شئ * قال المصنف رحمه الله
- (وأما الطائر فانه يحل منه النعامة لقوله تعالى (ويحل لهم الطيبات) وقضت الصحابة رضى الله عنهم فيها ببدنة فدل على أنه صيد مأكول ويحل الديك والدجاج والحمام والدراج والقبج والقطا والبط والكراكي والعصفور والقنابر لقوله تعالى (ويحل لهم الطيبات) وهذه كلها مستطابة وروى أبو موسى الاشعري رضى الله تعالى عَنْهُ قَالَ (رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأكل لحم الدجاج) وروى سفينه رضى الله عنه مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَالَ أكلت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحم حبارى) ويحل أكل الجراد لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى وضى الله عنهما قال (غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبع غزوات يأكل الجراد ونأكله) ويحرم أكل الهدهد والخطاف (لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ قتلهما) وما يؤكل لا ينهى عن قتله ويحرم ما يصطاد ويتقوى بالمخلب كالصقر والبازي لِحَدِيثِ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ أَكْلِ كل ذى ناب من السباع وأكل كل ذي مخلب من الطير) ويحرم أكل الحدأة والغراب الابقع لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (خَمْسٌ يُقْتَلْنَ فِي الحل والحرم الحية والفأرة والغراب الابقع والحدأة والكلب العقور) وما أمر بقتله لا يحل أكله قالت عائشة رضى الله عنها (أنى لاعجب ممن يأكل الغراب وقد أَذِنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قتله) ويحرم الغراب الاسود الكبير لانه مستخبث يأكل الجيف فهو كالابقع وفى الغداف وغراب الزرع وجهان (أحدهما) لا يحل للخبر (والثانى) يحل لانه مستطاب يلقط الحب فهو كالحمام والدجاج وتحرم حشرات الطير كالنحل والزنبور والذباب لقوله تعالى (ويحرم عليهم الخبائث) وهذه من الخبائث)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَبِي مُوسَى رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَحَدِيثُ سَفِينَةَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضعيف قال التِّرْمِذِيُّ هُوَ غَرِيبٌ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ (غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ) (وَأَمَّا) حَدِيثُ النَّهْيِ عن قتل الهدهد فرواه عبيد الله بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنْ الدَّوَابِّ النَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ وَالْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ ذَكَرَهُ فِي آخِرِ كِتَابِهِ ورواه ابن ماجه في كتاب الصيد بأسناد عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ (وَأَمَّا) النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الْخُطَّافِ فَهُوَ ضَعِيفٌ وَمُرْسَلٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ مِنْ تَابِعِي التَّابِعِينَ أَوْ مِنْ التَّابِعِينَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْخَطَاطِيفِ وَقَالَ لَا تَقْتُلُوا الْعُوذَ إنَّهَا تَعُوذُ بِكُمْ مِنْ غَيْرِكُمْ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا مُنْقَطِعٌ قَالَ وَرَوَى حَمْزَةُ النَّصِيبِيُّ فِيهِ حَدِيثًا مُسْنَدًا إلَّا أَنَّهُ كَانَ يُرْمَى بِالْوَضْعِ وَصَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ (لَا تَقْتُلُوا الضَّفَادِعَ فَإِنَّ نَقِيقَهَا تَسْبِيحٌ وَلَا تَقْتُلُوا الْخُفَّاشَ فَإِنَّهُ لَمَّا خَرِبَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ قَالَ يا رب سلطني على البحر حتى أغرقم) قال البيهقى أسناده صَحِيحٌ (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَسَبَقَ بَيَانُ طُرُقِهِ وَشَرْحُهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا (وَأَمَّا) حَدِيثُ عَائِشَةَ (خَمْسٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ إلَى آخِرِهِ) فَصَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَسَبَقَ قَرِيبًا (وَأَمَّا) حَدِيثُ عَائِشَةَ (إنِّي لَأَعْجَبُ مِمَّنْ يَأْكُلُ الْغُرَابَ إلَى آخِرِهِ) فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَّا أَنَّ فِيهِ عَبْدَ اللَّهِ
ابن أَبِي أُوَيْسٍ وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْأَكْثَرُونَ وَوَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (أَمَّا) أَلْفَاظُ الْفَصْلِ فَقَوْلُهُ (وَأَمَّا) الطَّائِرُ هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ وَالْأَجْوَدُ أَنْ يَقُولَ وَأَمَّا الطَّيْرُ لِأَنَّ الطَّيْرَ جَمْعٌ وَالطَّائِرُ مُفْرَدٌ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ أَوَّلَ الْبَابِ وَالنَّعَامَةُ بِفَتْحِ النُّونِ - قَالَ الْجَوْهَرِيُّ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَالنَّعَامُ اسْمُ جِنْسٍ كَحَمَامَةٍ وَحَمَامٍ (وَأَمَّا) الدِّيكُ فَهُوَ ذَكَرُ الدَّجَاجِ جَمْعُهُ دُيُوكٌ وديكة وَالدَّجَاجُ - بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا - لُغَتَانِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ بِاتِّفَاقِهِمْ الْوَاحِدُ دَجَاجَةٌ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَجَمَعَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ الدِّيكِ وَالدَّجَاجِ هُوَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ وَهُوَ جَائِزٌ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات) وقوله تعالى (إن صلاتي ونسكى) (وَأَمَّا) الْقَبَجُ - فَبِفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وبالجيم - والحجل الْمَعْرُوفُ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ لِأَنَّ الْقَافَ وَالْجِيمَ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ قَالَ وَالْقَبْجَةُ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى حَتَّى تَقُولَ يَعْقُوبُ فَيَخْتَصُّ بِالذَّكَرِ لِأَنَّ الْهَاءَ إنَّمَا دَخَلَتْهُ عَلَى أَنَّهُ الْوَاحِدُ مِنْ الْجِنْسِ وَكَذَلِكَ النَّعَامَةُ حَتَّى تَقُولَ ظَلِيمٌ وَالنَّحْلَةُ حَتَّى تَقُولَ يَعْسُوبٌ وَالدَّرَّاجَةُ حَتَّى تَقُولَ حيقطان وَالْبُومَةُ حَتَّى تَقُولَ صَدًى أَوْ فَيَّادٌ وَالْحُبَارَى حَتَّى تَقُولَ خرب وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْجَوْهَرِيِّ (وَأَمَّا) الْقَنَابِرُ - فَبِقَافٍ مَفْتُوحَةٍ - ثُمَّ - نُونٍ ثُمَّ - أَلِفٍ ثُمَّ - بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ - رَاءٍ - جَمْعُ قُبَّرَةٍ - بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَقَدْ جَاءَ فِي الشِّعْرِ قُنْبَرَةٌ كَمَا تَقُولُهُ الْعَامَّةُ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الطَّيْرِ (وَأَمَّا) الْهُدْهُدُ - فَبِضَمِّ الْهَاءَيْنِ - وَجَمْعُهُ هَدَاهِدُ وَيُقَالُ لِلْمُفْرَدِ هَدَاهِدُ أَيْضًا (وَأَمَّا) الْبَازِي ففيه ثلاث لغات المشهورة الْفَصِيحَةُ الْبَازِي - بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ - وَالثَّانِيَةُ بَازٍ وَالثَّالِثَةُ بَازِيٌّ - بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ - حَكَاهَا
ابْنُ مَكِّيٍّ وَهِيَ غَرِيبَةٌ أَنْكَرَهَا الْأَكْثَرُونَ قَالَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ يُقَالُ لِلْبُزَاةِ وَالشَّوَاهِينِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا تَصِيدُ صُقُورٌ وَاحِدُهَا صَقْرٌ وَالْأُنْثَى صَقْرَةٌ وَقَدْ يُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ كَوْنُهُ جَعَلَ الصَّقْرَ قَسِيمًا لِلْبَازِي مَعَ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ وَغَيْرَهُ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو زَيْدٍ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال) (واذ أخدنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) الْآيَةَ (وَأَمَّا) الْحِدَأَةُ - فَبِحَاءٍ مَكْسُورَةٍ - ثُمَّ - دَالٍ مَفْتُوحَةٍ - ثُمَّ هَمْزَةٍ - عَلَى وَزْنِ عِنَبَةٍ وَالْجَمَاعَةُ حدأ كعنب (وأما) الفأرة - فبالهمزة - وَيَجُوزُ تَرْكُهُ (وَأَمَّا) الْغُدَافُ - فَبِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ - دَالٍ مُهْمَلَةٍ مُخَفَّفَةٍ - وَآخِرُهُ فَاءٌ جَمْعُ غِدْفَانٍ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ هُوَ الْغُرَابُ الضَّخْمُ قال الجوهري هُوَ غُرَابُ الْقَيْظِ وَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا هُوَ غُرَابٌ صَغِيرٌ أَسْوَدُ لَوْنُهُ لَوْنُ الرَّمَادِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَفِيهَا مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ أَكْلُ النَّعَامَةِ وَالدَّجَاجِ وَالْكُرْكِيِّ وَالْحُبَارَى وَالْحَجَلِ وَالْبَطِّ وَالْقَطَا وَالْعَصَافِيرِ وَالْقَنَابِرِ وَالدَّرَّاجِ وَالْحَمَامِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَكُلُّ ذَاتِ طَوْقٍ مِنْ الطَّيْرِ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْحَمَامِ وَهِيَ حَلَالٌ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْقُمْرِيُّ وَالدِّبْسُ واليمام والفواخت ويحل الورسان وَكُلُّ مَا عَلَى شَكْلِ الْعُصْفُورِ وَفِي حَدِّهِ فَهُوَ حَلَالٌ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الصَّعْوَةُ وَالزُّرْزُورُ والنغز - بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ - وَالْبُلْبُلُ وَيَحِلُّ الْعَنْدَلِيبُ وَالْحُمَّرَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ وَفِيهِمَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُمَا حَرَامٌ وَفِي الْبَبَّغَاءِ وَالطَّاوُوسِ (وَجْهَانِ) قال البغوي وغيره (اصحهما) التحريم (وأما) السقراف فَقَطَعَ الْبَغَوِيّ بِحِلِّهِ وَالصَّيْمَرِيُّ بِتَحْرِيمِهِ قَالَ أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادِيُّ يَحْرُمُ مُلَاعِبُ ظِلِّهِ وَهُوَ طَائِرٌ يَسْبَحُ فِي الْجَوِّ مِرَارًا كَأَنَّهُ يَنْصَبُّ عَلَى طَائِرٍ قَالَ أَبُو عَاصِمٍ وَالْبُومُ حَرَامٌ كَالرَّخَمِ قَالَ وَالضُّوَعُ - بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وبالعين الْمُهْمَلَةِ - حَرَامٌ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ قَالَ الرَّافِعِيُّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الضُّوَعَ غَيْرُ الْبُومِ قَالَ لكن في صحاح الجوهرى أنه
الضُّوَعَ طَائِرٌ مِنْ طَيْرِ اللَّيْلِ مِنْ جِنْسِ الْهَامِّ وَقَالَ الْمُفَضَّلُ هُوَ ذَكَرُ الْبُومِ قَالَ الرَّافِعِيُّ فَعَلَى هَذَا إنْ كَانَ فِي الضُّوَعِ قَوْلٌ لَزِمَ إجْرَاؤُهُ فِي الْبُومِ لِأَنَّ الذَّكَرَ والانثى من جنس الواحد لَا يَفْتَرِقَانِ (قُلْتُ) الْأَشْهَرُ أَنَّ الضُّوَعَ مِنْ جِنْسِ الْهَامِّ فَلَا يَلْزَمُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْحُكْمِ قَالَ أَبُو عَاصِمٍ النَّهَّاشُ حَرَامٌ كَالسِّبَاعِ الَّتِي تَنْهَشُ قَالَ وَاللَّقَاطُ حَلَالٌ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ النَّصُّ يَعْنِي ذَا الْمِخْلَبِ وَقَالَ الْبُوشَنْجِيُّ اللَّقَّاطُ حَلَالٌ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ قَالَ أَبُو عَاصِمٍ وَمَا تَقَوَّتَ بِالطَّاهِرَاتِ فَحَلَالٌ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ النَّصُّ وَمَا تَقَوَّتَ بِالنَّجِسِ فَحَرَامٌ
- (فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ يَحْرُمُ أَكْلُ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ يَتَقَوَّى بِهِ وَيَصْطَادُ كَالصَّقْرِ وَالنِّسْرِ وَالْبَازِي وَالْعُقَابِ وَغَيْرِهَا لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ مَا نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ حَرُمَ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَّ أَكْلُهُ لَمْ يُنْهَ عَنْ قَتْلِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يُنْهَ عَنْ قَتْلِ الْمَأْكُولِ فَمِنْ ذَلِكَ النَّمْلُ وَالنَّحْلُ فَهُمَا حَرَامٌ وَكَذَلِكَ الْخُطَّافُ وَالصُّرَدُ وَالْهُدْهُدُ وَالثَّلَاثَةُ حَرَامٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وَفِيهَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ وَحَكَاهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي كِتَابِ الْحَجِّ قَوْلًا وَجَزَمَ بِهِ فِي الصُّرَدِ وَالْهُدْهُدِ
- وَالْخُفَّاشُ حَرَامٌ قطعا قال الرافعى وقد يجئ فِيهِ الْخِلَافُ وَاللَّفَّافُ حَرَامٌ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ (الثَّالِثَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا مَا أُمِرَ بِقَتْلِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ (لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ) فَلَوْ حَلَّ أَكْلُهُ لَمَا أَمَرَ بِقَتْلِهِ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (لا تَقْتُلُوا الصيد وأنتم حرم) فمن ذلك الحية والفأرة والحدأة وكل سبضار وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْأَسَدُ وَالذِّئْبُ وَغَيْرُهُمَا مِمَّا سبق قال أصحابنا وقد يكون للشئ سببا أَوْ أَسْبَابٌ تَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ
- وَتَحْرُمُ الْبُغَاثَةُ - بِفَتْحِ الباء الموحدة - وبتخفيف الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ فِي آخِرِهَا - وَالرَّخَمَةُ كَمَا تَحْرُمُ الْحِدَأَةُ (وَأَمَّا) الْغُرَابُ فَهُوَ أَنْوَاعٌ (فَمِنْهَا) الْغُرَابُ الْأَبْقَعُ وَهُوَ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ (وَمِنْهَا) الْأَسْوَدُ الْكَبِيرُ وَفِيهِ طَرِيقَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَجَمَاعَةٌ التَّحْرِيمَ (وَالثَّانِي) فيه وجهان (أصحهما) التحريم (الثالث) الحل
(وَأَمَّا) غُرَابُ الزَّرْعِ وَهُوَ أَسْوَدُ صَغِيرٌ يُقَالُ لَهُ الزَّاغُ وَقَدْ يَكُونُ مُحْمَرَّ الْمِنْقَارِ وَالرِّجْلَيْنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا (أَصَحُّهُمَا) أَنَّهُ حَلَالٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْغُدَافَ حَرَامٌ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَمَنْ الْغِرْبَانِ غُرَابٌ صَغِيرٌ أَسْوَدُ أَوْ رمادي اللون وقد يقال له الْغُدَافُ الصَّغِيرُ وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَكَذَلِكَ الْعَقْعَقُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
- (الرَّابِعَةُ) يَحْرُمُ حَشَرَاتُ الطَّيْرِ كَالنَّحْلِ وَالزَّنَابِيرِ وَالذُّبَابِ وَالْبَعُوضِ وَشَبَهِهَا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (الْخَامِسَةُ) يَحِلُّ أَكْلُ الْجَرَادِ بِلَا خِلَافٍ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ وَسَوَاءٌ مَاتَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِقَتْلِ مُسْلِمٍ أَوْ مَجُوسِيٍّ وَسَوَاءٌ قَطَعَ رَأْسَهُ أَمْ لَا وَلَوْ قَطَعَ بَعْضَ جَرَادَةٍ وَبَاقِيهَا حَيٌّ فَوَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) يَحِلُّ الْمَقْطُوعُ لِأَنَّ الْمَقْطُوعَ كَالْمَيِّتِ وَمَيْتَتُهُ حَلَالٌ (وَالثَّانِي) حَرَامٌ وَإِنَّمَا يُبَاحُ مِنْهُ الْجُمْلَةُ لِحُرْمَتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْجَرَادَ حَلَالٌ سَوَاءٌ مَاتَ بِاصْطِيَادِ مُسْلِمٍ أَوْ مَجُوسِيٍّ أَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالْأَبْهَرِيُّ الْمَالِكِيَّانِ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ (قَالَ) الْعَبْدَرِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَحِلُّ إلَّا إذَا مَاتَ بِسَبَبٍ بِأَنْ يقطع منه شئ أَوْ يُصْلَقَ أَوْ يُقْلَى حَيًّا أَوْ يُشْوَى وإن لم يقطف رأسه قال فإن مات حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ فِي وِعَاءٍ لَمْ يُؤْكَلْ وعن أحمد رواية ضفيفة كَمَذْهَبِ مَالِكٍ
- وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (حُرِّمَتْ عليكم الميتة) وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى السَّابِقِ (غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ أَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ وَالدَّمَانِ الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ قَالَ (أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ الْحَدِيثَ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ (قُلْتُ) مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْقَائِلَ (أُحِلَّتْ لَنَا) مَيْتَتَانِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى ضَعِيفَةٌ جِدًّا لاتفاق
الْحُفَّاظِ عَلَى تَضْعِيفِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَوَى حَدِيثًا مُنْكَرًا (أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ) الْحَدِيثَ يَعْنِي أَحْمَدُ الرِّوَايَةَ الْأُولَى (وَأَمَّا) الثَّانِيَةُ فَصَحِيحَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَهَذِهِ الثَّانِيَةُ هِيَ أَيْضًا مَرْفُوعَةٌ لِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيُّ أُمِرْنَا بِكَذَا أَوْ نُهِينَا عَنْ كَذَا أَوْ أُحِلَّ لَنَا كَذَا أَوْ حُرِّمَ عَلَيْنَا كَذَا كُلُّهُ مَرْفُوعٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَسَبَقَ بَيَانُهَا مَرَّاتٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
- وَهَذَا الْحَدِيثُ عَامٌّ وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مَالِكٌ مَخْصُوصَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَأَمَّا حَدِيثُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْجَرَادِ فَقَالَ (أَكْثَرُ جُنُودِ اللَّهِ لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ) فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ هَكَذَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ أَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ قُلْتُ وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ رُوِيَ مُرْسَلًا وَمُتَّصِلًا لِأَنَّ الَّذِي وَصَلَهُ ثِقَةٌ وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَأَصْحَابُنَا إنْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ كَانَ دَلِيلًا عَلَى إبَاحَةِ الْجَرَادِ أَيْضًا لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُحَرِّمْهُ فَقَدْ أَحَلَّهُ وَإِنَّمَا لَمْ يَأْكُلْهُ تَقَذُّرًا كَمَا قَالَ فِي الضَّبِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا تَحْرِيمُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ مِمَّا يَعْدُو عَلَى الْحَيَوَانِ كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالنَّمِرِ والفهد والدب وكذا ماله مِخْلَبٌ مِنْ الطَّيْرِ كَالْبَازِي وَالشَّاهِينَ وَالْعُقَابِ وَنَحْوِهَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد
- وَقَالَ مَالِكٌ يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ
- دَلِيلُنَا الْأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ فَإِنْ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى (قُلْ لا أَجِدُ فيما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه) الْآيَةَ فَقَدْ سَبَقَ جَوَابُهَا فِي مَسْأَلَةِ تَحْرِيمِ السِّبَاعِ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا مَذْهَبَنَا فِي غُرَابِ الزَّرْعِ وَالْغُدَافِ
- وَقَالَ بِإِبَاحَتِهِمَا مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وأحمد رحمهم الله تعالى
- قال المصنف رحمه الله
- (وما سوى ذلك من الدواب والطيور ينظر فيه فان كان مما يستطيبه العرب حل أكه وان كان مما لا يستطيبه العرب لم يحل أكله لقوله عز وجل (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) ويرجع في ذاك إلى العرب من أهل الريف والقرى وذوى اليسار والغني دون الاجلاف من أهل البادية والفقراء وأهل الضرورة فان استطاب قوم شيئا واستخبثه قوم رجع إلى ما عليه الاكثر فان اتفق في بلاد العجم ما لا يعرفه العرب نظر إلى ما يشبهه فان كان حلالا حل وإن كان حراما حرم وإن لم يكن له شبيه فيما يحل ولا فيما يحرم ففيه وجهان (قال) أبو إسحق وأبو علي الطبري يحل لقوله عز وجل (قل لا أجد فيما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لحم خنزير) وهذا ليس بواحد منها (وقال) ابن عباس رضى الله عنه ما سكت عنه فهو عفو (ومن) أصحابنا من قال لا يحل أكله لان الاصل في الحيوان التحريم فإذا أشكل بقى على أصله)
- (الشَّرْحُ) هَذَا الْمَذْكُورُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْهُ هَكَذَا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ
- وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِنْ عَفْوِهِ) قَالَ أَصْحَابُنَا مِنْ الْأُصُولِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي هَذَا الْبَابِ الِاسْتِطَابَةُ والاستخباث ورواه الشافعي رحمه الله الاصل الاعم 1 ولهذا أفسخ الْبَابُ وَالْمُعْتَمَدُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) وقوله تعالى (ويسألونك ماذا أحل لهم
قل أحل لكم الطيبات) قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالطَّيِّبِ هُنَا الْحَلَالَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْحَلَالَ لَكَانَ تَقْدِيرُهُ أُحِلَّ لَكُمْ الْحَلَالُ وَلَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالطَّيِّبَاتِ مَا يَسْتَطِيبُهُ الْعَرَبُ وَبِالْخَبَائِثِ مَا تَسْتَخْبِثُهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى طَبَقَاتِ النَّاسِ وَيَنْزِلُ كُلُّ قَوْمٍ على ما يستطيبونه أو يسخبثونه لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اخْتِلَافِ الْأَحْكَامِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَاضْطِرَابِهَا وَذَلِكَ يُخَالِفُ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ قَالُوا فَيَجِبُ اعْتِبَارُ الْعَرَبِ فَهُمْ أَوْلَى الْأُمَمِ بِأَنْ يُؤْخَذَ بِاسْتِطْيَابِهِمْ وَاسْتِخْبَاثِهِمْ لِأَنَّهُمْ الْمُخَاطَبُونَ أَوَّلًا وَهُمْ جِيلٌ مُعْتَدِلٌ لَا يَغْلِبُ فِيهِمْ الِانْهِمَاكُ عَلَى الْمُسْتَقْذَرَاتِ وَلَا الْعَفَافَةُ الْمُتَوَلَّدَةُ مِنْ التَّنَعُّمِ فَيُضَيِّقُوا الْمَطَاعِمَ عَلَى النَّاسِ قَالُوا وَإِنَّمَا يُرْجَعُ إلَى الْعَرَبِ الَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ الْقُرَى وَالرِّيفِ دُونَ أَجْلَافِ الْبَوَادِي الَّذِينَ يَأْكُلُونَ مَا دَبَّ وَدَرَجَ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزِ وَتَغْيِيرِ عَادَةِ أَهْلِ الْيَسَارِ وَالثَّرْوَةِ دُونَ الْمُحْتَاجِينَ وَتَغْيِيرِ حَالَةِ الْخِصْبِ وَالرَّفَاهِيَةِ دُونَ الْجَدْبِ وَالشِّدَّةِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعَادَةِ الْعَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ الْخِطَابَ لَهُمْ قَالَ وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ يُرْجَعُ فِي كُلِّ زَمَانٍ إلَى الْعَرَبِ الْمَوْجُودِينَ فِيهِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ اسْتَطَابَتْهُ الْعَرَبُ أَوْ سَمَّتْهُ بِاسْمِ حَيَوَانٍ حَلَالٍ فَهُوَ حَلَالٌ وَإِنْ اسْتَخْبَثَتْهُ أَوْ سَمَّتْهُ بِاسْمِ مُحَرَّمٍ فَمُحَرَّمٍ فَإِنْ اسْتَطَابَتْهُ طَائِفَةٌ وَاسْتَخْبَثَتْهُ أُخْرَى اتَّبَعْنَا الْأَكْثَرِينَ فَإِنْ اسْتَوَيَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ يُتَّبَعُ قُرَيْشٌ لِأَنَّهُمْ قُطْبُ الْعَرَبِ فَإِنْ اخْتَلَفَتْ قُرَيْشٌ ولا ترجيح أوشكوا ولم يحكموا بشئ أَوْ لَمْ نَجِدْهُمْ وَلَا غَيْرَهُمْ مِنْ الْعَرَبِ اعْتَبَرْنَاهُ بِأَقْرَبِ الْحَيَوَانِ بِهِ شَبَهًا وَالشَّبَهُ تَارَةً يَكُونُ فِي الصُّورَةِ وَتَارَةً فِي طَبْعِ الْحَيَوَانِ مِنْ الصِّيَالَةِ وَالْعِدْوَانِ وَتَارَةً فِي طَعْمِ اللَّحْمِ فَإِنْ اسْتَوَى الشَّبَهَانِ أَوْ لَمْ نَجْدِ مَا يُشْبِهُهُ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا (أَصَحُّهُمَا) الحل قال
إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّافِعِيِّ (وَالثَّانِي) التَّحْرِيمُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنَّمَا يُرَاجَعُ الْعَرَبُ فِي حَيَوَانٍ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ بِتَحْلِيلٍ وَلَا تَحْرِيمٍ وَلَا أَمْرٍ بِقَتْلِهِ وَلَا نَهْيٍ عَنْ قَتْلِهِ فان وجد شئ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ اعْتَمَدْنَاهُ وَلَمْ نُرَاجِعْهُمْ قَطْعًا فَمِنْ ذَلِكَ الْحَشَرَاتُ وَغَيْرُهَا مِمَّا سَبَقَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) إذَا وَجَدْنَا حَيَوَانًا لَا مَعْرِفَةَ لِحُكْمِهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ وَلَا اسْتِطَابَةٍ وَلَا اسْتِخْبَاثٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَثَبَتَ تَحْرِيمُهُ فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا فَهَلْ يُسْتَصْحَبُ تَحْرِيمُهُ فِيهِ قَوْلَانِ (الْأَصَحُّ) لَا يُسْتَصْحَبُ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ وَهُوَ مُقْتَضَى الْمُخْتَارِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَإِنْ اسْتَصْحَبْنَاهُ فَشَرْطُهُ أَنْ يَثْبُتَ تَحْرِيمُهُ فِي شَرْعِهِمْ بِالْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ يَشْهَدَ بِهِ عَدْلَانِ أَسْلَمَا مِنْهُمْ بِعِرْفَانِ الْمُبْدَلِ مِنْ غَيْرِهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فَعَلَى هَذَا لَوْ اخْتَلَفُوا اُعْتُبِرَ حُكْمُهُ فِي أَقْرَبِ الشَّرَائِعِ إلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ النَّصْرَانِيَّةُ وَإِنْ اخْتَلَفُوا عاد الوجهان عن تَعَارُضِ الْأَشْبَاهِ (أَصَحُّهُمَا) الْحِلُّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ * قال المصنف رحمه الله
- (ولا يحل ما يولد بين مأكول وغير مأكول كالسمع المتولد بين الذئب والضبع والحمار المتولد بين حمار الوحش وحمار الاهل لانه مخلوق مما يؤكل ومما لا يؤكل فغلب فيه الحظر كالبغل)
- (الشَّرْحُ) السِّمْعُ - بِكَسْرِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ - قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يَحْرُمُ السِّمْعُ وَالْبَغْلُ وَسَائِرُ مَا يُولَدُ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِ مَأْكُولٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمَأْكُولُ الذَّكَرَ أَوْ الْأُنْثَى لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالزَّرَافَةُ - بِفَتْحِ الزَّايِ وَضَمِّهَا - حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ وَعَدَّهَا بَعْضُهُمْ مِنْ الْمُتَوَلَّدِ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِ
مَأْكُولٍ.
وَلَوْ تَوَلَّدَ مِنْ فَرَسٍ وَأَتَانٍ وَحْشِيَّةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْجِنْسَيْنِ الْمَأْكُولَيْنِ كَانَ حَلَالًا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ * قال المصنف رحمه الله
- (ويكره أكل الجلالة وهى التى أكثر أكلها العذرة من ناقة أو بقرة أو شاة أو ديك أو دجاجة لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عن ألبان الجلالة) ولا يحرم أكلها لانه ليس فيه أكثر من تغير لحمها وهذا لا يوجب التحريم فان أطعم الجلالة طعاما طاهرا وطاب لحمها لم يكره لما رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ تعلف الجلالة علفا طاهرا ان كانت ناقة أربعين يوما وان كانت شاة سبعة أيام وان كانت دجاجة فثلاثة أيام)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ قَالَ أَصْحَابُنَا الْجَلَّالَةُ هِيَ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ وَالنَّجَاسَاتِ وَتَكُونُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالدَّجَاجِ وَقِيلَ إنْ كَانَ أَكْثَرُ أَكْلِهَا النَّجَاسَةَ فَهِيَ جَلَّالَةٌ وَإِنْ كَانَ الطَّاهِرُ أَكْثَرَ فَلَا وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالْكَثْرَةِ وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِالرَّائِحَةِ وَالنَّتْنِ فَإِنْ وُجِدَ فِي عُرْفِهَا وَغَيْرِهِ رِيحُ النَّجَاسَةِ فَجَلَّالَةٌ وَإِلَّا فَلَا وَإِذَا تَغَيَّرَ لَحْمُ الْجَلَّالَةِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ بِلَا خِلَافٍ وَهَلْ هِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ أَوْ تَحْرِيمٍ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي طَرِيقَةِ الْخُرَاسَانِيِّينَ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَجُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ وَصَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُعْتَمَدِينَ أَنَّهُ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ قَالَ الرَّافِعِيُّ صَحَّحَهُ الْأَكْثَرُونَ (وَالثَّانِي) كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَالْقَفَّالُ وَصَحَّحَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَقِيلَ هَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا وُجِدَتْ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ بِتَمَامِهَا أَوْ قَرُبَتْ الرَّائِحَةُ مِنْ الرَّائِحَةِ فان قلت الرائحة الموجودة لم تضرقطعا
قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ حُبِسَتْ بَعْدَ ظُهُورِ النَّتْنِ وَعُلِفَتْ شَيْئًا طَاهِرًا فَزَالَتْ الرَّائِحَةُ ثُمَّ ذُبِحَتْ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهَا قَطْعًا قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَيْسَ لِلْقَدْرِ الَّذِي تَعْلِفُهُ مِنْ حَدٍّ وَلَا لِزَمَانِهِ مِنْ ضَبْطٍ وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِمَا يُعْلَمُ فِي الْعَادَةِ أَوْ يُظَنُّ أَنَّ رَائِحَةَ النَّجَاسَةِ تَزُولُ بِهِ وَلَوْ لَمْ تُعْلَفْ لَمْ يَزُلْ الْمَنْعُ بِغَسْلِ اللَّحْمِ بَعْدَ الذَّبْحِ وَلَا بِالطَّبْخِ وَإِنْ زَالَتْ الرَّائِحَةُ بِهِ وَلَوْ زَالَتْ بِمُرُورِ الزَّمَانِ قَالَ الْبَغَوِيّ لَا يَزُولُ الْمَنْعُ وَقَالَ غَيْرُهُ يَزُولُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَكَمَا مُنِعَ لَحْمُهَا يُمْنَعُ لَبَنُهَا وَبَيْضُهَا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي لَبَنِهَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُكْرَهُ الرُّكُوبُ عَلَيْهَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرَّاكِبِ حَائِلٌ قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَغَيْرُهُ إذَا حَرَّمْنَا لَحْمَهَا فَهُوَ نَجِسٌ وَيُطَهَّرُ جِلْدُهَا بِالدِّبَاغِ وَهَذَا يَقْتَضِي نَجَاسَةَ الْجِلْدِ أَيْضًا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ نَجِسٌ إنْ ظَهَرَتْ الرَّائِحَةُ فِيهِ وكذا ان لم تظهر على عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ كَاللَّحْمِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَظُهُورُ النَّتْنِ وَإِنْ حَرَّمْنَا اللَّحْمَ وَنَجَّسْنَاهُ فَلَا نَجْعَلُهُ مُوجِبًا لِنَجَاسَةِ الْحَيَوَانِ فِي حَيَاتِهِ فَإِنَّا لَوْ نَجَّسْنَاهُ صَارَ كَالْكَلْبِ لَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ بَلْ إذَا حَكَمْنَا بِتَحْرِيمِ اللَّحْمِ كَانَ الْحَيَوَانُ كَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ وَيَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) السَّخْلَةُ الْمُرَبَّاةُ بِلَبَنِ الْكَلْبَةِ لَهَا حُكْمُ الْجَلَّالَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فَفِيهَا وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) يَحِلُّ أَكْلُهَا (وَالثَّانِي) لَا يَحِلُّ وَسَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يَحْرُمُ الزَّرْعُ الْمُزَبَّلُ وَإِنْ كَثُرَ الزبل في أصله ولا مَا يُسْقَى مِنْ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ مَاءً نَجِسًا وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بَيَانُ هَذَا مَعَ نَظَائِرِهِ
- (فَرْعٌ) لَوْ عُجِنَ دَقِيقٌ بِمَاءٍ نَجِسٍ وَخَبَزَهُ فَهُوَ نَجِسٌ يَحْرُمُ أَكْلُهُ وَيَجُوزُ أَنْ يُطْعِمَهُ لِشَاةٍ أَوْ بَعِيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ وَنَحْوِهَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَنَقَلَهُ عَنْ نَصِّهِ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ
السُّنَنِ الْكَبِيرِ فِي بَابِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ الدَّائِمِ وَاسْتَدَلَّ الْبَيْهَقِيُّ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ وَفِي فَتَاوَى صَاحِبِ الشَّامِلِ أَنَّهُ يُكْرَهُ إطْعَامُ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ نَجَاسَةً وَهَذَا لَا يُخَالِفُ نَصَّ الشَّافِعِيِّ فِي الطَّعَامِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجَسِ الْعَيْنِ وَمُرَادُ صَاحِبِ الشَّامِلِ نجس العين ولا يجوز اطعام الْمَعْجُونِ بِمَاءٍ نَجِسٍ لِصُعْلُوكٍ وَسَائِلٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْآدَمِيِّينَ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ أَكْلِ المتنجس بخلاف الشاة والبعير ونحوهما قال ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْفَتَاوَى وَلَا يُكْرَهُ أَكْلُ البيض المصلوك بِمَاءٍ نَجِسٍ كَمَا لَا يُكْرَهُ الْوُضُوءُ بِمَاءٍ سُخِّنَ بِالنَّجَاسَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْجَلَّالَةِ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ إذَا تَغَيَّرَ لَحْمُهَا كُرِهَتْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا تَحْرُمُ سَوَاءٌ لَحْمُهَا وَلَبَنُهَا وَبَيْضُهَا وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَالِكٌ وَدَاوُد وَكَذَا لَا يَحْرُمُ مَا سُقِيَ مِنْ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ مَاءً نَجِسًا
- وَقَالَ أَحْمَدُ يَحْرُمُ لَحْمُ الْجَلَّالَةِ وَلَبَنُهَا حَتَّى تُحْبَسَ وَتُعْلَفَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَالَ وَيَحْرُمُ الثِّمَارُ وَالزُّرُوعُ وَالْبُقُولُ الْمَسْقِيَّةُ مَاءً نَجِسًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا لِعَدَمِ التَّحْرِيمِ أَنَّ مَا تَأْكُلُهُ الدَّابَّةُ مِنْ الطَّاهِرَاتِ يَتَنَجَّسُ إذَا حَصَلَ فِي كَرِشِهَا وَلَا يَكُونُ غِذَاؤُهَا إلَّا بِالنَّجَاسَةِ وَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي إبَاحَةِ لحمها ولبنها وبيضها ولان النحاسة الَّتِي تَأْكُلُهَا تَنْزِلُ فِي مَجَارِي الطَّعَامِ وَلَا تُخَالِطُ اللَّحْمَ وَإِنَّمَا يَنْتَشِي اللَّحْمُ بِهَا وَذَلِكَ لا يوجب التحريم والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- (وأما حيوان البحر فانه يحل منه السمك لما رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ (أحلت لنا ميتتان ودمان فاما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال) ولا يحل أكل الضفدع.
لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن قتل الضفدع ولو حل أكله.
لم ينه عن قتله وفيما سوى ذلك وجهان (أحدهما) يحل لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (في البحر اغتسلوا منه وتوضؤا به فانه الطهور ماؤه الحل ميتته) ولانه حيوان لا يعيش إلا في الماء فحل أكله كالسمك (والثانى) ما أكل مثله في البر حل أكله وما لا يؤكل مثله في البر لم يحل أكله اعتبارا بمثله) - (الشَّرْحُ) أَمَّا الْأَثَرُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَصَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي أَكْلِ الْجَرَادِ (وَأَمَّا) حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عثمان بن عبيد الله التميمي الصحابي وهو ابن أخى طلحة بن عبيد الله
- قَالَ سَأَلَ طَبِيبٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ فَنَهَاهُ عَنْ قَتْلِهَا (وَأَمَّا) حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْبَحْرِ فَصَحِيحٌ وَلَفْظُهُ (سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوُضُوءِ بماء البحر فقال هو الطهور ماؤه مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ) وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَالطِّحَالُ - بِكَسْرِ الطَّاءِ - وَالضِّفْدَعُ - بِكَسْرِ الضَّادِ وَبِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا - لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ الْكَسْرُ أَفْصَحُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْفَتْحَ (قَوْلُهُ) حَيَوَانٌ لَا يَعِيشُ إلَّا فِي الْمَاءِ احْتِرَازً مِنْ السِّبَاعِ وَنَحْوِهَا
- (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا الْحَيَوَانُ الَّذِي لَا يُهْلِكُهُ الْمَاءُ ضَرْبَانِ (أَحَدُهُمَا) مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ وَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ كَانَ عَيْشُهُ عَيْشَ الْمَذْبُوحِ كَالسَّمَكِ بِأَنْوَاعِهِ فَهُوَ حَلَالٌ وَلَا حَاجَةَ إلَى ذَبْحِهِ بِلَا خِلَافٍ بَلْ يَحِلُّ مُطْلَقًا سَوَاءٌ مَاتَ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ كَضَغْطَةٍ أَوْ صَدْمَةِ حَجَرٍ أَوْ انْحِسَارِ مَاءٍ أَوْ ضَرْبٍ مِنْ الصَّيَّادِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ سَوَاءٌ طَفَا عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ أَمْ لَا وَكُلُّهُ حَلَالٌ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَأَمَّا مَا لَيْسَ عَلَى صُورَةِ السُّمُوكِ الْمَشْهُورَةِ فَفِيهِ
ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٌ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أقول (أَصَحُّهَا) عِنْدَ الْأَصْحَابِ يَحِلُّ الْجَمِيعُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لَلشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَاخْتِلَافُ الْعِرَاقِيِّينَ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ اسْمَ السَّمَكِ يَقَعُ عَلَى جَمِيعِهَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وطعامه) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ صَيْدُهُ مَا صِيدَ وَطَعَامُهُ مَا قُذِفَ وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ " (وَالْوَجْهُ الثَّانِي) يَحْرُمُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (الثَّالِثُ) مَا يُؤْكَلُ نَظِيرُهُ فِي الْبَرِّ كَالْبَقَرِ وَالشَّاةِ وَغَيْرِهِمَا فَحَلَالٌ وَمَا لَا يُؤْكَلُ كَخِنْزِيرِ الْمَاءِ وَكَلْبِهِ فَحَرَامٌ فَعَلَى هَذَا مَا لَا نَظِيرَ لَهُ حَلَالٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي دَلِيلِ الْأَصَحِّ وَعَلَى هَذَا الثَّالِثِ لَا يَحِلُّ مَا أَشْبَهَ الْحِمَارَ وَإِنْ كَانَ فِي البر حمار الوحش المأكول صرح بن ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا
- وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا أبحنا الجميع فهل تشترط الزكاة أَمْ تَحِلُّ مَيْتَتُهُ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَيُقَالُ قَوْلَانِ (أَصَحُّهُمَا) يَحِلُّ مَيْتَتُهُ (الضَّرْبُ) الثَّانِي مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ وَفِي الْبَرِّ أَيْضًا فَمِنْهُ طَيْرُ الْمَاءِ كَالْبَطِّ وَالْإِوَزِّ وَنَحْوِهِمَا وَهُوَ حَلَالٌ كَمَا سَبَقَ وَلَا يَحِلُّ مَيْتَتُهُ بلا خلاف بل تشترط زكاته وَعَدَّ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ الضِّفْدَعَ وَالسَّرَطَانَ وَهُمَا مُحَرَّمَانِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَفِيهِمَا قول ضعيف انهما حَلَالٌ وَحَكَاهُ الْبَغَوِيّ فِي السَّرَطَانِ عَنْ الْحَلِيمِيِّ.
وَذَوَاتُ السَّمُومِ كَالْحَيَّةِ وَغَيْرِهَا حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ (وَأَمَّا) التِّمْسَاحُ فَحَرَامٌ عَلَى الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالْأَكْثَرُونَ وَفِيهِ وَجْهٌ (وَأَمَّا) السُّلَحْفَاةُ فَحَرَامٌ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ وَاسْتَثْنَى جَمَاعَةٌ الضِّفْدَعَ مِنْ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يَعِيشُ إلَّا فِي الْمَاءِ تَفْرِيعًا عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ حِلُّ الْجَمِيعِ وَكَذَا اسْتَثْنَوْا الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ قَالَ وَمُقْتَضَى هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهَا لَا تَعِيشُ إلَّا فِي الْمَاءِ قَالَ وَيُمْكِنُ أَنْ يكون
نَوْعٌ مِنْهَا كَذَا وَنَوْعٌ كَذَا قَالَ وَاسْتَثْنَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ النَّسْنَاسَ أَيْضًا فَجَعَلَهُ حَرَامًا وَوَافَقَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَخَالَفَهُمَا الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ فَأَبَاحُوهُ (قُلْتُ) الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْبَحْرِ تَحِلُّ مَيْتَتُهُ إلَّا الضِّفْدَعَ وَيُحْمَلُ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ أَوْ بَعْضُهُمْ مِنْ السُّلَحْفَاةِ وَالْحَيَّةِ وَالنَّسْنَاسِ عَلَى مَا يَكُونُ فِي مَاءٍ غَيْرِ الْبَحْرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الرافعى اطلق مطلوقون الْقَوْلَ بِحِلِّ طَيْرِ الْمَاءِ وَكُلُّهَا حَلَالٌ إلَّا اللَّقْلَقَ فَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ قَالَ وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ لَا يُؤْكَلُ طَيْرُ الْمَاءِ الْأَبْيَضُ لِخُبْثِ لَحْمِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِنَا حِلُّ جَمِيعِ مَيْتَاتِ الْبَحْرِ إلَّا الضِّفْدَعَ وَحَكَاهُ الْعَبْدَرِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
- قَالَ وَقَالَ مَالِكٌ يَحِلُّ الْجَمِيعُ سَوَاءٌ الضِّفْدَعُ وَغَيْرُهُ
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَحِلُّ غَيْرُ السَّمَكِ
- (فَرْعٌ) السَّمَكُ الطَّافِي حَلَالٌ وَهُوَ الَّذِي مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ فَيَحِلُّ عِنْدَنَا كُلُّ مَيْتَاتِ الْبَحْرِ غَيْرَ الضِّفْدَعِ سَوَاءٌ مَا مَاتَ بِسَبَبٍ وَغَيْرِهِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَأَبِي أيوب الانصاري وعطاء بن أبى رياح ومكحول والنخغى وأبى ثور رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ مَاتَ بِسَبَبٍ كَضَرْبٍ وَانْحِسَارِ الْمَاءِ عَنْهُ حَلَّ وَإِنْ مَاتَ بِلَا سَبَبٍ حَرُمَ
- وَإِنْ مَاتَ بِسَبَبِ حَرِّ الْمَاءِ أَوْ بَرْدِهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْهُ وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ وَالْخِلَافُ بِمَسْأَلَةِ السَّمَكِ الطَّافِي وَمِمَّنْ قَالَ بِمَنْعِ السَّمَكِ الطَّافِي ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرُ بن عبد الله وجابر بن زيد وطاووس
- وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ وَمَا مَاتَ فيه فطفا فَلَا تَأْكُلُوهُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهُ تَعَالَى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ صَيْدُهُ مَا صِدْتُمُوهُ وطعامه ما قدف وَبِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ) وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كما سبق بيانه وبحديث جابر ابن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثمِائَةِ رَاكِبٍ وَأَمِيرُنَا أَبُو عبيدة ابن الْجَرَّاحِ يَطْلُبُ خَبَرَ قُرَيْشٍ فَأَقَمْنَا عَلَى السَّاحِلِ حَتَّى فَنِيَ زَادُنَا فَأَكَلْنَا الْخَبَطَ ثُمَّ إنَّ الْبَحْرَ أَلْقَى إلَيْنَا دَابَّةً يُقَالُ لَهَا الْعَنْبَرُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ حَتَّى صَلُحَتْ أَجْسَامُنَا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (غَزَوْنَا فَجُعْنَا حَتَّى إنَّ الْجَيْشَ لَيَقْسِمُ التَّمْرَةَ والتمرتين فبينا نحن على شط البحر إذ رَمَى الْبَحْرُ بِحُوتٍ مَيِّتٍ فَاقْتَطَعَ النَّاسُ مِنْهُ مَا شَاءُوا مِنْ لَحْمٍ وَشَحْمٍ وَهُوَ مِثْلُ الطَّرَبِ فَبَلَغَنِي أَنَّ النَّاسَ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرُوهُ فقال لهم أمعكم منه شئ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (أَشْهَدُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ السَّمَكَةُ الطَّافِيَةُ فِيهِ حَلَالٌ لِمَنْ أَرَادَ أَكْلَهَا) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وروى البيهقى باسناده عن عمر ابن الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبى طالب قالا الحراد وَالنُّونُ زَكِيٌّ كُلُّهُ) وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ وَأَبِي صرمنه الْأَنْصَارِيَّيْنِ أَنَّهُمَا أَكَلَا السَّمَكَ الطَّافِيَ) وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (لَا بَأْسَ بِالسَّمَكِ الطَّافِي) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بِأَكْلِ مَا لَفَظَ الْبَحْرُ بَأْسًا) وَعَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِثْلُهُ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ هَذَا كُلُّهُ بِأَسَانِيدِهِ الْمُتَّصِلَةِ (وَأَمَّا) الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الْأَوَّلُونَ فَهُوَ أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ لَا يَجُوزُ الاحتجاج به لو لم يعارضه شئ فَكَيْفَ وَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ دَلَائِلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
الْمُنْتَشِرَةِ وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيِّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمِّيَّةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ يَحْيَى ابن سليم الطائفي كثير الوهم سئ الْحِفْظِ قَالَ وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ إسْمَاعِيلَ ابن أُمِّيَّةَ مَوْقُوفًا عَلَى جَابِرٍ قَالَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ سَأَلْتُ الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ لَيْسَ هُوَ بِمَحْفُوظٍ قَالَ وَيُرْوَى عَنْ جَابِرٍ خِلَافُهُ قَالَ وَلَا أَعْرِفُ لِأَثَرِ ابْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ شَيْئًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا يَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ مَرْفُوعًا وَيَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ مَتْرُوكٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ قَالَ وَرَوَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بن عبيد الله عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا وَعَبْدُ الْعَزِيزِ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ قَالَ ورواه تقيه بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا وَلَا يُحْتَجُّ بِمَا يَنْفَرِدُ به تقية فَكَيْفَ بِمَا يُخَالِفُ قَالَ وَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ جَابِرٍ مَعَ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ ميتته) والله أعلم *
- قال المصنف رحمه الله
(وأما غير الحيوان فضربان طاهر ونجس (فأما) النجس فلا يؤكل لقوله تعالى (ويحرم عليهم الخبائث) والنجس خبيث وَرُوِيَ (إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَ مائعا فأريقوه) فلو حل أكله لم يأمر باراقته (وأما) الطاهر فضربان (ضرب) يضر (وضرب) لا يضر فما يضر لا يحل أكله كالسم والزجاج والتراب والحجر والدليل عليه قوله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم) وقَوْله تَعَالَى (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) وأكل هذه الاشياء تهلكة فوجب أن لا يحل وما لا يضر يحل أكله كالفواكه والحبوب والدليل عليه قوله تعالى (قل من حرم زينة الله التى أخرج لعبادة والطيبات من الرزق)
- (الشَّرْحُ) أَمَّا حَدِيثُ فَأْرَةِ السَّمْنِ فَبَعْضُهُ فِي الصَّحِيحِ وَبَعْضُهُ فِي غَيْرِهِ فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا سَمْنَكُمْ " رَوَاهُ) الْبُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وكلوه) وعن أبى هريرة قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إذَا وَقَعَتْ الْفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ وَذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادِ أَبِي دَاوُد ثم قال وهذا حديث غير محفوط قَالَ سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ هُوَ خَطَأٌ قَالَ وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ وَذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَلَمْ يُضَعِّفْهُ فَهُوَ وَأَبُو دَاوُد مُتَّفِقَانِ عَلَى السُّكُوتِ عَلَيْهِ مَعَ صِحَّةِ إسْنَادِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَرُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ (وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَأَرِيقُوهُ) (وَأَمَّا) السَّمُّ وَالزُّجَاجُ فَفِيهِمَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ - فَتْحُ السِّينِ وَالزَّايِ وَضَمُّهُمَا وَكَسْرُهُمَا وَالْفَصِيحُ فَتْحِ السِّينِ وَضَمُّ الزَّايِ - (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَفِيهَا مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) قَالَ أَصْحَابُنَا يَحْرُمُ أَكْلُ نَجِسِ الْعَيْنِ كَالْمَيْتَةِ وَلَبَنِ الْأَتَانِ وَالْبَوْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكَذَا يَحْرُمُ أَكْلُ الْمُتَنَجِّسِ كَاللَّبَنِ وَالْخَلِّ وَالدِّبْسِ وَالطَّبِيخِ وَالدُّهْنِ وَغَيْرِهَا إذَا تَنَجَّسَتْ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّ الدُّهْنَ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ إذَا غُسِلَ طَهُرَ وَحَلَّ أَكْلُهُ وَدَلِيلُ الْمَسْأَلَةِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ
- وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ قولهم لا يحل أكل شئ نَجِسٍ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ الدُّودُ الْمُتَوَلِّدُ مِنْ الْفَوَاكِهِ وَالْجُبْنِ وَالْخَلِّ وَالْبَاقِلَا وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ إذَا مَاتَ فِيمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ نَجِسَ بِالْمَوْتِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَفِي حِلِّ أَكْلِ هَذَا الدُّودِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (أصحهما) يَحِلُّ أَكْلُهُ مَعَ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ لَا مُنْفَرِدًا (وَالثَّانِي) يَحِلُّ مُطْلَقًا (وَالثَّالِثُ) يَحْرُمُ مُطْلَقًا فَعَلَى الصَّحِيحِ يَكُونُ نَجِسًا لَا ضَرَرَ
فِي أَكْلِهِ وَيَحِلُّ أَكْلُهُ مَعَهُ فَيَحْتَاجُ إلَى اسْتِثْنَائِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
- وَلَوْ تَنَجَّسَ فَمُهُ حَرُمَ عَلَيْهِ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ قَبْلَ غَسْلِهِ لِأَنَّ مَا يَصِلُ إلَيْهِ يَنْجَسُ فَيَكُونُ أَكْلَ نَجَاسَةٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يُبَالِغَ فِي غَسْلِهِ وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي آخِرِ بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ (الثَّانِيَةُ) لَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا فِيهِ ضَرَرٌ مِنْ الطَّاهِرَاتِ كَالسَّمِّ الْقَاتِلِ وَالزُّجَاجِ وَالتُّرَابِ الَّذِي يؤذى البدن وهو هذا الَّذِي يَأْكُلُهُ بَعْضُ النِّسَاءِ وَبَعْضُ السُّفَهَاءِ وَكَذَلِكَ الْحَجَرُ الَّذِي يَضُرُّ أَكْلُهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَدَلِيلُهُ فِي الْكِتَابِ قَالَ إبْرَاهِيمُ الْمَرُّوذِيُّ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ فِي النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ الطِّينِ وَلَمْ يثبت شئ منها قال وينبغى أن نحكم بِالتَّحْرِيمِ إنْ ظَهَرَتْ الْمَضَرَّةُ فِيهِ وَقَدْ جَزَمَ الْمُصَنِّفُ وَآخَرُونَ بِتَحْرِيمِ أَكْلِ التُّرَابِ وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي بَابِ الرِّبَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَجُوزُ شُرْبُ دَوَاءٍ فِيهِ قَلِيلُ سَمٍّ إذَا كَانَ الْغَالِبُ مِنْهُ السَّلَامَةَ وَاحْتِيجَ إلَيْهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَوْ تُصُوِّرَ شَخْصٌ لَا يَضُرُّهُ أكل السموم الطاهرة لم يحرم عليه إذا لا ضرر قال الريانى وَالنَّبَاتُ الَّذِي يُسْكِرُ وَلَيْسَ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ يَحْرُمُ أَكْلُهُ وَلَا حَدَّ عَلَى آكِلِهِ قَالَ وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الدَّوَاءِ وَإِنْ أَفْضَى إلَى السُّكْرِ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بُدٌّ قَالَ وَمَا يُسْكِرُ مَعَ غَيْرِهِ وَلَا يُسْكِرُ بِنَفْسِهِ إنْ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ فِي دَوَاءٍ وَغَيْرِهِ فَهُوَ حَرَامٌ وَإِنْ كَانَ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي التَّدَاوِي حَلَّ التَّدَاوِي بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الثَّالِثَةُ) كُلُّ طَاهِرٍ لَا ضَرَرَ فِيهِ فَهُوَ حَلَالٌ إلَّا ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ وَذَلِكَ كَالْخُبْزِ وَالْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَالْفَوَاكِهِ وَالْحُبُوبِ وَاللُّحُومِ الطَّاهِرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْإِجْمَاعُ (وَأَمَّا) الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ الْمُسْتَثْنَاةُ (فَأَحَدُهَا) الْمُسْتَقْذَرَاتُ كَالْمُخَاطِ وَالْمَنِيِّ وَنَحْوِهِمَا وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ أَنَّهَا حَلَالٌ وَمِمَّنْ قَالَ به في المنى أبو زيد المروزى وَحُكْمُ الْعَرَقِ حُكْمُ الْمَنِيِّ وَالْمُخَاطِ وَقَدْ جَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ
عَقِبَ كِتَابِ السَّلَمِ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ لَبَنِ الْآدَمِيَّاتِ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ شُرْبُ الْعَرَقِ (الثَّانِي) الْحَيَوَانُ الصَّغِيرُ كَصِغَارِ الْعَصَافِيرِ وَنَحْوِهَا يَحْرُمُ ابْتِلَاعُهُ حَيًّا بلا خلاف لانه لا يحل الا بزكاة هَذَا فِي غَيْرِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ
(أَمَّا) السَّمَكُ وَالْجَرَادُ فَيَحِلُّ ابْتِلَاعُهُمَا فِي الْحَيَاةِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ (الثَّالِثُ) جِلْدُ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغُ فِي أَكْلِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَوْ أَوْجُهٍ سَبَقَتْ فِي بَابِ الْآنِيَةِ (أَصَحُّهَا) أَنَّهُ حَرَامٌ
(وَالثَّانِي)
حَلَالٌ (وَالثَّالِثُ) إنْ كَانَ جِلْدَ حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ فَحَلَالٌ وَإِلَّا فَلَا.
وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ تُرَدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ حَيْثُ لَمْ يَسْتَثْنِهَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الزَّيْتِ إذَا وَقَعَتْ فيه نجاسة فقال جماعة من أصحابنا الْحَدِيثِ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لِقَوْلِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تَقْرَبُوهُ) وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ نَجِسٌ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَلَا شُرْبُهُ وَيَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ وَبَيْعُهُ
- وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَلَا بَيْعُهُ وَيَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ
- وَقَالَ دَاوُد إنْ كان سَمْنًا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ وَلَا أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَإِنْ كَانَ زَيْتًا لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهُ وَلَا بَيْعُهُ وَزَعَمَ أَنَّ الْحَدِيثَ مُخْتَصٌّ بِالسَّمْنِ وَهُوَ لَا يُقَاسُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- هَذَا كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ وَأَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ جَوَازُ الِاسْتِصْبَاحِ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ وَالْمُتَنَجِّسِ سَوَاءٌ وَدَكُ الْمَيْتَةِ وَغَيْرُهُ وَسَبَقَتْ هُنَاكَ مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِي الِانْتِفَاعِ بِالنَّجَاسَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) وَقَعَتْ فَأْرَةٌ مَيْتَةٌ أَوْ غَيْرُهَا مِنْ النَّجَاسَاتِ فِي سَمْنٍ أَوْ زَيْتٍ أَوْ دِبْسٍ أَوْ عَجِينٍ أَوْ طَبِيخٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا حُكْمُهُ مَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مَائِعًا نَجَّسَتْهُ وَإِنْ كَانَ جَامِدًا أُلْقِيَتْ النَّجَاسَةُ وَمَا حَوْلَهَا وَبَقِيَ الْبَاقِي طَاهِرًا قَالُوا وَضَابِطُ الْجَامِدِ أَنَّهُ إذا أخذت
مِنْهُ قِطْعَةٌ لَمْ يُرَادَّ إلَى مَوْضِعِهَا مِنْهُ عَلَى الْقُرْبِ مَا يَمْلَؤُهَا فَإِنْ تَرَادَّ فَمَائِعٌ وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فِي مَسْأَلَةِ وُلُوغِ الْكَلْبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الْعَبْدَرِيُّ لَوْ نَصَبَ قِدْرًا عَلَى النَّارِ وَفِيهَا لَحْمٌ فَوَقَعَ فِيهَا طَائِرٌ فَمَاتَ فَأُخْرِجَ الطَّائِرُ صَارَ مَا فِي الْقِدْرِ نَجِسًا فَيُرَاقُ الْمَرَقُ وَلَا يَجُوزُ أَكْلُ اللَّحْمِ إلَّا بَعْدَ غَسْلِهِ
- هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ عباس.
وعن مالك روايتان (أحدهما) كَمَذْهَبِنَا (وَأَصَحُّهُمَا) عَنْهُ أَنَّهُ يُرَاقُ الْمَرَقُ وَيُرْمَى اللَّحْمُ فَلَا يُؤْكَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - (فَرْعٌ) قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَوْ وَقَعَتْ ذُبَابَةٌ أَوْ نَحْلَةٌ فِي قِدْرِ طَبِيخٍ وَتَهَرَّأَتْ أَجْزَاؤُهَا فِيهِ لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُ ذَلِكَ الطَّبِيخِ لِأَنَّ تَحْرِيمَ أَكْلِ الذُّبَابِ وَالنَّمْلِ وَنَحْوِهِ إنَّمَا كَانَ لِلِاسْتِقْذَارِ وَلَا يُعَدُّ هَذَا مُسْتَقْذَرًا قَالَ وَلَوْ وَقَعَ فِيهِ جُزْءٌ مِنْ لَحْمِ آدَمِيٍّ مَيِّتٍ لَمْ يحل أكل شئ مِنْ ذَلِكَ الطَّبِيخِ حَتَّى لَوْ كَانَ لَحْمُ الآدمى وزن دانق حرم الطبيخ لا لنجاسة فَإِنَّ الْآدَمِيَّ الْمَيِّتَ طَاهِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَلَكِنْ لِأَنَّ أَكْلَ الْآدَمِيِّ حَرَامٌ لِحُرْمَتِهِ لَا لِاسْتِقْذَارِهِ بِخِلَافِ الذُّبَابِ هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ وَالْمُخْتَارُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الطَّبِيخُ فِي مَسْأَلَةِ لَحْمِ الْآدَمِيِّ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَهْلَكًا فَهُوَ كَالْبَوْلِ وَغَيْرِهِ إذَا وَقَعَ فِي قُلَّتَيْنِ مِنْ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ جَمِيعِهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لِأَنَّ البول صار باستهلاكه كالمعدوم والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- (ومن اضطر إلى أكل الميتة أو لحم الخنزير فله أن يأكل منه ما يسد به الرمق لقوله تَعَالَى (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فلا إثم عليه) وهل يجب أكله فيه وجهان (أحدهما) يجب لقوله
تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم) (والثانى) لا يجب وهو قول أبى اسحق لان له غرضا في تركه وهو أن يجتنب ما حرم عليه وهل يجوز أن يشبع منه فيه قولان (أحدهما) لا يجوز وهو اختيار المزني لانه بعد سد الرمق غير مضطر فلا يجوز له أكل الميتة كما لو اراد أن يبتدئ بالاكل وهو غير مضطر (والثانى) يحل لان كل طعام جاز أن يأكل منه قدر سد الرمق جاز له أن يشبع منه كالطعام الحلال وان اضطر إلى طعام غيره وصاحبه غير مضطر إليه وجب عليه بذله لان الامتناع من بذله إعانة على قتله وَقَدْ قَالَ (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أعان على قتل امرئ مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله) وان طلب منه ثمن المثل لزمه أن يشتريه منه ولا يجوز أن يأكل الميتة لانه غير مضطر فان طلب أكثر من ثمن المثل أو امتنع من بذله فله أن يقاتله عليه فان لم يقدر على مقاتلته فاشترى منه بأكثر من ثمن المثل ففيه وجهان (أحدهما) يلزمه لانه ثمن في بيع صحيح (والثانى) لا يلزمه الا ثمن المثل كالمكره على شرائه فلم يلزمه أكثر من ثمن المثل وان وجد الميته وطعام الغير وصاحبه غائب ففيه وجهان (أحدهما) أنه ياكل الطعام لانه طاهر فكان اولى (والثانى) يأكل الميتة لان أكل الميتة ثبت بالنص وطعام الغير ثبت بالاجتهاد فقدم أكل الميتة عليه ولان المنع من أكل الميتة لحق الله سبحانه وتعالى والمنع من طعام الغير لحق الآدمى وحقوق الله تعالى مبنية على التسهيل وحقوق الآدمى مبنية على التشديد وان وجد ميتة وصيدا وهو محرم ففيه طريقان (من) أصحابنا من قال إذا قلنا أنه إذا ذبح المحرم الصيد صار ميتة أكل الميتة وترك الصيد لانه إذا ذكاه صار ميتة ولزمه الجزاء (وان قلنا) أنه لا يصير ميتة أكل الصيد لانه طاهر ولان تحريمه أخف لانه يحرم عليه
وحده والميتة محرمة عليه وعلى غيره (ومن) أصحابنا من قال ان قلنا أنه يصير ميتة أكل الميتة وان قلنا أنه لا يكون ميتة ففيه قولان (أحدهما) يذبح الصيد ويأكله لانه طاهر ولان تحريمه أخف على ما ذكرناه (والثانى) أنه يأكل الميتة لانه منصوص عليها والصيد مجتهد فيه وان اضطر ووجد آدميا ميتا جاز له أكله لان حرمة الحى آكد من حرمة الميت وان وجد مرتدا أو من وجب قتله في الزنا جاز له أن يأكله لان قتله مستحق وان اضطر ولم يجد شيئا فهل يجوز له أن يقطع شيئا من بدنه ويأكله فيه وجهان (قال) أبو إسحق يجوز لانه احياء نفس بعضو فجاز كما يجوز أن يقطع عضوا إذا وقعت فيه الآكلة لاحياء نفسه ومن أصحابنا من قال لا يجوز لانه إذا قطع عضوا منه كان المخافة عليه أكثر وان اضطر إلى شرب الخمر أو البول شرب البول لان تحريم الخمر أغلظ ولهذا يتعلق به الحد فكان البول أولى وان اضطر إلى شرب الخمر وحدها ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) أنه لا يجوز أن يشرب لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم) (والثانى) يجوز لانه يدفع به الضرر عن نفسه فصار كما لو أكره على شربها (والثالث) أنه ان اضطر إلى شربها للعطش لم يجز لانها تزيد في الالهاب والعطش وان اضطر إليها للتداوي جاز)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ (مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ) رَوَاهُ 1 وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَّا رَجُلًا وَاحِدًا فَإِنَّهُ مَسْتُورٌ وَالْأَصَحُّ جَوَازُ الِاحْتِجَاجِ بِرِوَايَةِ الْمَسْتُورِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَفِيهَا مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ على أن المضطر