المهمات في شرح الروضة والرافعيكتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنة

فيه بابان

الباب الأول: في الجزية

اعلم أن الرافعي -رحمه الله- قد ذكر في الباب ألفاظًا منها: بريدة: أحد الصحابة -رضي الله عنهم-، هو بباء موحدة مضمومة تصغير بردة.
ومنها: الأكيدر: الذي أحضره خالد من الشام، هو بهمزة [مضمومة] مصغر أكدر وهو الذي في لونه كدرة.
ومنها: السفارة: أي: النيابة، وهي بالكسر كما سبق في مواضع.
ومنها: الخول: بفتح الخاء المعجمة والواو وباللام في آخره، وهم العبيد كما سبق في الغنيمة.
ومنهما: في حدود الحجاز حرة: أما الحرة فبالحاء المفتوحة والراء المهملتين، وهي أرض ذات حجارة سود.
وأما واقم: فبالقاف المكسورة، قال الجوهري: هو اسم لحصن من حصون المدينة، والحرة المذكورة مضافة إليه.
ومنها: فلسطين: وهي بكسر الفاء وفتح اللام، ناحية مشهورة من الشام متصلة بديار مصر وكرسيها بين المقدس وغزة.
ومنها: المخاليف: جميع مخلاف بميم مكسورة وخاء معجمة ساكنة، وهي القرى، وهو -أي: المخلاف- اسم لقرى مجتمعة، ويعبر عنه أيضًا1

الجزء: 8 - الصفحة: 437

بالكورة، ولكل من تلك القرى اسم يخصه.
ومنها: يبرين: هي بفتح الياء بنقطتين من تحت وإسكان الباء الموحدة وكسر الراء وبعدها ياء مثناة من تحت ساكنة ثم نون، وهو موضع معروف شرقي مكة وراء اليمامة وفيه نخل، ذكره الجوهري في فصل الباء الموحدة من باب النون، فجعل الباء زائدة والنون أصلًا على أن وزنه تفعيل، وغلطوه في هذا وقالوا: الصواب ذكره في فصل الياء المثناة من تحت من باب الراء على أن الباء أصل والنون زائدة ووزنه فعلين ومنها: وج: بواو مفتوحة وجيم مشددة شعب في الحج.
ومنها: زهاء: بضم الزاي والمد، يقول: له عندي زهاء ألف أي: قدر ألف.
ومنها: الميرة: بكسر الميم، اسم للطعام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ 2. ومنها: الفتك: بثاء مثلثة أي: تضم وتفتح وتكسر وفاء ساكنة ثم كاف، وهو القتل على غفلة من المقتول، وقد تقدم في الجنايات أن القتل ينقسم إلى أقسام هذا أحدها.
ومنها: أيلة: بهمزة مفتوحة وياء ساكنة بتقطتين من تحت، هي بلدة معروفة على ساحل البحر الملح في طريق الحاج المصرى، وعقبة أيلة مضافة إليها، وهذه البلدة هي آخر الشام وأول الحجاز، وهي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ 3. ومنها: المعتمل: بميم مضمومة وعين مهملة ساكنة وتاء مثناة من فوق بعدها لام، معناه: الكسوب، وهو مفتعل من الكسب أى العمل.

الجزء: 8 - الصفحة: 438

ومنها: ياروس المجوس: لم أقف فيه على كلام.
ومنها: نسف: بنون ثم سين مهملة مفتوحة، اسم لبلدة من بلاد الشرق، وإليها ينسب النسفي صاحب "الخلافيات".
ومنها: الأكهب: بكاف ثم هاء ثم باء موحدة، وهو الأحمر الذي ليس بخالص في الحمرة؛ يقال بغير أكهب واضح المكهبة بضم الكاف، والكهب بفتحها وفتح الهاء.
ومنها: الكستيحات: اسم للزنار، أما الزنار: فبضم الزاى، وأما اللفظ الأول فلا أعلم من ذكره.
ومنها: أنه -عليه الصلاة والسلام- قتل ابن خطل والقينتين 4. أما خطل: فبخاء معجمة ثم طاء مهملة مفتوحتين بعدها لام، واسم ولده المقتول عبد العزى، وقال ابن الكلبي: غالب، وقال ابن إسحاق: عبد الله، وأما القينتان: فتثنية القينة بقاف وياء بنقطتين من تحت ونون، وهي الأمج سواء كانت تغني أم لا والعبد يقال له قن، والقينتان المذكورتان كانتا لابن خطل المذكور وكانتا تغنيان بهجاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهجاء المسلمين.
ومنها القت: بقاف مفتوحة وبالمثناة من فوق، وهو نبات رطب تأكله الدواب، يعبر عنه في صعيد مصر: بالقرط.

قوله: ولو طلب الأسير عقد الذمة ففي تحريم قتله قولان: أولاهما التحريم، فإن دخل حربي دارنا وبقى مدة ثم اطلعنا عليه فطلب عقد الذمة.
فإن قلنا: إن الأسير يقرر، فكذلك هذا وإلا فوجهان، وإيراد الإمام يشعر بترجيح الإجابة.
انتهى ملخصًا.

الجزء: 8 - الصفحة: 439

رجح في "الشرح الصغير" ما أشعر به كلام الإمام فقال: والأرجح الإجابة وصححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زوائده" فتفطن له.

قوله: وما اشتهر أن الرسول آمن فقال الروياني: هو في رسالة فيها مصلحة للمسلمين من هدنة وغيرها، فإن كان رسولًا في [وعيد] وتهديد فلا أمان له ويتخير الإمام فيه بين الخصال الأربع كالأسير.
انتهى.
وهذا الذي قاله الروياني قد جزم به أيضًا الماوردي، وقد رد في "الروضة" هذه المقالة واقتضى كلامه انفراد الروياني بذلك فإنه قال: ليس ما ادعاه بمقبول والصواب: إنه لا فرق.
هذا لفظه.
نعم ذكر الرافعي قبل ذلك في باب كيفية الجهاد أن الرسول لا يجوز قتله ولم يستثن شيئًا بالكلية فدل على ضعف هذه المقابلة.

قوله: فإن أعتقه ذمي فيستأنف له عقد أم يكتفي بعقد سيده في حقه؟ أجرى صاحب "التهذيب" فيه الخلاف المذكور في الصبي إذا بلغ.
وعن "الحاوي" حكاية وجوه في أنه تلزمه جزية سيده، أو جزية عصبته لأنهم أخص به، أو يستأنف له عقد آخر.
انتهى.
ومقتضى كلامه في "الشرح الصغير" رجحان الاستئناف؛ فقد صرح بتصحيحه النووي في "زوائده".

قوله: ولا جزية على امرأة أو خنثى، فإن بانت ذكورته فهل تؤخذ منه السنين الماضية؟ وجهان.
انتهى.
قال في "الروضة": ينبغي أن يكون الأصح الأخذ.
قلت: بل ينبغي تصحيح عكسه؛ فقد تقدم قبل هذا بقليل في أثناء الركن الأول أنه إذا دخل حربي دارنا وبقى مدة ثم اطلعنا عليه لا نأخذ منه

الجزء: 8 - الصفحة: 440

شيئا لما مضى على الصحيح الذي حكاه الإمام عن الأصحاب؛ لأن عماد الجزية القبول وهذا حربي لم يلتزم شيئًا، وما قالوه بعينه موجود هنا بل أولى؛ لأنا تحققنا الأهلية هناك ولم نتحققها هنا.

قوله: وإذا حاصرنا قلعة ولم يكن فيها إلا النساء فطلبن عقد الذمة بالجزية ففيه قولان منقولان عن الأم: أحدهما: أنه يعقد لهن عقد الذمة لأنهن يحتجن إلى صيانة أنفسهن عن الرق كما يحتاج الرجال إلى صيانة أنفسهم عن القتل؛ فعلى هذا يشترط عليهن أن تجري عليهن أحكام المسلمين ولا نسترقهن ولا [نأخذ] منهن شيئا.
والثاني: لا يعقد الإمام لهن، فإذا فتح القلعة سباهن.
والقولان متفقان على أنه لا تقبل منهن جزية ولا تؤخذ منهن أخذ إلزام.
هذا ما نقله عامة الأصحاب على اختلاف طبقاتهم، وشذ عنهم الإمام فنقل الخلاف وجهين وجعلهما في أنه هل يلزم قبول الجزية وترك إرقاقهن؟ انتهى ملخصًا.
وما ذكره من حكاية الإمام لوجهين لا قولين هو كذلك في هذا الباب من "النهاية" لكنه ذكرها أيضًا في باب جامع السير وحكى الخلاف قولين كما ذكره غيره فذهل الرافعي عن هذا الموضع.
واعلم أن الماوردي حكى وجهين في وجوب إعطائهن ذلك بعد التزامه فقال: فعلى هذا هل تلزمهن الجزية ببذلهن أم لا؟ على وجهين: أحدهما: [يلزمهن أداؤها بعد إعلامهن عند العقد أنهن من غير أهلها] 5 فإن امتنعن من بذلها بعد لزومها خرجن عن الذمة.
والوجه الثاني: لا.
هذا كلامه.

الجزء: 8 - الصفحة: 441

قوله: وأما حرم مكة -زادها الله تعالى شرفًا- فيمنع الكافر من دخوله ولو كان مجتازًا، وهو من طريق المدينة على ثلاثة أميال ومن طريق العراق على سبعة أميال ومن طريق الجعرانة على تسعة أميال ومن طريق الطائف على سبعة ومن طريق جدة على عشرة؛ كذا حكاه الماوردي وجماعة، ولعله أورده في كتاب الحج.
انتهى.
لم يذكره الرافعي هناك، وقد حذفه النووي من هنا اعتمادًا على تقدمه في ذلك الموضع فلزم خلو "الروضة" عنه، وقد جزم البغوي في هذا الباب من "التهذيب" بالتحديد المذكور وعجب من ذهوله عنه حتى نقله عن الأحكام السلطانية.
والسبعة المذكورة في العراق والطائف هي بسين ثم باء، بخلاف المذكورة مع الجعرانة فإنها بتاء مثناة ثم سين، وقد جمع بعضهم الحدود المذكورة في بيتين فقال: وللحرم التحديد من أرض طيبة ... ثلاثة أميال إذا رمت إتقانه وسبعه أميال عراق وطائف ... وجدة عشر ثم تسع جعرانة

قوله: وإن استأذن في دخوله عبر الحجاز أذن له إن كان في دخوله مصلحة للمسلمين كرسالة أو عقد هدنة أو حمل متاع يحتاج إليه المسلمون، وإن كان دخوله لتجارة ليس فيه كبير حاجة للمسلمين لم يأذن له إلا بشرط أن يأخذ من تجارته شيئًا.
انتهى.
[. .] 6.

قوله: أقل الجزية دينار لكل سنة, ويستحب للإمام أن يماكسهم حتى يأخذ من الغنى أربعة دنانير ومن المتوسط دينارين.

الجزء: 8 - الصفحة: 442

قال الإمام: وموضع المماكسة ما إذا لم يعلم الكافر جواز الاقتصار على دينار، فإن علم بطلت الزيادة استماحه.
انتهى.
قال الجوهري: محت فلانًا أعطيته واستمحته سألته العطاء.

قوله: تؤخذ الجزية على سبيل الصغار بأن يكون الذمي قائمًا والمسلم الذي يأخذها جالسًا ويأمره أن يخرج يده من جيبه أى طوقه ويحني ظهره ويطأطئ رأسه ويصب ما معه في كفة الميزان ويأخذ المستوفي بلحيته ويضرب في همزته وهي مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن وهذا معنى الصغار في الآية عند بعضهم، وهذه الكيفية مستحبة وقيل واجبة.
انتهى ملخصًا.
وهذا الذي جزم به الرافعي من أخذها على هذه الكيفية عجيب مخالف لنص الشافعي وتفسير الصغار في الآية بها أعجب.
أما النص: فقد قال الشافعي في كتاب السير من "إملائه" على كتاب الواقدي ما نصه: ولم أسمع مخالفًا في أن الصغار أن يعلو حكم الإسلام على حكم الكفر.
انتهى.
كذا رأيته في "كتاب الجزية" لابن الحداد نقلًا عنه.
ونقل الشيخ أبو حامد في "تعليقته" عن أهل التفسير أنهم فسروا الصغار بما ذكره الرافعي، ثم قال ما نصه: قلنا: ليس هذا مذهب الشافعي - رضي الله عنه -، بل الصغار عنده هو رضاهم بجريان حكم لا يعتقدون صحته عليهم.
ثم أطال الشيخ أبو حامد الاستدلال على ذلك، وذكر أصحاب الشيخ أبي حامد كالبندنيجي والمحاملي نحوه أيضًا، وقال الماوردي في الحاوي في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ 7 أن الشافعي فسر الإعطاء في الآية بالالتزام، وأبو حنيفة فسره بالدفع، ونقل في "البيان" مثله عن نصه في "الأم" و"المختصر".

الجزء: 8 - الصفحة: 443

وأما بطلان تفسير الصغار في الآية بذلك فلأن الله تعالى أوجب مقاتلتهم إلى إعطاء الجزية فقال: ﴿قَاتِلُوا الَذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ 8 فجعل غاية المقاتلة إعطاء الجزية، والمقاتلة تنقطع بالالتزام إجماعًا؛ فيبطل بذلك تفسير الإعطاء بالدفع؛ فصار هذا كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَلَاةَ وَآتَوُا الزَكَاةَ فَخَلُوا سَبِيلَهُمْ﴾ 9، ثم إن الرافعي -رحمه الله- في أول الباب قد فسر الصغار أيضًا بذلك فقال: الأصح عند الأصحاب تفسير الصغار بالتزام ذلك وقالوا أشد الصغار على المرء أن تحكم عليه بما لا يعتقده ويضطر إلى احتماله.
واعلم أن النووي -رحمه الله- قد أنكر أيضًا أيضًا هذه الكيفية إلا أنه لم يطلع على ما ذكرناه من النصوص ولا أبدى ما ذكرناه من ما يبطل التفسير بها بل استند إلى كلام بعض الأصحاب فقال: قلت: لا نعلم لهذه الكيفية أصلًا معتمدًا وإنما ذكرها طائفه من أصحابنا الخراسانيين، وقال جمهور الأصحاب: تؤخد الجزية برفق كأخذ الدين.
هذا خلاصة ما ذكره.

قوله: ويجوز أخذ الجزية باسم الزكاة ولكن بضعف الواجب؛ فنأخذ مثلًا من خمس من الأبل شاتين ومن ست وأربعين حقتين، فإن لم نجدها فبنتي لبون مع الجيران.
وفي تضعيف الجبران وجهان: أحدهما: يضعف فيأخذ مع كل بنت مخاض [شاتان أو عشرين درهمًا .. إلى أخره.
وهذا الكلام قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو خطأ ظاهر وسببه إسقاط شيئًا من مسودة الرافعي "الشرح الصغير" فإنه قال: فيه وجهان:

الجزء: 8 - الصفحة: 444

أحدهما: يضعف فيأخذ عن بنت مخاض] 10. أربع شياه أو عشرين درهما؛ لأنه نقص الصدقة.
والأصح: المنع وهو المذكور في الكتاب، لأن في تضعيف الجبران تضعيف التضعيف فلا نأخذ مع كل بنت مخاض إلا شاتين أو عشرين درهما.
هذا كلامه.
فسقط الكلام المشتمل على بيان المذهب الصحيح وهو من لفظه: يأخذ إلى مثلها، وقد بين الفوراني في "الإبانة" لزوم تضعيف التضعيف فقال: وذلك أنا ضعفنا حتى أخذنا منه مكان الحقة حقتين ثم انتقلنا إلى ابنتي لبون فإذا أخذنا مع بنتي اللبون أربع شياه وهذا جبران وتضعيف ولولا التضعيف لأخذنا منه شاتين.
هذا كلامه.

قوله: وأما الذمي فله أن يتجر فيما سوى الحجاز من بلاد الإسلام ولا يؤخذ من تجارته شئ.
قال في "البيان": إلا أن يشترط عليه مع الجزية شئ من تجارته.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، والذي قاله المذكور أعني: العمراني قد سبقه إليه الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر"، وهو واضح منقاس.

قوله: وإن بدأ الذمي بالسلام فلا نجيبه.
قاله في "التهذيب".
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن البغوي وارتضاه مخالف لما نقله عن صاحبه المتولي في كتاب السير وارتضاه أيضًا من كونه يحييه بقوله وعليك.

الجزء: 8 - الصفحة: 445

وقد تقدم ذكره في موضعه وأن ذلك هو الصواب.
وقال النووى هنا: ما ذكره البغوي هو وجه حكاه الماوردي، والصحيح بل الصواب أن يجاب بما ثبت في الأحاديث الصحيحة: وعليكم.
هذا لفظه.
والتعبير بضمير الجمع في عليكم مخالف لما ذكره الرافعي هناك ووافق عليه في "الروضة" وفي باقي كتبه من التعبير بضمير المفرد.

قوله: ولا يجوز لمسلم أن يوادهم؛ قال الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا﴾ 11 الآية.
انتهى.
وما ذكره هنا من تحريم الموادة قد خالفه في أول باب الوليمة فجزم بالكراهة، وتابعة في "الروضة" على الموضعين.

قوله: ولو كان لمسلم على ذمي دين فقضاه وجب القبول إذا لم يعلم أن المؤدي من محرم، فإن علم بأن باع الخمر بين يديه وأخذ ثمنها فهل يجبر على قبوله؟ وجهان: أصحهما: لا يجبر، وهو المنصوص، بل لا يجوز القبول.
انتهى.
واعلم أنه قد سبق في نكاح المشركين أنه إذا ترابى الذميان فباعه درهمًا بدرهمين وأسلما أو ترافعا إلينا قبل الإسلام، فإن جرى تقابض لم يلزم الرد، ولا فوق في ذلك بين أن يكون التقابض برضاهم أو بإجبار قاضيهم.
وإذا علمت ما تقدم هناك علمت منه أن الكافر يملك ثمن الخمر الذي باعه ولهذا لم يوجب عليه الرد في الكفر ولا بعد الإسلام، وإذا ملكه لزم منه وجوب قبوله في مسألتنا فترجع خلافه ذهول عن ذلك، وقد جزم

الجزء: 8 - الصفحة: 446

القفال في "فتاويه" بما ذكرته حكمًا وتعليلا فقال: لو باع ذمي لذمي خمرًا بألف فجاء مسلم وضمن الألف عن الذمي فقال لا يصح لأنهما لو أسلما قبل القبض سقط، أما إذا قبض الثمن وهناك مسلم يشاهده فاشترى بعين تلك الدراهم من هذا المسلم فإنه يصح ويحل للمسلم تملك تلك الدراهم لأنهما لو أسلما لكانت الدراهم تحل لهذا القابض.
هذا كلامه.
والمسألة التي ذكرها أولًا مسألة مهمة.

قوله: وتؤخذ النساء بالغيار في أظهر الوجهين ثم قال: وإذا قلنا به فقال الشيخ أبو حامد: يجعل الزنار فوق الإزار وفي "التهذيب" وغيره: تحته لئلا يصف بدنها، وأشار بعضهم إلى اشتراط ظهور شيء منه.
انتهى.
قال في "الروضة": هذا لابد منه وإلا فلا يحصل كثير فائدة.

قوله: والتمييز في الحمام ينبني على أنه يجوز لهن دخول الحمام مع نساء المسلمين.
قال في "التهذيب": وأظهر الوجهين منعه لأنهن أجنبيات في الدين، وقد يفهم من هذا السياق أن لنساء المسلمين أن يدخلنه بلا حجر.
وعن ابن أبي هريرة أنه قال: لا يجوز إلا عن ضرورة لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أيما امرأة خلعت ثوبها في غير بيت زوجها فهي ملعونة" 12.

الجزء: 8 - الصفحة: 447

انتهى.
والأصح في دخولهن مع نساء المسلمين ما قاله البغوى.
كذا صححه النووي من "زوائده" في أوائل النكاح، واقتصر هنا على كلام البغوى، والأصح الأشهر كما قاله في "الروضة" هنا أنه لا يحرم دخولهن الحمام بلا عذر لكن يكره، وجزم الغزالي في "الإحياء" بالتحريم فقال: يحرم عليها دخوله إلا لنفاس أو لمرض.

قوله في أصل "الروضة": ولو زنا ذمي بمسلمة أو أصابها باسم نكاح أو تطلع على عورة المسلمين ونقلها إلى دار الحرب أو فتن مسلما عن دينه ودعاه إلى دينهم ففي انتقاض عهده طرق: أصحها أنه إن لم يجر لم ينتقض وإلا فوجهان، ويقال: قولان: أصحهما: لا ينتقض.
وهل المعتبر في الشرط الامتناع من هذه الأفعال أم انتقاض العهد إذا ارتكبها؟ صرح الإمام والغزالي بالثاني وكثيرون بالأول، ولا يبعد أن يتوسط فيقال إن شرط الانتقاض فالأصح [الانتقاض] 13 وإلا فالأصح خلافه.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الترجيح الأخير مناف لتصحيحه الانتقاض مع الشرط؛ ولهذا لم يذكر الرافعي ذلك التصحيح بل حكى عن طائفة الانتقاض وعن آخرين المنع ثم ذكر هذا الترجيح، وحاصله أنه توسط بين المقالتين فأخذ في كل ماله بقول طائفة.
الأمر الثاني: أن تعبيره في أول المسألة أو فتن مسلمًا عن دينه ودعاه إلى دينهم: تعبير عجيب؛ فإن صدره يقتضي أنه لابد من انتقال المسلم عن الإسلام وآخره يقتضي الاكتفاء بدعائه إليه، فهل المعتبر الأول أو الثاني؟ قهم: وأما قطع الطريق والقتل الموجب للقصاص فالمذهب أنهما كالزنا

الجزء: 8 - الصفحة: 448

بمسلمة.
انتهى.
وتعبيره في القتل يشمل قتل المسلم، الذمي، وقيد في "التنبيه" المسألة بقوله للمسلم، وكذا القول في قاطع الطريق، فإنه قال: أو فتن مسلمًا عن دينه أو قتله أو قطع عليه الطريق، وأقره النووي في تصحيحه ..

قوله: الثالثة: حيث حكمنا بانتقاض العهد فهل نبلغهم المأمن؟ فيه قولان: أحدهما: نعم لأنهم دخلوا دارنا بأمان فيبلغون المأمن كمن دخل بأمان صبي.
وأصحهما على ما في "التهذيب" وغيره: المنع، بل يتخير الإمام بين القتل والاسترقاق والمن والفداء لأنه كافر لا أمان له كالحربي.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا وفيه أمران: أحدهما: أن التخيير بين هذه الأمور ليس على إطلاقه بل شرطه أن لا يطلب الذمي الذي انتقض عهده تجديد العهد، فإن طلب وجبت إجابته إلى عقد الذمة ولا يجوز قتله.
كذا نبه إن فعل ما يوجب حدًا أقمناه عليه قبل ذلك.
الأمر الثاني: أن ما اقتضاه كلامه من تصحيح عدم البلوغ إلى المأمن يشكل عليه ما ذكره في أوائل باب الهدنة فإنه قال بعد هذا الموضع بنحو أربعة أوراق ما نصه: فأما من دخل دارنا بأمان أو مهادنة فلا يغتال وإن انتقض عهدهم بل نبلغهم المأمن.
كذلك نقله القاضيان ابن كج والروياني وغيرهما.
هذا لفظه، مع أن حق الذمي آكد من حق المأمون والفرق بينها مشكل.

الجزء: 8 - الصفحة: 449

قوله: ومن قذف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كفر بالاتفاق، فإن عاد إلى الإسلام فقيل: لا شيء عليه.
وقيل: يقتل حدًا لأنه حد قذف فلا يسقط بالتوبة.
وقيل: يجلد ثمانين ولو لم يقذف صريحًا لكن عرض.
وقال الإمام: الذي أراه أنه كالسب الصريح في اقتضاء الكفر لما فيه من الاستهانة.
انتهى.
قال في "الروضة": الذي قاله الإمام متعين وبه قال آخرون، ولا نعلم فيه خلافًا.
هذا لفظه، وما ذكره من عدم الخلاف صرح به الغزالي في "البسيط" فقال: قيل: إنه يوجب التعزيز، والأظهر أنه رده.
هذا لفظه.

قوله: يؤخذ على أهل الذمة أن يخفوا دفن موتاهم ولا يخرجوا جنائزهم ظاهره ولا يظهروا على موتاهم لطمًا ولا نوحًا .. إلى آخر ما ذكر.
ثم قال: حكى أكثر هذا عن الحاوي، وما نقله الرافعي في المسائل الثلاث التي ذكرناها هو من جملة ما ذكره الماوردي إلا أنه قال إنها لا تجب بالعقد وفي وجوبها بالشرط وجهان، وجزم في "الأحكام السلطانية" بوجوبها إذا شرطت، واقتضى ذلك، وقد أوضحت المسألة في باب حمل الجنازة والدفن من كتاب "الهداية إلى أوهام الكفاية".

الجزء: 8 - الصفحة: 450

الباب الرابع: في عقد المهادنة

قوله في أصل "الروضة": الشرط الثاني: أن يكون للمسلمين إليه حاجة وفيه مصلحة.
انتهى.
وذكر في "المنهاج" أنه يجوز عقدها عند عدم المصلحة إلى أربعة أشهر فقال: وإنما يعقد لمصلحة كضعفنا بقلة عدد وأهبة أو رجاء إسلامهم أو بذل جزية كأن لم تكن جازت أربعة أشهر.
هذا لفظه.
والمذكور في "الروضة" هو الصواب، وقد وقع كذلك في "المحرر" أيضًا ولكن حصل له في اختصاره غلط.

قوله: يروى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما بلغه ثالث تألب العرب واجتماع الأحزاب قال للأنصار: إن العرب قد كالبتكم ورمتكم عن قوس واحدة فهل ترون أن ندفع شيئًا من ثمار المدينة إليهم؟ فقالوا: يا رسول الله إن قلت عن وحي فسمعًا وطاعة وإن قلت عن رأى فرأيك متبع، ولكنا لا ندفع إليهم ثمرة إلا بشرى أو قرى ونحن كفار فكيف وقد أعزنا الله تعالى بالإسلام؟ فسر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقولهم.
اعلم أن التألب: بالتاء المثناة والهمز والباء الموحدة هو: الاجتماع؛ يقال: ألب الإبل بالتخفيف على وزن ضرب إذا جمعها فهو تألبها بضم الباء وكسرها وتألبوا إذا اجتمعوا، وهمز ألب بفتح الهمزة وكسرها إذا كانوا مجتمعين قاله الجوهري.
قال: وأما [كالبتكم]: فمعناه شاذركتكم، والكالبة: المشارة، وكذلك التكالب تقول: هم يتكالبون على كذا أى يتواثبون عليه.
ثم ذكر الرافعي أيضًا ابنى سعيه، وقد تقدم ذكرهما قريبا في الطرف

الجزء: 8 - الصفحة: 451

الثاني من الغنيمة.
ثم قال: ورد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبا بصير، وكذلك أبا جندل على أبيه سهيل بن عمرو وهو يرسف في قيوده.
أما بصير: فهو بباء [موحدة] مفتوحة على وزن كريم.
وأما جندل فإنه بميم مفتوحة [بعدها] نون ساكنة ومعناه في اللغة: الحجر، وجمعه: جنادل.
وأما يرسف: فبالراء والسين المهملتين ومعناه يمشي في القيود؛ نقول: رسف يرسف ويرسف أى: بالضم والكسر رسفًا بالسكون ورسفانًا.

قوله: فإن دعت ضرورة إلى بذل مال بأن كان يعذبون الأسرى في أيديهم فديناهم، أو أحاطوا بنا وخفنا الاصطلاح فيجوز بذل المال ودفع أعظم الضررين بأخفهما.
وفي وجوب بذل المال عند الضرورة وجهان بناء على وجوب دفع الصائل.
انتهى.
اعترض في "الروضة" على هذا الكلام فقال: قلت: ليس هذا البناء بصحيح لأن الصائل الكافر يجب دفعه قطعًا، ثم الخلاف في وجوب الدفع بالقتال وهنا بالمال، والأصح وجوب البذل هنا للضرورة هذا آخر كلامه.
فأما دعواه أن البناء ليس بصحيح فمردود؛ فإن البناء مشهور؛ فممن ذكره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وصاحب "البيان" وغيرهم.
وأما دعواه أن الكافر يجب دفعه قطعًا فمحله إذا قصد النفس ولم يندفع إلا بالقتل فإن الاستسلام لا يجوز لما فيه من الذل، وأما هنا فإنه لم يمكن دفعه إلا بالمال؛ فالصورة غير الصورة، والخلاف هنا له وجه؛ لأنه الذل كما يحصل بالاستسلام يحصل أيضًا ببذل المال.

الجزء: 8 - الصفحة: 452

وأما قوله: ثم الخلاف في وجوب الدفع بالقتال وهنا بالمال، فمراده به أن الخلاف مع انتفائه في حق الكافر وثبوته في حق المسلم خاصة فإنما صورته في المسلم في القتال وهنا في بذل المال فكيف يأتي؟ وجوابه ما ذكرناه أن مجيء الخلاف فيه أيضًا ظاهر.
وأما قوله أن الصحيح وجوب البذل هنا للضرورة فمخالف لما قاله في آخر كتاب السير: فإنه قد نص هناك على استحباب فك الأسرى، وجزم بجوازه أيضًا لا وجوبه القاضي الحسين وإمام الحرمين والغزالي في كتبه.
بل نقل صاحب "البيان" عن المسعودي أنه لا يجوز أن يشترط الإمام للكفار على المسلمين مالًا بحال، وكذلك إذا كان في أيدي الكفار للمسلمين مال لا يجوز للإمام أن يعاقدهم على ترك ذلك المال لهم، وكذلك إذا كان في أيدينا أسير منهم لا يجوز معاقدتهم على رده.
والاصطلاح هو الاصطدام.

قوله: فإن لم يكن بالمسلمين ضعف جاز أربعة أشهر ولا تجوز سنة، وكذا ما بينهما في أصح القولين، وقطع أبو إسحاق بالجواز، وقيل: في السنة قولان بناهما بانون على أن الذمي إذا مات في أثناء السنة هل يجب قسط ما مضى؟ وخصص هؤلاء الخلاف بما إذا مات وقد مضى أكثر من أربعة أشهر.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في السنة من تصحيح طريقة القطع بالمنع وتضعيف طريقة القولين قد جزم بخلافه قبل ذلك في الباب الثالث المعقود لترك القتل والأمان، وقد سبق ذكر لفظه.
الأمر الثاني: أنه قد وقع للنووي في اختصاره لهذا الكلام أمورًا: أولها أنه أسقط طريقة أبي إسحاق.

الجزء: 8 - الصفحة: 453

وثانيها: أنه عبر عن الطريقين في السنة بقوله: ولا تجوز سنة على [المذهب] 14، ولا يعرف منه أن الصحيح طريقة القطع أو الخلاف ولا أن الخلاف قولان أو وجهان.
ثالثهما: أن هاتين الطريقين المختلفتين في موت الذمي يؤخذ منهما قول ثالث وهو الوجوب إذا مات بعد أربعة أشهر دون الأربعة فما دونها، وليس هذا القول مذكورًا في باب الجزية، وقد حذف النووي ذلك من "الروضة" وكأنه توهم سبق ذكره في بابه.

قوله في "الروضة": وإن كان بالمسلمين ضعف جازت الزيادة إلى عشر سنين بحسب الحاجة، وقيل تجوز الزيادة، وقيل: تمتنع الزيادة على سنة، وقيل: على أربعة أشهر مطلقا.
انتهى.
زاد الرافعي على هذا فقال: وقيل: إن عقدت لضرورة ففي جواز الزيادة على العشر قولان، وإن عقدت لحاجة فقيل: تجوز الزيادة على الأربعة إلى سنة، وقيل: لابد أن تنقص عن السنة.
انتهى.
وتحصل من ذلك وجوه لا تؤخذ من "الروضة".

قوله: ولو جاءت منهم مسلمة لم يجز ردها إليهم، فإن طلب زوجها ما دفع إليها من الصداق لم يجب رده في أصح القولين، فإن أوجبنا فأسلم الزوج قبل انقضاء العدة فالنكاح مستمر وليس له طلب المهر، وإن أسلم بعد انقضائها فإن أخذ المهر قبل إسلامه لم يسترجع منه وصار بالقبض كالمستهلك وإن لم يأخذه فإن طالب به قبل إسلامه استقر له الممر بحصول الحيلولة بإسلامها.
وعن أبي إسحاق أنه لا مهر له وإن لم يطالب به قبل إسلامه فلا شيء له لأن الحيلولة حصلت بالبينونة باختلاف الدين ولا نطالبه بالمهر بعد البينونة.

الجزء: 8 - الصفحة: 454

انتهى كلامه.
وما ذكره من أن الطلب إما إن يكون قبل الإسلام أو بعده قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غير مستقيم، بل الصواب أن نقول: إما أن يكون قبل انقضاء العدة أو بعدها أي يعبر بالعدة عوضًا عن الإسلام كما عبر به البغوي في "التهذيب" والشيخ في "المهذب" وذلك لأن الرافعي علل عدم الاستحقاق في الطلب الواقع بعد الإسلام لحصول البينونة والطلب الواقع بعد انقضاء العدة فيكون كما بعد الإسلام لوجود البينونة فيهما.
واعلم أن الشيخ أبا حامد وابن الصباغ قد صرحا بأنه إذا لم يطالب قبل إسلامه لا يستحق شيئًا لكنهما عللاه بأنه لما أسلم التزم أحكام الإسلام وليس من أحكام الإسلام المطالبة بالمهر فتعليل الشيخ أبي حامد وابن الصباغ موافق لتصويرهما، وتعليل البغوي والشيخ في "التهذيب" موافق أيضًا لتصويرهما، وأما الرافعي فأخذ تصوير ابن الصباغ وتعليل البغوي فلم ينتظم كلامه.
قال في "البيان": فإن أسلم الزوج قبل الدخول قال الشيخ أبو حامد: إن طالب بها قبل إسلامه وجب له المهر وإن أسلم ثم طالب لم يجب.
قال ابن الصباغ: قد بانت بإسلامها، فإذا لم يكن له المطالبة [بالمهر نص عليه في الأم لأنه إذا أسلم قبل استقرار المهر له بالمطالبة] 15 فقد التزم أحكام الإسلام.
هذا كلامه.

قوله في "الروضة" في هذه المسألة الأخيرة: فلو كانت الصورة بحالها ولم يكن أعطاها المهر فلما أسلم بعد انقضاء العدة أخذت المهر بسبب المسيس فهل يغرم له ذلك؟ فيه احتمالان للإمام: أرجحهما المنع.
انتهى كلامه.

الجزء: 8 - الصفحة: 455

وما أطلقه النووي من الترجيح لم يطلقه الرافعي وإنما نقله عن الإمام خاصة فقال: وكلام الإمام إلى عدم التغريم أميل.

قوله: وفي معنى النساء الصبيان والمجانين فلا يردون لضعفهم ولا يجوز الصلح بشرط ردهم، وإذا بلغ الصبي وأفاق المجنون فإن وصفا الإسلام فذاك انتهى.
وما ذكره من عدم جواز رد المهر لأهله إذا أسلم قد ذكر ما يقتضيه أيضًا في أوائل الحضانة وخالفهما في كتاب اللقيط فصحح الجواز، وقد سبق ذكر لفظ كل موضع في بابه.

قوله: وهل يعتق العبد الذي جاء مسلمًا؟ حكى الروياني عن الحاوي أنه إن غلبهم على نفسه ثم أسلم وهاجر عتق لأن الهدنة لا توجب أمان بعضهم من بعض، وإن أسلم ثم غلبهم على نفسه وجاءنا نظر إن فعل ذلك قبل أن هادناهم فكذلك لأنه غلب في حال الإباحة وإن فعله بعد الهدنة لأن أموالهم محرمة حينئذ لا نملكها بالقهر لكن لا يقر على ملكه.
انتهى كلامه.
وما نقله عن "الحاوي" وأقره من أنه إذا أسلم ثم هاجر لا يحكم بعتقه قد نقله قبل هذا بنحو ورقة عن "التهذيب" وأشار إلى ترجيح خلافه فقال في الكلام على الأمة: ولو أسلمت ثم فارقتهم وهاجرت مسلمة فقد ذكر في "التهذيب" أنها لا تصير حرة لأنهم في أمان منا وأموالهم محظورة علينا فلا [يزول] الملك عليها بالهجرة بخلاف ما إذا هاجرت ثم أسلمت فإن الهدنة لا توجب أمان بعضهم من بعض فجاز أن تملك نفسها بالقهر.
ولم يتعرض جماعة لهذا التفصيل وأطلقوا الحكم بالعتق، ويجوز أن يؤخذ به وإن أسلمت ثم فارقتهم، ويوجه بأن الهدنة حرب معنا ولم يجز معها.
هذا لفظه.
وتبعه النووي في "الروضة" على الموضعين.

قوله: ثم لو جاءتهم امرأة منا مرتدة وهاجرت إلينا امرأة منهم مسلمة

الجزء: 8 - الصفحة: 456

وطلقها زوجها فلا يغرم لها المهر ولكن واحدة بواحدة ويجعل المهرين قصاصًا، ويدفع الإمام مهر إلى زوج المرتدة ويكتب إلى زعيمهم ليدفع مهرها إلى زوج المهاجرة.
هذا إن تساوى القدران، فإن كان مهر المهاجرة أكثر صرفنا مقدار مهر المرتدة منه إلى زوجها والباقي إلي زوج المهاجرة، وإن كان مهر المرتدة أكثر صرفنا مقدار مهر المهاجرة إلى زوجها والباقي إلى زوج المرتدة.
انتهى كلامه.
وهذا الحكم الذي قاله غير مستقيم بل الصواب أن يصرف مقدار مهر المهاجرة إلى زوج المرتدة من زعيم أهل الهدنة، وهذا واضح، وقد صرح به هكذا صاحب "الحاوي" وهو مقتضى كلام المحاملى، وصرح الغزالي في "البسيط" بدفع مهر المهاجرة إلى زوج المرتدة وأن يكمل له الباقي ثم إن شرطه النقد على الصحيح في بابه فراجعه.
تم الجزء الثامن والحمد لله رب العالمين، يتلوه إن شاء الله تعالى في أول التاسع كتاب الصيد والذبائح، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

الجزء: 8 - الصفحة: 457

المُهِمَّات فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ والرَّافِعِيِّ

تَصْنيف الشَّيْخ الإِمَام العَلامَة جمال الدّين عبد الرَّحِيم الأسنوي رَحِمَه الله الْمُتَوفَّى 772 هـ

اعتَنى بِهِ أَبُو الْفضل الدّمياطِي أَحَمَدْ بنْ عَلي عَفَا الله عَنْهُ

الْجُزْء التَّاسِع

مَرْكَز التراث الثقافي المغربي - دَار ابْن حزم

الجزء: 9 - الصفحة: 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الجزء: 9 - الصفحة: 2

المُهِمَّات فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ والرَّافِعِيِّ (9)

الجزء: 9 - الصفحة: 3

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة الطبعة الأولى 1430 هـ - 2009 م

ISBN: 978 - 9953 - 81 - 740 - 8

الْكتب والدراسات الَّتِي تصدرها الدَّار تعبر عَن آراء واجتهادات أَصْحَابهَا

مَرْكَز التراث الثقافي المغربي الدَّار الْبَيْضَاء - 52 شَارِع الْقُسْطَلَانِيّ - الأحباس هَاتِف: 442931 - 022 _ فاكس: 442935 - 022 المملكة المغربية

دَار ابْن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص. ب: 6366/ 14 هَاتِف وفاكس: 701974 - 300227 (009611) بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb

الجزء: 9 - الصفحة: 4

فصول الكتاب · 72 فصل
فصول المهمات في شرح الروضة والرافعي
المقدمةالمقدمةمقدمة المحققمقدمة المؤلفكتاب الطهارةكتاب التيممكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الصلاةكتاب الصلاة بالجماعةكتاب صلاة المسافرينكتاب الجمعةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصدقاتكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفاراتكتاب "العدد"كتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدمكتاب الجنايات الموجبة للعقوباتكتاب موجبات الضمانكتاب السيركتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنةكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحايا والعقيقةكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب [النذر]كتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدعاوى والبيناتكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل