المستأجر عنه فأحرم من مكة فوجوب الدم ينبني على الوجهين المتقدمين فيما إذا أحرم من ميقات بلد دون ميقات بلد دون ميقات بلد المستأجر، فإن منعنا ثم كما قال البغوي فهنا أولى، وإن جوزنا ثم كما في "المهذب" و"التتمة" وغيرهما احتمل هنا وجهين: أحدهما: لا شيء عليه؛ لأن مكة ميقات شرعي والشرع أقام المواقيت الشرعية بعضها مقام بعض؛ فعلى هذا لو عين له مكة في الإجارة فلا شئ على المستأجر أيضًا، وأصحهما: عليه دم؛ لأن العبرة بالمستأجر.
ولو استأجر أفقي مكيًا للتمتع لزمه دم، ولا نظر إلى كون الآتي به مكيًا.
والفرق بين هذه المسألة وبين ما إذا أحرم الأجير من ميقات شرعي دون ميقات المستأجر لأن الأجير منزل منزلة المستأجر والمستأجر لو أتى من طريق الميقات الذي أحرم منه الأجير كان ميقاتًا له، وكذلك أجيره.
ولو دخل مكة غير محرم وهو مريد للنسك ثم أحرم منها لزمه دم الإساءة ولم يكن ميقاتًا للمار بها بل للمقيم بها بشرط أداء تحية حرمها المشروعة لمريد النسك والمستأجر عنه غير مقيم بمكة وهو مريد للنسك ولم يؤد وظيفة التحية، وأجيره بمنزلته فليقم بما لزمه لو كان ناسكًا فيخرج إلى حيث لزمه الإحرام منه فيحرم منه، ويزيد ذلك بيانًا أنهم اتفقوا على أن الأفقي لو مر بميقات وأراد مجاوزته ليحرم من مكة لكونها ميقاتًا منصوصًا عليه لم يجز قطعًا.
واختلفوا فيما سوى مكة كما تقدم في محاذاة الحليفة والجحفة فدل على مغايرتها لغيرها؛ وعلى هذا لو عين له مكة في الإجارة للإحرام لم يصح العقد لكن لو أحرم عنه منها صح وتأثير الفساد في بطلان المسمى ووجوب
أجرة المثل وهل يجب دم؛ لأن التعيين بطل لبطلان العقد وبقى إذن مجرد في النسك فاقتضاه كاملًا، فإذا نقضه وجب جبره أو لا يجب لأنه أتى به كما أمر؟ فيه احتمالان، وعلى الثاني إن كان المستأجر عنه في صورة الغضب وجب عليه دم، وإن كان وليه في صورة الموت احتمل وجهين كقولي دم محظور الصبي؛ فإن قلنا: الدم على الولي ثم، فهنا أولى؛ لأنه المباشر للمحظور، وإن قلنا في مال الصبي ففي التركة، فإن لم يكن فالظاهر أنه لا يتعين الولي ولو قبل بتعيينه لم يبعد ويجعل بشرطه كالملتزم.
فإن قيل: اتفق الجمهور على جواز استئجار المرأة للحج عن الرجل فإحرامهما مختلف ولا يجب دم قطعًا للبسها المخيط وتغطية رأسها لا عليه ولا عليها اعتبارًا بحالها لكونها المباشرة، فهلا كان استئجار المكي كذلك بالنسبة إلى الميقات؟ قلنا: الفرق أنهم جعلوا الميقات معتبرًا بالمستأجر ولهذا اختلفوا في وجوب تعيينه في الإجارة لاختلاف الغرض باختلافه وذلك لتمكن الأجير من الإحرام منه وإن شق عليه، ولا كذلك لباس المحرم فإنه معتبر به لا بالمستأجر؛ فلذلك جوزنا في إحرامها ما لم يجز في إحرامه لتعينه في حقها؛ إذ الستر واجب عليها، والله أعلم.
وهذا كله إذا استؤجر المكي من تركة الميت.
فلو تبرع متبرع بالنسك عنه حيث جاز ففي الدم الاحتمالان فيما إذا عينت مكة للإحرام في الإجارة، وأولى أن لا يجب لأنه جرى ثم التزام نسك متصف بنقص فلما بطل العقد أثر بطلانه في إلغاء الصفة وبقي مجرد النسك والأصل فيه التمام ولا التزام هنا وانما تبرع به ناقصًا فلزمه بالإحرام ما بعده كاملًا حتى لو أساء في شئ منه لزمه جبره وأتى بأصل الإحرام كما تبرع به؛ وعلى هذا يجب الدم في تركه المحجوج عنه؛ لأن الإحرام من الميقات من جملة الواجبات وقد أسقط عنه ما عداه فكان جبره من ماله كما لو قضى عنه بعض دينه وبقي بعضه.
فإن لم يكن له تركه أو كانت ولم يجب عليه الحج لم يجب على واحد منهما.
وذكر فقهاء اليمن من أهل العصر أن المحجوج عنه إن كان قد وجب عليه الحج لم يلزم المتبرع عنه شيء وكأنه قضى بعض دينه وإن لم يجب عليه ألحق بالإحرام عن الصبي فيخرج على الوجهين بجامع التوريط فيما لم يلزمهما ولا اختيار لها فيه، وهو قريب ولكن الفرق ممكن وهو المختار، فإن توريط الصبي حقيقة فإنه صار ناسكًا بإحرام الولي عنه، فلو حط المورط فألزم زائد النفقة والكفارات، وهنا إنما ورط نفسه بالتبرع بالإحرام لا المحجوج عنه فيلزمه جبر النقص بعده من ترك مأمور وارتكاب محظور قطعًا بخلاف نقض الإحرام نفسه كما قدمناه، وهذا كله في المتبرع بالنسك من مكة.
أما المتبرع بالاستئجار فإن ألحقنا مكة بالمواقيت الشرعية على ما تقدم فلا شيء عليه وإلا فسدت الإجارة لاقترانها بالشرط الفاسد ويبقى مجردًا دون العاقد وفيه الاحتمالات المتقدمان فيما لو عين له مكة في الإجارة.
وهذا الفرع لم أر فيه نقلًا.
قوله في أصل "الروضة": فلو عينا مكانًا أبعد من الميقات الشرعي بأن عينا الكوفة مثلًا فهل يلزم الأجير الدم بمجاوزته غير محرم؟ وجهان: الأصح المنصوص: نعم.
فإن قلنا باللزوم فهل ينجبر به الخلل حتى لا يحط شئ من الأجرة؟ على قولين: أصحهما: لا ينجبر ثم قال: ولو شرط الإحرام من أول شوال فأخره لزمه الدم، وفي الانجبار الخلاف، وكذا لو شرط أن يحج ماشيا فحج راكبًا لأنه ترك مقصودًا.
هكذا نقلت المسألتان عن القاضي الحسين ويشبه أن تكونا مفرعتين على أن الميقات المشروط كالشرعي وإلا فلا يلزم الدم كما في مسألة تعيين
الكوفة.
انتهى كلام "الروضة".
وما ذكره هنا من لزوم الدم والحط فيما إذا حج راكبًا قد صحح خلافه في "شرح المهذب" فقال بعد حكايته لما ذكره في "الروضة" ما نصه: وقطع البغوي بأنه إذا استأجره ليحج ماشيًا فحج راكبًا؛ فإن قلنا: الحج راكبًا أفضل، فقد زاد خيرًا.
وإن قلنا: الحج ماشيًا أفضل، فقد أساء بترك المشي وعليه دم، وفي وجوب رد الميقات بين أجرة الراكب والماشي وجهان بناء على ما سبق، وهذا الذي قاله المتولي هو الأصح.
هذا لفظه في "شرح المهذب".
والأصح عنده -أي: عند النووي- أن الحج راكبًا أفضل؛ فيكون الأصح عنده أنه لا دم ولا حط على خلاف المذكور في "الروضة".
ونظير المسألة ما إذا نذر أن يحج ماشيًا فحج راكبًا، وقد صحح فيها في "الروضة" وجوب الدم أيضًا، وستعرف المسألة في موضعها إن شاء الله تعالى.
قوله: الأولى إذا استأجره للقران فامتثل فالدم على المستأجر في أصح الوجهين، والثاني: على الأجير.
وإن أفرد أو تمتع وأتى بهما معًا من الميقات بأن عاد إليه بعد الفراغ من الأول وكانت الإجارة على الذمة فلا شئ عليه لأنه زاد خيرًا ولا على المستأجر لأن الأجير لم يقرن ولم يتمتع.
ثم قال: وذكر أصحاب الشيخ أبي حامد أنه يجب على المستأجر دم لأن القران الذي أمر به يتضمنه، واستبعده ابن الصباغ وغيره.
انتهى موضع الحاجة ملخصًا.
وما ذكره هنا من عدم وجوب الدم على المستأجر قد تابعه عليه في "الروضة" وموافقته عليه مناقضة لما سيأتي في المجامع فإنه قد صرح من
"زوائده" بأن القارن والمتمتع إذا أفسدا نسكهما وقضياه مفردين يلزمهما دم آخر للقضاء الذي كان في الذمة، ثم إنه لما حكم بالوجوب بالغ فيه فراجعه، وكلام الرافعي هناك وفي باب النذر مقتضاه رجحان عدم الوجوب؛ فهو ماشي على قاعدة واحدة.
قوله: المسألة الثانية: إذا أمره بالتمتع فامتثل فالحكم كما لو أمره بالقران فامتثل، وإن أفرد نظر؛ إن قدم العمرة وعاد للحج إلى الميقات فقد زاد خيرًا، وإن أخر العمرة.... إلى آخر ما ذكره.
واعلم أن ما ذكره هاهنا من أنه إذا قدم العمرة وعاد للميقات فأحرم بالحج يكون مفردًا قد تابعه عليه في "الروضة"، وليس كذلك؛ فإن هذا وجه ضعيف، والمشهور -كما قاله الرافعي في آخر الكلام على شروط التمتع- أن هذا متمتع ولكن لا يلزمه الدم، وسأذكر لفظه هناك.
قوله في "الروضة" في المسألة المذكورة -وهي الأمر بالتمتع-: وإن قرن فقد زاد خيرًا.
نص عليه؛ لأنه أحرم بالنسكين من الميقات، وكان مأمورًا بأن يحرم بالحج من مكة، ثم إن عدد الأفعال للنسكين فلا شئ عليه وإلا فهل يحط شئ من الأجر لاختصاره في الأفعال؟ وجهان، وكذا الوجهان في أن الدم على المستأجر أم الأجير.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن هذين الوجهين اللذين حكاهما النووي من غير ترجيح قد ذكر الرافعي بعد حكايتهما كلامًا آخر حاصله تصحيح الحط؛ فإنه قال: نقلوا وجهين في أنه هل يحط شيء من الأجره للاختصار في الأفعال، وفي أن الدم على المستأجر لأمره بما يتضمن الدم أو على الأجير لنقصان الأفعال.
وكل ذلك يخرج على الخلاف المتقدم في عكسه وهو ما إذا تمتع المأمور بالقران.
هذا لفظه، والصحيح في عكسه أنه مخالف.
الأمر الثاني: أن تعبيره في "الروضة" عن الوجهين المذكورين ثانيًا بقوله: وكذا الوجهان -أعني بصيغة ال- لا يستقيم بعد تنكيره الوجهين المذكورين أولًا؛ فتأمله؛ فالصواب تعريفهما أو تنكيرهما.
الأمر الثالث: أن تعبيره بقوله: ثم إن عدد الأفعال للنسكين ظاهره أن يتبرع فيأتي بطوافين وسعيين كما يشترطه أبو حنيفة.
وليس كذلك بل المراد تجديد العود إلى الميقات كما سبق في التمتع؛ فإنه ينفع القارن في سقوط الدم على الصحيح كما يأتي في موضعه، إلا أنه لو استحضر أن المراد ما ذكرناه لعبر بقوله ثم إن عاد فإنه أخصر وأقرب إلى المراد، وعبر الرافعي بقوله ثم إن عدد الأفعال.
واقتصر عليه فزاد النووي لفظه (النسكين) فزاد الكلام خللًا وإيهامًا، وعبر في "شرح المهذب" بعبارة "الروضة" في المسألة جميعها بل في مسائل الفصل جميعه.
قوله: فلو مات في أثناء الحج فهل يجوز البناء على حجه؟ فيه قولان: الصحيح الجديد أنه لا يجوز البناء.
ثم قال ما نصه: لأنه لو أحصر فتحلل ثم زال الحصر فأراد البناء لا يجوز، فأما إذا لم يجز البناء على فعل نفسه فأولى أن لا يجوز لغيره البناء على فعله.
انتهى كلامه.
وهذا التعليل الذي ذكره صريح في أن القولين لا يجريان في المحصر إذا تحلل وهو مخالف لما ذكره في أواخر مواقع إتمام الحج في الكلام على المحصر فإنه قال هناك ما نصه: وهل يجوز البناء لو انكشف الإحصار؟ فيه الخلاف السابق؛ الجديد: لا يجوز، والقديم: الجواز إحرامًا ناقصًا.
هذا كلامه.
ووقع هذا الاختلاف أيضًا في "شرح المهذب" فسلم الكتابان من الاختلاف.
قال -رحمه الله-: المقدمة الثانية في: المواقيت
قال الشافعي: وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وتسع من ذي الحجة واعترض ابن داود عليه في تعبيره بالتسع فقال: إما أن يريد به الأيام أو الليالي؛ إن أراد الأيام فاللفظ مختل؛ لأن جمع المذكر في العدد بالهاء كما قال تعالى: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ 1، وإن أراد الليالي فالمعنى مختل؛ لأن الليالي التي يصح الإحرام فيها عنده عشر لا تسع.
قال الأصحاب: هاهنا قسم آخر؛ وهو أن يريد الأيام والليالي جميعًا، والعرب تغلب التأنيث في العدد، ولذلك قال تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ 2، وقال -عليه الصلاة والسلام-: "واشترط الخيار ثلاثًا" 3. والمواد الأيام والليالي.... إلى آخر ما ذكر.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره في القسم الأول من أن جمع المذكر لابد فيه من الهاء إنما محله إذا كان المعدود ملفوظًا به، فإن كان محذوفًا كما وقع في كلام الشافعي فكقولك صمت عشرة -يريد: عشرة أيام- فإنه يجوز له حذف التاء وإثباتها وإن كان الإثبات هو الفصيح.
ومما ورد من ذلك ما حكاه الكسائي عن ابن الجراح: صمنا من الشهر خمسًا.
وحكى أيضًا الفراء: أفطرنا خمسًا وصمنا خمسًا، ومنه الحديث الصحيح: "من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال" 1. وإذا علمت ذلك علمت أن الكلام الشافعي صحيح على إرادة الأيام.
والعجب من سرعة اعتراض ابن داود أو غيره على الشافعي في حكم لغوي وكلامه حجة في اللغة.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي من احتمال إرادة الأيام والليالي جميعًا والعرب تغلب المؤنث على المذكر عند اجتماعهما جواب عجيب؛ لأن السؤال باق وهو إخراج الليلة العاشرة.
الأمر الثالث: أن القائل مثلًا إذا قال سكنت الدار تسعًا وأراد أيامًا وليالي؛ فإن أراد أن بعض التسع أيام وبعضها ليالي فهذا جمع بين مذكر ومؤنث حقيقة، ولا يستقيم إردة ذلك هاهنا، وإن أراد ما يريده القائل بقوله عشرة أيام بلياليها فالمعدود مذكر وإنما نوى مع المعدود شيئًا آخر مؤنثًا، وكذا عكسه.
الأمر الرابع: أن هذا اللفظ الذي جزم به هنا بإسناده إلى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قد أنكره غاية الإنكار في كتاب البيع، وسوف أذكر لفظه هناك فراجعه.
قوله: أما المقيم بمكة فميقاته مكة ثم من أي موضع أحرم منها جاز، وفي الأفضل قولان: أحدهما: أن يتهيأ للإحرام ويحرم من المسجد قريبًا من البيت وأظهرهما: الأفضل أن يحرم من باب داره ويأتي المسجد محرمًا.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي قد ذكر بعد هذا أن المستحب لمن ميقاته خلفه أو
قريبه أن يحرم من الطرف الأبعد من مكة ليقطع الباقي محرمًا، وقياسه أن المكي يحرم من طرفها الأبعد عن مقصده -وهو عرفات- تعين ما قاله من العلة.
الأمر الثاني: أن النووي قد ذكر من زياداته في الكلام على ركعتي الإحرام أن الأصحاب قالوا: إن كان في الميقات مسجد فالمستحب أن يصلي الركعتين فيه وما تقرر أن ميقات المكي مكة وفيها مسجد فيستحب فعلها فيه وحينئذ فكيف يجتمع ذلك مع ما صححوه هنا من كونه يحرم من باب داره ثم يأتي المسجد؛ لأن الركعتين سابقة على الإحرام.
قوله: وميقات المتوجهين من المدينة ذو الحليفة، وهي على ميل من المدينة.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: ما نبه عليه العمراني؛ وهو أن عائشة كانت تحرم من ذي الحليفة وبالعمرة من الجحفة.
قال: وهو محمول عندنا على أن للمدينة طريقين فمن أي الطريقين سلك أحرم من ميقاتها، وقد روى البخاري ومسلم عن أبي الزبير أن جابرًا سئل عن المهل -فقال أحسبه رفعه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: مهل أهل المدينة من ذي الحليفة والطريق الآخر الجحفة 1.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من كون ذي الحليفة على ما ذكره صاحب "الشامل" فقلد فيه الرافعي والحسي يرده، بل الصواب المعروف المشاهد أنها على فرسخ وهو ثلاثة أميال أو يزيد قليلًا، بل ذكر الغزالي في "البسيط" أنها على ستة أميال وصححه في "شرح المهذب"، وقيل على سبعة، ولم يتعرض في "الروضة" لشيء من ذلك.
وذو الحليفة: اسم ماء من مياه بني خيثم.
والحليفة: تصغير الحلف بفتح الحاء واللام، واحد الحلفا وهو النبات المعروف.
قوله: وميقات المتوجهين من المشرق والعراق وخراسان ذات عرق؛ ففي الصحيح عن ابن عمر قال: لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حد لأهل نجد قرنًا وهو جور عن طريقنا، وإنا إذا ردناه شق علينا.
قال: فانظروا حذوها، فحد لهم ذات عرق 1.
والثاني وإليه صيغ الأكثرين أنه منصوص عليه روي عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقت لأهل المشرق ذات عرق.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن الأكثرين وأقرهم عليه قد ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا فقال إنه الأرجح ثم خالف ذلك في "شرح مسند الإمام الشافي" فقال: ذهب الشافعي إلى أن ذات عرق ليس منصوصًا عليه وإنما هو باجتهاد عمر.
هذه عبارته، ولم يحك فيه خلافًا، وهو تباين فاحش؛ فإن حاصله أم مقابله ليس مذهبًا له.
الأمر الثاني: أن قول الشافعي قد اختلف في ذات عرق فقال في موضع: هو منصوص عليه، وفي موضع آخر: ليس منصوصًا عليه.
كذا ذكره القاضي أبو الطيب في "تعليقه"؛ فثبت إذن أن الخلاف قولان لا وجهان.
والحديث الأول رواه البخاري.
والمصران: هما البصرة والكوفة.
والمراد بفتحهما: عمارتهما؛ لأنهما إسلاميتان بنيتا في خلافة عمر.
وجور: بفتح الجيم وآخره راء مهملة من قولهم: جار يجور إذا مال أي: مائل منحرف.
والحديث الثاني رواه أبو داود والنسائي والدارقطني وغيرهم بإسناد صحيح كما قاله في "شرح المهذب"، ورواه مسلم أيضًا في صحيحه من رواية جابر، إلا أن الرواي عن جابر وهو أبو الزبير لم يجزم بأن جابرًا رفعه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أحسبه رفعه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ورواه عنه جماعة مرفوعًا -يعني شاك-، إلا أن إسناد هذه الرواية ضعيف.
والسماع المعتمد عن المنقين في قرن هو التسكين، ورأيته منقولًا عن أبي عبيد وغيره ورواه صاحب "الصحاح" بالتحريك، وادعى أن أويسًا منسوب إليه.
انتهى.
قال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات": اتفق العلماء على التسكين واتفقوا على تغليط الجوهري في فتح الراء وفي نسبة أويس إليه قال في "شرح المهذب": وانما هو منسوب إلى قرن قبيلة من مراد بلا خلاف بين أهل المعرفة.
وقد ثبت في "صحيح مسلم" عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "أويس بن عامر من مراد ثم من قرن" 1.
قوله: الثانية: إذا سلك طريقًا لا ينتهى إلى ميقات أحرم عند محاذاة الميقات، فلو حاذى ميقاتين يتوسطهما طريقة نظر إن تساويا في المسافة إلى مكة وإلى طريقه جميعًا أو في المسافة إلى مكة وحدها أحرم عند محاذاتهما، وإن تساويا في المسافة إلى طريقة وتفاوتا في المسافة إلى مكة ففيه وجهان: أحدهما: أن له أن يحرم عند محاذاة أقربهما.
وأظهرهما: يتعين المحاذى الأبعد، وليس له انتظار الوصول إلى محاذاة الأقرب كما ليس للخارج من المدينة أن يجاور ذا الحليفة ليحرم من الجحفة، وقد يتصور في هذا القسم محاذاة الميقاتين دفعة واحدة؛ وذلك بانحراف أحد الطريقين لو عورة وغيرها وحينئذ فلا كلام في الإحرام موضع المحاذاة.
لكن هل إحرامه منسوب إلى أبعد الميقاتين أو قريبهما؟ حكى الإمام فيه وجهين.
قال: وفائدتهما فيما إذا جاوز موضع المحاذاة وانتهى المكان الذي يسلك منه إلى الطريقين اللذين للميقات فأراد العود لدفع الإساءة ولم يعرف موضع المحاذاة فهل يرجع إلى هذا أم ذاك؟ وإن تفاوت الميقاتان في المسافة إلى مكة وإلى طريقه فالاعتبار بالأقرب إليه، وقيل: إلى مكة.
واعلم أن الأئمة فرضوا جميع هذه الأقسام فيما إذا توسط بين طريقين يفضى كل واحد إلى ميقات، ويمكن تصوير القسم الثالث والرابع في ميقاتين على يمينه أو شماله كذي الحليفة والجحفة؛ فإن أحدهما بين يدي الآخر فقد يتساوى قربهما على طريقه وقد يتفاوت.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن المراد بالمحاذاة في هذا الموضع هو المسامته عن اليمين أو الشمال دون الظهر أو الوجه.
الثاني: أن الإمام قد احترز بقوله: ولم يعرف موضع المحاذاة عما إذا عرفه فإنه يرجع إليه أو إلى مثل مسافته من أحد الميقاتين كذا صرح به الإمام أيضًا.
الثالث: أن تساوى الميقاتين في المسافة إلى مكة واضح، وأما تساويهما بالنسبة إلى طريقه فيحتمل أمور:
أحدها: أن يحاذيهما معًا وتكون المسافة من موضعه إلى أحدهما
كالمسافة من ذلك الموضع إلى الآخر.
ثانيها: أن يحاذي أحدهما قبل الآخر إلا أن مسافة ما بين الأول وموضع محاذاته كمسافة ما بين الثاني وموضع محاذاة الأول سواء؛ وذلك بأن تكون المسافة من محاذاة الثاني إليه أقل لأجل انحراف ووعورة في طريق الأول.
وهذه الأقسام داخله في قول الرافعي أولًا ولو حاذى ميقاتين يتوسطهما طريقة لأنه قسم إلى الثلاثة؛ فإن قوله: فميقاته الموضع الذي يحاذيهما، يقتضي أنه حاذاهما معًا.
وقوله في القسم الذي بعده: فيه وجهان.... إلى آخره، يقتضي أنه حاذى أحدهما قبل الآخر.
وقد أهمل قسمًا آخر؛ وهو أن تكون مسافة أحدهما إلى طريقه أقل من مسافة ذاك، ومسافته إلى مكة أكثر وذاك بالعكس ومجموع المسافتين مساوية لمجموع المسافتين.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن كلامه قد اشتمل على أربعة أقسام كما ذكره في آخر المسألة:
أحدها: أن يتساوي الميقاتان في المسافة إلى مكة وإلى طريقة جميعًا.
الثاني: أن يتساويا في المسافة إلى مكة ويتفاوتا في المسافة إلى طريقه.
الثالث: عكسه.
الربع: أن يتفاوتا في المسافتين جميعًا على عكس الأول.
وهذه الأقسام والأحكام التي أجاب بها فيها غير محررة لأن الميقاتين قد يتحاذيان في كل منها، وقد تقدم أحدهما على الآخر، بل الصواب ما سلكه
غيره؛ وهو أن يجعل مورد التقسيم هو المحاذاة وتقسيمها إلى ما يقع على الترتيب أو المعية فيقول: إن حاذا أحدهما قبل الآخر وجب الإحرام من محاذاة الأول على الصحيح قد حاذاهما معًا أحرم من ذلك الموضع ولكن هل ينسب إحرامه إلى الأبعد من مكة أم لا إلى آخر ما ذكره.
قوله: وإذا جاوز الموضع الذي لزمه الإحرام منه غير محرم أثم وعليه العود إليه والإحرام منه إن لم يكن له عذر.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن المراد هاهنا بالمجاوزة إنما هو المجاوزة إلى جهة الحرم.
فأما إذا جاوز إلى جهة يمينه أو يساره وأحرم من مثل ميقات بلده أو أبعد فإنه يجوز ذكره الماوردي وضرب له مثلًا بذات عرق وذي الحليفة، وقياسه في المكي أن يجاوز مكة إلى غير جهة عرفه ثم يحرم محاذيًا لمكة.
كذا نبه عليه الطبري شارح "التنبيه" قال: ولم أره مصرحًا به.
الأمر الثاني: أن كلام الرافعي يوهم أن التحريم ثابت عاد أم لم يعد، لكن جزم جماعات كثيرون بأنا حيث أسقطنا الدم بالعود فلا تكون المجاوزة حرامًا، منهم المحاملي في "التجريد" والروياني في "البحر"، وقال في "البيان" إنه ظاهر الوجهين، واقتصر في "الكفاية" على كلام الروياني وتأول كلام من أثبت الخلاف، وفي "شرح المهذب" على كلام "البيان".
نعم: صرح المحاملي بأن شرط انتفاء التحريم أن تكون المجاوزة بنية العود والذي قاله لابد منه وما اقتضاه كلام "الكفاية" من إنكار الخلاف ليس كذلك فقد رأيته في كتاب "القولين والوجهين" للمحاملي حكايته بلفظ لا يحتمل التأويل فقال: يسقط عنه الدم، وظاهر المذهب أنه لم يسئ بذلك ولم يأثم، ومن أصحابنا من قال أساء وأثم.
هذه عبارته.
الثالث: أن ما قاله من إيجاب الإحرام منه قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة"، وليس كذلك بل إذا قلنا بأن العود بعد الإحرام مسقط للدم -وهو الصحيح- فأحرم من موضعه ثم عاد فإنه يكون جائز بلا شك، وصرح به غيره؛ ويدل عليه تعليله بأن المقصود قطع المسافة محرمًا ويؤيده أيضًا أنهم لما أوجبوا على المكي الخروج إلى أدنى الحل عند إرادة الإحرام بالعمرة صححوا أنه يجوز له أن يحرم من مكة ثم يخرج بعد أن بنوا الخلاف على سقوط الدم، بل صرح المحاملي في "المجموع" والجرجاني في "التحرير" وغيرهما باستحباب ذلك للمكي لأنه شبيه ثم أحرم قبل الميقات.
الأمر الرابع: أن هذا التعبير يوهم بحتم العود إلى الميقات الذي أساء بمجاوزته، وليس كذلك بل لو عاد إلى مثل مسافة من ميقات آخر جاز.
صرح به إمام الحرمين في الكلام على محاذاة الميقاتين؛ ويؤيده أن المفسد لما أوجبوا عليه القضاء من الميقات الذي أحرم منه في الأداء قالوا إنه يجوز له تركه والإحرام من مثل مسافته من موضع آخر حتى ادعى في "الروضة" عدم الخلاف فيه.
قوله: فإن كان له علة كما لو خاف الانقطاع عن الرفعة أو كان الطريق مخوفًا أو الوقت ضيقا لم يعد.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه صريح في أن الانقطاع مع الأمن عذر وسببه مشقة الاستنجائين، وقد تقدم الكلام عليه في التيمم وغيره.
الثاني: أن إطلاقهم يقتضي وجوب العود على الماشي إذا لم يحصل له ضرر، وهو محتمل لكونه قد تعدى، والمتجه أن يقال إن كان على دون مسافة القصر وجب وإلا فلا كما قلنا في الحج ماشيًا.
قوله: ثم إذا لم يعد فعليه دم.
انتهى.
ذكر في "الروضة" نحوه، وليس على إطلاقه بل شرط وجوب الدم أن يكون قد أحرم بعد المجاوزة وأن يكون إحرامه بالعمرة أو بالحج ولكن في تلك السنة، فإن لم يحرم أصلًا لم يلزمه شئ كما صرح به الماوردي وغيره قالوا: لأن الدم إنما يجب لنقصان السبب ولا يجب بدلًا من النسك ويؤيده أنا إذا قلنا بوجوب الإحرام على داخل مكة فتركه فلا شئ فيه كما نقله الرافعي عن ابن كج وأقره.
وإن أحرم بالعمرة وجب الدم في أي وقت أحرم لأن العمرة لا يتأقت وقت إحرامها وإن كان إحرامه بالحج فإن كان في تلك السنة وجب؛ لأنه بان أن الحج في هذه السنة كان واجبًا عليه من الميقات، وإن حج في السنة الثانية لم يلزمه؛ لأن إحرام هذه السنة لا يصلح بحج سنة قابله.
كذا ذكره القاضي الحسين والمتولي والبغوي والخوارزمي، وفي كلام الرافعي في باب حج الصبي ما يدل له فراجعه.
قوله: وأظهر القولين أن الإحرام من دويرة أهله أفضل من الميقات؛ لما روي أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "من أحرم من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام بحجة أو عمرة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
والثاني: الميقات أفضل اقتداء به -عليه الصلاة والسلام-.
وقطع بعضهم بالأول حتى أطلق مطلقون كراهية الإحرام من الميقات، وقيل: إن أمن على نفسه ارتكاب المحظورات فدويرة أهله وإلا فالميقات.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره من تصحيح الأول يستثني منه الحائض والنفساء.
كذا نقله صاحب "التقريب" عن النص فقال: قال الشافعي في "المناسك الكبير": ولا أحب للحائض والنفساء أن يقدما إحرامهما قبل وقتهما.
هذه
عبارته، وأراد بالوقت الميقات.
وقد ذكر الرافعي بعد هذا في الكلام على سنن الإحرام ما يقوي ذلك.
والحديث الأول رواه أبو داود وابن ماجة والبيهقي، وإسناده ليس بقوي كما قاله في "شرح المهذب" ولفظ الحديث: "غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"، أو "وجبت له الجنة" بلفظ "أو" وهو شك من الراوي.
وأما حديث إحرام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الميقات فثابت في الصحيحين.
قوله: وأفضل بقاع الحل لإحرام العمرة الجعرانة ثم التنعيم ثم الحديبية، وليس النظر إلى المسافة ولكن المتبع سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد نقلوا أنه اعتمر من الجعرانة مرتين: مرة عمرة للقضاء سنة سبع، ومرة عمرة هوازن.
ولما أرادت عائشة أن تعتمر أمر أخاها عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم، وصلى بالحديبية عام الحديبية وأراد الدخول منها للعمرة فصده المشركون عنها؛ فقدم الشافعي - رضي الله عنه - ما فعله ثم ما أمر به ثم ما هم به.
والجعرانة والحديبية على ستة فراسخ من مكة، والتنعيم على فرسخ.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي قد فضل الإحرام بالحج والعمرة من باب داره على الإحرام بهما من الميقات وإن كان على خلاف ما فعله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما فيه من طول زمن الإحرام؛ وحينئذ فيقال له لم راعيت ذلك في هذه المسألة ولم تراعه في تعيين ميقات العمرة؛ فإنك قدمت التنعيم على الحديبية والحديبية أبعد كما تقدم لاسيما وأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان على عزم الرحيل لما
أرادت عائشة أن تعتمر كما رواه البخاري ومسلم؛ فعين التنعيم لكونه أقرب أماكن الحل؟
الأمر الثاني: أن إحرام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالعمرة من الجعرانة 1. صحيح رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من رواية أنس.
وأما ما ذكره من إحرامه -عليه الصلاة والسلام- في عمرة القضاء منها أيضًا فكيف يستقيم مع أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج من المدينة على قصد الإحرام وميقات أهل المدينة ذو الحليفة في الحج والعمرة.
الأمر الثالث: أن ما ذكره من كونه -عليه الصلاة والسلام- عام الحديبية أراد الدخول من الحديبية للعمرة 2. صحيح فقد رواه الشيخان أيضًا.
واحتراز الرافعي بهذه العبارة عن الإحرام بها فإنه لم يقع من الحديبية بل من ذي الحليفة كما رواه البخاري في صحيحه في كتاب المغازي ووقع في "البسيط" للغزالي أنه -عليه الصلاة والسلام- هم بالإحرام من الحديبية.
قال في "شرح المهذب": وهو غلط صريح لأن ميقاته ذو الحليفة كما سبق.
القسم الثاني في المقاصد: وفيه أبواب:
الباب الأول: في وجوه أداء النسكين
:
قوله: وكل من الإفراد والتمتع والقران جائز بالاتفاق، وأما الأفضل منها فإن قول الشافعي لا يختلف في تأخير القران عن الإفراد والتمتع.. إلى آخره: فيه أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه من أن نصوص الشافعي متفقة على تأخير القران غريب؛ فقد حكى جماعة منهم صاحب "البيان" قولًا أنه -أي القران- أفضل منها، وحكوه كما قاله في "شرح المهذب" عن نصه في "أحكام القرآن" بل في "الوسيط" وغيره قول أن القران أفضل من التمتع فقط، وقد ذكره الرافعي بعد هذا في آخر الفصل.
الأمر الثاني: أنه إذا قرن واعتمر بعده أيضًا فينبغي أن يكون أفضل من الإفراد لاشتماله على مقصوده مع زيادة عمرة أخرى.
وهو نظير ما قالوه في المتيمم أنه إذا رجى الماء فصلى أولًا بالتيمم على قصد إعادتها بالوضوء فإنه أفضل لا محالة، وهكذا إذا اعتمر المتمتع بعد الحج أيضًا خصوصًا إذا كان مكيًا، أو عاد لإحرام الحج إلى الميقات فإن فوات هذه الشروط لا يخرجه عن كونه متمتعًا وإنما يسقط الدم.
قوله: ولو أحرم بالعمرة ثم شرع في الطواف لم يجز إدخال الحج عليها، وذكروا في تعليله أربعة معان:
أحدها: أنه اشتغل بعمل من أعمال العمرة فيقع عنها ولا ينصرف بعده إلى القران.
والثاني: إتيانه بفرض من فروضها لأن الفرائض هي المقصودة.
والثالث: إتيانه بمعظم أفعالها.
والرابع: أنه أخذ في التحليل المقتضى لنقصان الإحرام فلا يليق به إدخال الإحرام المقتضى لقوة الإحرام وكماله، وهذا هو الذي أورده أبو بكر الفارسي في "العيون".
فإن أدخل العمرة على الحج فالجديد أنه لا يجوز، والقديم جوازه.
وعلى هذا فإلى متى يجوز الإدخال فيه أربعة أوجه مفرعة على المعاني الأربعة: أحدها وهو الأصح كما قاله البغوي: يجوز ما لم يشرع في طواف القدوم أو غيره من أعمال الحج.
والثاني: ما لم يأت بالسعي أو غيره من الفروض.
قاله الخضري.
والثالث: ما لم يقف بعرفة.
والرابع: ما لم يشتغل بشيء من أسباب التحلل.
انتهى، والأصح هو الرابع كذا قاله في "شرح المهذب"، ونقله عن النص وهو مراد الرافعي بقوله أورده الفارسي في "العيون"؛ فإن الكتاب المذكور موضوع لنصوص الشافعي.
قوله: فإن أفسد العمرة ثم أدخل عليها الحج ففيه خلاف لعلنا نورده من بعد إن شاء الله تعالى.
انتهى.
وهذا قد ذكره بعد ذلك كما أشار إليه هنا، وصحح أنه ينعقد إحرامه بالحج ولكن ينعقد فاسدًا.
ذكر ذلك قبل الكلام على سنن الإحرام.
قوله: وبجب على القارن دم لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: أهدى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أزواجه بقرة وكن قارنات 1.
ولأن الدم واجب على المتمتع بنص القرآن.
وأفعال المتمتع أكثر من
أفعال القارن، وإذا وجب عليه الدم فلأن يجب على القارن كان أولى.
وصفه دم القران كصفة دم التمتع، وعن مالك أن على القارن بدنه، وحكى الحناطي عن القديم مثله، لنا أن المتمتع أكثر من فيها لاستمتاعه بمحظورات الإحرام بين النسكين، فإذا اكتفى منه بشاة فلأن يكتفي بها من القارن أولى.
انتهى كلامه.
وهذان التعليلان لا يمكن القول بصحتهما من قائل واحد؛ لأن الأول يقتضي أن القران أولى بوجوب الدم من التمتع، والثاني عكسه.
والحديث المذكور ثابت في الصحيحين.
قوله: الثالث: التمتع وهو أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده ويدخل مكة ويأتي بأفعال العمرة ثم ينشئ الحج من مكة.
انتهى.
وتقييده بميقات بلده ليس بشرط، وسأنقل بعد ذلك في آخر المسألة من كلامه ما يوضحه، وكذلك تقييده أيضًا الحج بكونه من مكة، بل لو أحرم به من ميقات بلده كان متمتعًا أيضًا غير أنه لا يلزمه الدم.
وعبارة "الروضة" في هذه المسألة كعبارة الرافعي.
قوله: وإنما يجب الدم على المتمتع بشروط: أحدها: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام.
ثم قال: وحاضروا المسجد الحرام من مسكنه دون مسافة القصر.
وهذه المسافة هل تعتبر من نفس مكة أو من الحرم؟ فيه وجهان حكاهما إبراهيم المروزي.
والثاني: هو الدائر في عبارات أصحابنا العراقيين.
انتهى.
وهو يقتضي رجحان الثاني، وصرح بترجيحه أيضًا في "الشرح الصغير"
فقال إنه أشبه الوجهين.
ثم إنه في "المحرر" خالف ما ذكره في "الشرحين" فقال: إنما يجب على المتمتع إذا لم يكن من حاضري "المسجد الحرام" وهو من بعد مسكنه عن مكة فوق مسافة القصر.
هذا لفظه.
والفتوى على ما في "المحرر" فقد نقله صاحب "التقريب" عن نص الشافعي فقال: حاضر المسجد الحرام عند الشافعي من بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة.
نص عليه في "الإملاء"، وأيده الشافعي بأن اعتبار ذلك من الحرم يؤدي إلى إدخال البعيد عن مكة وإخراج القريب لاختلاف المواقيت.
هذا كلام "التقريب" ومنه نقلت.
واعلم أن "المحرر" مخالف "للشرحين" من وجه آخر وهو جعله من كان على مسافة القصر من الحاضرين.
وقد غير النووي في "المنهاج" عبارة "المحرر" فقال: وحاضروه من دون مرحلتين من مثله، ثم استدرك عليه في اعتبار المسافة من مكة وقال: إن الأصح اعتبارها من الحرم؛ فاندفعت عنه المخالفة الأولى، لكنه يوهم أن الرافعي جعل من كان على مسافة القصر من الحاضرين، وذكر المسألة في "شرح المهذب" كما ذكرها في "المنهاج".
وهاهنا سؤالان:
أحدها: أن القادر على المشي يلزمه الحج إذا كان على مسافة لا يقصر فيها الصلاة، والمذكور في "الشرحين" و"الروضة" أن هذه المسافة تعتبر من مكة لا من الحرم، وهو عكس ما تقدم، ويمكن الفرق بأن الحج مضاف إلى البيت فاعتبر بخلاف المسجد الحرام في قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ
حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} 1 فإنه جميع الحرم، وفي الفرق نظر.
الثاني: وقد أورده النووي في "نكت التنبيه" فقال: جعلوا مكة وما جاورها من الأمكنة التي أهلها معدودون من حاضري المسجد الحرام كالشئ الواحد حتى لا يجب على المتمتع الدم عند عدم عوده إلى الميقات، ولم يجعلوا ذلك كالشئ الواحد فيما إذا جاوزه المريد النسك غير محرم بل أوجبوا عليه الدم إذا لم يعد، ولو جعلوه شيئًا واحدًا لكان يحرم من أيها شاء كما يحرم من أي بقاع مكة شاء مع أن الدم في كل من المسألتين وجب لقول الإحرام من الميقات.
قوله: فلو كان له مسكنان أحدهما في حد القرب من الحرم والثاني في حد البعد منه، فإن كانت إقامته في أحدها أكثر فالحكم له، فإن استويا نظر إلى أهله وماله؛ فإن اختص بأحدهما أو كان في أحدهما أكثر فالحكم له، فإن استويا فالحكم للذي خرج منه.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن مراده بالعزم على الرجوع هو الإقامة فإن صاحب "البيان" قد نقل هذا الحكم جميعه عن الشافعي، وعبر بما ذكرته لك وهو الإقامة.
الثاني: أنه ساكت عما لو استوت إقامته فيهما ولكن كان أهله في أحدهما، وأما الآخر قد ذكره الطبري شارح "التنبيه" فقال: الذي تبين لي أن النظر إلى مكان الأهل.
الثالث: أن المراد بالأهل هم، الزوجة والأولاد الذين تحت حجره، ومن عداهم كالآباء والأخوة فلا ترجيح لهم نبه عليه الطبري أيضًا وهو صحيح.
قوله: وذكر حجة الإسلام في هذا الشرط صورة هي من مواضع التوقف ولم أجدها لغيره بعد البحث وهي أنه يقال: والآفاقي إذا جاوز الميقات غير مريد نسكًا فلما دخل مكة اعتمر ثم حج لم يكن متمتعًا إذ صار من الحاضرين إذ ليس يشترط فيه قصد الإقامة، وهذه الصورة متعلقة أولا بالخلاف في أن من قصد مكة هل يلزم الإحرام بحج أو عمرة أم لا.
ثم ما ذكره من عدم اشتراط الإقامة ما ينازع فيه كلام عامة الأصحاب ونقلهم عن نصه في "الإملاء" والقديم فإنه ظاهر في اعتبار الإقامة بل في اعتبار الاستيطان.
وفي "النهاية" و"الوسيط" حكاية وجهين في صورة تداني هذه وهي أنه لو جاوز الغريب الميقات؛ وهو لا يريد نسكًا ولا دخول الحرم ثم بدا له قريبًا من مكة أن يعتمر فاعتمر منه وحج بعدها على صورة التمتع هل يلزمه الدم؟ أحد الوجهين: أنه لا يلزمه؛ لأنه لم يلتزم الإحرام وهو على مسافة بعيدة وحين خطر له ذلك كان على مسافة الحاضرين.
وأصحهما: يلزمه لأنه وجد صورة التمتع وهو غير معدود من الحاضرين.
انتهى كلامه.
زاد النووي على هذا في "الروضة" فقال: المختار في صورة الغزالي أولًا أنه متمتع وليس بحاضر بل يلزمه الدم.
إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن التصحيح المذكور في مسألة الوجهين اللذين حكاهما الرافعي عن الغزالي هو للرافعي لا الغزالي.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الغزالي قد سبقه إليه الماوردي ومنه أخذ
الغزالي على كثير من عادته؛ فإن استمداد "الوسيط" من كتب أوضحناها في الخطبة منها "الحاوي".
الثالث: أن ترجيح النووي وجوب الدم نفي مسألة الغزالي مع تسليمة للرافعي ما صححه في المسألة الثانية من عدم الوجوب لا يجتمعان، وقد أوضحه صاحب "الذخائر" فقال: الوجهان جاريان في المسألتين؛ إذ لا فرق بين مكة وما دون مسافة القصر في تناول اسم الحاضر؛ ولهذا يستوي المستوطن بها وبما دون مسافة القصر منها في التمتع وفي كل حكم لحاضر المسجد فكذلك من كان فيها غير مستوطن وفي ما دون مسافة القصر منها.
وقد سوى بينهما أيضًا الطبري شارح "التنبيه" وقال: قياس المذهب عدم الوجوب واستدل بنحو ما سبق.
قال: لكن الوجه في من أحرم قريبًا من مكة أنه متمتع قولًا واحدًا لأن حكم السفر منسحب عليه بدليل جواز القصر، ولو ألحق بأهل ذلك الموضع لامتنع القصر.
وكذلك إذا دخل مكة ولم تحصل إقامة متتابعة من الترخيص.
الأمر الرابع: أن ما ذكره الرافعي من أن حضور المسجد الحرام الذي هو مسقط لدم التمتع والقران شرطه الاستيطان قد ذكر بعد ذلك بنحو ثلاثة أوراق ما يخالفه فقال ما نصه: ووراءه شرطان: أحدهما: أن يحرم بالعمرة من الميقات، فلو جاوزه مريدًا للنسك ثم أحرم بها فالمنقول عن نصه أنه ليس عليه دم التمتع لكن يلزمه دم الإساءة.
وقد أخذ بإطلاقه آخذون، وقال الأكثرون: هذا إذا كان الباقي بينه وبين مكة دون مسافة القصر، فإن بقيت مسافة القصر فعليه الدمان معًا.
انتهى كلامه.
وهو في غاية التباين لأنه ليس بين هذه وبين المتقدمة التي صحح
فيها وجوب الدم فرق، إلا أن هذه الصورة قد جاوز الميقات فيها مريدًا للنسك ثم أحرم وقد حكم بأنه لا دم عليه فيها مع عصيانه لصيرورته من حاضر المسجد الحرام.
وزاد فنقله عن الأصحاب.
والنص وتلك لا عصيان فيها، وقد صحح فيها وجوب الدم، ويخالف أيضًا ما صححه النووي من "زياداته" في مسألة الغزالي.
وقد وقع الموضعان هكذا أيضًا في "شرح المهذب"، وذكر في "الشرح الصغير" الموضع الأول ولم يذكر الثاني.
الأمر الخامس: أن ما ادعاه من أن ما نقلوه عن الشافعي ظاهر في اعتبار الإقامة بل في اعتبار الاستيطان عجيب فقد نص على الاستيطان نصًا صريحًا كما نقله عنه في "التقريب" فقال: قال الشافعي في "الإملاء": ومن كان متمتعًا ينوي في سفرة إيطان مكة فعليه دم المتعة لا يسقط عنه الدم حتى يكون متوطنًا قبل العمرة لا أن يكون متوطنًا بالنية حتى معها فعل.
هذا لفظه بحروفه.
ثم نقل عن حرملة نحوه أيضًا.
قوله: وهل يجب على المكي إذا قرن أثناء الإحرام من أدنى الحل كما لو أفرد العمرة أم يجوز أن يحرم من جوف مكة إدراجًا للعمرة تحت الحج؟ فيه وجهان: أصحهما الثاني.
ويجريان في الآفاقي إذا كان بمكة وأراد القران.
انتهى كلامه.
وما ذكره من حكاية الوجهين قد تبعه عليه في "الروضة"، واقتضى كلامه قوة الخلاف فإنه عبر بالأصح، وتقوية هذا الخلاف مردودة لأن المعتبر في العمرة أن يجمع فيها بين الحل والحرم، وهذا المعنى موجود في القران لأن الوقوف بعرفة لابد منه وعرفة من الحل فيكون ذلك نظير ما إذا أحرم
بالعمرة من مكة ثم خرج إلى أدنى الحل قبل الطواف فإنه لا دم عليه ولا إساءة إلا على وجه شاط جدًا.
والأصح المعروف: القطع بخلاف، كما ذكره الرافعي قبل هذا فراجعه وراجع "الروضة" يظهر لك.
قوله: وفي اشتراط نية التمتع وجهان: أصحهما: أنه لا تشترط نية القران، فإن شرطناها ففي وقتها أوجه مأخوذة من الخلاف في نية الجمع بين الصلاتين.
أحدها: حالة الإحرام بالعمرة.
والثاني: ما لم يفرغ منها.
والثالث: ما لم يفرغ من الحج.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من عدم اشتراط نية القران قد ذكره أيضًا في "الشرح الصغير"، وتابعه النووي في "الروضة" عليه.
ولقائل أن يقول كيف يعقل عدم اشتراطها؟ لأنه إذا نوى أحدهما لا يصير قارنًا وإن نواهما صار قارنًا ولا معنى لنية القران إلا ذلك؛ ويؤيده أن القاضي حسين في "تعليقه" استدل على وجوب نية التمتع بوجوب القران.
والجواب أن المراد بنية التمتع هو قصد أن الحج في ذلك العام وذلك قصد يكون عند الإحرام بالعمرة أو بعدها على الخلاف المتقدم.
ونظير التمتع بل القران أن يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف وإذا فعل ذلك فإنه يصير قارنًا وإن لم ينو القران حين الإحرام بالعمرة، فتلخص أن هذه الصورة لا تجب فيها نية القران والتمتع أشبه بها
من الصورة الأخرى فليحمل كلام الرافعي ومن تبعه عليها.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي من كون الخلاف مأخوذًا من الخلاف في جمع الصلاتين يقتضي أن الأصح هو الوجه الثاني، وهو: ما لم يفرغ، وبه صرح في "شرح المهذب" وذكر في "الروضة" هذه الأوجه بدون هذا التخريج فلزم خلوها من معرفة الراجح.
قوله: ووراء الشروط المذكورة في الكتاب شرطان: أحدهما: أن يحرم بالعمرة من الميقات فلو جاوزها مريدًا للنسك ثم أحرم بها فالمنقول عن نصه أنه ليس عليه دم ولكنه يلزمه دم الإساءة وقد أخذ بإطلاقه آخذون.
وقال الأكثرون: هذا إذا كان الباقي بينه وبين مكة مسافة القصر، فإن بقيت مسافة القصر فعليه الدمان معًا.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة"، وفيه أمران:
أحدهما: أن المعنى فيما قاله الأكثرون من عدم وجوب دم التمتع أنه صار من حاضري المسجد الحرام.
إذا علمت ذلك فاعلم أن اعتبار هذه المسافة من مكة وجه مرجوح، بل الصحيح عنده وعند النووي اعتبارها من الحرم كما ذكره الرافعي قبل ذلك وتقدم ما فيه.
الثاني: أن هذا النص الذي نقله الرافعي إنما هو نصه تفي القديم.
كذا ذكره صاحب "التقريب" و"التهذيب" فاعلمه.
قوله: والثاني حكى عن ابن خيران اشتراط وقوع النسكين في شهر واحد وأباه عامة الأصحاب.
انتهى
وهذا الذي ذهب إليه ابن خيران ونوزع فيه، وقد أشار إليه الشافعي في رواية حرملة.
كذا رأيته في "العمد" للفوراني.
قوله: واعلم أن الشروط المذكورة معتبرة في لزوم الدم لا محالة.
وهل هي معتبرة في تسميته متمتعًا؟
فيه وجهان: الأشهر: لا.
انتهى ملخصًا.
وما صححه هنا قد جزم بخلافه قبيل الكلام في المواقيت وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
قوله: وأما الواجد للهدي فالمستحب له أن يحرم يوم التروية بعد الزوال متوجهًا إلى منى؛ لما روي عن جابر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا توجهتم إلى منى فأهلوا بالحج" 1. انتهى كلامه.
والذي جزم به هاهنا من كونه يتوجه إلى منى بعد الزوال قد ذكر ما يخالفه في باب دخول مكة في أوائل الفصل المعقود للوقوف فقال.
المشهور استحباب الخروج بعد صلاة الصبح بحيث يصلون الظهر بمنى، ووقع هذا الاختلاف في "الروضة" أيضًا، والفتوى على ما قاله هناك لتصريحه بأنه المشهور ولهذا اقتصر عليه في "الشرح الصغير" وكذلك النووي في "شرح المهذب".
الحديث المذكور رواه مسلم في صحيحه، ولفظه: "فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى وأهلوا بالحج".
فإن لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
ثم قال: فإذا تأخرت الثلاثة عن أيام التشريق صارت فائتة لا محالة وإن صدقه عليه أنه في الحج لتأخر طواف الركن لأن تأخره عن أيام التشريق مما ينذر فلا يقع مرادًا من قوله تعالى "ثلاثة أيام في الحج" 2، بل هو محمول على الغالب، كذا حكاه الإمام وغيره، وفي "التهذيب" وجه
ضعيف ينازع في ذلك.
انتهى كلامه.
وما أشعر به كلامه من عدم الخلاف لا على الوجه الذي في "التهذيب" في تأخر الطواف قد تابعه عليه في "الروضة"، وصرح بأنه لا خلاف فيه.
وما ادعاه من عدم الخلاف ليس كذلك فقد حكى صاحب "التقريب" وهو ابن القفال مع هذا الوجه وجهًا آخر أنه لا يفوت ما دام في مكة فقال: وفيه وجه آخر أنهم يصومون في الحج بعد أيام التشريق ويؤخرون طواف الإقامة.
وفيه وجه ثالث وهو: أنهم ما لم ينفروا ففي بقية من الحج كان طواف الوداع به يختم.
وهذا لفظه بحروفه، ومن "التقريب" نقلت.
وإذا جعلنا الحلق ركنًا فيأتي فيه ما سبق في طواف الإفاضة.
قوله: وهل يجب التفريق في القضاء بين الثلاثة والسبعة؟ فيه قولان في رواية الحناطي والشيخ أبي محمد، ووجهان في رواية غيرهما.
انتهى.
وقد اختلف كلامه في الأصح من هاتين الروايتين فصحح في "الشرح الصغير" أن الخلاف وجهان فقال ما نصه: فيه وجهان، وقيل: قولان، وجزم في "المحرر" بأنه قولان وصححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: ففي سقوطه قولان: أصحهما على ما قاله ابن الصباغ وصاحب "التهذيب": أنه يسقط كصوم رمضان.
والثاني: لا بل يهدي عنه لأن الصوم قد وجب بالشروع في الحج فلا يسقط من غير بدل، وهذا يتصور بما إذا لم يجد الهدي في موضعه وله ببلده مال وفي ما إذا كان يباع بثمن غال.
انتهى فيه أمور:
أحدها: أن المراد بالغلو هنا هو البيع بزيادة على ثمن المثل.
فتفطن له؛ فإن الغلو يطلق مرة لهذا ومرة وهو الأغلب على ارتفاع القيم لقلة الأشياء.
وقد صرح الرافعي بذلك في أوائل الحج في الكلام على الزاد والماء فقال: وإن وجدها بثمن المثل لزم التحصيل سواء كانت الأسعار رخيصة أو غالية.
هذا كلامه، وقد أحسن في "شرح المهذب" فلم يعبر بالغلو بل بالزيادة على ثمن المثل، وإن كان في "الروضة" قد وافق الرافعي على التعبير بالغلو وأطلق في الكتابين تصحيح السقوط، وقد صححه أيضًا الشاشي.
الأمر الثاني: أن الصورة الثانية محلها: ما إذا زال الغلو وتركه الرافعي لوضوحه.
الأمر الثالث: أن هذه المسألة تتصور أيضًا بما إذا كان له مال يحتاج إليه من ثياب وعبد ودار ونحو ذلك فإن الاحتياج يزول بالموت.
قوله: فإن فسرنا الرجوع في الآية بالرجوع إلى الوطن -وهو الصحيح على ما سبق- فلا يمكن صوم السبعة قبله.
وإن قلنا: الفراغ من الحج، فلا يمكن أيضًا قبله.
ثم دوام السفر عذر على ما قاله الإمام بل قد سبق أنه يستحب التأخير إلى أن يصل إلى الوطن في أصح القولين للخروج من الخروج.
وقد نقل عن القاضي الحسين أنا إذا قلنا بالاستحباب فمات في الطريق فهل تجب الفدية؟ فيه وجهان يخرجا من الوجهين فيما إذا ظفر بالمساكين ولم يدفع الزكاة إليهم ليدفعها إلى الإمام فتلف المال هل يضمن أم لا؟ انتهى.
ومقتضى هذا التخريج وجوب الفدية على الصحيح على خلاف ما يحاوله الإمام لأن الصحيح في الزكاة هو الضمان وإيجاب الفدية مشكل؛ فإن السفر عذر في صوم رمضان والنذر فكذلك هنا، وقد حذف النووي من "الروضة" هذا التشبيه المقتضى للترجيح.
الباب الثاني: في أعمال الحج
فيه أحد عشر فصلًا:
الفصل الأول: في الإحرام
قوله: وإذا أحرم في أشهر الحج إحرامًا مطلقًا فله أن يصرفه إلى ما شاء من الحج والعمرة والقران.
انتهى.
وما ذكره من الصرف إلى الثلاثة قد تبعه عليه في "الروضة"، وهو واضح إذا كان وقت الحج باقيًا ومتسعًا، فإن انقضى فقد قال القاضي الحسين على ما نقله عنه في "الكفاية": يحتمل أن يقال: لا، بل يتعين كونه عمرة، ويحتمل بقاؤه على التخيير، حتى إذا عينه للحج يكون كمن فاته.
وذكر الروياني المسألة وعبر بقوله: صرفه إلى العمرة، وهو موافق للاحتمال الأول ويوهم الاحتياج إلى الصرف.
وأما إذا لم ينقض ولكنه ضاق فالمتجه -وهو مقتضى إطلاق الرافعي- لزمه صرفه إلى ما شاء ويكون كمن أحرم الحج في تلك الحالة.
قوله: والتعيين بالنية ولا يجزئ العمل قبله.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق عدم الإجزاء قبله، لكن في "البيان" أنه لو طاف ثم صرفه للحج وقع طوافه عن القدوم.
وذكر مثله الحضرمي في "شرح المهذب" مع أن طواف القدوم من سنن الحج وقد فعل قبل التعيين.
قوله: ولو أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ثم أدخل عليها الحج في أشهره فوجهان:
أحدهما: لا يصح، واختاره الشيخ أبو علي وحكاه عن عامة الأصحاب.
والثاني: يصح، واختاره القفال، وبه أجاب صاحب الشامل وغيره.
انتهى.
والأصح هو الصحة.
كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة" وموضع المسألة فيها هو أول الباب الذي قبل هذا.
قوله: قال في الإملاء: إطلاق الإحرام أفضل؛ لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحرم مطلقًا وانتظر الوحي.
وقال في "الأم": والأصح أن التعيين أفضل؛ لما روي عن جابر أنه قال: قدمنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونحن نقول: لبيك بالحج 1.
وعلى هذا فهل يستحب التلفظ بما عينه؟ فيه وجهان: أصحهما -وهو المنصوص- لا، بل يقتصر على النية لأن إخفاء العبادة أفضل.
والثاني: نعم؛ لخبر جابر، ولأنه يكون أبعد عن النسيان.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن الخلاف في التلفظ بالمعين محله في التلبية كما صرح به الأصحاب كلهم.
وأما التلفظ به في النية فمحتسب قطعًا لأنه من جملة النية، وقد قال الأصحاب إنه يستحب التلفظ بالنية هنا كما في سائر العبادات، وذكر في "الروضة" أيضًا؛ ولهذا قيد كلام الرافعي بما ذكرناه وأدخله في كلام الرافعي.
الثاني: أن ما ذكره من تصحيح عدم الاستحباب قد تابعه عليه النووي في "الروضة".
وقال ابن الصلاح: إن محل هذا الخلاف فيما عدا التلبية الأولى، فأما الأولى -وهي التي عند الإحرام- فيستحب أن يسمى فيها ما أحرم به من حج أو عمرة بلا خلاف، وذكر مثله النووي في كتاب "الأذكار"، ونقل في "المناسك" و"شرح المهذب" هذا التقييد عن الشيخ أبي محمد ولم يصرح فيهما بموافقة ولا مخالفة، لكن رأيت في "التقريب" عن نص الشافعي في "الإملاء" وغيره أنه لا يستحب التعيين في التلبية الأولى أيضًا؛ فثبت أن الصواب هو الإطلاق فاعلمه.
ونقل النووي عن الشيخ أبي محمد أيضًا أنه لا يجهر بهذه التلبية بل يسمعها نفسه بخلاف ما بعدها فإن ظهر بما، ولو عقد إحرامه بالنية والتلبية لم يبعد القطع باستحباب ما ذكره مما نواه فيها.
قاله الطبري في "شرح التنبيه" وهو حسن.
الأمر الثاني: أن تعليله بإخفاء العبادة الواجبة أفضل، وينبغي التفرقة.
وحديث الإطلاق رواه الشافعي في "مختصر المزني" وقال: إنه حديث ثابت، وحديث جابر في الإحرام بالحج ثابت في الصحيحين.
قوله: ولو أحرم كإحرام زيد وكان إحرام زيد فاسدًا: هل ينعقد إحرامه مطلقًا أم لا ينعقد أصلًا؟ فيه وجهان.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح هو الانعقاد، كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".
الثاني: أن النووي قد ذكر بعد هذه المسألة بقليل أنه إذا لم يكن زيد محرمًا أصلًا فينظر إن كان عمرو جاهلًا به انعقد إحرامه مطلقًا لأنه جزم بالإحرام، وإن كان عالمًا بأنه غير محرم بأن علم موته فطريقان: المذهب
الذي قطع به الجمهور: أنه ينعقد إحرام عمرو مطلقًا، والثاني: على وجهين: أصحهما: هذا، والثاني: لا ينعقد أصلًا.
انتهى.
وذكر الرافعي نحوه أيضًا، وإذا علمت ما قيل في هذه المسألة علمت أن صورة مسألتنا أن يكون المعلق عالمًا بالفساد، فإن جهل انعقد مطلقًا كما قيد بما إذا لم يكن زيد محرمًا.
ثم إنهم جزموا في المسألة الأولى بطريقة الوجهين وصححوا في الثانية طريقة القطع فما الفرق بينهما؟
قوله: ولو أخبره زيد عما أحرم به ووقع في نفسه خلافه فهل يعمل بما أخبر عنه أم بما وقع في نفسه؟ فيه وجهان.
انتهى.
قال في "شرح المهذب": أقيس الوجهين وجوب العمل بخبره، وقال في "زيادات الروضة": إنه الأصح.
قوله: ولو أخبره أنه أحرم بالعمرة ثم بان أنه بالحج فقد بان أن إحرام عمرو بالحج أيضًا.
فإن فات الوقت تحلل أو أراق دمًا؟ وهل هو في ماله أو في مال زيد للتغرير؟ فيه وجهان.
انتهى.
والأصح وجوبه في ماله.
كذا قاله النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".
قوله: وإذا أحرم بنسك معين من النسكين ثم نسيه فقولان: القديم: أنه يتحرى ويعمل.
ثم قال ما نصه: والجديد: أنه لا يتحرى؛ لأنه تلبس بالإحرام يقينًا فلا يتحلل إلا إذا أتى بأعمال المشروع فيه فالطريق أن يقرب ويأتي بأعمال
النسكين وهذا كما لو شك في صلاته في عدد الركعات يبني على اليقين لتحقق الخروج عما شرع فيه.
انتهى.
وهذا الكلام كله فيه إشعار ظاهر بأن الرافعي يقول بوجوب نية القران بل لا يتوقف متوقف في اقتضاء كلامه.
إذا علمت ذلك فقد صرح -أعني الرافعي- بعد هذا بنحو أربعة أوراث بعدم وجوب فقال في الكلام على رقم لفظ "الوجيز" ما نصه: لك هذا الإعلام إنما يحسن إن ألزمناه جعل نفسه قارنًا وهو غير لازم، وقد أوضح إمام الحرمين ذلك فقال: ولم يذكر الشافعي القران على معنى أنه لابد منه ولكن ذكره ليستفيد به الشاك التحلل مع براءة الذمة على النسكين.. إلى آخر ما قال.
وتابعه النووي في "الروضة" على الموضعين، وجزم في "شرح المهذب" بعدم الوجوب وقال: إنه لا خلاف فيه بل الذي يجب إنما هو نية الحج.
والذي قاله غريب مع تقدم الموضع له، ولأنه قد صرح جماعة كثيرة بوجوب ذلك منهم صاحب "التقريب".
وقال ابن الرفعة في "الكفاية" بعد نقله ذلك عنهما: إنه المفهوم من كلام الأصحاب.
قال: وخالف فيه الإمام ونقله في "المهذب" عن نصه في "الأم"، ونقله أيضًا البندنيجي والروياني عن نصه في "الأم" و"الإملاء"، وصرح به أيضًا الشيخ أبو محمد في كتاب "السلسلة" فقال: مسألة إذا شك في إحرامه وكلفناه القران على المذهب الجديد.
هذا لفظه.
والغريب أن النووي قد جزم به أيضًا في "الشرح" المذكور قبل الموضع الذي ادعى فيه أنه لا يجب بلا خلاف بنحو ورقتين فقال نصه: أصح الطريقين - وبه قطع الجمهور - أن
المسألة على قولين: القديم: جواز التحري ويعمل بظنه، والجديد: لا يجوز التحري بل يتعين أن يصير نفسه قارنًا.
هذا لفظه بحروفه.
فتلخص أن الفتوى على القول بالوجوب كما دل عليه كلام الرافعي في الموضع الأول ترجيحًا لنص الشافعي، والظاهر أن الرافعي رأى الإمام بعد ذلك جازمًا بعدمه فجزم به ثانيًا تبعًا له غير مستحضر ما قدمه، وتبعه أيضًا النووي عليه في "الروضة" و"شرح المهذب".
واعلم أن هذا الشاك إذا نوى القران فلا يبرأ إلا عن الحج فقط ولا يبرأ عن العمرة كما ستعرفه؛ وحينئذ فلا يصح ما قالوه من إيجاب نية القران بل يكفيه أن ينوي الحج ويأتي بأعماله وحينئذ فتبرأ ذمته فاعلم ذلك.
بل ولا يتجه أيضًا ما قدمناه عن النووي من إيجاب نية الحج بل الواجب وهو مقتضى كلام الرافعي أن يأتي بأعماله؛ لأنه إن كان محرمًا به فواضح، وإن كان محرمًا بالعمرة فقد أتى بها وبزيادة؛ ولهذا لم يصرح الرافعي في الموضع الثاني النافي لوجوب نية القران بوجوب نية الحج فاعلمه.
قوله: فإن قلنا بالقديم فما غلب على ظنه أنه الذي شرع فيه مضى فيه وأجزأه.
ثم قال: وفي "شرح الفروع" ذكر وجه ضعيف أنه لا يجزئه، وفائدة التحري الخلاص من الإحرام.
انتهى.
تابعه النووي على حكاية هذا الوجه كذلك وهو غير منقول عن وجهه فإنه مخصوص بما إذا ظن القران، أما إذا ظن الحج أو العمرة فإنه يجزئه.
كذا نقله في "النهاية" عن الشرح المذكور.
قوله: وإن قلنا بالجديد فنوى القران فكان الشك قد عرض قبل الإتيان بشيء من الأعمال برئت ذمته عن الحج، وأما العمرة فإن جوزنا إدخالها على
الحج فكذلك أيضًا، فإن منعنا فوجهان: أصحهما: أنه مما يجزئه؛ ثم قال: ويحكي عن أبي إسحاق أنها تجزئه ويجعل الاشتباه عذرًا في جواز الإدخال.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أنه ليس كما حكاه عن أبي إسحاق من الجزم بذلك فقد رأيت في "المجموع" للمحاملي ما نصه: قال أبو إسحاق: ويحتمل وجهين: أحدهما: لا يجزئه لأن هذا مصرور للإدخال بسبب القران.
الثاني: أن الكلام الذي قدمناه أن الرافعي حكاه عن الإمام وجعله إيضاحًا لكلامه الذي جزم به صرح في براءة الذمة من العمرة على عكس ما صححه هاهنا.
قوله في أصل "الروضة": فإن حصل الشك بعد الطواف وقبل الوقوف فنوى القران وأتى بأعمال القارن لم يجزءه الحج لاحتمال أنه كان محرمًا بالعمرة فيمتنع إدخال الحج عليها بعد الطواف.
وأما العمرة فإن قلنا: يجوز إدخالها على الحج بعد الطواف، أجزأته وإلا فلا، وهو المذهب.
وذكر ابن الحداد في هذه الحالة أنه يتم أعمال العمرة بأن يصلي ركعتي الطواف ويسعى ويحلق أو يقصر ثم يحرم بالحج ويأتي بأعماله، فإذا فعل هذا صح حجه؛ لأنه إن كان محرمًا بالحج لم يضر تجديد إحرامه، وإن كان بالعمرة فقد يمنع ولا تصح عمرته لاحتمال أنه كان محرمًا بالحج ولم تدخل العمرة عليه إذا لم ينو القران.
قال الشيخ أبو زيد وصاحب "التقريب" والأكثرون: إن فعل فالجواب ما ذكره، لكن لو استفتانا لم نفته به، لاحتمال أنه كان محرمًا بالحج وأن هذا
الحلق يقع في غير أوانه؛ وهذا كما لو ابتلعت دجاجة إنسان جوهرة لغيره لا نفتي صاحب الجوهرة بذبحها وأخذ الجوهرة، فلو ذبحها لم يلزمه إلا قدر التفاوت بين قيمتها حية ومذبوحة.
هذا أو تقاتلت دابتان لشخصين على شاهق وتعذر مرورهما لا نفتي أحدهما بإهلاك دابة الآخر لكن لو فعل خلص دابته ولزمه قيمة دابة صاحبه.
واختار الغزالي قول ابن الحداد، ووجهه الشيخ أبو علي بأن الحلق في غير وقته يباح بالعذر لمن به أذى.
انتهى كلامه.
وما نقله في "الروضة" تبعًا للرافعي عن الأكثرين من عدم الإفتاء به وارتضاه قد خالفه في "شرح المهذب" فقال: ذهب ابن الحداد إلى أنا نفتيه بذلك وقال القاضي أبو الطيب الطبري وصاحب "الشامل" وآخرون ورجحه الغزالي وهو الأصح.
هذا كلامه.
قوله: الثاني: إذا أفسد العمرة بالجماع ثم أدخل عليها الحج فهل يصير محرمًا بالحج؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن الإحرام الفاسد في حكم المنحل فلا يصح الإدخال كما بعد الطواف.
والثاني: نعم، وإليه ميل الأكثرين، ولا أثر لكونها فاسدة كما لا أثر لاقتران المفسد بالإحرام؛ فعلى هذا يكون الحج صحيحًا محرمًا؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن المفسد متقدم عليه فلا يؤثر فيه.
وأصحهما: لا؛ لأن الإحرام واحد وهو فاسد ومحال أن يؤدي بالإحرام نسك صحيح؛ فعلى هذا ينعقد فاسدًا أو صحيحًا ثم يفسد؟ فيه وجهان: ذكروا نظيريهما فيما إذا أصبح في رمضان مجامعًا وطلع الفجر واستدام أحدهما أنه ينعقد
صحيحًا ثم يفسد لأنه لم يوجد بعد انعقاده مفسدًا.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره هاهنا من أن إحرام المجامع ينعقد ثم يفسد قد تابعه عليه في "الروضة" ثم خالفه في باب محرمات الإحرام فصحح من "زياداته" عدم الانعقاد، وستعرف لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
الأمر الثاني: أن مقابل هذا في الصوم إنما هو عدم الانعقاد بالكلية لا انعقاده فاسدًا كما يقتضيه كلامه هاهنا حيث شبهه بالحج فإن الفاسد في الصوم غير منعقد بخلاف الحج، وقد سبقت المسألة واضحة في كتاب الصوم قبيل الكلام على الشرائط.
الثالث: أن هذا الخلاف المذكور في الصوم لم يذكره الرافعي إلا في هذا الموضع وقد حذفه النووي هنا فلم يذكره في "الروضة" فلزم خلوها عنه، وقد سبق ذكرى له في بابه مستوفي.