ليس إسناده بذاك القوي، ولفظ الحديث عن [ابن] 1 عمر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "سبعة مواطن لا يجوز فيها الصلاة المجزرة والمزبلة والمقبرة ومعاطن الإبل والحمام وقارعة الطريق وفوق بيت الله العتيق....".
واعلم أن ابن الصلاح قد قال في "مشكل الوسيط": الصحيح أن مؤخرة الرحل بميم مضمومة ثم همزة ساكنة ثم خاء معجمة مكسورة بعدها راء وهاء، وهي عبارة عما يستند إليه راكب الرجل من خلاف ظهره والرحل منزلته من ظهر الجمل منزلة البرذعة من ظهر الحمار، قال في "غريب المهذب" المسمى "بالمغنى": المؤخرة بفتح الهمزة وتشديد الخاء.
قال ابن الأثير: المؤخرة بالسكون لغة قليلة في الآخرة على وزن الضاربة وقد منع منها بعضهم.
قوله: وقبلة الكوفة نصبها علىّ، وقبلة البصرة نصبها عتبة بن غزوان -رضي الله عنهما- انتهى.
وغزوان بغين معجمة مفتوحة ثم زاى معجمة ساكنة، توفي عتبة بطريق البصرة سنة سبع عشرة من الهجرة.
قوله: فإن قدر على القبلة يقينًا لم يجز له الاجتهاد كالقادر على العمل بالنص لا يجوز له الإجتهاد، وحكى الروياني وجهين فيما إذا استقبل الحجر بكسر الحاء بناء على هذا الأصل، قال: الأصح المنع، لأن كونه في البيت غير مقطوع به.
انتهى.
واعلم أنه يجوز الأخذ برواية الصحابي واجتهاده بحضرة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كما ذكره في "شرح المهذب" في الكلام على الاجتهاد في الأوقات، فترد
هذه الصورة على المصنف، وأما الذي صححه الروياني، فقد صححه النووي في أصل "الروضة" وغيرها من كتبه وسبب كونه غير مقطوع به أنه في أخبار الآحاد، وصورة مسألة الكتاب أن يكون في الحرم وهو أعمى أو في ظلمة.
قوله: وإن لم يقدر على درك اليقين نظر إن وجد من يخبره عن القبلة عن علم رجع إليه ولم يجتهد أيضًا كما في الوقت إذا أخبره عدل عن طلوع الفجر يأخذ بقوله ولا يجتهد، وكذا في الحوادث إذا روى العدل خبرًا.
انتهى.
واعلم أن ما ذكره في وجدان الخبر إن أراد به أنه إذا أخبره وجب العمل بقوله وامتنع الاجتهاد فواضح، ويدل عليه تعبيره بقوله كما في الوقت إذا أخبره فإن أراد أن يلزمه سؤاله، فيشكل على ما ذكره في المكر من أنه يجوز له إذا صلى في بيته أن يجتهد، وإن أمكنه الرقى على السطح، وقياسه من هنا ألا يجب السؤال بل أولى لأن الرقى يحصل العلم بخلاف السؤال، وقد استفدنا من كلام الرافعي أن إخبار العدل عن مشاهدة ليس بيقين، وأنه لا يجوز الأخذ به إلا إذا تعذر عليه القطع، وسأذكر في الكلام على ظهور الخطأ كلامًا يتعلق به.
قوله في أصل "الروضة": ولا يقبل في القبلة خبر كافر قطعًا ولا فاسق ولا صبي غير مميز على الصحيح فيهما.
انتهى.
وما جزم في الفاسق من طريقة الوجهين قد ضعفها في "شرح المهذب" فقال: وأما الفاسق ففيه طريقان: المشهور وبه قطع الأكثرون أنه لا يقبل خبره هنا كسائر أخباره، والثاني في قبوله وجهان، وما أطلقه في الكافر، قد ذكر الماوردي ما يقتضي تخصيصه فقال: فأما إذا استدل مسلم من كافر
دلائل القبلة كأن سأله عن أحوال الرياح ومطالع النجوم فأخبره ووقع في نفسه صدفة ثم اجتهد لنفسه من خبر المشرك في جهات القبلة جاز، لأن المسلم عمل في القبلة على اجتهاد نفسه، وإنما قبل خبر المشرك في غيرها مما يستوي في الإخبار به من وقع في النفس صدقة من مسلم وكافر، هذه عبارته.
قوله: حتى أن الأعمى يعتمد المحراب إذا عرفه بالمس حيث يعتمده البصير بالرؤيه، ثم قال: ولو اشتبهت عليه طيقان لمسها فلا شك في أنه يصير حتى يخبره غيره صريحًا، انتهى كلامه.
والطيقان جمع طاق كنار ونيران، وجار وجيران، قال صاحب المطالع: طاق البناء هو الفارغ ما تحته وهي الحنية وتسمى الأزح، وقال الجوهري: الطاق ما عطف من الأبنيه والجمع طاقات وطيقان فارسي معرب، ولهذا يعبر بعض الفقهاء عن المحراب بطاق القبلة وسنعيد هذه اللفظة إن شاء الله تعالى في كتاب الإيمان بزيادة على المذكور هنا.
قوله: ولو غرز عصًا أو خشبة فوجهان أحدهما يكفي بحصول الاصال بالمغروز، ولذلك تعد الأوتاد المغروزة من الدار، وتدخل في البيع، وأصحهما: لأ كما لو وضع الغروز من البناء والأوتاد جرت العادة بغرزها لما فيها من الصالح فقد تعد من البناء لذلك.
انتهى كلامه.
وحاصله حكمًا وتعليلًا أن هذا الخلاف لا يجري في البيع وهو غريب، فقد حكاه الرافعي هناك، وجعله مفرعًا على الخلاف، ونقل أن الخلاف المذكور هنا أصل لذلك، فقال في [الفصل] 1: الدار ما نصه.
الثالث: ما أثبت على غير هذا الوجه [كالدقوق] 1 والدنان والإجانات المثبتة والسلالم المسمرة والأوتاد المثبتة في الأرض والجدران والتحتاني من حجري الرحى وخشب القصار، ومعجن الخباز، ففي جميع ذلك وجهان:
أصحهما أنه يدخل ثم قال: وفي "التتمة" أن أصل الخلاف في هذه المسائل الخلاف في تجويز الصلاة إلى العصا المغروزة في سطح الكعبة إن جوزناه، فقد عددناها من البناء فتدخل وإلا فلا.
انتهى كلامه.
فحكى الخلاف فيه كما ذكرناه مع كونه مثبتًا ومسمرًا وجعل هذا أصلًا له.
قوله: والوجهان في الغرز المجرد أما لو كانت مثبته أو مسمرة كفت للاستقبال.
نعم: قال إمام الحرمين: الخشبة وإن كانت مثبتة، فبدن الواقف خارج عن محاذاتها من الطرفين فيكون على الخلاف الذي يأتي ذكره فيمن وقف على طرف، وبعض يديه في محاذاة ركن من الكعبة.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها أن ما ذكره من تخصيص الوجهين بمجرد الغرز لا بالمثبت والمسمر قد صرح به في أصل "الروضة" كما ستعرفه، والكلام المذكور في البيع يقتضي أنه لا فرق هنا بينهما فتأمله.
الأمر الثاني: هو موقوف على عبارة الإمام فنقول: قال: ولو وقفه على حرف ركن من البيت وكان يحاذي ببعض بدنه الركن وبعضه خارج عن مسامته الكعبة، ففي صحة الصلاة وجهان، ثم قال بعد صفحة: ثم لو فرض شخوص خشبة من البناء فمعلوم أنه في حجمها قد لا يكون على قدر الواقف، وقد ذكرنا خلافًا فيمن وقف على طرف ركن من أركان
الكعبة، وخرج بعض بدنه عن؟ وهذه الخشبة الشاخصة، وإن اتصلت اتصال البناء، فبدن الواقف خارج عن محاذاتها في الطرفين، فهذا فيه تردد عندي، كما ذكرته، هذه عبارته، وقول الإمام: فهذا فيه تردد ظاهر عندي جزم منه بحكاية التردد، وذلك التردد ظاهر مما سبق، وليس بخفي، ولهذا قال كما ذكرته أى كما ذكرت التردد هنا هذا مدلول كلام الإمام لا غير، وهو مطابق لكلام الرافعي، وتوهم النووي أن الإمام متردد في جريان ذلك الخلاف هنا، فاعترض به على الرافعي فقال: وإن كانت العصا خشبة أو مسمرة كفت قطعًا، لكن قال الإمام: إن خرج بعض بدنه عن محاذاتها كان على الخلاف الآتي ممن خرج بعض بدنه محاذاة الكعبة.
قلت: لم يجزم الإمام بأنه يكون على ذلك الخلاف، بل قال في هذا التردد ظاهر عندي، وظاهر كلام الأصحاب القطع بالصحة في مسألة العصا، لأنه يعد مستقبلًا بخلاف مسألة طرف الركن فالله أعلم.
هذا كلامه وهو مردود من وجهين:
أحدهما: أن الفهم الذي فهمه غير صحيح لما ذكرته ولأن إجراء الخلاف من هنا لم يتقدم له ذكر حتى يجعل التردد عائدًا إليه.
الوجه الثاني: أن ما دعاه ونسبه إلى ظاهر كلام الأصحاب من القطع غريب، فما بالعهد من قدم فقد سبق قبل هذا بنحو خمسة أسطر حكاية هذا الخلاف بعينه في الشاخص فقال: إنه إذا استقبل العتبة وهي قدر ثلثي ذراع جاز ثم قال: ولنا وجه أنه يشترط في العتبة أن تكون بقدر قامة المصلي طولًا وعرضًا ووجه أنه يكفي شخوصها بأي قدر كان، ثم قال عقبه: إن الكعبة لو هدمت والعياذ بالله تعالى يوقف في عرصتها أو وقف على سطحها واستقبل شاخصًا من نفس الكعبة، فله حكم العتبة إن كان
ثلثي ذراع جاز وإلا فلا على الصحيح وفيه الوجهان الآخران، هذه عبارته.
فإذا جرى الخلاف المذكور في شاخص من نفس الكعبة فالعصا أولى، وهذا الاعتراض وارد على الرافعي أيضًا، فإن قوة كلامه مشعرة بأن لم يقف عليه صريحًا وإنما أخذه مما أبداه الإمام.
قوله: ولو وقف على طرف من أطراف البيت وبعض بدنه في محاذاة الركن، والثاني خارج ففي صحة صلاته وجهان أحدهما يصح، لأنه توجه إلى الكعبة بوجهه وحصل أصل الإستقبال وأصحهما لا يصح، لأنه يصدق أن يقال: ما استقبل الكعبة إنما استقبلها بعضه.
انتهى كلامه.
وهذا الاستدلال الذي ذكره للوجه الأول صريح في أن العبرة في الإستقبال بالوجه، وذكر في كتاب الحج في كلام على أركان الطواف ما حاصله أنه لابد منه ومن الصدر فقال: قال الإمام: الأصح المنع كما أن المصلي لما أمر بأن يولي الكعبة صدره ووجهه لم يجز أن يوليها شقه، هذه عبارته.
والصواب: أن الإعتبار بالصدر خاصة كما جزم في شرح المهذب في الكلام على الالتفات في الصلاة.
قوله: ولو حال بين المكي وبين الكعبة حائل فاجتهد فلا إعادة إن كان الحائل خلقيًا، وكذا إن كان حادثًا في أصح الوجهين انتهى.
تابعه في "الروضة" على الصحيح عدم الوجوب.
وهو مخالف لنص الشافعي، فإنه قد نص في البويطي على وجوب الإعادة عليه، ولم يفصل، فأقبل مراتبه أن يحمل على الحادث، ونقله البندنيجي عن نصه في "الأم"، وذهب إليه الشيخ أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب
والماوردي والمحاملي والجرجاني، وقد ادعى النووي في "شرح المهذب" أنه يجتهد في الخلقي بلا خلاف، وليس كذلك، فقد حكى ابن الرفعة عن القاضي أبي الطيب أنه لا يجتهد.
واعلم أنه لو بنى حائلًا من غير ضرورة ولا حاجة ومنعه المشاهدة لم تصح صلاته أى بالاجتهاد لتفريطه، كذا نقله في "النهاية" عن العراقيين وهي مسألة حسنة.
قوله: ومحراب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نازل منزلة الكعبة، فمن يعاينه يستقبله، ويسرى محرابه عليه بناءً على العيان والإستدلال كما ذكرنا في الكعبة، ولا يجوز العدول عنه بالإجتهاد وكذا المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين، هذا كلامه في الجهة، وهل يجوز الإجتهاد فيها بالتيامن والتياسر إن كان محراب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يجز بحال، ولو تخيل حاذق في معرفة القبلة فيه تيامنًا أو تياسرًا، فليس له ذلك وخياله باطل، وأما سائر البلاد فيجوز على الأصح.
انتهى ملخصًا.
واعلم أن الشيخ محب الدين الطبري قد أثار في شرحه "للتنبيه" بحثًا ينبغي أن يعلم، فقال: فإن قيل: محرابه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على عين الكعبة، إذ لا يجوز فيه الخطأ، فيلزم بما قلتم ألا تصح صلاة من بينه وبينه من أحد جانبيه أكثر من سمت الكعبة إلا مع الانحراف، قلنا: من أين لكم أنه على عين الكعبة، فيجوز ألا يكون على عين الكعبة، فيجوز ألا يكون كذلك، ولا خطأ بناء على أن الفرض الجهة.
نعم: إن ورد في الصحيح أنه نصب على العين فيكون مقتضى الدليل ما ذكرتموه على القولين.
على القولين أما على العين فظاهر، وأما على الجهة فهذا المحراب كالكعبة [فمشاهده كمشاهدها] 1 إلا أن إجماع الصحابة على بناء مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واسعًا، وصلاتهم في أقطاره من غير أن ينقل الانحراف عنهم دليلًا على طرد حكم البعد في كل مكان سواء تحقق صوب عين الكعبة أم لا تحقيقًا للقول بأن فرض التعبد هو الجهة مطلقًا، ولا أعلم أحدًا تكلم في هذه المسألة والظاهر فيها ما ذكرته.
انتهى كلامه ملخصًا.
وللبحث فيه مجال.
واعلم أن المراد بمحراب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو موقفه وإلا فالمحاريب محدثه والمحراب في اللغة هو صدر المجلس.
قوله: قال الإمام: والخلاف في أن المجتهد إذا تخير هل يقلد أم لا محله إذا ضاق الوقت أما قبله فيمتنع التقليد جزمًا قال: وفيه احتمال من التيمم في أول الوقت.
انتهى.
وهذا التقييد الذي ذكره الإمام جزم به الماوردي في "الحاوى" والطبري في "شرح التنبيه"، ووافق الرافعي عليه في آخر المسألة في الكلام على لفظ الوجيز فقال: ومسألة التخير قد أطلق الخلاف فيها، وهو محمول على ما إذا ضاق الوقت كما حكمنا من قبل هذه عبارته.
وقت غفل في الروضة عن هذا الكلام واقتصر على نقل كلام الإمام ساكتًا عليه ثم اغتر به في غيرها فقال في "شرح المهذب": إن المذهب الذي صرح به الجمهور تعميم الخلاف وقال في "شرح الوسيط": إن ما قاله الإمام شاذ والمشهور التعميم، وذكر في "الشرح الصغير" كما ذكر في "الروضة".
قوله: ولو اختلف عليه [اختلاف] 1 اجتهاد مجتهدين قلد من شاء منهما والأولى تقليد الأوثق والأعلم عنده، وقيل يجب ذلك فإن تساوى قول اثنين عنده يخير وقيل: يصلي مرتين إلى الجهتين.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد اختصر ذلك اختصارًا فاسدًا فإنه جمع المسألتين فقال: ولو اختلف عليه اجتهاد مجتهدين قلد من شاء منهما على الصحيح، والأولى تقليد الأوثق والأعلم وقيل يجب ذلك، وقيل: يصلي مرتين إلى الجهتين، هذه عبارته فاقتضى كلامه حكاية وجه أنه يجب عليه الصلاة مرتين مع كونه أحدهما أرجح عنده ولم يذكره الرافعي إلا عند التساوي ولا يصح القول به أيضًا إلا في هذه الحالة.
الأمر الثاني: أن الرافعي في "الشرح الصغير" قد رجح الثاني فقال: إنه الأشبه وذكر في "الكفاية" أن القاضي أبا الطيب نقله عن نص الشافعي في "الأم" ثم قال أي -ابن الرفعة-: إن الأكثرين على التخيير بينهما وسأذكر بعد هذا كلامًا آخر متعلقًا بهذه المسألة.
قوله: ومن صلى بالاجتهاد ثم ظهر له الخطأ نظر إن كان بالاجتهاد أيضًا لم يؤثر فيما مضى، وإن كان باليقين وجب القضاء في أصح القولين؛ لأنه تيقن الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء فلا يعتد بما مضى كالحاكم إذا حكم ثم وجد النص بخلافه واحترزوا بقولهم فيما يأمن مثله في القضاء عن الخطأ في الوقوف بعرفة فإن القضاء لا يجب؛ لأن مثله غير مأمون في القضاء ويمكن أن يقال: لا حاجة إلى هذا المجتهد؛ لأن الأمر هناك مبني على رؤية الهلال ولا يعين بكون الرائين مصيبين.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن تعبيره بالقضاء الذي هو حقيقة في المفعول خارج الوقت يشعر بأن صورة المسألة أن يكون التبين بعد الوقت حتى إذا تبين الحال
والوقت باق وجت الإعادة قولًا واحدًا كما في نظيره من الاجتهاد في وقت الصلاة ووقت الصوم، وفي كلام الرافعي في الباب ما يدل عليه وإن كان الرافعي في أثناء المسألة في الكلام على التيامن والتياسر قد عبر أيضًا بلفظ الإعادة، وكرر هذه اللفظة.
لكن رأيت في "دلائل القبلة" لابن القاص ما حاصله أن القولين جاريان مطلقًا فإنه قال: إذا أخطأ في الجهة فقال مالك بن أنس: إن كان وقت الصلاة قائمًا فعليه الإعادة، وإن كان قد فات الوقت فلا إعادة.
وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق بن راهويه: عليه الإعادة.
وقال النووي والكوفي وصاحباه: لا إعادة عليه.
قال الشافعي: فيها قولان، هذه عبارته ثم استدل على كل من القولين.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في أخر كلامه يقتضي أن إخبار العدل بالخطأ عن مشاهدة لا يوجب القضاء لانتفاء التعين، وقد سبق عند الكلام على القدرة على اليقين ما يدل له، والجاري على القواعد أن حكمه هنا كحكم مشاهدته حتى يجب عليه القضاء ولهذا قاسوه على الحاكم إذا ظهر له النص وليس المراد به إلا الخبر الصحيح الذي يرويه العدل ونحوه سواء كان متواترًا أم لا.
قوله، في "الروضة": -وأما المتمكن من تعلم أدلة القبلة فيبني على أن تعلمها فرض عين أم كفاية؟ والأصح فرض عين.
قلت: المختار ما قاله غيره أنه إذا أراد سفرًا ففرض عين لعموم حاجة المسافر إليها وكثرة الاشتباه عليه، وإلا ففرض كفاية إذ لم ينقل أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم السلف ألزموا آحاد الناس بذلك بخلاف أركان الصلاة وشروطها.
انتهى
كلامه.
وهذا الوجه الذي رجحه قد قال في "شرح المهذب" أيضًا: إنه الأصح وخالف في المنهاج فصحح أنه فرض مطلقًا ولم يذكر الثالث بالكلية تبعًا لما في "المحرر".
قوله: في "أصل الروضة" ولو ظهر له الخطأ بالظن في أثناء الصلاة مقترنًا بظهور الصواب فوجهان.
الأصح: أنه ينحرف ويبني حتى لو صلى أربع ركعات إلى أربع جهات باجتهادات فلا إعادة.
والثاني: يستأنف وخص صاحب التهذيب الوجهين بما إذا كان الدليل الثاني أوضح من الأول قال: فإن استويا تمم صلاته إلى الجهة الأولى ولا إعادة.
انتهى.
وهذا الكلام يشعر بأن المعروف إطلاق الوجهين وبه صرح في "شرح المهذب" فقال: والمشهور إطلاق الوجهين، هذه عبارته.
وحينئذ فيكون الأصح على الانحراف أيضًا، وهو عجيب فكيف يتصور أن يقال بلزوم الانتقال مع التساوي ثم إنه مخالف لكلام الرافعي، فإن الرافعي عقب نقله عن "التهذيب" ما نقل لم يرتض كلامه ولا ذكر ما ذكره، فقال: وإن كانا مثلين فقضيته التوقف والتخير، وحينئذ فلا يكون الصواب ظاهرًا له وحينئذ فيكون حكمه حكم من ظهر له الخطأ ولم يظهر له الصواب، وحكمه أنه إن عجز عن درك الصواب بالاجتهاد على العرف وطلب صلاته إذا لا سبيل إلى الاستمرار على الخطأ ولم يقف على جهة الصواب حتى ينحرف، فإن قدر على العرف هل يبني وينحرف أو يستأنف؟ يعود فيه الخلاف السابق وأولى بالاستئناف؛ لأنه هناك قد تمكن من الانحراف إلى
الصواب كما ظهر الخطأ، وهاهنا بخلافه فإنه يتخير في الحال ثم قال: ولا فرق في هذا بين أن يظهر الخطأ بالقطع أو الظن.
انتهى ملخصًا.
قال في "الروضة": والصواب من هذا الخلاف وجوب الاستئناف وإذا علمت بما تقدم تلخص لك من كلام الرافعي أنه إذا لم يكن الثاني أوضح لا يتنفل بالكلية كما يقوله النووي، بل إن لم يترجح المحال من قرب بطلت صلاته وإن ترجح عن قرب ففيه الخلاف، والصوأب وجوب الاستئناف والقائل هنا بوجوب الانحراف قد يكون إلى الأول وقد يكون للثاني، وظهر بطلان ما قاله النووي على كل تقدير ولا شك أنه لما حذف ما ذكره الرافعي ظنًا منه أنه مناقشة في لفظ اغتر به في "شرح المهذب" فنقله على عادته وصرح بما اقتضاه فلزم الخلل.
نعم: قد سبق لنا أنه إذا اختلف على المقلد اجتهاد مجتهدين متساويين قلد من شاء منهما وقيل: يصلي مرتين وقياسه أن يتخير أيضًا في مسألتنا تعليل أنه إذا تغير اجتهاده قبل الدخول في الصلاة وظن أن الصواب جهة أخرى اعتمد الأوضح منهما، فإن تساويا يخبر وقيل يصلي إلى الجهتين مرتين وهذا نظير ما سبق أيضًا.
نعم: لو دخل في الصلاة باجتهاد ثم شذ عنه ولم يترجح له شئ من الجهات أتم صلاته إلى جهته ولا إعادة عليه كما نص عليه في "الأم"، واتفقوا عليه كذا قاله في "شرح المهذب".
وقياسه أن يستمر في مسألتنا على الجهة الأولى؛ لأن الشك يحصل عنده بتعارض الدليلين وقد سبق ظن فيتمسك به فتلخص أن الصواب ما قاله البغوي، وما قاله الرافعي والنووي لا يستقيم وكلام النووي أبعد عن
الصواب من كلام الرافعي ثم بعد ذلك رأيت الطبري في شرح التنبيه قد نص على ما ذكرته بعينه، فقال: ولا يتجه غير ما قاله البغوي وذكر نحو ما ذكرته، وذكر فيه أيضًا أنه لو وقع ذلك أثناء التكبير كان كما لو وقع قبله، والذي ذكره صحيح وقد سبق إيضاحه في الكلام على رؤية المتيمم للماء.
قال ابن الصلاح: والمرجح في الطول والقصر إلى العرف لا إلى مضى الركن وعدمه فقد يمضي مع القصر ركن وقد لا يمضى، قال: وفيما علقته في الدرس بخراسان عما علق عن الغزالي تحديده بالركن، قال: وهذا غير مرضِ.
قوله: والخطأ في التيامن والتياسر إذا ظهر بالاجتهاد وكان ذلك بعد الفراغ من الصلاة فلا يقتضي وجوب الإعادة؛ لأن الخطأ في الجهة والحالة هذه لا يؤثر ففي التيامن والتياسر أولى، وإن كان في أثناء الصلاة فينحرف ويبني ولا يعود فيه الخلاف المذكور في نظيره من الخطأ في الجهة لأنا استبعدنا الصلاة الواحدة إلى جهتين مختلفتين، وأما الالتفات اليسير فإنه لا يبطل الصلاة، وإن كان عمدًا وإذا ظهر الخطأ في التيامن والتياسر يقينًا فإن قلنا الفرض إصابة العين ففي وجوب الإعادة إن وقع بعد الصلاة، والاستئناف إن وقع في أثنائها القولان في الجهة.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به من وجوب الانحراف إذا ظهر في الأثناء قد تابعه عليه في "الروضة" وادعى عدم الخلاف، فقال: وإن كان في أثنائها انحرف وأتمها قطعًا.
انتهى.
والقياس يقتضي تخريجه على أن الفرض في حق البعيد هل هو الجهة
أو العين؟ فإن قلنا العين وجب الانحراف، وإن قلنا الجهة فلا، وقد أشار الرافعي بعد هذا بدون ورقتين إلى هذا الخلاف فقال: ولو اختلف اجتهاد رجلين في التيامن والتياسر والجهة واحدة، فإن أوجبنا على المجتهد رعاية ذلك فهو كالاختلاف في الجهة فلا يقتدي أحدهما بالآخر وإلا فلا بأس.
هذا كلامه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في الاستدلال على اعتقاد الانحراف بأن الالتفات اليسير عمدًا لا يبطل، كيف يصح مع التفاريع التي ذكرها قبل وبعد من وجوب الانحراف عند الظن والاستئناف والإعادة عند التحقق، فإن لم تكن المسألة من أقسام الانحراف لم يصح الاستدلال بها.
قوله: ولو تغير اجتهاد المأموم لزمته المفارقة وهل هي مفارقة بعذر أم بغير عذر لكونه مقصرًا بترك الإمعان في النظر والبحث فيه وجهان.
انتهى.
والأصح هو الزول كذا صححه النووي في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب" وابن الرفعة في "الكفاية".
قوله: [إحداها] 1 إذا صلى إلى جهة بالاجتهاد ثم دخل عليه وقت صلاة أخرى أو أراد قضاء فائتة فهل يحتاج إلى تجديد الاجتهاد؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم، فإن قلت فهل يختص الوجهان بما إذا لم يبرح من مكانه كالتيمم؟ قلنا: في كلام بعض الأصحاب ما يقتضي ذلك لكن الفرق ظاهر؛ لأن أكثر أدلة القبلة لا تختلف بالمسافات القريبة لأنها سماوية.
انتهى ملخصًا.
ذكر نحوه في "الروضة" أيضا وكذلك في "شرح المهذب" نقلا له عن
الرافعي وليس ذلك صريحًا في رد هذه المقالة ولا في قبولها، وقد ارتضاها النووي في "التحقيق" وجزم بأن محل القولين إذا لم ينتقل فإن انتقل جدد الاجتهاد جزمًا، وهو حاصل ما في "الكفاية" لابن الرفعة أيضًا.
قوله: ولو اجتهد عدل فقال لمن هو يصلى بالتقليد أخطأ بك فلان، فإن كان قول الأول أرجح عنده أو مثله أو لم يعرف هل هو مثله أو لا لم يجب العمل بقول الثاني، وهل يجوز العمل به؟ يبني على أن المقلد إذا وجد مجتهدين هل يجب الأخذ بأعلمهما أم يتخير؟ فإن قلنا بالأول لم يجز وإلا ففيه خلاف؛ لأنه إن بنى كان مصليًا للصلاة الواحدة إلى جهتين، وإن استأنف كان مبطلًا للفرض بغير عذر وفي كل منهما خلاف، وإن كان الثاني أرجح فهو كتغير اجتهاد البصير فينحرف.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح في الصلاة الواحدة إلى جهتين هو الجواز كما صرح به الرافعي والنووي في مواضع من هذا الباب، والأصح في الخروج من الفرض بغير عذر هو المنع كما سبق في التيمم، وحينئذ فيكون الأصح من هذا الخلاف هو الجواز إن أراد البناء والمنع إن أراد الخروج، وعبر في الروضة بقوله خلاف ولم يذكر مدرك الخلاف الذي يعلم منه الصحيح في حالة دون حالة ثم إنه صحيح من زوائده المنع ولم يذكر تفصيلا بالكلية.
وذكر مثله في "شرح المهذب" والتحقيق وغيرهما فحصل الغلط من وجهين.
الأمر الثاني: أن ما ذكره فيما إذا كان الثاني أعلم قد ذكر في كتاب القضاء في الكلام على الاستفتاء ما يخالفه فقال القياس في هذه المسألة: أن
تخرج على الخلاف السابق فإن أوجبنا الأخذ بقول الأعلم فهو كما قالوه من تعين.
فهو كما قالوه من تعين الاجتهاد، وإلا فلا أثر لقوله.
واعلم أن ما قالوه في هذه المسألة والمسألة السابقة صريح في أن الخلاف في تقليد الأعلم جارٍ مع العلم به، لكن الرافعي في القضاء لما تكلم على الاستفتاء وحكى الخلاف في وجوب استفتاء الأعلم جعل محله في البحث عنه، ثم حكى عن الرافعي أنه ذكر في علم الأصول أنه إذا اعتقد أن أحدهم أعلم، لم يجز أن يقلد غيره، وإن كان لا يلزمه البحث عنه إذا لم يعلمه، وأقره الرافعي فلم ينكره، وزاد النووي على ذلك فقال من "زوائده" المختار ما ذكره الغزالي، قال: فعلى هذا يلزمه تقليد أورع العالمين وأعلم الورعين، فإن تعارضا قدم الأعلم على الأصح.
وهذا الذي قاله النووي هناك واقتضاه كلام الرافعي أيضًا مناف للمذكور هنا، وذكر أيضًا ابن الصلاح في "أدب المفتي والمستفتي" أنه إذا علمه وجب عليه تقليده على الأظهر.
وهذا التعبير يشعر بثبوت الخلاف فيه.
المُهِمَّات فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ والرَّافِعِيِّ
تَصْنيف الشَّيْخ الإِمَام العَلامَة جمال الدّين عبد الرَّحِيم الأسنوي رَحِمَه الله الْمُتَوفَّى 772 هـ
اعتَنى بِهِ أَبُو الْفضل الدّمياطِي أَحَمَدْ بنْ عَلي عَفَا الله عَنْهُ
الْجُزْء الثَّالث
مَرْكَز التراث الثقافي المغربي - دَار ابْن حزم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المُهِمَّات فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ والرَّافِعِيِّ (3)
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة الطبعة الأولى 1430 هـ - 2009 م
ISBN: 978 - 9953 - 81 - 740 - 8
الْكتب والدراسات الَّتِي تصدرها الدَّار تعبر عَن آراء واجتهادات أَصْحَابهَا
مَرْكَز التراث الثقافي المغربي الدَّار الْبَيْضَاء - 52 شَارِع الْقُسْطَلَانِيّ - الأحباس هَاتِف: 442931 - 022 _ فاكس: 442935 - 022 المملكة المغربية
دَار ابْن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص. ب: 6366/ 14 هَاتِف وفاكس: 701974 - 300227 (009611) بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb