ومنها: إذا أفلس المديون فهل لصاحبه المطالبة به؟ إن قلنا إنه من باب] 1 التأجيل فيأتي فيه الخلاف في حلول المؤجل بالإفلاس.
وإن قلنا: إنه حال، منع من المطالبة به مانع فالمتجه عدم المطالبة به لقيام المانع، ويحتمل خلافه لما فيه من الضرر، ويحتمل [التخريج] 2 على المؤجل لأن الواجب بالنذر لا يزيد على الواجب الأصلي، ويحتمل التفصيل بين أن يقول لله عليّ أن لا أستوفيه إلا بعد كذا وكذا ونحو ذلك، فلا يطالبه أو يقول: لله عليّ تأجيله، وهذا كله إذا كان الناذر والمديون حيين.
فإن كان المديون ميتًا فلا شك أن المسارعة إلى براءة ذمته واجبة إذا خلف وفاء.
وحينئذ فلا يؤثر النذر حتى لو رضي الوارث ورب الدين معًا بالتأخير لم يجز لما ذكرناه.
وأيضًا فلأن قصد الناذر التبرع برفق المديون، وقد زال ذلك بموته، وإن كان الناذر ميتًا فالمتجه بقاء المدة سواء كان وارثه رشيدًا أم محجورًا عليه لأن من ورث مالًا ورثه بحقوقه التي عليه والتي له.
ويحتمل التفصيل السابق وهو الفرق بين أن يلتزم التأجيل أو عدم مطالبته هو.
ومن تفاريع المسألة إخراج الزكاة عن ذلك المال.
فنقول: للنذر حالان:
أحدهما: أن يكون بعد تمام الحول، فلا إشكال في وجوب [إخراج قدر الزكاة غير أنه هل يستثنى ذلك القدر من وجوب] 3 الإنظار لأن الملك فيه لغيره بناء على الصحيح، وهو أن الفقراء شركاء رب المال، أو يجب الإنظار فيه أيضًا، وهو المتجه لكونه قادرًا على تمام نذره لجواز الإخراج من غيره كما قلنا به فيما إذا رهن مالًا زكويًا، وحال عليه الحول،
بل مسألتنا أولى لأن الرهن سابق على الوجوب بخلاف النذر.
الحال الثاني: أن يكون قبل تمام الحول ففي إلحاقه بما بعد الحول احتمال لأن النذر في هذه الحالة يصرف منه قبل تعلق نصيب الفقراء.
وقياس مسألة الرهن وجوب الإخراج من غيره عند القدرة، ومنه عند عدمها.
واعلم أن ابن الرفعة في باب القرض من "الكفاية" نقل عن صاحب "التتمة" أن الحال يصير مؤجلًا بالوصية، ثم قال عقبه ما نصه: وسمعت من بعض مشايخنا أنه يتأجل بالنذر أيضًا.
هذا كلامه.
ومقتضاه أنه يقف على نقل في هذه المسألة وهو غريب، فقد ذكرها أيضًا المتولى عقب هذه المسألة التي نقلها هو عنه من غير فصل بينهما فقال في الباب الخامس من أبواب البيع: الثامن: إذا كان له حق حل أجله فقال: إن شفى الله تعالى مريضى أو رجع غائبي فلله عليّ أن لا أطالبه شهرًا، فالحكم فيه كالحكم فيما نذر عيادة المرضى وتشييع الجنائز.
هذا كلام المتولي.
وقد ذكرها أيضًا الروياني في "البحر" في كتاب البيع قبل باب بيع اللحم بالحيوان بنحو ورقة فقال: إن فيه وجهين كالوجهين في ما إذا نذر تشييع الجنازة، وهذا الكلام يقتضي أن الراجح من الوجهين هو الواجب لأنه الراجح في المحال عليه.
قوله ولابد من تعيين الرهن، والكفيل، والمعتبر في الرهن المشاهدة أو الوصف كما يوصف المسلم فيه، وفي الكفيل المشاهدة [أو] 1 المعرفة بالاسم والنسب، ولا يكفي الوصف بأن يقول: رجل موسر، ثقة، هذا هو النقل.
ولو قال قائل: الاكتفاء بالصفة أولى من الاكتفاء بمشاهدة من لا يعرف حاله لم يكن مبعدًا.
انتهي كلامه.
ونظير هذه المسألة في المشاهدة مع عدم معرفة الحال قد ذكره الرافعي في كتاب الصداق، وفي المسابقة فقال: الصداق إذا أصدقها تعليم آيات من القرآن فلابد من علمها، فإن أراها مقدارًا من المصحف فقال: من هاهنا إلى هنا فقال أبو الفرج الزاز: يكفي، ولك أن تقول: لا يكفي هذا إذ لا تعرف به صعوبته وسهولته.
زاد النووي في "الروضة" فقال: الصواب أنه لا يكفي.
انتهى.
والمسألتان في المعنى سواء، فيقال للنووي: لم جعلت هناك الصواب ما قاله الرافعي بحثًا ولم تجعله هنا كذلك؟
وقال في المسابقة: لو تناضل غريبان لا يعرف واحد منهما صاحبه حكم بصحة العقد.
فإن بان أنهما أو أحدهما لا يحسن الرمي بطل العقد.
وإن بان أن أحدهما قليل المعرفة لا يقاوم الآخر ففيه وجهان.
ومقتضى كلام الرافعي في الشرط الخامس من شروط المسابقة ترجيح الصحة.
قوله: ولو باع عبدًا بشرط العتق، وأن يكون الولاء للبائع فسد العقد، وفي قول يصح.
ثم قال ما نصه: وعلى هذا -يعني الصحة- ففي صحة الشرط وجهان نقلهما الإمام:
أحدهما: أنه لا يصح.... إلى آخر ما ذكر.
ثم قال: إن الجمهور قضوا على هذا القول بفساد الشرط، وقصروا
الصحة على العقد، ولا تكاد تجد حكاية الخلاف في صحة الشرط بعد تصحيح العقد إلا للإمام.
إذا علمت ذلك فاعلم أن ما وقع في كلام الرافعي من أن الإمام نقل الوجهين غلط، فإن الذي نقله إنما هو فساد الشرط فقط.
وأما تصحيحه فذكره بحثًا فقال تفريعًا على قول الصحة ما نصه: وعلى هذا ففي الولاء المشروط نظر، ذهب بعض الأصحاب إلى أن الوجه فيه إلغاء الشرط، وتصحيح العقد، وهذا فاسد مع أمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالاشتراط، ومتعلق القول بصحة العقد قضية بريرة، فلا ينبغي أن يعتبر أصلها، ويعطل تفصيل القول فيها، فإذًا الوجه تصحيح الشرط إذا صححنا العقد تعلقًا بقضية بريرة.
هذا لفظ الإمام.
لا جرم أن ابن الرفعة في "شرح الوسيط" قال: إن أحد الوجهين ذكره الإمام نقلًا والآخر تفقهًا، وإن كان قد وقع هو في "شرح التنبيه" في ما وقع فيه الرافعي.
قوله: وما لا يقتضيه العقد من الشروط، ولكن لا غرض فيه كشرط أن لا يأكل إلا الهريسة أو لا يلبس إلا الحرير، وما أشبهه فلا يفسد العقد ويلغو كما قاله الإمام والغزالي.
لكن في "التتمة" أنه لو شرط ما يقتضي التزام ما ليس بلازم، فإنه لو باع بشرط أن يصلي النوافل فإنه يفسد العقد لأنه أوجب ما ليس بواجب وقضية هذا فساد العقد في مسألة الهريسة، والحرير أيضًا.
انتهى ملخصًا.
وكلامه يقتضي أنه لم يجد التصريح بالبطلان منقولًا، وإنما يؤخذ من مقتضى كلام "التتمة" وهو عجيب، فقد نص الشافعي -رحمه الله- في "الأم" على البطلان فقال في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى المذكور بعد باب قطع العبد في أواخر باب الغصب منه ما نصه: قال محمد
ابن إدريس: فإذا باع الرجلُ الرجلَ العبدَ على أن لا يبيعه من فلان، أو على أن يبيعه من فلان، أو على أن لا يستخدمه، أو على أن ينفق عليه كذا وكذا، أو على أن يخارجه فالبيع كله فاسد.
هذا لفظه بحروفه، ومن "الأم" نقلته.
فتلخص أن مذهب الشافعي في اشتراط ما لا غرض فيه هو البطلان، وأن الرافعي لم يطلع فيه إلا على كلام بعض المتأخرين المعدودين في الصنفين لا في أصحاب الوجوه.
ثم إن الرافعي جزم بالصحة في "المحرر" و"الشرح الصغير" لكون القائل بالصحة اثنان؛ وبالبطلان واحد على ما تحصل له في مبسوطه.
وهذا أمر صعب يورث ريبة، ووقفه في الإفتاء بكثير من كلامه.
قوله: ولو باع الحامل واستثنى حملها ففي صحة البيع وجهان منقولان في "النهاية".
أحدهما: أنه يصح كما لو باع الشجرة واستثنى الثمرة قبل بدو الصلاح.
وأصحهما -وبه أجاب الجمهور-: أنه لا يصح.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: (قبل بدو الصلاح) سهو، بل الصواب أن يقول: قبل التأبير؛ لأن الثمرة قبل التأبير داخلة في البيع، وإذا استثناها صح الاستثناء، فصح قياس الصحة في استثناء الحمل عليه.
وأما بعد التأبير وقبل بدو الصلاح فإنها غير داخلة بالكلية حتى يقال: إن استثناء ما صحيح، ويقاس عليه ما نحن فيه.
قوله: ولو كانت الأم لواحد والحمل لآخر فهل لمالك الأم بيعها؟ فيه وجهان.
وكذا لو باع جارية حاملًا بُحْر، ففيه وجهان، الذي ذكره المعظم أنه لا يصح لأن الحمل لا يدخل في البيع فكأنه استثناه.
والثاني وهو اختيار الإمام وصاحب "الكتاب" أنه يصح لكونه مستثنى شرعًا.
انتهي.
فيه أمران:
أحدهما: أن تصحيح المنع هنا مشكل على تصحيح الجواز في الدار المستأجرة، فإن الحمل والمنفعة قد اشتركا في دخولهما عند بيع الأصل.
وفي الإبطال عند استثنائهما على تقدير ملكه لهما.
وحينئذ فيجب استواء الصورتين لأن المالك فيهما لم يستثن شيئًا، بل باع جميع ما يملك، فإن جعل المستثنى شرعًا كالمستثنى شرطًا وجب البطلان وإن جعل غير المملوك كالمعدوم، ونظرنا إلى أنه لم يستثن شيئًا لزم القول بالصحة فيهما بل الصحة في الحامل بحر أظهر من المستأجرة لأن الحر لا يقبل البيع أصلًا فهو كالمعدوم بخلاف المنفعة.
الأمر الثاني: أن جواب الإمام والغزالي قد اختلف في ذلك فأما الإمام فقال هنا قبل باب النهى عن بيع وسلف: إن الأصح صحة البيع.
وقال في الرهن: [المذهب] 1 الذي قطع به الأئمة امتناعه.
وأما الغزالي فأجاب بالجواز في موضعين من "الوسيط" أحدهما في البيع والثاني في الرهن على خلاف ما قاله فيه إمامه، وأجاب بالمنع في موضعين منه أيضًا، فإنه جزم به في كتاب النكاح في الكلام على ما إذا وطئ الأب جارية الابن.
وقال في كتاب "السير": إنه الأصح ذكر ذلك فيما إذا وطئ جارية من الغنيمة.
فتلخص أن الذي استقر عليه رأيهما معًا هو المنع على خلاف ما اقتصر عليه الرافعى.
قوله: ولو قال: بعتك الجبة وحشوها ففيه [طريقان] 1 منهم من طرد الخلاف أي المذكور في الحمل، ومنهم من قطع بالجواز لأن الحشو داخل في مسمى الجُبَّة، فذكر ذلك ذكر ما دخل في اللفظ فلا يضر التنصيص عليه.
والحمل غير داخل في مسمى الشاة فذكره ذكر شيء مجهول مع المعلوم.
انتهى كلامه.
لم يصحح شيئًا من الطريقين في "الروضة" أيضًا والأصح طريقة القطع.
كذا صححها النووي في "شرح المهذب" وعبر بلفظ الأصح.
قوله في أصل "الروضة": ولو شرط كون الشاة تدر كل يوم كذا رطلًا من اللبن بطل البيع قطعًا لأن ذلك لا ينضبط.
انتهى.
وما ادعاه من القطع ليس كذلك، ولم يذكره الرافعي أيضًا، فإن في المسألة وجهين مشهورين حكاهما الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" في باب الرد بالعيب، والروياني في "البحر" وصاحب "العدة" والشاشى في "الحلية" وصحح الدبيلى في "آداب القضاء" منهما الصحة.
والغريب أن النووي ادعى ذلك أيضًا في "شرح المهذب" وعبر بقوله: بطل بلا خلاف.
ذكره في باب ما يجوز بيعه في الكلام على بيع الحمل في البطن.
قوله: ومنها لو قال لغيره: بع عبدك من زيد بألف على أن على خمسمائة فباعه على هذا الشرط فهل يصح العقد؟ فيه قولان لابن سريج أظهرهما: لا.
لأن الثمن يجب جميعه على المشتري، وهاهنا جعل بعضه على غيره.
والثاني: نعم، ويجب على زيد ألف، وعلى [الآمر] 2 خمسمائة كما لو قال: العد متاعك في البحر وعليّ كذا.
انتهي.
ذكر في "الروضة" من زياداته في آخر الوكالة مسألة أخرى تشبه هذه فقال: لو قال: بع عبدك بألف درهم على زيد وخمسمائة [على فعند ابن سريج العقد صحيح وعلى زيد ألف وعلى الأمر خمسمائة] 1، وعلى الصحيح العقد فاسد قال في "الحاوي": هذا لفظه.
وذكر الرافعي أيضًا في الباب الرابع من أبواب الخلع في الطرف الرابع منه مسألة أخرى تشبه هاتين المسألتين فقال: لو قال: بع عبدك من زيد بألف، ولك على خمسمائة فباعه منه لم يستحق على القائل شيئًا عند الجمهور.
وقال الداركي: يحتمل أن يستحق كالتماس الطلاق والعتق.
انتهى.
ولما كانت هذه المسائل الثلاث قد يحصل فيها اشتباه الواقف على بعضها عن البعض الآخر ذكرتها في موضع واحد ليفطن له، فإنه أبطل الأولى، ونقل فيها عن ابن سريج قولين، وأبطل الثانية، ولم ينقل عن ابن سريج فيها إلا قولًا واحدًا، وهو الصحة، وجزم بصحة الثالثة.
فأما التي في الخلع فإنه باع من زيد بألف عليه، ولم يشترط في البيع أن له على السائل شيئًا، فهذا صحيح إذ لا مفسد فيه، ولكن النظر وقع في استحقاق ما التزمه السائل.
وأما التي في الوكالة فإن البائع صرح بأن الثمن ألف وخمسمائة وبأن ألفًا منها على المشتري وباقيها على السائل، وبطلانه واضح لأن الثمن لا يكون إلا على المشتري، ومقابله ضعيف.
وأما المذكورة في هذا الباب، فإنه لم يصرح بأن الثمن خمسمائة حتى يكون بعضه على المشتري بل باع بألف على المشتري ثم شرط في صلب العقد أن يكون على السائل خمسمائة أخرى، ولم يجعلها ثمنًا، وإن كان من جهة المعنى يشبه الثمن على غير البائع فلما شرط في الأولى مالًا خارجًا
عن الثمن بخلاف الثانية نظر ابن سريج إلى هذا المعنى فتردد في صحة الأولى مع تسليمه الصحة في الثانية.
قوله: وإن تعلق بالشرط الفاسد غرض فسد البيع بفساده.
انتهى.
يستثنى منه ما إذا اشترط البراءة من العيوب، وقلنا: إن الشرط لا يصح، فإن الأصح في الرافعي أنه لا يبطل البيع.
قوله: ولا يجوز للمشترى حبس المبيع في البيع الفاسد لاسترداد الثمن.
وحكى ابن كج عن الإصطخرى جوازه، ونقله القاضي عن النص.
انتهى ملخصًا.
وما صححه هنا من امتناع الحبس قد جزم في أوائل الضمان بما يخالفه فقال في الكلام على ضمان العهدة: ولو بان فساد البيع بشرط أو غيره ففي مطالبة الضامن وجهان:
أحدهما: يطالب كما لو خرج مستحقًا.
والثاني: لا لاستغنائه عنه بإمكان حبس المبيع إلى استرداد الثمن.
انتهي كلامه.
ووقع الموضعان كذلك في "الروضة"] 1 وذكر أيضًا قريبًا من هذا الموضع موضعًا آخر يخالفه أيضًا.
قوله: وإن تلف فعليه قيمته أكثر ما كانت من يوم القبض إلى يوم التلف.
وقيل: العبرة بقيمته يوم التلف كالعارية، وقيل: بقيمته يوم القبض.
انتهى ملخصًا.
أطلق وجوب القيمة ولم يفصل بين المثلى والمتقوم، وكذلك أيضًا أطلقه فيما إذا تلف المبيع في زمن الخيار بعد القبض، وقلنا: إن الملك فيه للبائع فإنه ذكر هناك أن الواجب القيمة، ولم يفصل وتبعه في "الروضة" على
هذا الاطلاق، وليس كذلك، بل محله إذا كان متقومًا.
فأما إذا كان مثليًا فإنه يضمن المثل.
كذا نص عليه الشافعي في مواضع فقال في الكتابة في أوائل باب بيع المكاتب وشرائه ما نصه: وإذا باع بما لا يتغابن الناس بمثله بغير إذن سيده فالبيع فيه فاسد، فإن وجده بعينه رد، وإن فات كان على مشتريه مثله إن كان له مثل، وإن لم يكن له مثل فقيمته هذا لفظه بحروفه، ومن "الأم" نقلته.
وذكر بعده بدون ورقة مثله أيضًا فقال في ما إذا باع المكاتب شيئًا بيعًا فاسدًا ما نصه: فإن فات كان للمكاتب اتباعه بقيمته إن كان مما لا مثل له [أو بمثله إن كان مما له مثل] 1.
وذكر بعد هذا الثاني بأسطر قلائل مثله أيضًا.
وقال بعد ذلك بأوراق في باب بيع كتابة المكاتب يعني نجوم المكاتب ما نصه، ويرد مشترى كتابة المكاتب ما أخذ إن كان قائمًا في يده، ومثله إن كان له مثل أو قيمته إن فات ولم يكن له مثل.
وقال أيضًا في باب اختلاف المسلف في الثمن بعد أن ذكر صورًا من التخالف قال [فإن كان الثمن في هذا كله دراهم أو دنانير رد مثلها أو طعامًا رد مثله فإن لم] 2 يوجد رد قيمته.
وقبيل هذا الباب قال الشافعي: إن أسلف سلفًا فاسدًا وقبضه رده، وإن استهلكه رد مثله إن كان له مثل أو قيمته إن لم يكن له مثل.
ونقل عن أحمد بن بشرى المصري عن الشافعي نحوه.
فقال في ما إذا اشترى الثمرة قبل بدو الصلاح بشرط التبقية وقطع منها شيئًا: قال الشافعي: فإن كان له مثل رد مثله، ولا أعلم له مثلًا، وإن
لم يكن فقيمته.
انتهى.
فهذه نصوص الشافعي قد تظافرت على وجوب المثل، وهو القياس.
وذكر الرافعي أيضًا في الإقالة ما يقوي ذلك، فإنه ذكر أن الإقالة جائزة بعد تلف المبيع، ويرد المشتري مثل المثلى وقيمة المتقوم، وعلى هذا اقتصر الرافعي في "الشرح الصغير".
والذي اقتضاه اطلاق الرافعي أولا من وجوب القيمة صرح بتصحيحه الماوردي، وجزم به الروياني في "البحر" وادعى أنه لا خلاف فيه، قال: لأن ماله مثل إنما يضمن بالمثل إذا لم يكن مقبوضًا على وجه المعاوضة، فإن ضمن بها كالمقبوض بسوم أو بيع مفسوخ، فلا لأنه لم يضمنه وقت القبض بالمثل.
ثم قال: وهذا إذا كان قبل طلب البائع، فإن طلبه فمنعه المشتري ثم تلف فوجهان.
وما ادعاه الروياني مع التصريح بهذه النصوص غريب مردود.
فائدة في ما يستثنى من هذه القاعدة:
فنقول: المتقوم يضمن بالقيمة، ولا يضمن بالمثل إلا في مسائل:
أحدها: جزاء الصيد.
الثاني: العين المقترضة على الصحيح.
الثالث: هدم الحائط كما هو مقتضى كلام الرافعي، وأجاب به النووي في "فتاويه"، ونقله فيها عن النص، وإن كان مردودًا كما تعرفه في باب الغصب.
الرابع: طم الأرض كما قاله الرافعي، والمكاتب إذا حبسه مدة وفرعنا على وجوب التخلية.
الخامس: إذا أتلف رب المال الماشية كلها بعد الحول، وقبل الإخراج فإن الفقراء شركاء رب المال على الصحيح، ومع ذلك فإنه يلزمه حيوان آخر لا قيمته.
هكذا جزم به الرافعي وابن الرفعة في زكاة المعشرات في الكلام على ما إذا أتلف المالك الثمرة بعد وجوب الزكاة فيها.
وعلله في باب قسم الصدقات من "الكفاية" بأن إخراجه جائز مع بقاء المال فتعين عند عدمه لأنه قائم مقامه.
وهذا بخلاف ما لو أتلفه أجنبي، وفي المسألة كلام آخر ذكرناه في زكاة المعشرات.
وأما المثلى فيضمن بالمثل إلا في مسائل.
إحداها: العارية فإنه يضمنها بقيمتها كما هو مقتضى إطلاق الرافعي، وصرح به الشيخ في "المهذب".
وجزم ابن عصرون في "المرشد" بوجوب المثلى في المثلى، وكذلك في كتابه المسمى "بالتنبيه والإشارة على الأحكام المختارة".
وقال في "الانتصار": إنه أصح الطريقين، قال: والطريق الثاني أنه ينبني على أن المتقوم تعتبر قيمته في أي وقت، فإن اعتبرنا قيمته يوم التلف ضمن المثلى بالقيمة.
وإن اعتبرنا بالأكثر من القبض إلى التلف ضمنه بالمثل.
فإن قيل: فما صورة المستعار المثلى؟
قلنا: صوره ابن عصرون في "المرشد" بما إذا استعار مثليًا ليرهنه.
قلت: وهذا يشعر بأنه لا يتصور في المستعار الانتفاع على العادة، وليس كذلك.
بل يتصور فيما إذا استعار آنية من النحاس الذي لا يختلف
كالأسطال المربعة أو كانت مختلفة، ولكنها غير مضروبة بل مصبوبة في قالب كما أوضحوه في السلم.
الثانية: إذا أتلف ماءه في مفازة وقدم الحاضرة فلا يجب مثله كما صرح به الرافعي في الغصب، وفي غيره لحقارته في الحضر غالبًا بالنسبة إلى المفازة.
الثالثة: المستام.
الرابعة: المبيع المفسوخ فلا يضمن الأمرين بالمثل بل بالقيمة بلا خلاف.
قاله الروياني في "البحر".
الخامسة: اللبن في المصراة فإنه لا يضمنه إذا تلف بمثله، ولا بقيمته، بل بالثمن.
السادسة: المبيع بيعًا فاسدًا على ما تقدم.
وقد يضمن المتقوم بأكثر من قيمته، وذلك فيما إذا استعار عينًا للرهن، وباعها بأكثر من قيمتها، فإنه يضمنها بما باعها كما صححه جماعة.
قال في "الروضة" من "زياداته": وهو الصواب.
وحكى الرافعي عن أكثر الأصحاب وجوب القيمة، وقد يختلف المضمون باختلاف الضامن كما إذا افتضى بكرًا بشبهة أو نكاح فاسد، وكان من عادتهم مسامحة العشيرة، فإنه إن كان منهم سومح وإلا فلا.
قال الروياني: وليس لنا مضمون يختلف إلا هذا،
قوله وإن أنفق على العبد المبيع بيعًا فاسدًا مدة جاهلًا، فعن الصيمري أنه على وجهين.
انتهي.
والأصح منهما عدم الرجوع [كذا صححه النووي في "زيادات
الروضة"] 1.
قوله: وإن اشترى جارية شراءًا فاسدًا ووطئها المشتري، فإن كانا عالمين وجب الحد إن اشتراها بميتة أو دم.
وإن اشتراها بخمر أو شرط فاسد لم يجب لاختلاف العلماء.
انتهي ملخصًا.
لقائل أن يقول: قد صحح الرافعي في غير هذا الباب كالخلع والكتابة أن الميتة لا تلحق بالخمر، وقد جزم هنا بالحاقها بالدم.
قلت: السبب فيه أن النظر في الخلع والكتابة إلى ورود العقد على شيء مقصود أو غير مقصود كما هو مقرر في موضعه.
والميتة مقصودة لإطعام الجوارح، فلهذا ألحقوها بالخمر، وأوجبوا للزوج مهر المثل وللسيد قيمة الرقبة لأنهما لم يرضيا بإخراج ملكهما مجانًا.
وأما هذا الباب فإن المدار في إسقاط الحد على الأشياء التي يقول أبو حنيفة: إن الشراء بها يفيد الملك، ولقد ألحقت الحنفية الميتة بالدم في عدم التمليك به كما رأيته في كتبهم، فلهذا ألحقناه أيضًا به في وجوب الحد فاعلمه.
قوله في المسألة المذكورة: ثم إن كانت بكرًا وجب مع مهر البكر أرش البكارة.
أما مهر البكر فللاستمتاع بها، وأما الأرش فلإتلاف ذلك الجزء.
انتهى كلامه.
وهذا الذي جزم به هنا قد ذكر ما يخالفه في مواضع من الكتاب:
أحدها: في الباب الثاني من كتاب الغصب في أول الفصل الثالث منه
فيما إذا اشترى جارية مغصوبة ووطئها، وهما جاهلان فقال: فإن كانت بكرًا فهل عليه مهر مثلها ثيبًا، وأرش البكارة أو مهر مثلها بكرًا؛ ذكروا فيه وجهين، ورجحوا الأول.
انتهى ملخصًا.
وهذا مع ما تقدم في غاية الغرابة، فإنه جزم في الشراء الفاسد بإيجاب زيادة لم يوجبها في الغصب، ولم يحك في إيجابها خلافًا، مع اختلافهم في أن البيع الفاسد هل يغلظ فيه كما يغلظ في الغصب أم لا؟
وأما كونه أغلظ فلا قائل به.
والموضع الثاني: في كتاب الجنايات في أواخر الباب الثاني في دية ما دون النفس في الجناية على الحرة، فذكر فيها كما ذكر في الأمة في الغصب.
والموضع الثالث: في أواخر خيار النقض قبيل الإقالة فقال: ولو افتضى أجنبي الجارية المبيعة قبل القبض بغير الذكر فعليه ما نقص من قيمتها وإن افتضها به فوجهان:
أصحهما: أنه يجب عليه مهر مثلها.
والثاني: يجب أرش البكارة ومهر مثلها ثيبًا.
انتهي ملخصًا.
وهذا أيضًا مخالف لكل واحد من الموضعين الأولين فتحصلنا في هذه المسألة على ثلاثة [أجوبة] 1 متعارضة تابعه عليها النووي في "الروضة"، فالمذكور في هذا الموضع مهر بكر، وأرش بكارة.
وفي خيار النقض مهر بكر فقط، وفي الغصب والجنايات مهر وأرش بكارة.
وذكر في "المحرر" مسألة الجناية فقط، وفي "الشرح الصغير" الموضعين الأولين.
قوله: وإن استولدها فالولد حر للشبهة، فإن خرج حيًا فعليه قيمته يوم الولادة، وتستقر عليه القيمة بخلاف ما لو اشترى جارية واستولدها فخرجت مستحقة، فإنه يغرم قيمة الولد، ويرجع بها على البائع لأنه غره.
انتهى.
واعلم أنه سيأتي في ولد المشتري من الغاصب أنه لا يرجع على الصحيح.
قوله: وإن خرج الولد ميتًا فلا قيمة له، لكن إن سقط بجناية وجبت الغرة على عاقلة الجاني وعلى المشتري أقل الأمرين من قيمة الولد يوم الولادة والغرة.
انتهى.
سيأتي أن المغصوبة إذا ولدت من الغاصب أو من المشترى منه ولدًا ميتًا بجناية وجبت فيه الغرة على الجاني، وللمالك عشر [قيمة الأم، وقيل قيمته لو وضع حيًا، فلو زاد عشر القيمة على الغرة اقتصرنا على عشر] 1 القيمة على الصحيح.
قوله: ولو زاد في الثمن أو زاد اثبات الخيار أو الأجل أو قدرهما نظر إن كان ذلك بعد لزوم العقد لم يلحق بالعقد.
وكذا الحكم في رأس مال السَّلم والمُسْلَم فيه والصداق، وكذا الحط لا يلحق شيء من ذلك بالعقد.
وإن كان ذلك قبل اللزوم فأوجه:
أصحها عند الأكثرين: يلحق مطلقًا لأن الزيادة من أحدهما تدعو الآخر إلى إمضائه.
والثاني: لا [يجوز] 2 مطلقًا.
والثالث: يلحق في خيار المجلس دون الشرط.
فإن قلنا بالجواز فقال أبو على الطبري والشيخ أبو علي صاحب "التهذيب" وغيرهم: إنه مُفَرَّع على قولنا: الملك في زمن الخيار للبائع.
أو قولنا: موقوف ويفسخ العقد، فأما إذا قلنا: للمشتري فالزيادة في الثمن لا يقابلها شيء من الثمن، وكذا الأجل والخيار لا يقابلهما شيء من العوض.
وقال العراقيون: إن الجواز يطرد على الأقوال كلها وفي الحط قبل اللزوم مثل هذا الخلاف.
انتهى ملخصا.
وحاصله أنا إذا قلنا: إن الملك للبائع صح الإلحاق وإن قلنا: للمشتري: فوجهان.
وكلامه يوهم أن الحط أيضًا يجري فيه هذا التفصيل بعينه، ويمكن التمثيل له بالمعني الذي ذكره في الالحاق، ولكنه قد صرح بعكسه في الباب الثاني من كتاب الشفعة فقال: وكنا قد ذكرنا في البيع التفات الخلاف في الإلتحاق إلى الخلاف في الملك في زمن الخيار، [وعلى ذلك جرى الإمام وآخرون هاهنا فقالوا: إن قلنا: إن الخيار] 1 لا يمنع ثبوت الملك للمشتري، فكما يملك المشتري المبيع يملك البائع الثمن فينفذ تصرفه فيه بالإبراء لمصادفته ملكه.
قال الإمام: وفيه احتمال لأن الثمن متعلق حق المشتري.
وإن قلنا: الملك للبائع أو موقوف ففي صحة الحط وجهان عن القاضي.
أحدهما: الصحة لجريان الناس عليه في الأعصار الخالية.
والثانية: المنع، لأنه تصرف فيما ليس بمملوك له.
هذا كلامه.
وهو على العكس كما تقدم ذكره، ثم إنه في الشفعة جعل قول الوقف
كقول الملك للبائع على خلاف ما فصله هاهنا.
وقد استفدنا أيضًا مما قاله هناك أن الإبراء من أمثلة الحط.
واعلم أن ذكر الصداق في هذه الأمثلة إنما هو مفرع على قول ضعيف، وهو إثبات الخيار فيه، والصحيح خلافه.
قال -رحمه الله-:
القسم الثاني من المناهي ما لا يدل على الفساد
.
قوله في أصل "الروضة": عند التُنّاء.
هو بتاء مضمومة ثم نون مشددة ثم همزة، وهو جمع تانيء، والتانيء من يخزن الأقوات ويجمع أيضًا التانيء على وزن [الفعال بزيادة ألف وكذا كل صفة على وزن] 1 فاعل تجمع على الفعل والفعال.
قوله: وإذا جوزنا التسعير فسعر الإمام فخالفه استحق التعزير، وفي صحة البيع وجهان مذكوران في "التتمة" انتهى.
قوله: في بيع الحاضر للبادي وهو مأثوم بشروط أحدها: أن يكون عالمًا بورود النبي فيه.
وهذا شرط يعم جميع المناهي.
انتهى كلامه.
ويستثنى منه النجش فإنه يحرم على من لا يعلم، ورود النهي كما نقله بعد عن الشافعي والأصحاب وإن كان فيه نزاع قد ذكرته.
قوله.
روى أن النبي نادى على قدح، وحلس لبعض أصحابه.... الحديث 2.
الحلس بحاء مهملة ولام ساكنة وسين مهملة كساء رقيق يكون تحت برذعة البعير.
ويقال أيضًا: حلس بفتح الحاء واللام.
قاله الجوهري.
قوله: وشرط القاضي ابن كج كتحريم البيع أن لا يكون المشتري مغبونًا غبيًا مفرطًا، فإن كان فله أن يعرفه، ويبيع على بيعه لأنه ضرب من النصيحة.
انتهى كلامه.
قال النووي في "الروضة": هذا الشرط تفرد به ابن كج، وهو خلاف ظاهر إطلاق الحديث، فالمختار أنه ليس بشرط.
قوله: واعلم أن الشافعي -رضي الله عنه- أطلق في "المختصر" معصية الناجش.
وشرط في معصية من باع على بيع أخيه أن يكون عالمًا بالحديث الوارد فيه؛ قال الشارحون: السبب فيه أن النجش خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أحد، معلوم من الألفاظ العامة، وإن لم يعلم هذا الخبر بخصوصه.
والبيع على بيع الأخ إنما يعلم تحريمه من الخبر الوارد فيه، فلا يعرفه من لا يعرف الخبر.... إلى آخر ما ذكره.
تابعه في "الروضة" على ذلك، وقد نص الشافعي -رحمه الله- على المسألة، وشرط في تحريم النجش أن يعلم بالحديث.
كذا نقله البيهقي في "السنن الكبير" فقال: قال الشافعي: فمن نجش فهو عاصٍ بالنجش إن كان عالمًا بنهي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. هذا لفظه بحروفه.
وقد ذكر -أي: الشافعي- في اختلاف الحديث نحوه أيضًا، والحاصل أن مذهب الشافعي في البيع على البيع، وفي النجش واحد، وهو اشتراط العلم، غير أنه سكت عن بيانه في موضع، فعلم بذلك سقوط جميع ما ذكر في هذا الفصل من التوجيه والاعتراض عليه.
والغريب أن هذا النص
قد نقله في "التتمة" ومعلوم كثرة نقل الرافعي عنها.
قوله: وفي جواز التفريق بين الأم وولدها بالرد بالعيب اختلاف لأصحابنا.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" والأصح فيه المنع، وستعرفه واضحًا في بابه.
قوله: وعن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي أنه إذا اشترى جارية وولدها الصغير ثم تفاسخا البيع في أحدهما جاز.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على نقله عن الشيخ وإقراره عليه، وهذا النقل صحيح، ذكره الشيخ في كتابه المسمى "بالنكت والعيون" المعقود للخلاف بيننا وبين أبي حنيفة، وإنما ذهب إليه لأن اختياره جواز التفريق بالفسخ كما صححه في باب الرد بالعيب من "المهذب"، والصحيح خلافه، فاعلم ذلك.
قوله: والتفريق بين البهيمة وولدها هو بعد استغنائه عن اللبن، وعن الصيمري حكاية وجه آخر.
انتهى.
هذا الوجه على ما قاله النووي في "الروضة" إنما هو في غير الذبح؛ أما ذبح أحدهما فجائز بلا خلاف.
قوله: وبيع الرطب والعنب ممن يتحقق أنه يتخذ منها النبيذ والخمر، منهم من قال: مكروه، ومنهم من قال: حرام.
انتهى.
والذي قاله الرافعي -رحمه الله- مثال للتصرف أو الفعل المفضى إلى المعصية.
وقد نص الشافعي -رضي الله عنه- في "الأم" 1 على المسألة فقال في آخر كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى قبيل كتاب إبطال الاستحسان ما نصه: ألا ترى أن رجلًا لو اشترى سيفًا، ونوى بشرائه أن يقتل به كان
الشراء حلالًا وكانت النية بالقتل غير جائزة، ولم يبطل بها البيع، وكذلك لو باع البائع سيفًا من رجل يراه يقتل به رجلًا كان هكذا.
هذا لفظه بحروفه.
فقد جوز الشراء وهو نظير البيع بلا شك لاسيما وقد ذكر بعد ذلك بأن البيع كالشراء.
وقد صحح النووي في "الروضة" التحريم على خلاف هذا النص؛ وللمسألة نظائر:
أحدها: إذا تبايع اثنان بعد النداء أحدهما عليه فرض الجمعة دون الآخر فهل يأثمان أم لا يأثم إلا من توجهت عليه الجمعة؟ فيه خلاف.
وقد تقدم الكلام عليها مبسوطًا في موضعها.
ومنها إذا غلب على ظنه أن المسلم عليه لا يرد السلام ففي "الروضة" من "زياداته" في أثناء كتاب السير أنه يسلم.
ومنها: إذا نسج حريرًا خالصًا وكان ذلك لا يستعمله إلا الرجال: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في "الفتاوي الموصلية": فيكره ذلك كراهة شديدة لأنه إعانة على المعصية.
قال: ولا يبعد تحريمه.
وذكر الشيخ تقي الدين ابن رزين هذا المسألة في "فتاويه" أيضًا.
وقال: إنه يحرم.
وهو مقتضى كلام العماد بن يونس في "فتاويه" أيضًا.
ومنها: إذا صلى إلى سترة فإنه لا يجب عليه دفع المار بينه وبينها.
بل يستحب وإن كان المرور حرامًا.
وقد سبق الكلام عليها في موضعها مبسوطًا] 1.
ومنها: قال الإمام: لا يجب اليمين قط.
قال الشيخ عز الدين في "القواعد الكبرى": وليس على إطلاقه، بل يمين المدعي عليه إن كانت صادقة وكان المدعي بها مما لا يباح بالإباحة كالربا وكالدماء والأبضاع.
فإن علم أن خصمه لا يحلف إذا نكل فيتخير إن شاء حلف، وإن شاء نكل.
وإن علم أنه يحلف أو غلب على ظنه فلا يحل النكول.
وإن كان يباح بالإباحة، وعلم أو ظن أنه لا يحلف تخير أيضًا، وإلا فالذي أراه أنه يجب الحلف دفعًا لمفسدة كذب الخصم.
قال: وهذا التفصيل جارٍ في يمين المدعي.
قوله: وليس من المناهي بيع العينة.
هو بعين مهملة مكسورة ثم ياء بنقطتين من تحت وبعدها نون.
قوله: وعن الصميري أن بيع المصحف مكروه.
قال: وقد قيل: إن الثمن متوجه إلى الدفتين لأن كلام الله تعالى لا يباع، وقيل: إنه بدل من أجرة النسخ.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن الصميري من كراهة البيع قد نص عليه الشافعي كما قاله النووي من "زياداته" [وصححه في "شرح المهذب"] 1 قال: وقال الروياني وغيره: لا يكره.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد أسقط الخلاف في الثمن المأخوذ عن المصحف، ولم يذكره في "الروضة".
قوله من "زوائده": قال صاحب "التلخيص": نهى عن بيع الماء، وهو محمول على ما إذا أفردنا ماء عين أو بئر أو نهر بالبيع.
فإن باعه مع الأرض بأن باع أرضًا مع شربها من الماء في نهر أو وادٍ صح، ودخل الماء في البيع.
انتهى كلامه.
وما ذكره من صحة البيع فيهما قد ذكر ما يخالفه في أواخر إحياء الموات، فصحح في الأرض دون الماء وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه.
الباب الرابع: من جهة تفريق الصفقة
قوله: وإذا جمع بين شيئين أحدهما: يجوز العقد عليه، والآخر لا يجوز، كمن باع عبده وعبد غيره صفقة واحدة ففي صحة البيع في عبده قولان:
أصحهما: أنه يصح.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ترجيح الرافعي وغيره الصحة ليس هو مذهب الشافعي -رحمه الله- فإنه إذا كان للمجتهد في المسألة قولان، وعلم المتأخر منهما كان الأول مرجوعًا عنه، والثاني هو مذهبه بلا نزاع.
والقول بالصحة قد رجع عنه، واستقر مذهبه على القول بالبطلان.
كذا ذكره الربيع في "الأم" بل كتاب اللقطة الصغير وعبر بقوله: إن البطلان هو آخر قوليه، وهذه دقيقة غفلوا عنها ينبغي التفطن لها، لاسيما وهي جارية في أبواب كثيرة.
الأمر الثاني: أنه يستثني مما قاله الرافعي في هذه القاعدة مسائل.
إحداها: إذا أجر الراهن العين المرهونة مدة تزيد على محل الدين، فإن الصحيح على ما قاله الرافعي في الرهن بطلان الكل.
وقال الماوردي والمتولي: يبطل في القدر الزائد وفي الباقي قولا تفريق الصفقة.
وحينئذ يصح على الصحيح بقسطه من الأجرة.
الثاني: إذا استعار شيئًا ليرهنه بدين فزاد عليه بطل في الكل على الصحيح في الرافعي، وقيل يخرج على هذا الخلاف.
الثالث: إذا فاضل في الربويات حيث منعناه كما لو باع صاعًا بصاعين فإن يبطل في الجميع، وكان القياس تخريجه على القاعدة المعروفة إذا قلنا: يخير بكل الثمن حتى يبطل العقد في صاع، وفي الباقي القولان.
الرابع: إذا زاد في العرايا على القدر الجائز، وهو خمسة أوسق أو دونها فإنه يبطل في الكل، ولم يخرجوه على هذه القاعدة.
قوله في المسألة المذكورة: واختلف في تعليل [المنع] 1 فقيل: لأن اللفظة واحدة لا يتأتى تبعيضها، وقيل: لأنه لا يدري حصة كل منهما عند العقد فيكون الثمن مجهولًا، ويبنى على العلتين ما لو جمع بينهما فيما لا عوض فيه كما لو رهنهما أو وهبهما، أو فيه عوض لا يفسد بفساده كما لو عقد على مسلمة ومجوسية أو يفسد لكن لا جهالة فيه كبيع العبد المشترك.
فعلى الأول يأتي القولان في هذه الصورة، وعلى الثاني تكون صحيحة جزمًا.
انتهى.
لم يصحح أيضًا شيئًا من هذا الخلاف هنا في "الشرح الصغير" ولا في "الروضة"، والصحيح هو الأول فقد جزم بطريقة القولين في الباب الأول من أبواب الرهن، وسأذكر لفظه هناك.
وجزم بها أيضًا في "المحرر" فإنه مثل بالعبد المشترك وخرجها على القولين، واختلف فيه كلام النووي في "شرح المهذب" فقال في أوائل باب تفريق الصفقة ما نصه: فإن قلنا: لا يصح ففي عكسه وجهان، وقيل: قولان:
أصحهما: الجمع بين حلال وحرام.
والثانية: جهالة العوض المقابل للحلال.
انتهى.
وحينئذ فمقتضى هذا الكلام أن الصحيح في ما لا عوض فيه هو طريقة القولين.
وقال بعد ذلك بنحو ورقة: فرع:
لو رهن عبده، وعبد غيره، أو عبده وحرًا أو وهبهما أو زوج موليته وغيرها، أو مسلمة ومجوسية، أو حرة وأمة لمن لا تحل له الأمة، فإن صححنا البيع في الذي يملكه فهاهنا أولى، وإلا فقولان بناءً على العلتين، إن عللنا بجاهلة العوض صح.
إذ لا عوض هنا؛ وإن عللنا بالجمع بين حلال وحرام فلا.
وإن شئت قلت: فيه طريقان:
المذهب: الصحة.
والثاني: قولان.
انتهى كلامه.
فتصحيحه لطريقة القطع مناقض لما قدمه.
قوله: ولو اشترى عبدين فتلف أحدهما قبل القبض فطريقان:
أحدهما: على القولين.
وأظهرهما: القطع بعدم الانفساخ.
انتهى ملخصًا.
وما صححه هاهنا من طريقة القطع قد جزم بعد ذلك بما يخالفه فقال في الكلام على حكم المبيع قبل القبض ما نصه: إذا اشترى عبدين، وتلف أحدهما قبل القبض انفسخ البيع فيه، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة.
هذا لفظه.
ووقع الموضعان كذلك في "الروضة" و"الشرح الصغير" وجزم في "المحرر" بطريقة القولين، لكن عدل النووي في "المنهاج" عن التعبير،
بالقولين، وعبر بالمذهب، وهذه العبارة ليس فيها تصريح بتصحيح أحد الطريقين.
ووقع في "الشرح الكبير" و"الروضة" موضع ثالث جزم فيه بطريقة القولين أيضًا، وسلم منه "الشرح الصغير" وهو قبل مداينة العبيد في أول الكلام على وضع الحوائج.
قوله في المسألة: والطريقان جاريان فيما إذا تفرقا في السلم وبعض رأس المال غير مقبوض أو في الصرف وبعض العوض غير مقبوض.
انتهي.
هذه المسألة فيها كلام سبق في باب الربا فليراجع منه.
قوله: القسم الثاني: أن يكون اختياريًا كمن اشتري عبدين صفقة واحدة فوجد بأحدهما عيبًا فهل له إفراده بالرد؟ فيه قولان:
أظهرهما: لا.
ثم قال: فإن لم نجوز الإفراد فقال: رددت المعيب فهل يكون ذلك ردًا لهما؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا، بل هو لغو.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كونه لغو حتى يكون رجوعه كعدمه ولا يترتب عليه شيء، قد تابعه عليه في "الروضة" وقياس المذهب أن يكون ذلك مسقطًا لخياره فإنه إعراض واشتغال بما لا يفيد، وتقصير.
وحينئذ فلا يتمكن بعد ذلك من الفسخ على خلاف ما يوهمه كلامه.
قوله: ولو تلف بعد ذلك أحد العبدين أو باعه، ووجد بالباقي عيبًا ففي إفراده بالرد قولان، ثم قال: فإن قلنا: لا يجوز: فوجهان، ويقال: قولان:
أصحهما: أنه لا فسخ.
والثاني: أنه يضم قيمة التالف إلى الباقي ويردهما ويفسخ العقد، وهو اختيار القاضي أبي الطيب، واحتج له بأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر في المصراة برد الشاة وبدل اللبن الهالك.
انتهي كلامه.
وهذا الذي حكاه عن القاضي أبي الطيب غلط، وعلى العكس، مما ذكره في "تعليقه"، فإنه حكى عن بعض أهل خراسان أنه يرد الباقي وقيمة التالف أخذًا من المصراة.
ثم رد عليه القاضي فقال في باب الخراج بالضمان في فصل أوله، قد ذكرنا أنه إذا اشترى ما نصه: وقال بعض أهل خرسان بفسخ العقد على هذا القول فيهما جميعًا، ثم يرد الباقي بقيمة التالف ويسترجع كما قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المصراة أنه يرد الشاة وقيمة اللبن ويسترجع جميع الثمن، وهذا خطأ، ومخالف لنص الشافعي.
هذا لفظ القاضي بحروفه ومن "تعليقه" نقلت.
واعلم أن صاحب "الشامل" نقل كلام القاضي بعبارة موهمة فقال: حكى القاضي أبو الطيب عن بعض أهل خراسان أنه يفسخ العقد.
قال: وهذا هو السنة لحديث المصراة، ثم إن صاحب "البيان" نقل كلام ابن الصباغ متوهمًا أن الضمير في (قال) عائد على القاضي فأبرزه فقال: قال القاضي: وهذا هو السنة فيظهر والله أعلم أن يكون وقوع هذا هو السبب فيما وقع للرافعي لما علم من كثرة نقل الرافعي عن "البيان" وكثرة نقل "البيان" عن "الشامل" ونقل "الشامل" عن تعليق أبي الطيب.
قوله في المسألة: فعلى هذا -يعني رد الباقي مع قيمة التالف- لو اختلفا في قيمة التالف فالقول قول المشتري لأنه غارم، وروي في "التتمة" وجهًا أن القول قول البائع.
انتهى.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: إنه وجه شاذ، وما ادعياه من كونه وجهًا وزاد عليه النووي فجعله شاذًا ليس كذلك، فقد نص عليه الشافعي في "البويطي"، فإنه قد نص على أنه يضم قيمة التالف إلى
الموجود ويردهما، وعلى أنهما إن تنازعا في القيمة فالقول قول البائع.
وأما نقله ذلك عن "التتمة" فغلط، فإنه عبر بقوله: المذهب المشهور أن القول قول المشتري، وفيه طريقة أخرى أن القول قول البائع.
هذا لفظه.
والطريقة قد يراد بها القول، وقد يراد بها الوجه.
ثم صرح -يعني صاحب "التتمة" بعد ذلك بأسطر أن الخلاف قولان.
واعلم أن التفريع أنما هو في منع الرد فيما تلف بعضه، فأما التفريع على الذي قد باع بعضه فلم يذكره هنا، بل ذكره في أواخر الرد بالعيب بنحو خمسة أوراق من "الروضة" تقريبًا.
قوله: لو باع شيئًا يتوزع الثمن على أجزائه بعضه له، وبعضه لغيره، كما لو باع عبدًا يملك نصفه ترتب ذلك على ما لو باع عبدين أحدهما له والآخر لغيره.
فإن صححنا فيما يملكه فكذلك هاهنا، وإلا فقولان:
إن عللنا بالجمع بين الحلال والحرام لم يصح.
وإن عللنا بجهالة الثمن صح لأن حصة المملوك هاهنا معلومة.
ثم قال: ولو باع جملة الثمار وفيها عشر الصدقة، وقلنا: لا يصح في قدر الزكاة فالترتيب في الباقي كما ذكرنا فيما لو باع عبدًا له نصفه، ولو باع أربعين شاة وفيها قدر الزكاة، وفرعنا على امتناع البيع في قدر الزكاة فالترتيب في الباقي كما مر فيما لو باع عبده وعبد غيره.
انتهى.
وهذا الذي قاله في الشياه مشكل لأنهم اختلفوا في كيفية الشركة على وجهين حكاهما الرافعي في الزكاة من غير ترجيح:
أحدهما: أن الواجب ربع عشر كل شاة.
والثاني: شاة مبهمة.
وحينئذ فنقول: إن قلنا بالشيوع فيكون كمن باع عبدًا يملك نصفه لا قلنا باع عبده وعبد غيره كما يقوله الرافعي.
وإن مكن بالإبهام فلا يصح قطعًا لعدم التعيين.
قوله: ومما يتفرع على هاتين العلتين لو ملك زيد عبدًا وعمرو عبدًا فباعاهما صفقة واحدة بثمن واحد ففي صحة العقد قولان.
وكذا لو باع من رجلين عبدين، لهذا عبد، ولهذا عبد بثمن واحد [إن عللنا] 1 بالجمع بين الحلال والحرام صح.
وإن عللنا بجهالة العوض لم يصح لأن حصة كل واحد منهما مجهولة.
انتهى كلامه.
وهذا البناء ذكره البغوي فتابعه عليه الرافعي، ثم قال -أعني الرافعي- في الباب الثاني من كتاب الصداق أنه لا فرق بين أن يبيعا بأنفسهما أو بوكيلهما.
إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن الصحيح من هذا الخلاف هو عدم الصحة كما صححه النووي في "تصحيح التنبيه".
الأمر الثاني: أنه يستثنى ما إذا اختلط حمام برج بغيره، ولم يتميز أحدهما من الآخر، فإنه يجوز لأحدهما أن يبيع نصيبه لصاحبه على الأصح، وإن كان مجهول القدر والصفة.
كذا قاله الرافعي في كتاب الصيد، وعلل بالضرورة، وكذا البيع لثالث على كلام فيه للرافعي قال: وهكذا إذا انصبت حنطته على حنطة غيره أو مائعه على مائع غيره، لكن لو باع نصيبه لثالث لم يجز.
الثالث: لقائل أن يقول: إن هذا يستقيم في العقد الواحد، وهاهنا عقدان لأن الصفقة تتعدد للبائع قطعًا، وتتعدد للمشتري على الصحيح فينبغي الجزم بالبطلان.
قوله: ولو اشتري حرًا أو عبدًا، أو خلًا أو خمرًا أو مذكاة وميتة وقلنا: بالأصح، وهو أنه يصح [فيما يصح] 1 وأن الإجازة بالقسط ففي كيفية التوزيع وجهان:
أصحهما عند الغزالي أنه ينظر إلى قيمتها عند من يرى لها قيمة.
والثاني: تقدر الخمر خلًا ويوزع عليهما باعتبار الأجزاء، وتقدر الميتة مذكاة، والخنزير شاة.
وقيل: تقدر الخمر عصيرًا والخنزير بقرة.
انتهى ملخصًا.
اعلم أن هذه المسألة فرد من أفراد قاعدة متكررة في أبواب وهي أنه إذا اشتمل العقد على ما لا قيمة له عندنا فهل تعتبر قيمته عند أهله أو نقدره بما يشبهه مما له قيمة عندنا؟
وإذا قدرنا، فما الذي نقدر به؟.
وهذه القاعدة قد حصل فيها اختلاف شديد في الكتاب، وقد عرفت ما قاله هنا.
وقال في أثناء الباب الأول من كتاب الوصية: وإذا خلف ثلاثة كلاب وأوصى بواحد منها ففي كيفية اعتباره من الثلث أوجه:
أصحها وبه قطع بعضهم: أنه ينظر إلى عدد الرؤوس وينفذ في واحد منها.
والثاني: ينظر إلى القيمة بتقدير المالية.
والثالث: تقوم منافعها، ولو لم يخلف إلا كلبًا وطبل لهو وزق خمر محترمة فأوصى بواحد منها فلا يجرى الوجه الأول ولا الثالث لأنه لا تناسب بين الرؤوس ولا بين المنافع فيتعين اعتبار القيمة.
انتهى.
ثم ذكر المسألة أيضًا في باب نكاح [المشركات في الكلام] 1 على ما تستحقه المرأة إذا أصدقها زوجها المشرك صداقًا فاسدًا فقبضت بعضه ثم أسلما فقال: فإن سموا جنسًا واحدًا متعددًا كخنزيرين فهل يعتبر عددهما أو قيمتهما بتقدير ماليتهما؟ فيه وجهان أصحهما: الثاني، وإن سموا جنسين فأكثر كزقى خمر وكلبين وثلاث خنازير، وقبضت أحد الأجناس، فهل ينظر [إلى] 2 الأجناس فكل جنس في هذه الصورة ثلث أم إلى الأعداد فكل فرد سبع أو إلى القيمة بتقدير المالية؟ فيه أوجه أصحها الثالث.
وإذا قلنا: ففيه أوجه:
أصحها: أنه تعتبر قيمتها عند أهلها.
والثاني: يتقدر الخمر خلًا، والخنزير بقرة، والكلب شاة.
والثالث: يقدر الكلب، فهدًا لاشتراكهما في الاصطياد، والخنزير حيوانا يقاربه في الصورة والفائدة.
انتهي.
وقال في أوائل الصداق: ولو أصدقها خمرًا أو خنزيرًا أو ميتة فقولان:
أصحهما: وجوب مهر المثل.
والثاني: يرجع إلى بدل المسمى؛ فعلى هذا تقدر الميتة مذكاة.
وأما الخنزير فقال الغزالي هنا: إنه يقدر شاة.
وقال الإمام وصاحب "التهذيب": يقدر بقرة.
وأما الخمر فتقدر عصيرًا ويجب مثله.
وقد حكينا في نكاح المشركات وجهًا أنه يقدر خلًا، ولم يذكروا هناك اختيار العصير، والوجه التسوية.
ووجهًا أنه تعتبر قيمة الخمر عند أهلها، وينبغي ترجيحه كما سبق فيه، وفي البيع.
انتهى ملخصًا.
وقد تابعه النووي في "الروضة" على هذه المواضع وزاد هنا -أعني في البيع- فقال قلت: هذا الذي صححه الغزالي هو احتمال الإمام، والأصح هو الثاني وبه قطع الدارمي والبغوي وآخرون، وحكاه الإمام عن طوائف من أصحاب القفال، والله أعلم.
وحاصله ما تقدم من الاختلاف قد وقع في هذه المسألة ثلاثة أوجه:
أحدها: أن النووي صحح في البيع التقدير لا تقويمها عند أهلها، وصحح في نكاح المشركات العكس، وأشار في الصداق لترجيحه، وقطع هو والرافعي في الوصية بالتقويم بتقدير المالية.
الثاني: أنهما صححا في الجنس الواحد في نكاح المشركات النظر إلى قيمته بتقدير المالية لا إلى العدد، وصححا في الوصية العكس.
الثالث: أنا إذا قلنا بالتقدير ففي البيع أن الخنزير يقدر شاة، وقيل: بقرة، وفي الصداق يقتضى ترجيح العكس لأنه نقله عن الإمام والبغوي ونقل التقدير بالشاة عن الغزالي وحده، وفي نكاح المشركات لم يذكر الشاة بالكلية.
وأما الخمر ففي البيع أنه يقدر خلًا، وقيل: عصيرًا وهو موافق لنكاح المشركات، لكن في الصداق أنه يقدر بالعصير.
ثم قال: وقياسه أن يجئ فيه وجه بتقديره خلًا.
واعلم أن ما نقله عن الإمام في الصداق من تقدير الخنزير بقرة ليس له ذكر في "النهاية" في شيء من هذه المواضع.
قوله: ولو اشترى عبدين فتلف أحدهما قبل القبض فأجاز فالواجب قسطه من الثمن، وعن أبي إسحاق المروزي طرد القولين فيه.
انتهى.
وما ذكره هنا من حكاية الخلاف هو الصواب، وادعى في "المحرر" أنه لا خلاف فيه فقال: وتكون الإجازة بالحصة بلا خلاف، وعبر عنه في "المنهاج" بقوله: قطعًا.
وسبب الذي قاله في "المحرر" أن الرافعي لم يحك هذا [الخلاف] 1 عند ذكر المسألة في موضعها، بل حكاه في أثناء الباب.
قوله: فرع:
ولو باع شيئًا من مال الربا بجنسه ثم خرج بعض أحد العوضين مستحقًا، وصححنا العقد في الباقى وأجاز فالواجب حصته بلا خلاف لأن الفصل بينهما حرام، انتهى.
وما ادعاه من عدم الخلاف قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وليس كذلك، فقد رأيت في هذا الباب من "الكافي" للخوارزمي الجزم بتخريج المسألة على القولين المعروفين في أنه يخير بالكل أو بالبعض وكذلك إذا خرج أحدهما لا قيمة له.
قوله: فرع آخر:
باع معلومًا ومجهولًا، وقلنا بتفريق الصفقة ففي صحته في المعلوم قولان مبنيان على أنه كم يلزمه من الثمن؟ إن قلنا: الجميع صح.
وإن قلنا: الحصة فلا لتعذر التوزيع.
انتهى ملخصًا.
وصورة المجهول أن يقول: بعتك هذا العبد وعبدًا آخر، وبه صور في "شرح المهذب" تبعًا للشيخ أبى حامد، والجرجاني وغيرهما.
أما لو كان مجهولًا عند العاقد فقط، ولكنه كان معينًا في نفس الأمر كما لو باع حاضرًا وغائبًا، وقلنا بفساد بيع الغائب، ففي صحة الحاضر القولان المعروفان فيما إذا باع عبده وعبد غيره.
قاله البغوي في "فتاويه".
قوله في المسائل الدورية فيما إذا باع كرًا جيد بكر رديء يتقابلا لأن البيع لا ينفذ إلا في الثلث، والإقالة إنما تصح في ثلث مال المقيل.
انتهى.
وهذا التعبير غير مستقيم، والصواب أن يقول: لأن المحاباة فيهما إنما تنفذ في الثلث، وأما ما يصحان فيه فلا، ثم قال: فيأخذ ثلث عشرة ونصف شيء.
انتهى.
مراده بنصف الشيء ما صحت فيه المحاباة بالبيع وبالعشرة ما يبطل فيه البيع، وما صح فيه زيادة على المحاباة، فكأنه إنما اعتبر ثلث ذلك لأنه قدر محاباة المقيل، وهو مخالف لما في "النهاية"، فإنه اعتبر النصف فقال: تصح الإقالة في شيء، ويرجع إليه نصف ذلك لأن الإقالة إذا صحت في خمسة أثمان فهي عشرة، ورجع إليهم خمسة وكان بقى في أيديهم مما يبطل به البيع سهم ومما بطلت فيه الإقالة أربعة، فقد صح في عشرة ورجع إليهم خمسة فمجموع ما معهم عشرة، ضعف المحاباة وهي خمسة.
هذا كلامه.
ثم أوضحه الإمام بطريقة الخلاف.
قوله: وأما القسم الثاني وهو أن تجمع الصفقة عقدين مختلفين في الحكم كإجارة وسَلَم ففيه قولان:
أصحهما: أن العقد يصح فيهما.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي قد ذكر في آخر الباب الأول من كتاب المسابقة ما حاصله أن شرط القولين أن لا يكون أحد العقدين لازمًا والآخر جائزًا، فقال: فرع أورده الصيدلاني وغيره أنه لو اشترى منه ربويًا وعَقَدَ عَقْدَ المسابقة بعشرة، فإن جعلنا المسابقة لازمة فهو كما لو جمع في صفقة واحدة بين بيع وإجارة، وفيه قولان.
وإن جعلناها جائزة لم يجز لأن الجمع بين جعالة لا تلزم، وبيع يلزم في صفقة واحدة لا يمكن هذا لفظه.
الأمر الثاني: أنه يرد عليه ما إذا باع عبدين، وشرط الخيار في أحدهما أو شرط في أحدهما خيار يوم، وفي الآخر يومين، فإنه عقد واحد بلا خلاف، لأن تعدد العقد إما لتعدد البائع أو المشتري أو لتفصيل الثمن، وجميعها منتف هنا، ومع ذلك فهو على القولين كما صرح هو به في الكلام على أسباب الخيار.
وكذلك إذا اشتمل العقد على ما يشترط فيه التقابض وما لا يشترط كصاع حنطة، وثوب بصاع شعير فإنه عقد واحد، وفيه القولان.
كما ذكره الرافعي في قاعدة مُدّ عجوة؛ قال: ومثله البيع والصرف.
الأمر الثالث: أنه لو خلط ألفين بألف [لغيره وقال صاحب الألفين: شاركتك على إحداهما وقارضتك على الأخرى] 1 فقيل صح ولا يخرج على الجمع بين مختلفى الحكم، وإن كانا عقدين كما صرح هو به أيضًا في باب القراض.
قال: لأنهما راجعان إلى الإذن في التصرف، ثم إن التقييد بكون العقدين مختلفى الحكم، هل هو تكرار أم احتراز عن شيء؟ [فليتأمل
وحذف في "المنهاج" لفظ (عقدين) مع ذكر الرافعي له في "المحرر"] 1. وذكره هو له في "الروضة" فقال: وإن جمع بين مختلفى الحكم ويرد عليه ما إذا باع شقصًا وسيفًا فإنه يصح جزمًا كما صرح به الرافعي هنا لكونه عقدًا واحدًا، وإن كان الشقص يؤخذ بالشفعة بخلاف السيف.
قوله: ولو جمع بين البيع والنكاح صح النكاح بلا خلاف، وفي البيع والمسمى في النكاح القولان.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على دعوى نفي الخلاف في النكاح وكذا ذكره الرافعي أيضًا في "الشرح الصغير"، وليس كذلك لأن النكاح يفسد بفساد الصداق على قول قديم مشهور مذكور في الصداق وقد فسد.
الصداق هنا على قول فيفسد بفساده أيضًا النكاح، وقد صرح بحكايته هنا ابن يونس في "شرح التنبيه".
قوله: وتتعدد الصفقة بتفصيل الثمن كقوله: بعتك هذا بكذا، وهذا بكذا، وبتعمد البائع، وكذا بتعدد المشتري في أصح القولين.
انتهى ملخصًا.
وهذا الذي قرره من الجزم بالتعدد عند تعدد البائع والخلاف عند تعدد المشتري إنما هو خاص بهذا الباب.
فأما العرايا والشفعة فبالعكس.
أما العرايا فقد تقرر أن الزيادة على خمسة أوسق في عقد واحد ممتنعة، وكذا الخمس على الصحيح، بل لابد من النقصان، ويجوز ذلك في عقود.
فإذا اشترى رجلان بسبعة أوسق مثلًا من رجلين فجوازه واضح وإن اشترى رجلان من رجل جاز جزمًا، فإن كان بالعكس كما إذا اشترى رجل من رجلين [فيجوز] 2 على الصحيح كما هو مذكور في موضعه، وهو
بالعكس مما تقدم.
وأما الشفعة فقد تقرر أنه لا يجوز للشفيع تبعيض الصفقة الواحدة على المشتري، فلو اشترى رجلان من رجل كان للمشتري أن يأخذ نصيب أحدهما جزمًا.
وإن اشترى رجل من رجلين فوجهان، والصحيح الجواز وهو أيضًا عكس ما تقدم، وقد ذكره الرافعي هنا.
قوله: وإذا قلنا: تتعدد الصفقة بتعدد المشتري فخاطب واحد رجلين فقال: بعتكما هذا العبد بألف فقبل أحدهما نصفه بخمسمائة فأصح الوجهين أنه لا يصح لأن الايجاب وقع جملة، وهو يقتضي جوابهما جميعًا.
انتهى ملخصًا.
وعدم الصحة نقله الإمام عن الأصحاب، وصححه البغوي ثم الرافعي؛ لكن الأكثرون على خلافه، فقد جزم بالصحة الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والماوردي والبندنيجي والجرجاني.
وقال المتولي: إنه المذهب؛ والإمام: إنه أظهر في القياس، ورجحه الغزالي والروياني في "الحلية" وكذلك ابن الرفعة، واستدل عليه بأنه لو توقف صحة قبول أحدهما على قبول الأخر لم يصح العقد.
قوله: وقد يعرض للناظر تخريج خلاف في تعدد الصفقة بتعدد البائع من وجهين ذكروهما فيما إذا باع رجلان عبدًا مشتركًا بينهما من إنسان، هل لأحدهما أن ينفرد بأخذ شيء من الثمن؟ وجهان.
أحدهما -وبه قال المزني-: أنه لا ينفرد.
ولعلنا نذكرهما بتوجيههما في غير هذا الموضع.
انتهى كلامه.
قد ذكر الرافعي -رحمه الله- هذين الوجهين في آخر كتاب الشركة، وقال: أرجحهما: أن له الإنفراد كما لو انفرد بالبيع.
والثاني: لا، بل يشاركه شريكه فيما يقبض كالميراث، وقد ذكر أيضًا
هناك خلافًا وفروعًا متعلقة بالمسألة.
قوله أيضًا تفريعًا على القول المتقدم وهو التعدد بتعدد المشتري: ولو وكل رجلان رجلًا أو بالعكس فالأصح عند الأكثرين أن العبرة بالعاقد.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي في "المحرر" صحح أن العبرة بالموكل وغيره النووي في "المنهاج" فعدل إلى التعبير بالوكيل، واعتذر عنه في "الدقائق"، والفتوى على الأول لنقله إياه عن الأكثرين، وكذلك نقله في "الشرح الصغير" و"التذنيب".
الثاني: أن هذا الخلاف لا يطرد في سائر الأبواب فإنه إذا وكل رجلان رجلًا في رهن عبدهما عند زيد بما عليهما من الدين له، ثم قضى أحد الموكلين دينه فإن المذهب القطع بانفكاك نصفه، ولا نظر إلى اتحاد الوكيل وتعدده، كذا ذكره في "شرحه الكبير" و"الصغير" ونقل عن الإمام توجيه ذلك فقال: قال الإمام لأن مدار الباب على اتحاد الدين وتعدده، ومتى تعدد المستحق أو المستحق عليه تعدد الدين، ويخالف البيع والشراء حيث ذكرنا خلافًا لأن الرهن [ليس] 1 بعقد ضمان حتى ينظر فيه إلى المباشر.
هذا كلامه.
وفي العرايا والشفعة والرهن كلام في التعدد على غير هذا النحو فراجعه.
قوله: ويتفرع على هذه الوجوه فروع: أحدها: لو اشترى شيئًا بوكالة رجلين فخرج معيبًا وقلنا: الاعتبار بالعاقد فليس لأحد الموكلين إفراد نصيبه بالرد كما لو اشترى فمات عن
ابنين، وخرج معيبًا لم يكن لأحدهما إفراد نصفه بالرد، ثم قال بعد ذلك بأسطر ما نصه: ولو وكَّل رجلان رجلًا بشراء عبد أو وكل رجل رجلًا يشتري عبدًا له فيه نصفه، ففعل وخرج العبد معيبًا.... إلى آخره.
تبعه في "الروضة" على ذلك، وهذا الفرع الذي ذكره ثانيًا هو الفرع الأول بعينه، وإنما التعبير مختلف فاعلمه.
قال -رحمه الله-: النظر
الثاني في لزوم العقد
، والأصل في البيع الرؤية والخيار عارض ثم هو ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: خيار التروي وله سببان: الأول: خيار المجلس:
قوله: [الثالثة] 1: الصحيح أن بيع العبد من نفسه جائز، وعلى هذا فهل فيه خيار المجلس؟
قال في الكتاب: لا.
وبمثله أجاب في "التتمة" حيث نزله منزلة الكتابة.
وذكر أبو الحسن العبادي مع هذا وجهًا آخر أنه يثبت فيه الخيار، ومال إلى ترجيحه.
انتهى كلامه.
لم يصحح أيضًا في "الروضة" شيئًا من هذا الخلاف وقد مال القاضي الحسين إلى ترجيح ثبوته أيضًا، والصحيح عدم الثبوت.
كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "شرح المهذب" ولم يتعرض للمسألة في "المحرر".
قوله: الرابعة: في ثبوت الخيار في شراء الجمد في شدة الحر وجهان لأنه يتلف بمضي الزمان.
انتهى.
والأصح الثبوت.
كذا صححه النووي في "شرح المهذب"، [قوله] 1 ولا يثبت في الشفعة للمشتري وفي ثبوته للشفيع وجهان، قإن أثبتناه فقيل: معناه أنه بالخيار بين الأخذ والترك مادام في المجلس مع تفريعنا على قول الفور قال إمام الحرمين: هذا غلط، بل الصحيح أنه على الفور، ثم له الخيار في نقض الملك ورده.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي قد اختلف كلامه في هذه المسألة فصحح في كتاب الشفعة من هذا الكتاب أنه يثبت فقال: والأظهر الثبوت، ويحكى عن نصه في اختلاف العراقيين، وصحح عكسه في "المحرر" هنا أي في البيع فقال: الأصح أنه لا يثبت، وهو الذي صححه النووي في كتبه كلها، ونقله في الشفعة من "زوائده" عن الأكثرين.
الثاني: أن الأصح من الوجهين الأخيرين هو ما استصوبه الإمام.
كذا صرح بتصحيحه في "شرح المهذب"، وهو مقتضى كلام الرافعي في الشفعة.
الثالث: سيأتيك في الشفعة أن الشفيع لا يملك بمجرد الأخذ، بل بد معه من أحد ثلاثة أمور: إما بذل الثمن، وإما رضي المشتري بذمة الشفيع، وإما حكم الحاكم بثبوت الشفعة [وفي معناه الإشهاد على وجه وسوف أذكر هذا الموضوع إن شاء الله تعالى في الشفعة] (1) للتنبيه فيه على أمر مهم.
إذا علمت ذلك فهل المراد بالمجلس المختلف فيه مجلس الأخذ أو مجلس التملك؟ لم يصرح به الرافعي، ولكن المراد الثاني فتفطن له وافهمه.