وفيه أربعة أبواب:
الباب الأول: في الأركان
قوله: ويستحب أن يوصي من له مال.
انتهى.
ذكر الرافعي في كتاب الصداق في الكلام علي التشطير ما يعارض ذلك فقال: والتدبير يمنع الرجوع دون الوصية بالعتق في أظهر الأوجه.
قال لأن الإيصاء ليس عقد قربة بخلاف التدبير، هذه عبارته، ومراده أن التدبير لا يكون إلا قربة والإيصاء قد يكون قربة كما في مثالنا، وقد لا يكون كالإيصاء للأغنياء ونحوهم.
قوله: ومن عنده وديعة أو في ذمته حق لله تعالى كزكاة أو حج أو دين لآدمي يجب عليه أن يوصي به إذا لم يعلم به غيره، انتهى.
وهذا الذي قاله من أن علم الغير يغني عن الإيصاء ليس على إطلاقه بلا شك لأن الكافر والفاسق والصبي والعبد والمرأة لا يكفي علمهم بذلك مع دخولهم في هذه العبارة، وحاول في "الروضة" التنبيه على ضابط ذلك.
فقال من زياداته ما نصه: المراد إذا لم يعلم به من يثبت بقوله هذا لفظه، وهو غير كافٍ أيضًا، فإن قول الورثة كافٍ في الثبوت مع أن المتجه أن علمهم لا يكفي لأنهم الغرماء، فلابد من حجة تقوم عليهم عند إنكارهم، وأيضًا، فإن كلامه يقتضي أن الشاهد الواحد لا يكتفي، فإن الحق لا يثبت بشهادته وحده بلا نزاع، ولكن القياس تخريجه على ما إذا وكله في قضاء دينه، بحضرة شاهد واحد، والصحيح فيه الاكتفاء بذلك حتى لا يضمن الوكيل عند إنكار القارض ودعواه عند قاض لا يرى الحكم بالشاهد واليمين، وأيضًا فإن الوكيل المذكور لو أشهد على الأداء رجلين
ظاهرهما العدالة فإن الصحيح أنه كان أيضًا في عدم الضمان وقياسه أن يكون هنا مثله أيضًا مع أن الحق لا يثبت بشهادتهما فهو وارد عليه، وقد أعاد الرافعي المسألة في الباب الرابع المعقود للوصاية، وأجاب فيها بما يخالف المذكور هنا، وسوف أذكره في موضعه إن شاء الله تعالى فراجعه.
قوله: وعدّوا من هذا القبيل أي من المعصية الوصية كدهن سرج البيع، لكن قيد الشيخ أبو حامد المنع بما إذا قصد تعظيم البقعة، وأما إذا قصد إنتفاع المقيمين أو المختارين بضوئها جازت الوصية، كما إذا أوصى بصرف شيء إلى أهل الذمة.
انتهى.
هذا الذي نقله عن الشيخ قد صرح به جماعة كبيرة منهم البندنيجي في تعليقه وصاحب "العدة" و"الفوراني" في كتاب "الجزية" وقد نقل عنهم ابن الرفعة فليكن التقييد هو المعمول به.
قوله: ويجوز الوصية بعمارة قبور الأنبياء إلى آخره.
فيه كلام سبق في الوقف فراجعه.
قوله: وإذا أوصى لحمل فلانة أو لحملها الموجود فلابد لنفوذها العلم بوجوده عند الوصية بأن ينفصل لأقل من ستة أشهر فلو انفصل لستة أشهر فصاعدًا نظر إن كانت المرأة فراشًا لزوج أو سيد لم تستحق شيئًا إلى آخره.
فيه أمران:
أحدهما: أن الصواب في الستة أشهر أنها ملتحقة بما دونها لا بما فوقها كما ذكره الرافعي وتبعه عليه في "الروضة" لأنها أقصر مدة للحمل فإذا فرضنا ابتداؤها عند الوصية فيمتد إلى استكمالها وهو واضح، ولهذا قال الرافعي في "العدد" أن أقصى ما بين اليومين ستة أشهر.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من بطلان الوصية إذا كان للمرأة زوج أو سيد يغشاها شر إمكان اللحوق به فلو كان بين أول فراشه والوضع دون أقل مدة
الحمل كان وجود فراشه لعدمه، وتعليلهم يدل عليه.
قوله: فرعان: أحدهما: لو قال أوصيت لنصفه الحر أو لنصفه الرقيق خاصة عن القفال بطلان الوصية قال: ولا يجوز أن يوصي بعض شخص كما لا يرث.
وقال غيره: يصح وينزل تقييد الموصي بمنزلة المهيأة فيكون للوصي به للسيد إن أوصى لبعضه الرقيق وله أن يوصي لبعضه الحر.
انتهى.
والصحيح هو الوجه الثاني كذا صححه في الروضة من زياداته.
قوله: الثاني: تردد الإمام في ما إذا صرح بإدراج الأكساب النادرة في المهيأة أنها هل تدخل قطعًا أم تكون على الخلاف، وفي ما لو عمت الهبات والوصايا في قطرانها هل تدخل قطعًا أم يكون على الخلاف.
انتهى.
قال في "الروضة": الراجح طرد الخلاف مطلقًا لكثرة التفاوت.
قوله: ولو أوصى لمكاتب وارثه، فإن عتق قبل موت الموصي نفذت الوصية وكذا لو عتق بعده بأداء النجوم وإن عجز ورق صارت وصية الوارث.
انتهى كلامه.
وما ذكره من تنفيذ الوصية في ما إذا أعتق بعد الموت، قد تابعه عليه في "الروضة" والصواب بناؤه على خلاف سبق في الوصية لعبد الأجنبي، وقياس ذاك أنه إن قبل الوصية، ثم أدى، فالوصية للسيد الوارث، وإن أدى ثم قبل، فإن قلنا: إن الوصية تملك بالموت، أو قلنا: تملك بالقبول الملك من يوم الموت بالاستحقاق للسيد أيضًا وإن قلنا: تملك بالقبول، فللعبد.
قوله: ثم عتق المدبر والوصية له معتبر أن من الثلث، فإن وفي بأحد الأمرين من التدبير والوصية بأن كان المدبر يساوي مائة والوصية بمائة وله غيرهما مائة فوجهان: أحدهما وبه قطع الشيخ أبو علي يقدم رقبته فيعتق كله، ولا شيء له بالوصية وأصحهما عند البغوي يعتق نصفه والوصية عن بعضه حر وبعضه
رقيق للوارث.
انتهى.
والأصح كما قاله في "الروضة" هو الأول.
قوله: الثالثة: إذا أوصى لدابة الغير وقصد تمليكها أو أطلق.
قال الأصحاب: الوصية باطلة وقد سبق في الوقف المطلق عليها وجهان في كونه وقفًا على مالكها فيشبه أن تكون الوصية على ذلك الخلاف، وقد يفرق بينهما بأن الوصية تمليك فينبغي أن يضاف إلى من تملك، والوقف ليس بتمليك محض، بل ليس بتمليك إذا قلنا أنه يزول الملك فيه إلى الله تعالى.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ترجيحه هنا لآخر الخلاف مناقض لما ذكره في كتاب الوقف في الكلام علي الوقف على البهيمة فإنه استدل على البطلان بالوصية لها ولا يصح القياس إلا إذا كان المخالف.
الأمر الثاني: أن الذي قاله من كون الخلاف الوقف ليس بتمليك إذا قلنا بأنه لله تعالى ليس كذلك، بل هو تمليك بلا خلاف غير أنه تمليك للمنافع لا للرقبة، وقد صرح الرافعي بذلك في الكلام على الوقف على غير المعين، وفي الكلام على الصيغة في الوقف وقال في "الروضة" من "زوائده": الفرق واضح وكأنه استند للفرق المذكور، وقد علمت ضعفه.
قوله: "ففي كل كبد حراء أجر" 1. أعلم أن حرى على وزن عطيتني، ومشتق من الحرة بكسر الحاء وهو العطش، يقول: منه رجل حران وامرأة حرى، لعطشان وعطشى، والجمع:
الحرار كالعطاش، قاله الجوهري.
قوله: والثاني: إذا انتقلت الدابة من مالكها إلى عبده فقياس كون الوصية للدابة الاستمرار لها وقياس كونها للمالك اختصاصها بالمنتقل عنه، انتهى.
قال في "الروضة": فالقياس اختصاصها بالمنتقل إليه كما سبق في الوصية للعبد.
قوله: وتجوز الوصية للذمي بلا خلاف كما يجوز التصدق عليه، انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على دعوى عدم الخلاف وليس كما قال، بل فيه وجه أنه لا تصح الوصية له، كذا رأيته في "الشافي" للجرجاني قبل باب حكم الوصايا في الثلث فقال: بعد تقريره أن الوصية لجهة المعصية لا تصح ما نصه بخلاف ما لو أوصى لذمي أو لحربي حيث صحت على أحد الوجهين لأنه مباح فصح كما تصح صدقة التطوع عليهم هذا لفظه، وقد حكى هذا الخلاف أيضًا ابن يونس صاحب "التعجيز" في شرحه "للتعجيز".
قوله: ولو أوصى لوارث أو لأجنبي ولكن بزيادة على الثلث فالوصية موقوفة علي إجازة الورثة، فإن أجازوا صح وإلا فلا.
هذا إذا قلنا إجازتهم تقييد لما فعله الميت وهو أصح القولين، فإن قلنا: إنها ابتداء عطية من الوارث فالوصية باطلة، فإن جعلناها تنفيذًا كفى لفظ الإجازة، وإن جعلناها عطية مبتدأة لم يكف اللفظ المذكور بل لابد من لفظ "التمليك" ونحوه كلفظ الإعتاق إن كان الموصى به إعتاقا، انتهى.
ويتجه أن يكون الخلاف المذكور في أنه صريح أم لا، وأما كونه كناية فلا شك في صلاحيته له.
قوله: والهبة في مرض الموت للوارث والوقف عليه وإبراؤه من دين كالوصية ففيها الخلاف السابق، انتهى.
ذكر -رحمه الله- في كتاب الجنايات في أوائل العفو عن القصاص كلاما مخالفا للمذكور هنا أو مقتضيًا لتخصيصه فراجعه، فإنه أذكر إن شاء الله تعالى.
قوله: ولو كانت الوصية بعبد معين وأجاز الوارث ثم قال: كنت أظن أن التركة كثيرة وأن العبد خارج من ثلثها فثبت خلافه أو ظهر دين لم أعلمه أو تبين لي أنه تلف بعضها، فإن قلنا: الإجازة ابتداء عطية صحت ثم قال: وإن جعلناها تنفيذًا وإمضاءً فقولان نقلهما صاحب "الشامل" وغيره، أحدهما الصحة للعلم بالعبد.
والثاني: أنه يحلف ولا يلزم إلا الثلث كما في الوصية بالمشاع وهذا ما أورده المتولي.
انتهى.
ذكر في "الروضة" أيضًا مثله، والصحيح هو القول الأول أعني الصحة، كذا صححه النووي في "تصحيح التنبيه"، ونقله في "الكفاية" عن تصحيح البندنيجي والروياني.
قوله: ولو أوصى لوارثه بماله فالوصية باطلة ويأخذ التركة بالإرث، وقيل: تصح ويأخذها بالوصية.
قال في "التتمة": وفائدة الخلاف فيما إذا ظهر دين فإن قلنا: يأخذها إرثا، فله إمساكها وقضاء الدين من غيرها.
وإن قلنا: بالوصية، فلصاحب الدين أن يمتنع من أخذ غيرها، انتهى.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: ومن فوائده لو حدثت من عين التركة زوائد إن قلنا: وصية، لم يملكها، وإن قلنا: إرث، ملكها على الصحيح.
هذا لفظه وفيه أمران:
أحدهما: أن دعوى ملك الزوائد على القول بالوصية لا يستقيم لأن الزيادة الحادثة، وإن لم يملكها الموصى له لكن يملكها الوارث والموصى له
هاهنا هو الوارث فيملكها علي كل حال غير أنه لا لكونه موصى له، بل لكونه وارثًا.
الثاني: أن حكاية الخلاف في كونه يملكها أم لا على القول بأنها إرث لا تصح أيضًا إذ لا خلاف في أن الوارث يملك وإذا وضح هذا الإشكال على الفائدة الثانية، وصح أيضًا على الفائدة الأولى، لأنا وإن قلنا: أخذ على سبيل الوصية، لكن الدين يمنع من تمليك الموصى له، وحينئذ فتكون على ملك الورثة ويلزم منه أن يجوز له إمساكه وقضاء الدين من غيره كما قلناه.
قوله: ولو وقف دارًا في مرض موته على ابنه الحائز لميراثه، وكانت الدار تخرج من الثلث.
وقلنا: بالصحيح، أن الوصية للوارث تصح إذا حصلت الإجازة فليس للوارث إبطال الوقف في شيء منهما؛ لأن المريض إذا تمكن من قطع حق الوارث عن الثلث بالكلية فتمكنه من وقفه عليه أولى.
وقال القفال: له رد الوقف في الجميع، والمشهور الأول ثم ذكر الإمام أن صورة المسألة في ما إذا نجز الوقف في مرضه، وكان الابن طفلا فقبله له ثم مات فأراد الابن الرد أو الإجازة، ولكن لا حاجة إلى هذا التصوير؛ لأنه وإن كان بالغًا فقبل لنفسه لم يمتنع عليه الرد بعد الموت، فإن الإجارة المعتبرة هي الواقعة بعد الموت، انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه من الرد على الإمام قد تابعه عليه النووي في "الروضة" وابن الرفعة في "الكفاية" وهو ذهول عجيب فإن الصحيح على ما قاله الإمام في كتاب الوقف وتبعه أيضًا عليه هناك الرافعي والنووي اشتراط القبول في الوقف على معين، فلا جزم احتاج الإمام في تصوير المسألة لما ذكره لأن القبول لابد منه لاسيما وهو على الفور عند من شرطه، وإن كان حكمه حكم الوصية في حسبانه من الثلث كما لو وهب في مرضه شيئًا
لأجنبي فلابد من القبول على الفور، وإن كان حكمه كالوصية وكيف يمكن أن يجبره في حياته على تمليك بأجر ولأنه إذا لم يقع قبول بالكلية لم يحصل الوقف والكلام في أنه هل يملك إبطاله أم لا؟ نعم إن قلنا لا يحتاج الوقف إلى القبول فله الرد في غير صورة المسألة وإما فيها ففيه نظر.
قوله: ولو كان له ابن وبنت فوقف دارًا عليهما نصفين والثالث يحتملهما، فإن رضي الابن فهي كما وقف وإلا فظاهر كلام ابن الحداد أن له رد الوقف في ربع الدار وقال الشيخ أبو علي: عندي أنه ليس للابن إبطال الوقف إلا في سدس الدار.
انتهى ملخصًا.
قال في "الروضة": قول أبي علي هو الأصح أو الصحيح أو الصواب.
قوله: ويصح برقبة المكاتب إن جوزنا بيعه وإلا فقد قال في "التتمة" هو كما لو أوصى بمال الغير، وإذا أوصى بمال الغير فقال: أوصيت بهذا العبد وهو ملك لغيره أو لهذا العبد إن ملكته فوجهان: أحدها أنها صحيحة لأن الوصية بغير الموجود جائزة فبغير المملوك أولى.
والثاني: المنع لأن مالكه يتمكن من الوصية به والشيء الواحد لا يجوز أن يكون محلًا لتصرف شخصين، وبهذا أجاب صاحب "الكتاب" في "الوسيط"، انتهى كلامه.
واعلم أن المفتى به في هاتين المسألتين مختلف وإن كان كلام الرافعي هذا يوهم اتحادهما في الحكم فأما الأولى فهي ما إذا لم يأت بصيغة الشرط، بل اقتصر على قوله: أوصيت بهذا العبد، فإن الوصية باطلة كما جزم به الرافعي في كتاب الكتابة في الحكم الثالث من النظر الثاني، غير أن النووي قد أسقطه من "الروضة"، وإذا تقرر فيه البطلان كان الحكم كذلك أيضًا في المكاتب لأن الرافعي قد نقل هنا عن "التتمة" أنه مثله وأقره عليه، وقد صرح به الرافعي أيضًا أي البطلان في المكاتب بخصوصه في كتاب الكتابة في
الموضع المذكور ولم يحك فيه خلافًا وتبعه عليه في "الروضة" وقد نص الشافعي -رحمه الله- في "الأم" عليهما، وصرح بالبطلان فيهما فقال في باب الكتابة في أول باب الوصية بالمكاتب ما نصه: قال الشافعي: وإذا أوصى الرجل بمكاتبه لرجل لم تجز الوصية لأنه لا يملك أن يخرجه عن ملكه إلى ملك غيره بحال ما كان على الكتابة.
قال: ولو عجز المكاتب بعد موته أو قبله لم تكن الوصية جائزة لأنه أوصى له به وهو لا يملك إخراجه إلى ملك الموصى له به، كما لو قال متى ماتت لفلان -لعبد ليس له- لفلان فلم يمت حتى ملكه لم يكن له حتى يحدث له بعد ملكه، وعجز المكاتب وصية به، هذا لفظ الشافعي بحروفه ومن "الأم" نقلته.
وأما المسألة الثانية وهي ما إذا قال: أوصيت بهذا العبد إن ملكته، فإنها تصح كما ذكره الرافعي في الموضع المذكور من كتاب الكتابة أيضًا، وأجاب أيضًا بمثله في الوصية بالمكاتب، ولنذكر لك عبارة الرافعي لتقف عليها، فتقول: قال ما نصه: أما الوصية بالمكاتب فهي جائزة على القول القديم الذي يجوز فيه البيع، وعلى الجديد باطلة لأنه ممنوع من التصرف في منفعته ورقبته فأشبه ما إذا أوصى بعبد الغير، فإن قال: فإن عجز مكاتبي فقد أوصيت به فالأصح الصحة كما لو قال: إن ملكت عبد فلان فقد أوصيت به، والإمام طرد الخلاف في هذه الصورة وجعلها أولى بالبطلان هذا كلامه، وفيه مخالفة للمذكور في الوصية من وجوه:
أحدها: وهو الصواب فكيف يكون في الوصية بمال الغير خلاف مع أنه لا يجوز بيعه ويجزم ببطلان الوصية بالمكاتب، إذا قلنا: لا يجوز بيعه، مع أن المكاتب إذا قلنا: لا يجوز بيعه لا يزيد حالة على ملك الغير بل هو أولى بالصحة لأنه ملكه.
ثانيها: أن كلامه في الكتابة يقتضي الاتفاق على بطلان الوصية بمال الغير، فإنه جزم به وجعله تعليلًا لبطلان الوصية بالمكاتب وسوى بينهما في باب الوصية، وحينئذ فكيف يصح تعليل أحدهما بالآخر.
ثالثها: أنه في الكتابة فرق بين الوصية بعبد الغير وبين قوله إن ملكت عبد فلان فقد أوصيت به، فقطع في الأول بالبطلان ورجح في الثاني الصحة، لأنه قاس الأصح على الأول، وفي كتاب الوصية جعلها على حد واحد.
واعلم أن النووي رجح في المسألتين الصحة فقال هنا من "زياداته" قلت: الأول يعني الصحة أفقه وأجرى على قواعد الباب، والله أعلم وما ذكره من الترجيح حامل لمن لا اطلاع له على العمل به، وقد علمت أنه مخالف في الأول لنص الشافعي ومخالف لما جزم به الرافعي وكذلك لما جزم به هو في نظير المسألة وهو المكاتب وكأنه لما لم يجد هنا تصحيحًا ظن أن لا تصحيح فيها فقال ما قال.
قوله: وإن كان له كلاب ففي كيفية اعتبار الثلث وجوه: أحدها: أنه ينظر إلى قيمتها بتقدير المالية، إلى آخره.
هذه المسألة قد وقع فيها اضطراب شديد سبق ذكره واضحًا في كتاب البيع في الكلام على تفريق الصفقة فلتطالع منه.
قوله: في "الروضة": أما إذا كان له مال وكلاب فأوصى بكل الكلاب أو ببعضها فثلاثة أوجه:
أصحها نفوذ الوصية فيها وإن كثرت وقل المال، لأن المعتبر أن يبقى للورثة ضعف الموصى به، والمال وإن قَلّ خير من ضعف الكلاب إذ لا قيمة لها، وبهذا قال آباء أبو علي بن أبي هريرة والطبري، والشيخ.
انتهى.
وتعبيره بقوله: "آباء" هو بالمد على أنه جمع أب جمع تكسير ووزنه
أفعال، ولكن سهلت الهمزة والثلاثة المذكور بعده مرفوعة على البدل وهم أبو علي بن أبي هريرة وأبو علي الطبري والشيخ أبو علي السنجي.
قوله: ولو أوصى بثلث ماله لرجل وبالكلاب لآخر وفرعنا على الصحيح في المسألة السابقة فقال القاضي أبو الطيب: تنفذ الوصية بجميع الكلاب لأن ثلثي المال الذي يبقى للورثة خير من ضعف الكلاب، واستبعده ابن الصباغ لأن ما يأخذه الورثة من الثلثين هو حصتهم نسبًا نفذت فيه الوصية وهو الثلث فلا يجوز أن يحسب عليهم مرة أخرى في وصية الكلاب فعلى هذا يعتبر ثلث الكلاب وحدها انتهى.
قال في "الروضة": من زيادته قول ابن الصباغ أصح.
قوله: في أصل "الروضة" والأحسن أن ينقص من الثلث شيئًا، وقيل إن كان ورثته أغنياء استوفى الثلث وإلا فيستحب النقص منه، انتهى كلامه.
وما صححه هاهنا من استحباب النقص عن الثلث مطلقًا قد خالفه في شرح مسلم فإنه جزم في مواضع منه باستحباب الثلث إذا كانت الورثة أغنياء، ونقله عن الأصحاب فقال: قال أصحابنا: كذا وكذا.
قوله: فما بالإنسان من مرض أو علة إما أن ينتهي به إلى حال يقطع فيها بموته منه عاجلًا وذلك بأن يشخص بصره عند النزع وتبلغ الروح الحنجرة أو يقطع حلقومه ومريئه أو ينشق بطنه ويخرج حشوته.
قال الشيخ أبو حامد: ويقر في المياه وبعمره وهو لا يحسن السباحة فلا اعتبار بكلامه ووصيته وغيرها لأنه صار في خبر الأموات وحركته حركة المذبوح، وإما أن لا ينتهي إليها فإما أن يخاف منه الموت عاجلًا وهو الخوف، أو لا فحكمه حكم الأصحاء.
انتهى.
وما ذكره هاهنا من أن المريض بغير جناية قد يقطع بموته وأنه إذا صار إلى حركة المذبوحين كان كالميت، قد ذكر في أوائل الجنايات في الطرف
الرابع المعقود لاجتماع مباشر بين ما يناقضه أو يخصصه وكذلك ذكر في مواضع أخرى، وسوف أذكر ذلك في الجنايات إن شاء الله تعالى فراجعه.
قوله: ومنها مرض السل.
هو بفتح السين.
قوله: وفي حمى الغب وهي التي تأتي يومًا وتقلع يومًا وجهان قال قائلون: هذ مخوفة، وبهذا أجاب في "التهذيب" وقال آخرون: لا، وبه أجاب في "الشامل".
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح أنها مخوفة كذا جزم به الرافعي في "المحرر" وصححه في "الروضة" من "زياداته"، ولم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا.
الأمر الثاني: أن ما قاله من حصر حمى الغب في التي تأتي يومًا وتقلع يومًا وليس كذلك بل الغب عند الأطباء يطلق على الملازمة أيضًا، فإنهم قالوا: إن الحمى سببها بعض الأخلاط، فإن كانت العفونة داخل العروق فهي الغب اللازمة، وإن كانت خارج العروق فهي الصفراء الغب الدائرة، وهذه هي التي ذكرها في "الكتاب" فاعلم ذلك، وكلام يقتضي حصر العام في أحد نوعيه ويقتضي أيضًا أن الغب تسمية للازمة، وليس كذلك بل هي قسم من أقسامها والغب بكسر الغين المعجمة، وقد ذكر أيضًا هنا حمى الورد وهو بكسر الواو والربع بكسر الراء أيضًا وإسكان الباء.
قوله: الرابعة: قدم لينفذ قصاصًا ولم يخرج بعد فهو مخوف في أظهر القولين.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وهو كلام موهم غير الصواب، وقد ذكر في كتاب الوديعة في السبب الثالث من الأسباب المقتضية كلامًا فيه شرح لهذا
وإرشاد إلى الصواب.
فقال: فإذا مرض المودع عنده مرضًا مخوفًا أو حبس ليقيد لزمه أن يوصي بالوديعة، هذا كلامه.
فجعل الحبس له كالمرض المخوف وحينئذ فلا يكون المراد هنا بقوله قدم هو الإخراج لذلك، بل تعيينه للقتل وحينئذ فقوله: ولم يخرج يحتمل أن يكون بالخاء المعجمة قبل الراء وهو الظاهر وأن يكون بالجيم.
قوله: وإذا وقع الطاعون في البلد فهل هو مخوف في حق من لم يصبه؟ فيه وجهان جاريان في ما لو فشى فيه الوباء.
قال في "التهذيب": أصحهما: أنه مخوف.
انتهى.
مقتضاه أن الوباء ليس من الطاعون هو الموت من الوباء، هذا لفظه، من غير زيادة عليه، ولم يذكر في الكلام على وباء ما يخالفه فإن قال: الوباء يمد ويقصر مرض عام انتهى.
وقال ابن الأثير في "غريب الحديث": الطاعون المرض العام، والوباء الذي يفسد له الهواء فتفسد منه الأمزجة، انتهى.
فجعل الوباء قسمًا من الطاعون، وقد عبر في "الروضة" بقوله: إذا وقع الطاعون في البلد وفشا الوباء وهو يقتضي أن الوباء هو الموت، وأن الطاعون سبب له، واعلم أن الأصح هو ما نقله عن "التهذيب"، فقد صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر أيضًا بالأصح، وكذلك أيضًا النووي في أصل "الروضة".
قوله: وأما العلقة والمضغة فلا خوف فيها، قاله الشيخ أبو علي وابن الصباغ، وقال المتولي: هو كالولادة.
انتهى.
قال في "الروضة": الأصح أو الصحيح أنه لا خوف فيهما.
قال: كذا نقله القاضي أبو الطيب في تعليقه عن الأصحاب، وقال:
لأنه أسهل خروجًا من الولد.
قوله: ويشترط في المرجوع إليه من الأطباء الإسلام والبلوغ والعدالة والحرية والعدد وقد ذكرنا وجهًا في جواز العدول من الوضوء إلى التيمم بقول المراهق والفاسق، ووجها أنه لا يشترط العدد.
وعن أبي سليمان الخطابي وجه لم يذكره هناك أنه يجوز العدول بقول طبيب كافر، كما يجوز شرب الدواء من يده ولا يدري أنه داء أو دواء ولا يبعد أن تطرد هذه الوجوه هنا، وقد قال الإمام هنا: الذي أراه أن لا تلحق بالشهادات من كل وجه بل تلحق بالتقويم وتعديل هي الأنصباء في القسمة حتى تختلف الرأي في اشتراط العدد، انتهى.
قال في "الروضة": المذهب الجزم باشتراط العدد وغيره مما ذكرناه أولًا لأنه يتعلق بهذا حقوق آدميين من الورثة والموصى لهم فاشترط شروط الشهادة كغيرها من الشهادات.
قال: بخلاف التيمم فإنه حق لله تعالى مبني على المسامحة مع أنه ينتقل إلى بدل وليس كالتقويم الذي هو تخمين حتى يمكن تدارك خطأ إن وقع فيه في بيان التبرع المحسوب من الثلث، وهو إزالة الملك عن مال مجانًا، اعترض عليه في "الروضة" فقال: ينبغي أن يضم إليه ما يتناول التبرع بالكلب وسائر النجاسات، وبالمنفعة التي تصح الوصية بها، فيقال: إزالة الاختصاص عن مال ونحوه والذي أورده أعني النووي صحيح لكنه يقتضي أن الغرض ليس بتبرع لثبوت العوض، وقد صرح به الرافعي في أوائل كتاب الضمان من الشرحين في الركن الثالث منه، وخالف فيه النووي هناك، وقال: إنه تبرع وعلى هذا فلا يصير الضابط أيضًا جامعًا، وقد أورد الرافعي أيضًا عليه البيع بثمن مؤجل فإنه تبرع، وإن كان بعوض وهو نظير إيراد القرض، وكذلك أورد عليه الإعارة فإنها تبرع ليس فيها إزالة ملك ولم
يتعرض في "الروضة" لإيرادها عليها، كما أورد غيرها وكأنه أخبر بعدم ذكر الملك وحذف مجانًا، وهذا إن نفعه من هذا الوجه لكنه يرد عليه ما إذا باع بثمن المثل حالًا أو أوصى ببيعه من معين بثمن المثل حالًا أو أوصى ببيعه من معين بثمن حال، فإنه ليس يتبرع مع أن الجد الذي اختاره صادق عليه.
قوله: فروع: باع بالمحاباة بشرط الخيار ثم مرض في زمان الخيار، وأجاز العقد إن قلنا: الملك في زمن الخيار فقدر المحاباة من الثلث، وإلا فلا لأنه ليس بتفويت وإنما هو امتناع من الاكتتاب والاستدراك فصار كما إذا أفلس المشتري والمبيع قائم عنده، ثم مرض البائع فلم يفسخ، أو قدر على فسخ النكاح لعيب فيها، فلم يفعل حتى ماتت واستقر المهر، فإنه لا يعتبر من الثلث.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن الشافعي - رضي الله عنه - نص على أن من اعتقد بشرط الخيار ثم مرض مرضًا مخوفًا، وأجاز أو فسخ على خلاف العطية أن ذلك يعتبر من الثلث فاختلف الأصحاب فيه على ثلاثة طرق:
أحدها: الأخذ بما نص عليه.
والثاني: تجويز كل منهما، سواء وقع على وفق الغبطة أو خلافها تخريجًا مما نص عليه الشافعي وصححه أصحابه أنهما جائزان للمفلس كما سبق ذكره في بابه من هذا الكتاب وهذان الطريقان ذكرهما الرافعي في كتاب الفلس، وحذفهما النووي من "الروضة" هناك ظنا أن الرافعي ذكرهما في بابهما.
واعلم أن الفرق بين المريض والمفلس مشكل والقياس أن ما كان تفويتًا هناك كان تبرعًا وبالعكس، وقد فرق الرافعي هناك بين المسألتين بأن حجر المريض أقوى، واستند في الفرق إلى حكم ليس بصحيح، وقد نبهت عليه هناك فطالعه.
الأمر الثاني: أن البائع المذكور له في مرضه ثلاثة أحوال:
أحدها: الإجازة.
والثاني: النسخ.
والثالث: أن لا يتعاطى واحدًا منهما بل يصير إلي انقضاء الخيار ولزوم العقد فأما الإجازة والفسخ فقد ذكرهما المصنف وأما ترك الأمرين فلم يتعرض له ولا يمكن أخذ حكمه مما قاله في الإجازة، لأن المخبر صدر منه قول مخرج الملك فراعينا فيه الغبطة بخلاف المعرض فإنه إنما صدر منه ترك التحصيل، وتركه عند إمكانه لا يحتسب عليه إجماعًا، فظهر أن المتجه عدم إلحاقه به لما قلناه، ولهذا عبروا بالإجازة والفسخ، ولم يعبروا بالفسخ وعدمه فإن عدم الفسخ شامل للإجازة والترك.
قوله: وكذا لو اشترى محاباة ثم مرض ووجد بالمبيع عينا ولم يرد مع الإمكان، لا يعتبر قدر المحاباة من الثلث، ولو وجد العيب وتعذر الرد بسبب وأعرض عن الأرش اعتبر قدر الأرش من الثلث.
انتهى كلامه.
ومراده هنا من صدرت منه المحاباة إنما هو المشتري.
إذا علمت ذلك فاعلم أنه ليس في كلامه تصريح بأن أرش العيب في المسألة الأولى وهي ما إذا لم يرد مع الإمكان هل يعتبر من الثلث أو لا يعتبر أيضًا؟ لقدر المحاباة بل كلامه كالمتعارض، لأن تقييده بقدر المحابة يوهم اعتباره، وتنصيصه بعد ذلك على الحسبان في ما إذا أعرض عنه بعد امتناع الرد يوهم خلافه، وإلا لم يكن لذكره فائدة وقد صرح صاحب التتمة وغيره بأنه لا يعتبر من الثلث لكن صرح المصنف في موضعين من هذا الكتاب باعتباره أحدهما بعد هذا الموضع بكراريس في الباب الثاني المفقود للمسائل الدورية بعد نحو ستة أوراق منه في أثناء كلام أوله الثالث اشترى المريض عبدًا بعشرة، وترجم له في "الروضة" بقوله: فرع، والموضع الثاني في كتاب
التفليس في الكلام على تصرفات المفلس، ونقله هناك عن نص الشافعي، فإن قيل: المريض مالك للمعيب، ومع هذا قلتم: إنه إذا لم يرد يحسب عليه التفاوت من الثلث وقد تقدم في المسألة السابقة أنه إذا مرض في زمن الخيار، وكانت الغبطة تقتضي الرد فلم يرد أنه لا يحسب عليه ذلك فاعتبرنا قدرته على زوال الملك في العيب دون الخيار.
قلنا: فرق الإمام بينهما في كتاب الفلس بفرق فيه نظر، وهذه العبارة الموهمة التي عبر بها الرافعي في هذه المسألة، تبعه على التعبير بها النووي في "الروضة" وابن الرفعة في "الكفاية".
قوله: وإذا اجتمع في التبرعات المتعلقة بالموت عتق وغيره فهل يقدم العتق لقوته أم يستوي؟ قولان: أظهرهما التسوية، هذا في وصايا التمليك مع العتق، أما إذا أوصى للفقراء بشيء وبعتق عبد فقال البغوي: هما سواء لاشتراكهما في القربة، وقطع الشيخ أبو علي بطرد القولين لوجود القوة والسراية.
انتهى.
قال في "الروضة": الأصح: هو قول أبو علي.
قوله: ولو قال لجاريته الحامل: إن أعتقت نصف حملك فزنت حرة، فأعتق نصف حملها في مرض موته فقضية عتق ذلك النصف سرايته إلى النصف الآخر وعتق الأم بسبب التعليق فإن خرجا من الثلث عتقا جميعًا، وإن لم يخرج من الثلث مع النصف المعتق إلا الأم، أو النصف الآخر كما إذا كان جميع ماله ثلاثمائة والأم منها خمسون، والولد مائة فيقرع بين الأم والنصف الآخر، فإن خرجت على الآخر عتق جميع الولد والأم رقيقة، وإن خرجت على الأم لم يعتق كلها لأن الحمل في حكم حرمتها يتبع عتقه عتقها فتوزع قيمة الثلث على الأم وهو خمسون وعلى النصف الباقي بالتسوية فيعتق خمسون وعلى النصف الباقي نصف فيكون ثلاثة أرباعه حرًا.
انتهى كلامه.
وما ذكره من التسوية يبن السراية إلى باقي الولد وعتق الأم بالتعليق حتى يقرع بينهما ولم تقدم السراية، قد ذكر في كتاب المعتق في الكلام على عتق الشريك ما يشكل عليه فقال: إذا قال أحد الشريكين للآخر: إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حر، فأعتق المقول له نصفه سرى عليه على الصحيح لأنه اجتمع على النصف الآخر سراية وتعليق، والسراية أقوى لكنها قهرية، تابعه لعتق نصيبه لا مدفع لها وموجب التعليق قابل للدفع.
انتهى ملخصًا.
واستشكل في "البسيط" عدم عتق كل الأم إذا خرجت القرعة عليها.
فقال: فإن قيل: إذا لم يبعد أن يبقى بعض كل منهما رقيقًا، واتصال الولد بأمه لا يزيد على اتصالها بنفسه فلم يستحيل عتق كلها خاصة.
قلنا: ما نقل عن ابن شريح ما ذكرناه وكأنه يقدر الولد في حكم عضو لا يقبل الانفصال عن الأم بخلاف البعض، وعلى الجملة فليست المسألة خالية عن الإشكال، هذا كلامه.
قوله: المسألة الثانية إذا أوصى بعبد أو ثوب من ثلث ماله، وباقي ماله غائب، لم يدفع كله إلى الموصى له، ولا يسلط على التصرف فيه ما لم يحضر من المال الغائب ما يخرج الموصى به من ثلثه لاحتمال تلفه.... إلى آخر ما قال.
ثم قال: لكنهم لو تصرفوا يعني الورثة في ثلثي الحاضر، قال السرخسي في "الأمالي": إن هلاك المال الغائب بعين نفوذ تصرفهم ولك أن تقول وجب أن يخرج ذلك على وقف العقود.
انتهى كلامه.
اعترض عليه في "الروضة" فقال ما نصه: قلت بل ينبغي تخريجه على القولين في من باع مال أبيه ظانًا حياته فبان ميتًا، والله أعلم، هذا لفظه، وهذا الاعتراض غلط مشعر بعدم استحضاره لاصطلاحهم فإنه يقتضي أن القولين المذكورين في بيع مال الأب لا يسميان بقولي وقف العقود وليس
كذلك بل يسميان عند الأصحاب به، وقد صرح به هو -أعني: النووي- بذلك في الشرط الثالث من شروط المبيع.
قوله في الركن الرابع: إلا أن يقول هو له من مالي أو يقول: عندي هذا لفلان، فيصح كناية عن الوصية.
انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" و"المحرر"، وكذلك النووي في "الروضة" لكن كلامه في "المنهاج" يقتضي أن الصيغتين من جملة الصرائح، فإنه عدهما معا ثم ذكر بعد ذلك أنه ينعقد بالكناية، وكلام الشافعي في "الأم" يعضده، فإنه قال في كتاب الكتابة في باب الوصية بالمكاتب ما نصه: لو قال رجل: ما لي على مكاتبي لفلان، فإن عجز فهو له أو هو لفلان كانت الوصية جائزة على ما أوصى به كما كان على الكتابة وكتابته تعني للذي أوصى له بها، فإذا عجز فهو للذي أوصى له برقبته كان الموصى له أو غيره، هذا لفظه بحروفه.
قوله: وتصح الوصية بالكتابة مع النية بلا خلاف ولا تنفذ الوصية بمجرد خطه عند الجمهور، ثم قال: واعلم أن انعقاد الوصية بالخط ليس ببعيد؛ لأن الخط لكتابات الألفاظ وقد سبق في البيع ذكر الخلاف في انعقاد البيع ونحوه بالكتابات، وذكرنا الآن أن الوصية أشد قبولا للكتابات، فإذا كتب وقال: نويت الوصية لفلان، أو اعترف ورثته به بعد موته وجب أن يصح.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" وهو عجيب فقد سبق قريبًا أن الخلاف في الانعقاد بالكناية مع النية لا يأتي هنا لاستقلال الموصى بعقدها بخلاف البيع وسبق أيضًا أن الخلاف هاهنا إنما هو مجرد الكناية، وحينئذ فلا يأتي شيء من هذا البحث.
قوله: الثالثة: أن يقع الرد بعد القبول وقبل القبض ففيه وجهان:
أحدهما: صحة الرد لأنه تمليك من آدمى بغير عوض فيصح رده قبل القبض كالوقف، ويحكي هذا عن ظاهر نصه في "الأم"، وأظهرهما: المنع لأن الملك حاصل قبل القبض فلا يرتفع بالرد كما في البيع.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا وفيه أمور:
أحدها: أن النووي في "الروضة" قد وافق الرافعي على تصحيح امتناع الرد وخالف في "تصحيح التنبيه" فصحح الجواز.
الثاني: أن المسألة قد صرح بها الشافعي في "الأم" وصرح ببطلان الرد على خلاف ما ذكره الرافعي من الحكاية عن ظاهر نصه فيها.
فقال في "الأم" في باب من يقع عليه الطلاق من النساء ما نصه: وتمام الميراث أن يموت الموروث قبضه الوارث أو لم يقبضه قبله أو لم يقبله لأنه ليس له رده، وتمام الهبة والصدقة أن يقبلها الموهوب أو المصدق عليه ويقبضها، وتمام الوصية أن يقبلها الموصى له وإن لم يقبضها، وتمام البيع أن لا يكون فيه شرط رد حتى يتفرقا عن مقامهما الذي تبايعا فيه، هذا لفظه بحروفه، وحينئذ فتكون الفتوى على ما في "الروضة".
الأمر الثالث: أن ما ذكره الرافعي من القياس على الوقف قد ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" وكذلك النووي في "الروضة" ومقتضاه أنه يجوز للموقوف عليه رد الوقف بغير قبوله وهو باطل، وقد ذكر الرافعي، وكذلك النووي من "زياداته" في كتاب الوقف ما يوضح بطلانه، وقد تتبعت الأصول التي يستمد الرافعي منها قرائنه، قد استند في ذلك إلى صاحب "التتمة"، فإنه قد ذكر هذا الكلام على الصواب، وإنما حكاه الرافعي على غير وجه، فإنه قال فيها ما نصه: فأما إن أراد الرد بعد القبول فظاهر ما نص عليه في "الأم" أنه يصح رده وتوجيهه أن الغانمين ملكوا الغنائم بالاستيلاء، ثم لو تركوا حقهم سقط أي أهل الخمس والموقوف عليه ملك منافع الموقوف
قبل أن يقبل ولو رد جاز وتصرف إلى الفقراء.
هذا لفظ المتولي بحروفه وقياسه على الوقف قبل القبول صحيح على قاعدته، فإنه لا يشترطه أعني القبول، وأما الرافعي فإنه لما لم يكن يرى حصول الملك إلا بعد القبول عبر به في القياس ذاهلًا مما يلزم منه فوقع في المحذور.
قوله: ومتى تملك الموصى له الوصية فيه ثلاثة أقوال: ثم قال: ولو أوصى بإعتاق عبد معين بعد موته فالملك في العبد إلى أن يعتق للوارث ولا يجعل على الخلاف وفرقوا بأن الوصية تمليك للموصى له فيبعد الحكم بالملك لغير من أوجب له الملك، والعتق ليس بتمليك، ويتفرع على الأقوال مسائل إحداها كسب العبد وثمرة الشجرة.... إلى آخره.
أعلم أن النووي في "الروضة" عبر بقوله والملك في العبد إلى أن يعتق للوارث بلا خلاف كما يفهمه كلام الرافعي، ومقتضاه أن يكون الكسب أيضًا له بلا خلاف، وليس كذلك فاعلمه فقد حكى الروياني في "البحر" في باب الإقراع بين العبيد طريقين:
إحداهما: أن فيه قولين كما في العبد الموصى به.
والثانية: أنه للعبد قولًا واحدًا، قال: وهو الصحيح، والفرق أن العبد استحق العتق استحقاقا مستقرًا لا يسقط بوجه من الوجوه، وليس كذلك الموصى له.
قوله: وإن قبل في مرض الموت تمليك قريبه فإرثه مبني على أن عتقه إذا حصل الملك فيه لا بعوض بل بإرث أو هبة أو قبول وصية يعتبر من الثلث أو من رأس المال؟ وفيه وجهان مذكوران في باب العتق إن اعتبرناه من الثلث لم يرثه، وإلا ورثه، قال في "التهذيب": وهو الأصح انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" في باب العتق أن عتقه محسوب من رأس
المال، وعبر بالأصح وقال في "الشرح الكبير" هناك أن الأولى بالترجيح أن المملوك بالإرث يحسب عتقه من رأس المال، ولم يرجح شيئًا في المملوك بالهبة والوصية، واختلف كلام النووي أيضًا فصحح في هذا الباب حسبانه من رأس المال، ولم ينقله عن البغوي كما نقله الرافعي وصحح في "المنهاج" هناك حسبانه من الثلث، وذكر في "الروضة" أعني في العتق نحو ما ذكره الرافعي.
قوله: الرابع أوصى بعبد لشخصين أحدهما قريبه الذي يعتق عليه، فإن قبل الأجنبي أو لا يملك نصيبه ونصيب القريب، موقوف إلى أن يقبل أو يرد، فإن أعتق الأجنبي نصيبه قبل قبول القريب، ثم قبل فإن قلنا يملك بالقبول قوم نصيبه على الأجنبي، وكان كما لو أعتق الشريك نصيبه وهو موسر، ثم أعتق الثاني نصيبه، وإن قلنا يملك بالموت تبينا أن عتق الأجنبي غير نافذ، وأنه عتق جميعها على الوارث، وعليه نصف القيمة للأجنبي.
انتهى كلامه.
وتعبيره في آخر كلامه بقوله على الوارث وقع أيضًا في "الروضة" وهو خطأ وصوابه القريب.
الباب الثاني: في "أحكام الوصية"
وهي ثلاثة أنواع: لفظية، ومعنوية، وحسابية:
القسم الأول: اللفظية
وفيه طريقان الأول في الموصى به.
قوله: ولو أطلق الوصية بالجارية ففي دخول الحمل فيها وجهان: أظهرهما في ما دل عليه كلام الأئمة الدخول كالبيع ولا تبعد الفتوى بالمنع بخلاف البيع، لأن الحمل لا يفرز بالبيع فجعل تبعًا، ويفرد بالوصية فلا يمنع، ولأن الأصل تنزيل الوصية على المتقين ولأن الوصية عقد ضعيف لا يليق بحالها الاستتباع.
انتهى ملخصًا.
والعلل التي ذكرها مردودة، فأما الأولى فلأنها تنكسر بالبناء والفراس الحاصلين في الأرض فإنهما يبيعان الأرض في بيعها مع إمكان إفرادهما بالبيع.
وأما الثانية: فلأن الأصل في العقود كلها تنزيلها علي المتيقن أو الظاهر القريب منه.
وأما الثالثة: فمتقوضة بالرهن فإنه عقد ضعيف باعتراف الرافعي هناك حيث فرق بين دخول البناء والفراس في البيع وبين عدم دخولهما في الرهن مع أن للحمل مدخل فيه تبعا للأم، ويدل على صحة مقالة الأكثرين ما ذكره في العتق أنه لو أعتق أمته الحامل مملوك له عتق الحمل أيضًا، ولو أعتق الحمل عتق ولم تعتق الأم على الصحيح لأنها لا تتبعه.
واعلم أن صورة هذه المسألة في الحمل الموجود عند الوصية، فأما الحمل الحادث بعدها، فإن انفصل قبل الموت لم يدخل وإن قارن الموت فقولان: أصحهما: عدم الدخول أيضًا، كذا ذكره الرافعي قبل هذه المسألة بنحو ثلاثة
أوراق في الكلام على ما إذا أوصى بالأمة لزوجها فتوطن لذلك، وقد أعاد في باب التدبير الكلام على ما إذا حملت بعد الوصية ووضعت.
وحكى عن الشيخ أبي محمد طرد الخلاف، وولد المدبرة يخالف ولد الموصى بها في هذه التفاريع وإن قلنا أن التدبير وصية كما ستعرفه في بابه فراجعه.
قوله: والدف يجوز الوصية به فإن كان عليه شيء من الجلاجل وحرمناها نزع ولم يدفع إليه إلا أن ينص عليه.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على إعطاء الجلاجل إليه إذا نص على ذلك، وقلنا بالتحريم وكيف يستقيم تصحيح الوصية فيهما مع القول بالتحريم.
قوله: من "زياداته": مذهب الشافعي حمل اللفظ المشترك على معانيه انتهى.
وما نقله عن الشافعي هنا قد خالفه في كتاب العتق فرجح أنه لا يحمل على جميع معانيه ذكر ذلك في الكلام على ما إذا قال إن رأيت عيبًا فأنت حر، وسأذكر لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى، ووقع الموضعان كذلك في "الروضة".
قوله: واسم القوس يقع على القسي التي لها مجرى تنفذ فيه السهام الصغار، وتسمى الحسبان وعلى الجلاهق، وهو ما يرمى به البندق إلى آخره.
فيه أمران:
أحدهما: أن الحسبان بضم الحاء وبالسين المهملة وبالباء الموحدة، وهو اسم للسهام لا للقوس ثم إنه جمع لا مفرد فاعلم كلا منهما فقد قال الجوهري ما نصه: والحسبان سهام فصار الواحد حسبانه، هذا لفظه، وحينئذ فالضمير في قول الرافعي فيسمى عائد إلى السهام، وأما الجلاهق فبضم الجيم وهو اسم للبندق نسبة كذا صرح به الجوهري فقال: والجلاهق
البندق ومنه قوس الجلاهق، وأصله بالفارسية جلة، وهي كبة غزل هذا لفظه، وعبارة الرافعي صريحة في أنه اسم للقوس نفسه، وليس كذلك.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد تابع الرافعي على تعدية رمي بالباء وقد صرح في "شرح مسلم" به فقال قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "فأبردوا بالصلاة" وفي الرواية الأخرى: "فأبردوا عن الصلاة" هما بمعنى، و (عن) تطلق بمعنى الباء كما يقال: رميت عن القوس أعديها هذا لفظه، فجعل الباء هي الأصل وشبه به بالصلاة، وعن الصلاة، ثم خالف ذلك في "تحرير التنبيه" مخالفة عجيبة، فقال في باب المسابقة: وقول الشيخ وإن شرطا الرمي عن القسي العربية أو الفارسية أو أحدهما يرمي عن العربية والآخر عن الفارسية هكذا ضبطناه عن نسخة المصنف عن القسي بحرف عن في المواضع الثلاث، وتقع في أكثر النسخ بالقسي أي بالباء والصواب الأول.
قال ابن السكيت وغيره من أهل اللغة يقال: رميت عن القوس ورميت عليه، ولا يقال: رميت بها، هذه عبارته، والصواب جواز استعمال الباء أيضًا ذكره ابن قتيبة في "أدب الكاتب" وكذلك البطليوسي في شرحه له فقال وقولهم: رميت بالقوس، ليست الباء فيه بدلًا من حرف آخر، بل هي فيه بمثابة قولك: رميت بالحجر زيدًا، والمعنى رميت السهم بالقوس وصرح به أيضًا الثعلبي في تفسيره فقال: تقوِل: رميت بالقوس وعلى القوس، ذكره في الكلام على قوله تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَهِ إلا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: 105].
قوله: ولو قال أعطوه ما يسمى قوسًا ففي "التتمة" أن للوارث أن يعطيه ما يشاء سواء كان قوس بندق أو رمى أو غيرهما، ويشبه أن يكون كما لو قال: أعطوه قوسًا إلا أن يقول ما يسمى قوسًا غالبًا أو نادرًا وما أشبهه انتهى.
قال في "الروضة" الذي قاله في "التتمة" هو الصواب.
قوله: ولو قال أعطوه كبشًا أو تيسًا أو شاة لينزيها على غنمه فالوصية
بالذكر، ولو قال نعجة أو شاة يحلبها أو ينتفع بدرها أو نسلها فهي بالأنثى.
انتهى.
اعلم أن الرافعي -رحمه الله- قد أبهم الكلام في هذه المسألة فإن الكبش والتيس والشاة، التي للإنزاء وإن اشتركن في كونهن ذكورًا لكن الكبش لغة من ذكر الضأن والتيس من المعز والشاة منهما، وكذلك النعجة والشاة التي للحلب ونحوه، وإن اشتركتا في كونهما للأنثى لكن النعجة للأنثى من الضأن والشاة لهما.
قوله: لكن لو قال أعطوه شاة من شياهي وليس له إلا ظباء ففيه وجهان حكاهما في المعتمد.
انتهى.
قال في "الروضة": ينبغي أن يكون الأصح تنزيل الوصية على واحد منهما، وقال ابن الرفعة في "الكفاية": الأصح بطلان الوصية.
واعلم أن الرافعي قد صحح أن اسم الشاة لا يتناول السخلة، وسكت عن البعير والبقرة هل يتناول الفصيل والعجلة أم لا؟ وقد صرح بعدم التناول في آخر كتاب النذر نقلًا عن الإمام وأقره عليه.
قوله: أوصى بكلب أو حمار، قال الغزالي وغيره لا تدخل فيه الأنثى لأنهم ميزوا فقالوا كلب وكلبة وحمار وحمارة ويشبه أن يقال أنها للجنس لأن التمييز ليس مستمرًا في اللغة، وبتقدير استمراره فلا شك في استمرار العرف بخلافه.
وقد قال بعض الأصحاب: لهذا يتبع العرف.
انتهى.
قال في "الروضة": الصواب ما قاله الغزالي وغيره.
قوله: ولو لم يملك إلا رقيقًا واحدًا وقال أعطوه رأسًا من رقيقي فتبطل الوصية أم تصح ويدفع إليه ذلك الواحد؟ فيه وجهان مذكوران في "التتمة"، والمذهب على ما حكاه من تلقف عن الإمام هو الثاني.
انتهى كلامه.
وهذا المنقول عن الإمام صرح بتصحيحه النووي في أصل "الروضة".
قوله: ولو أوصى بأحد أرقائه فيجوز إعطاء الخنثى في أصح الوجهين لشمول الاسم، والثاني: لا لانصراف اللفظ إلى المعهود، ولو قال أعطوه عبدًا لم يعط أمه ولا خنثى مشكلًا، وكذا العكس وفي الواضح الوجهان السابقان.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنما جزم به الرافعي من طريقة الوجهين في آخر الخنيثى عند الوصية بالرقيق قد أخراهما أيضًا بعد ذلك في أجزائه عند الوصية بالعبد أو الأمة واتضح حاله، ثم ذكر المسألة أيضًا في باب الكتابة في الحكم الثالث من أحكامه، وصحح طريقة القطع بأجزاء الواضح، وتبعه في "الروضة" على ذلك مع وقوعه في اعتراض آخر سوف تعرفه في موضعه فراجعه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من كون الخلاف وجهين قويين قد خالفهما معا في باب الكتابة، فإنه ضعف الخلاف وجعله قولين عن من وستعرف لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قال -رحمه الله- الطرف الثاني في "الموصى له".
قوله: وإذا قال: إن كان حملها غلامًا فأعطوه كذا فولدت ذكرين، فقال الغزالي: لا شيء لهما لأن الشكر يشعر بالتوحيد، وقال أبو الفرج الزاز: يقسم بينهما، قال: وبمثله لو قال إن كان حملها ابنًا فله كذا وإن كان بنتًا فكذا فولدت اثنين فلا شيء لهما، وفرق بأن الذكر والأنثى اسمًا جنس فيقع على الواحد والعدد بخلاف الابن والبنت وهذا ليس بواضح والقياس أن لا فرق.
انتهى.
والتعبير بقوله وبمثله ذكره أيضًا في "الروضة"، وهي عبارة لا معنى لها ولعله أراد أن يقول وفي مثله فذكر ما ذكر وقد رد النووي على الرافعي في
دعواه أن القياس عدم التفرقة، فقال: بل الفرق واضح، قال: والمختار ما قاله أبو الفرج فيقسم بين الذكرين في الصورة الأولى دون الثانية لما ذكره من الفرق.
قوله: في أصل "الروضة" أوصى للفقهاء أو للمتفقهة فهو على ما ذكرناه في الوقف أي حتى يدخل في الفقهاء من حصل شيئًا وإن قل، لكن في لفظ البغوي أنه لا يقنع بما سبق في تفسير الفقهاء لأنه قال: لو أوصى للفقهاء فهو لمن يعلم أحكام الشرع من كل نوع شيئًا وفي "التتمة" يرجع إلى العادة، وقيل من حفظ أربعين مسألة فهو فقيه، وهو ضعيف جدًا.
انتهى.
وما ذكره من تضعيف الأربعين مخالف لما صرح به في كتاب الوقف فراجعه.
وقد سبق هناك أيضًا أن ما ذكره هناك وهنا من الاكتفاء بالشيء وإن قل لم أره لأحد، وأما حكاية وجه بالأربعين فنقله الرافعي عن حكاية المتولي في "التتمة" ومن راجع كلامه في الوقف و"التتمة" علم أنه ليس حكاية وجه، وذكر في "شرح المهذب" في باب ما يجوز بيعه ما يخالف المذكور هنا أيضًا، فقال في أثناء فروع نقلها عن "الإحياء" للغزالي ما نصه: قال ولو أوصى بمال للفقهاء فالفاضل في الفقه يدخل في الوصية والمبتدئ من شهر ونحوه لا يدخل فيه، والمتوسط بينهما درجات يجتهد المفتي فيها، والورع لهذا المتوسط ترك الأخذ هذا كلامه، واعلم أن الظاهرية لا يستحقون من وصية الفقهاء شيئًا، كذا نقله ابن الصلاح في فوائد رحلته عن ابن سريج.
قوله: يدخل في الوصية للفقراء والمساكين فيجوز الصرف إلى هؤلاء وهؤلاء وكذلك بالعكس، وفي قول ما أوصى به للفقراء لا يصرف إلى المساكين، ويحرز عكسه، رواه عصام بن يوسف عن الشافعي.
انتهى.
واعلم أن عصامًا هذا ليس من أصحابنا إنما هو من أصحاب أبي حنيفة
وهو إمام من أئمتهم المعروفين، وقد صرح بأنه من أئمتهم العبادي في أول الطبقات عند عدة أصحاب أبي حنيفة، وكلام الرافعي والنووي يوهم خلافه لاسيما في "تهذيب الأسماء واللغات" فاعلمه.
قوله: والوصية للعلماء وسائر الموصوفين كالوصية لأصناف الزكاة في أنه لا يجب الاستيعاب ويقتصر على ثلاثة والأولى استيعاب الموجودين عند الإمكان كما في الزكاة.
انتهى.
وهذه المسألة -أعني: الاستيعاب- عند الإمكان قد ذكرها أيضًا في كتاب قسم الصدقات وفي باب صدقة التطوع، واختلف كلامه فيها، وستعرف الكلام على ذلك واضحا في قسم الصدقات فراجعه.
قوله: ولو أوصى لفقراء بلدة بعينها وهم محصورون فيشترط استيعابهم وقبولهم ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وادعى في "تصحيح التنبيه" أنه لا خلاف في ذلك فإنه ادعى أن الصواب اشتراط القبول، وقد خالف ذلك في "الروضة" بعد كلامه المتقدم بقليل فحكى وجهين في أنه يجب استيعابهم أم يكفي الصرف إلى ثلاثة، وذكر نحوه في "تصحيح التنبيه" أيضًا في كتاب قسم الصدقات فإنه عطفه على الأصح.
قوله: ولو أوصى لزيد ولله تعالى فوجهان:
أحدها: أن الكل لزيد، وذكر الله تعالى للتبرك لقوله تعالى في الفيء: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾.
والثاني: أن النصف لزيد والباقي للفقراء فإنه مصرف الحقوق المضافة إلى الله تعالى.
وقال الأستاذ أبو منصور: وهذا أصح الوجهين لكنه لم يخصص النصف الثاني بالفقراء، بل قال: إنه في سبيل الله تعالى فيصرف في وجوه
القرب.
وفيه وجه ثالث: أن ابن القاص قال: النصف يرجع إلي ورثة الموصى.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي في "الشرح الصغير" قد رجح الوجه الثاني فقال: وأقواهما: أن النصف لزيد والباقي للفقراء هذا لفظه وصحح النووي في أصل "الروضة" أنه يصرف إلى وجوه القرب، وعبر بالأصح وهو غريب فإن سياق كلام الرافعي يقتضي أنه غير معروف فضلًا عن تصحيحه ولهذا أنه لم يعده معه الأوجه بل لم يحكه في "الشرح الصغير" أصلًا.
الأمر الثاني: أن النووي قد أعاد المسألة أيضًا من زياداته عقب ذكرها في الأصل من غير فاصل غير أنه فرضها في الثلث كاملًا فقال: قلت: ولو قال: أوصيت بثلث مالي لله تعالى صرف في وجوه البر، ذكره صاحب "العدة".
وقال: وهو قياس قول الشافعي، هذا لفظه، وهو يوهم أن هذه المسألة أخرى.
الأمر الثالث: أن الرافعي قد ذكر في آخر الباب الأول من كتاب الوقف مسألة قريبة من هذه المسألة ليست مذكورة هنا فينبغي استحضارها فقال ما نصه واحتجوا لهذا القول بأنه لو قال أوصيت بثلث مالي واقتصر عليه تصح الوصية، وتصرف إلى الفقراء والمساكين، هذا لفظه، وتابعه عليه النووي على خلاف ما قاله هنا في المسألة السابقة، والفرق بينهما أن الموصي لما أطلق الوصية في الصورة المذكورة هنا، ولم يبين مصرفًا حملناه على الغالب وهم الفقراء بخلاف الصورة الأولى فإن تقييده بقوله لله يشعر بإرادة وجوه البر، لأن من أخرج مالًا في شيء منها صدق أن يقال أنه أخرجه لله تعالى.
قوله: ولو أوصى لأقارب نفسه ففي دخول الورثة وجهان:
أحدهما: لا يدخلون لقرينة الشرع لأن الوارث لا يوصى له، فعلى هذا تختص الوصية بالباقين، وهذا ما يحكى عن الصيدلاني وقطع به في "التتمة" وكلام الغزالي يقتضي ترجيحه.
والثاني: يدخلون لوقوع الاسم عليهم ثم يبطل نصيبهم ويصح الباقي لغير الورثة، ولك أن تقول: وجب أن يختص الوجهان بقولنا أن الوصية للوارث باطلة، أما إذا قلنا: موقوفة على الإجازة فلتقطع بالوجه الثاني.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الراجح من الوجهين هو دخولهم، كذا رجحه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال أنه أقول الوجهين، ولم يذكر ترجيحا غيره.
الأمر الثاني: ما نبه عليه في "الروضة" فقال ما معناه الظاهر أن الوجهين جاريان مطلقًا لأن منشأهما اتفاقهما على أن الوارث لا يأخذ شيئًا، إنما هل ينظر إلى وقوع اسم الغريب عليه فيدخله لإسقاط نصيبه، أو ينظر إلى أن العادة عدم الوصية له فيكون كالعدم، وإنما جزم الرافعي بعدم الأخذ على القول بوقفها على الإجازة لامتناع إجازتهم أنفسهم.
قوله: في المسألة المذكورة الثانية في دخول الأصول والفروع أوجه: أحدها لا يدخل الأبوان ولا الأولاد ويدخل الأجداد والأحفاد وهذا هو الأظهر من جهة النقل.
والثاني: لا يدخل أحد من الأصول والفروع إذ لا يسمون أقارب إلى آخر ما قال.
وما ذكره -رحمه الله- من تصحيح الوجه الأول ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا وعبر بالأظهر.
إذا علمت ذلك فقد صحح في "المحرر" الوجه الثاني وعبر بالأظهر أيضًا فقال ما نصه: إلا أن الأظهر أن الأصول والفروع لا يدخلون هذا لفظه وهو غريب، وتبعه النووي في "الروضة" و"المنهاج" على هذا الاختلاف، و"العمدة" هنا على ما في "الكبير" و"الروضة" لتصحيح الرافعي بأنه أظهر نقلًا، والمذهب نقل.
قوله: وصية العجم للأقارب يدخل فيها أقارب الأم، وفي وصية العرب وجهان: أظهرهما عند الغزالي وصاحب "التهذيب" أنها لا تدخل لأن العرب لا تعدها قرابة ولا يفتخر بها.
والثاني: يدخل وهو الأقوى وظاهر النص وأجاب به أصحابنا العراقيون.
انتهى ملخصًا.
وحاصله تصحيح الدخول، وقد ذكر مثله في "الشرح الصغير" وعبر بالأقوى أيضًا.
إذا علمت ذلك فقد صحح في "المحرر" عكسه فقال عطفًا على الأظهر ما نصه: وإن قرابة الأم لا تدخل في وصية العرب، ولم يتفطن النووي لهذا الاختلاف، بل ذكر في "المنهاج" و"الروضة" كما في "الشرح" و"المحرر" وعبر بالأصح فيهما والفتوى على ما في "الشرح" و"الروضة" لموافقته ظاهر النص، وقول الأكثرين إذا أوصى لأقرب أقارب نفسه فكان الأقرب وارثًا صرفنا إلى من ثلثه ممن ليس بوارث إن لم يصحح الوصية للوارث أو صححناها فلم يجزها سائر الورثة كذا نقله البغوي وغيره وهو تفريع على أنه لو أوصى لأقارب نفسه لم يدخل الورثة الشرع، أما إذا قلنا: يدخلون، وتوزع عليهم وعلى من ليس بوارث فهاهنا تبطل الوصية إلا أن يتعد الأقربون ويكون فيهم وارث وغير وارث انتهى.
اعلم أنا إذا قلنا بالوجه الأخير وهو أنهم يدخلون وتوزع عليهم وعلى
من ليس بوارث فإنهم لا يأخذون شيئًا، وفائدة إدخالهم والتوزيع عليهم إسقاط نصيبهم فلهذا فرع عليه الرافعي هنا إبطال الوصية فافهمه، وقد تقدم قبله بتقليل ما يرشد إلى ذلك.
قوله: وفي الأهل وجهان: أحدهما الحمل على الزوجة فعلى هذا إذا صدرت الوصية من امرأة تطلب.
والثاني: على كل من تلزمه نفقته.
انتهى.
قال في "الروضة" الأصح هو الوجه الثاني قال: وينبغي على الوجه الأول أن لا تبطل إذا صدرت من امرأة، بل يتعين الوجه الثاني أو يرجع فيه إلى العرف.
قوله: وأحماء الرجل أبوا زوجته وفي دخول أجدادها وجداتها تردد حكاه الإمام ولا يدخل أبوا زوجة الأب وأبوا زوجة الابن والأصهار كالأحماء.
كذا نقله الأستاذ أبو منصور وإمام الحرمين وفي أمالي السرخسي أنه كل رجل من المحارم فأبو زوجته حمو، وأن الأصهار تشمل الأختان والأحماء قال في "الروضة": إن ما قاله السرخسي هو المعروف عند أهل اللغة.
قوله: ويتامى القبيلة هم الصبيان الناقدون لإمائهم وفي اشتراط الفقر فيهم وجهان أشبههما: بما قيل في الغنيمة نعم وبه قطع أبو منصور ثم إن انحصروا وجب وإلا جاز الاقتصار على ثلاثة انتهى.
وما ذكره من إطلاق الوجهين قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" ورأيت في شرح فروع ابن الحداد لأبي بكر الصيدلاني، أن مجملهما إذا أوصى لليتامى ولم يعين فإن عين قال: وكيتامى بني زيد أعطى الغني والفقير، وفي تعبير الرافعي إشعار بأن ولد الزنا لا يستحق لأن فقد الأب يتوقف على تقدم وجوده.
قوله: ولو قال لورثة فلان فورثته بنت واحدة ولم يحكم بالرد فيستحق جميع الوصية أم نصفه فيه وجهان أصحهما عند الأستاذ أولهما.
انتهى.
والصحيح ما صححه الأستاذ، كذا صححه النووي في أصل "الروضة"، ولم يتعرض للمسألة في "المحرر" ولا في "الشرح الصغير".
قوله: ذكر الأستاذ أن الأرامل من فارقهن الأزواج وبه أخذ الإمام، وعبارة صاحب "المهذب" و"التهذيب" لا يعتبر بقدم التزويج.
انتهى ملخصًا.
والأصح هو الأول فقد نص عليه الشافعي كما نقله عنه في "النهاية"، وقال النووي في "زيادات الروضة" أنه الأصح، قال: والعجب من الرافعي حيث طالع "النهاية" في هذه المسألة، ثم عزاه إليه، وترك الإعزاء إلى إمام المذهب لاسيما أنه لم يظفر بترجيح.
قوله: وفي دخول رجل لا زوجة له في الأرامل وجهان.
انتهى.
والأصح كما قاله في "الروضة" عدم الدخول.
قوله: وفي اشتراط الفقراء الوجهان المذكوران في الأيتام، وقطع الأستاذ بالاشتراط هاهنا.
انتهى.
والتعبير بقوله هاهنا يوهم أن الأستاذ لم يقطع بذلك في الأيتام، وليس كذلك، بل قطع فيهم أيضًا به، وقد نقله عنه الرافعي.
قوله: ففي "المهذب" و"التهذيب" أن الشيوخ من جاوزوا الأربعين والفتيان والشبان من جاوز البلوغ إلى الثلاثين، والمفهوم منه أن الكهول هم الذين بين الثلاثين والأربعين ورواية الأستاذ عن الأصحاب الرجوع في ذلك إلي اللغة واعتبار لون الشعر في السواد والبياض والاختلاط.
انتهى.
قال في "الروضة" من "زياداته": الأصح المختار هو الأول.
قال: وصرح الروياني وغيره بأن الكهول من الثلاثين إلى الأربعين وكذا
قال أهل اللغة أيضًا أنه من جاوز الثلاثين.
قوله: ولو أوصى لزيد بدينار وللفقراء بثلث ماله لم يصرف إلى زيد غير الدينار، وإن كان فقيرًا لأنه قطع اجتهاد الوصي بالتقدير ويحتمل الجواز، انتهى.
تبعه عليه في "الروضة" وهو يقتضي عدم الوقوف على قائل بالجواز، وقد نقله الروياني في "البحر" عن الحناطي.
قال -رحمه الله
-: القسم الثاني: في "المسائل المعنوية"
قوله: وإذا أطلق الوصية بالمنفعة أو قيدها بالتأبيد كانت تمليكًا، أما إذا قال: أوصيت لك بمنافعة حياتك فهو إباحة وليس بتمليك فليس له الإجارة، وفي الإعارة وجهان.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما جزم به هاهنا من كونه إباحة حتى لا تصح إجارته قد تابعه عليه في "الروضة" وقد جزم أعني الرافعي بما يخالف ذلك في الباب الثالث من أبواب الإجارة، وقد ذكرت لفظه هناك، والصواب هو المذكور هناك، فإن هذا نظير ما إذا قال: وقفت هذا البستان مثلًا على زيد، ثم عمرو فإن كل واحد منهما يملك منفعته، وإن كان مقيدًا بحياته.
الأمر الثاني: أن الأصح من الوجهين في الإعارة هو المنع فقد جزم به الرافعي في نظيره من الوقف، وقد تقدم ذكره في الطرف الثاني من الباب الثاني فله طالع منه وقد ذكر الرافعي في كتاب الهبة في الكلام على العمري والرقبى كلامًا آخر متعلقًا بما نحن فيه يتعين الوقوف عليه فراجعه وراجع المذكور في الإجارة أيضًا فإن فيه أمورًا أخرى.
قوله: وفي مهر الجارية الموصى بنفعها وجهان: ذهب العراقيون بأسرهم وصاحب "التهذيب" إلى أنه للموصى له، والمنسوب إلي المراوزة أنه لورثة الموصي وهذا أشبه وأظهر على ما ذكره الغزالي.
انتهى ملخصًا.
والتعبير بالأشهر لم يذكره الغزالي فهو إذن ترجيح من الرافعي، فقد صرح بالترجيح أيضًا في "الشرح الصغير" فقال ما نصه وأظهرهما أنه لوارث الموصى لأنه بدل منفعة البضع ومنفعة البضع لا تجوز الوصية بها انتهى، وصحح عكسه في "المحرر" وعبر بالأصح وتبعه النووي في "الروضة"
و"المنهاج" على هذا الاختلاف، وقد ظهر لك أن الراجح نقلًا هو ما في "المحرر".
قوله: ولا خلاف في أنه ليس له وطئها لكن لو وطئ لا يحد للشبهة، وفيه وجه أنه يحد كما لو وطئ المستأجر.
انتهى كلامه.
وما صححه هنا من عدم وجوب الحد قد جزم بما يخالفه في كتاب الوقف، ذكر ذلك في الفصل الثاني من الباب الثاني في الكلام على وطء الواقف للجارية الموقوفة بلا شبهة وقد تقدم ذكر لفظه هناك، ووقع هذا الاختلاف في "الروضة" أيضًا، فالمذكور هنا أوجه.
قوله: وإذا أعتق العبد الموصى بمنفعته صح وكانت الوصية على حالها، وقيل: تبطل فعلى هذا يرجع الموصى له على العتق بقيمة المنافع فيه وجهان.
انتهى.
قال النووي: من زياداته لعل أصحها الرجوع.
قوله: وإن كان موصى بمنفعته على التأبيد فهل يجوز للوارث بيع العين؟ فيه وجوه ثالثها: يصح بيع العبد والأمة، لأنه يتقرب إلى الله تعالى بإعتاقهما.
ورابعا: وهو الأرجح على ما يدل عليه كلام الأئمة أنه يصح البيع من الموصي له، ولا يصح من غيره إذ لا فائدة له فيه.
انتهى.
وحاصل ما ذكره هاهنا أن المبيع إذا لم يكن فيه منفعة سوى الإعتاق لا يصح بيعه وهو مخالف لما جزم به في أوائل البيع من صحة بيع العبد الزمن وعلله بأنه يتقرب بإعتاقه إلى الله تعالى، وهذا التعليل موجود بعينه هنا فيلزم القول بصحة بيع العبد والأمة مطلقًا.
قوله: الرابع ليس للوارث وطء الجارية الموصى بمنفعتها إن كانت ممن يحبل لما فيه من خوف الهلاك بالمطلق والنقصان والوصف بالولادة وقد يوجه أيضًا بأنه غير تام الملك فيها، وإن كانت ممن لا يحبل فعلى وجهين كما
ذكرنا في وطء الراهن الجارية المرهونة، وقطع صاحب التتمة بالجواز إن كانت ممن لا يحبل وذكر وجهين في إذا كانت ممن يحبل فيحصل من ذلك ثلاثة أوجه.
انتهى كلامه.
وحاصله تصحيح المنع مطلقًا وأن الراجح في من يحبل طريقة القطع وفي من لا تحبل طريقة الوجهين، وقد اختصر اختصارًا غير مطابق فصحح التفصيل فقال فيه أوجه: أصحها ثالثها يجوز إن كانت ممن لا يحبل وإلا فلا، هذا لفظه وإنما كان التجويز هنا أولى من الرهن لأن المنافع هنا لا تفوت بالاستيلاد بدليل جواز عتقه ومقصوده الرهن وهو البيع يفوت ولم يتعرض للمسألة في "الشرح الصغير".
قوله: وإن فداه الموصى له ففي وجوب الإجابة على المجني عليه وجهان:
أحدهما: لا، لأنه أجنبي عن الرقبة.
وأظهرهما: الوجوب لظهور غرضه، وهذا ما إذا فدى أحدهما العبد بمنافعه فلو فدى حصته قال الحناطي: يباع نصيب صاحبه وفيه إشكال لأنه إن فدى الوارث فكيف تباع المنافع وحدها؟ وإن فدى الموصى له، واستمر حقه فبيع الرقبة يكون على الخلاف السابق.
انتهى.
وما ذكره الصيدلاني من بيع المنافع وحدها أمر معقول قد قلنا به في ما إذا باع حق البناء على السطح ونحوه.
قوله: فرع لابن الحداد إذا وصى لرجل بدينار كل شهر من غلة داره أو كسب عبده وجعله بعده لوارثه أو للفقراء والغلة والكسب عشرة مثله.
قال ابن الحداد فليس للورثة أن يبيعوا بعض الدار ويدعوا ما يحصل منه دينار لأن الأجرة تتفاوت وقد تتراجع وتعود إلى دينار ثم قال فأما بيع مجرد الرقبة فعلى ما سبق من الخلاف في بيع الوارث الموصى بمنفعته.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن تخريجه على الخلاف الذي ذكره لا يستقيم لأن الموصي بمنفعته مسلوب المنفعة بالنسبة إلى البائع فيكون البائع والحالة هذه بائعًا لجميع ما يملك، وفي مسألتنا البائع مالك للمنفعة أيضًا، ويريد إخراجها بالاستثناء فلا يصح تخريجه على ما تقدم، بل يتخرج على ما إذا باع عينًا واستثنى لنفسه من منفعتها شيئًا فإن المذهب القطع بالبطلان خلافًا لابن شريح في تخريجه على بيع المستأجر.
الأمر الثاني: أن تخريج هذه المسألة على الخلاف الذي قاله يقتضي أنه إذا باعه لزيد الموصى له يصح بيعه على الصحيح كما في تلك المسألة وهو فاسد لأن البائع هناك لم يستثن لنفسه شيئًا بخلاف مسألتنا بل لو باعه أيضًا الرقبة وما يستحقه من المنفعة لم يصح أيضًا لأن المشتري هناك يصير مالكًا للرقبة والمنفعة ملكًا تامًا ينتقل عنه إلى وارثه فصح بخلاف ما إذا جعل المنفعة بعد زيد للفقراء فإن البيع والحالة هذه مخالف لمقتضى العقد، فإنه لو باعه عينًا على أنه إذا مات كانت المنفعة للفقراء لا يصح البيع.
قوله: وإن كان هناك وصايا أخرى قال صاحب "التقريب": يوزع الثلث بعد الدينار الواحد على أصحاب الوصايا ولا تتوقف فإذا انقضت سنة أخرى استرد منهم بدينار ما يقتضيه التقسيط قال الإمام هذا بين إذا كانت الوصية مقيدة بخبرة الموصى له، وأما إذا لم يقيد وأقمنا ورثته مقامه فهو مشكل لا يهتدي إليه.
انتهى.
وهذه المسألة ينبغي أن يقال فيها: يستوعبون ما يقتضيه توزيع الثلث على الوصية بالدينار وباقي الوصايا فإذا حصل هذا الاستيعاب انتهى الاستحقاق، وبيان ذلك أنه إذا أوصى بالدينار المذكور فهذه لو انفردت كانت كالوصية بالثلث والذي يزاحمها من الوصايا يوزع الثلث عليهما وعلى هذه الوصية علي مقدارهما، فإن كانت الوصايا مقدار الثلث كانت حصة وصية الدينار
نصف الثلث، وإن كانت الثلثين كانت حصة هذه الثلث على هذا القياس أبدًا وحينئذ يزول الإشكال.
قوله: فرع لو انهدمت الدار الموصى بمنفعتها فأعادها الوارث؟ هل يعود حق الموصى له؟ وجهان ولو أراد الموصى له أعادها فعلى الوجهين.
انتهى.
والأصح كما قاله في "الروضة": أنه يعود.
قوله: ولو أوصى بحجة الإسلام وأضافها إلى الثلث ففي تقدمها على سائر الوصايا وجهان أصحهما عند صاحب الكتاب أنها لا تقدم.
انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" والأصح هو ما صححه الغزالي، كذا صححه النووي في أصل "الروضة"، ولم يتعرض للمسألة في "المحرر".
قوله: في "الروضة" ولو تبرع أجنبي فكفر عن الميت بالطعام أو الكسوة أجزأه علي الأصح لقضاء الدين، ولو تبرع بالعتق فقيل على الوجهين، وقيل بالمنع قطعًا.
انتهى كلامه.
والصحيح في المسألة الأخيرة المنع من حيث الجملة كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" والمصنف كلاهما في كتاب الأيمان، ومحله في الكفارة المخيرة فلو كانت مرتبة صح الإعتاق من الأجنبي على الأصح كذا ذكره في أصل "الروضة" هناك.
قوله: ولو أوصي بالعتق في الكفارة المخيرة وزادت قيمة الرقبة علي قيمة الطعام والكسوة فالأصح اعتباره من الثلث لأنه غير محتم عليه، ثم قال وعلى هذا فوجهان:
أحدهما: أنه يعتبر جميع قيمته من الثلث فإن لم يف الثلث به عدل إلى الطعام.
وأشبههما: أن المعتبر بين الثلث ما بين القيمتين من التفاوت لأن أقل