القضاء.
قوله في المسألة: وإذا قلنا: ينعزل، فينبغي للموكل أن يشهد على العزل، لأن قوله بعد تصرف الوكيل: كنت عزلته، لا يقبل.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم القبول تابعه عليه في "الروضة" وليس على إطلاقه، بل صورته ما إذا أنكر الوكيل العزل.
أما إذا وافقه ولكن قال: كان بعد التصرف، فإنه يكون كدعوى الزوج بعدم الرجعة على انقضاء العدة، وفيه تفصيل معروف، كذا قاله الرافعي بعد هذا الباب الثالث المعقود للاختلاف.
قوله: وفي الأعمى وجهان:
أظهرهما وبه قال في "الكتاب": إنه كالمجنون في اقتضاء [الانعزال] 1.
والثاني: وهو الأظهر عند الإمام وبه قال في "الوسيط": إنه لا يقتضي العزل.
واحتج له بأن المغمي عليه لا يلتحق بمن يولى عليه، والمعتبر في الانعزال التحاق الوكيل أو الموكل بمن يولى عليه.
انتهى كلامه.
وهذا الاحتجاج للإمام، ولم يذكره الغزالي في "الوسيط" فتفطن له، فإن كلامه موهم، حتى وقع ابن الرفعة في الغلط بسببه.
قوله: لو وكل السيد عبده ببيع أو تصرف آخر، ثم أعتقه أو باعه أو كاتبه ففي انعزاله وجهان.
وفصل بعضهم فقال: إن كان بلفظ الوكالة لم ينعزل، وإن كان بلفظ الأمر انعزل.
انتهى ملخصًا.
زاد في "الروضة" على تصحيح الماوردي والجرجاني أنه ينعزل
مطلقًا، ولم يذكر تصحيحًا غيره.
إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن الراجح عند الرافعي منها هو الثالث، كذا ذكره في "الشرح الصغير" فقال: إنه أقرب الوجوه، ولم يذكر ترجيحًا غيره، وصحح النووي في "تصحيح التنبيه" انعزاله مطلقًا، وكأنه استند لما قاله في "الروضة".
نعم صحح الرافعي في مداينة العبد: أن العبد المأذون ينعزل بالبيع والعتق، وتبعه عليه في "الروضة".
الأمر الثاني: أن ما نقله في "الروضة" عن الماوردي من الانعزال في العتق والبيع ليس كذلك، بل إنما صححه في البيع، وعلله بأن منافعه مستحقة لغيره، ولم يصحح في العتق شيئًا، بل نسب الانعزال إلى ابن سريج.
قوله: ولو وكل عبدًا لغيره بإذن المالك فباعه مالكه، ففي ارتفاع الوكالة وجهان أيضًا، فإن أبقيناها في هذه الصورة والتي قبلها فيلزمه استئذان المشتري، فإن لم يستأذن نفذ تصرفه لدوام الإذن، وإن ترك واجبًا.
قال الإمام: وفيه احتمال: انتهى ملخصًا.
عبر في "الروضة" في أول هذه المسألة بقوله: وعبد غيره كعبده، وهو يشمل زوال ملكه عنه بالاعتاق وغيره.
إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن الأصح في عبد غيره عدم الانعزال، كذا صححه النووي في "تصحيح التنبيه"، وقال في "زيادات الروضة": إنه المذهب الذي جزم به الأكثرون.
قال: وطرد صاحب "التهذيب" فيه وجهين في عبد نفسه، فتابعه
الرافعي.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في "الروضة" من تقليد الرافعي البغوي في ما تفرد به من طرد الوجهين غريب، فإن الوجهين ثابتان قديمًا عند ابن سريج فمن بعده.
وممن حكاهما عن ابن سريج صاحب "البحر".
الأمر الثالث: أن محل الخلاف في هذه الصورة هو فيما إذا أمره السيد ليتوكل لغيره.
فأما إذا قال: إن شئت فوكل لفلان، وإن شئت فلا، ثم أعتقه أو باعه فلا ينعزل قطعًا كالأجنبي، كذا قاله ابن سريج، ونقله عنه الروياني في "البحر"، وجزم به أيضًا الشيخ أبو حامد والمحاملي وغيرهما، وكذلك صاحب "البيان"، ونقله في "الروضة" عنه خاصة، وأقره.
واقتصاره عليه مع شهرة هذه الكتب غريب، ونقل الشيخ أبو محمد عن ابن سريج في عبد نفسه مثله أيضًا.
الأمر الرابع: أن الرافعي قد ذكر في معاملة العبيد أنه لا يصح توكيل العبد في البيع والشراء بغير إذن سيده على الأصح لما فيه من تعلق العهدة، وأشار في أوائل هذا الباب إلى ذلك أيضًا.
وتبعه النووي عليه قال: بخلاف قبول النكاح.
وحينئذ فكيف يصح التصرف بغير استئذان السيد فيما إذا وكل عبده ثم باعه أو عبد غيره وباعه مالكه، وقلنا ببقاء الوكالة.
فأما إذا تنزلنا وقلنا ببقاء الوكالة فيزول المانع من جهة صاحب السلعة، وهو الموكل، فما الذي أزال مانع السيد، وهو تعلق العهدة.
واعلم أن انتقال الملك إلى الورثة بموت السيد يشبه انتقاله بالبيع،
وكذلك الهبة أيضًا، وما نقلناه عن الرافعي في باب معاملة العبيد يقتضي أن نفس التوكيل -وهو الإيجاب- لا يصح، ويحتمل أن يقال: بصحته ويكون التصرف موقوفًا على إذن المالك.
قوله: ولو أنكر الوكيل الوكالة فهل يكون عزلًا؟ روى في "الوسيط" فيه أوجه: أصحها ثالثها: إن كان لنسيان أو غرض في الإخفاء لم ينعزل وإلا انعزل، ولم أعثر على المسألة في "النهاية"، لكنه أورد قريبًا من هذه الأوجه في إنكار الموكل أيضًا.
انتهى ملخصًا.
وعبر في "الروضة" عما حكاه عن الإمام بقوله: ولو أنكر الموكل التوكيل ففي انعزاله الأوجه، ومقتضاه أن الصحيح فيه أيضًا التفصيل.
إذا علمت ذلك ففيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي قد ذكر في الباب الثاني من كتاب التدبير كلامًا يخالفه من وجهين، وتبعه عليه في "الروضة"، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى لأمور أخرى يتعين الوقوف عليها فراجعها.
ونقل في "المطلب" هنا عن الجوري بضم الجيم: أن إنكار الوكيل لا يكون عزلًا لنفسه.
الأمر الثاني: أن الإمام لم يحك في إنكار الموكل إلا وجهين: أصحهما: أنه لا يكون عزلًا.
وأشهرهما: أنه يكون عزلًا.
ثم أبدى الثالثة احتمالًا، وهذا هو السر في تعبير الرافعي بقوله: قريبًا من هذه الأوجه.
قوله: فأما إذا شرط فيها جعلًا معلومًا وعقد بصيغة الوكالة فيمكن تخريجه -يعني الجواز من الجانبين- على أن الاعتبار بصيغ العقود أم بمعانيها.
انتهى كلامه.
وما ذكره الرافعي بحثًا قد نقله صاحب "البحر"، فإنه حكى وجهين، والحالة هذه في أنها هل هي جائزة أو لازمة؟.
قوله: ونختم الباب بصور نوردها على الاختصار.
لو وكل رجلًا بالبيع فباع، ورد عليه المبيع أو أمره بشرط الخيار فشرط ففسخ البيع لم يكن له بيعه ثانيًا خلافًا لأبي حنيفة.
انتهى كلامه.
تبعه عليه في "الروضة"، واعلم أن ما ذكره في الرد بالعيب مسلم على كلام يأتي فيه أيضًا.
وأما ما ذكره في البيع بشرط الخيار فليس على إطلاقه، بل إن كان الخيار لا ينقل الملك عن البائع جاز البيع ثانيًا، وإن نقل امتنع كما جزم به هاهنا، وقيل: لا يمتنع، وإن نقل الملك.
هكذا ذكره الرافعي قبيل الكلام على حكم المبيع قبل القبض، فعلى هذا إن كان شرط الخيار في مسألتنا للمشتري لم يجز البيع على الصحيح، وإن شرط للبائع أو لهما جاز لما علم في البيع أن الخيار إن كان لأحدهما فالملك له، وإن كان لهما فموقوف.
فإن فسخ تبينا أنه للبائع وإلا فللمشتري فتفطن لذلك فإنه مهم.
وقد يقع الرد بالعيب أيضًا في زمن الخيار فيكون فيه هذا التفصيل، وإن وقع بعده امتنع.
وحكى الرافعي هنا فيه وجهين أيضًا.
قوله: ولو أمره بالبيع أو الشراء فهل له شرط الخيار لنفسه أو للموكل؟ فيه وجهان.
انتهى.
والأصح الجواز، كذا صححه الرافعي في البيع في الكلام على الخيار، وصححه في "الروضة" من زوائده.
قوله في "الروضة": إذا وكله ببيع عبد أو شرائه فلا يجوز العقد على بعضه لضرر التبعيض، ولو فرضت فيه غبطة، وفيه وجه شاذ.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أنه يستثنى ما إذا باع ذلك البعض بقيمة الجميع، فإنه يصح بلا خلاف، كذا ذكره النووي في "تصحيحه" وابن الرفعة في "الكفاية".
الأمر الثاني: أن مقتضى كلامه صحة العقد في البعض [إما بشرط] 1 الغبطة وهو المتبادر من كلامه، وإما مطلقًا وليس كذلك، بل حاصل كلام الرافعي حكاية خلاف في صورة أخرى، فإنه قال: ولو أمره بشراء عبد وبيع عبد لم يكن له أن يعقد على بعضه لضرر التبعيض ولو كان فيه غبطة كما إذا أمره بشراء عبد بألف فاشترى نصفه بأربع مائة ثم نصفه الآخر أيضًا بأربع مائة فكذلك، ولا ينقلب الكل إليه بعد انصراف العقد عنه، وفيه وجه ضعيف، هذه عبارته.
وحاصله حكاية الخلاف في الانصراف وهو المذكور في "الكفاية" لابن الرفعة والاعتراض الأول وارد أيضًا على الرافعي.
قوله: ولو قال: ادفع هذا الذهب إلى صائغ، فقال: دفعته فطالبه الموكل ببيانه، قال القفال: يلزمه البيان فلو امتنع صار متعديًا حتى لو بينه بعد ذلك، وكان قد تلف في يد الصائغ لزمه الضمان.
قال القفال: والأصحاب يقولون: لا يلزمه البيان.
انتهى.
قال في "الروضة": هذا المنقول عن الأصحاب ضعيف أو خطأ.
قلت: يقرب من هذه المسألة ما إذا كانت عنده شهادة سمعها اتفاقًا أو تحملها قصدًا أو لم يعلم بها صاحب الحق، فيستحب له اعلامه بها كما
جزم به ابن الرفعة في "الكفاية" في الكلام على المبادرة بالشهادة.
وليس في الشرحين و"الروضة" تصريح بشيء، بل سياق مثله فيهن يسعر بالوجوب، فإن ثبت ذلك فالوجوب هنا بطريق الأولى.
قوله: قال لرجل: بع عبدك لفلان بألف، وأنا أدفعه إليك فباعه له، قال ابن سريج: يستحق البائع الألف على الأمر دون المشتري، فإذا غرم الآمر رجع على المشتري.
انتهى كلامه.
وما ذكره الرافعي هنا عن ابن سريج واقتصر عليه فالصحيح خلافه، كذا صرح به الرافعي في كتاب البيع في الكلام على البيوع المنهى عنها.
واعلم أن ما قاله ابن سريج مخالف لما قاله الأصحاب من ثلاثة أوجه:
أحدها: لزوم الألف للآمر، لأنه إن وعد فالوعد لا يجب الوفاء به، وإن ضمن لم يصح لأنه ضمان ما لم يجب ولا جرى سبب وجوبه.
والثاني: عدم مطالبة المشتري، لأن الوعد لو وجب والضمان لو صح لم يكن مسقطًا لمطالبة الديون لأن الثمن على المشتري، ولم يؤخذ من الملتزم ما يقتضي عدم وجوبه عليه، ولهذا أجاب بالرجوع.
والثالث: حكمه بالرجوع بدون إذن المشتري سواء قلنا بالوعد أو بالضمان، وسكوت الرافعي هنا على نقله غريب.
ونقل الماوردي عن ابن سريج مسألة أخرى قريبة من هذه فقال: لو قال لرجل: بع عبدك هذا على زيد بألف درهم وهي علىَّ دونه، فله حالان:
أحدهما: أن يكون هذا الآمر هو المتولى للعقد فيصح، ويكون مشتريًا لغيره بثمن في ذمته فيعتبر حال زيد المشتري له، فإن كان مولًا عليه أو أذن فيه كان الشراء للعاقد.
الحال الثاني: أن يكون زيد هو العاقد فوجهان:
أحدهما: يصح ويكون العقد لزيد بلا ثمن، والثمن على الضامن الآمر.
قاله ابن سريج.
والثاني -وهو الصحيح-: أن البيع باطل، لأن عقد البيع ما أوجب بتمليك المبيع عوضًا عن المالك، وهذا مفقود هنا فبطل.
فعلى هذا لو قال: بع عبدك بألف درهم على زيد وخمسمائة علىّ، ففعل فعن ابن سريج: العقد صحيح، وعلى المشتري ألف درهم، وعلى الآمر خمسمائة.
وعلى الصحيح العقد باطل، هذا كلام الماوردي، ومسألة ابن سريج فيه صورتها أن يكون الثمن على غير المشتري وهى غير صورة الكتاب، ولم يستحضر في الروضة هنا ما ذكره الرافعي في البيع.
واعترض على ما نقله عن ابن سريج فقال: الصواب أنه لا يلزم الأمر شيء لأنه ضمان ما لم يجب، ولا جرى سبب وجوبه.
واستشكل الرجوع بأن من قضى دين غيره بغير إذنه لا يرجع قطعًا، وما قاله جميعه يدل على ما قلناه من أن الثمن في صورة الكتاب على المشتري غير أن البائع لا يطالب.
ثم نقل -أعني النووي- كلام الماوردي متوهمًا أنها المسألة حتى قال في آخرها: إن ما نقله الرافعي عن ابن سريج من الرجوع مخالف لما نقله الماوردي عنه، وهذا الذي قاله ليس كذلك فاعلمه.
وقال في الباب الرابع من أبواب الخلع: قال لرجل: بع عبدك لفلان بكذا وعلىّ ألف، فباعه لم يستحق على القائل شيء، وقال الداركي: يحتمل أن يستحق كالتماس الطلاق والعتق، ولو قال: [بعه] 1 عبدك بألف في مالى لم يستحق على القائل شيئًا، هذا كلامه.
قوله: وإذا قال: اشترِ لي عبد فلان بثوبك هذا، أو بدراهمك ففعل حصل الملك للآمر، ورجع عليه الأمور بالقيمة أو المثل، وفي وجه لا يرجع إلا أن يشترط الرجوع.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن شراء الوكيل للموكل يصح تارة بالنية وتارة بالتصريح، ولا يكفي في هذه المسألة أن يقتصر على النية، حتى لو اقتصر عليها وقع العقد للوكيل دون الموكل، كذا جزم به الرافعي في كتاب البيع في أول الكلام على الشرط الثالث من شروط البيع، وتبعه عليه في "الروضة".
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر بعد هذا الموضع بنحو صفحة ما يشكل على ما ذكره في هذه المسألة فقال: قال لرجل: أسلم في كذا وأدِّ رأس المال من مالك ثم ارجع علىّ.
قال ابن سريج: يصح ويكون رأس المال قرضًا على الآمر.
وقيل: لا يصح، لأن القراض لا يتم إلا بالإقباض، ولم يؤخذ من المستقرض قرض.
انتهى.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: قلت: الأصح عند الشيخ أبى حامد وصاحب "العدة" أنه لا يصح.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا الذي قاله أبو العباس سهو منه، قال: وقد نص الشافعي ظنى في كتاب الصرف أن ذلك لا يجوز والله أعلم.
هذا كلامه.
وقد سبق في الكلام على شروط المبيع طرف صالح من هذه المسألة فراجعها.
قوله: ولو وكله عمرو في استيفاء دينه من زيد فقال زيد: خذ هذه العشرة قضاءًا لدين فلان [فهذا محتمل لكونه وكيله في إعطاء عمرو ولكونه أعطاه بوكالة.
انتهى] 1.
قال في "الروضة": المختار أنه عند الإطلاق إقباض بوكالة عمرو.
قوله من "زياداته": قال في "الحاوي": لو شهد لزيد شاهدان عند الحاكم أن عمرًا وكله، فإن وقع في نفس زيد صدقهما جاز له العمل بالوكالة، ولو رد الحاكم شهادتهما لم يمنعه ذلك من العمل بها، لأن قبولها عند زيد خبر، وعند الحاكم شهادة.
وإن لم يصدقهما لم يجز له العمل بها، ولا يغني قبول الحاكم شهادتهما عن تصديقه.
انتهى.
واعلم أنه ينبغي تصوير هذه المسألة بما إذا كان زيد المشهود له هو الذى ادعى وأقام الشهادة لا غيره، ففي الرافعي في باب القضاء على الغائب: أن المدعى لو تعلق بشخص وقال: أنت وكيل فلان الغائب، ولم يعلم الوكيل فقال لا أعلم، فهل للمدعي إقامة البينة على وكالته؟ وجهان:
أصحهما: لا، لأن الوكالة حق له فكيف يقام بينة بها قبل دعواه؟.
قوله: قال: اشترِ لي عبد فلان بثوبك هذا أو بدراهمك، ففعل حصل الملك للآمر، ورجع عليه الأمور بالقيمة أو المثل، وفي وجه ضعيف: لا يرجع إلا إذا شرط عليه الرجوع.
انتهى.
هذه المسألة فيها تفصيل ذكره الرافعي في الشرط الثالث من شروط البيع.
قوله أيضًا من "زياداته": الرابعة: وكله أن يتزوج امرأة، ففي اشتراط
تعينها وجهان في "البيان" وغيره، والأصح أو الصحيح الاشتراط والله أعلم.
وما قاله -رحمه الله- من تصحيح البطلان، قد رجح خلافه في كتاب النكاح في الطرف الخامس من باب بيان الأولياء وأحكامهم.
والغريب أنه أيضًا من "زياداته" كما ستعرفه.
الباب الثالث في الاختلاف
قوله: ولو وكله في شراء جارية فاشتراها الوكيل بعشرين وزعم أن الموكل أذن فيه، وقال الموكل: ما أذنت إلا في الشراء بعشرة، نظر إن وقع الشراء بالعين، ولم يذكره في العقد، وقال بعده: إنِي اشتريت له وصدقه البائع فالعقد باطل.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على البطلان إذا صدقه أن الشراء وقع للغير مع أنه لابد من شرط أخر.
ذكره في "المحرر" و"المنهاج" وهو الاعتراف بأن المال الذي اشتراه به لغيره، لأنه لو قال لغيره: اشترِ لي كذا بدراهمك فاشتراه له، ولم يصرح باسم الوكيل، بل نواه فإنه يقع لنفسه كما ذكره الرافعي في كتاب البيع في الكلام علي بيع الفضولي.
فإذا كان كذلك فلا يلزم من اتفاقهما على أن الشراء للغير أن يبطل العقد، بل لابد مع ذلك من الاتفاق على كون المال لغيره.
قوله: وإن كذبه البائع وقال: إنما اشتريته لنفسك والمال لك، حلف على نفي العلم بالوكالة.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه كيف يستقيم الحلف على نفي العلم، مع أن الحلف يكون على نفي الجواز، وهو لم يجب بنفي العلم بل أجاب بالبت.
الثاني: كيف يصح الاقتصار في التحقيق على نفي العلم بالوكالة مع أنه لو أنكر الوكالة، ولكن اعترف بأن المال لغيره كان كافيًا في إبطال البيع، فينبغي أن يحلف على نفي العلم بهما جميعًا كما يجب بهما
جميعًا، بل يكفي التحليف على المال لما ذكرناه فتأمله.
قوله: وإن كان الشراء في الذمة، نظر إن لم يسم الموكل بل نواه كانت الجارية للوكيل والشراء له ظاهر، وإن سماه فإن صدقه البائع بطل الشراء لاتفاقهما على أنه للغير، وإن كذبه وقال: أنت مبطل في تسميته، فهل يكون كما لو اقتصر على النية أم يبطل الشراء؟ وجهان: أصحهما: صحته ووقوعه للوكيل.
انتهى.
وما ذكره هاهنا من بطلان الشراء لأجل اتفاقهما على أنه للغير، وقد سبق منه في أواخر الباب الذي قبله ما يخالف فإنه قال: وأما الشراء المخالف لأمر الموكل فإن وقع بعين مال الموكل فباطل، وإن وقع في الذمة نظر إن لم يسم الموكل وقع عن الوكيل، وكذا إن سماه على أصح الوجهين، وبلغوا التسمية لأن تسمية الموكل غير معتبرة في الشراء، فإذا سماه ولم يكن صرفه إليه صار كأنه لم يسميه.
والثاني: العقد باطل.
هذا ملخص ما ذكره قبله.
قوله: فإن قبلنا قول الموكل بيمينه، فإن كان الوكيل صادقًا فالجارية للموكل، وللوكيل عليه الثمن، فهو كمن له على رجل دين فظفر بغير جنس حقه من ماله فيبيعه.
ثم قال ما نصه: وهل يباشر البيع بنفسه أم يرفع الأمر إلى القاضي حتي يبيعه؟ فيه وجهان:
الأصح هاهنا: أن له بيعها بنفسه، لأن القاضي لا يجيبه إلى البيع لأن المظفور بماله في سائر الصور يدعي المال لنفسه، وتسلط غيره عليه قد يستبعد، وهاهنا الموكل لا يدعي المال لنفسه.
انتهى كلامه.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا، وكذلك النووي في "الروضة" ومقتضاه أن الظافر بغير جنس حقه في باقي الصور لا يستقل ببيعه على
الصحيح، لكن في التحالف: أنه يستقل على الأصح.
قوله في "الروضة": فرع: دعوى الوكيل تلف المال مقبولة بيمينه قطعًا، وكذا دعواه الرد إن كان بلا جعل، وإن كان يجعل على الأصح، وقد ذكرناه في كتاب الرهن.
انتهى كلامه.
وما تلخص منه في الوكيل بالجعل من عدم الخلاف عند التلف هو ما يقتضيه كلام الرافعي أيضًا، وليس كذلك.
فقد حكى عن أبي علي الطبري أن فيه الخلاف في الرد.
وحكاه أيضًا الماوردي في كتاب الإجارة، لكن في نفس الموكل فيه كالعين التي يبيعها دون مقابله كالثمن.
وإن اختلفا في قبض الثمن فقال الوكيل: قبضته وتلف في يدي أو دفعته إليك وأنكر الموكل، فالأظهر أنهما إن اختلفا قبل تسليم المبيع فالقول قول الموكل، وإن كان بعده فالقول قول الوكيل.
ثم قال: وإذا صدقنا الوكيل فحلف ففي براءة ذمة المشتري وجهان: أصحهما عند الإمام: نعم لقبولنا قوله.
[قوله] 1: وأصحهما عند البغوي: لا، لأن الأصل عدم الأداء وإنما قبلنا من الوكيل في حقه لائتمانه.
انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله أيضًا، وما صححه الإمام قد سبقه إلى تصحيحه القاضي حسين.
قوله في المسألة: فإن قلنا بالبراءة فوجد به عيبًا رده على من شاء منهما وغرمه الثمن، ولا يرجع أحدهما على الآخر.
ثم قال: ولو خرج المبيع مستحقًا، قال في "التهذيب": يرجع المشتري
بالثمن على الوكيل لأنه دفعه إليه، ولا رجوع له على [الموكل لما مر انتهى.
وأشار الرافعى بقوله ولا رجوع له -أى للوكيل-] 1، وهو صحيح.
وأما ما نقله عن صاحب "التهذيب" وأقره عليه من اختصاص رجوع المشتري بالثمن في هذه الحالة على الوكيل، فقد قاله أيضًا القاضي حسين والمتولي، وجزم به في "الروضة" وليس الأمر كذلك فاعلمه.
فقد سبق في الكلام على العهدة أن للمشتري مطالبة الوكيل والموكل بالثمن عند خروج المبيع مستحقًا في أصح الأوجه والمذكور هنا هو أحد تلك الأوجه.
قوله: وإذا ادعى قيم اليتيم أو الوصي دفع المال إليه بعد البلوغ لم يقبل إلا ببينة على الصحيح.
انتهى كلامه.
وهو يوهم أن الأب والجد يقبل قولهما، وليس كذلك، فقد جزم ابن الرفعة في "الكفاية" بأن حكمهما كذلك وكلام الشيخ في "التنبيه" كالصريح فيه.
قوله: ومن لا يقبل قوله في الرد كالغاصب إن كان عليه بينة بالأخذ فله أن يمتنع من الدفع إلا بالإشهاد، وإلا فوجهان:
أصحهما عند البغوي: له الامتناع.
والثاني: المنع لأنه يمكنه أن يقول: ليس عندي شيء ويحلف عليه، وهذا ما أورده العراقيون.
انتهى.
عبر في "الروضة" بقوله: وبه قطع العراقيون، وليس التعبير بصحيح، فإن الماوردي من العراقيين، وقد جزم بالامتناع.
وحكى القاضي أبو الطيب وجهين، وكذلك ابن الصباغ، واختار -أي ابن الصباغ- التفصيل بين أن يؤدي إلى تأخير التسليم أم لا.
قوله: إذا كان عليه دين لزيد فقال رجل: أنا وارثه فصدقه وجب الدفع إليه على المنصوص.
انتهى.
صورة المسألة أن يقول: هو وارثه لا وارث له غيره.
كذا صرح به في "الكفاية"، وهو يؤخذ من كلامهم في الدعاوى [قوله: وإن قال أنا وكيله بالقبض منك فأقبضنيه وصدقه في دعوى] 1 الوكالة، فله دفعه، فإن دفع فحضر زيد وأنكر الوكالة فالقول قوله ويطالب الدافع، وهل له مطالبة القابض نظر إن تلف المدفوع عنده فلا.
وكذا إن كان باقيًا على الأصح، لأن الآخذ فضولي بزعمه.
وقال أبو إسحاق والشيخ أبو حامد: له مطالبته لأنه في معنى وكيل بالدفع.
ثم قال: فإن لم يصدقه [فلا يكلف الدفع إليه، فإن دفع ثم حضر زيد وحلف على نفى الوكالة غرم الدافع وكان له أن يرجع على القابض دينًا كان أو عينًا لأنه لم يصرح بصدقه] 2. انتهى كلامه.
وما اقتضاه كلامه من جواز الدفع عند التكذيب مسلم في الدين، لأن الذي يعطيه ملكه.
وأما في العين فلا، لأنه تصرف في ملك الغير، وأما ما نقله عن الشيخ أبي حامد من جواز المطالبة، فقد نقل عنه الماوردي عكسه.
قوله: وكل يقبض دين أو استرداد وديعة فقال المديون والمودع: دفعت، وصدقه الموكل، وأنكر الوكيل هل يغرم الدافع بترك الإشهاد؟ وجهان كما لو ترك الوكيل بقضاء الدين الإشهاد.
انتهى.
والأصح منهما على ما قاله في "الروضة" أنه لا يغرم.