وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في نفس اليمين
قوله: ينعقد اليمين على المستقبل والماضي، فإن حلف على ماض كاذبًا وهو عالم فهي اليمين الغموس، سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم أو في النار.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من انعقاد يمين الغموس قد تابعه عليه في "الروضة"، وذكر ابن الصلاح في "مشكل الوسيط": أنها غير منعقدة عندنا، وأنا نوافق أبا حنيفة في عدم انعقادها، قال: ونحن نعتبر في وجوب الكفارة مجرد العقد والحنث، وقد وجد أولًا تعبير الانعقاد أي تعبير عقدها لا انعقادها، وذكر الماوردي نحوه فقال: فإذا ثبت وجوب الكفارة في اليمين الغموس ففي يمين محلولة غير منعقدة أولى، هذه عبارته.
قوله في "الروضة": ويستحب للمخاطب إبرار الحالف فإن لم يفعل وحنث الحالف لزمه الكفارة.
انتهى.
والذي يلزمه الكفارة هو الحالف لا المحلوف عليه خلافًا لأحمد.
ولفظ "الروضة" موهم، وقد استدرك على الرافعي فقال: هذا إذا لم يكن في الإبرار مفسدة بأن يضمن ارتكاب محرم أو مكروه، وكلامه يقتضي: أن المستحب الذي لا يكره تركه يستحب إبرار الحالف على تركه، وليس كذلك فسيأتي في الباب الثاني أن الحلف على تركه والإقامة عليها مكروهان.
فإذا كان الأمر كذلك في حق نفسه فبطريق الأولى في حق غيره.
قوله من "زوائده": ويكره السؤال بوجه الله تعالى ورد من سأل به للحديث المعروف فيهما.
انتهى كلامه.
والحديثان المشار إليهما ما رواه أبو داود عن جابر أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة" 1.
وروى أبو داود أيضًا بأسانيد الصحيحين: "من سأل بالله تعالى فأعطوه" 2، وقد علمت من الحديث الأول استثناء الجنة، وقد صرح به المصنف في "الأذكار".
قوله: وإذا عقد اليمين بمشيئة الله تعالى لم يحنث، وهل نقول: اليمين منعقدة؟ منهم من قال: نعم، لكن المشيئة غير معلومة فلا يحكم بالحنث، هكذا نقل القاضي الروياني.
ومنهم: من يطلق القول بأنها غير منعقدة، وهكذا نقل صاحب "التهذيب".
انتهى.
لم يصحح منهما شيئًا في "الروضة" أيضًا، والصحيح عدم الانعقاد كما قاله البغوي كذا جزم به الرافعي في الباب الرابع من أبواب الطلاق فقال: وكذا يمنع الاستثناء انعقاد التعليق كقوله: أنت طالق إذا دَخَلْت الدار إن شاء الله تعالى.
ويمنع انعقاد النذر واليمين وصحة العفو عن القصاص والبيع وسائر التصرفات، وذكر في "المحرر" و"المنهاج" نحوه.
قوله: فإن قصد الاستثناء في خلال اليمين ففيه وجهان ذكرناهما في كتاب الطلاق، وممن صحح هذا الاستثناء: الداركي والقاضيان أبو الطيب والروياني، وممن لم يصححه: أبو الحسن ابن المرزبان وابن كج.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الخلاف الذي أشار إليه الرافعي في الطلاق محله في أول الباب الرابع المعقود للاستثناء، والخلاف الذي هناك غير الخلاف المذكور هنا، فإن الخلاف هناك محله إذا وجدت منه الاستثناء بعد فراغ اليمين، ومحله هنا إذا وجدت النية في أثنائها، فهما مسألتان فراجعه من هناك.
الأمر الثاني: أن نُسخ الرافعي عارية من الواو بين أبي الحسين وابن المرزبان على جعل الثاني بدلًا من الأول، فإن ابن المرزبان كنيته أبو الحسين، وأتى في "الروضة" بابن القطان عوضًا عن أبي الحسين، وجعلهم ثلاثة وليس الأمر كذلك، وإن كان ابن القطان كنيته: أبو الحسين.
قوله من "زوائده": والصحيح تعميم الاستثناء للحمل.
انتهى.
وهذه المسألة قد ذكرها -رحمه الله- في ثلاثة مواضع:
أولها: في الوقف.
وثانيها: في الباب الرابع من أبواب الطلاق.
وثالثها: في هذا الموضع.
واختلف فيها كلامه وكلام الرافعي فراجعه مما سبق.
قوله: وقول القائل: إن فعلت كذا فأنا يهودي، أو بريء من الله تعالى، أو من رسول الله، أو من الإسلام، أو من الكعبة، أو مستحل الخمر يتضمن تعظيم الإسلام وإبعاد النفس عن اليهود، ثم قال: هذا إذا قصد القائل تبعيد النفس عن ذلك، فأما من قال ذلك على قصد الرضى باليهود
وما في معناه، إذا فعل ذلك الفعل فهو كافر في الحال.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره في القسم الأول من اشتماله على تعظيم الإسلام وإبعاد النفس عن اليهود، قد ذكر قريبًا منه في "الروضة"، وهو يقتضي أن لا يكون حرامًا، ثم خالف -أعني: النووي- في كتاب "الأذكار" فجزم بالتحريم، فقال في آخر الكتاب: فصل: يحرم أن يقول إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام أو نحو ذلك، فإن قاله وأراد حقيقة فعله وخروجه عن الإسلام بذلك، صار كافرًا في الحال، وجرت عليه أحكام المرتدين، وإن لم يرد ذلك لم يكفر لكنه ارتكب محرمًا فتجب عليه التوبة، هذه عبارته.
وذكر أيضًا الماوردي في "الحاوي" ما حاصله: التحريم على وفق ما في "الأذكار" -فليؤخذ به.
الأمر الثاني: أن كلام "الشرح" و"الروضة" ساكت عن حالة الإطلاق كمن مات عقب ذلك أو غاب وتعذر مراجعته، هل نحكم بالكفر فيها أم لا؟ والقياس يقتضي التكفير إذا عري عن القرائن الحاملة على غيره؛ لأن اللفظ بوضعه يقتضيه، وكلام النووي السابق نقله عن "الأذكار" يقتضي أنه لا يكفر بذلك، والقياس خلافه.
قوله: وأما: تالله بنقطتين من فوق فمنهم من قال: ليس بيمين، والأظهر: القطع بأنه يمين، واختلفوا في تأويل الأول، فمنهم من حمله على ما إذا قال له القاضي: قل: بالله، الموحدة فأتى بالمثناة لا تحسب للمخالفة، قال القفال بخلاف العكس، فإنه يحسب لكثرة استعماله، ولو أمره بالموحدة فأتى بالواو، قال الإمام: فيه تردد لأنهما لا يكادان يتفاوتان في مجرى الكلام ولا يمتنع أن لا يحسب للمخالفة، وهذا المعنى يأتي أيضًا في
صور القفال.
انتهى.
واعلم أن التردد الذي ذكره الإمام ذكره القاضي الحسين، وطرده في ما إذا أمره بالموحدة فأتى بالمثناة، وجميع ما نقلته عن الرافعي ليس فيه لفظة "يحنث" بالمثلثة في آخره، بل "يحسب" بالسين، فاعلم كل ما ذكرته.
قوله: لو قال: بالله، فشدد اللام كما كانت وحذف الألف بعدها فهو غير ذاكر لاسم الله تعالى، ولا حالف لأن البلة هي الرطوبة، فلو نوى بذلك فقال "الشيخ أبو محمد" و"الإمام" و"الغزالي": هو يمين ويحمل حذف الألف على اللحن؛ لأن الكلمة تجري كذلك على ألسنة العوام والخواص.
انتهى.
وقد وافق في "الروضة" على خطأ إطلاق هذه اللفظة لهذا المعنى ولكن نازع في تسميته لحنًا فقال: ينبغي أن لا يكون يمينًا لأن اليمين لا يكون إلا باسم الله تعالى أو صفته، ولا يُسلم أن هذا لحن لأن اللحن مخالفة صواب الإعراب، بل هذه كلمة أخرى، وما ذكراه معًا ليس كذلك بل هي لغة أخرى حكاها الزجاجي وكذا حكاه عنه "ابن الصلاح".
قوله: النوع الثالث: ما يطلق في حق الله تعالى وفي حق غيره ولا يغلب استعماله في الطرفين كالنبي والموجود والحي والمؤمن والكريم وما أشبهها، فلا يكون يمينًا إن نوى به غير الله تعالى أو أطلق، فإن نوى به الله تعالى فالذي أورده صاحب "المهذب" و"التهذيب" وغيرهما: أنه يكون يمينًا، ثم قال: والأظهر وبه أجاب الشيخ أبو حامد وابن الصباغ والعراقيون وتابعهم الإمام والغزالي: أنه لا يكون يمينًا، ووجهوه بأن اليمين إنما ينعقد إذا حلف باسم مُعَظّم.
انتهى كلامه.
وما صححوه هنا من عدم الانعقاد ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وعبر: بالأظهر أيضًا، ثم خالف في "المحرر" فجزم بالانعقاد وهو الذي
صححه النووي في كتبه.
قال المتولي: إذا حلف بالمصحف فإن قال: وحُرمة ما هو مكتوب فيه: فهو يمين، وكذا لو قال: وحرْمة هذا المصحف، لأن احترامه بحرمة ما هو مكتوب فيه، وإذا أراد الرق والجلد لم يكن يمينًا.
انتهى.
قال في "الروضة": لم يتعرض لما إذا قال: والمصحف وأطلق فهو يمين، صرح به بعض الأصحاب وبه أفتى الدولعي، قال: لأن الحالف إنما يقصد القرآن المكتوب فيه لا الورق والمداد.
انتهى.
ومراد النووي بالإطلاق: أن لا ينوي القرآن مع كون التصوير كما ذكره يعني من حذف لفظ الحرمة.
إذا علمت ذلك ففيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن الدولعي ليس مطابقًا للتصوير، ويدل عليه التعليل الذي ذكره.
الثاني: أن ما قاله في "الروضة" من كونه يمينًا عند الإطلاق مع حذف لفظة "الحرمة" خلاف المشهور.
فقد جزم القاضي الحسين في "تعليقه" و"فتاويه" بأنه لا يكون يمينًا، ورأيته في أوائل "شرح التلخيص" للشيخ أبي علي مجزومًا به ومنقولًا عن الأصحاب، [ورأيته في "أدب القضاء" لابن أبي الدم مجزومًا به أيضًا ومنقولًا عنهم] 1 وزاد فقال: وقال: الشيخ أبو زيد: لو حلف بما في هذا المصحف لم يكن يمينًا، لأن الذي فيه سواد وبياض، قال: لو حلف بالذي أنزل القرآن على محمد، ففيه وجهان: مقتضى كلام ابن الصلاح في "فتاويه" والماوردي في "الحاوي": انعقاد الحلف بالمصحف، وحكى
الشيخ أبو حامد في "تعليقه": وجهين في ما إذا حلف به ناويًا المتلو وهو القرآن.
وحكى الماوردي في "الحاوي": وجهين في أنه هل يجزئ الحلف به عن الحلف بالله تعالى أم لا؟
أحدهما: نعم لاشتراكهما في الحنث بهما، والوجهان غريبان.
قوله: ولو قال: أقسمت بالله، ثم قال: أردت به [يمينًا] 1 ماضية قُبل في الباطن، وأما في الظاهر: فإن علم قُبِل، وإن لم يعلم: فالنص أنه يُقبل وكذلك في إرادة الوعد كقوله: أُقسم، وقال في الإيلاء: إذا قال: أقسمت بالله لا وطئتك، ثم ادعى ذلك أنه لا يُقْبل، وفي المسألتين ثلاث طرق: أشهرها قولان: أصحهما: القبول لظهور الاحتمال.
والثاني: القطع بالمنع.
والثالث: تقرير النصين، والفرق أن الإيلاء متعلق بحق المرأة بخلاف سائر الأيمان.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره في الإيلاء من ترجيح القبول، قد ذكر فرعين يشكلان عليه:
أحدهما: في أول هذا الباب فقال: وإذا حلف وقال: لم أقصد اليمين، صُدِّق، وفي الطلاق والعتاق والإيلاء لا يُصَدَّق في الظاهر لتعلق حق الغير به، هذا لفظه.
والفرع الثاني: ذكره في آخر باب ما يقع به الحنث في أول الفروع الزائدة على فروع "الوجيز" فقال: حلف لا يدخل الدار، ثم قال: أردت شهرًا أو يومًا، فإن كانت اليمين بالطلاق أو العتاق: لم يقبل في
الحكم، ويلحق بهما الإيلاء لتعلقه بحق الآدمي، [وإن كانت اليمين بالله تعالى ولم تتعلق بحق الآدمي] 1 قُبِل ظاهرًا وباطنًا.
انتهى.
وتبعه في "الروضة" على هذه المواضع.
قوله: وإذا أراد اليمين بهذه الألفاظ انعقدت يمينًا واحدة، والجمع بين الألفاظ تأكيد كقوله: والله الرحمن الرحيم، فلا يتعلق بالحنث فيها إلا كفارة واحدة، ولك أن تقول: إن قصد بكل لفظ يمينًا، فليكن كما لو حلف على الفعل الواحد مرارًا.
انتهى.
وما ذكره بحثًا رأيته في "الاستذكار" للدارمي نقلًا عن ابن القطان، فقال: إذا نوى التكرار ففي تكرر الكفارة القولان في من حلف على الفصل الواحد مرارًا وطرده أيضًا في قوله: والله الرحمن الرحيم، ونقله أيضًا في "الروضة" عنه.
قوله: وفي نذر اللجاج والغضب ثلاثة أقوال:
أحدها: تلزمه كفارة يمين.
والثاني: الوفاء.
والثالث: يتخير.
وإيراد العراقيين يقتضي أن يكون المذهب هو التخيير، لكن الأصح على ما ذكره صاحب "التهذيب" وإبراهيم المروروذي والروياني والموفق ابن طاهر وغيرهم: وجوب الكفارة.
انتهى ملخصًا.
لم يصرح في "الشرح الصغير" أيضًا بتصحيح، وصحح في "المحرر" وجوب الكفارة، وعبر بالأصح، ذكره في كتاب النذر، وقد نقل في "الروضة" أيضًا هذه المسألة إلى النذر، وصحح من "زوائده" قول التخيير.
قوله: وأما إذا قال: إن كلمت فلانًا، أو فعلت كذا فمالي صدقة، فالمذهب الذي قاله الجمهور ونص عليه الشافعي: أنه بمنزلة قوله: فعليَّ أن أتصدق بمالي، وطريق الوفاء أن يتصدق بجميع أمواله.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أن طريقه هو الصدقة بالجميع.
فيه كلام تعرفه قريبًا في أوائل كتاب النذر فراجعه.
فصل في لغات الباب
منها: ايم الله، بضم الميم وكسرها، والضم أشهر.
ومنها لاها الله: بالمد والقصر.
ومنها: نذر الغلق، ويمين الغلق: اسم لنذر اللجاج.
هو بفتح الغين المعجمة وفتح اللام.
لأنه يغلق به باب الفعل أي يسده.
ومنها: رتاج الكعبة، براء مكسورة ثم بالمثناة من فوق والجيم، هو بابها، وقيل: غلق بابها، وكذلك الرتج أيضًا بفتح الراء والتاء، وهما في اللغة اسمان للباب العظيم كما قاله الجوهري، قال: ويقال: إنه الباب المغلق وفيه باب صغير.
الباب الثاني: في كفارة اليمين
قوله: وفي السبب الموجب للكفارة وجهان:
أحدهما: أنه اليمين إلا أنها توجب عند الحنث، كما يوجب ملك النصاب الزكاة عند انقضاء الحول، وكأن من قال به جعل الحنث شرطًا.
وأظهرهما عند عامة الأصحاب: أن السبب هو اليمين والحنث جميعًا.
انتهى.
وللخلاف فوائد منها: جواز التكفير بالصوم قبل الحنث وفيه وجهان:
إن قلنا: أنها تجب باليمين جاز، وإن قلنا: تجب بهما وهو الصحيح فلا؛ لأن العبادات البدنية لا يجوز تقديمها على وقتها.
ومنها: إذا أراد العبد أن يكفر بالصوم بغير إذن سيده، وكان قد حلف بإذنه، فإن قلنا: إنها تجب باليمين جاز، وليس للسيد منعه.
وإن قلنا: بهما، وهو الصحيح فلا يصح، وللسيد منعه أيضًا.
وذكر بعضهم من فوائده أيضًا: ما إذا حلف ليفعلن كذا غدًا، فمات قبل الغد.
فإن قلنا: إن الكفارة تجب باليمين وجبت عليه، وإن قلنا: بهما وهو الصحيح فلا.
واعلم أن الإمام حكى وجهًا ثالثًا أن الكفارة تجب باليمين، ووقت وجوب إخراجها الحنث، قال: وهو كلام سخيف.
وحكى الماوردي رابعًا: أنها تجب بالحنث وحده لتعلقها بحل ما عقده،
واليمين شرط، قال: وهو الظاهر من مذهب الشافعي، ثم قال: والصحيح عندي اعتبار حال اليمين، فإن كان عقدها طاعة وحلها معصية وجبت الكفارة بالحنث وحده، وإن كان عقدها طاعة وحلها طاعة وجبت باليمين والحنث، ذكر ذلك في فصل أوله: فإذا ثبت وجوب الكفارة.
وهو وجه خامس، وقد سكت عما إذا كان عقدها وحلها مباحين إلا أنه قال في هذه الصورة قبل ذلك: إن الكفارة تتعلق باليمين وإنها بالحنث أحق، ويظهر مجيء ذلك هنا.
قوله: وإن كان الحنث بارتكاب محظور بأن حلف لا يشرب الخمر، فهل يحل التكفير قبل الشرب؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال ابن القاص: المنع؛ لأنه يتطرق به إلى ارتكاب محظور، وهذا أرجح عند صاحب "التهذيب".
والثاني: يجوز لوجود أحد السببين والتكفير لا يتعلق به استباحة ولا تحريم، وهذا أقيس وأظهر عند الشيخ أبي حامد والإمام والروياني وغيرهم.
انتهى كلامه.
ومقتضاه ترجيح الجواز، وقد صرح به في "الشرح الصغير" فقال: إنه أظهر الوجهين، وصحح في "المحرر" المنع، فقال: ولا يجوز إن كان الحنث محرمًا على الأصح، هذا لفظه، واستدرك عليه في "المنهاج" فصحح الجواز.
قوله: ولا يجوز تقديم كفارة القتل، وجزاء الصيد على الجرح بحال، وعن أبي الطيب ابن شملة إثبات احتمال فيه تنزيلًا للعصمة وتحريم القتل بمنزلة أحد السببين، وحكى ابن كج في جزاء الصيد أيضًا، وجهًا أنه يجوز تقديمه على جرح الصيد، ووجهًا آخرًا أنه إن كان يقتله مختارًا بلا ضرورة.
لم يجز التقديم، وإن اضطره الصيد إليه فيجوز.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة"، وحاصله: أنه لا يجوز للمحرم أن يفدي الصيد [قبل جرحه، سواء اضطره الصيد] 1 إلى القتل أم لا.
إذا علمت ذلك فاعلم أن الصيد إذا ألجأ المحرم إلى القتل، فإن كان لصيال منه فلا كفارة، وإن كان لافتراسه في الطريق، ولم يتأت المشي إلا بقتله فكذلك في أصح القولين، وحينئذ فنقول: ما ذكره الرافعي من المنع من التقديم عند الاضطرار غير مستقيم، أما في الأولى وعلي المذهب في الثانية: فلأنه لا كفارة حتى يمنع تقديمها، وأما على القول الضعيف القائل بالوجوب: فلأنه قد صحح بعد ذلك بدون الصفحة في الحلق وغيره ما يخالفه، فقال: وإن وجد سبب يجوزها، بأن كان في رأسه أذى واحتاج إلى الطيب لمرض أو إلى لبس المخيط لشدة البرد ففي جواز التقديم وجهان، والظاهر الجواز.
هذا لفظه.
وحينئذ فقياس الصيد على هذا تصحيح الجواز واعلم أنه إذا اضطر إلى أكل الصيد، أو ركبه صائل تجب عليه على الصحيح.
فإن أراد الرافعي هذه الصور ونحوها وفيه تعد لم يستقم تصحيح امتناع التقديم لما ذكرناه من كونه كالحلق ونظائره في وجود السبب، بل أولى؛ لأن السبب في المضطر واجب الفعل، وكذلك في المصول عليه إذا كان الصائل كافرًا مطلقًا ومسلمًا قصد التحريم، والطفل ونفسه على قول مشهور.
قوله: الرابعة: يجوز تعجيل المنذور إذا كان ماليًا، كما إذا قال: إن شفا الله مريضى أو رد غائبى فلله علي أن أعتق عبدًا أو أتصدق بكذا يجوز تقديم الإعتاق والصدقة على الشفاء ورجوع الغائب، وفي "فتاوى القفال" ما ينازع فيه.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من الجواز حتى أشعر كلامه باستغراب خلافه غريب.
فقد سبق منه في باب تعجيل الزكاة أن الأصح المنع، وسبق ذكر لفظه هناك فراجعه.
قوله: المسألة الثانية: الأيمان مكروهة إلا إذا كانت [في طاعة] 1 كالبيعة على الجهاد وكما قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "والله لأغزون قريشًا" 2، ويستثنى أيضًا الأيمان الواقعة في الدعاوى إذا كانت صادقة فإنها لا تكره.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من عدم وجوب اليمين في الدعاوى فيه تفصيل أذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى.
قال في "الروضة": ولا يكره أيضًا اليمين إذا دعت إليه حاجة كتوكيد كلام، وتعظيم أمر كقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحديث الصحيح: "فوالله لا يمل الله حتى تملوا" 3 وفي الحديث الآخر: "والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا" 4.
قوله: وإذا كفّر بالصوم لم يجب التتابع على الجديد، فإن أوجبناه
فأفطرت المرأة بعذر الحيض فقد قيل: لا ينقطع التتابع، كما في صوم الشهرين.
وقيل: ينقطع بالانقطاع؛ لأن تبعيد الأيام الثلاثة عن الحيض ممكن بخلاف الشهرين.
وقيل: الحيض هاهنا كالمرض هناك ففي قطعه التتابع قولان، والظاهر: أنه يقطع التتابع.
انتهى.
والصحيح من هذه الطرق: طريقة القطع بالانقطاع كذا صححه النووي في "أصل الروضة" وكلام الرافعي لا يؤخذ منه ذلك، فإن الذي ذكره إنما هو ترجيح للحكم من حيث الجملة، ولم ينص على الترجيح في خصوصية الطرق.
قوله من "زوائده": ويجزئ المنديل، صرح به أصحابنا، والمراد به هذا المعروف الذي يحمل في اليد، وقد صرح الدارمي بأن كل واحد من المنديل والعمامة يجزئ.
انتهى كلامه.
واعلم أن كثيرًا من الناس يستغرب كلام "الروضة" هاهنا فإن العمامة قد ذكرها الرافعي قبل هذا، وأما المنديل فمصرح به في أشهر الكتب وهو "التنبيه".
والجواب: أن كثيرًا من المشارقة الماضين وإلى الآن يطلقون المنديل على العمامة، فنص -رحمه الله- على إجزاء المنديل بالاصطلاح المعروف، وأكد دفع الاحتمال بجمع الدارمي بينهما فتفطن لذلك.
وما ذكره من الجمع بينهما ذكره أيضًا الروياني في "البحر" فقال: روى أبو يوسف ومحمد بن الحسن أن السراويل لا تجزئ لأنه تبع لغيره فرد عليهما بقوله: وهذا مبطل بالعمامة والمنديل.
هذه عبارته.
لكنه حكى في "القلنسوة"، ثلاثة أوجه.
ثالثها: إن كانت صغيرة تغطي قحف الرأس خاصة أي كالقبع والطاقية فلا تجزئ وإن كانت كبيرة تعم الرأس وتغطي الأذن والقفا فتجزئ.
ثم قال: والمذهب عدم الإجزاء مطلقًا لأنها تابعة تلبس تحت العمامة.
هذا كلامه.
قوله: ولا يجزئ الدرع والخف والمكعب والجورب في أظهر الوجهين.
وفي النعل طريقان: أشبههما على ما ذكر صاحب "الكتاب": إجراء الخلاف.
والثاني: القطع بالمنع.
انتهى.
والراجح: طريقة الخلاف كما ذهب إليه الغزالي، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالأظهر، والنووي في "أصل الروضة".
والمكعب: هو المداس.
والجورب: سبق ذكر تفسيره في مسح الخف.
والدرع: قميص لا كُمّ له.
ومن المعلوم إطلاقه أيضًا على الدرع من الحديد، وفيه أيضًا وجهان حكاهما ابن الرفعة في "المطلب"، وصحح المنع.
قوله من "زوائده": قال الدارمي: فإذا دفع ما لا يعتاد لبسه كجلود ونحوها لم تجزئه.
والله أعلم.
ومفهوم هذا الكلام أنه إذا اعتيد ذلك أجزأ.
وقد جزم به الماوردي في "الحاوي الصغير" وحكى وجهين من غير ترجيح في ما إذا لم يعتد ذكر ذلك في الجلود واللبود والفراء.
وذكر مثله صاحب "البحر" أيضًا، وقد تعرض الرافعي للبد، ونقل عن الصيدلاني: إجزاءه حيث اعتيد ذلك.
قوله: ولو أعتق المكاتب عن كفارته بإذن السيد ونفذنا تصرفاته إذا صدرت عن إذنه، قال الصيدلاني: الذي ذكره الأصحاب أن ذمته تبرأ عن الكفارة، والذي عندي فيه أن الأمر موقوف؛ لأنه قد يعجز فيرق فيكون الولاء موقوفًا، فوجب التوقف عن الكفارة.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على هذا النقل عن الأصحاب، ومقتضاه تصحيح عدم التوقف، لكنه قد صحح التوقف في كتاب الكتابة، وسوف أذكر لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله: والكفارة على التراخي.
اعلم أن هذه المسألة مذكورة في الرافعي و"الروضة" في مواضع كثيرة واختلف فيها -إذا كان سببها معصية- كلامهما معًا.
وقد تقدم إيضاح ذلك في كفارة الظهار فراجعه.
قوله: أما إذا مات العبد وعليه كفارة يمين فللسيد أن يكفر عنه بالإطعام أو بالكسوة.
فإن قلنا: إن العبد لا يملك بالتمليك لأن التكفير عنه في الحياة يتضمن دخوله في ملكه، والتكفير بعد الموت لا يستدعي ذلك وليس للسيد ملك محقق، فإن الرق لا يبقى بعد الموت فهو والحر سواء.
هذا ظاهر المذهب.
قال الإمام: ويتطرق إليه احتمال أنه لا يجوز.
انتهى.
واعلم أن النووي -رحمه الله- قد علل هذا الحكم بقوله: لأن التكفير عنه في الحياة يتضمن دخوله في ملكه والتكفير بعد الموت لا يستدعي ذلك؛ لأنه ليس للميت ملك محقق؛ ولأن الرق لا يبقى بعد الموت
فهو والحر سواء، وهذا ما قطع به الأصحاب، وفيه احتمال للإمام.
هذا لفظه.
وقد ظهر لك أن التعليل الثاني قد تحرف عليه لفظه واشتبه، ولزم من تحريفه ذكر ثلاث علل، وإنما ذكر الرافعي علتين.
والتعليل الأول في كلام الرافعي مشكل بما اقتضاه كلامه في الوصية من أن الوارث إذا أعتق من مال نفسه عن ميته صح وكان الولاء للميت.
ووجه الإشكال أن إثبات الولاء متوقف على الملك، فإن كان الأمر كما قاله هنا من أن التكفير بعد الموت لا يستدعي الدخول في الملك فلا ولاء له.
وأما التعليل الثاني: فقد نازع فيه الشيخ أبو علي السنجي فجزم بأن الرق لا يزول بالموت، كذا رأيته في "شرح التلخيص" له.
قوله: وإذا وَفّت التركة بحقوق الله تعالى وحقوق الآدميين قضيت جميعها، وإن لم توف نظر إن تعلق بعضها بالعين وبعضها بالذمة، فيقدم ما تعلق بالعين سواء اجتمع النوعان أو تجرد أحدهما.
فإن اجتمع النوعان والكل متعلق بالعين أو بالذمة فيقدم أولًا حق الله تعالى أو حق الآدمي أو يتساويان؟ فيه أقوال ذكرناها في مواضع.
انتهى كلامه.
وحاصله تخصيص الأقوال بما إذا تعلقا معًا بالعين أو بالذمة حتى إذا مات وعليه زكاة والنصاب باق فتقدم الزكاة قطعًا، وهذا الذي جزم به هنا من التخصيص قد اختلف فيه كلامه وكلام "الروضة" أيضًا.
وقد تقدم مبسوطًا في الزكاة قُبَيْل باب أداء الزكاة فليراجع منه.
قوله: وإذا لم يكن للميت تركة فتبرع الأجنبي بالإطعام أو الكسوة عنه
من مال نفسه ففيه وجهان: أظهرهما: الجواز، ثم قال: وفي الإعتاق في الكفارة المخيرة طريقان:
أحدهما: أنه على الوجهين.
والثاني: القطع بالمنع.
انتهى.
والصحيح من حيث الجملة: أنه لا يصح، كذا صححه هنا الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "أصل الروضة"، وقد تقدم في كتاب الوصية من كلام الرافعي ما يدل عليه أيضًا.
قوله في المسألة: ووجه منع الإعتاق بمعنيين:
أحدهما: أن التكفير بغير الإعتاق متيسر فلا يعدل إلى الإعتاق لما فيه من عسر إثبات الولاء.
والثاني: أن فيه إضرارا بأقارب الميت من حيث إنهم يؤاخذون بجناية معتقه فيمنع منه الأجنبي، فإن كان المعتق وارثا فوجهان بناء على المعنيين، إن قلنا بالأول: فيجوز وهو الأظهر، وإن قلنا بالثاني: فلا.
انتهى كلامه بحروفه.
والتفريع المذكور في آخر كلامه ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا وهو على العكس، والصواب أن يقول: إن قلنا بالأول: فيمتنع، وإن قلنا بالثاني: فلا، وقد ذكره في "الروضة" كذلك إلا أنه أهمل التصحيح فلم يذكره بالكلية وهو عجيب.
الباب الثالث: فيما يقع به الحنث
وفيه أنواع:
النوع الأول: الدخول والمساكنة
قوله: ويجوز أن لا يعد الشخص داخلًا ولا خارجًا كما أن من دخل ببعض بدنه أو خرج ببعضه لا يحنث في يمين الدخول والخروج.
انتهى.
وفي هذا الكلام تفصيل، ذكر بعضه في أثناء الحلف على الدخول.
فنقول: كلامه هذا مشتمل على مسألتين:
الأولى: أن يكون خارج الدار فيحلف على الدخول، فينظر: إن حلف على الإتيان به فأدخل رأسه أو يده أو رجليه وهو قاعد ونحو ذلك لم يبر.
وإن أدخل رِجْلًا واحدة، فإن اعتمد على الخارجة -أي كان قواه عليها بحيث لو رفع الداخلة لم يسقط فإنه لا يبر أيضًا، كما قاله البغوي في "فتاويه".
وإن اعتمد على الداخلة بر، وإن اعتمد عليهما ففيه نظر.
وإن حلف على النفي فيكون الحكم بالعكس من الإثبات، فإذا أدخل يده مثلًا أو رجله من غير اعتماد لم يحنث، وإن كان مع الاعتماد حنث، فإن اعتمد عليهما ففيه نظر.
ولو اضطجع وأخرج بعض بدنه فيحتمل اعتبار الأكثر بالمساحة، ويتجه اعتباره بالنقل لأن استقراره في الحقيقة عليه فأشبه الاعتماد على الرِّجْل.
قوله: والحالف على أن لا يدخل لا يحنث بدخول الطاق المعقود خارج الباب؛ لأنه لا يقال دخل؛ وقيل: يحنث؛ لأنه من الدار، ألا ترى أنه يدخل في بيعها.
انتهى.
والطاق في عرف أهل بغداد رحبة خارجة عن الباب عليها عقد معقود، والباب في صدر تلك الرحبة.
قال الإمام: والذي أراه أن محل الخلاف في الطاقات التي هي أمام أبواب العظماء نهيًا للأتباع الذين لا يحجبون، فأما الأبراج التي تخرج فيه وابتدأ إلى الشارع وليست من تربيع الدار فلا يحنث بها وجهًا واحدًا.
قوله: ولو حلف لا يتزوج وهو متزوج، أو لا يتطهر وهو متطهر، أو لا يتوضأ وهو متوضيء فاستدام النكاح والطهارة والوضوء لا يحنث.
انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وجزم في "المحرر" بالحنث، قال في "المنهاج" من "زوائده": وهذا غلط للذهول.
والأمر كما قاله، فقد نص الشافعي في "الأم" على عدم الحنث في هذه المسائل، ونقله عنه القاضي أبو الطيب في "تعليقه".
قوله في "الروضة": وهل استدامة الطِّيب تَطَيّب؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا، وذكر الوجهين في ما لو حلف لا يطأ وهو في خلال الوطء فلم ينزع، أو لا يصوم وهو شارع في الصوم، أو لا يصلي وهو في خلال الصلاة.
ويتصور ذلك في ما لو حلف ناسيًا.
انتهى.
ومقتضى هذا الكلام تصحيح عدم الحنث في الجميع، وليس مطابقًا لكلام الرافعي فإنه إنما عبر بقوله: وذكر وجهين أيضًا، أعني بدون "أل" واعلم أن مسألة الصلاة لها صورة أخرى، وهو ما إذا كان أخرس فحلف بالإشارة فإن الصلاة لا تبطل كما يعرف من كلامهم في الطلاق.
قوله: قال في "التهذيب": لو حلف لا يغصب لم يحنث باستدامة
المغصوب في يده.
انتهى كلامه.
وهذا الحكم الذي نقله عن "التهذيب" وأقره عليه مشكل، فإنه يصدق أن يقال: غصبته شهرًا وسنة ونحو ذلك، وقد صرح الأصحاب في باب الغصب وفي مواضع كثيرة أن الغاصب في دوام الغصب غاصب، فوجب القطع بالحنث، وقد جزم به الماوردي في "الحاوي" فلتكن الفتوى عليه.
وقد اغتر النووي بهذا النقل فظنه صحيحًا من جهة المعنى، ومجزومًا به عند الأصحاب فأطلقه في "الروضة" من غير إعزائه إلى "التهذيب" فزاد الأمر خللًا وإيهامًا فليجتنب.
قوله: ولو حلف لا يسافر وهو في السفر فتوقف أو أخذ في العود في الحال لم يحنث، وإن سافر على وجهه حنث، وكأن الصورة في من حلف على الامتناع من ذلك السفر، وإلا فهو في العود مسافر.
انتهى كلامه.
وما ذكره من حمل العود على هذه الصورة قد تابعه عليه في "الروضة" وهو ذهول عن المنقول، فقد جزم الماوردي في "الحاوي" بأنه لا يحنث، وعلله بقوله: لأنه قد أخذ في ترك السفر.
وحكى وجهين في ما لو أقام بمكانه:
أحدهما: يحنث، لبقائه على السفر.
والثاني: لا، لِكَفِّه عن السير.
واعلم أنه لابد في الوقوف من النظر في أنه وقف ناويًا للإقامة أو قاصدًا لشيء لا يقطع السفر.
قوله: وأصح الوجهين أن الخيام في حق القروي بيت.
ثم قال: واعترض عليه بأن من حلف ببغداد وغيرها أن لا يركبن دابة، لا يحنث بركوب الحمار، وإن كان أهل مصر يسمونه دابة.
ولو كان بيوت العرب عند قوم تقتضي التعميم لكان يحنث.
انتهى.
وهذه المسألة -أعني: ركوب الحمار- قد أسقطها من "الروضة"، والحكم فيها لا يعرف إلا بتنصيص كما قاله الرافعي في الخيام، وكما قالوه في الوصية أنه يعطى إليه الحمار، وإن كان الموصي في غير مصر على الصحيح.
قوله: ولو حلف لا يسكن، فمكث مشتغلًا بأسباب الخروج، بأن انتهض لجمع المتاع، وبأمر أهله بالخروج وبلبس ثوب الخروج فهل يحنث؟ فيه وجهان:
أحدهما وينسب إلى العراقيين: نعم، لأنه أقام فيها مع التمكن من الخروج.
وأرجحهما عند كثير من المعتبرين وربما لم يذكروا سواه: المنع وبه قال القفال، ويؤيده ما ذكروا أنه لو خرج في الحال ثم عاد لنقل متاع أو زيارة أو عيادة مريض لا يحنث.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح عدم الحنث كذا جزم به في "المحرر"، وقال في "الشرح الصغير": إنه الأظهر.
وفي "الروضة": إنه الأصح، ولم يُنَبِّه فيها على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
واعلم أن كلام الرافعي يقتضي التوقف في نسبة الحنث إلى العراقيين، وليس فيه وقفة فإن كتبهم مصرحة بذلك، فقد جزم به شيخهم الشيخ أبو حامد والماوردي وابن الصباغ وصاحب "البيان" حتى أنهم جعلوا المسألة خلافية بيننا وبين الحنفية.
الأمر الثاني: أنه قد جعل من هذه الصور الاشتغال بلبس الثياب، وفيه نظر، فقد جزم الماوردي فيه: بأنه لا يحنث مع جزمه بالحنث في الاشتغال بجمع المتاع ونحوه، وهو ظاهر فإن الاستنابة فيه ممكنة بخلاف اللبس.
قوله: فإذا قال: والله لا أساكن فلانًا، فمكث الحالف وبنى بينهما حائلًا ولكل واحد من الجانبين مدخل أو أحدثًا مدخلًا، فوجهان:
أحدهما: لا يحنث لانشغاله برفع المساكنة، وهذا ما رجحه في "التهذيب".
وأصحهما عند الجمهور: الحنث، لحصول المساكنة إلى أن يتم البناء من غير ضرورة.
انتهى كلامه.
وما ذكره من ترجيح الحنث ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا، وأطلق الأصح من غير نقله عن الجمهور، وخالف في "المحرر" فقال: أظهر الوجهين أنه لا يحنث، وتبعه النووي في "الروضة" و"المنهاج" على هذا الاختلاف.
قوله في "الروضة": الحالة الثانية: أن لا تعد المساكنة لفظًا فينظر إن نوى موضعًا معينًا من بيت أو دار أو درب أو محلة أو بلد فالمذهب والذي قطع به الجمهور: أن اليمين محمولة على ما نوى.
وقيل: إن كانا يسكنان بيتًا من دار متحدة المرافق ونوى أن لا يساكنه، حملت اليمين عليه، وإن لم يكن كذلك ولا جرى ذكر تلك المساكنة كقول صاحبه: ساكني في هذا البيت، لم يقبل قوله ويحمل اليمين على الدار.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: ولو نوى أن لا يساكنه حملت اليمين عليه، قد شاهدته بخط النووي كذلك كما هو في النُّسخ أيضًا وهو غير مستقيم، وقد سقط
منه شيء ذكره الرافعي.
فإنه قال: ونوى أن لا يساكنه في ذلك البيت، وهذا واضح.
وقوله كقول صاحبي إلى آخره مثال لجريان تلك المساكنة فاعلمه.
قوله: ولو حلف أنه لا يصعد السماء ففي انعقاد يمينه وجهان: أصحهما على ما نقل في "التهذيب": المنع، لأن الحنث غير متصور.
انتهى.
صحح في "أصل الروضة" ما صححه في "التهذيب".
النوع الثاني: لفظ الأكل والشرب
قوله في "أصل الروضة" ولو قال: لا أشرب ماء الفرات، أو لا أشرب من الفرات، فسواء أخذ الماء بيديه أو في إناء أو كرع فيه حنث.
انتهى.
وتعبيره بقوله: لا أشرب ماء الفرات، رأيته كذلك بخط النووي -رحمه الله- كما هو موجود في نُسخ "الروضة" وهو غلط، لأن المعروف في المذهب في ما إذا حلف لا يشرب ماء النهر أو الغدير أو غيرهما: أنه لا يحنث بشرب بعضه، وقد ذكره قبل ذلك بنحو صفحة، والرافعي -رحمه الله- عَبّر بقوله: لا أشرب من ماء الفرات، بالإتيان "بمن" الدَّالة على التبعيض ومع الإتيان بها لا إشكال.
قوله: ولو قال: لا أكلم زيدًا وعمرًا بغير لا.
فلا يحنث إلا إذا كلمهما؛ لأن الواو العاطفة تجعل الجميع كالشيء الواحد، وكأنه قال: لا أكلمهما، بخلاف ما إذا كرر لا فإنهما يمينان.
انتهى.
وإنما قيد العطف بالواو لأنه إن كان بالغًا كان حالفًا على كلام عمرو بعد زيد بلا مهلة حتى لا يحنث إذا كلمهما معًا أو عمرو قبل زيد أو بعده بمهلة، ولو أتى بـ"ثم" فكذلك إلا أنه بمهلة، هذا هو مقتضى اللفظ.
قوله: قال: لا آكل هذا الرغيف لم يحنث جمل بعضه، فلو بقي ما يمكن التقاطه وأكله لم يحنث.
انتهى.
وهذه المسألة قد سبقت في آخر تعليق الطلاق فقال: لو علق بأكل رغيف فأكله إلا فتاتًا، قال القاضي الحسين: لا يحنث كحبة الرمان.
وقال الإمام: إن بقي قطعة تحس ويجعل لها موقع لم يحنث.
وربما ضبط ذلك بأن يسمى قطعة خبز، وإن دق مدركه لم يظهر له أثر
في بر ولا حنث، والوجه تنزيل إطلاق القاضي على هذا التفصيل.
هذا لفظه فافهم منه ما يفهم.
قوله: ولو حلف لا يأكل الرؤوس أو لا يشتريها حمل على التي تميز عن الأبدان وتباع منفردة، وهي رؤوس الإبل والبقر والغنم.
فلا يحنث برؤوس الصيد أو الحيتان، فإن كانت تباع منفردة في بلده حنث بأكلها هناك، وهل يحنث جملها في غير ذلك البلد؟ فيه وجهان:
رجح الشيخ أبو حامد والروياني: المنع.
والأقوى: الحنث وهو أقرب إلى ظاهر النص، ويؤيده أن رأس الإبل لا يعتاد أكله وبيعه إلا في بعض المواضع والحنث يحصل به.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره هنا من رجحان الحنث ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا.
إذا علمت ذلك فقد وافق النووي في "الروضة" على ما قاله الرافعي، وخالف في "تصحيح التنبيه" فصحح عدم الحنث، وكلام "المنهاج" أيضًا يوهمه.
قوله: ولو أخرجت البيضة من جوف الدجاجة وهي منعقدة فأكلها حنث، ولو أخرجت بعد موتها فأكلها ففي "تعليقة المروروذي" ذكر وجهين فيه.
انتهى.
والأصح كما قاله في "زوائد الروضة": هو الحنث.
قوله من "زوائده": ولو حلف على الخبز فأكل الرقاق والبقسماط أو البسيس.
انتهى.
هكذا ذكر -رحمه الله- التصوير بدون الحكم وترك بياضًا.
فأما البسيس: فهو أن يلت السويق أو الدقيق أو الأقط المطحون بالسمن أو بالزيت ثم يؤكل من غير طبخ، كذا ذكره الجوهري.
وأنشد عليه قول الراجز:
لا تخبزا خبرًا وبسابسًا... ولا تطيلا بمناخ حبسًا
وإذا علمت ما ذكره تفسيرًا واستدلالًا قطعت أنه لا يحنث بالبسيس، وأما البقسماط: فقد سماه الجوهري خبزًا، فقال: الكعك خبز، وهو فارسي معرب، هذا لفظه.
والبقسماط: كعك، والرقاق في معناه.
نعم أهل العرف لا يسمون ذلك خبزًا.
قوله: وهل يدخل في اليمين على اللحم ما لا يؤكل كالميتة والخنزير والذئب والحمار وغيرها؟ فوجهان:
رجح الشيخ أبو حامد والروياني: المنع.
والقفال وغيره: الحنث.
انتهى.
والأقوى كما قاله في "زوائد الروضة": عدم الحنث، وجزم به الماوردي في "الإقناع"، ورجحه المتولي.
قوله في "الروضة": والمذهب أنه لا يدخل في اللحم الأمعاء والطحال والكبد والكرش والرئة.
انتهى.
هذا الكلام لا يعلم منه هل الأصح طريقة الخلاف أو القطع؟ ولا أن الخلاف في تلك الطريقة وجهان أو قولان؟ وقد بينه الرافعي بجعل الخلاف وجهين، وصحح الطريقة الذاهبة إليه.
قوله: ولو حلف لا يأكل ميتة لم يحنث بأكل المذكاة وإن حلها الموت للعرف.
وإن أكل السمك فوجهان: قال في "التهذيب": المذهب أنه لا يحنث للعرف.
انتهى.
أطلق في "الروضة" تصحيحه.
قوله أيضًا في "الروضة": ولو حلف لا يركب الحمار فركب حمار وحش، فوجهان بناء على أن الحمارين جنس في الربا أم جنسان؟ انتهى.
وهو غلط فاحش فإن الحمار الأهلي لحمه نجس لا يصح بيعه لا بمثله ولا بغيره حتى يجيء الخلاف في أنَّا نجعله جنسًا واحدًا أو جنسين؟
وعبارة الرافعي صحيحة لا يرد عليها شيء فإنه قال: ولو حلف لا يأكل لحم البقر حنث بالجاموس، وكذا بالبقر الوحش على الأظهر، ونقل في "التهذيب" فيه وجهين بناء على الخلاف في أنه هل يجعل جنسًا واحدًا في الربا؟ ولو حلف لا يركب الحمار فركب حمار الوحش، ففيه وجهان متعلقان بالأصل المذكور.
هذا لفظه.
وحاصله أنّا إن جعلنا بقر الوحش والأهل في باب الربا جنسًا واحدًا لأجل اتحادهما في الاسم، فالاسم متحد في الحمارين أيضًا، فيحنث بهما فإن لم ننظر هناك إلى اتحاد الاسم وجعلناهما جنسين وهو الصحيح لم ننظر إليه أيضًا هنا، فلا يحنث بهما بل بالأهلي فقط.
وهذا التخريج صحيح فغلط فيه -رحمه الله- فذكر ما ذكر.
وقد تلخص أن الراجح في الوحشي هو: الحنث بأكل بَقَرِه لا بركوب حماره.
والحكم في الثاني: يُشْكل بالحنث في خبز الأرز لمن لا يعتاده وفي بيت الشعر بالنسبة إلى الحَضَرِي.
قوله: ولو حلف لا يأكل الجوز ففي "الكتاب": أنه يحنث بالجوز
الهندي، وفي "التهذيب": أنه لا يحنث به.
انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا ولا في "الروضة" والصحيح: عدم الحنث، فقد جزم به الرافعي في "المحرر" والنووي في "المنهاج" وكذلك صاحب "الحاوي الصغير".
قوله: ولو حلف لا يأكل سويقًا فاستفه أو تناوله بملعقة أو بأصبع مبلولة حنث، ولو ماثه في الماء وشربه حنث.
انتهى كلامه.
وماث: بالميم والثاء المثلثة معناه: مرس وأذاب، تقول: مثت الشيء في الماء أموثه موثًا وموثانًا.
إذا علمت ذلك فما ذكره الرافعي من الحنث في ما إذا أماثه وشربه، غلط مخالف للعقل والنقل.
أما العقل: فلأنه شارب وليس بآكل.
وأما النقل: فقد صرح ابن الصباغ [بالمسألة] 1 وعبر بالموث أيضًا، وجزم بأنه من قسم الشرب لا من قسم الأكل، وذكر إمام الحرمين مثله أيضًا.
لا جرم أن النووي قد جزم في "الروضة" بأنه لا يحنث، ولم يُنَبّه عليه من "زوائده".
قوله: ولو حلف لا يشرب السويق فالحكم بالعكس، ولو كان السويق خاثرًا بحيث أنه يؤخذ منه بالملاعق فتحساه فقد ذكر فيه اختلاف وجه، والأشبه: أنه ليس بشرب.
انتهى كلامه.
وهذا [التردد] 2 الذي أشار إليه الرافعي ليس هو خلافًا بين
الأصحاب وإنما هو احتمالان للإمام، فنقله الرافعي نقل يوهم أنه خلاف محقق، ثم إنه غلط أيضًا في حكايته غلطًا يقتضي عكس الحكم، فإن الإمام جزم بأنه يطلق عليه اسم الشرب، ولكن تردد في أن اسم الأكل هل يطلق عليه أيضًا أم لا؟
فإنه قال في الباب الثاني من "جامع الأيمان" بعد ورقة من أوله ما نصه: والذي يتردد الرأي فيه أن يكون خاثرًا يتأتى تعاطيه بالملاعق ويتأتى تحسيه على خثورته فكيف الوجه؟ هذا محتمل عندي، يجوز أن يقال: تحسيه شُرب في حكم البر والحنث، ويجوز أن يقال: يتناوله اسم الأكل والشرب جميعًا، والعلم عند الله تعالى، هذا لفظه.
وهو جازم بأنه شُرب حتى يحنث به جزمًا في مسألتنا على عكس ما قاله الرافعي وتبعه عليه في "الروضة"، والذي أوقع الرافعي في هذين الأمرين هو الغزالي في "الوسيط" فإنه قال: ولو حلف لا يشرب سويقًا فصار خاثرًا بحيث يؤكل بالملاعق فتحساه ففيه تردد.
هذه عبارته من غير زيادة عليها.
وكأنه أراد فرض المسألة في الأكل فسبق القلم أو الذهن إلى الشرب غلطًا وعبر بالتردد كما عبر به الإمام إلا أنه أطلقه ولم يضفه إليه، وإطلاقه صحيح إلا أنه محتمل لأمرين ففهم الرافعي منهما غير المراد، وقد وقع في "البسيط" على الصواب فإنه حكى الأمرين كما حكاهما في "النهاية"، ولو عبر في "الوسيط" بقوله "ولو حلف لا يأكل" لاستقام وقد نَبّه ابن الرفعة في "الكفاية" على أن التردد الذي حكاه الرافعي إنما هو احتمالين للإمام.
ولا شك أن الأمر كما قاله من أن الرافعي إنما أراد التردد الذي حكاه الإمام، إلا أنه -أعني: ابن الرفعة- لم يتفطن لما وراء ذلك فوقع في
غلطين نبهت عليهما في "الهداية".
قوله: ومنها إذا حلف لا يأكل السكر انعقدت اليمين على عين السكر دون ما يتخذ منه إلا إذا نوى، وكذا الحكم في العسل والتمر.
ثم إن ابتلع السكر من غير مضغ فقد أكله كما لو ابتلع الخبز على هيئته.
انتهى كلامه بحروفه.
وما ذكره من الحنث بالابتلاع قد ذكر قبل هذا بنحو ورقة مثله أيضًا، لكنه ذكر ما يخالفهما معًا في باب تعليق الطلاق بعد قوله: قال: القسم الثاني في فروع التعليقات، بنحو كراس فحكى وجهين وصحح عدم الحنث، وقد سبق ذكر لفظه هناك، وذكر سبب الاختلاف فراجعه.
قوله: والعطف في قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68)﴾ 1 لتخصيص النخل والرمان كما في قوله تعالى: ﴿وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ 2 انتهى.
لقائل أن يقول: كيف يكون هذا من باب ذكر الخاص بعد العام مع أن الفاكهة هنا نكرة في سياق الإثبات فلا تعم؟
ويجاب عنه: بأنها نكرة في سياق الامتنان، وهي تعم، كما قاله القاضي أبو الطيب.
قوله: والثمار مختصة بالرطب، وأما الفاكهة فتطلق علي الرطب كالتفاح والليمون، دون القثاء والخيار، وعلى اليابس كالتمر والزبيب، وكذا لب الفستق والبندق ونحوهما في أقرب الوجهين.
ثم قال بعد ذلك: وقال في "التتمة": الفاكهة لا تتناول اليابس
كالتمرة، فإن كان هذا عن تحقيق أحوج إلى إعلام "الوجيز" انتهى كلامه.
وقد ظهر منه أنه مستغرب لما في "التتمة" متوقف في إثباته مؤذن بأن غيره لم يقل به مع أنه ثابت، فقد جزم الماوردي في "الحاوي": بأن ما يزول عنه الاسم الذي كان له في حال الرطوبة كالتمر والزبيب لا يحنث به، وحكى وجهين في ما لا يزول كالتين والخوخ والمشمش.
فتحصلنا على ثلاثة أوجه قديمة.
أحدها: ما قاله المتولي، والذي قاله أوجه مما رجحه الرافعي، بل غالب ما نقله في هذا الفصل مشكل.
النوع الثالث: في العقود
قوله: ولو حلف لا يأكل طعامًا اشتراه زيد لم يحنث بما رجع إليه بالإقالة أو خلص له بالقسمة، وإن جعلناه مما يتعين ويحنث بما يملكه بالتولية والاشتراك والسَّلم؛ لأنها بيوع في الحقيقة والإطلاق، ولا يحنث بما يملكه بالصلح على الصحيح [الذي أورده الصيدلاني والبغوي والمتولي والروياني.
انتهى كلامه] 1.
وما ذكره في السَّلم مناقض لما صححه في بابه من عدم انعقاده بلفظ البيع، والرافعي -رحمه الله- قَلّد المتولي فإنه ذكر هذه المسائل بعينها في هذا الموضع، إلا أن المتولي قد ذكر مسألة السَّلم في بابها، وفي كتاب البيع وخرجها على أن الاعتبار بصيغ العقود أو بمعانيها؟ ولم يصحح فيها شيئًا.
قوله في المسألة: ولو اشترى زيد طعامًا وعمرو طعامًا وخلطاه فأكل الحالف من المختلط فثلاثة أوجه:
أحدها: إن أكل أكثر من النصف حنث وإلا فلا، وهذا عند استواء القدرين.
والثاني: لا يحنث وإن أكل الجميع؛ لأنه لا يمكن الإشارة إلى شيء بأنه اشتراه زيد.
والثالث وهو الأصح: إن أكل من المخلوط قليلًا يمكن أن يكون مما اشتراه الآخر كعشر حبات من الحنطة وعشرين لم يحنث، وإن أكل قدرًا صالحًا كالكف والكفين حنث.
ثم قال: وقوله: في "الكتاب": حنث إذا أكل المخلوط.
يقع ظاهره على الجميع، وإذا أكل جميع المخلوط يحنث باتفاق الوجه الأول والثالث.
وينبغي أن يعلم بالواو للوجه الثاني، ولفظ "الوسيط": إذا أكل من المختلط.
وهذا يخالف الوجوه الثلاثة، وهو بعيد في نفسه فحسن أن يأول فيحمل على الأصح.
انتهى كلامه.
وحاصله أن لفظ "الوسيط" مخالف للأوجه الثلاثة، ولفظ "الوجيز" يوافق بعضها، وهو عجيب فإن لفظ "الوجيز" يخالف الثلاثة أيضًا فإن مدلوله أنه يحنث بأكل الجميع، ولا يحنث بأكل البعض، وهذا ليس واحدًا من الثلاثة فتأملها.
وأما كلام "الوسيط" فإنه لم يتعرض لتصويره بحث ولا غيره، فيحتمل أن يكون قد أراد المائعات أو الأدقة ونحوها فإنّ لنا وجهًا أنه يحنث بأكل القليل منه لامتزاجه، حكاه الماوردي وقال: إنه مذهب البصريين، وهو وجه متجه ينبغي الجزم به.
قوله: حلف لا يشتري أو لا يبيع، فوكل من باع أو اشترى له، أو لا يضرب عبده، فأمر من يضربه، أو حلف الأمير أو القاضي لا يضرب، فأمر الجلاد فضرب لم يحنث.
انتهى.
واعلم أن الرافعي في باب الخلع قد ذكر عن المتولي فرعًا مُقَيِّدًا لما أطلقه هنا وأقره عليه فينبغي استحضاره فقال: إذا قال: متى أعطيتني ألفًا فأنت طالق، فبعثته على يد وكيلها فقبضه الزوج لم تطلق لأنها لم تعط هي، ولو حضرت وقالت لوكيلها الحافظ لمالها: سَلِّم إليه، فَسلَّم طُلِّقت، وكأن تمكينها الزوج من المال المقصود إعطاء.
قوله: ولو حلف لا ينكح أو لا يتزوج، فوكل به فقبل له الوكيل، ففي حنثه وجهان، الذي أورده الصيدلاني وصاحب "الكتاب": أنه لا يحنث
كالبيع، والذي أورده صاحب "التهذيب": هو الحنث، لأنه هنا سفير محض.
انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" ولا في "الروضة" هنا، والصحيح: هو الحنث، كذا جزم به الرافعي في كتاب النكاح في باب بيان الأولياء في الكلام على التوكيل فيه، وجزم به أيضًا في "المحرر" هنا وتبعه عليه في "المنهاج".
نعم جزم صاحب "التنبيه" بأنه لم يحنث ولم يستدرك عليه في تصحيحه.
قوله: ولو قبل لغيره نكاح امرأة فقضية الوجه الأول: أن يحنث، وقضية الثاني: أنه لا يحنث.
انتهى كلامه.
وهذا التخريج الذي ذكره من عنده قد تابعه عليه في "الروضة" وقد صرح الإمام في "النهاية" بالمسألة، وجزم بأنه لا يحنث وعلله بأنه لا يطلق عليه اسم التزويج المطلق، بل يقال: تزوج لغيره، ولهذا لابد من التصريح في العقد بالسفارة.
ثم قال: وقد قطع الأصحاب بهذا في الطريق هذه عبارته.
ثم نقل عن الصيدلاني ما يخالفه وخطأه فيه، وجزم به أيضًا الغزالي وهو واضح فوجب اعتماده للنقل والدليل.
قوله: وبمثله -أي عدم الحنث- أجاب في "الكتاب" في ما إذا قال: لا أكلم امرأة تزوجها زيد، وكلم امرأة قبل نكاحها لزيد وكيله، لكن هذا مبني على جوابه في المسألة السابقة، فإن قلنا: يحنث هناك حنث أيضًا هنا.
انتهى.
وما ذكره الغزالي في هذه المسألة قد نقله الإمام عن الأصحاب، قال: وهو القياس.
ونقل عن الصيدلاني: أنه يحنث، والصيدلاني قد تقدم عنه في المسألة السابقة موافقة الغزالي فكيف يستقيم تخريج هذه عليها؟ !
قوله: فروع: إذا حلف لا يحلق رأسه، فأمر غيره فحلقه ففيه طريقان: أحدهما: أنه كما إذا قال: لا أبيع، وأمر غيره بالبيع، وفيه الخلاف، أي والصحيح فيه أنه لا يحنث.
والثاني: القطع بالحنث لاطراد العُرف في الحلق بذلك.
انتهى كلامه.
والصحيح هو الحنث كذا جزم به الرافعي في كتاب الحج من شرحيه "الكبير" و"الصغير" في باب محرمات الإحرام في الكلام على تحريم الحلق.
قوله: ولو حلف لا يبيع لى زيد مالًا فوكل الحالف رجلًا بالبيع وأذن له في التوكيل فوكل الوكيل زيدًا حتى باعه حنث الحالف سواء علم زيد أم لم يعلم؛ لأن اليمين منعقدة على فض فعل زيد وقد فعل زيد باختياره.
انتهى.
وما أطلقه من الحنث عند جهل زيد تبعه عليه في "الروضة" وهو غير مستقيم، بل الصواب الجاري على القواعد أنه إن كان ذلك الغير لا يأثم بأمره [حنث، وإن كان يأثم بأمره] 1 فعلى القولين في الناسي.
قوله: هذا في ألفاظ المعاملات، وسيأتي خلاف في أنه هل يحمل لفظ العبادات على الصحيح كما إذا حلف لا يصوم ولا يصلي؟ ولا خلاف في أنه إذا حلف لا يحج يحنث بالحج الفاسد لأنه منعقد يجب المضي فيه كالصحيح.
انتهى كلامه.
وفيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره من وقوع خلاف يأتي بعد هذا في حمل العبادات
على الصحيحة، قد تابعه عليه في "الروضة" وهو سهو لا ذكر له، بل جزم بحملها على الصحيح، فإذا حلف مثلًا لا يصلي فأحرم بصلاة فاسدة لا يحنث، وإن أحرم بصحيحة ثم فسدت فيبني على أن اسم الصلاة هل يصدق بالإحرام أو بالركوع أو بالفراغ؟ فيحنث على الأول، ولا يحنث على الأخير.
وأما الثاني: فإن فسدت بعد الركوع حنث وإلا فلا [وهذا البناء أيضًا موافق لما جزموا به من اشتراط الصحة] 1، وقد ذكر قبل ذلك في ألفاظ العقود مثله أيضًا حتى إذا حلف لا يبيع [لا يحنث ببيع] 2 الخمر، فلو قال: لا أبيع الخمر، فكذلك على الصحيح، وقيل: يحنث ببيعه.
نعم حكى الرافعي في الطلاق في الكلام على المسألة السريجية في موضعين منها خلافًا في أن اللفظ عند الإطلاق يتناول الصحيح والفاسد أم يختص بالصحيح؟ إلا أنه في أحد الموضعين قيده [بألفاظ العقود وأطلق في الآخر، وذكر نحوه أعني الخلاف] 3 في لفظ العقود قُبَيل الصداق بأوراق في الكلام على نكاح العبد، واقتضى كلامه هناك أنه وإن تناوله فلا يحنث به بلا خلاف.
الأمر الثاني: إذا حلف لا يحج، فأحرم ثم جامع فإنه يحنث بالإحرام وذلك قبل حصول الإفساد، وحينئذ فكيف صورة الحنث بالحج الفاسد؟، وصورته ما إذا أحرم بالعمرة ثم أفسدها ثم أدخل عليها بالحج فإنه ينعقد فاسدًا على الصحيح، كذا ذكره الرافعي في الكلام على سنن الإحرام، ويتصور أيضًا في ما إذا حلف لا يحج حجة، ولا يصور بما إذا أحرم
وهو مجامع، فإن القول بانعقاده فاسدًا، وجه مرجوح كما نبينه في موضعه.
الأمر الثالث: أنّا قد فرقنا بين الفاسد والباطل في أبواب من العقود، منها: الخلع، ولا شك أنه كالصحيح في الحنث له لأن البينونة قد حصلت وملكت نفسها وحلت للأزواج.
ومثله: الوكالة الفاسدة كما إذا سمى لها عوضًا فاسدًا ونحوه، وأما الكتابة الفاسدة فلا يتجه الحنث بها لأن أثرها لم يحصل قبل الإعطاء، وأما العتق الحاصل بعده فإنه لأجل التعليق.
قوله: منها: إذا حلف لا يهب فيحنث بكل تمليك في الحياة خال عن العوض، ثم قال: ولا يحنث بالضيافة، لأنه لا تمليك فيها على الصحيح.
قال في "التتمة": وفيها وجه يصير بناء على أنه يملك الضيف الطعام الذي يأكله.
انتهى.
وما ذكره هنا من كون الضيف لا يملك واستبعد خلافه غريب، فقد سبق في باب الوليمة أن الجمهور على كونه تَمَلّك، وقد تقدم هناك الكلام عليه مبسوطًا.
قوله: ولو تم الإيجاب والقبول ولم يقبض فوجهان:
أظهرهما عند المتولي: أنه يحنث، لأن الهبة قد تحققت والمتخلف الملك.
وعند صاحب "التهذيب": أنه لا يحنث؛ لأن مقصود الهبة لم يحصل.
انتهى.
صحح الرافعي في "المحرر": أنه لا يحنث، وعبر بالأظهر، وصححه النووي في "زوائد الروضة"، والمسألة نظير البيع المستعقب لخيار المجلس والشرط.
وقد قالوا: إن اليمين المتعلقة به يدور الحنث والبر فيها على وقوعه سواء انفسخ أم لم ينفسخ، لا على المقصود منه وهو حصول الملك، فإذا قال السيد: إن بعت هذا فهو حر فباعه عتق في الحال، سواء قلنا: الملك للبائع أو للمشتري أو موقوف، كذا ذكره الرافعي في الباب السابع في تعليق الطلاق في أوائل الطرف السابع المعقود لأنواع من التعليق، وتبعه عليه في "الروضة" وعلل العتق على قول ملك المشتري بأن البائع يجوز له الفسخ وإعتاقه فسخ ويعود الملك بالإعتاق إلى البائع، والذي قالوه هناك أصوب من المذكور هنا ويؤيده أيضًا ما ذكره الرافعي في الإقرار: أن الإقرار بالهبة ليس إقرارًا بالقبض على المشهور، وقيل: إن كانت العين في يد الموهوب له فالقول قوله.
وذكر أيضًا في أواخر الرهن في الاختلاف في قبض المرهون مثله.
قوله: ولو حلف لا يعتق عبدًا فكاتبه فعتق بالأداء لم يحنث، ذكره ابن القطان.
انتهى.
وما نقله من عدم العتق قد تابعه عليه في "الروضة" إلا أن القاعدة: أن تعليق العتق مع وجود الصفة إعتاق، سواء كانت الصفة من فعل السيد أم لا.
كذا صرح به في تعليق الطلاق في الكلام على نظيره، وهو أن تعليق الطلاق مع وجود الصفة تطليق، وهو في أثناء الطرف التالي المعقود للتعليق بالتطليق، وقد صرح الرافعي هناك بأن الخلع تطليق وإن كان متوقفًا على قبولها، قال: وإنما لم يقع الطلاق المعلق على التطليق لبينونتها، فتلخص أن الصواب: أن هذا إعتاق ويحنث به هاهنا.
قوله: ولو حلف لا مال له، وله مكاتب، لم يحنث في أصح الوجهين لأنه كالخارج عن ملكه، ويحنث بأم الولد في أصح الوجهين، لأن رقبتها مملوكة له، ولسيدها منافعها، وأرش الجناية عليها، ثم قال ما نصه: وفي