المهمات في شرح الروضة والرافعيصفحات 47-53

لقدمها ولأن العلم كان في شبابه، وكان فيه طابع الجدة والابتكار، وكلما تأخر العصر كثر التكرار وغلبت الشروح والمختصرات، ولكن هل هذا حكم عام؟ لا أظن ذلك، فقد يكون للمتأخر فضل على المتقدم بما يفيد من علم الأوائل، ويضيف إلى الخبرات الناضجة والعلم الرصين.
إن المخطوطات التي وصلت بخط مؤلفيها، وخاصة إذا كان المؤلف من العلماء المعروفين المتميزين، أو كتبها علماء معروفون، هذه المخطوطات لها مكانة خاصة، وهناك كتب متأخرة حفظت وجمعت معلومات ونصوصًا من كتب قديمة فُقدت أصولها، وقد عرف بعض المؤلفين بتضمين مؤلفاتهم رسائل وكتبًا وأشعارًا كثيرة، من أولئك ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة الذي ضمَّن كتابه كتبًا كثيرة، وكذلك فعل البغدادي في خزانة الأدب، فهذه الكتب لا يقعد بها تأخرها، بل لها الفضلُ في حفظ ما ضاعَ من كتب قيمة قديمة، ولذلك فهي تأتي في أهمية النشر بالمرتبة الثانية بعد كتب الصدر الأول.
وهناك كتب لمصنفين تناولت موضوعات سبق إليها الأولون وطرقها غيرهم من المؤلفين، ولكنها تَمتاز عن سابقاتها بحسن العرض وجودة المعنى وبراعة التنسيق، والترتيب، بالإضافة إلى أنها تصحح أخطاء السابقين، وتستدرك عليهم، وتشرح الغامض المستغلق، وتجمع المتفرق، وتتم الناقص، فهذه الكتب تفضل ما سبقها من الموجز أو المخل أو المبهم أو المستغلق، ولهذه الكتب منزلة وتأتي في المرتبة الثالثة في أولويات التحقيق والنشر.
وهناك ضربُ رابع ممَّا يَجب أن يولي عناية في التحقيق، تلك الكتب النافعة التي طبعت طباعة رديئة، ولم يرجع ناشروها إلى النسخ المخطوطة، وظهرت ناقصة ومملوءة بالأخطاء والأوهام، وتكون الفائدة منها قاصرة، هذه الكتب إذا توافرت نسخها المخطوطة أهل للعناية

والتحقيق العلمي الجيد، إن نشر هذه الكتب لا يحول دون بذل العناية في تَحقيقها ونشرها مرة أخرى.
على أن من المهم أن ننبه إلى أن من الخطأ أن تترك المخطوطات ذات الموضوعات الجيدة النافعة، وينشر ما دونها من موضوعات متأخرة مكررة، ومن الخطأ أيضًا أن يترك كتاب متوافر نسخه وينشر مُختصر أو شرح له.
وفي حالات كثيرة يحجم المحققون عن تناول مَخطوطات مهمة بحجة كبر حجمها أو صعوبة خطها، كأن يكون الخط مغربيّا أو أندلسيّا، فإن المران والدربة والأنفة تيسر الصعب وتقرب البعيد.
ثقافة المحقق وعُدَّته: ينبغي لِمن يتصدى للتحقيق أن يكون على مستوى علمي وثقافي ولغوي متميز، وخاصة في الموضوع الذي يُحققه، ملمًا بعلومه، عارفًا بمصطلحاته، مطلعًا على كتبه ومصادره، ضليعًا باللغة والنحو، خبيرًا بَالكشف عن المفردات وأنواعها وأزمانها، وبالورق وأنواعه وصناعته، فمن يتول نشر كتاب أدبي يَجب أن يكون ملمًا بقضايا الأدب، وعصوره، ورجاله، وشعرائه، وأساليب الأدباء، قارئًا للشعر، ضابطًا لعروضه، خبيرًا بمصادره، ومن يتول نشر كتاب من كتب التاريخ والأخبار يَحسن أن يكون مطلعًا على العصور التاريخية، عارفًا بأحداثها، متقنًا لتراجم الرجال والقبائل والأنساب، خبيرًا بأسماء المواضع والمدن والمعارك قارئًا لكتب الحضارة مدققًا فيها محيطًا بمصادر التاريخ مَخطوطها ومطبوعها، وكذلك الحال فيمن يتصدى لتحقيق كتاب في الخيل والبيطرة والبيزرة أن يكون خبيرًا بهذه العلوم كثير الاطلاع على كتبها، وهكذا الحال في كل علم وفن، ولكل علم ثقافته وخبرته وأدواته.
وعلى هذا فعلى من يعتزم نشر كتاب أن يلم بموضوعه ويدرس الكتب

التي تعالج الموضوع نفسه، أو الموضوعات المشابهة له، حتى تكون له خبرة بهذا العلم، ويستطيع بعدها أن يفهم نصوصه، ويقف على مصطلحاته فيتجنب المزالق والأخطاء التي قد يقع فيها من يظن الخطأ صوابًا، والصواب خطأ.
وقبل البدء بالتحقيق ونسخ الأصول، ينبغي قراءة المخطوطة والتمرس بها، والتعود على رسم حروفها، وخط الناسخ، وخاصة الخطوط المغربية والأندلسية، فإن لها رسمًا خاصّا متميزًا، ولكل كاتب طريقة في رسم الحروف والكلمات، فينبغي التعود على طريقة الناسخ ومقارنة الحروف بعضها ببعض وفق مواضعها من الكلمة، ومعرفة كيفية وضع النقط والكلمات المهملة والمعجمة، فكثير من المخطوطات تهمل إعجام بعض الكلمات، حتى في العصور المتأخرة.
وينبغي كذلك التمرس بأسلوب المؤلف، وذلك بقراءة المخطوطة مرات حتى يقف على صفات أسلوبه وخصائصه، ولكل مؤلف لوازم لفظية وعبارات تتكرر، وينبغي أيضًا أن يطلع على كتب المؤلف الأخرى، ليزداد خبرة بأسلوبه واهتماماته، وقد يَجد في تلك الكتب نصوصًا متشابهة ونقولًا متكررة، وإشارات تدل على شخصية المؤلف وثقافته.
بعد أن يَجمع المحقق كل ما تصل إليه يده من نسخ الكتاب المخطوطة، ويصنفها إلى مراتب، ويقرأها قراءة جيدة متمرسة، ويلم بأسلوب المؤلف وبموضوع الكتاب، يستطيع بعدها أن يمضي في تَحقيق الكتاب على بينة وهدي وبصيرة.
لابد للمحقق أن تكون له مكتبة ثرية بالمصادر والمراجع الأساسية، وخاصة المعجمات، وأن تكون بين يديه عند التحقيق، والكتب التي ينبغي أن تكون بين يدى المحقق هي:

أولًا: كتب المؤلف نفسه المخطوط منها والمطبوع.
ثانيًا: شروح الكتاب ومُختصراته، يستعين بها في القراءة والمقابلة، والأفضل أن يرجع إلى الأصول المخطوطة لهذه الشروح والمختصرات، ولا يعتمد على المطبوع، إلَّا إذا كان مُحقق المطبوع من المحققين الثقات.
ثالثًا: الكتب التي اعتمدت في تأليفها على الكتاب المراد تَحقيقه، فهي تَحتفظ بنقول ونصوص من الكتاب تعين على فهم الأصل وتوضيحه، وقد تسد ما ضاع منه وما سقط.
رابعًا: الكتب التي استقى منها المؤلف، فهي كذلك تعين على فهم النص وتوضيحه وتقييمه، وبعض المؤلفين يذكرون المصادر التي انتفعوا بها، أو نقلوا عنها، وبعضهم يعتمد على كتاب أو كتب دون أن يُشير إليها، كما فعل التبريزي في نقله معظم شرحه للحماسة من شرح المرزوقي، وكذلك في شرحه للقصائد العشر، حيث اعتمدَ في شرحه على شرح ابن الأنباري للمعلقات.
خامسًا: الكتب المعاصرة للمؤلف التي تعالج الموضوع نفسه، أو موضوعًا قريبًا منه.
سادسًا: أن تكون للمحقق خبرة بمصادر التراث يستعين بها على التوثيق والمراجعة والتعليق والتخريج والتفسير والترجمة.
ولهذا كله قلنا في مقدمتنا هذه: "إن التحقيق من صنعة الكبار".
ولضخامة هذا العمل وأهميته سلك كبار المحققين المعاصرين هذا المنهج من أمثال العلامة محمد حامد الفقي، والعلامة أحمد شاكر، والعلامة عبد السلام هارون، والعلامة محمد أَبو الفضل إبراهيم، وشيخنا العلامة محمد رشاد سالم، وشيخنا العلامة محمود شاكر، وغيرهم من أهل العلم والفضل.

وهذا؛ ونَجد من طلبة العلم من ينحى منحى أولئك الذين سبق ذكرهم ليلحق بركبهم، ويتأسى بهم في النهج الذي رسموه للتحقيق، ومن هؤلاء الطلبة الأخ: أحمد بن علي الدمياطي، سلمه الله وحفظه من كل سوء.
فحقق هذا المنهج في تحقيقه لكتاب الرجراجى المسمى: "مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة، وحل مشكلاتها".
وها هو -حفظه الله- يُخرج لنا كتابًا آخر للإمام "عبد الرحيم الإسنوي" المسمى بـ (المهمات في شرح الروضة والرافعي) وهو الكتاب الذي نحن بصدد كتابة المقدمة له.
فضبط نصه من مخطوطه، وخرج أحاديثه ووثق أصوله، فجزاه الله خيرًا على هذا الجهد الذي كانت نتيجته إخراج سفر في الفقه لم يخرج من قبل، فلو لم يفعل إلا هذا لكفاه فأحسن الله إليه وسدد خطاه ووفقه لِما يُحبه ويرضاه.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، وصلي الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

فجر يوم الأربعاء الرابع من رجب لعام ثمان وعشرين وأربعمائة وألف من الهجرة الموافق الثامن عشر من شهر يوليو لعام ألفي وسبعة من الميلاد

كتبه أحمد بن منصور آل سبالك حفظه الله

مقدمة المحقق

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

جارٍ التحميل