المهمات في شرح الروضة والرافعيكتاب [النذر]
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(1) وفيه طرفان: طرف في أركانه، وطرف في أحكامه:

الأول: في الأركان

قوله: ولا يصح نذر الكافر على المذهب لأن النذر تقرب والكافر ليس من أهل التقرب.
انتهى.
وما ذكره تعليلًا للمذهب دليل على استحباب النذر، وقد حذفه النووي من "الروضة"، ثم قال في أواخر الباب من "زوائده": صح أنه -عليه الصلاة والسلام- نهى عن النذر.
هذا لفظه من غير زيادة عليه وأشار بذلك إلى ما رواه الشيخان عن ابن عمر قال: نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن النذر وقال: "إنه لا يرد شيئًا وإنما يستخرج به من يد البخيل" 2. وهذا الكلام من النووي يدل على رجحان كراهة النذر عنده، وكأنه جبن عن التصريح به لعدم وقوفه على نقل في هذه المسألة فأشار إليه بذكر ما يدل عليه، وسأذكر لك ما حضرني الآن في هذه المسألة.
فنقول: اختلف الناس فيها على [أربعة] 3 آراء: أحدها: أنه مكروه كما أشار إليه النووي، وهذا هو الذي نص عليه الشافعي، نقله عنه الشيخ أبو علي السنجي في "الشرح الكبير" كذا نقله عنه ابن أبي الدم في "شرح الوسيط"، وجزم به النووي في "شرح المهذب" ونقله عن الترمذي وجماعة من أهل العلم، ولم ينقله عن1

الجزء: 9 - الصفحة: 177

الشافعي ولا عن أحد من أئمة مذهبه، وهو يُقَوِّي ما قلناه أولًا من عدم اطلاعه فيها على نقل عندنا.
والثاني: أنه خلاف الأولى، وهو ما اختاره ابن أبي الدم في الشرح المذكور، وفيه نظر لأن المكروه هو ما ورد فيه نهي مقصود، وخلاف الأولى ما لم يرد فيه ذلك، هكذا فرق الإمام وغيره بينهما، ونقله عنه الرافعي في باب أداء الزكاة.
والنذر قد ورد فيه نهي مقصود فإن أوّل ذلك وتمسك بالقياس وغيره مما سيأتي لزم استحبابه، وإن لم يؤول وتمسك بظاهره لزم كراهته، فالقول أنه خلاف الأولى ضعيف.
والثالث: أنه قربة وهو ما جزم به المتولي في كتاب الوكالة فقال: لا يجوز التوكيل في النذر لأنه قربة.
وكذلك الغزالي في كفارة الظهار من "الوسيط" قُبَيْل الخصلة الثانية، وهو مقتضى كلام الرافعي المتقدم، ونقل ابن أبي الدم أن جماعة قالوا بذلك قال: وهو القياس، وذكر النووي في باب ما يفسد الصلاة من "شرح المهذب" ما يقتضيه فقال: وإذا نذر شيئًا في صلاته وتلفظ بالنذر عامدًا ففي بطلانها وجهان: أصحهما: أنها لا تبطل، لأنه مناجاة لله تعالى فأشبه الدعاء، ولأنه يشبه "سجد وجهي للذي خلقه" 4 إلى آخره.
والرابع: التفصيل: فيستحب نذر التبرر وهو الذي ليس معلقًا على شيء، ولا يستحب النذر المعلق، وهذا التفصيل ذكره ابن الرفعة فقال في باب الوكالة من المطلب: أما كونه قربة فلا شك فيه إذا لم يكن معلقًا، فإن كان معلقًا فلا نقول: إنه قربة، بل قد يقال بالكراهة.
هذا كلامه، وهو غريب مؤذن بعدم اطلاعه على الخلاف.
وأشار أيضًا إلى اختيار

الجزء: 9 - الصفحة: 178

التفصيل في باب النذر من "الكفاية" فقال: ويمكن أن يتوسط فيقال: كذا وكذا.
واعلم أن القول باستحبابه يعضده النص والقياس.
أما النص: فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَهَ يَعْلَمُهُ﴾ حثهم الله سبحانه وتعالى على النذر وأكده بالمصدر فاقتضى أن يكون قربة.
وأما القياس: فلأنه وسيلة إلى القربى وللوسائل حكم المقاصد، ولهذا قال ابن أبي هريرة: إن الحلف على الطاعة من النوافل المستحبة لأنه يتوصل به إلى الإحسان ويتبعه على القرب وأفعال الخير فاستحب له ذلك.
كذا رأيته له في "شرح المختصر" الذي علقه عنه أبو علي الطبري وهي مسألة حسنة لم يذكرها المتأخرون.
نعم ذكر الرافعي وغيره الحلف على الواجبات وجعله طاعة، وأيضًا فللناذر غرض صحيح في أن يثاب ثواب الواجب فإنه إذا صيره واجبًا بنذره حصل له ذلك كما قاله القاضي الحسين، والقدر الذي يمتاز به الواجب سبعون درجة كما حكاه النووي من "زوائده" في أوائل النكاح عن حكاية الإمام قال: واستأنسوا فيه بحديث.
نعم نازع الماوردي في هذا وقال: الحديث يدل على أن ما يأتي به الإنسان من البر أفضل مما يلتزمه بالنذر.
وأما الحديث المتقدم عن الصحيحين فالاستدلال به يتوقف على قاعدتين: إحداهما: أن المفرد المعرف بـ"أل" للعموم.
الثانية: أن قول الصحابي نهى عن كذا عام وفيهما خلاف معروف، أوضحته مع فوائد كثيرة تتعلق به في "شرح منهاج الأصول" فراجعه،

الجزء: 9 - الصفحة: 179

وبتقدير تسليم هاتين القاعدتين، وأن الحديث مقتضاه العموم فيمكن حمله على من علم من حاله عدم القيام بما التزمه جمعًا بينه وبين غيره من الأدلة المتقدمة.

قوله: ولا يصح من السفيه نذر القرب المالية، وأما المفلس فإن التزم في الذمة ولم يعين مالًا صح ويؤديه بعد البراءة عن حقوق الغرماء، وإن عَيَّن فيبنى على أنه لو أعتق أو وهب هل يصح تصرفه؟ إن قلنا: لا، فكذلك النذر، وإن توقفنا فيتوقف في النذر أيضًا، قاله في "التتمة" انتهى كلامه.
وحاصله أن ذلك لا يصح من السفيه مطلقًا سواء أضافه إلى الذمة أو إلى العين، وأما المفلس فلا يصح في العين ويصح في الذمة.
إذا علمت هذا فقد جزم في آخر باب الحجر بأن نذر السفيه على هذا التفصيل أيضًا، فقال: ولو نذر التصدق بعين مال ينعقد، وفي الذمة ينعقد.
هذا لفظه.
ووقع الموضعان كذلك في "الروضة".
واعلم أَنّا إذا قلنا بكراهة النذر فيصير شبيهًا بالضمان [وحينئذ] 5 فيتجه بطلانه.

قوله: لو قال ابتداء: مالي صدقة أو في سبيل الله تعالى، فيه أوجه: أصحها عند الغزالي وقطع به القاضي الحسين: بأنه لغو لأنه لم يأت بصيغة التزام.
والثاني: أنه كما لو قال: لله عليَّ أن أتصدق بمالي، فيلزم التصدق.
والثالث: يصير ماله بهذا اللفظ صدقة كما لو قال: جعلت هذه الشاة أضحية، وقال في "التتمة": إن كان المفهوم من اللفظ في عرفهم

الجزء: 9 - الصفحة: 180

معنى النذر أو نواه فهو كما لو قال: عليَّ أن أتصدق بمالي وأنفقه في سبيل الله، وإلا فلغو.
وأما إذا قال: إن كلمت فلانًا أو فعلت كذا فمالي صدقة، فالمذهب والذي قطع به الجمهور ونص عليه الشافعي: أنه يلزمه ذلك، وقال الإمام والغزالي: يتخرج على الوجوه السابقة.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن كلامه صريح في أنه إذا قال: لله عليَّ أن أتصدق بمالي، لا يخرج عن ملكه بل يلزمه التصدق به، وقد ذكر في باب الأضحية أنه يخرج وجزم به، ونقله عن الأصحاب وفرق بينه وبين نذر إعتاق العبد، وستعرف لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى.
الأمر الثاني: أن المسألة المذكورة [في آخر كلامه] 6 ناقلًا لها عن النص فرد من أفراد نذر اللجاج والغضب حتى يتخير بين المنذور وبين كفارة يمين على الصحيح، هذا إن كان المعلق عليه غير محبوب إليه، فإن كان له في حصوله غرض لزمه الوفاء كما قاله.

قوله: النوع الثاني: العبادات المقصودة، وهي التي شرعت للتقرب بها وعلم من الشارع الاهتمام بتكليف الخلق إيقاعها عبادة كالصوم والصلاة والصدقة والحج والاعتكاف والعتق، فهذه تلزم بالنذر بلا خلاف.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدّ الاعتكاف في هذا القسم كيف يستقيم معها مع أن الشارع لم يكلف الخلق بإيقاعه؟ وقد صرح به في أوائل أحكام النذر فقال: وليس جنس الاعتكاف واجبًا بالشرع.
هذا لفظه.

الجزء: 9 - الصفحة: 181

قوله في "أصل الروضة": فرع: كما يلزم أصل العبادة بالنذر يلزم الوفاء بالصفة المستحبة فيها إذا شرطت كمن شرط المشي في الحج الملتزم وقلنا: المشي أفضل.
انتهى.
ومقتضاه أنه لا يلزم المشي إذا قلنا: الركوب أفضل.
وقد خالفه بعد ذلك بأوراق فقال: قلت: الصواب أن الركوب أفضل وإن كان الأظهر لزوم المشي بالنذر لأنه مقصود.

قوله: فلو أفردت الصفة بالنذر، والأصل واجب شرعًا كأن يقرأ في الصبح مثلًا سورة كذا.
فالأصح: اللزوم لأنها طاعة.
الثاني: لا؛ لئلا تغير عما وضعها الشرع.
انتهى ملخصًا.
واعلم أن الرافعي احترز بقوله: والأصل واجب شرعًا، عما إذا كان منذورًا، فإنه إذا نذر قراءة السورة في الصلاة المنذورة لزمه الإتيان بهما جزمًا، وهل يلزمه الجمع؟ فيه خلاف: الأصح: الوجوب كذا نقله الرافعي في كتاب الاعتكاف عن القفال وأقره، وتقدم الكلام عليه مبسوطًا فراجعه.

قوله نقلًا عن "التتمة": ولو نذر الوضوء انعقد نذره، ولا يخرج عنه بالوضوء عن حدث بل بالتجديد.
انتهى.
وما جزم به في "التتمة" من الانعقاد قد جزم به أيضًا القاضي الحسين، وحكى في "التهذيب" وجهًا ضعيفًا: أنه لا يلزم، والمراد بالتجديد الذي يخرج به عنه هو التجديد المشروع وهو أن يكون قد صلى بالأول صلاة ما على الأصح قاله في "الروضة".
والخلاف الذي أشار إليه في التجديد قد استوفاه في صفة الوضوء من

الجزء: 9 - الصفحة: 182

"شرح المهذب" و"التحقيق" فقال: ويندب تجديده لمن صلى به صلاة، وقيل: فرضًا، وقيل: إذا فعل ما يقصد له، وقيل: مطلقًا إذا فرق بينهما كثيرًا.

قوله: ولو نذر أن يهرب بالحج من شوال أو من بلد كذا، ففيه وجهان: والأظهر: وجوبه.
انتهى كلامه.
وما ذكره من تصحيح الوجوب في ما إذا نذر الإحرام من شوال ونحوه قد سبق منه في كتاب الحج في الكلام على تحريم الجماع ما يخالفه مخالفة عجيبة، وسبق ذكر لفظه هناك فراجعه.

قوله: وهل يكون نذر المباح يمينًا حتى تجب الكفارة إذا خالف؟ فيه ما ذكرناه في نذر المعاصي والمفروضات.
انتهى كلامه.
والذي ذكره في ما إذا نذر المعاصي وخالفها أن المذهب المشهور: أنه لا تجب به الكفارة، ثم ذكر أنه إذا التزم المفروضات وخالف ففيه الخلاف في نذر المعاصي سواء التزمه ابتداء أو علقه بحصول نعمة، فتخلص من هذا كله أن نذر المباح لا كفارة فيه على المذهب، وهو الذي جزم به أيضًا في أوائل كتاب الإيلاء.
إذا علمت ذلك فقد خالف في "المحرر" فقال: المرجح في المذهب لزومها.
وتابعه على هذا الاختلاف أيضًا في "الروضة" و"المنهاج" وذكر المسألة في "الشرح الصغير" من هذا الباب كما ذكرها في "الكبير" وذكرها في "الروضة" أيضًا في أثناء الكلام على نذر اللجاج وصحح أنها تلزم على العكس مما صححه بعد ذلك، لكن الرافعي لم يصحح هذا المذكور في نذر اللجاج بل نقله في أوائل كتاب الأيمان عن "التهذيب"، ثم ذكر بعده أنه من نذر المباح الذي سيأتي، فصححه النووي ونقله إلى هذا الباب مع مسائل اللجاج والغضب كلها.

قوله: وفي "التهذيب" في باب الاستسقاء: أنه لو نذر الإمام أن يستسقي

الجزء: 9 - الصفحة: 183

لزمه أن يخرج بالناس ويصلي بهم وفي الصلاة احتمال، ولو نذر واحد من عرض الناس لزمه أن يصلي منفردًا، وإن نذر أن يستسقي بالناس لم ينعقد لأنهم لا يطيعونه، ولو نذر أن يخطب وهو من أهله لزمه، وهل له أن يخطب قاعدًا؟ فيه الخلاف في الصلاة المنذورة.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا وفيه أمران: أحدهما: أن هذا الذي نقله أولًا عن البغوي من لزوم إخراجهم وأقره هو والنووي عليه خلاف مذهب الشافعي، فقد قال المحاملي في "المجموع" ما نصه: قال في "الأم" وإذا نذر الإمام أن يستسقي لزمه ذلك ولا يلزم الناس الخروج معه ولا أن أميرهم يلزمهم الخروج لأن طاعته تجب فيما يعود إلى صلاح المسلمين لا في ما يختص به.
هذا كلامه.
وهو يشعر بأنه إذا نذر الاستسقاء بالناس لزمهم طاعته، وقال في "الأم" في باب المطر قبل الاستسقاء: لو نذر الإمام أن يستسقي ثم سُقي الناس وجب عليه أن يخرج فيوفي بنذره، فإن لم يفعل فعليه قضاؤه، قال: وليس عليه أن يخرج بالناس لأنه لا يملكهم ولا نذر فيما لا يملك ابن آدم.
هذه عبارته.
ثم ذكر تعليلًا آخر خاصًا بالتصوير المذكور وهو ما إذا حصلت السقيا قبل الوفاء بالنذر فقال عقب التعليل السابق ما نصه: وليس له أن يلزمهم بالاستسقاء من غير جدب.
هذه عبارته.
وأشار بذلك إلى أنه لا فائدة فيه في التصوير المذكور والتعليل الأول يشمل حالة السقيا وعدمها، وذكر البندنيجي في كتابه "الجامع" هذا النص ولم يذكر خلافه، وكذلك الروياني في "البحر"، وجزم سليم الرازي به في باب الاستسقاء من "المجرد" ولم يذكر تعليلًا بالكلية فقال: ولو نذر الإمام أن يصلي صلاة الاستسقاء لزمه أن يصليها فيخرج ويصليها وليس عليه أن يخرجهم، ولا عليهم أن يخرجوا معه.
هذا كلامه.

الجزء: 9 - الصفحة: 184

والحاصل أن إطلاق ما نقله عن البغوي ليس مذهبًا للشافعي بل إن حصلت السقيا ولم يصرح في نذره بالناس فلا يلزمهم بإلزامه بلا شك، وإن لم تحصل السقيا أو حصلت ولكن صرح بالناس فكلامه مشعر بأن له إلزامهم، وحيث أوجبنا فيظهر أن يكون الخروج فرض كفاية.
نعم، هل يجب خروج ثلاثة أم يكفي اثنان؟ فيه نظر.
الأمر الثاني: أن هذا الاحتمال ليس هو للبغوي ولا للرافعي، بل نقله في "التهذيب" عن القاضي الحسين ولم يخصه بالإمام، فإنه قال: وكان القاضي يقول: إذا نذر أن يستسقي لزمه الاستسقاء وهل تلزمه الصلاة؟ قال: تحتمل وجهين.
هذا لفظه.
وعدم لزوم الصلاة واضح، ثم إن اقتصار الرافعي والنووي في عدم لزوم الصلاة، والحالة هذه على نقله احتمالًا فقط مؤذن بأنهما لم يطلعا على خلاف في المسألة وهو غريب، فقد صرح المتولي في "التتمة" بحكاية وجهين في المسألة حتى أنه لم يصحح منهما شيئًا، وقد سبق من كلام الرافعي التعبير بقوله: "واحد من عُرض الناس"، وهو بضم العين المهملة وسكون الراء، وبالضاد المعجمة، قال الجوهري: يقول رأيته في عُرض الناس: أي في ما بينهم.
وذكر قبل ذلك بأوراق أن ناسًا من العرب يقولونه بالفتح، قال: وفلان من عُرض الناس -أي بالضم- ومعناه من العامة.

قوله: وسئل صاحب "الكتاب" عما لو قال البائع للمشتري: إن خرج المبيع مستحقًا فلله عليّ أن أهبك ألف دينار، فهل يصح هذا النذر أم لا؟ وإن حكم حاكم بصحته هل يلزمه؟

الجزء: 9 - الصفحة: 185

فأجاب: بأن المباحات لا تلزم بالنذر، وهذا مباح ولا يؤثر فيه قضاء القاضي إلا إذا نقل مذهب معتبر في لزوم ذلك بالنذر.
انتهى.
واعلم أن هذا المنذور وإن كان لا يلزم فعله لكن يلزمه كفارة يمين إن لم يفعله على ما فيه من الاضطراب السابق فاستحضره.

قوله: قال بعضهم: لو نذر أن يكسو يتيمًا لم يخرج عن نذره باليتيم الذمي، لأن مطلقه في الشرع للمسلم.
انتهى.
قال في "الروضة": ينبغي أن يكون فيه خلاف مبني على أنه يسلك بالنذر مسلك واجب الشرع، أما جائزه كما لو نذر إعتاق رقبة.

الجزء: 9 - الصفحة: 186

قال -رحمه الله-: النظر

الثاني: في أحكام النذر والملتزمات

أنواع

النوع الأول: الصوم

قوله: وهل يجب تبييت النية في الصوم المنذور أم تكفي نيته قبل الزوال؟ إن قلنا: إن المنذور ينزل على أقل الواجب وهو الأصح، أوجبنا التبييت، وإن قلنا: على أقل الجائز، فلا.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن النووي قد صحح هنا في "الروضة" ما صححه الرافعي من سلوك المنذور مسلك الواجب، ثم خالف ذلك في باب الرجعة فقال من "زوائده": المختار أنه لا يطلق ترجيح واحد من الوجهين بل يختلف الراجح منهما بحسب المسائل لظهور دليل أحد الطرفين في بعضها وعكسه في بعض.
انتهى.
وقال في "شرح المهذب": إنه الصواب.
وقد أعلمتك مرات أن لفظ "المختار" و"الصواب" في "الروضة" ليس بالمعنى المذكور في "تصحيح التنبيه"، بل بمعنى: الراجح والأصح، ونحوهما.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" أيضًا قد تابع الرافعي على تخريج التبييت على هذا الخلاف، وخالف ذلك في "شرح المهذب" هنا وفي كتاب الصيام فإنه حكى في ذلك طريقين: إحداهما: هذه.
والثانية: الجزم بالوجوب سواء سلكنا به مسلك الواجب أم الجائز،

الجزء: 9 - الصفحة: 187

وصحح هذه الطريقة فقال: وفي صوم النذر طريقان: المذهب وبه قطع الجمهور وهو المنصوص في "المختصر": لا يصح بنية من النهار.
والثاني فيه وجهان بناء على أنه يسلك به في الصفات مسلك واجب الشرع أم جائزه؟ ثم قال: والمذهب أنه يفرق بين هذه المسائل وباقي مسائل الخلاف في أن النذر هل يسلك به مسلك الواجب أو المنذور؟ فإن الحديث هنا عام.
هذا كلامه في الصيام، وذكر هنا قريبًا منه.

قوله: وهل يجوز أن يصلي الصلوات المنذورة قاعدًا مع القدرة على القيام؟ فيه وجهان بناء على الأصل المذكور وهو سلوكه مسلك الواجب أم الجائز؟ ثم قال: وإن نذر أن يصلي قاعدًا جاز أن يقعد، كما لو صرح في نذره بركعة له الاقتصار عليها، فإن صلى قائما فقد أتى بالأفضل.
انتهى كلامه.
وما ذكره من جواز القعود عند تصريحه به قد ذكر بعده بنحو ثلاثة أوراق ما يخالفه مخالفة عجيبة، فقال في أول الكلام على ما إذا نذر صوم يوم قدوم فلان ما نصه: ثم حكى الإمام عن الأصحاب أنه لو قال: عليّ أن أصلي ركعة لم يلزمه إلا ركعة.
ولو قال: عليّ أن أصلي كذا قاعدًا، يلزمه القيام عند القدرة إذا حملنا المنذور على واجب الشرع، وأنهم تكلفوا فرقًا بينهما، قال: ولا فرق.
انتهى كلامه.
فانظر إلى هذا الاختلاف العجيب كيف جزم أولًا بأنه لا يلزمه القيام وإن سلكنا به مسلك الواجب، ونقل ثانيًا عن الأصحاب أنه يلزمه ولم ينقل خلافه.

الجزء: 9 - الصفحة: 188

ووقع الموضعان كذلك في "الشرح الصغير" على وجه أشد مما وقع هنا فإنه نفي الخلاف في الموضع الأول: فقال: ولو نذر أن يصلي قاعدًا جاز له القعود بلا خلاف.
هذا لفظه، وذكر نحوه في "الروضة" أيضًا، فقال: جاز القعود قطعًا.

قوله: أما لو نذر أن يعتكف فليس جنس الاعتكاف واجبًا بالشرع، وقد سبق في باب الاعتكاف وجهان في أنه هل يشترط اللبث أم يكفي المرور في المسجد مع النية؟ والأول أصح.
ثم قال: وإن اكتفينا بالمرور، فللإمام احتمالان: أحدهما: يشترط اللبث؛ لأن لفظ الاعتكاف يشعر به.
والثاني: لا، حملًا له على حقيقته شرعًا.
انتهى.
وما حكاه هنا عن الإمام في كيفية الخلاف قد حكى عنه في باب الاعتكاف ترتيبًا غيره، فقال: وفي اعتبار اللبث وجهان حكاهما في "النهاية": أصحهما: لابد منه.
والثاني: يكفي الحضور.
ثم فرع فقال: إن اكتفينا بالحضور حصل الاعتكاف بالعبور من باب والخروج من باب.
هذا كلامه من غير زيادة عليه.

قوله في "الروضة": ولو عَيّن في نذره زمنًا للصوم تعين على المذهب وبه قطع الجمهور، وقال الصيدلاني وغيره: فيه وجهان.
انتهى.
وما رجحه هنا من طريقة القطع قد سبق منه في كتاب الاعتكاف ما يخالفه وسبق ذكر لفظه هناك فراجعه.

قوله: ولو عَيّن يومًا من أسبوع والتبس عليه فينبغي أن يصوم يوم الجمعة لأنه آخر الأسبوع، فإن لم يكن هو المعين أجزأه وكان قضاء.
انتهى كلامه.

الجزء: 9 - الصفحة: 189

وهو صريح في أن أول الأسبوع السبت وآخره الجمعة، وقد تابعه في "الروضة" عليه، وخالف ذلك في باب صوم التطوع من "شرح المهذب" في الكلام على صوم يوم الإثنين فقال: يسمى يوم الإثنين لأنه ثاني الأيام، ثم قال: وأما يوم الخميس فسمي بذلك لأنه خامس الأسبوع.
هذا لفظه.
وهو صريح في أن أوله الأحد، وذكر مثله في "لغات التنبيه"، والصواب الأول، فقد روى مسلم في "صحيحه" في الربع الأخير من الكتاب عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال يوم الأحد وخلق الشجر فيها يوم الإثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق الله آدم بعد العصر يوم الجمعة في آخر ساعة من ساعات الجمعة في ما بين العصر إلى الليل" 7. هذا لفظه في مسلم.
وفي الصحيح أيضًا في حديث الأعرابي الذي قال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يخطب: "فادع الله أن يسقينا" 8 الحديث إلى أن قال في آخره: "فوالله ما رأينا الشمس سبتًا" أي: جمعة، فعبر بأول أيامها، على أنه قد روي أيضًا ستًا أي بكسر السين على أنه اسم للعدد الذي بين الخمس والسبع، وكذلك قول الشاعر 9: ألم تر أن الدهر يوم وليلة ... يَكُرَّان من سبت عليك إلى سبت واعلم أنك إذا أردت ضبط ترتيب المخلوقات [الواقعة في الحديث فأت

الجزء: 9 - الصفحة: 190

بلفظ حروفه مرتبة على ترتيب أوائلها] 10 وحينئذ سهل استحضاره فقل: يجشم ندا.

قوله: والخلاف في أن اليوم المعين هل يتعين؟ يجري مثله في الصلاة إذا عيّن لها في النذر وقتًا، وفي الحج إذا عيّن له سنة، والتعيين في الصلاة هو الذي أورده في "التهذيب".
انتهى.
وقد تحصل منه: أن المشهور تعيين وقت الصوم وأن الصلاة مثله، بل أولى.
إذا علمت ذلك فقد جزم في كتاب الاعتكاف في أوائل الركن الرابع بأن وقت الصلاة لا يتعين، وقد سبق ذكر لفظه هناك، ووقع هذا الاختلاف أيضًا في "الشرح الصغير" و"الروضة" و"شرح المهذب"، والتعيين هو الصواب المفتى به، فقد نص عليه الشافعي في "البويطي" في باب السنة في النذور فقال: ومن نذر صلاة في يوم بعينه أو صيامًا فعليه أن يأتي بذلك في ذلك اليوم، فإن أخره قضاه.
هذا لفظه بحروفه ومنه نقلت.

قوله: ولو عَيّن للصدقة وقتًا، قال الصيدلاني: يجوز تقديمها عليه بلا خلاف.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، وقد سبق في باب الاعتكاف ما يقتضي امتناع التقديم على خلاف ما نقله هنا عن الصيدلاني وأقره عليه.

قوله: فإذا نذرت المرأة صوم سنة متتابعة فأفطرت بعذر الحيض والنفاس ففي قول: لا يجب القضاء كيوم العيد.
وفي قول: يجب كما إذا وقع الحيض في الصوم الواجب شرعًا.

الجزء: 9 - الصفحة: 191

ثم قال: وهذا أصح عند صاحب "التهذيب"، والأول أصح عند أبي علي الطبري وأبي الحسين ابن القطان، ونسبه ابن كج إلى المشهور وتابعهم الروياني.
انتهى كلامه.
ومقتضاه أن الأكثرين على عدم الوجوب، وبه صرح في "الشرح الصغير" فقال: أظهرهما عند الأكثرين: لا يجب كيوم العيد.
هذا لفظه.
إذا علمت ذلك فقد خالف في "المحرر" وصحح الوجوب وعبر بالأظهر، واستدرك عليه في "المنهاج"، وغالب نسخ الرافعي في "الكبير" في هذه المسألة سقيمة حصل فيها إسقاط من النساخ، وقد أصلحت ما وقع لي منها.

قوله: ولو نذر أن يصوم يوم قدوم فلان صح نذره في أظهر الوجهين، فإن قدم وهو مفطر لزمه صيام يوم آخر، وهل نقول: يلزمه بالنذر أن يصوم من أول اليوم، أو نقول: يلزم من وقت القدوم إلا أنه لا يمكن صوم بعض اليوم فأوجبنا يومًا تامًا؟ فيه وجهان، ويقال: قولان، أصحهما: الأول.
ثم قال: وللخلاف فوائد: منها: لو نذر أن يعتكف اليوم الذي يقدم فيه فلان فقدم نصف النهار، فإن قلنا: بالأول اعتكف باقي اليوم وقضى ما مضى، وإن قلنا بالثاني: اعتكف باقي اليوم ولم يلزمه شيء آخر.
انتهى كلامه.
وحاصله أنه يلزمه في الاعتكاف قضاء ما فات على الأصح.
إذا علمت ذلك فهاهنا أمور: أحدها: أنه قد سبق منه في كتاب الاعتكاف ما يخالفه فإنه حكى في ذلك قولين، وقال أظهرهما: أنه لا يجب ذكر ذلك في أثناء الكلام على

الجزء: 9 - الصفحة: 192

استتباع الليالي للأيام وبالعكس، وقد سبق ذكر لفظه هناك.
ووقع هذا الاختلاف أيضًا في "الروضة" وكذلك في "شرح المهذب" لأنه صحح في آخر كتاب الاعتكاف أنه لا يلزم وبالغ في تصحيحه فقال: نص الشافعي عليه، واتفقوا على أنه الصحيح، ثم صحح في هذا الباب في الكلام على نذر صومه أنه يلزمه، لكنه صحح بعده في فصل معقود له عدم اللزوم أيضًا ولم يذكرها في "الشرح الصغير" إلا في النذر موافقًا للكبير.
الثاني: أن ما قاله الرافعي في الاعتكاف من أن الخلاف في قضاء ما مضى قولان كيف يستقيم مع بناء ذلك على الوجهين في الصوم؟ فإن الخلاف إن كان وجهين لم يصح ما قاله في الاعتكاف، وإن كان قولين لم يصح بناؤهما على وجهين، كما نبّه عليه الرافعي في غير موضع.
الثالث: أن الرافعي قد نقل هنا أثناء تعليل الوجه الثاني من أصل المسألة عن البغوي أن المحرم إذا اختار الصيام في جزاء الصيد فإنه يصوم عن كل مد يومًا فإن فضل بعض مد صام يومًا تامًا يكون بعضه واجبًا وبعضه غير واجب، وأسقط النووي هذه المسألة وفي ما قاله البغوي نظر، بل المتجه الحكم على الكل بالوجوب لأنه من باب ما لا يتم الواجب إلا به، ولكن وجوب البعض بطريق [الأصالة] 11 والباقي بطريق التوقف عليه.

قوله: ولو نذر صوم الأثانين ولزمه صوم شهرين متتابعين فيقدم صوم الكفارة، ثم إن لزمت الكفارة بعد ما نذر صوم الأثانين قضى الأثانين الواقعة في الشهرين، وإن لزمت الكفارة قبله فوجهان: أظهرهما عند صاحب "التهذيب" وطائفة من العراقيين: أنه يجب.

الجزء: 9 - الصفحة: 193

والأظهر عند الإمام والغزالي والقاضيين أبي الطيب وابن كج: أنه لا يجب.
انتهى ملخصًا.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، والصحيح وجوب القضاء كذا صححه الرافعي في "المحرر"، وصحح النووي في "شرح المهذب و"زوائد الروضة" و"المنهاج": أنه لا يجب، والصواب الأول فإن الربيع قد نقله عن نص الشافعي، كذا نقله عنه العمراني في "البيان" والنووي في "شرح المهذب"، لكن يشكل على الرافعي ما لو نذر صوم الدهر وكان عليه كفارة حين النذر فإن زمانها مستثنى كما قاله الرافعي وكان قياسها مما قاله في الأثانين أن يفدي عن النذر كما لو لزمت الكفارة بعد أن نذر.

قوله: في الكلام على نذر صوم الدهر ولو أفطر هذا الناذر في رمضان بعذر أو غير عذر فعليه القضاء ويقدمه على النذر، ثم إن أفطر بعذر فلا فدية عليه، وإن كان متعديًا لزمه.
انتهى.
وما ذكره هنا في وجوب الفدية من الفرق بين أن يكون لعذر أو لا لعذر قد جزم بخلافه في آخر صوم التطوع، فإنه سوّى بينهما فحكى فيهما معًا وجهين، ولم يصرح بتصحيح، وقد سبق إيضاحه هناك.

قوله: ولو أفطر يومًا فلا سبيل إلى قضائه لاستغراق أيام العمر بالأداء وعليه الفدية إن أفطر بلا عذر، ثم أفاد الإمام هاهنا شيئين: أحدهما: أنه لو نوى في بعض الأيام قضاء يوم أفطر فيه متعديًا، فالوجه أن يصح، وإن كان الواجب غير ما فعل لم يلزمه المد لما نزل عن الأداء في ذلك اليوم، ولك أن تقول يجيء في الصحة الخلاف المذكور فيما إذا عَيّن وقتًا للصوم بنذره فعقد فيه صومًا آخر.
والثاني: قال: وهل يصوم عن المفطر المتعدي وليه في حياته تفريعًا على

الجزء: 9 - الصفحة: 194

أنه يصوم عن الميت وليه؟ والظاهر عندنا: جوازه لتعدد القضاء منه، وفيه احتمال من جهة أنه قد يطرأ عذر يجوز ترك الصوم له، ويتصور تكليف القضاء منه وقد يستفاد مما ذكره أنه إذا سافر يقضي ما يفطر فيه متعديًا، وينساق النظر إلى أنه هل يلزمه أن يسافر ليقضي؟ انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن ما ذكره بحثًا من مجيء الوجهين قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو يقتضي أنهما لم يظفرا فيه بنقل، وقد صرح بنقلهما الروياني في "البحر"، ورأيتهما أيضًا في "فتاوى القفال" مع أمور أخرى لم يتعرض لها الرافعي فقال: فإذا أفطر هذا الرجل بالمرض أو غيره فهل تلزمه الفدية؟ على وجهين: أحدهما: لا تلزم إلا أنه يعصي إذا أفطر بغير عذر.
والثاني: تلزمه، وعلى هذا فهل يجوز له إخراجها في حياته؟ على وجهين: أحدهما: نعم لأن القضاء لا يمكن لاستغراق جميع الزمان باستحقاق الأداء.
والثاني: لا بل إنما يخرجها بعد الموت كما في الصوم الذي عليه من غيره إنما يخرج فديته بعد الموت، وذلك لأن الفدية إنما تجوز عند اليأس من القضاء، وهاهنا يمكنه أن يقضي في هذه الأيام ما فاته، ثم إذا قضى صار تاركًا بعض الأداء ثم يقضيه بعد ذلك، ولا يزال الأمر هكذا.
ثم قال: فرجع حاصل الكلام إلى أن الأداء أولى بهذا الزمان لأنه عين له أو أن القضاء أولى به إذ جميعه متعلق بذمته فهو كالمانع للأداء.
انتهى كلامه.

الجزء: 9 - الصفحة: 195

وقد استفدنا منه أيضًا حكاية وجهين في وجوب الفدية مطلقًا على خلاف ما جزم به الرافعي من التفصيل وحكاية وجهين في إخراجها في الحال.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن الإمام وأقره من أن الظاهر جواز صوم وليه في حياته قد تابعه عليه في "الروضة"، وقد سبق له في كتاب الصيام من "زوائده" ما يناقضه مناقضة عجيبة فراجعه.
الأمر الثالث: أن من تعاطى سبب الترخص لقصد الترخص [لا يترخص] 12 كما إذا سلك الطريق الأبعد لغرض القصر، وقياسه من هاهنا أنه إذا سافر لقصد الترخص بترك المنذور أنه لا يستبيح تركه وفيه بحث، وقريب من هذه الصورة ما إذا حلف ليطأن زوجته في نهار رمضان، قال ابن الصلاح والنووي وغيرهما: طريقه كما قاله أبو حنيفة - رضي الله عنه - لسائل سأله عن ذلك أن يسافر.
ومثار الوقفة في ما ذكرناه من الأمثلة أنه يسافر لقصد الترخص ويترتب على الترخص غرض آخر.

الجزء: 9 - الصفحة: 196

النوع الثاني: الحج والعمرة

قوله: ولو نذر الحج ماشيًا من دويرة أهله إلى الفراغ، لزمه ذلك في الأصح، فإن أطلق المشي فالأصح: أنه يلزمه من وقت الإحرام سواء أحرم من الميقات أو قبله.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وهو يوهم أن ذلك لا يأتي إذا أحرم بعد الميقات وهو ممنوع فإنه لو جاوزه غير مريد للنسك ثم عنّ له الإحرام بذلك فالقياس أنه يمشي من ذلك الوضع ولا شيء عليه، ولو جاوزه مريدًا له وهو راكب فيحتمل وجوب دمين.

قوله: ولو قال: أمشي حاجًا، فالظاهر: أنه كقوله: أحج ماشيًا، وقضية كل واحد من اللفظين اقتران الحج والمشي، وفيه وجه أن قوله: أمشي حاجًا، يقتضي أن يمشي من مخرجه وانتهاضه إلى الحج.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الذي ذكره من التسوية بينهما حتى يلزمه المشي من حين الإحرام إلى التحلل مشكل ولا يسلم أن ذلك مقتضى اللفظ في الصورة الثانية، لأن مدلوله التزام مشي في حالة الحج، وإذا مشى لحظة بعد الإحرام صدق أن يقال: مشى حاجًا، وحينئذ فيخرج عن نذره بخلاف الصورة الأولى وهي الحج ماشيًا، فإن مدلولها إيقاع الحج في حال المشي فيلزم منه الاستغراق.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد شرع في حكاية خلاف في لحاق الثانية بالأولى في ابتداء المشي فات الكلام فيه وأما نهايته فسيأتي الكلام عليها، والوجه الذي حكاه في عدم التحاقها بالأولى وهو الوجه المذكور في آخر كلامه قد تقدم بعينه في الصورة الأولى فتأمله.

الجزء: 9 - الصفحة: 197

وكأن مراده أن هذا القائل يوجب المشي من حين الخروج في هذه الصورة، بخلاف ما إذا قال: أحج ماشيًا، فإن المشي لا يجب عنده إلا من حين الإحرام.

قوله: ونهاية المشي إلى التحلل الأول على وجه، والمنصوص وقول الجمهور: إلى أن يتحلل التحللين فله الركوب، وإن بقى الرمي في أيام منى لأنه خارج عن الحج خروج السلام الثاني من الصلاة، والقياس أنه إذا كان يتردد في خلال أعمال النسك لغرض تجارة وغيرها فله أن يركب ولم يذكروه.
انتهى.
وما ذكره من أن التسليمة الثانية ليست من الصلاة قد اختلف فيه كلامه وكلام "الروضة"، وقد تقدم إيضاحه في آخر صلاة الجماعة فراجعه.

قوله في "الروضة": وإن ترك المشي مع القدرة فحج راكبًا فقد أساء، وفيه قولان: القديم: لا تبرأ ذمته من حجه بل عليه القضاء، لأنه لم يأت به على صفته الملتزمة.
والأظهر: تبرأ، فعلى هذا هل يلزمه الدم؟ قولان أو وجهان: أظهرهما: نعم.
انتهى كلامه.
وقد ذكر الرافعي تفريعًا حسنًا على القول بوجوب القضاء وحذفه من "الروضة"، فقال بعد حكاية الأول وتعليله: وذكر على هذا مأخذان: أحدهما: أن ما أتى به عن الحج لم يقع عن نذره، لأن المنذور الحج ماشيًا.
والثاني: أن أصل الحج وقع عنه، إلا أنه بقي المشي واجبًا، والمشي لا يمكن تداركه مفردًا فألزم حجة أخرى ليتدارك فيها المشي، وعلى هذا ينطبق

الجزء: 9 - الصفحة: 198

ما حكى عن نص الشافعي - رضي الله عنه - أنه لو كان قد ركب في بعض الطريق ومشى في بعض فإذا عاد للقضاء مشى حيث ركب وركب حيث مشى، وعلى المأخذ الأول يلزمه المشي في القضاء كله.
هذا كلام الرافعي.

قوله: ولو قال: أحج في عامي هذا، وهو على مسافة يمكن الحج منها في ذلك العام لزمه الوفاء.
إلى آخره.
أهمل هنا ما إذا لم يمكن ذلك لضيق الوقت، وقد ذكره قبل هذا بنحو ثلاثة أوراق فقال: المذهب: أنه لا ينعقد نذره ولا شيء عليه، وقيل: يلزمه الكفارة، وقيل: ينعقد نذره ويقضي في سنة أخرى.

قوله: وإن نذر أن يحج حافيًا فله أن يلبس النعلين ولا شيء عليه.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" وقال فيه: إنه لا خلاف فيه، وعلله بكونه ليس بقربة، لكن قد جزم هو في كتاب الحج من الشرح المذكور بأن الأولى دخول مكة حافيًا، ونقله في "المناسك" و"الروضة" تبعًا للرافعي عن بعضهم وأقره، وحينئذ فيتعين على مقتضى ذلك أن يجب عليه خلع النعلين في هذه المسافة وغيرها مما يستحب فيها أن يكون حافيًا كما لو نذر المشي أو الركوب على ما مر، وكإطالة القيام في الصلاة.

قوله: وإن نذر القِران فأفرد أو تمتع فقد أتى بالأفضل فيخرج عن نذره.
انتهى.
وهذا الكلام يشعر بأنه لا يجب على الناذر مع ذلك شيء آخر، لكن هذه المسألة هي نظير ما إذا جامع القارن أو المتمتع ثم أفرد، وقد تقدم في الحج من "زوائد النووي": أن الدم لا يسقط بعدوله إلى الإفراد فهاهنا كذلك، وفي هذه المسألة كلام يتعين الوقوف عليه سبق ذكره هناك.

الجزء: 9 - الصفحة: 199

النوع الثالث: إتيان المسجد

قوله: ولو قال: أمشي إلى بيت الله، أو آتيه ولم يذكر الحرام ولا نواه فوجهان أو قولان: أحدهما: أن مطلقه يحمل على البيت الحرام لأنه السابق إلى الفهم.
وأصحهما: لا ينعقد لأن جميع المساجد بيت لله تعالى.
انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وخالف في "المحرر" فصحح اللزوم، فقال: ولو نذر أن يمشي إلى بيت الله تعالى أو يأتيه فالأصح: أنه يلزمه إتيانه ويحج أو يعتمر.
هذا لفظه.
ووقع هذا الاختلاف أيضًا بين "الروضة" و"المنهاج"، ونص الشافعي في "البويطي" على أنه لا يلزم، كذا ذكره في باب السنة في النذور، ونقله أيضًا النووي في "شرح المهذب" عن جماهير الأصحاب في الطريقين فتكون الفتوى عليه، وقد عبر في "المنهاج": بالأصح، واستفدنا من تعبيره أن الخلاف وجهان.

قوله: ولو نذر المشي إلى بيت الله الحرام فليس له الركوب على الأظهر، بل يلزمه المشي من دويرة أهله على الأظهر، وقيل: لا يلزمه إلا من الميقات، ثم قال: ولو قال: أمشي إلى المسجد الأقصى، أو مسجد المدينة، وأوجبنا الإتيان ففي وجوب المشي وجهان بناهما الشيخ أبو علي على إلزام المشي قبل الميقات، والأظهر: الوجوب.
انتهى.
والصحيح في هذه المسألة: عدم الوجوب على خلاف ما يقتضيه نقله عن الشيخ أبي علي فقد نص عليه الشافعي في "البويطي" فقال في باب السنة في النذور ما نصه: ومن نذر المشي إلى بيت المقدس أو المدينة ركب إليهم.
هذا لفظه.

الجزء: 9 - الصفحة: 200

وصحح النووي في أصل "الروضة" الوجوب ذهولًا عن النص واعتمادًا على مقالة الشيخ أبي على، أو اعتمادًا على ما يحتمل أنه من لفظ الرافعي.

قوله: وإذا نذر الصلاة في مسجد المدينة أو الأقصى، ففي تعيينه طريقان: قال الأكثرون: فيه القولان في لزوم الإتيان، وقد تقدم أن أصحهما: أنه لا يجب.
والثاني: يتعين قطعًا، ثم قال: ولا يبعد أن يرجع التعيين هاهنا وإن ثبت الخلاف.
انتهى كلامه.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا وما دل عليه كلامه في الشرحين من رجحان التعيين، قد صحح في "المحرر" خلافه، واستدرك عليه في "المنهاج" فصحح أنه يتعين وأطلق ترجيحه أيضًا في أصل "الروضة" فقال: والتعيين أرجح.

قوله: وإن عين مسجد المدينة أو الأقصى للصلاة، وقلنا بالتعيين فصلى في المسجد الحرام خرج عن نذره على الأصح بخلاف العكس، وفيه احتمال للإمام.
انتهى كلامه.
وهذا [الاحتمال] 13 عائد إلى المسألة الأولى وهي الصلاة في المسجد الحرام عوضًا عن أحد المسجدين، كذا ذكره في "النهاية"، فقال: ولو قال: أصلي في مسجد المدينة، فصلى في المسجد الحرام، فالأصح: أنه يخرج عن النذر، وفيه شيء أخذًا من الالتزام.
هذا كلامه.
والاحتمال المذكور هو مقابل الأصح فإنه لم يذكر غيره، وأيضًا فلو كان مقابله قولًا أو وجهًا لم يكن لذكر الاحتمال معه فائدة، وتعبيره بالأصح لا يدل على خلاف، فإنه لم يصطلح على شيء من ذلك بل هو

الجزء: 9 - الصفحة: 201

كتعبيره بالقياس والظاهر والراجح ونحوها، وقد فهم النووي أيضًا ذلك فإنه لم يذكر في "الروضة" هذا الاحتمال بالكلية، فدل على أنه ليس عائدًا إلى الصورة الثانية بل إلى الأولى، واستغنى عن التصريح به اعتمادًا على فهم ذلك من تعبيره بالأصح، غير أن تركه لفظ الأصح يشعر على اصطلاحه بأن في المسألة وجهين والمعروف الجزم بأنه يقوم مقام المسجدين المذكورين وهو المجزوم به في "تعليق القاضي الحسين" وغيره والمنصوص عليه في "البويطي" كما ستعرفه.
نعم من يجعل احتمالات الإمام وجوهًا كالغزالي فيحسن منه إثبات الخلاف.

قوله: وهل تقوم الصلاة في أحدهما -أي مسجد المدينة وبيت المقدس- مقام الآخر؟ فيه وجهان.
انتهى.
والصواب وجه ثالث وهو أن مسجد المدينة يقوم مقام الأقصى بخلاف العكس، فإن الشافعي قد نص عليه في "البويطي" وهو المذكور في "تعليقة القاضي الحسين" و"التتمة" وغيرهما، وصححه النووي في "الروضة" و"شرح المهذب"، وقد صحح الرافعي والنووي أيضًا ذلك في نظير المسألة وهو نذر الاعتكاف في أحدهما كما أوضحته في موضعه، ويتجه في المسألة وجه آخر وهو أنه إن كانت المسافة بين المسجدين من مكانه متساوية فتجزئه الصلاة في أحدهما عن الآخر، وإن كانت متفاوتة فلا يجزئه الأخف عن الأثقل كما ذكروه في ميقات الحج، وكذلك في نذر الجهاد على الأصح، إلا أن المنصوص أصوب وأقيس.

قوله: فروع: قد عرفت أن الظاهر في نذر المشي إلى بيت الله الحرام وجوب الحج أو العمرة، فلو قال في نذره: أمشي إلى بيت الله الحرام بلا حج ولا عمرة، [ففيه وجهان:

الجزء: 9 - الصفحة: 202

أحدهما: ينعقد نذره ويلغو تقييده بقوله: لا حج ولا عمرة] 14. والثاني: لا ينعقد، فإذا أتاه فعليه حج أو عمرة إن أوجبنا إحرامًا لدخول مكة، فإن لم نوجبه لدخولها فعلى ما ذكرناه في مسجد المدينة ومسجد الأقصى.
انتهى.
والأصح في المسجدين: عدم الانعقاد، وفي داخل مكة: أنه لا يجب عليه الإحرام، وحينئذ فلا تبقى للنذر فائدة، ويلزم من ذلك أن يكون الأصح عدم صحته.
إذا علمت ذلك فقد تابعه في "الروضة" على هذا كله ثم صحح من "زوائده" انعقاد النذر، وذكر مثله في "شرح المهذب"، وهو كلام متدافع على أن كلام الرافعي أيضًا فيه إيهام.

قوله: وقال القاضي ابن كج: إذا نذر أن يزور قبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعندي أنه يلزمه الوفاء وجهًا واحدًا، ولو نذر أن يزور قبر غيره ففيه وجهان عندي.
انتهى.
وتعبيره في آخر كلامه بقوله: عندي، يدل على أنه أراد بالوجهين احتمالين، ولم يتعرض لهذه اللفظة في "الروضة".

الجزء: 9 - الصفحة: 203

النوع الرابع: الهدايا والضحايا

قوله: وإذا قال: لله عليّ أن أتصدق على زيد وهو فقير، فهل يتعين الصرف لزيد؟ فيه خلاف، والظاهر: التعيين، وقد ذكر صاحب "التهذيب" وغيره: أنه لو نذر أن يتصدق بكذا على أهل بلد عيّنه يجب أن يتصدق به عليهم، ومن هذا القبيل ما ينذر بعثه إلى القبر المعروف بجرجان فإن ما يجتمع به على ما يحكى يقسم على جماعة معلومين.
انتهى.
والمسألة الأولى والأخيرة قد أسقطهما النووي من هذا الموضع مع الاحتياج إلى الثانية وغرابتها.

قوله: ولو نذر شاة فأخرج عنها بدنة جاز، وهل يكون الكل فرضًا؟ فيه وجهان.
انتهى.
وقد حصل اضطراب شديد في الراجح من هذين الوجهين أوضحته في باب صفة الصلاة فراجعه فإنه مشتمل على فوائد كثيرة.

قوله: فإذا قال: لله عليَّ أن أهدي بعيرًا، أو بقرة، أو شاة.
ففي اشتراط إجزائه في الأضحية قولان مبنيان على أنه يسلك به مسلك الواجب أما الجائز؟ ثم قال عقبه: قال الإمام: وبالاتفاق لا يجزئ الفصيل في نذر البعير لأنه لا يسمى بعيرًا، ولا العجل إذا ذكر البقرة، ولا السّخلة إذا ذكر الشاة.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام من الاتفاق وسكوته عليه تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو مخالف لكلامهم في الوصية فإن الرافعي حكى هناك وجهين في تناول الشاة السَّخلة، ولا شك في جريانهما في هذا الباب إذا سلكنا

الجزء: 9 - الصفحة: 204

بالمنذور مسلك الجائز، فإن المتبع في البابين إنما هو الاسم.

قوله: ولو قال: لله علىَّ أن أهدي، ولم يسم شيئًا فالجديد: أنه يحمل على ما يجري في الأضحية لأنه المعهود شرعًا.
والقديم: أنه يخرج عنه بكل متمول، ثم قال: ولو قال: عليَّ أن أهدي الهدي، بالألف واللام انصرف إلى المعهود الشرعي ولم يُجروا فيه الخلاف.
انتهى كلامه.
وما ذكره من نفي الخلاف قد تبعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" وعبر فيهما بقوله: حمل على المعهود الشرعي بلا خلاف، والذي قالاه غريب، فقد حكى الماوردي فيه خلافًا، وبالغ فنسب ما قاله الرافعي إلى الشيخ أبي حامد ومن أخذ بمذهبه.
ثم قال: وسائر أصحابنا محلى خلافه، ونقل عنه الروياني في "البحر" أيضًا ما حكيناه عنه.

قوله: ولو نذر أن يهدي مالًا معينًا فيجب صرفه إلى مساكين الحرم، وحكى ابن كج وجهًا ضعيفًا أنهم لا يتعينون، ثم فَرَّعَ على الأول فقال: وهل يجب الذبح في الحرم؟ فيه وجهان.
أصحهما: [نعم] 15. والثاني: يجوز أن يذبح خارج الحرم بشرط أن ينقل اللحم قبل [أن يتغير وقد سبق نظيره.
انتهى كلامه.
واعلم أنه قد قال قبل] 16 ذلك بنحو ثلاثة أوراق: ولو نذر أن يهدي بدنة أو شاة إلى مكة ولم يتعرض للذبح وتفرقة اللحم فيلزمه الذبح بها،

الجزء: 9 - الصفحة: 205

بدنة أو شاة إلى مكة ولم يتعرض للذبح وتفرقة اللحم فيلزمه الذبح بها، وفي تفرقة اللحم بها وجهان: أحدهما: له أن يفرق في موضع آخر إلا إذا نوى.
وأصحهما: الوجوب حملًا على الهدايا.
انتهى.
فجزم هنا بما أجرى فيه الخلاف هناك، وجزم هناك في ما أجرى فيه الخلاف هنا، فجزم هنا بالتفرقة، وحكى الخلاف في الذبح وعكس هناك.

الجزء: 9 - الصفحة: 206

قال: -رحمه الله-:

مسائل منثورة

قوله: ولو نذر ستر الكعبة وتطييبها لزمه، ولو نذر تطييب مسجد المدينة والمسجد الأقصى أو غيرهما من المساجد ففيه تردد للإمام، ومال إلى تخصيصه بالكعبة والمسجد الحرام.
انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله أيضًا والمختار كما قاله النووي في "شرح المهذب": صحة هذا النذر.
قال الشيخ عز الدين: وحكم مشاهد العلماء والصلحاء كضريح الشافعي وذي النون المصري حكم البيوت لا المساجد 17.

قوله: والثاني: أغرب القاضي ابن كج فحكى وجهًا أنه لا يجوز الوقف على البنيان كما لو وقف على المسجد والكعبة ونحوهما، وإنما الوقف على من يملك، وذكر على هذا أنه لا يجوز أن يقصد كون الستر والطيب للكعبة، بل ينبغي أن يجعله لعامة المسلمين ليتجملوا به، ولا أدري هل جرى ذكر هذا الوجه في الوقف أم لا؟ انتهى.
وهذا الكلام قد حذفه النووي من "الروضة" ولم يتقدم للوجه ذكر في الوقف، بل جزم الرافعي هناك بصحة الوقف على المسجد والكعبة.
نعم حكى وجهين في اشتراط بيان المصرف من عمارة أو وقود ونحوهما وصحح عدم الاشتراط.
ونقل عن القفال: أنه لابد من بيان المصرف في الرباط.
وعن الحناطي في الدار نحوه أيضًا، ولا يلزم من الاشتراط في هذين

الجزء: 9 - الصفحة: 207

اشتراطه في المسجد والكعبة، لأن المسجد عند الأصحاب بمثابة الأحرار في الملك.

قوله: فروع: نقل القاضي ابن كج وجهين في من قال: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ أن أعجل زكاة مالي، هل يصح نذره؟ ووجهين في من قال: إن شفا الله مريضي فلله عليَّ أن أذبح عن ولدي، هل يلزم الذبح عن ولده؟ لأن الذبح عن الأولاد مما يتقرب به.
ووجهين أيضًا في ما إذا قال: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ أن أذبح ابني، فإن لم يجز فشاة مكانه، هل يلزم ذبح شاة؟ ووجهين في ما إذا نذر النصراني أن يصلي أو يصوم ثم أسلم، هل يلزمه أن يصلي صلاة شرعنا وصومه؟ . انتهى.
قال في "الروضة": الأصح في الصورة الثانية: الصحة، وفى الباقي البطلان، وذكر نحوه في "شرح المهذب" أيضًا، فأما التعجيل: فينبغي صحة نذره حيث قلنا باستحبابه، وهو ما إذا اشتدت حاجتهم أو قدم الساعي في المحرم ولم يتم حوله.
وأما الذبح عن الولد: إذا أوجبناه فهل يجب تفريق الجميع أم لا؟ وإذا لم نوجب فهل نسلك بالحيوان مسلك الأضحية أو العقيقة؟ . وأما الثالثة: ففيها ما ذكرناه في الثانية إن قلنا بالصحة.
وأما الأخيرة: فالخلاف فيها مشهور حتى في "التنبيه" وقد ذكره الرافعي في أول الباب وصحح عدم الصحة، وإيراده لهما عن ابن كج من غير ترجيح يشعر باستغرابهما.

قوله: وفي "فتاوى القفال": أنه لو نذر أن يضحي بشاة ثم عين شاة لنذره فلما قدمها للذبح صارت معيبة: لا تجزئ، ولو نذر أن يهدي شاة ثم

الجزء: 9 - الصفحة: 208

عُيّن شاة وذهب بها إلى مكة فلما قدمها للذبح تعيبت: أجزأته لأن الهدي ما يهدي إلى الحرم وبالوصول إليه حصل الإهداء، والتضحية لا تحصل إلا بالذبح.
انتهى.
وما نقله عن القفال من إجزاء الهدي وأقره عليه [قد تابعه] 18 في "الروضة" أيضًا عليه، وليس كذلك بل الصحيح فيه أيضًا: عدم الإجزاء كالأضحية، كذا ذكره الرافعي في النظر الثاني من كتاب الأضحية في الحكم الثاني منه فقال: ولو تعيب الهدى بعد بلوغ المنسك فوجهان: أحدهما ويحكي عن ابن الحداد: أنه يجزئ ذبحه، لأنه لما بلغ موضع الذبح صار كالحاصل في يد المساكين، ويكون كمن دفع الزكاة إلى الإمام فتلفت في يده تحسب من زكاته.
ونسب الإمام هذا الوجه إلى القفال.
وأصحهما: المنع، فإنه من ضمانه ما لم يذبح.
هذا كلامه، ثم حكى عن "التهذيب" وجهًا آخر مفصلًا بين أن يتمكن فلا يجزئ وإلا فيجزئ.

قوله: وفي "تفسير أبي نصر القشيري": أن القفال قال: من التزم بالنذر أن لا يكلم الآدميين يحتمل أن يقال: يلزمه، لأنه مما يتقرب به، ويحتمل أن يقال: لا، لما فيه من التضييق والتشديد، وليس ذلك من شرعنا كما لو نذر الوقوف في الشمس.
انتهى.
والأصح كما قاله في "زوائد الروضة" و"شرح المهذب": هو الاحتمال الثاني، وحديث أبي إسرائيل 19 الذي ذكره الرافعي في أول الباب يدل عليه، وفي البخاري 20 أن امرأة حجت صامتة عن الكلام،

الجزء: 9 - الصفحة: 209

فقال لها أبو بكر - رضي الله عنه -: تكلمي فإن هذا لا يحل.

قوله من "زوائده" نقلًا عن "فتاوى القاضي": أنه لو نذر صوم سنة معينة ثم قال: إن شفى الله مريضي فلله عليّ صوم الأثانين من هذه السنة، قال: لا ينعقد الثاني؛ لأن الزمان مستحق لغيره، وقال العبادي: ينعقد ويلزمه القضاء.
قيل له: لو كان له عبد، فقال: إن شفى الله مريضي فلله عليّ عتقه، ثم قال: إن قدم زيد فعليّ عتقه.
قال: ينعقد إن كانا وقعا معًا أقرع بينهما.
انتهى.
والمسألتان قد تقدمتا في كلام الرافعي في آخر الكلام على نذر الصوم، فأما الأولى: فكلام الرافعي فيها مشتمل على ما هو منقول هنا وزيادة، وأما الثانية وهي مسألة العبد: فتكلم هناك على ما يدخل فيه العبد وغيره ولم يذكر ما قاله العبادي من الإقراع بل ذكر غيره فراجعه.

الجزء: 9 - الصفحة: 210

فصول الكتاب · 72 فصل
فصول المهمات في شرح الروضة والرافعي
المقدمةالمقدمةمقدمة المحققمقدمة المؤلفكتاب الطهارةكتاب التيممكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الصلاةكتاب الصلاة بالجماعةكتاب صلاة المسافرينكتاب الجمعةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصدقاتكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفاراتكتاب "العدد"كتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدمكتاب الجنايات الموجبة للعقوباتكتاب موجبات الضمانكتاب السيركتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنةكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحايا والعقيقةكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب [النذر]كتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدعاوى والبيناتكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل