المهمات في شرح الروضة والرافعيصفحات 411-450

قوله: ولو تبايع اثنان أحدهما من أهل فرض الجمعة دون الآخر أثما جميعًا.
انتهى.
اعلم أن هذه المسألة قد ذكرها كذلك الشيخ في "المهذب" وصاحب "التتمة" والروياني في "البحر" والمعروف أنه لا يأثم إلا من تلزمه الجمعة، كذا نص عليه الشيخ أبو حامد في "التعليق"، والبندنيجي في "تعليقه" أيضًا، وسليم في "المجرد" والمحاملي في "المقنع"، والماوردي في "الحاوي"، وأبو المكارم الروياني في "العدة" وهو مقتضى كلام الروياني في "الحلية"، ونقله الشيخ أبو حامد في "تعليقه" عن النص، فقال ما نصه: قال الشافعي: ولا يكره للعبيد والنساء إذا باعوا من لا جمعة عليهم، ولا يكره ذلك إذا باعه ممن عليه فرض الجمعة لأن فيه إعانة له على البيع، ولا يحرم عليه، وإنما يحرم على من يلزمه فرض الجمعة.
انتهى كلامه.
ولا تغتر بما وقع هنا، وفي "شرح المهذب" للنووي.

باب صلاة الخوف

قوله: وروى عن علىّ - رضي الله عنه - أنه صلى بأصحابه صلاة الخوف ليلة الهرير 1. انتهى.
الهرير بهاء مفتوحة، وبراءين مهملتين الأولى مكسورة، وبينهما ياء بنقطتين من تحت.
تقول العرب: هر فلان الحرب هريرًا أى كرهها.
كذا قاله الجوهري.
وكأنها سميت بذلك لكراهتهم الحرب في تلك الليلة لكثرة ما وقع فيها من القتل.
وقال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات": كان بعضهم يهر على بعض فسميت بذلك، قال: وهي حرب وقعت بينه وبين الخوارج، وقيل: هي ليلة صفين بينه وبين معاوية.

قوله: النوع الأول: صلاة بطن نخل وهي أن يجعل الإمام الناس فرقتين، فرقة في وجه العدو، وفرقة يصلي بها جميع الصلاة، ويكون قد صلى مرتين، واقتدى المفترض بالمتنفل.
ولهذه الصلاة ثلاث شروط: أن يكون العدو في غير جهة القبلة، وأن يكون في المسلمين كثرة، والعدو قليلون، وأن يخاف هجوم العدو عليهم في الصلاة.
وهذه الثلاث شروط لاستحباب هذه الصلاة.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وهو عجيب، فإن المستحب للمفترض أن لا يصلي خلف المتنفل حتى قال في "الروضة": إن الانفراد أولى منها

خروجًا من خلاف أبي حنيفة، وأيضًا فإنها شرط للجوار، فإن تركها تغرير بهم فتأمله.

قوله: النوع الثاني: صلاة عسفان وهي أن يرتب الإمام الناس صفين ويحرم بهما جميعًا فيصلون معه إلى أن ينتهي إلى الاعتدال عن ركوع الركعة الأولى، فإذا سجد سجد معه الصف الثاني، ولم يسجد الصف الأول، بل يحرسونهم قائمين، فإذا قام الإمام والساجدون سجد أهل الصف الأول ولحقوه وقرأ الكل معه وركعوا واعتدلوا، فإذا سجد سجد معه الحارسون في الركعة الأولى، وحرس الساجدون معه في الأولى، فإذا جلس للتشهد سجدوا ولحقوه ويتشهد الكل معه وسلم بهم.
وهذه الكيفية ذكرها الشافعي في "المختصر" وأخذ بها كثيرون.
وقال الشيخ أبو حامد ومن تابعه: الثابت في السنة أن أهل الصف الأول يسجدون معه في الركعة الأولى وأهل الصف الثاني يسجدون معه في الثانية، والشافعي عكس ذلك، لكن الذي قاله الشافعي: وهذا نحو صلاته عليه السلام يوم عسفان، فأشبه تجويز كل واحد منهما إذا لا فرق في المعنى، وقد صرح به الروياني وصاحب "التهذيب" وغيرهما.
انتهى.
والصحيح هو التخيير، فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه الأشبه، والنووي في "الروضة": إنه الصحيح المختار.
قال: وهو مراد الشافعي فإنه ذكر الحديث كما ثبت في الصحيح، ثم ذكر الكيفية الأخرى فأشار إلى جوازهما معًا.
وجزم في "المحرر" بما حاصله ذلك أيضًا فإنه [عبر] 1 بقوله: سجد معه أحد الصفين.

قوله: قالوا: واختار الشافعي -رضي الله عنه- ما ذكره لأمور:

أحدها: أن الصف الأول أقرب من العدو فهم أمكن من الحراسة.
والثاني: أنهم إذا حرسوا كانوا جُنة لمن وراءهم فإن رماهم المشركون تلقوه بسلاحهم.
والثالث: أنهم يمنعون أبصار المشركين عن الاطلاع على عدد المسلمين وعدتهم.
انتهى كلامه.
واعلم أنا إذا قلنا بما قاله الشافعي فلو تأخر الحارسون أولًا إلى الصف الثاني في الركعة الثانية وتقدمت الطائفة الثانية ليحرسوا جاز إذا لم تكثر أفعالهم، وهل هو أولى؟ قالت جماعة: نعم.
وقال أصحابنا العراقيون: الأولى أن يلازم كل منهم مكانه.
ولفظ الشافعي في "المختصر" على هذا أدل، هكذا ذكره الرافعي بعد هذا بنحو صفحة، وإذا كان الذي يدل عليه كلام الشافعي هو عدم الانتقال لزم بطلان تعليل ما اختاره الشافعي بالوجوه الثلاثة التي أبداها الرافعي، فراجعه يظهر ذلك لك.

قوله: عن صالح بن خوات، وعن سهل بن أبي حثمة.
أما خوات فبخاء معجمة وواو مشددة وتاء مثناة وهو في اللغة الرجل الجرئ، كما قاله الجوهرى، وأما حثمة فبحاء مهملة وثاء مثلثة ساكنة.
والحثمة هي الأكمة الحمراء، وبها سميت المرأة حثمة، قاله الجوهري.
قال: وتقول: حثمت: بمعنى أعطيت وبمعنى دللت.

قوله: واختلفوا في اشتقاق ذات الرقاع فقيل: كان القتال في سفح جبل فيه جدد بيض وحمر كالرقاع.
انتهى.
سفح الجبل: أسفله حيث يسفح فيه الماء أي يراق.

والجدد: الطرق جمع جدة بضم الجيم فيهما.
فالجبل المذكور كانت فيه طرائق تخالف لون الجبل.

قوله في "أصل الروضة": فرع: إذا قام الإمام إلى الثانية فهل يقرأ في انتظاره مجئ الطائفة الثانية أم يؤخرها ليقرأ معهم، ويشتغل بالذكر فيه ثلاث طرق: أصحها على قولين: أظهرهما: يقرأ.
ثم قال: وهل يتشهد في انتظاره فراغ الثانية من ركعتهم؟ فيه طرق: المذهب أن يتشهد، وقيل: فيه الطريقان الأولان.
انتهى.
وما ذكره من تصحيح طريقة القطع في التشهد المنقول في "الشرحين" عن الأكثرين، وجزم به في "المحرر"، ووقع في "المنهاج" تصحيح طريقة الخلاف غلطًا فتفطن له.

قوله: وإن كانت الصلاة مغربًا صلى بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة، وحينئذ فيجوز انتظار الفرقة الثانية في التشهد الأول، وأن ينتظرهم في القيام الثالث وأيهما أفضل؟ فيه قولان: أظهرهما: في القيام.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره من كون الخلاف قولين ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وكذلك في "الروضة" و"شرح المهذب" وغلط في "المحرر" فجعله وجهين، وتبعه عليه في "المنهاج"، والصواب الأول، فقد صرح الشيخ في "المهذب" بأن الانتظار في التشهد منصوص عليه في "الأم" والآخر في "المختصر".

قوله: وإن كانت الصلاة رباعية ففرقهم أربع فرق صحت صلاة الإمام في أصح القولين، فإن جوزنا فمن شرطه أن تمس الحاجة إليه، وإلا فيكون كما لو وقع ذلك في الاختيار، قاله إمام الحرمين.
انتهى.

وهذا الذي قد قاله الإمام قد جزم به في "المحرر" وأقره النووي عليه في "الروضة"، وخالف في "شرح المهذب" فقال: لم يذكره الأكثرون، والصحيح خلافه.
انتهى.
وكلام "المنهاج" يقتضي ذلك أيضًا، فإنه لم يذكره بالكلية، وكان الصواب ذكره والتنبيه عليه، فإن لم يفعل ففي دقائقه.

قوله: وفي صحة صلاة المأمومين على هذا القول وهو صحة صلاة الإمام قولان ينبنيان على بطلان صلاة من أخرج نفسه من الجماعة بغير عذر، فإن أبطلناها بطلت صلاة الفرق الأولى والثانية والثالثة لأنهم مفارقون بغير عذر، إذ وقت المفارقة المنقولة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما هو بعد نصف الصلاة، والفرق الثلاث قد فارقت قبل النصف.
انتهى كلامه.
فمراده بقوله في آخر كلامه "قبل النصف" إنما هو نصف صلاة الفرق لا صلاة الإمام فاعلمه.

قوله: ويجوز إقامة الجمعة على هيئة صلاة ذات الرقاع، فلو نقصت الفرقة عن أربعين لم يجز، ولو نقصت الثانية فقد قيل: لا يضر، وقيل: على الخلاف في الانفضاض.
انتهى ملخصًا.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، والصحيح القطع بأنه لا يضر، كذا صححه في "شرح المهذب" وصحح في "زيادات الروضة" أنه لا يضر، وليس فيه تصريح بتصحيح طريقة القطع.

قوله: ولا يجب حمل السلاح في صلاة الخوف في أصح القولين، فإن أوجبنا فله شروط: أحدها: أن يكون طاهرًا.
والثاني: ألا يكون مما يمنع عن بعض أركان الصلاة كالحديد المانع من الركوع، والبيضة المانعة من مباشرة المصلى الأرض بالجبهة.
انتهى.

وما ذكره من عدم جواز لبس البيضة مشكل، بل ينبغي عند خوف الهلاك من تركها جواز لبسها قطعًا، وأن لا قضاء عليه، وإن منعت من استيفاء السجود وكيف لا وقد جعلوا اللصوق للدواء جائزًا، ولا قضاء عليه، مع أنه لا يخاف الهلاك، فجواز هذا وقد خاف الهلاك أولى.

قوله: والثالث: ألا يتأذى به الغير كالرمح، فإنَّ حمله في وسط الصف يؤذي القوم، فيكره إلا أن يكون في حاشية الصف، فلا يتأذى بحمله أحد.
الرابع: قاله الإمامان: أن يخاف من موضع السلاح خطر على سبيل الاحتمال، فأما إذا تعرض للهلاك ظاهرًا لو تركه فيجب الأخذ قطعًا.
انتهى.
وما ذكره في الأذى من الكراهة فيها نظر، بل القياس التحريم إن تيقنه أو غلب على ظنه، وهذا الأخير الذي نقله عن الإمام قد جزم به الرافعي في "الشرح الصغير"، وكذلك النووي في "الروضة".

قوله: قال الإمام: وليس الحمل معينًا لعينه، بل لو وضع السيف بين يديه، وكان مد اليد إليه في اليسر والسهولة كمدها إليه وهو محمول متقلد كان ذلك بمثابة الحمل قطعًا.
انتهى.
وما نقله عن الإمام وارتضاه قد تابعه عليه في"الروضة" أيضًا، وهو لا يستقيم على ما ذكره في الشرط الثالث، فإنه لو كان المراد إنما هو الوضع لكان وضع الرمح في وسط الصف بين يديه، أو عن يمينه كوضعه في حاشية الصف، فدل على أن المراد حقيقة الحمل.

قوله: فأما لفظ السلاح فقد قال ابن كج: إنه يقع على السيف والمسكين والرمح والنشاب ونحوها أما الترس فليس بسلاح، وكذا لو لبس درعًا لم يكن حاملًا لسلاح.
انتهى.
وما نقله عن ابن كج من كون الدرع ليس بسلاح قد تابعه عليه أيضًا في

"الروضة" وهو يخالف ما سبق في الشرط الثاني، فإنه جعل البيضة هناك من السلاح والدرع كالبيضة بلا شك.

قوله: قال ابن عمر في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ 1: أى مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها.
قال نافع: لا أراه ذكر ذلك إلا عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 2. انتهى كلامه.
وهذا التفسير قد نص الشافعي في "الرسالة" على أن ابن عمر رواه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذكر ذلك في باب فرض الصلاة، وأراه بضم الهمزة، ومعناه: أظن.

قوله: قال الإمام: بل الكمي المقنع السكوت أهيب له في نفوس الأقران.
انتهى.
الكمي: الشجاع الذي كمى نفسه أى سترها باللبس يقال: كمى الشيء إذا ستره.
والمقنع: لابس البيضة.
قاله الجوهري.
قال ابن سيده في خطبة "المحكم": وجمع الكمي: أكماء.
وأما الكمأة فجمع كام: أي ساتر.

قوله: الخامسة: لو تلطخ سلاحه بالدم واحتاج إلى إمساكه.
أمسكه، وهل يقضي؟ حكى إمام الحرمين عن الأصحاب أنه يقضي لندور العذر، ثم منع ندوره، ورأى تخريج المسألة على القولين في من صلى في موضع نجس، وأن هذه أولى بنفي القضاء.
انتهى ملخصًا.
وحاصله إيجاب القضاء عن الأصحاب، وأنه ليس فيه إلا بحث الإمام، وقد صرح بمثله النووي في "شرح المهذب"، فقال: ظاهر كلام

الأصحاب القطع بوجوب الإعادة، ونقله الإمام عنهم، ورأى تخريجه على القولين في من صلى في موضع نجس، ورأى هذه أولى بنفي القضاء، وإذا علمت حاصل هذا الكلام ففيه أمران: أحدهما: أن الرافعي قد ناقض ذلك في آخر التيمم وصرح بعدم الوجوب، ولم يحك فيه خلافًا، وهو غريب، وذكر نحوه أيضًا في باب شروط الصلاة قبيل ستر العورة، ورجحه أيضًا في "المحرر" في هذا الباب فقال: إنه أقيس الوجهين، وتبعه عليه النووي فصرح بتصحيحه، وقد وقعت هذه المواضع الثلاث في "الشرح الصغير" كما في "الكبير"، وكذلك في "الروضة" أيضًا.
الأمر الثاني: أن ما اقتضاه كلام الرافعي والنووي من أن غير الإمام من الأصحاب قد قطع بالمسألة ليس كذلك، فقد رأيت في "الإبانة" للفوراني فيها قولين في من صلى في موضع نجس موافقًا لبحث الإمام فقال ما نصه: وإن أمسكه للاحتياج إليه فهل عليه الإعادة؟ فعلى قولين بناء على من صلى في الحبس.
انتهى.
وصرح في "البحر" فيها بحكاية وجهين أيضًا.
الثالث: أن الشافعي -رحمه الله تعالى- قد نص على المسألة، وجزم بالوجوب، كذا رأيته في "مختصر البويطي" في آخر الباب، وحكاه أيضًا ابن الرفعة عن تعليق القاضي الحسين، وحينئذ فتكون الفتوى عليه.

قوله: الرابعة: المحرم إذا ضاق وقت وقوفه وخاف فوت الحج إن صلى متمكنًا، فيه أوجه للقفال: أحدها: يؤخر الصلاة ويحصل الوقوف، لأن قضاء الحج صعب.
والثاني: يصلي صلاة شدة الخوف فتحصل الصلاة والحج.
والثالث: تجب الصلاة على الأرض مستقرًا ويفوت الحج لعظم حرمة

الصلاة، ولا يصلي صلاة الخوف لأنه محصل لا هارب، ويشبه أن يكون هذا الوجه أوفق لكلام الأئمة.
انتهى.
اعترض عليه النووي في "الروضة" فقال: هذا الوجه ضعيف، والصواب الأول، فإنا جوزنا تأخير الصلاة لأمور لا تقارب المشقة فيها هذه المسألة كالتأخير للجمع.
انتهى.
وما رجحه النووي قد جزم به القاضي الحسين في باب الأحداث من تعليقه، وليس في كلام النووي تصريح بأن التأخير على سبيل الإيجاب أم لا بل هو إلى الجواز أقرب، وقد صرح في "الكفاية" بالوجوب ذكر ذلك في أوائل كتاب الصلاة.

قوله: وللشافعي نصوص مختلفة في جواز استعمال الأعيان النجسة، وحكى "صاحب التهذيب" وغيره فيها طريقين منهم من طرد القولين في وجوه الاستعمال كلها، ومنهم من فصل فقال: لا يجوز استعمال النجاسات في الثوب [والبدن] 1 إلا لضرورة، وفي غيرهما يجوز إن كانت النجاسة مخففة، فإن كانت مغلظة، وهي نجاسة الكلب والخنزير فلا، ونزلوا النصوص على هذا التفصيل، وهذا الأظهر، ثم شرع يُفَضِّل فقال: لا يجوز لبس جلد الكلب والخنزير.... إلى آخره.
فيه أمور: أحدها: أن المراد باستعمال النجاسة في الثوب هو تلطخه بها، وفي البدن استعمالها بحيث يتصل به كالامتشاط بمشط العاج، ونحو ذلك، كذا صرح به الرافعي في الكلام على وصل الشعر، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه، ووقع في باب الأوانى من "شرح المهذب" وهمٌ فاحش، وهو تجوير الامتشاط بمشط العاج فقال:

فرع: العاج المتخذ من عظم الفيل نجس لا يجوز استعماله في شئ رطب، فإن استعمل فيه نجسه.
قال أصحابنا: ويكره استعماله في الأشياء اليابسة، ولا يحرم لأنه لا يتنجس به، ولو اتخذ مشطًا من عظم الفيل فاستعمله في رأسه ولحيته، فإن كان مع رطوبة من أحد الجانبين تنجس شعره، وإلا فلا ينجس لكنه يكره ولا يحرم.
هذا هو المشهور للأصحاب.
رأيت في نسخة من تعليق الشيخ أبي حامد أنه ينبغي أن يحرم، وهذا غريب ضعيف.
هذه عبارته والذي ذكره غريب، ووهمٌ عجيب، فإن هذا التفصيل الذي نقله عن الأصحاب صحيح، ولكنهم ذكروه في وضع الشيء في الإناء منه أي من العاج، فالتبس عليه ذلك بالاستعمال في البدن.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" قد تابع الرافعي على تحريم ذلك في الثوب كما يحرم في البدن فقال في "الروضة": إنه المذهب.
وقال في "شرح المهذب": إنه المذهب الصحيح الذي قطع به العراقيون وغيرهم.
ثم خالف ذلك في "التحقيق" فقال في أوائل باب إزالة النجاسة: فرع: المذهب تحريم استعمال النجاسة في البدن دون غيره.
انتهى.
وهو اختلاف عجيب حيث عبر في الموضعين بالمذهب ولم يذكر المسألة في "التحقيق" في غير هذا الموضع، وكذا فعل في كتاب "مهمات الأحكام" إلا أنه لم يحك فيه خلافًا على قاعدته فيه، وكلام "الروضة" في كتاب الشهادات يقتضيه، فإنه نقل من زياداته تحريم استعمالها في البدن، ولا شك أن تقييده به يقتضي الجواز ظاهرًا في الثوب.
الأمر الثالث: أن الرافعي -رحمه الله- قد ذكر في العقيقة أنه يكره

لطخ رأس المولود بالدم، وتابعه عليه النووي في "الروضة" و"شرح المهذب"، والذي قالاه يستلزم جواز لطخ نفسه لأنه لو كان حرامًا لامتنع عليه فعله مع الغير بطريق الأولى وإن كان صبيًا، كما لا يجوز لطخه بالبول وأيضًا فتنزيهه أولى من تنزيه الثياب، والتحريم في الثياب مع الجواز فيه ما لا يعقل.
الأمر الرابع: أن هذه الطريقة التي صححها وهي الرافعة للخلاف المنزلة للنصوص على الأحوال قد خالفها الرافعي في موضعين، فجزم بطريقة القولين أحدهما في شروط الصلاة في الكلام على وصل الشعر، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه، فإنه مفيد لمن يطالع هنا، والثاني في باب المسح على الخفين في الشرط الثاني من شروط الخف فقال: لو اتخذ خفًا من جلد الكلب أو جلد الميتة قبل الدباغ، فهذا الجلد لنجاسة عينه لا يحل استعماله في البدن باللبس وغيره، على أصح القولين.
هذا لفظه.
الخامس: أن المتولد من الكلب أو الخنزير مع غيره من الحيوانات الطاهرة حكمه حكم أحدهما، ولم يذكره.
[قوله: نعم لو جلل كلبًا أو خنزيرًا بجلد كلب أو خنزير فوجهان]: 1 أظهرهما: الجواز لاستوائهما في تغليظ النجاسة.
انتهى.
واعلم أن اقتناء الخنزير حرام، وحينئذ فكيف يأتي مع ذلك تجويز تجليله، لأنه في زمن التجليل ممسك، وتصوير ما قالوه من وجهين: أحدهما: أن تجلله مع كونه ليس ممسكًا له ولا مقتنيًا فإن ذلك ممكن.
الثاني: أن تجلله في حال اقتنائه فلا يعصى بالتجليل وإن عصى بالإمساك والاقتناء لأنهما أمران متغايران.

قوله: ويجوز الاستصباح بنجس العين كودك الميتة وبالمتنجس وفي قول

لا يجوز.
انتهى.
هذا الكلام يدخل في عمومه دهن الكلب والخنزير، وقياس تفاريعه المذكورة في هذا الباب هو المنع.

قوله: فإن لم نحكم بنجاسة الدخان فلا بأس به كبخار المعدة لا ينجس الفم، وإن حكمنا بنجاسته وهو الأظهر فقليله معفو عنه، والذي يصيبه في الاستصباح قليل لا يحس غالبًا.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في بخار المعدة صريح في طهارته، وهذه المسألة قد أسقطها النووي، وهي مهمة، والمذكور في باب طهارة البدن والثوب من "الكفاية" نقلًا عن القاضي والحليمي أنه نجس فقال: قال القاضي الحسين: إن قلنا بنجاسة الدخان، فإن أصاب ثوبًا رطبًا نجسه، وإن كان الثوب يابسًا فوجهان.
قال: ومثل ذلك ما إذا دخل الاصطبل وراثت الدابة وخرج منه دخان أو دخل المستحم وبال وتغوط وخرج منه دخان في الحال فأصاب ثوبه، فإن كان رطبًا تنجس، وإن كان يابسًا ففيه وجهان.
وأصل هذا ما حكيناه عن الحليمي في كتاب الطهارة أن الإنسان إذا خرج منه ريح، وكانت ثيابه رطبة تنجست، وإن كانت يابسة فلا.
هذا كلامه في الباب المذكور.
وذكر نحوه في باب الاستطابة فقال: ولا شك في عدم وجوب الاستنجاء من خروج الريح، ولم يفرق الأصحاب بين أن يكون المحل رطبًا أو يابسًا، ولو قيل في ما إذا كان رطبًا في وجوبه خلاف بناء على أن دخان النجاسة طاهر أم نجس كما قيل بمثله في تنجيس الثوب الذي يصيبه إذا كان رطبًا لم يبعد، لكن قد يقال في جوابه: إن ذلك لا يزيد على ما تبقى

على المحل بعد الاستجمار، وذلك معفو عنه، والله أعلم.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد تبعه على العفو عما يصيبه في الاستصباح، وهو مخالف لنص الشافعي فقد قال في "مختصر البويطي" في أثناء باب غسل الجمعة في الكلام على الزيت النجس ما نصه: ومن مسه في الاستصباح أو غيره أو أصاب ثوبه فليغسل موضعه قبل أن يصلي، فإن صلى به في ثوب أو بدن غسله وأعاد الصلاة.
هذا لفظه بحروفه.

قوله في "أصل الروضة": ويجوز لبس الحرير للحاجة كالجرب، وفيه وجه أنه لا يجوز وهو منكر، ويجوز لدفع القمل في السفر، وكذا في الحضر على الأصح.
انتهى.
وحكايته لهذا الوجه المفصل بين الحاضر والمسافر في القمل غلط، فإن الذي ذكره الرافعي في شرحيه "الكبير" و"الصغير" إنما هو حكايته في الجرب فانعكس على النووي حالة الاختصار، وذكره في الجرب أيضًا الإمام والغزالي وابن الرفعة.
ووقع هذا الوهم أيضًا في "شرح المهذب"، وزاد فنقل الوجه المذكور عن الإمام والغزالي مع أنهما ذكراه في الجرب كما تقدم.
وهذه المسألة وغيرها من مسائل الحرير ذكرها الرافعي في صلاة العيد فنقلها في "الروضة" إلى هذا الباب وقد تكلمت على ما يختص "بالروضة" هنا، وعلى ما يتعلق بالرافعي هناك.

قوله من زياداته: قال الشيخ أبو الفتح نصر المقدسي -رحمه الله- يحرم تنجيد البيوت بالثياب المصورة وبغير المصورة، سواء فيه الحرير وغيره، والصواب في غير الحرير والمصور الكراهة دون التحريم.
انتهى لفظه.
والتنجيد بتاء بنقطتين من فوق ثم نون ثم جيم هو التزيين، وكلام

النووي في هذه المسألة يشعر بموافقة المقدسي على التحريم في الحرير، لكن كلام الرافعي في الوليمة يشعر بالجواز، وتابعه عليه في "الروضة" فإنه قال ما نصه: ومن المنكرات فرش الحرير، وصور الحيوانات على السقوف.... إلى آخره.
ذكر ما هو أصرح من ذلك في آخر كتاب النذر فقال: الثانية: ستر الكعبة وتطيبها من القربات ولا فرق بين الحرير وغير الحرير، وإنما ورد تحريم لبس ذلك في حق الرجال.
هذا لفظه.
وهو صريح في ما قلناه، وقد حذف من "الروضة" الكلام الأخير الذي استفدنا منه هذه المسألة.

باب صلاة العيدين

قوله: الثالثة: لفظ الكتاب يقتضي دخول وقت هذه الصلاة بطلوع الشمس، وصرح بذلك كثير من الأصحاب، وإيراد جماعة يقتضي دخول الوقت بالارتفاع قيد رمح منهم الصيدلانى، وصاحب "التهذيب".
انتهى كلامه.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، والأصح هو الأول، فقد جزم به الرافعي في "المحرر" وصححه النووي في كتبه.

قوله: المذهب المنصوص في الكتب الجديدة كلها أن صلاة العيد تشرع للمنفرد في بيته أو غيره وللمسافر، والعبد والمرأة، والقديم أنه يشترط فيها شروط الجمعة من اعتبار العدد والكمال، إلا أنه يجوز فعلها خارج البلد، وقطع بعضهم بالجديد، وأثبت بعضهم قولين.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد صحح طريقة القطع، ولم ينبه على أنه من زوائده، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من اتفاق النصوص في الجديد على مشروعيتها للمنفرد قد تابعه عليه في "الروضة" وليس كذلك، فإن المزني أجل رواة الجديد، أو من أجَلهم، وقد نقل عن الشافعي ما يخالفه فقال ما نصه: صلاة العيدين سنة لا حتم وليست على من لا جمعة عليه.
هذا لفظه.
ذكر ذلك في مختصر له لطيف غريب سماه "نهاية الاختصار من قول الشافعي"، وتاريخ كتابة النسخة التي نقلت منها سنة ثمان وأربع مائة.

قوله: قال في "الشامل": والذي يقوله الناس اليوم لا بأس به أيضًا

وهو الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر [والله أكبر] 1، ولله الحمد.
انتهى.
وهذا الذي نقله عن صاحب "الشامل" نص عليه الشافعي في "البويطي"، ونقله النووي عن الروياني عنه، ثم قال -أعنى الرويانى: إن العمل عليه.
واعلم أن التكبير المذكور في "الشامل" قبيل قوله: ولله الحمد، إنما هو مرة واحدة على خلاف ما في الرافعي و"الروضة" من ذكره مرتين.
كذا رأيته في نسختين منه إحداهما مكتوبة في حياة المصنف، إلا أن البويطي ذكره مرتين.

قوله: ولا يأت بالذكر عقب التكبيرة السابعة والخامسة في الثانية، بل يتعوذ عقب السابعة، وكذا عقب الخامسة، إن قلنا: يتعوذ في كل ركعة، ولا يأتي به بين تكبيرة الإحرام والأولى من الزوائد.
انتهى.
لم يبين الرافعي حكم الابتداء به في الركعة الثانية قال إمام الحرمين: يأتي به قبل الأولى من الخمس، قال النووي في "زيادات الروضة": المختار الذي يقتضيه كلام الأصحاب أنه لا يأتي به كما في الأولى.

قوله من "زوائده": ويجهر بالقراءة والتكبيرات ويسر بالذكر بينهما.
انتهى.
هذا الكلام لا يمكن حمله إلا على الإمام، وحينئذ فهو يوهم أن المنفرد لا يجهر بالقراءة مع أنه يجهر بها، وإذا كان المسبوق في الجمعة يجهر بالثانية كما نص عليه الشافعي فمسألتنا أولى.

قوله: صلاة العيد تجوز في الصحراء، وفي الجامع، لكن إن كان بمكة فالمسجد أفضل وألحق به الصيدلاني بيت المقدس، وإن كان بغيرهما

فكذلك في الأصح إلا لعذر.
انتهى ملخصًا.
وما نقله عن الصيدلاني وأقره عليه، قد ذكر مثله أيضًا البندنيجي والغزالي في "الخلاصة" والروياني، قال النووي في "شرح المهذب": ولم يتعرض الجمهور لذلك، وظاهر إطلاقهم أن الأقصى كغيره.

قوله: وإذا خرج الإمام إلى الصحراء استخلف من يصلي بضَعَفَةِ الناس.
انتهى.
وتعبيره بقوله: من يصلي ذكره أيضًا النووي وابن الرفعة في كتبهما، بل عبر الشافعي به أيضًا، وغيره من أصحابه، وفيه إشعار بأنه لا يخطب، وبه صرح الجيلي شارح "التنبيه" وعلله بكونه افتئاتًا على الإمام، وفيه نظر لأن الإمام هو الذي استخلف، وحينئذ فلا افتئات.

قوله في "الروضة": والتكبير في غير الصلاة والخطبة مرسل، وهو الذي لا يتقيد بحال، بل يؤتى به في المساجد والمنازل ليلًا ونهارًا، أو المقيد يؤتى به في أدبار الصلوات خاصة، فالمرسل مشروع في العيدين جميعًا، وأول وقته بغروب الشمس ليلة العيد، وفي آخر وقته ثلاثة أقوال: أظهرها: يكبرون إلى أن يحرم الإمام بصلاة العيد.
والثاني: إلى أن يخرج الإمام إلى الصلاة.
والثالث: إلى أن يفرغ منها.
وقيل: إلى أن يفرغ من الخطبتين، وقطع بعضهم بالأول.
انتهى.
فيه أمران نبه عليهما الرافعي: أحدهما: أن الثالث والرابع قولان قديمان.
الثاني: أن محلهما في غير المصلي.

قوله: وأما عيد الفطر فهل يستحب فيه التكبير المقيد وهو الذي يؤتى به

في أدبار الصلوات؟ فيه وجهان: أظهرهما عند الأكثرين: لا يستحب.
انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" وأكثر كتبه على ذلك، وخالف في "كتاب الأذكار" فجزم بالاستحباب.

قوله: أحيا ليلتي العيد بالعبادة محبوب عليه.
انتهى.
قال النووي في "شرح المهذب" و"الروضة" وغيرهما: تحصل هذه الفضيلة بمعظم الليل.
وقيل: تحصل بساعة.
قال: والمختار الأول.

قوله: ويجوز تقديم الغسل على الفجر في أصح القولين، ثم قال: وإذا جوزنا فهل يختص بالنصف الثاني من الليل كأذان الصبح أم يجوز في جميع الليل كنية الصوم؟ عن القاضي أبي الطيب أنه يختص بالنصف الثاني، وهذا ما ذكره في "المهذب".
وقال الإمام: المحفوظ أن جميع ليلة العيد وقت له وهذا أبداه صاحب "الشامل" على سبيل الاحتمال وهو الموافق للفظ الكتاب.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وفيه أمران: أحدهما: أن الصحيح من هذا الخلاف هو الاختصاص كذا صححه الرافعي في "المحرر"، والنووي في كتبه.
الأمر الثاني: أن ظاهر كلامه يقتضي أن أذان الصبح يدخل بالنصف الثاني، فإن سواه بالغسل على هذا الوجه، ولكن الصحيح عنده كما سبق في موضعه أنه إن كان في الشتاء فتقدم لسبع بقي من الليل، وفي النصف لنصف سبع.

قوله: وإن كان كمد اللون.
[هو بكسر الميم وبالدال المهملة، قال الجوهري: الكمده بضم الكاف وسكون الميم] 1 هو تغير اللون يقول أكمد القصار الثوب إذا لم ينقه.

قوله: وذلك كالخز مبتدأه ابريسم ولحمته صوف... إلى آخره.
ذكر -رحمه الله- في كتاب السلم أن الخز مركب من الإبريسم والوبر.

قوله: وكانت له -عليه الصلاة والسلام- جبة مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج 2. انتهى.
الجيب هو الطوق، والحديث بهذا اللفظ رواه أبو داوود وروى مسلم معناه.

قوله: ويحرم الحرير على [الخنثى] 3 أيضًا لاحتمال كونه رجلًا حكاه في "البيان" ويجوز أن ينازع فيه.
واعلم أن الرافعي -رحمه الله- قد حكى خلافًا في باب زكاة الذهب والفضة في جواز لبسه للحلي، وإذا جاز ذلك له على وجه فجواز الحرير بطريق الأولى فيكون الخلاف الذي لم يطلع عليه الرافعي، وتوقف فيه بائنًا بلا شك.
وأما ما نقله عن "البيان" فقد جزم به في "الروضة" ولم يعزه إليه، وقال في "شرح المهذب": إنه المذهب وهو قياس ما صححه الرافعي من تحريم الحلي.

[قوله] 1 الرابعة: هل يجوز للعوام إلباس الصبيان الحرير؟ فيه ثلاثة أوجه: أظهرها -ولم يذكر في "التهذيب" سواه- أنه إن كان ابن سبع سنين حرم، وإن كان دون ذلك فلا.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أنه قد ذكر في "الشرح الصغير" أيضًا كما في "الكبير" ثم خالفهما في "شرح مسند الإمام الشافعي" فصحح فيه الجواز مطلقًا فقال فيه ما نصه: ولا يحرم إلباس الحرير للطفل علي الأظهر، وإن جاوز التمييز.
انتهى.
وهو مقتضى كلام "المحرر" فإنه صحح الجواز، ولم يقيده بسن مخصوص، وصححه أيضًا النووي في كتبه كلها.
الأمر الثاني: محل هذا الخلاف في غير يوم العيد أما يوم العيد فيجوز فيه ذلك بلا خلاف، كذا صرح به النووي في هذا الباب من "شرح المهذب" فقال ما نصه: واتفق الأصحاب على إباحة تزيين الصبيان بالحلي والحرير في يوم العيد لأنه يوم زينة، وذكر مثله في "شرح مسلم" أيضًا وقد ذكر في "الروضة" من زياداته جواز ذلك، لكنه لم يصرح بالاتفاق.
الأمر الثالث: أن النووي في "شرح المهذب" لما ذكر التفصيل بين السبع وغيره، وقال ما نصه: وهكذا ضبطوه في حكاية هذا الوجه، ولو بسط بالتمييز لكان حسنًا، لكن الشرع اعتبر السبع في الأمر بالصلاة وغيره انتهى لفظه.
وهو يقتضي أن ذلك شرط بالسبع، وإن لم يميز وأن التمييز لم يقل به أحد، وكلام ابن الرفعة يقتضي العكس، فإنه لما حكى التفصيل ضبطه بالتمييز ولم يتعرض للسبع، وكلام الرافعي في "شرح المسند" يشعر بذلك أيضًا.

الرابع: أن عبارة البغوي في هذه المسألة: ويجوز لبس الصبيان الديباج لأنه لا خطاب عليهم، غير أن الصبي إذا بلغ سنًا يؤمر فيه بالصلاة نهى عن لبس الديباج حتى لا يعتاده.
هذا لفظه، وليس فيه ما قاله الرافعي من كونه يحرم فاعلمه.
وهذا الاستدلال قد سبق إليه النووي في "شرح المهذب" وابن الرفعة في "الكفاية".

قوله: ويجوز لبسه للضرورة، ومنها لبسه لحر أو برد مهلكين.
انتهى.
والتقييد بالإهلاك ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" و"المحرر" وهو خطأ، فإن الخوف على العضو والمنفعة ومن المرض الشديد مبيح أيضًا.
والمتجه إلحاق الألم الشديد ما ذكرناه لأنه أبلغ من المشقة الحاصلة لصاحب الحكة والجرب، ولأجل هذه الأشياء لم يذكر هذا اللفظ في "الروضة" ولا في "شرح المهذب".

قوله: السنة لقاصد العيد المشي إن قدر عليه، وكذا الركوب في العدد.
انتهى.
ذكر بعد هذا تعليل نحوه أيضًا فقال: صح أنه -عليه الصلاة والسلام- كان يذهب في طريق ويرجع في أخرى 1، واختلف سببه على أقوال: أظهرها: أنه كان يذهب في أطول الطريقين تكثيرًا للأجر، ويعود في أقصرهما، وهذا الذي اقتضاه كلامه من حصول الأجر على الذهاب خاصة قد ذكر أيضًا نحوه في صلاة الجماعة وصلاة الجمعة ذكره غيره أيضًا، لكن في "صحيح مسلم" 2 أنهم قالوا لشخص: هلا تشتري لك حمارًا

لتركبه إذا أتيت إلى الصلاة في الظلماء والرمضاء؟ فقال: إنى أحب أن يكتب لي ممشاي في ذهابي وعودي، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "قد فعل الله له ذلك".

قوله في "الروضة": ويستحب للقوم أن يبكروا إلى الصلاة، ويستحب للإمام أن يؤخر الخروج في عيد الفطر قليلًا، ويعجل في الأضحى.
انتهى.
واعلم أن الرافعي قد نقل عن الغزالي في "الوجيز" أنه طرد هذا التفصيل في المصلين أيضًا، وأن الجمهور على أن سنتهم البكور بلا فرق بين العيدين.

قوله: وينادي [لها] 1 الصلاة جامعة.
قال صاحب "العدة": ولو نوى لها: "حي على الصلاة" جاز بل هو مستحب.
انتهى كلامه.
والذي قاله صاحب "العدة" من الاستحباب، وأقره عليه الرافعي ليس كذلك، فإن الشافعي قد نص في "الأم" على خلافه فقال: وأحب أن يأمر الإمام المؤذن أن يقول في الأعياد وما جمع الناس من الصلاة: الصلاة جامعة أو الصلاة، وإن قال: هلم إلى الصلاة لم يكرهه، وإن قال: حي على الصلاة، فلا بأس، وإن كنت أحب أن يتوقى ذلك لأنه من كلام الأذان، وأحب أن يتوقى جميع كلام الأذان، ولو أذن إذا أقام للعيد كرهته له، ولا إعادة.
هذا كلام الشافعي.
ونقله في "الروضة" على غير وجهه فقال: قال الشافعي: ينادي الصلاة جامعة، فإن قال: هلموا إلى الصلاة فلا بأس، وأحب أن يتوقى ألفاظ الأذان، هذا كلام الشافعي.
هذه عبارة "الروضة" فنقل جواز

[حي] 1 على الصلاة إلى هلموا إلى الصلاة، وأسقط جواب الأولى، وتصوير الثانية، ونقل عن الدارمي أن الحيعلة مكروهة، وكلام الشافعي يدفعه أيضًا.

قوله: وقول الغزالي: ثم يخطب بعد الصلاة، لو حذف بعد الصلاة لكان الباقي كافيًا لأن كلمة ثم تفيد التراخي.
انتهى كلامه.
وتعبيره بالتراخي ذهول، بل صوابه الترتيب وأما التراخي فقد يكون مع الترتيب، وبدونه، كما لو قال: أكرم زيدًا وقت العصر وعمرًا أى وقت شئت.

قوله: ولو بدأ بالخطبة قبل الصلاة ففي الاعتداد بها احتمال للإمام.
انتهى.
وقد نص الشافعي على المسألة، وصرح بأنه كما لو لم يخطب فقال: لو بدأ بالخطبة قبل الصلاة، رأيت أن يعيد الخطبة بعد الصلاة، فإن لم يفعل لم يكن عليه إعادة صلاة، ولا كفارة، كما لو صلى ولم يخطب.
[انتهى] 2 ونقله عنه صاحب "البحر"، وذكر في "البويطي" نحوه فقال ما نصه: فإن بدأ بالخطبة قبل الصلاة رأيت أن يعيد الخطبة، فإن لم يفعل لم يكن عليه إعادة.
قال النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة"، وغيرهما: الصواب -وهو ظاهر نص الشافعي: أنه لا يعتد بها.
[قوله] 3: في التكبير وحكم الفوائت والنوافل في هذه المدة على هذا الوجه يقاس بما نذكره إن شاء الله تعالى في الأضحى.
انتهى.
وتعبيره بقوله في هذه المدة إشارة إلى المدة السابقة، وهي من ليلة الفطر

إلى الإحرام بالعيد فاعلمه.

قوله في "أصل الروضة": ويكبر في أيام التشريق عقب الجنازة على المذهب.
انتهى.
اعلم أن هذه المسألة قد ذكرها الرافعي في الكلام على ألفاظ "الوجيز" فقال: وقوله في العبارة على الوجه الأول عقب كل صلاة تشمل صلاة الجنازة أيضًا، لكن قال في "التتمة": لا يكبر خلفها لأنها مبنية على التخفيف.
هذا لفظه من غير زيادة عليه والمفهوم منه إنما هو الاستدراك على لفظ "الوجيز" حتى يكون الرافعي جازمًا بعدم التكبير، ولو اطلع على ما يعضده لكان يذكره على عادته، بل دخوله في لفظ الغزالي ضعيف، لأن المعهود في الصلاة والمفهوم منها عند إطلاق هذا اللفظ إنما هي ذات الركوع، والسجود، فإن تنزلنا وقلنا: ليس هذا استدراكًا فيكون حاكيًا لوجهين من غير ترجيح، واعلم أن في المسألة أربعة طرق: أحدها: الجزم بعدم التكبير كما قاله صاحب "التتمة" ووافقه عليه الدارمي ونقله في "الحلية" عن القاضي حسين فقال: وحكى القاضي الحسين أنه لا يكبر خلفها وجهًا واحدًا.
والثاني: الجزم بالتكبير، قاله صاحب "الذخائر" فقال: والأشبه أن يقال: يكبر خلفها وجهًا واحدًا لأنها فريضة مؤداة، وقعت في وقت التكبير.
والثالث: حكاه الماوردي: أن فيها وجهين تفريعًا على قولنا: إن ما تشرع له الجماعة من النوافل يكبر خلفه.
والرابع: اختاره الشاشي -فقال: عندي ينبغي أن يبني على النفل، فإن قلنا: يكبر خلفه فهذه أولى، وإن قلنا: لا يكبر خلفه بنى على الفوائت المقتضية في أيام التشريق لأنه لا وقت لها.

قوله: فلو شهد عدلان يوم الثلاثين من رمضان قبل الزوال، برؤية الهلال في الليلة الماضية أفطروا، فإن بقى من الوقت ما يمكن جمع الناس، والصلاة فيها صلوها، وكانت أداءًا.
فإن لم يبق منه ذلك فهو كما لو شهدوا بعد الزوال حتى تفوت الصلاة على قول، ويجئ الخلاف في أنها هل تقضى أم لا؟ انتهى مخلصًا.
ذكر مثله في "الروضة" واشتراط جمع الناس إنما يأتي على القديم، وهو اعتبار شروط الجمعة سلمنا، لكن الصواب على هذا إنما هو اعتبار ركعة فقط بخلاف ما يقتضيه كلامه.

قوله في "أصل الروضة" في المسألة: وصارت الصلاة فائتة على المذهب، وقيل: قولان.
انتهى.
جزم في "المنهاج" بطريقة القولين:

قوله: ولو شهدا بذلك بعد غروب الشمس لم تقبل شهادتهما إذ لا فائدة فيها إلا المنع من صلاة العيد، فلا يصغى إليها، ويصلون العيد من الغد أداء، هكذا قال الأئمة، واتفقوا عليه.
وفي قولهم: لا فائدة إلا ترك صلاة العيد إشكال بل لثبوت الهلال فوائد أخر كوقوع الطلاق والعتق المعلقين، وابتداء العدة منه، وغير ذلك فوجب أن يقبل هذه الفوائد، ولعل مرادهم بعدم الإصغاء في صلاة العيد جعلها فائتة لا عدم القبول على الإطلاق.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله في أول كلامه عن الأئمة من امتناع فعلها ليس كذلك، بل يفعل فضائل في وقت هو أسرع إلى التدارك من فعلها على القول بالأداء، فإنها تقضى بالليل، ولئن سلمنا فواتها فهو مقتضى شهادة البينة كما نقلتها في فوات الجمعة والحج، واستيفاء القصاص ورجم الزاني

وغير ذلك، وكيف يترك العمل بها وينوي الأداء مع علمنا بانقضاء الوقت؟ وكيف يقولون عند بلوغ المخبرين عدد التواتر.
الأمرالثاني: أن ما ذكره الرافعي بحثًا قال النووي في "شرح المهذب" "وزيادات الروضة" وغيرهما: إنه المراد قطعًا؟.
وقال ابن الرفعة: الوجه حمله على العموم، فإن التشاغل بذلك، ولا فائدة محققة في الحال عبث؟ والحاكم يشتغل بالمهمات.
نعم إن كان موجودًا فالوجه ما قاله.
انتهى.
والذي قاله مردود.

قوله: ولو شهدوا قبل الغروب بعد الزوال أو قبله بيسير بحيث لا يمكن فيه الصلاة قبلت الشهادة في الفطر، ولكن تصير الصلاة فائتة، وفي قول: لا.
فإن جعلناها أداءًا فلا يجوز فعلها في اليوم، وإن جعلناها قضاءًا جاز، وهل هو أفضل أم التأخير إلى ضحوة الغد؟ وجهان: أصحهما: التقديم، وهذا إذا أمكن جمع الناس في يومهم لصغر البلد، فإن عسر فالتأخير أفضل قطعًا.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على استحباب التأخير، وهو مشكل، بل ينبغي استحباب فعلها عاجلًا مع من تيسر ومنفردًا إن لم يجد من يصلي معه، ثم يفعلها من الغد مع الإمام.
وقد سبق كلام آخر قريبًا متعلقًا بجمع الناس.

قوله: وإن جعلناها فائتة جاز تأخيرها عن الحادي والثلاثين، وفي قول: لا يجوز لأن الحادي والثلاثين يجوز أن يكون عيدًا بأن يخرج الشهر كاملًا بخلاف ما بعده، وحكى الإمام عن بعضهم أنَّا إذا قلنا تقضي بعد الحادي والثلاثين فيمتد إلى شهر على وجه، قال: ولعله في شهر شوال نقص أو كمل، وفي بقية ذي الحجة؛ ثم قال الرافعي بعد ذلك في الكلام على ألفاظ

الغزالي: فإن قيل حيث قلنا بتخصيص القضاء بالحادي والثلاثين، فهل يختص بالحادي عشر إذا فرض ذلك في عيد الأضحى، قلنا: نعم، لأنه يجوز أن يفرض يوم عيد، إلا أن يقال: إن الشهادة بعد دخول ذي الحجة غير مسموعة على قياس ما ذكروه في الحادي والثلاثون انتهى.
وهذا الكلام الأخير حذفه النووي جميعه، بل حذف أيضًا من كلام الإمام السابق التعرض إلى ذي الحجة فلم يبق في لفظه ما يشير إلى إلحاق صلاة الضحى بصلاة الفطر.

باب صلاة الكسوف

قوله: وأقلها أن يحرم بنية صلاة الكسوف، ويقرأ الفاتحة ويركع، ثم يرفع فيقرأ الفاتحة ثم يركع ثانيًا ثم يرفع ويطمئن ثم يسجد، فهذه ركعة، ثم يصلى ركعة ثانية كذلك.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي أنه لو أراد الاقتصار في كل ركعة على قيام واحد وركوع كسائر الصلوات لم يجز.
وقد ذكر بعده ما هو أصرح منه فقال: لو تمادى الكسوف فهل يزيد ركوعًا ثالثًا فصاعدًا حتى تنجلي الشمس؟ فيه وجهان: أصحهما: المنع، ولو كان في القيام الأول فانجلى الكسوف لم تبطل صلاته؛ وهل له أن يقتصر على قومة واحدة، وركوع واحد في كل ركعة؟ وجهان [بناء] 1 على الزيادة عند التمادي.
انتهى كلامه.
وهو كما قلناه يدل على امتناع الاقتصار على مقدار سائر الصلوات.
إذا علمت ذلك فقد ذكر النووي في "شرح المهذب" في آخر الباب ما يخالف ذلك، فإنه ذكر عن أبي حنيفة وجماعة أنهم قالوا: إنها ركعتان كالجمعة والصبح.
واستدل لهم بحديثين صحيحين، ثم قال ما نصه: واحتج أصحابنا بالأحاديث الصحيحة المشهورة في الصحيحين وغيرهما.
وأجابوا عن هذين الحديثين بجوابين: أحدهما: أن أحاديثنا أشهر وأوضح وأكثر رواة.
والثاني: أنا نحمل أحاديثنا على الاستحباب، والحديثين على بيان الجواز.

هكذا ذكر هذين الجوابين أبو إسحاق المروزي، والشيخ أبو حامد، والقاضي أبو الطيب، وسائر الأصحاب، وفيه تصريح منهم بأنه لو صلاها ركعتين كسنة الظهر، ونحوها صحت صلاته للكسوف، وكان تاركًا للأفضل.
هذا كلامه في "شرح المهذب" وهو تباين فاحش.
نعم الأصحاب مختلفون في ذلك، وممن منعه القاضي الحسين، وممن جوزه الجرجاني في "تحريره".

قوله: فلو تمادى الكسوف فهل يجوز أن يزيد ركوعًا ثالثًا ورابعًا وخامسًا حتى تنجلي؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم لأنه ورد أنه -عليه الصلاة والسلام- صلى ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات 1، وروى خمسة ولا يحمل له إلا التمادي.
وأظهرهما: المنع، كما لا تجوز الزيادة في سائر الصلوات.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن اقتصاره على الخمسة ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، ومقتضاه المنع في ما عداها جزمًا، ويؤيده أنها وردت دون ما زاد كما سبق الآن، والصلاة المذكورة على خلاف القياس، فلا يتعدى بها ما ورد، وتعبير الرافعي بقوله: حتى تنجلي لا ينافي المنع في ما زاد على الخمس، كما أن علة أصل الصلاة هو الانجلاء مع قولنا: لا تجوز الزيادة.
وذكر في "الكفايهّ" ما يقتضي عدم الحصر، فإنه قال: هل يجوز أن يزيد في كل ركعة قيامًا وركوعًا فأكثر؟ هذه عبارته؛ والأول أوجه.
الأمر الثاني: أن تعليل الزيادة بتمادى الكسوف إنما يتجه في الركعة الثانية، وأما الأولى فكيف يعدم فيها التمادي بعد فراغ الركعتين، ولعل صورته أن يكون من أهل هذا العلم، واقتضى حساب علمه ذلك.

نعم الأحاديث الدالة على الجواز في الركعة الأولى وإن كانت دلالتها واضحة، لكنا لا نسلم ما ذكروه من استنادها إلى ذلك، بل إلى أنه لا حصر لعددها كالوتر والضحى إلى اثنى عشر.

قوله: ويقول في الاعتدال من كل ركوع: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على استحباب ذلك كله، فأما استحبابه في الاعتدال الذي يتلوه السجود فصحيح وأما الاعتدال الذي تليه القراءة وهو الاعتدال الأول من كل ركعة، فقد ذكر الماوردي في "الحاوي" أنه لا يذكر ذلك بالكلية، بل يرفع منه مكبرًا لأنه ليس باعتدال، ونقله عن النص، ولهذا عبر في "المنهاج" عنه بالرفع، وعن الثاني بالاعتدال وبتقدير استحباب ذكره، وهو ظاهر كلام الرافعي فيستحب أن يقول فيه: سمع الله لمن حمده، لأنه ذكر الانتقال.
وأما استحباب ما بعدها، وهو ربنا لك الحمد، فقد صرح به الشافعي في "المختصر" وغيره، وهو مشكل لأنه ذكر الاعتدال نفسه لا ذكر الانتقال إلى الاعتدال، ولهذا قال في "التنبيه": فإذا استوى قائمًا [قال] 1: ربنا لك الحمد.
وقال أيضًا النووي في "شرح المهذب" في باب صفة الصلاة: إن المبلغ خلف الإمام يجهر بسمع الله لمن حمده، ولا يجهر بقوله: ربنا لك الحمد، قال: لأنه ذكر الاعتدال فلم يجهر به كسائر الأذكار المستحبة في الأركان، فإذا تقرر أنه ذكر الاعتدال، فهذا الاعتدال محله القراءة، وليس في الصلاة قيام يستحب فيه الجمع بين ذكر الاعتدال وبين القراءة حتى يلحقه به، وقد ذكر في "شرح المهذب" هنا ما ذكره الرافعي، وزاد فقال: إنه يستحب ربنا لك الحمد.... إلى آخره.
هذا لفظه.
فقوله: "إلى آخره"

إشارة إلى أنه يقول أيضًا معه: ملء السموات وملء الأرض.... إلى آخر الذكر المعروف، وهو أبلغ في الإشكال، وذكر أنه ورد في الصحيحين، لكن الوارد فيهما إنما هو ربنا لك الحمد.
واعلم أن كلام الرافعي قد يحمل على ما قاله الماوردي بأن يقال: الرفع الأول قيام، وليس باعتدال في الاصطلاح، إنما الاعتدال هو الثاني.
وأغرب العجلي فحكى الخلاف في الاعتدال من الركوع الثاني، وصحح أنه يقوله لصحة الحديث فيه.

قوله في "أصل الروضة": وهل يطول السجدة؟ فيه قولان: أظهرهما: لا كما لا يطول التشهد ولا الجلوس بين السجدتين.
انتهى.
وما جزم به من جعل الخلاف قولين قد خالفه في "المنهاج" فجعله وجهين، والصواب هو المذكور هنا، فإن التطويل منصوص عليه في "البويطي" ومقابله في "الأم" و"المختصر"، والغريب أن الرافعي في "المحرر" قد عبر بالأظهر فعدل عنه إلى لفظ الأصح، وما ذكره الرافعي من عدم التطويل قد خالفه في "الروضة" فقال: الصحيح المختار أنه يطوله، وصححه أيضًا في "شرح المهذب"، وفي "المنهاج" من زياداته، واقتصر في "تصحيح التنبيه" على أنه المختار، وهو يقتضي أن الصحيح خلافه عملًا بما اصطلح عليه في ذلك الكتاب.

قوله من زوائده: فإذا قلنا بإطالته فالمختار فيها ما قاله صاحب "التهذيب" أن السجود الأول كالركوع الأول، والسجود الثاني [كالركوع] 1 الثاني، وقال الشافعي في "البويطي": يكون نحو الركوع الذي قبله.
انتهى كلامه.
واعلم أن البويطي قد عبر بقوله: "فيسجد سجدتين تامتين طويلتين

يقيم في كل سجدة نحو ما أقام في ركوعه".
هذه عبارته من غير زيادة ولا نقص.
ولا شك أن هذا بيان لما يفعله في الركعة الواحدة والسجدتان اللتان في الركعة الأولى قبلهما ركوعان مختلفان في الطول، وظاهر هذا أنه يطول كلًا منهما بقدر الركوع الأول منهما، وهكذا السجدتان في الركعة الثانية يطولهما كذلك، أي كل واحدة بقدر الركوع الأول من تلك الركعة، وكلام "التهذيب" يحتمل أن يريد به ما قاله الشافعي.
وحينئذ فيكون مراده بالأول هو الأول من كل ركعة لا الأول مطلقًا، وإلا لزم تطويل سجود الثانية على ركوعها، ويحتمل -وهو الظاهر- أن يريد أن السجدتين من كل ركعة كالركوعين اللذين فيهما فالسجود الأول من الركعة الأولى كركوعها الأول والثاني منه كالثاني، وهكذا الركعة الثانية، وجزم في "المنهاج" بكلام البويطي على إجماله.

قوله في "أصل الروضة": ولنا وجه أن الجماعة فيها شرط، ووجه أنها لا تقام إلا في جماعة واحدة، وهما شاذان.
انتهى.
اعلم أن الأول قد حكاه الرافعي عن الإمام [ثم] 1 أنكره عليه فقال: حكاه الإمام عن الصيدلاني، ولم أجده في كتابه هكذا لكن قال: خَرَّجَ أصحابنا وجهين في أنها هل تصلى في كل مسجد أو لا تكون إلا في جماعة واحدة كالقولين في العيد؟ هذا كلام الرافعي.

قوله: وذكر أبو سليمان الخطابي أن الذي يجئ على مذهب الشافعي -رضي الله عنه- هو الجهر في صلاة كسوف الشمس.
انتهى كلامه.
تابعه النووي في "الروضة" على هذا النقل عن الخطابي ثم قال -أعني النووي- في "شرح المهذب": إن ما نقله عن الخطابي لم أره في كتاب له.

قلت: بل نقل المذكور في "معالم السنن" عن الشافعي عكسه وهو الإسرار.

قوله: ولو طلع الفجر وهو خاسف أو خسف بعد الفجر صلى على الجديد، وعلى هذا لو شرع في الصلاة بعد الفجر فطلعت الشمس في أثنائها لم تبطل صلاته كما لو انجلى الكسوف في أثنائها.
وذكر القاضي ابن كج أن هذين القولين في ما إذا غاب خاسفًا بين الفجر وطلوع الشمس، فأما إذا لم يغب، وبقي خاسفًا فيجوز الشروع في الصلاة بلا خلاف.
انتهى.
وما قاله ابن كج قد خالفه فيه جماعات كثيرة فقالوا: إن القولين جاريان مطلقًا منهم الشيخ أبو حامد والبندنيجي والدارمي وغيرهم قال في "شرح المهذب": وهو مقتضى إطلاق الجمهور وتعليلهم، وذكر في "الروضة" قريبًا من ذلك.

قوله في "الروضة": وإذا اجتمعت صلاتان في وقت واحد قدم ما يخاف فوته، ثم الأوكد، فلو اجتمع عيد وكسوف، أو فرض وكسوف، وخيف فوت العيد أو الفرض لضيق وقته قُدِّم، وإن لم يخف فالأظهر تقديم الكسوف.
والثاني: العيد والفرض لتأكدهما.
انتهى.
وما ذكره من الجزم بطريقة القولين هو المذكور في "المنهاج" أيضًا تبعًا للرافعي في كتبه، وخالف في "شرح المهذب" فقال: الصحيح وبه قطع الاكثرون القطع بتقديم الكسوف.

قوله: وروى البيهقي عن أبي قبيل: إن الشمس كسفت لما قتل الحسين.
انتهى.
قبيل: بقاف مفتوحة ثم باء موحدة مكسورة بعدها ياء مثناة، ثم لام

ضبطه ابن ماكولا وغيره.
قال الذهبي: واسمه حيي مصغرًا، وقيل: حي -مكبرًا- ابن هانيء بن ناصر المعافري المصري، وثقه أحمد وابن معين.
قال ابن يونس في "تاريخ مصر": توفي بالبرلس سنة ثمان وعشرين ومائة.

باب صلاة الاستسقاء

قوله: أو عارت العيون أو انبثقت الأنهار.
انتهى.
والكلام هنا في أمرين: أحدهما: في كلمة عارت، ومعناها: ذهاب الماء وهي بالعين المهملة.
قال الجوهري في الكلام على عور التي هي بالعين المهملة: وقد عارت العين تعار، قال الشاعر: وسائله بظهر الغيب عني... أعارت عينه أم لم تعارا والألف في "تعارا" بدل من نون التوكيد الحقيقية، وإن كان إدخالها بعد "لم" شاذًا.
وعرت عينه أعورها، وفلاة عوراء لا ماء بها واعورت عينه لغة في عرتها، وعورتها تعويرًا مثله عورت عين الماء إذا كبستها حتى نضب الماء.
انتهى ملخصًا.
وحاصله أن هذه المادة ثابتة للعين الباصرة، والفوارة، وذكر بعده في الكلام على عير ما يؤيده فقال: وعار في الأرض يعير أي ذهب.
وذكر السهيلي في "الروض الأنف" في الكلام علي غزوة بدر في قوله في السيرة فأمر بتلك القلب -أي المياه- التي احتفرها المشركون فعورت كذلك أيضًا فإنه جعله من مادة المهملة، ثم قال: ومن الشاهد بوصف القلب بالعور قول الزاجر: ومنهل أعور إحدى العينين بصيرة الأخرى أصم الأذنين.
واعلم أن الغور بالغين المعجمة هو قعر الشيء، والغائر هو الذي سفل وبعد قعره.
قال الجوهري: غار الماء غورًا وغؤورًا أي على وزن قعودًا أي سفل في الأرض.
هذا لفظه، وهو صحيح لكنه قال بعده: وغارت عينه تغور غورًا وغؤورًا دخلت في الرأس، وغارت تغار لغة فيه، قال الشاعر:

أغارت عينه أم لم تغارا.
هذا لفظه، وقد تقدم منه في فصل العين المهملة جعل هذا البيت منها على خلاف المذكور هنا فكان وهم.
الأمر الثاني: في الكلام على قوله: انبثقت فاعلم أنه يقال: بثق السيل موضع كذا أي جرفه، وهو بالباء الموحدة والثاء المثلثة والقاف.

قوله: وإذا استسقوا فتأخرت الإجابة صلوا ثانيًا وثالثًا حتى يسقيهم الله تعالى.
انتهى.
والتقييد بالثلاث ذكر مثله في "الروضة"، وهو يوهم عدم الزيادة، وإن كان التعبير بحتى قد يشعر بخلافه، وقد صرح في "شرح المهذب" بأنه لا يتقيد بها، وسبقه إليه الماوردي وغيره.

قوله في المسألة: وهل يعودون من الغد أم يصومون ثلاثة أيام قبل الخروج كما يفعلون في الخروج الأول؟ قال في "المختصر": من الغد، وفي القديم: يصومون وقيل: قولان: أظهرهما: الأول.
وقيل: على حالين، فإن لم يشق على الناس، ولم ينقطعوا عن مصالحهم عادوا غدًا، وبعد غد، وإن اقتضى الحال التأخير أيامًا صاموا، زاد في "الروضة" فقال: نقل القاضي أبو الطيب عن عامة الأصحاب أن المسألة على قول واحد، فنقل المزني محمول على الجواز، والقديم على الإيجاب.
انتهى.
فيه أمور: أحدهما: أن الجمهور على الطريقة الأولى، وهي الحمل علي الحالتين، كذا ذكره في "شرح المهذب" في آخر كلامه على المسألة فتفطن له.

وأما تصحيح الرافعي و"الروضة" ونقل "المختصر" فهو تفريع على طريقة إثبات الخلاف فتأمل ذلك، وتفطن له.
الأمر الثاني: أن اقتصاره في إعادة الصوم على القديم غريب فقد نص عليه في "الأم" أيضًا، وممن نقله عنها النووي في "شرح المهذب".
الأمر الثالث: إذا قلنا بالخروج في الغد وفي الذي يليه ويكون صائمًا، نبه عليه في "الكفاية".

قوله: منها أن يأمر الإمام الناس بصوم ثلاثة أيام قبل اليوم الذى ميعاد الخروج، وبالتقرب إلى الله تعالى بما يستطيعون من الخير، ثم يخرجون في اليوم الرابع صيامًا.
انتهى.
ومقتضى هذا الكلام أنهم مأمورون في الاستسقاء بصوم أربعة أيام، وهو كذلك، ولهذا عبر في "البحر" بقوله: ويأمر الناس قبل ذلك أن يصوموا ثلاثًا، ثم يأمرهم أن يخرجوا في اليوم الرابع صيامًا، نص عليه الشافعي في "الأم" لا ما إذا استجبنا لهم أن يقدموا الصيام، فالأولى يوم المسألة.
هذه عبارته.
وذكر نحوه خلائق كثيرون منهم الشيخ في "المهذب" وأبو خلف الطبري في "شرح المفتاح" وأبو نصر البندنيجي في "المعتمد"، وأوضحه الشيخ نصر المقدسي في كتابه المسمى "بالمقصود" قال: ويأمرهم أن يصوموا ثلاثة أيام، واليوم [الذي يستسقون] 1 فيه.
هذه عبارته.
ثم إن صيام هذه الأيام التي يأمرهم الإمام بها واجب، كذا ذكره النووي في "فتاويه" لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ 2.

لكن هل يتعدى ذلك إلى كل ما يأمرهم به من الصدقة وغيرها أم يختص ذلك بالصوم؟ فيه نظر.

قوله: وفي إخراج البهائم قصدًا وجهان ذكرهما الإمام أصحهما: أنه يستحب إخراجها لما روى أنها تستسقى، وعن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "لولا رجال ركع وصبيان رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبًا" 1 انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن ما ادعاه من حكاية الإمام لوجهين ليس كذلك، بل إنما حكاهما قولين صريحين، فإنه عبر بقوله: وفي استحباب إخراج البهائم تردد في النص.
وكذا عبر به أيضًا الغزالي في "البسيط"، ولا شك أن الشافعي قد نص في "الأم" وغيرها على كراهة إخراجهم كما سيأتي إيضاحه.
ونقل القفال عن النص أنه يستحب إخراجهم فتبعه على ما نقله تلميذه القاضي الحسين، ثم إمام الحرمين على عادته، وهذا النص غير معروف، حتى أن الروياني في "البحر" لما نقله عنه أنكره مع أن الروياني مشهور بين أهل المذهب بكثرة الاطلاع على نصوص الشافعي حتى حكوا عنه أنه قال: لو ضاعت نصوص الشافعي لأمليتها من صدري.
والقفال -رحمه الله- وكثير من أنظاره مع جلالة قدرهم لم يكونوا في النصوص بهذه المثابة إلا صاحب "التقريب" فإنه أعظم من الروياني في ذلك كما تقدم إيضاحه في مقدمة الكتاب.

وكأن قول الشافعي: لا أمنعهم.
قد اشتبه على بعضهم فتوهم منه استحباب خروجهم، فقلده القفال فيه.
الأمر الثاني: أن الغزالي في "الوجيز" قد جزم باستحباب إخراج أهل الذمة أيضًا.
وذكر الرافعي في شرحه له أن الجمهور سكتوا عنه، وحذف النووي مقالة الغزالي فلم يذكرها في "الروضة" بالكلية.
الأمر الثالث: أن تصحيح استحباب إخراج البهائم قد تابعه عليه النووي في "الروضة" والمنهاج، وجزم به في التأليف الذي جمعه في آداب الاستسقاء، وهذه المقالة قد نقلت عن أبي إسحاق المروزي وابن أبي هريرة على كلام فيه يأتي، ورأيتها في تعليق القاضي الحسين وفي الكتاب المسمى "بالطريق السالم" لابن الصباغ، وصرح في هذا الموضع بحوالة فروع وأدعية على كتابه "الشامل"، وفي "التهذيب" للبغوي، و"الوجيز" للغزالي و"الحلية" للروياني، و"الانتصار" لابن عصرون على اختلاف وقع أيضًا في كلام ابن الصباغ والروياني ولم أرَ بعد الفحص من قال بهذه المقالة من المعتبرين غيرها، ولا الثمانية على كلام فيه وقع لثلاثة منهم كما تقدم، وسيأتي ذكره.
إذا علمت ذلك فقد نص الشافعي في "الأم" وغيرها على أنه لا يستحب إخراجهم، وذهب إليه جمهور الأصحاب ما بين مقتصر على عدم الاستحباب، ومبالغ يقول بالكراهة، فمنهم الشيخ أبو محمد في "مختصر المختصر"، وأبو القاسم الصيمري في "الكفاية"، وفي شرحها له أيضًا، وأبو على البندنيجي في التعليقة المشهورة المسماة "بالجامع"، وعبر بقوله: السنة أن لا يخرجها، فإن فعل فلا بأس، والمحاملي في "المجموع"، وغيره ناقلًا له عن النص، وجازمًا به، والدارمي في "الاستذكار"، وأبو خلف الطبري في "شرح المفتاح"، وسليم الرازي في "المجرد"، وغيره.

جارٍ التحميل