المهمات في شرح الروضة والرافعيصفحات 522-4

يحسنها أو يشترط من ناطق أن ينطق بالصيغة ويشير إليه بها، ويقول: تشهد هكذا؟ فهذا يقرب بعض القرب هذا [كلامه]، فاكتفى بالكتابة، ولم يشترط الإشارة معها.

قوله: ولو لاعن الأخرس بالإشارة ثم عاد نطقه وقال: لم أرد اللعان بإشارتي، قبل قوله في ما عليه فيلحقه النسب والحد، ولا يقبل في ماله، فلا ترتفع الفرقة والتحريم المؤبد، ولو قال: لم أرد القذف أصلًا لم يقبل.
انتهى.
والذي ذكره من وجوب الحد تابعه عليه في "الروضة" وهو خلاف ما نص عليه الشافعي في "الأم" في باب من أبواب اللعان مذكور بعد باب لاشك في لا طلاق، فإنه قال في ما إذا ادعى أنه لم يقذف، ولم يلتعن: إنه لا يحد ولا ترد إليه.

قوله: فمنها التغليظ بالزمان وذلك بالتأخير إلى ما بعد صلاة العصر فإن لم يكن طلب حاث فليؤخر إلى يوم الجمعة، ذكره القفال وغيره، ووجه بما اشتهر عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه، قال كعب الأحبار: هي الساعة بعد العصر، واعترض عليه بأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يصلي، والصلاة بعد صلاة العصر مكروهة، وأجاب بأن العبد في الصلاة مادام ينتظر الصلاة.
انتهى كلامه.
والصواب في تفسير ساعة الإجابة ما فسرها به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهي حين يجلس الإمام على المنبر إلى أن تقضي الصلاة، كذا رواه مسلم في صحيحه من رواية أبي موسى الأشعري -رضي الله عنهما-.

قوله: أحدها: من لا ينتحل دينًا كالزنادقة والدهرية لا تغلظ عليهم بالمكان وغيره عند الأكثرين.
انتهى.
وما ذكره في تفسير الزنديق قد خالفه في باب صفة الأئمة، وكتاب الفرائض وقتل المرتد، فذكر في الجميع أنه الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر، والصواب هو المذكور هنا.

قوله: الثانية: الحائض تلاعن عند باب المسجد ويخرج إليها الحاكم أو يبعث إليها نائبًا والمشرك والمشركة يمكنان من المكث في المسجد، واللعان فيه في حال الجنابة والحيض ولا يؤاخذان بتفاصيل الأحكام المتعلقة بحق الله تعالى، هذا هو الظاهر وفيه وجه مذكور في آخر الباب الخامس من كتاب الصلاة، انتهى كلامه.
وما ذكره من تمكين الحائض المشركة من المكث في المسجد على الظاهر وأن فيه وجهًا سبق هناك عجيب، فإن المجزوم به هناك هو: المنع، وتخصيص الخلاف بالجنب يوهم هنا أن الخلاف السابق فيها معًا وليس كذلك، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه.

قوله: فعن أبي هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "من حلف على منبري على يمين آثمة ولو شراك وجبت له النار، انتهى.
الشراك: بكسر الشين المعجمة هو: السير الذي في أعلى النعل تدخل فيه الرجل للاستقرار.

قوله: ومنها: إذا فرغ من الكلمات الأربع أمر القاضي رجلًا أن يضع يده على فيه فلعله ينزجر، انتهي.
واعلم أن الغزالي في "الوجيز" قد ذكر أن الواضع يده يأتي من ورائه فقال: وأن يأتيه رجل من ورائه عند الخامسة فيضع يده على فيه، هذا لفظه، ونسيه الرافعي، فلم يتعرض له في الشرحين معًا، وكأنها سقطت من مسودة "الكبير" نسيانًا أو لغلط في نسخة "الوجيز" المشروح، وقد ذكره الغزالي أيضًا في "الوسيط" و"البسيط" وإمام الحرمين في "النهاية".

قوله: ولو أتت زوجته بولد فنفاه بعد الولادة باللعان، ثم ولدت آخر فله حالان: أحدهما: أن يكون بينهما دون ستة أشهر منهما حمل واحد، فإن نفى

الثاني بلعان آخر انتفى الأول، وإن لم ينف الثاني بل استلحقه أو سكت عن نفيه مع إمكان النفي لحقاه جميعًا، ولكن لا يلزمه الحد عند السكوت لأنه لم يناقض كلامه الأول، واللحوق حكم الشرع، وهذا بخلاف ما لو حصل اللعان بعد البينونة، ثم أتت بولد آخر قبل ستة أشهر فسكت عن نفيه لزمه الحد، كما لو استلحقه.
والفرق أن اللعان بعد [البينونة] لا يكون إلا لنفي النسب، فإذا ألحق النسب لم يبق للعان حكم، فحذف اللعان في صلب النكاح يتعلق به مقاصد من درء الحد، ووقوع الفرقة ونفي النسب، فإذا ألحق النسب نفى سائر المقاصد التي تفرد باللعان، انتهى كلامه.
وما ذكره من كون اللعان بعد البينونة لا حكم له إلا قطع النسب ليس كذلك، بل له فائدة أخرى وهو تأبد التحريم على أظهر الوجهين.

قوله: في المسألة: الحال الثاني: أن يكون بينهما ستة أشهر فصاعدًا، فالثاني حمل آخر، [فإن نفاه] باللعان انتفى أيضًا، وإن استلحقه أو سكت عن نفيه لحقه، ولا يمنع من ذلك كونها بانت بعد اللعان لاحتمال أنه وطئها بعد وضع الأول فعلقت قبل اللعان فتكون حاملًا حال البينونة فتصير كالمطلقة ثلاثًا إذا ولدت لدون أربعة سنين من وقت الطلاق يثبت نسبه للمطلق لاحتمال كونها حاملًا وقت الطلاق فلا يلزمه من لحوق الثاني لحوق الأول، وهذا الذي ذكرناه من لحوق الثاني [إذا] لم ينفه هو الصواب، وبه قطع الأصحاب وقال في "المهذب": ينتفي الثاني بلا لعان لحدوثه بعد الفراش، وهذا ليس وجهًا آخر بل الأشبه أنه سهو والتوجيه الذي ذكره ممنوع، انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه من تغليط "المهذب" في هذه المقالة قد تابعه عليه النووي في "الروضة" وكذلك ابن الرفعة في "الكفاية" فإنه نقل تغليط الرافعي له ووافقه عليه وليس الأمر كما زعموه، فقد جزم بذلك شيخه

القاضي أبو الطيب في "تعليقته" ثم ذكر ما استند إليه الرافعي من القياس على المطلقة ثلاثًا فإنه تكلم أولًا على ما إذا أتت امرأته بولد فنفاه باللعان، ثم أتت بعده بولد آخر لدون ستة أشهر، ثم تكلم بعد ذلك على ما إذا أتت به لأكثر من ذلك وهي المسألة التي أجاب فيها صاحب "المهذب" بما تقدم فقال -أعني القاضي- ما نصه: فأما إن أتت به لستة أشهر فصاعدًا فإن الولد الثاني ينتفي عنه بغير لعان هذا لفظه بحروفه، ثم استدل عليه فقال: لأنه لا يجوز أن يكون منه على وجه يلحقه، فإنه حمل حادث، فإما أن يكون [الزوج قد وطئها بعد فرقة اللعان فيكون زنا فلا يلحقه، وإما أن يكون] 1 من غيره فلا يلحق به.
فإن قيل: هلا [قلتم] إنه يلحق به كما قلتم أن رجلًا لو طلق امرأته ثلاثًا واعتدت بثلاثة أقراء ثم أتت بولد لستة أشهر فصاعدًا، ولدون أربع سنين إن ولدها يلحقه؟ قلنا: الولد هناك إنما لحقه لجواز أن تكون قد حملت منه قبل الطلاق ويكون الدم الذي رأته حيضًا: على الجديد، ودم فساد: على القديم، وليس كذلك في الطلاق لأنا تحققنا أن الولد هناك حادث بعد الطلاق لأن الله تعالى قد أجرى العادة بأن لا يتوسط بين الوضعين مدة حمل، فوزان مسألتنا من مسألة الطلاق أن تطلق امرأته ثلاثًا فتأتي بولد لأكثر من أربع سنين من وقت الطلاق فلا يلحقه لأنه لا يمكن أن يكون منه، هذا كلام القاضي أبي الطيب ذكره في أثناء أبواب اللعان في باب ما يكون قذفًا وما لا يكون بعد ورقتين من أوله فأخذ الشيخ كلام شيخه، وجزم به في "المهذب" والعجب من موافقة ابن الرفعة على الإنكار مع كثيرة نقله عن التعليقة المذكورة.
تم الجزء السابع بحمد الله وعونه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

المُهِمَّات فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ والرَّافِعِيِّ

تَصْنيف الشَّيْخ الإِمَام العَلامَة جمال الدّين عبد الرَّحِيم الأسنوي رَحِمَه الله الْمُتَوفَّى 772 هـ

اعتَنى بِهِ أَبُو الْفضل الدّمياطِي أَحَمَدْ بنْ عَلي عَفَا الله عَنْهُ

الْجُزْء الثَّامِن

مَرْكَز التراث الثقافي المغربي - دَار ابْن حزم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المُهِمَّات فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ والرَّافِعِيِّ (8)

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة الطبعة الأولى 1430 هـ - 2009 م

ISBN: 978 - 9953 - 81 - 740 - 8

الْكتب والدراسات الَّتِي تصدرها الدَّار تعبر عَن آراء واجتهادات أَصْحَابهَا

مَرْكَز التراث الثقافي المغربي الدَّار الْبَيْضَاء - 52 شَارِع الْقُسْطَلَانِيّ - الأحباس هَاتِف: 442931 - 022 _ فاكس: 442935 - 022 المملكة المغربية

دَار ابْن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص. ب: 6366/ 14 هَاتِف وفاكس: 701974 - 300227 (009611) بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb

جارٍ التحميل