المهمات في شرح الروضة والرافعيصفحات 45-84

فيه أمران: أحدهما: أن مقتضى هذا الكلام أن تجويز الإمام إنما هو في الذهب والفضة والزمرد ونحوها لأن هذه هى الجواهر النفيسة، وليس كذلك، بل جوزه الإمام في كل ما له قيمة كالنحاس والصفر والعود فإنه قد ذكر هذه المسألة في باب بيع الكلاب فقال: ألحق الأئمة مسائل بما ذكرناه في الحيوان منها بيع المعازف وآلات الملاهى.
فإن كانت بحيث لو كسرت الكسر المأمور به لم يكن رضاضها متمولًا، ولا يصح بيعها.
وإن كانت بحيث لو كسرت الكسر الواجب لكان رضاضها متمولًا ففي إيراد البيع عليها قبل الرض وجهان.
أحدهما: يبطل البيع نظرًا إلى صفاتها، ويعتضد هذا بإطباق الناس على استنكار بيع البرابط والطنابير.
والثانى: يصح بيعها لأن جرم الرضاض كائن فيها وهذا وإن كان قياسًا فالعمل على الأول.
فأما إذا باع صورًا وأشباحًا كالأصنام وغيرها وكانت متخذة من جواهر ذات قيمة كالصفر والنحاس وغيرها فهى مكسرة على أربابها.
[والأصح] 1 جواز بيعها قبل التكسير، فإن جواهرها مقصودة بخلاف رضاض المعازف.
وذكر القاضى وجهًا في منع بيعها.
هذا كلام الإمام وهو كما نبهنا عليه.
الأمر الثاني: أن هذا الوجه الذي تكلمنا عليه واختاره الإمام محله في المسألة الثانية، وهي الصور والأصنام.

وأما الأولى فلم يجزه، وبينهما فرق، فإن آلة الفسق يقصد نهيها أكثر مما تقصد الصور ونحوها.
وقد جمع في "الروضة" بين المسألتين، وحكى فيهما الأوجه الثلاثة، وأن الإمام اختاره فيهما، وهو غلط سببه أنه لم يراجع "النهاية" حال الاختصار، وتوهم أن كلام الرافعي عائد إليهما فصرح به، لكنة لو تأمل آخر كلام الرافعي وهو استدلاله بخبر جابر لم يذكره، فإنه ليس فيه إلا الصور.
وقد فعل في "شرح المهذب" كما فعل في "الروضة" وزاد فنقل التفصيل المذكور عن صاحب "التتمة" مع أنه لم يذكره بالكلية، فإنه عقد لهما المسألة الثانية والثلاثين والثالثة والثلاثين من الباب الثالث، وحكى وجهين فقط، لكنه صحح في الأولى الجواز، ولم يصحح في الثانية شيئًا.
وما نقله عن الغزالي من حكاية الأوجه واختار التفصيل بينهما فصحيح إلا أنه لم يخصه بالجواهر النفيسة، فإنه قال: والأظهر إن كان من ذهب أو فضة أو عود أو شئ نفيس صح.
هذا لفظ "الوسيط".

قوله: والجارية المغنية إذا اشتراها بألفين، ولولا الغناء لكانت تساوى ألفًا.
قال المحمودى: يبطل لأنه بذل مال في مقابلة معصية.
وقال الأودى: يصح.
وقال أبو زيد: إن قصد الغناء بطل، وإلا فلا.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أن الراجح هو الصحة.
كذا صححه النووي في "زياداته".
وقال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه القياس.
الأمر الثاني: أنه قد اضطرب التعبير عن الوجه الثالث، ففي نسخ معتمدة من هذا الكتاب إن قبل بالغناء عوضًا عن قصده وفي بعضها قصد

وهو المذكور في "النهاية" و"الروضة".
الأمر الثالث: أن هذا التعليل المذكور للبطلان صريح في تحريم غناء المرأة، وقد ذكر ما يوافقه في الغصب أيضا فقال في الباب الثاني في الطوارئ على المغصوب: فرع: لو زادت قيمة الجارية بتعليم الغناء ثم نسيته نقل الرويانى عن النص أنه لا يضمن النقص لأنه محرم، وإنما يضمن المباح.
وعن بعض الأصحاب أنه يضمنه، ولهذا لو قتل عبدًا مغنيًا غرم تمام قيمته.
قال: وهو الاختيار.
انتهى.
ثم ذكرها بين المسألتين وهما مسألة الغصب والبيع في كتاب الصداق كما ذكرهما في موضعهما.
وإذا علمت ذلك فقد صح في كتاب الشهادات أنه لا يحرم عليها ذلك، وسوف أذكر لفظه في بابه إن شاء الله تعالى.
ولا سبيل إلى حمل المذكور في غير الشهادات على ما إذا كانت تغنى بآلة محرمة لأنه يلزم منه الجزم بصحة البيع في كثير من الجوارى المغنيات أو أكثرها حتى يكون إطلاقهم خطأ.
ولم يصرح أحد بذلك، بل: ولا أشار إليه، وأيضا فإن الرويانى قد استدل على أنه يضمن نقصانها بسبب الغناء فإنه مضمون في العبد المقتول، كما قدمنا أن الرافعي نقله عنه في كتاب الغصب، فدل ذلك على أن غناء العبد ليس بآلة محرمة إذ لو كانت كذلك لما ضمن فيه أيضًا.
ويلزم حينئذ أن لا يستقيم قياس الجارية عليه إلا إذا كان غناؤها بآلة محرمة.

فدل ذلك كله على التحريم مطلقًا.
واعلم أن تحريم الغناء إذا كان بألة محرمة فيه نظر أيضًا، بل ينبغى بقاؤه على إباحته عند من يقول بها، وأن لا يحرم إلا الاستماع إلى تلك الآلة والعمل بها فقط ولعل هذا هو المراد من عبارتهم، وإنما ذكر الغناء لملازمة استماعه لها غالبًا عند اجتماعهما.
وقد وقع هذا الاختلاف أيضًا للنووى في "الروضة" وأكد التحريم في باب الغصب فقال من "زياداته" الأصح المختار هو النص لأنها محرمة.
الأمر الرابع: أن الأوجه السابقة في بيع الجارية مفرعة على قولنا: إن الغاصب لا يضمن الغناء.
فإن قلنا: يضمنه.
صح، كذا قاله الرافعي في كتاب الصداق.

قوله من "زياداته": ولو باع [إناء] 1 من ذهب أو فضة صح قطعًا لأن المقصود الذهب فقط.
ذكره القاضى أبو الطيب.
انتهى.
وما ادعاه هنا من القطع بالصحة ذكره أيضا من غير إعزائه إلى أحد في "شرح المهذب" هنا وفي "الروضة" في باب الآوانى، وهو مشكل، فقد تقدم قبل هذا أن الصحيح الذي عليه عامة الأصحاب أنه لا يجوز بيع آلات الملاهى والأصنام والصور المتخذة من الجواهر النفيسة وغيرها.
وعلله الرافعي بأنها على هيئتها آلة الفسق، ولا يقصد بها غيره مادام ذلك التركيب باقيًا، وهذا المعنى موجود في الإناء فكيف يصح فضلًا عن دعوى الاتفاق؟ وقد نقل في باب الآنية من شرح المهذب ما نقله هنا عن القاضى ثم توقف فيه، وقال: إذا قلنا بتحريم إتخاذ الأوانى فينبغى تخريج بيعها على الخلاف المشهور

في بيع الجارية المغنية، وعلى ما قاله من هذا البحث يكون الصحيح الجواز.
لكن إلحاقه بما قلناه أولى لاشتراكهما في تحريم الهبة وهل يلتحق بيع الصليب من النقدين بالأوانى أم بالصنم ونحوه؟ فيه نظر، وقد يلوح الفرق بين مسألتنا، وبين النظائر السابقة.

قوله أيضًا من "زياداته" نقلًا عن المتولى: والنرد إن صلح لبيادق الشطرنج فكالشطرنج وإلا فكالمزمار.
انتهى كلامه.
وما نقله عن المتولي هنا نقله في "شرح المهذب" عنه أيضًا وأقره، وقد علمت مما قاله في المسألة السابقة إطلاق المنع في آلات الملاهى.
والصور والأصنام، ولم يذكر هذا التفصيل فقياسه هنا أن لا يصح، وإنما فصل صاحب "التتمة" هنا لأنه ذكر مثله هناك فقال في المسألة الثانية والثلاثين من الباب الثالث من أبواب البيع: بيع المزمار والمعزفة والطنبور، وما جانس ذلك من آلات اللهو إن كان محلوله يصلح لمنفعة مباحة مقصودة ففي جواز بيعه وجهان: أحدهما: وهو الصحيح: جوازه.
هذا كلامه.
لا جرم أن البغوى في "التهذيب" لما كان قائلًا بالتحريم في الملاهي أطلق تحريم بيع النرد.
هكذا صرح به في باب بيع الكلاب.

قوله: إحداهما: إذا باع مال الغير بغير إذن وولاية ففيه قولان: الجديد أنه لاغ.
والقديم: أنه ينعقد موقوفًا على إجازة المالك.
انتهى.
واعلم أن هذا القول منصوص عليه في الجديد أيضًا.
كذا نقله الشيخ أبو محمد في كتاب القضاء من "السلسلة" وسليم الرازي في "المجرد" والرويانى في "البحر" كلاهما في باب القراض، ونص عليه في "الأم" في أول كتاب الغصب على ما نقله عنه في "المطلب" فقال: إذا باع الغاصب الجارية المغصوبة كان لرب الجارية أن يجيز البيع إن أحب أن يأخذ الثمن

الذي باع به الغاصب.
قال الربيع: فإنه بعد ذلك ليس له إلا جاريته والشراء مردود.
وعلق الشافعى في البويطى صحته على صحة الحديث فقال في آخر باب الغصب: إن صح حديث عروة البارقى 1، وكل من باع أو أعتق ملك غيره بغير إذنه ثم رضى فالبيع والعتق جائزان.
هذا لفظه.
ونقل البيهقى أنه علقه أيضًا على صحته في "الأم".

قوله: ولو اشترى الفضولى لغيره نظر إن اشترى بعين مال الغير ففيه قولان.

وإن اشترى في الذمة نظر إن أطلق، ونوى كونه للغير فعلى الجديد يقع للمباشر، وعلى القديم يقف على الإجازة، فإن رد نفذ في حق الفضولى ولو قال: اشتريت لفلان بألف في ذمته فهو كاشترائه بعين مال الغير ولو اقتصر على قوله اشتريت لفلان بألف، ولم يضف الثمن إلى ذمته فعلى الجديد وجهان: أحدهما: يلغو العقد.
والثاني: يقع عن المباشر.
وعلى القديم يقف على إجازة فلان، فإن رد ففيه الوجهان انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" و"شرح المهذب".
والصحيح من هذين الوجهين اللذين قد تكرر ذكرهما وقوع العقد عن المباشر، كذا صححه الرافعي في أثناء الباب الثامن من أبواب الوكالة في الكلام على البيع والشراء المخالفين أمر الموكل.

قوله: ولو اشترى شيئًا لغيره بمال نفسه نظر إن لم يسمه وقع العقد عن المباشر سواء أذن ذلك الغير أم لا.
وإن سماه نظر إن لم يأذن له لغت التسمية وهل يقع عنه أم يبطل؟ وجهان.
فإن أذن له فهل تلغو التسمية؟ وجهان فإن قلنا: نعم.
فهل يبطل من أصله أم يقع عن المباشر؟ فيه وجهان.
وإن قلنا: لا وقع عن الإذن، وهل يكون الثمن المدفوع قرضًا أم هبه؟ وجهان.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" و"شرح المهذب" أيضًا.
فأما الوجهان الأولان فالصحيح فيهما على ما ذكرناه في المسألة السابقة

وقوع العقد عن المباشر وأما الخلاف المتأخر، وهو أنه هل يقع عن الآمر عن الإذن أم لا؟ وإذا أوقعناه عنه هل يكون المعطى قرضًا أم هبة؟ فقد تعرض له الرافعي قبيل الباب الثالث من أبواب الوكالة فقال: ولو قال لغيره اشتر عبد فلان لى بثوبك هذا أو بدارهمك ففعل حصل الملك للآمر، ويرجع المأمور على الآمر بالقيمة أو المثل وفيه وجه أنه إذا لم نجر شرط الرجوع لا يرجع.
انتهى كلامه.
وذكر مثله في "الروضة" و"شرح المهذب"، وصرح بأن الثاني وجه ضعيف، وحاصله وقوع العقد عن الآمر، وأن المعطى يكون قرضًا، ولكنه ذكر بعده بنحو صفحة ما يشكل عليه، وسوف أبين ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.

قوله: وشرط الوقف عند أَبى حنيفة أن يكون للعقد مجيز في الحال مالكًا كان أو غير مالك، حتى لو أعتق عبدًا لطفل أو طلق امرأته لا يتوقف على إجازته بعد البلوغ.
والمعتبر إجازة من ملك التصرف عند العقد حتى لو باع مال الطفل فبلغ وأجاز لم ينفذ وكذا لو باع مال الغير ثم تملكه وأجاز.
وقال الشيخ أبو محمد.
ولا يخالف في ذلك أبو حنيفة إذا فرعنا على القديم.
انتهى كلامه.
وهذا الكلام الذي ذكره الرافعي معناه واضح ولكنه غير محرر في التعبير، واشتمل على تكرار، فإن قوله: (والمعتبر إجازته إلى آخره) يعنى غير ما تقدم، والواقف عليه يتوهم غير ذلك.

قوله؛ وذكر إمام الحرمين أن العراقيين لم يعرفوا القول القديم، وقطعوا بالبطلان.

وهذا إن استمر اقتضى كلامه إعلامه بالواو وإنما توقف فيه وما ألفيته من كتب العراقيين هو الاقتصار على ذكر البطلان لا نفي الخلاف.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره الرافعي من أن الذي وجده في كتب العراقيين إنما هو البطلان غريب، فقد نص عليه القاضى أبو الطيب في كتاب الوكالة في الكلام على ما إذا وكله في شراء شاة، فاشترى شاتين.
وكذا ابن الصباغ في الوكالة أيضًا في المسألة المذكورة في باب الأضحية، وسليم الرازى في كتاب القراض من "المجرد"، وبالغ فنسبه أيضًا إلى الجديد كما تقدم.
ولم يذكر النووي في "الروضة" قول الرافعي أنه لم يجده؛ بل ذكر قول الإمام، ثم استدرك عليه فقال: قلت: قد ذكر هذا القديم من العراقيين المحاملى في "اللباب" والشاشى صاحب "البيان"، ونص عليه الشافعى في "البويطى"، وهو قوى في الدليل.
وهذا لفظه.
وجميع ما ذكره في هذا الزيادة غير صحيح؛ أما المحاملى فلا شك أنه عراقى، لكنه لم يصرح في هذا الكتاب، الذي نقل عنه وهو "اللباب" بالمسألة بخصوصها، فإنه عذذ تنوعًا للشافعى فيها قولان، ثم عبر في أثنائها بقوله: وبيع تعريف الصفقة، وبيع الموقوف.
هذا لفظه من غير زيادة عليه.
ولا شك أن قولى الوقف يطلقان على هذه المسألة، وعلى من باع مال أبيه ظانًا حياته.
وقد صرح هو في "الروضة" بعد هذا بأسطر قلائل بذلك.
وإذا كانا يطلقان على كل من الصورتين لم يؤخذ منه حكاية الخلاف في بيع الفضولى، لأنه قد يريد المسألة الأخرى.

وأما صاحب "البيان" فنقله عن الفورانى، وهو من الخراسانيين، والشاشى نقله عن القاضى الحسين وهو منهم أيضًا.
وأيضًا فإن هذين لم يلتزما طريقة واحدة حتى ينقص بها، بل خلطا طريقة بطريقة، وأيضًا فإنهما متأخران عن الإمام.
وأما النقل عن البويطى فليس فيه الجزم بالصحة بل التعليق كما سبق، وقد سبق من النقول الصريحة ما فيه غنية عنه، وإن كان قد قال في "شرح المهذب": إن جميع من حكاه إنما حكاه عن القديم.
وأما دعواه بأنه قوى فباطل، فإن أقوى ما فيه حديث عروة، ولا يمكن حمله على هذه المسألة، فإنه قد باع وسلم.
والقائل بالصحة في هذه المسألة لا يجوز عنده التسليم إلا بإذن، كما صرح به في "شرح المهذب"، فتعين حمله على أنه كان وكيلًا للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بيع ما يراه من أمواله الموجودة، والتى ستحدث.
ويكون هذا الحديث دليلًا على صحة هذا التوكيل.
وقد حكى الرافعي في صحته احتمالين من غير ترجيح مستدلًا للصحة بهذا الحديث، ذكر ذلك في كتاب الوكالة، وثبت هناك أن المنقول هو الصحة.

قوله: الثالثة: لو باع مال أبيه على ظن أنه حي فبان ميتًا صح العقد في أصح القولين.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن حكاية الخلاف في هذه المسألة قولين ذكره القاضى أبو الطيب في آخر باب العفو عن المهر من تعليقه، والداوودي في "شرح المختصر" في باب عدة المفقود، وجزم به النووي في "الروضة" وصححه في

"شرح المهذب" هنا فقال ما نصه: فقولان وقيل: وجهان هذا لفظه.
وحكاه جماعة وجهين منهم الشيخ أبو حامد في باب عدة المفقود من تعليقه، والبندنيجى والماوردي في الموضع المذكور، والقفال في "شرح التلخيص" في كتاب الوصايا في ذكر [ما يعتد به] 1 من أصول الكوفيين.
وصححه النووي في "شرح المهذب" في باب المسح على الخفين فقال: ففي صحته وجهان، وقيل: قولان: هذه عبارته.
والصواب أنهما قولان فقد قال الإمام في الوكالة في الكلام على افتقار الوكالة إلى القبول إن الشافعى نص عليهما في الجديد، وذكر الشيخ أبو حامد أن الخلاف في هذه المسألة إنما هو في الباطن، وأما في الظاهر فإنه مؤاخذ به كذا ذكره في آخر باب العفو عن المهر.
الأمر الثاني: أن التمثيل بهذا ونحوه إشارة إلى فرع ذكره الإمام في كتاب الرجعة، ونقله عنه في "المطلب" هنا فقال: لو باع عبدًا على أنه ملك لغيره، فبان ملك نفسه صح لأن الجهل لم يستند إلى أصل.
ولو باع مال أبيه ظانًا حياته فقولان، ووجه المنع أنه استند إلى أصل، وهو بقاء ملك الأب.

قوله: ولو غصب أموالًا وباعها وتصرف في أثمانها مرة بعد أخرى فقولان.
أظهرهما: بطلان الجميع.
والثانى: للمالك أن يجيزها، ويأخذ الحاصل منها لعسر بيعها بالإبطال.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران:

أحدهما: أن محله إذا تصرف في العين، فإن باع سلما أو اشترى في الذمة وسلم المغصوب فيما التزمه وربح فالربح للغاصب في الجديد، وللمالك في القديم.
وعلى هذا فقيل: إنه موقوف على إجازته، والأكثرون قالوا: إنه له جزمًا للمصلحة.
كذا ذكره الرافعي في الباب الثاني من أبواب القراض.
الأمر الثاني: أن هذين القولين مفرعان على الجديد كما ذكره في "شرح المهذب".

قوله: ولا يبعد تشبيه هذا الخلاف، بالخلاف في أن بيع الهازل هل ينعقد؟ وفيه وجهان.
انتهى.
والأصح في الهازل انعقاد بيعه، وسائر تصرفاته.
كذا صححه الرافعي في كتاب الطلاق إلا في الطلاق والعتاق، فإنه جزم فيهما بالنفوذ.

قوله: ويجري القولان فيما إذا زوج أمة أبيه على ظن أنه حي ثم بان موته، هل يصح النكاح؟ فإن صح فقد نقلوا وجهين فيما إذا صرح بالتعليق فقال: إن مات أَبى فقد زوجتك هذه الجارية.
انتهى.
فيه [أمران] 1: أحدها: قد استفدنا من هذا الكلام أن الشروط المعتبرة في صحة النكاح لا يشترط علم المتعاقدين بها، بل يكفي وجودها في نفس الأمر.
وقد ذكر أيضًا ما يوافقه في كتاب العدد في الكلام على زوجه المفقود فقال: وإذا مضى عليه أربع سنين فاعتدت المرأة، وتزوجت ثم ظهر أن

الزوج كان ميتًا عند التزويج فعلى القديم لا إشكال، وأما على الجديد فإنه يخرج على القولين فيما إذا باع مال أبيه على ظن أنه حى فبان ميتًا.
إذا علمت ذلك فقد ذكر في باب الربا ما يخالفه فقال: ولا يجوز بيع الربوى بجنسه جزافًا ولا بالتخمين والتحرى، فلو باع صبرة بصبرة وخرجتا متماثلتين لم يصح، لأن التساوى شرط، وشرط صحة العقد تعيين العلم به عند العقد.
ولهذا لو نكح امرأة لا يعلم أهى أجنبية أم معتدة أم لا؟ لم يصح النكاح.
انتهى.
وقريب منه ما إذا عقد شهادة خنثيين، ثم تبين أنهما رجلان.
الأصح فيه الصحة.
كذا قاله النووي من زياداته في النكاح، قال: بخلاف نظيره من الصلاة لأن النية شرط فيها، وهى مترددة بخلاف الشهادة، لكن يشكل على هذا ما جزم به الرافعي في كتاب القضاء قبيل الطرف الثاني، ووافقه عليه النووي أن الإمام لو ولى رجلًا للقضاء وهو لا يعرف حاله لم تصح توليته، وإن ظهر كونه بالصفة المشروطة.
الأمر الثاني: أن تصوير المسألة الثانية بقوله: إن مات أى لا يستقيم لأن هذا تعليق على مستقبل وإن كان لفظه ماضيًا، والتعليق على المستقبل لا يصح بالاتفاق كما لو قال: إن قدم زيد أو طلعت الشمس فقد بعتك، فالصواب تصوير هذه المسألة بقوله: إن كان أَبى قد مات، وقد صورها الإمام في كتاب النكاح بذلك.
الأمر الثالث: أن الصحيح في هذه المسألة، وهى ما إذا صرح بالتعليق أنه لا يصح.
كذا صرح به في "الروضة" في كتاب النكاح فقال: لم يصح النكاح على المذهب، وبه قطع الجمهور، وقيل: وجهان.
هذا لفظه في هذه المسألة، وفي نظائرها، وهو مخالف لما جزم به في

"الروضة" هنا تبعًا للرافعى من طريقة الوجهين.
الأمر الرابع: إنه إذا أذن له في الشراء بشئ معين ثم اختلفا، وجعلنا الجارية للوكيل ظاهرًا وهو يزعم أنها للموكل فيقول: إن كنت أمرته أن يشريها بعشرين مثلًا فقد بعتك إياها بعشرين فيقبل الوكيل.
وحينئذ فيصح البيع على الصحيح كما قاله الرافعي، وعلله صاحب "الشامل" بأنه أمر واقع يعلمان وقوعه مثل إن اتفقا على أن الشئ المذكور ملك لأحدهما فيقول: إن كان ملكى فقد بعتكه فيصح.
وكذا لو شرط علم وجوده لأنه لا يؤدى إلى وقوف البيع.
هذا كلامه.
إذا علمت ذلك فتكون صورة المسألة هنا أيضًا، وفي جميع نظائرها فيما إذا لم يعلما موت الأب وغيره من الشروط المعلق عليها، فإن علما صح.

قوله: وذكر الإمام أن الصحة على قول الوقف بأجرة، لكن الملك لا يحصل إلا عند الإجازة.
انتهى.
وسيأتى أن الوصية للوارث إذا صححناها موقوفة على الإجازة فهل تكون إجازته تنفيذًا أو ابتداء عطية؟ فيه خلاف، والقياس أن يأتي ذلك بتفاريعه هناك فراجعه.
وما نقله عن الإمام وأقره هو والنووي عليه هو معنى ما في "المحرر"، فإنه جزم بأنه ينعقد موقوفًا ولا معنى للانعقاد إلا الصحة.
نعم كلام الرافعي في العدد يفهم أن الانعقاد موقوف.

قوله: عن الإمام إن الوقف يطرد في كل عقد يقبل الإستنابة كالبياعات والإجارات والهبات والعتق والطلاق والنكاح وغيرها.
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله هنا عن الإمام وارتضاه من جريان القولين في العتق والطلاق قد ذكر في موضعين من هذا الكتاب ما يخالفه، وأن القولين لا

يجريان فيهما.
أحدهما: في كتاب الضمان في الكلام على ضمان المجهول فقال ما نصه: ومنها لو كان لأبيه دين على إنسان فأبراه، وهو لا يعلم موت مورثه إن قلنا: البراءة إسقاط صح، كما لو قال لعبد أبيه أعتقتك، وهو لا يعلم موت الأب.
وإن قلنا: تمليك فهو كما لو باع مال أبيه على ظن أنه حى، وهو ميت.
انتهى كلامه.
وهذا صريح في أن القولين لا يجريان في العتق وأنهما إنما يجريان في التمليكات لا في الإسقاطات.
والموضع الثاني: في أوائل نكاح المشركات فقال ما نصه: وحيث توقفنا في النكاح وانتظرنا الحال إلى انقضاء مدة العدة، فلو طلقها قبل تمام العدة فالطلاق موقوف أيضًا، فإن اجتمعا على الإسلام في العدة تبين وقوعه، وتعتد من وقت الطلاق وإلا فلا طلاق، وحكى الإمام أن من الأصحاب من جعل الطلاق على قولي وقف العقود، وقال: لا يقع في قول، وإن اجتمعا على الإسلام.
وأجراهما: فيما إذا أعتق أمة أبيه على ظن كونه حيًا فبان ميتًا.
والمذهب الأول، فإن الطلاق والعتاق يقبلان صريح التعليق، فأولى أن يقبلا تقدير التعليق.
انتهى.

قوله: الشرط الثاني: القدرة على التسليم فلا يجوز بيع الضال والآبق والمغصوب إلى آخره.
فيه أمران: أحدهما: أن في المنع من بيع هؤلاء إشكالًا، وذلك أن إعتاقهم جائز بلا شك، وصرحوا بأن العبد إذا لم يكن في شرائه منفعة إلا حصول الثواب

بالإعتاق كالعبد الزمن صح بيعه، وإعتاق المبيع قبل قبضه صحيح على الصحيح، ويكون قبضًا فلم لا صح بيع هؤلاء إذا كانوا زمنى، بل مطلقًا لوجود منفعة من المنافع التى يصلح لها الشراء.
الأمر الثاني: قال الثعالبى في كتاب "سر اللغة" في آخر الفصل الثالث من الباب الثالث أنه لا يقال للعبد: آبق إلا إذا كان ذهابه من غير خوف ولا كد في العمل، وإلا فهو هارب.

قوله: فإن باع المغصوب ممن يقدر على انتزاعه صح في الأصح، ثم قال: لكن لو عجز عن الانتزاع لضعف عرض له أو قوة عرضت للبائع، فله الخيار، وفيه وجه أشار إليه الإمام.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام ليس مطابقًا له، فإن كلام الرافعي في عجز المشتري والإمام فرضها في عجز البائع.

قوله: ولو باع السمك في بركه صغيرة يمكن أخذه منها بلا تعب صح، وإن كانت كبيرة فوجهان أظهرهما: المنع.
ثم قال: وهذا كله فيما إذا لم يمنع الماء رؤية السمك، فإن منع فعلى قولى بيع الغائب إلا أن لا يعلم قلة السمك وكثرته ولا سيئًا من صفاته فيبطل بلا [محالة] 1. انتهى.
وعبر في "الروضة" بقوله: فلا يصح قطعًا، وفي "شرح المهذب" بقوله: بلا خلاف وما قالاه من نفي الخلاف ليس بصحيح، فسيأتى بعد هذا في التفريع على صحة بيع الغائب وجه أنه لا يشترط ذكر جنس المبيع، ولا قدره ولا صفته حتى لو قال: بعتك ما في كى أو ميراثى من أَبى وهما لا يعلمانه صح.

قوله من "زياداته": ولو باع ثلجًا أو جمدًا وزنًا وكان ينماع إلى أن يوزن

لم يصح على الأصح.
وسيأتى هذا إن شاء الله تعالى في المسائل المنثورة في آخر كتاب الإجارة.
انتهى كلامه.
واعلم أن هذه المسألة قد ذكرها في الفصل [الأول] 1 المعقود للمسائل المتعلقة بالباب الأول فصورتها على ما ذكره هناك [إنما هو في تلف البعض خاصة.
وأما إذا كان يتلف كله فيبطل جزمًا.
هذا حاصل ما ذكره هناك] 2 وسنذكر لفظه في موضعه.
وأيضًا فبتقدير ما فرضه، وهو أن ينماع جميعه فله حالان: أحدهما: أن يكون على الأرض، فلا إشكال في البطلان.
والثانى: أن يكون في إناء فينظر إن عبر بقوله: بعتك هذا كل رطل بكذا، ولم يذكر الجمد، فلا يتأتى الخلاف، بل يصح جزمًا لأن بيع الماء بالوزن صحيح، وإن عبر بقوله: هذا الجمد فيتجه تخريج الصحة فيه على الخلاف المشهور في الإشارة والعبارة.

قوله: وذكر بعض شارحى "المفتاح" أنه لو باع دارًا إلا بيتًا في صدرها لا يلى شارعًا ولا ملكًا له على أنه لا ممر له في المبيع لا يصح البيع.
انتهى.
وما نقله عن الشارح المذكور وأقره، ولم يذكر ما يوافقه، ولا ما يخالفه، قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة".
وقد صرح بالمسألة في "شرح المهذب" وحكى فيها وجهين، وقال: أصحهما: البطلان إلا أن الرافعي في الركن الثاني من كتاب الشفعة قد ذكر ما حاصله الجزم بالصحة، وسأذكره في موضعه إن شاء الله فراجعه.

قوله: كما لو باع ذراعا معينا من أرض أو دار فإنه يصح.
انتهى.

اعلم أن بيع الدار يتناول الأبنية بلا شك، فيدخل في الذراع المعين ما يسامته من الأبنية، وسيأتي أن بيع النصف المعين من الجدار لا يصح في بعض الصور فاعلمه.

قوله في أصل "الروضة": ولو أعتق الجاني، فإن كان السيد معسرًا لم ينفذ على الأظهر، وقيل: لا ينفذ قطعًا.
وإن كان موسرًا نفذ على أظهر الأقوال.
والثالث موقوف إن فداه نفذ وإلا فلا.
انتهى.
حكى الرافعي طريقة قاطعة بالنفوذ في الموسر، ولم يذكرها في "الروضة".

قوله: واستيلاد الجارية الجانية كإعتاقها.
انتهى.
اعلم أن في استيلاد الجارية المرهونة ثلاثة طرق: أحدها: القطع بالنفوذ.
والثاني: القطع بعدمه.
والثالث: على الأقوال الثلاثة في إعتاقها، والقياس جريان هذه الطرق، واستيلاد الجانية أيضًا.

قوله في أصل "الروضة": ومتى فدى السيد الجاني فالأظهر أنه يفديه بأقل الأمرين من الأرش وقيمة العبد، والثاني: يتعين الأرش وإن كثر.
انتهى كلامه.
وقد تقدم فيما يلزم فيه الفداء ثلاث مسائل وهى: البيع والإعتاق والاستيلاد، وقد جزم فيها بإثبات قولين.
وهذا الذي جزم به هو طريقة ضعيفة، والمشهور في المسائل الثلاث إنما طريقة القطع بالأقل ومحل القولين إنما هو في الفداء مع إمكان بيعه هكذا ذكره الرافعي والمصنف في كتاب الجنايات في أواخر باب العاقلة، وستعرف لفظه هناك.

والرافعي -رحمه الله- سالم من هذا الاعتراض، فإنه عبر بقوله: فيه خلاف يأتى في موضعه.
والأصح الأول.
هذا لفظه.
فلم يذكر أن الخلاف قولان ولا وجهان ولا طريقان، وليس له فيه اصطلاح فتصرف النووي في كلامه ذاهلًا عن المذكور هناك، فوقع في الغلط.

قوله من "زياداته": ولو ولدت الجارية لم يتعلق الأرش بالولد قطعًا، ذكره القاضى أبو الطيب في نماء الرهن، والله أعلم.
وهذا الكلام يقتضى أن هذا النقل غريب مع أن الرافعي قد صرح به في موضعين من كتابه: أحدهما: في النكاح في الكلام على الولاية على الرقيق.
والثانى: في أواخر باب العاقلة، وهو الموضع اللائق بالمسألة فإنه هناك ذكر أحكام جناية الأرقاء.

قوله: فأما إذا أوجبت الجناية القصاص فطريقان: أحدهما: طرد القولين، ثم قال: وأصحهما: القطع بالصحة.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على تصحيح طريقة القطع ثم خالف في "المنهاج" فجزم بطريقة القولين، فإنه عبر بالأظهر.

قوله: ولو أعتق السيد العبد الجانى جناية توجب المال فأصح [الطريقين] 1 نفوذه من الموسر دون المعسر.
أما عند اليسار فلأنه بسبيل من نقل حق المجنى عليه إلى ذمته باختيار الفداء.
انتهى كلامه.
وما ذكره من انتقال الحق إلى ذمته باختياره للفداء قد تكرر منه في هذا

الفصل، وعبر عنه بعبارات مختلفة، وتبعه النووي عليه وهو خلاف الصحيح، فقد قال -أعنى: الرافعي- في آخر باب العاقلة: ولو قال السيد: اخترت الفداء، وقال: أنا أفديه فوجهان: أحدهما: يلزمه الفداء ولا يقبل رجوعه.
والصحيح: أنه لا يلزمه، بل يبقى خياره كما كان.
انتهى واللفظ "للروضة".

الشرط الخامس كون المبيع معلومًا

قوله: وعن أَبي حنيفة -رحمه الله- أنه لو قال: بعتك أحد عبدى أو عبيدى الثلاثة على أن تختار من شئت في ثلاثة فما دونها يصح العقد.
وغرب المتولى فحكى عن القديم قولًا مثله، ثم قال: ووجه المذهب القياس على ما إذا زاد العبيد [على] 1 الثلاثة أو لم يجعل له الاختيار أو زادوا على الثلاث أو فرض ذلك في الثياب والدواب وغير العبيد، وعلى النكاح.
انتهى كلامه.
وما ذكره عن أَبى حنيفة من البطلان في الثياب قد نقل بعد ذلك عنه عكسه فقال في الكلام على خيار الشرط: الثالثة: لو باع عبدين بشرط الخيار في أحدهما لا على التعيين فسد العقد، وقال أبو حنيفة: يجوز في العبدين والثوبين والثلاثة، ولا يجوز في الأربعة وما زاد كما قال في البيع.
هذا كلامه.
وذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، واعلم أن النووي في "الروضة" لما حكى هذا القول القديم لم يصرح باشتراط هذه القيود كما صرح به الرافعي وإنما ساقها مساق المثال فاعلمه واجتنبه.

قوله: ولو لم يكن إلا عبد واحد فحضر في جماعة من العبيد وقال السيد، بعتك عبدى من هؤلاء والمشترى يراهم، ولا يعرف عين عبده فحكمه حكم بيع الغائب.
قاله في "التتمة".
وقال صاحب "التهذيب": عندى أن هذا البيع باطل لأن المبيع غير متعين.
انتهى.

لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا، والأصح ما قاله البغوى، كذا صححه في "شرح المهذب" وعبر [بالأصح] 1.

قوله: ولو باع الجملة واستثنى جزءًا شائعًا جاز.
مثاله: بعتك ثمرة هذا البستان إلا ربعها وقدر الزكاة منها.
انتهى.
قال الماوردي في باب الوقت الذي يحل فيه بيع الثمر: ولابد من ذكر قدر الزكاة في البيع أعشر هو أو نصف عشر.
وقال مالك: ليس يلزم ذكر القدر لأن العلم به شرعًا يغنى عن ذكره شرطًا [وهذا ليس بصحيح لأنه لو كان علمه بالشرع يغنى عن استثنائه بالشرط لكان العلم] 2 بوجوب الزكاة يغنى عن اشتراط الزكاة.
انتهى.
وجزم في "البحر" بوجوب ذكره أيضًا، ثم إذا استثنى قدر الزكاة فأراد المشترى أن يدفع قدر الزكاة من غير تلك الثمرة ففيه وجهان حكاهما الماوردي في الباب المذكور: أحدهما: يجوز لأنه يحل في ذلك محل البائع، وقد كان ذلك جائزًا للبائع.
والثانى: لا، لأن المشترى لم يملك قدر الزكاة بعقد ولا غيره، وإنما هو كالوكيل فيها بخلاف البائع، قال الرويانى في "البحر": وهذا هو المذهب الذي لا يجوز أن يقال غيره عندى.
وما قالاه يقتضى أنه يجوز للبائع إمساك ذلك المقدار وإخراج الزكاة من غيره.

قوله: ولو باع ذراعًا من أرض أو ثوب يعلمان ذرعانه ثم اختلفا فقال المشترى: أردت الإشاعة حتى يصح العقد، وقال البائع: بل أردت معنيًا

حتى يفسد ففي المصدق منهما احتمالان انتهى.
قال النووي في "الزيادات": أرجح الاحتمالين يصدق البائع حتى يفسد.
واعلم أنه إذا قال: قارضتك على أن نصف الربح لك صح على الأصح.
وإن قال: على أن نصفه لى لم يصح في الأصح على ما تعرفه في القراض، فعلى هذا إذا قال: خذ المال قراضًا بالنصف، فالأشبه كما قاله في "المطلب" أنه يصح تنزيلًا على شرط النصف للعامل، وكلام سليم في "المجرد" يشير فيه إلى الوجهين، ثم قال أعنى سليمًا: وإذا قلنا بالصحة، فقال رب المال: أردت أن النصف لى فيكون فاسدًا، وادعى العامل العكس صدق العامل لأن الظاهر منعه.
انتهى.
وهذه المسألة هى شبيهة بمسألتنا، وحكمها مخالف لما رجحه في "الروضة" إلا أن المتبادر إلى الفهم من مسألة القراض إنما هو اشتراكهما على السواء.

قوله: أما إذا عين الممر من جانب صح البيع.... إلى آخره.
لم يتعرض -رحمه الله- في هذا الفصل لاشتراط بيان قدر الممر بالذرع، وقد صرح بالمسألة في كتاب الدعاوى فقال: إذا ادعى أن له طريقًا في ملك غيره أو ادعى حق إجراء الماء.
قال القاضي أبو سعد: الأصح لا يحتاج إلى إعلام قدر الطريق والمجرى.
ثم قال: وقال أبو على السنجي: يشترط إعلام الطريق [والمجري] 1 وهكذا لو باع بيتًا من دار، وسمى له طريقًا ولم يبين قدره لا يصح.
هذا كلامه.

قوله: ولو أن الأرض المبيعة كانت ملاصقة للشارع فليس للمشترى طروق ملك [البائع] 1 فإن العادة في مثلها الدخول من الشارع فينزل الأمر عليها.
ولو كانت ملاصقة لملك المشترى فلا يتمكن من المرور فيما أبقاه البائع لنفسه، بل يدخل فيه من ملكه القديم.
وأبدى الإمام -رحمه الله- فيه احتمالًا، قال: وهذا إذا أطلق البيع؛ أما إذا قال بحقوقها فله المرور في ملك البائع.
انتهى كلامه.
وهذا الذي حكاه احتمالًا هو وجه ثابت في المسألتين جميعًا أعني في الملاصقة للشارع والملاصقة لملك المشتري كذا حكاه فيهما معًا صاحب "التتمة" في الباب الثاني عشر المعقود لبيع الأصول والثمار في المسألة العاشرة من الفصل الثالث، وكذلك القاضي حسين، كما نقله عنه في "الكفاية".
ثم إن الاحتمال المذكور خاص بالمسألة الأخيرة كما هو المفهوم من عبارة المصنف، فإن الإمام قد صرح بذلك.
وكذلك ما نقله عن الإمام آخرًا من جواز المرور إذا قال: بعتكها بحقوقها، فإنه ذكره في المسألة الأخيرة خاصة.
نعم أجراه الغزالي في "البسيط" في المسألتين جميعا، وقد جزم الرافعي في "الشرح الصغير" بما قاله الإمام.
ولو كانت الدار ملاصقة لمسجد أو أرض موقوفة على الدفن فهل هو كالشارع؟ فيه نظر، والمتجه في المسجد عدم الالتحاق بخلاف المقبرة.

قوله: ولو باع داره واستثنى لنفسه بيتًا فله الممر، فإن بقى نظر: إن

أمكن اتخاذ ممر صح البيع وإلا فوجهان، وجه المنع ما قدمناه عن شارح "المفتاح" انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما جزم به من استحقاق الممر ينبغى أن يكون محله فيما إذا لم يكن البيت متصلًا بشارع أو بملك البائع، فإن كان كذلك فيكون على الوجهين السابقين في المسألة قبلها.
وقد صرح بذلك القاضي الحسين في "تعليقته" في باب الوقت الذى يحل فيه بيع الثمار.
وحينئذ فيكون الصحيح عدم الاستحقاق.
الثاني: أن الصحيح من الوجهين فيما إذا بقى الممر، ولم يمكن اتخاذه عدم الصحة.
كذا صححه في "الروضة" من "زياداته" وقاسه على بيع ذراع من ثوب ينقص بالقطع، وهذا هو التعليل الذي نقله الرافعي عن شارح "المفتاح" والموضع الذي نقله عنه الرافعي هو في أثناء الشرط الرابع، وكلام الرافعي هناك يوهم استغراب ما حكاه عن "المفتاح"، وكذا كلام "الروضة"، بل هو أشد إيهامًا من كلام الرافعي.

قوله: وأما القدر فالمبيع قد يكون في الذمة، وقد يكون معينًا، والأول هو السلم.
انتهى.
ودعواه أن كلما عقد على الذمة سلم ليس كذلك، بل شرطه أن يعقد عليه بلفظ السلم.
فاما إذا عقد بألفاظ البيع فقال: اشتريت منك أردبًا في ذمتك، ووصفه فإن الأصح أنه لا يكون تسليمًا، بل بيعًا تثبت فيه أحكامه دون أحكام السلم كما قاله في باب السلم.

قوله: فما كان في الذمة من العوضين فيشرط كونه معلوم القدر، حتى لو قال: بعتك ملء هذا البيت حنطة، أو بزنة هذه الصنجة ذهبًا لم يصح البيع.
انتهى.
وهذا التمثيل الذي قاله: يشعر بأنه لو لم يكن المعقود عليه في هذين المثالين في الذمة بأن قال: بعتك ملء هذا البيت من هذه الحنطة أو بزنة هذه الصنجة من هذا الذهب أنه يصح، والأمر كذلك على الصحيح فافهمه.
وسببه أن الإضافة إلى شيء حاضر لا غرر فيه لإمكان الشروع في الوفاء عقيب العقد.
وقد صرح الرافعي بهذا الحكم والتعليل في باب السلم في الكلام على تعيين الميكال، لكنه اقتصر على التمثيل بالمبيع دون الثمن فقال ما نصه: لو عين المكيل بما لا يعتاد الكيل به كالكوز فسد السلم لأن ملاءه مجهول القدر، ولأن فيه غررًا لا حاجة إلى احتماله، فإنه قد يتلف قبل المحل وفي البيع لو قال: بعتك ملء هذا الكوز من هذه الصبرة فوجهان بناء على المعنيين.
والأصح الصحة اعتمادًا على المعنى الثاني هذا كلام الرافعي، وتبعه عليه في "الروضة".

قوله: ولو قال: بعت بما باع به فلان فرسه أو ثوبه وأحدهما لا يعلمه لم يصح للجهل.
وقيل: يصح للتمكن من العلم، كما لو قال في صبرة مجهولة: بعتكها كل صاع بدرهم.
وقيل: إن حصل العلم قبل التفريق صح، وإلا فلا.
انتهى كلامه.
وليس فيه تصريح بما إذا علما ذلك، إلا أنه مشعر بالجزم بصحة البيع.

وقد صرح بالمسألة في الباب الثاني من كتاب الوصية في الكلام على ما إذا قال: أوصيت له بنصيب ابنى، وحكى فيها وجهين، ولم يصحح منهما شيئًا، وسأذكر لفظه هناك لشيء يتعلق به.

قوله: ولو قال: بعت بمائة دينار إلا عشرة دراهم لم يصح إلا أن يعلما قيمة الدنانير بالدراهم.
انتهى.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: ينبغى أن لا يكفي علمهما، بل يشترط قصدهما استثناء القيمة وذكر صاحب "المستظهري" في ما إذا لم يعلما حال العقد قيمة الدينار من الدراهم، ثم علما في الحال طريقين: أصحهما: لا يصح كما ذكرنا.
والثاني: على وجهين.
والله أعلم.
هذا لفظه بحروفه.
وما نقله -رحمه الله- عن "المستظهري" من حكاية الخلاف في ما إذا لم يعلما عند العقد، ثم علما سهو فإن هذا النقل الذي عزاه إليه محله في آخر باب الربا، وقد قال هناك ما نصه: فإن اشترى ثوبًا بمائة درهم إلا دينار لم يصح، ومن أصحابنا من حكى أنهما إذا علما قيمة الدينار من الدراهم في الحال كان في صحة البيع وجهان، وما ذكرنا أصح.
هذا لفظ الشاشي بحروفه.
وحاصله أنه حكم أولًا ببطلان البيع علما أو جهلا، ثم حكى طريقة ضعيفة بإثبات وجهين عند العلم.
وهو عكس ما نقله عنه في "الروضة"، ثم إننى راجعت أيضًا كلام الماوردي لعلمى أن غالب ما ينقله الشاشى في الكتاب المذكور فيه فرأيته قد ذكر المسألة في الموضع الذي ذكرها فيه الشاشى، ومثل بالمثال بعينه، وزاد المسألة إيضاحًا فقال: فرع: فإذا باعه ثوبًا بدينار إلا درهم فإن جهلا أو أحدهما قيمة

الدينار في الحال كان البيع باطلًا للجهل بالثمن.
وإن علما قيمة الدينار ففي البيع وجهان: أحدهما: أن البيع باطل، لأن الاستثناء من غير جنس الثمن.
والثاني: أن البيع جائز لأنهما إذا علما أن قيمة الدينار عشرة دراهم، وقد باعه بدينار إلا درهم كان بمثابة قوله: بعتك بدينار إلا عشر دينار.
فيصبر البيع بتسعة أعشار دينار، والأول أصح الوجهين، لأنه استثنى درهمًا، ولم يعين قيمة درهم، فلا يلزم المشترى دفع الدينار كله لموضع الاستثناء ولا يلزم البائع دفع الدرهم لأنه ليس بمشترٍ فتعذر استيفاء العقد فبطل هذا لفظه.
ونقله عنه صاحب "البحر" أيضًا، فوضح بذلك بطلان ما نقله في "الروضة".

قوله: ولو غلب من جنس العروض نوع فهل ينصرف الذكر إليه عند الإطلاق؟ فيه وجهان، المحكى عن أبى إسحاق أنه ينصرف كما ذكرنا في النقد.
قال في "التتمة": وهو المذهب.
ومن صوره أن يبيع صاعًا بصاع من الحنطة أو بشعير في الذمة، ثم أحضر اقبل التفريق.
انتهى كلامه.
واعلم أن كلام المتولى لا يطابق ما نقله عنه الرافعي فإنه قال: إذا باع صاع حنطة بصاع حنطة فإن كانت أنواع الحنطة في البلد تختلف، وأطلق لا يصح العقد.
وإن وصف البدلين، أو كان النوع واحدًا لا يختلف أو حضر البدلين في المجلس وتقابضا فالعقد صحيح على ظاهر المذهب كما ذكرنا في الدراهم بالدنانير.

وقد ذكر في المسألة وجه آخر أن العقد لا يصح حتى يكون أحدهما معينًا حالة العقد، وليس يتضح الفرق بين الطعام والدراهم.
وهكذا لو باع صاع حنطة موصوفة بصاع شعير فالحكم على ما ذكرنا.. انتهى كلامه.
فالمتولي جازم بأن الغلبة في هذا كافية، وأن العقد ينصرف إلى الغالب.
وإنما الخلاف الذي حكاه في اشتراط تعيين أحدهما، ولهذا سوى بينه وبين الموصوف في حكاية الخلاف مع أن الوصف كاف بلا نزاع.
فهذا الوجه وهو امتناع بيع الطعام بالطعام إذا كانا معًا في الذمة قد حكاه الرافعي في باب السلم، وبالجملة فالخلاف المذكور في "التتمة" غير ما نقله عنه الرافعي.
نعم الخلاف صحيح من غير "التتمة" فإن الغزالي حكاه هو وغيره.
وقد صحح النووي في أصل "الروضة" ما نقله الرافعي عن "التتمة".

قوله: حتى لو باع بدينار أو بعشرة دنانير، والمعهود في البلد الصحاح انصرف إليها، وإن كان المعهود المكسور انصرف إليه.
قال في "البيان": إلا أن تتفاوت قيمة المكسر فلا يصح.
انتهى.
واعلم أن صاحب "البيان" قال: فرع: إذا قال: بعتك بألف درهم مكسرة فقد قال الصيمري: قال أكثر أصحابنا.
يصح.
قال: وأظنهم أجازوا ذلك إذا تفاوتت قيمة المكسر.
فأما إذا اختلف قيمتها، وهي هكذا في وقتنا مختلفة فلا يصح.
هذا لفظه.
فقائله إنما هو الصيمري ناقلًا له عن غيره بطريق الظن لا بالجزم.

وقال الروياني في "البحر" في باب الربا: لو قال: بعتك بألف درهم مكسرة جاز، وقيل: إنما يجوز إذا لم تتفاوت القيمة، فإن تفاوتت فلا يجوز.
انتهى.
وهذا يقتضي تصحيح الجواز.

قوله: ولو قال: بعتك بألف صحاح ومكسرة ففيه وجه أنه يصح، ويشبه أن يكون جاريًا فيما إذا قال: بعتك بألف ذهب وفضة.
انتهى.
اعترض النووي على هذا التخريج فقال: لا جريان له هنا.
والفرق أن الغرر يعظم فيه لكثرة التفاوت بين الذهب والفضة.

قوله: ولو باع بنصف دينار صحيح بشرط كونه مدورًا جاز إن كان يعم وجوده، وإن لم يشترطه فعليه شق وزنه نصف مثقال.
انتهي.
تابعه في "الروضة" على تقييد الصحيح بما إذا عم وجوده، ومقتضاه أنه إذا كان عزيز الوجود لا يصح، وهو لا يستقيم، فإنه سيأتي من كلامهما بعد هذا بقليل أنه إذا باع بنقد يعز وجوده، فإنه ينبنى على جواز الاستبدال عن الثمن.
فإن جوزناه: صح، ثم إن وجد فذاك، وإلا فيستبدل.
وإن لم تجوز الاستبدال: لم يصح.

قوله: ولو قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة، كل صاع بدرهم، أو قال مثله في الثوب فخرج ناقصًا أو زائد فقولان.
قال في "التهذيب": أصحهما: أنه لا يصح البيع لأن الجمع بينهما محال.
والثاني: يصح لإشارته إلى الصبرة.
وعلى هذا إن خرج ناقصًا فللمشتري الخيار، فإن أجاز فهل يخير بالجميع أو بالقسط؟ فيه وجهان.
وإن خرج زائدًا فلمن تكون الزيادة؟ فيه وجهان.

أظهرهما؛ أنها للمشتري، لأن جملة الصبرة مبيعة منه، فعلى هذا لا خيار له.
وفي البائع وجهان: أصحهما: أنه لا خيار له أيضًا.
والثاني: أن الزيادة للبائع، وعلى هذا لا خيار له، وفي المشترى وجهان: أصحهما: ثبوت الخيار.
انتهى مخلصًا.
فيه أمور: أحدها: أن هذا الخلاف قد جعله أيضًا في "الشرح الصغير" قولين، لكنه قد خالف في "المحرر" فجعله وجهين فقال ما نصه: صح البيع إن خرجت كما ذكرنا، وإلا لم يصح في أصح الوجهين.
انتهى.
ووقع الموضعان كذلك في "الروضة" و"المنهاج" وقد استفدنا من "المحرر" أيضًا أن الصحيح ما قاله البغوي.
وقد صرح بتصحيحه أيضًا في "الشرح الصغير"، وكذلك النووي في أصل "الروضة" هنا وغيرها من كتبه.
الأمر الثاني: أن الرافعي -رحمه الله-: قد ذكر بعض أمثلة هذه المسألة في باب الربا، وأجاب على القولين بالصحة بما يخالف المذكور هاهنا فقال في أثناء الطرف الأول: ولو قال: بعتك هذه الصبرة بتلك الصبرة مكايلة أو كيلًا بكيل، أو هذه الدراهم بتلك موازنة أو وزنًا بوزن.
فإن كالا أو وزنا وخرجتا متساويتين صح العقد، وإلا فقولان: قال في "التهذيب": أصحهما: البطلان.
والثاني: يصح في الكبيرة بقدر ما يقابل الصغيرة ولمشتريها الخيار.
ثم قال: ولو باع صبرة حنطة بصبرة شعير جزافًا جاز؛ ولو باعها بها

صاعًا بصاع أو بصاعين فالحكم كما لو كانا من جنس واحد.
انتهى كلامه.
فأما التفريع الذي ذكره على قول الصحة في المسألة الأولى فواضح لأنه لا يمكن التصحيح في الجميع لأجل الربا.
وأما القول به أيضًا في المسألة الثانية، وهي بيع صبرة [القمح بصبرة] 1 الشعير فمخالف للمذكور هنا.
فإن بيع الصبرة [بالعشرة كل صاع بدرهم قد وجد فيه مقابلة الجملة بالجملة والأفراد بالأفراد وهذا بعينه موجود أيضًا في بيع الصبرة بالصبرة] 2 صاعًا بصاع فحاصله أنهما مثالان للمسألة، ونحن نعلم بالضرورة أن الحكم ليس خاصًا بالمثال المذكور.
في هذا الباب وهو بيع الصبرة بعشرة بل سائر الأعيان كذلك.
الأمر الثالث: أن النووي قد ذكر من "زياداته" في باب الربا عقب المسألة الثانية عكس ما ذكره هاهنا فقال: قال أكثر أصحابنا: إذا باع صبرة الحنطة بصبرة الشعير صاع بصاع، وخرجتا متساويتين صح.
وإن تفاضلتا، ورضى صاحب الزائدة بتسليم الزيادة تم البيع، ولزم الآخر قبولها.
وإن رضى صاحب الناقصة بقدرها من الزائدة صح؛ وإن تشاحا فسخ البيع.
انتهى كلامه.
فصحح بيع التفاضل على عكس ما قاله هنا، ثم إنه أيضًا يشكل على بيع صبرة القمح بصبرة القمح إذ لا أثر لاختلاف الجنسين.
فإن من صحح أولًا فإنما يصحح مع التماثل، وأثبت له الخيار.
الأمر الرابع: أن الصحيح من الوجهين في المقدار الذي يخير به أنه يخير

بالبعض.
قاله في "شرح المهذب".

قوله: نعم حكوا قولين في أنه هل يكره بيع الصبرة جزافًا؟ انتهى.
والصحيح الكراهة، كذا صححه النووي في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب" وسوى في ذلك بين بيعها والبيع بها.
وعلل صاحب "التتمة" عدم الكراهة بقوله: ووجه أن شراء المجهول الذرع لا يكره، فكذلك هاهنا هذا لفظه.
ومقتضاه الجزم بعدم الكراهة في المذروع.

قوله في "أصل الروضة": أما إذا أصدقها عينًا غائبة أو خالعها عليها، أو عفى عن القصاص على عين غائبة، فيصح النكاح وتقع البينونة ويسقط القصاص قطعًا، وفي صحة المسمى القولان.
انتهى كلامه.
والتعبير بقوله: (قطعًا) راجع إلى الثلاثة فقد صرح بذلك في "شرح المهذب" فقال: ولا خلاف في هذه الثلاثة.
هذا لفظه.
وما ذكره من نفي الخلاف في النكاح ليس كذلك فإن [في] 1 النكاح قولا قديمًا أنه يفسد بفساد الصداق.
وقد حكاه هو في مواضع من كتاب الصداق، وكذلك ما ذكره في البينونة أيضًا فإنه صاحب "التتمة" حكى وجهًا أنه لا تحصل عند فساد العوض، وقد ذكره في "الروضة".
[قوله أيضًا في أصل الروضة: ] 2 في الركن الرابع من كتاب الخلع ويجريان -أي قولا الغائب- في رهنه وهبته وهما أولى بالصحة لعدم الغرر، ولهذا إذا صححناهما فلا خيار عند الرؤية.
انتهى كلامه.

فيه أمران: أحدهما: أن ما جزم به من الأولوية قد صحح خلافه في "شرح المهذب" فقال: وفي رهن الغائب وهبته القولان، وقيل: هما أولى بالصحة لعدم الغرر هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن ما جزم به من عدم الخيار عند الرؤية لم يجزم به الرافعي، وإنما عبر بقوله: ولهذا قيل: إذا صححناهما فلا خيار عند الرؤية إذ لا حاجة إليه، وذكر في "الشرح الصغير" مثله أيضًا.
وقد ذكر في "شرح المهذب" هنا أن القولين يجريان في الواقف أيضًا، واقتصر عليه، لكنه ذكر في كتاب الوقف من "زياداته" أن الصحيح صحته، وأنه لا خيار له عند الرؤية فاعلمه، وستقف عليه هناك إن شاء الله تعالى فاعلمه.

قوله في أصل "الروضة": الثالثة: إن لم نجوز شراء الغائب وبيعه لم نجوز بيع الأعمى وشراءه وإلا فوجهان: أصحهما: أنه لا يجوز أيضًا إذ لا سبيل إلى رؤيته فيكون كبيع الغائب على أن لا خيار.
والثاني: يجوز، ويقوم وصف غيره له مقام رؤيته.
انتهى كلامه.
وما صححه من منع شراء الأعمى تفريعًا على امتناع بيع الغائب صحيح.
وأما ما صححه من امتناع بيعه تفريعًا على هذا القول فمناقض لما صححه بعد هذا، فإنه ذكر في أواخر الكلام على بيع الغائب أن من باع عينًا لم يراها فلا يثبت له الخيار عند رؤيتها على الصحيح بخلاف المشتري.
وفرقوا بينهما بان جانب البائع بعيد عن الخيار، ولهذا لو باع شيئًا على أنه معيب فبان صحيحًا لا خيار له.

ولو اشتراه على أنه صحيح فبان معيبًا ثبت له الخيار.
إذا علمت ذلك علمت أن ذكره هنا مناقض لما سيأتي.
وقد وقع أيضًا هذا الاختلاف في "شرح المهذب" وكلام الرافعي صحيح لا اعتراض عليه، فإنه لم يصحح هنا ولا في "الشرح الصغير" شيئًا من الوجهين في ثبوت الخيار للبائع، وإنما نقل كلًا عن طائفة، والتصحيح المذكور في أصل "الروضة" من تصرفه، فلا اعتداد به.

قوله في المسألة: وإذا قلنا: لا يصح بيعه وشراؤه لم تصح منه الإجارة والرهن والهبة أيضًا.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره في الرهن والهبة من منعهما إذا جوزنا بيع الغائب، ولكن منعنا الأعمى منه لا يستقيم لأن المقتضى لمنعه بيعه على القول بجواز بيع الغائب، إنما هو تعذر إثبات خيار الرؤية لما تقدم.
وقد تقدم من كلام "الروضة" أنه إذا جوزنا رهن الغائب وهبته فلا خيار فيهما عند الرؤية، ولا فرق بين الأعمى والبصير الذي لم تتقدم له رؤية.
نعم هذا الاشكال لا يرد على الرافعي لأنه لم يجزم بنفي خيار الرؤية للبصير الذي لم ير الموهوب والمرهون، وإنما عبر بقوله: قيل: إنه لا خيار لهما، وقد تقدم التنبيه على ذلك.

قوله: وهل للأعمى أن يكاتب عبده؟ قال في "التهذيب": لا.
وقال في "التتمة": المذهب جوازه تغليبًا للعتق.
انتهى كلامه.
والصحيح ما قاله في "التتمة" فقد جزم أيضًا بجوازه ابن عبدان في كتاب "شرائط الأحكام".
وقال النووي في "شرح المهذب" وفي "زيادات الروضة": إنه الأصح.

وسبق البغوي إلى المنع جماعة منهم ابن القاص في "التلخيص"، والقفال في شرح له.

قوله: لو اشترى غائبًا رآه قبل العقد نظر إن كان مما لا يتغير غالبًا كالأرض، أو لا يتغير في المدة المتخللة بين الرؤية والشراء صح العقد.
ثم قال: وقال الأنماطي لا يصح، وزاد في "الروضة" على هذا فقال: إنه شاذ مردود.
وما نقله وجهًا عن الأنماطي خاصة قد نص عليه الشافعي.
كذا حكاه الروياني في "البحر" عن البيهقي عن ابن مقلاص تلميذ الشافعي.
وقد شرط المارودي في الاكتفاء بالرؤية السابقة أن يكون متذكرا للأوصاف حال البيع، وجزم به الروياني في "البحر" ولم يذكر ابن الرفعة في "الكفاية" غيره، وهو متجه لأن الناسي جاهل به حال العقد وقال في "شرح المهذب" إن ما قاله المارودي غريب لم يتعرض له الجمهور.

قوله في أصل "الروضة": الثاني: استقصاء الأوصاف على الحد المعتبر في السلم هل يقوم مقام الرؤية، وكذا سماع وصفه بطريق التواتر؟ وجهان: أصحهما: لا، وبه قطع العراقيون.
انتهى كلامه.
واعلم أنا إذا فرعنا على الصحة في هاتين المسألتين فإنه لا خيار له عند الرؤية.
كذا جزم به الرافعي، ولم يتعرض له المصنف.

قوله: وقول "الوجيز" في بطلان بيع الغائب، ولعله أصح [القولين] 1 إنما هو مرض القول فيه لأن طائفة من أصحابنا مالوا إلى قول التصحيح.
انتهى.

وهذه الصيغة أعني مرض ذكرها في "الشرح الصغير" أيضًا وهو بالميم وتشديد الراء وبالضاد المعجمة وأشار بذلك إلى قوله: (ولعل) فإن التعبير بها يدل على عدم قوته.

قوله: فالقوصرة.
هي بالقاف المفتوحة والصاد المهملة والراء المشددة وهو: الذي يجعل فيه التمر.
قاله الجوهري ومراده الوعاء الذي يملأ من التمر اللين، ويتحامل عليه لينكبس بعضه على بعض وهو المسمى بالعجوة في معظم بلاد مصر وبالكبيس في صعيدها.

قوله: وعن الصيمري حكاية خلاف في القطن في العدل أنه يكفي رؤية أعلاه أم لابد من رؤية جميعه؟ قال: والأشبه عندي أنه كقوصرة التمر أي فتكفي رؤية الأعلى.
انتهى كلامه.
ولم يصرح في "الروضة" أيضًا بتصحيح ولا بيان أن الخلاف قولان أو وجهان، والصحيح ما رجحه الصيمري.
كذا صححه في "شرح المهذب" وعبر بالصحيح.
وأما الخلاف فإنه قولان، كذا نقله العمراني في "البيان".

قوله: ولو أراه أنموذجًا، واستغنى به عن رؤية الباقي فإن أدخله فعن القفال وغيره القطع بالصحة.
وقال الإمام: إنه القياس، وعن بعض الأئمة المنع.
انتهى كلامه.
وصورة المسألة أن يخلط الأنموذج بالصبرة، فإن أدخله [في البيع] 1 ولم يخلطه بها فيكون بمنزلة عينين رأى إحداهما لأن المرئي فيه متميز عن غير المرئي.
هكذا ذكره البغوي في "فتاويه"، وهو متعين لا شك فيه.
قال: وكذلك لو جعل الصبرة صبرتين وأراه إحداهما ثم باعهما.

قوله: بخلاف السمك يراه في الماء الصافي يجوز بيعه، وكذا الأرض يعلوها ماء صافي لأن الماء من مصالحها.
انتهى كلامه.
وتقييد الصحة في الأرض بالماء الصافي يشعر بأن الماء الكدر يمنع صحتها لعدم الرؤية، لكنه في كتاب الإجارة اشترط رؤية العين المستأجرة، ثم ذكر أن الماء الكدر لا يمنع الصحة.
وعلله بأنه من مصالحها، فالتسوية بين البابين في الرؤية، وفي هذا التعليل يقتضي التسوية بينهما في الإبطال بالماء الكدر أو في عدمه فإن الرؤية شرط الشراء والإجارة، فإن قيل إذا عين السمكة بالجنس والوصف فهل يصح بيعها أيضًا في الماء، وإن لم يرها كالأرض؟ قلنا: لا، وذلك لأنه إنما يصح بيع السمكة في الماء إذا أمكن إخراجها بلا صعوبة.
وحينئذ فنقول: لما أمكنه رؤيتها وإعادتها إلى الماء بلا مشقة لم نكتف فيها بالرؤية من وراء الماء كغيرها بخلاف إجارة الأرض.

قوله: ففي شراء الدار لابد من رؤية البيوت والسقوف والسطوح والجدران داخلًا وخارجًا والمستحم والبالوعة؛ وفي البساتين رؤية الأشجار والجدران ومسايل الماء، ولا حاجة إلى رؤية أساس البنيان وعروق الأشجار ونحوها.
وفي "الجرجانيات" لأبي العباس الروياني ذكر وجهين في اشتراط رؤية طريق الدار، ومجرى الماء الذي تدور به الرحى.
انتهى كلامه.
والأصح في هذين الوجهين الاشتراط.
كذا صرح به في "شرح المهذب" فقال: أصحهما: الاشتراط لاختلاف الغرض به.
انتهى كلامه.
واعلم أن النووي في "الروضة" قد اختصر كلام الرافعي اختصارًا فاسدًا، فإنه ذكر كلام الرافعي بعينه من غير زيادة ولا نقصان، ثم قال: وقيل في اشتراط رؤية طريق الدار ومجرى الماء الذي تدور به الرحى

وجهان.
هذا لفظه.
وتعبيره بقوله: (وقيل) فاسد لوجهين: أحدهما: أنه يقتضي إثبات طريقين، وأن الرافعي حكاهما مع أن الرافعي لم يحكِ إلا طريقة واحدة، وهي طريقة الوجهين، وكذلك هو في "شرح المهذب"، وقد تقدم ذكر لفظهما.
الوجه الثاني: أنه بتقدير ما قاله من [الطريقين فليس في] 1 كلامه ما يبين أن الطريقة الصحيحة وهي طريقة القطع هل هي باشتراط الرؤية أم بعدمها؟ وكلامه إلى عدم الاشتراط أقرب فإن المتبادر إلى الذهن أن ذلك يعود إلى المسائل التي قبلها، بلا فاصل، والرؤية فيها لا تشترط.
وقد تقدم من كلامه في "شرح المهذب" أن الصحيح خلافه.

قوله: وإذا اشترى عبدًا فلابد أن يرى منه ماعدا العورة على أظهر الوجهين.
قال: وفي الجارية وجوه: أحدها: أنها كالعبد.
والثاني: يرى ما يبدو عند المهنة.
والثالث: تكفي رؤية الوجه والكفين.
انتهى ملخصًا.
والأصح [إلحاق] (1) الجارية بالعبد.
كذا صححه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".

قوله: وفي رؤية الشعر وجهان، قال في "التهذيب": أصحهما: أن لا يشترط.
انتهى.

والصحيح ما قاله البغوي، كذا صححه الرافعي بعد ذلك في أسباب الخيار في أول القسم الثاني المعقود لخيار النقيصة وعبر بالأصح.
وصححه أيضًا النووي في أصل "الروضة" هنا، وفي "شرح المهذب" أيضًا.

قوله: ولا يشترط رؤية اللسان والأسنان في أحد الوجهين.
انتهي.
والصحيح عدم الاشتراط.
كذا صححه البغوي وتلميذه العماد النيهى -بكسر النون وبالياء بنقطتين من تحت-.
على ما نقله عنه ابن الصلاح في فوائد رحلته.
وقال في "شرح المهذب" أيضًا: إنه الأصح.
وسوى في "التهذيب" بين لسان الدابة ولسان الآدمي في إثبات الخلاف، والقياس التسوية بينهما في الأسنان أيضًا.
واعلم أن كلام الرافعي و"الروضة" يوهم أن الخلاف في الأسنان واللسان والشعر خاص بالجارية، فإنهما ذكرا ذلك في تفاريعهما دون العبد ويقويه من جهة المعنى غرض الاستمتاع بها، لكن البغوي والنيهي وغيرهما جعلوا محل الخلاف في الرقيق، فدل على عمومه في الجارية والعبد.
وأيضًا فإنه يؤخذ من تصحيح النووي إلحاق الجارية بالعبد.

قوله: والثوب المطوي لابد من نشره.
قال الإمام: ويحتمل عندي أنه يصح بيع الثياب التي لا تنشر بالكلية إلا عند القطع لما في نشرها من التنقيص.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكاية الجواز احتمالًا عن الإمام وهو يقتضي أنهما لم يظفرا بخلاف في المسألة.
وقد صرح بذلك في "شرح المهذب" فقال: هكذا أطلقه الأصحاب

جارٍ التحميل