الفصل الثاني: في سنن الإحرام
قوله: ويستحب الغسل للإحرام، ويستوي في استحبابه الرجل والصبي والمرأة وإن كانت حائضًا أو نفساء، وقد روي أن أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر نفست بذي الحليفة فأمرها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تغتسل للإحرام 1 انتهى.
عميس: بعين مهملة مضمومة وميم مفتوحة ثم ياء بنقطتين من تحت بعدها سين مهملة أيضًا؛ والعمس: أنك تظهر أنك لا تعرف الأمر وأنت عارف به.
قاله الجوهري.
والحديث المذكور رواه مسلم.
ومقتضى إطلاق الرافعي استحباب الغسل للمجنون والصبي غير المميز، وهو صحيح.
قوله: فإن لم يجد الماء أو لم يقدر على استعماله يتيمم؛ لأن التيمم ينوب عن الغسل الواجب فعن المندوب أولى.
نص عليه في "الأم".
وقد ذكرنا في غسل الجمعة أن الإمام ذكر احتمالًا في أنه لا يتيمم إذا لم يجد الماء وجعله صاحب الكتاب وجهًا واختاره، وذلك الاحتمال عائد هاهنا بلا شك.
انتهى كلامه.
وليس جريانه بلازم فقد يفرق بينهما بأن استعمال التراب هاهنا لا ينافي حال المسافر لأن الغالب في حقه الشعث ولو وجد الماء واغتسل لا ينزع الشعث إليه فلم يكن حالة منافيًا له، بخلاف مصلى الجمعة.
وفرق ابن الرفعة بأن الغسل هنا مخالف لغيره بدليل صحته من الحائض والنفساء.
وقوله.
فإذا وجد ما لا يكفيه للغسل توضأ.
قاله في "التهذيب".
انتهى.
استدرك النووي في "الروضة" عليه فقال: هذا الذي قاله في "التهذيب" قاله أيضًا المحاملي، فإن أراد أنه يتوضأ ثم يتيمم فحسن، وإن أراد الاقتصار على الوضوء فليس بجيد؛ لأن المطلوب هو الغسل فالتيمم يقوم مقامه دون الوضوء.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد نص عليها الشافعي وصرح بما قالاه من الاستحباب وذكر ما حاصله الاقتصار على الوضوء على خلاف ما ذكره النووي بحثًا.
والعجب أن الذي نقل هذه المسألة عنه وهو المحاملي قد نقل هذا النص فقال في "المجموع": قال الشافعي: فإن لم يجد ما يكفيه للغسل توضأ، فإن لم يجد ماء بحال تيمم فيقوم ذلك مقام الغسل والوضوء.
انتهى.
وقد ذكر الماوردي المسألة كما نقلها المحاملي عن النص.
قوله: ويسن الغسل للحاج في مواطن: أحدها: عند الإحرام كما سبق.
والثاني: لدخول مكة؛ روى ذلك عن فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 1. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أن المعتمر يسن له أيضًا الغسل عند هاتين الحالتين بلا نزاع، وإنما عبر بالحاج لأجل ما ذكر بعده من الرمي وغيره.
نعم: لو خرج من مكة فأحرم بالعمرة واغتسل لإحرامه ثم أراد دخول مكة، قال الماوردي: إن كان أحرم من مكان بعيد كالجعرانة والحديبية استحب الغسل للدخول، وإن أحرم من التنعيم فلا.
قال ابن الرفعة: ويظهر أن يقال بمثل ذلك في الحج إذا أحرم به من
التنعيم ونحوه لكونه لم يخطر له إلا ذلك.
الثاني: أن كلام الرافعي وغيره يوهم عدم استحباب الغسل لمن دخل مكة محرم وليس كذلك فقد قال الشافعي في باب الغسل لدخول مكة: وإذا اغتسل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عام الفتح لدخول مكة وهو حلال يصيب الطيب فلا أراه -إن شاء الله تعالى- ترك الاغتسال ليدخلها حرامًا لا يصيب الطيب، أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يغتسل لدخول مكة.
هذا لفظ الشافعي ومن "الأم" نقلت، وهي مسألة نفيسه قل من تعرض لها.
وحديث الغسل لدخول مكة رواه البخاري في صحيحه من رواية ابن عمر.
قوله: وزاد في القديم غسلين آخرين: أحدهما: لطواف الإفاضة.
والثاني: لطواف الوداع، لأن الناس يجتمعون لهما، ولم يستحبهما في الجديد لأن وقتهما موسع فلا تغلب الزحمة فيه عليها في سائر المواطن، وحكى عن القديم الاستحباب للحلق أيضًا.
انتهى.
ذكر النووي في "شرح المهذب" في الكلام على الغسل المسنون أيضًا مثل ما قاله هنا حكمًا وتعليلًا، وذكر نحوه في "الروضة" أيضًا، وحاصله أن الجديد عدم الاستحباب لهذه الأمور الثلاث وهو مقتضى كلام "المنهاج" فإنه لما عد الأغسال المسنونة لم يعد هذه الأمور معها، ثم جزم في "المناسك الكبرى" باستحباب الغسل للأمور الثلاثة، وحكى في "التحقيق" عن القديم استحبابه لطواف الإفاضة ولطواف الوداع وأهمل الحلق، وحكى ابن الرفعة في "الكفاية" القول القديم في طواف القدوم أيضًا.
قوله: قال الإمام: ولم يستحب الشافعي الغسل لرمي جمرة العقبة يوم
النحر لأمرين.
أحدهما: اتساع وقته؛ فإن وقته من ائتناف ليلة النحر إلى الزوال.
والثاني: أن في غسل العيد يوم النحر والوقوف بعرفة غنية عن الغسل لرمي جمرة العقبة لقرب وقتها منه.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره أولًا في بيان وقت الرمي من كونه ينتهى إلى الزوال قد ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" ولم ينقله عن الإمام بل جزم به، وهو سهو؛ فإن المنقول أنه يمتد إلى الغروب، وقد جزم به الرافعي في موضعه وهو الكلام على أسباب التحلل، وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
وأما نقله ذلك عن الإمام فلم أر له ذكرًا في "النهاية" بالكلية، بل رأيت فيها الجزم بأنه يبقى إلى الغروب وحكى مع ذلك وجهين في امتداده إلى الفجر، وفي بعض نسخ الرافعي قال الأئمة عوضًا عن الإمام.
الأمر الثاني: أن كلامه يشعر بمشروعية صلاة العيد في يوم نهى لكن قد نص الشافعي على خلافه؛ كذا نقله عنه الماوردي قبيل قوله: مسألة: ثم يركب فيروح إلى الموقف عند الصخرات فقال ما نصه: قال الشافعي: وليس بعرفة ولا منى ولا مزدلفة جمعة ولا صلاة عيد؛ لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان في مجيئه يوم عرفة يوم الجمعة فلم يصل الجمعة.
هذا كلامه، وذكر في "الروضة" من زياداته في آخر الأضحية نحوه فقال: إن الحاج بمنى لا يخاطب بصلاة العيد.
وذكر الرافعي أيضًا في باب صلاة العيد أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يصلها بمنى إلا أن يقال: لا يلزم من مشروعية الغسل في هذا اليوم مشروعية الصلاة إذ الغسل فيه مستحب لكل أحد سواء فيه الحاضر وغيره، وسواء كان من أهل
الصلاة أم لا، لكون اليوم يوم زينة؛ وعلى هذا فيخاطب به من لم يغتسل للوقوف بمزدلفة، فإن اغتسل لها كفى عنها.
الأمر الثالث: أن ما ذكره الرافعي من أن غسل الوقوف بعرفة يستغنى به عن العيد سهو ومراده الوقوف بمزدلفة فإنه مستحب كما مر ووقته أقرب منه.
قوله: ويستحب أن يتطيب لإحرامه، ولا فرق بين أن يبقى له أثر وجرم بعد الإحرام أو لا يبقى قالت عائشة: "كأنني أنظر وبيص المسك في مفرق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 1. انتهى.
الوبيص: بواو مفتوحة ثم باء موحدة مكسورة بعدها ياء بنقطتين من تحت ثم صاد مهملة: هو البريق واللمعان، يقال: وبص البرق أي: لمع.
والحديث المذكور في الصحيحين.
قوله: واستحباب التطيب للإحرام إنما هو في البدن، وفي تطييب إزار الإحرام وردائه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن الثوب ينزع ويلبس، وإذا نزعه ثم أعاده كان كما لو استأنف لبس ثوب مطيب.
وأصحهما: أنه يجوز.
وفي النهاية وجه ثالث أنه إن بقي عينه بعد الإحرام فلا يجوز وإلا فيجوز.
انتهى.
تابعه النووي عليه في "الروضة"، وفيه أمران:
أحدهما: أن حكاية الخلاف في تطييب الإزار والرداء على هذه الكيفية ذكر مثلها في "الشرح الصغير" أيضًا، وحاصله الجزم بعدم الاستحباب وأن
هذه الأوجه إنما هي في الجواز وبه صرح النووي في "شرح المهذب" فقال ما نصه: اتفق أصحابنا على أنه لا يستحب [تطييب] 1 ثوبي المحرم عند إرادة الإحرام، وفي جواز تطييبه طريقان: أصحهما وبه قطع المصنف والعراقيون جوازه.
والطريق الثاني: طريقة الخراسانيين فيه ثلاثة أوجه: ثالثها: يجوز بما لا يبقى له جرم ولا يجوز بغيره، وحكى المتولي في تطييب الثياب قولين:
أحدهما: يستحب.
والثاني: يحرم.
وهذا الذي ذكره من الاستحباب غريب جدًا.
هذا كلامه.
إذا علمت ذلك فاعلم أنه قد خالف في "المحرر" فجزم بأن الخلاف في الاستحباب على عكس ما في "الشرحين" فقال: ويستحب تطييب بدنه للإحرام، وكذا ثوبه في أصح الوجهين.
هذا لفظه وتابعه عليه النووي في "المنهاج" مع أنه قد بالغ في إنكاره في "شرح المهذب" على المتولي واقتضى كلامه انفراده به.
وليس كذلك فقد سبقه إليه شيخه القاضي الحسين في "تعليقه".
وإذا قلنا بالجواز فإنه يكون مكروهًا؛ ذكره القاضي أبو الطيب في "التعليق" أيضًا وكذلك الحضرمي في "شرح المهذب".
الأمر الثاني: أنا قد استفدنا من كلامه في "شرح المهذب" أن في المسألة طريقة أخرى قاطعة بالجواز وأنها الطريقة الصحيحة، وهذه الطريقة لم يحكها في "الروضة" فضلًا عن تصحيحها بل جزم بالطريقة التي ضعفها وهي طريقة الأوجه، وهو غريب.
قوله: ويستحب للمرأة أن تخضب بالحناء يديها إلى الكوعين قبل الإحرام.
انتهى.
احترز بالمرأة عن الرجل؛ فإنه لا يجوز له الخضاب به إلا لضرورة كما قاله في باب العقيقة من الضرورة.
وعن الخنثى فإنه يلحق بالرجل كما قاله في الروضة هنا للاحتياط.
وفي الكلام على الخضاب فروع سبق الكلام عليها في شروط الصلاة، وفي الكلام في جبر العظم.
قوله في أصل الروضة: فرع: فإذا أراد الإحرام نزع المخيط ولبس إزارًا ورداء.
انتهى.
وهذا الكلام ليس فيه تصريح بأن النزع هل يجب أم لا؟، بل هو إلى الاستحباب أقرب؛ فإنه قد عطف عليه ما هو مستحب، وهكذا عبارة "المحرر" و"الشرح الصغير" أيضًا؛ فإنه قال: وينبغي لمن أراد الإحرام أن يتجرد عن مخيط ثيابه ويلبس إزارًا ورداء ونعلين.
وقد صرح -أعني النووي- بذلك في مناسك الحج فقال: فصل في آداب الإحرام، وفيه مسائل.
ثم قال: الرقعة تجرد عن الملبوس الذي يحرم على المحرم لبسه.
انتهى.
فجعل وقته الآذان.
إذا علمت ذلك فقد جزم الرافعي في "الشرح الكبير" بوجوبه فقال متعقبًا لكلام "الوجيز" ما نصه: وقوله في "الكتاب": السنة أن يتجرد عن المخيط ينبغي أن يعلم فيه أن المعدود من السنن التجرد بالصفة المذكورة، فأما مجرد التجرد فلا يمكن عده من السنن؛ لأن ترك لبس المخيط في الإحرام لازم ومن ضرورة لزومه لزوم التجرد قبل الإحرام.
وكلام الرافعي هذا قد أسقطه النووي جميعه من "الروضة"، وإسقاطه إياه غريب، وجزم بوجوبه أيضًا في "شرح المهذب" فقال ما نصه: وفي أي شيء أحرم جاز إلا الخف ونحوه والمخيط.
انتهى.
وعبر في "المنهاج" بقوله: ويسن أن تخضب المرأة للإحرام يديها ويتجرد الرجل لإحرامه عن مخيط الثياب ويلبس إزارًا ورداء.
هذه عبارته، وهي توهم استحباب التجرد، لكن نقل عن النسخة التي هي بخطه أنها مضبوطة برفع الدال في قوله: ويتجرد حتى يكون مقطوعًا عما قبله، واعلم أن إيجاب نزع الثياب قبل الإحرام مشكل؛ لأن الموجب له هو الإحرام وقبل ذلك لم يحصل سبب الوجوب.
ولهذا لو قال لزوجته: إن وطئتك فأنت طالق، لا يمتنع عليه وطؤها على الصحيح، ويجب النزع بمجرد الإيلاج.
ثم إن الرافعي قد ذكر في الصيد أنه لا خلاف أنه لا يجب عليه إزالته عن ملكه قبل الإحرام، ووافقه النووي عليه مع أن المدرس في المسألتين واحد، واستشكله أيضًا الطبري شارح "التنبيه" فقال لا أرى أحدًا من الأصحاب يقول ذلك.
قوله: ويستحب أن يصلي قبل الإحرام ركعتين، فإن أحرم في وقت فريضة فصلاها أغنته عن ركعتي الإحرام.
انتهى.
وقد ألحق القاضي الحسين السنة الراتبة في ذلك بالفرض، وتوقف النووي في "شرح المهذب" في إغناء الفرض عن هاتين الركعتين لأنهما سنة مقصودة، وكلامه في "الأم" يشهد له ويدل على الاكتفاء؛ فإنه قال: أحببت له أن يصلي نافلة، فإن أهل في إثر مكتوبة أو في غير إثر صلاة فلا بأس.
قوله: وتستحب التلبية في مسجد مكة وهو المسجد الحرام ومسجد الخيف بمنى ومسجد إبراهيم -عليه السلام- بعرفة؛ فإنها مواضع النسك.
وكذا في سائر المساجد على الجديد لإطلاق الأخبار، والقديم: لا يلبي فيها حذرًا من التشويش على المتعبدين، بخلاف المساجد الثلاثة فإن التلبية فيها معهودة.
كذا أورده الأكثرون، وهو مقتضى ما في الوضوء أيضًا.
وقالوا: إن استحببنا استحببنا رفع الصوت وإلا فلا، وجعل الإمام محل الخلاف في استحباب رفع الصوت، قال: فإن لم يؤثر الرفع في سائر المساجد ففي الرفع من المساجد الثلاثة وجهان.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، وفيه أمور:
أحدها: أن كلامه نزل على أنه اعتقد أن المراد بإبراهيم في قولهم مسجد إبراهيم هو الخليل -عليه الصلاة والسلام-، وسيأتي بعد هذا في الكلام على الوقوف مثله لاسيما في "الروضة" فإنه قد ذكر لفظ الصلاة عليه والسلام كما هو مذكور في النسخة التي بخط النووي، وهذا الذي قد توهماه خطأ سبقهما إليه ابن سراقة في كتاب "الأعداد" ومن أصل صحيح مسموع بخط بعض أصحابه نقلت، وإنما هو إبراهيم [....] 1.
الأمر الثاني: أن الشافعي قد نص على أن مسجد إبراهيم ليس من عرفة وقال الأكثرون: عجزه من عرفة وصدره ليس منها ويميز بينهما أحجار.
قالوا: وإنما قال الشافعي ذلك لأنه زيد فيه بعده.
هكذا ذكره في "الروضة" عند الكلام على الوقوف؛ فقول الرافعي
والنووي هذا بعرفة خطأ على كل تقدير.
الأمر الثالث: أن بعض الأصحاب قد ألحق بهذه الثلاثة مسجد الميقات، وحكى الحضرمي شارح "المهذب" عن بعضهم أنه جعل مسجد المشعر الحرام بمزدلفة مكان مسجد منى.
والحق إلحاق هذين بالثلاثة المذكورة، وإن كان مراد الرافعي بكونها مواضع النسك أن عرفة موضع للوقوف ومنى موضع المبيت، وهما من النسك، والمسجد الحرام لا يخفى أمره، وهذا المعنى هو ظاهر كلامه.
بل إذا كان هذا هو المراد فيكون كل مسجد في مكة ومنى وعرفات حكمه حكم الثلاث المذكورة.
ويحتمل أن يريد بالنسك ما يقع في المساجد الثلاث بخصوصها كالطواف في المسجد الحرام والخطبة والصلاة في مسجد إبراهيم، إلا أن مسجد الخيف لا يلحق هذين في ذلك.
الأمر الرابع: أن كلامه يقتضي استغراب مقالة الإمام مع أنها مقالة قديمة رأيتها مجزومًا بها في كتاب "التقريب" لابن القفال الشاشي، وذكر مثله أيضًا الماوردي في "الحاوي"، والغزالي في "البسيط" وزاده أيضاحًا.
قوله: وهل تستحب التلبية في طواف القدوم والسعي بعده؟ قولان: الجديد: لا يستحب؛ لأن فيها أدعية وأذكار خاصة فصار كطواف الإفاضة والوداع.
والقديم: يلبي ولا يجهر بخلاف طواف الإفاضة فإنه هناك شرع في أسباب التحلل فانقطعت التلبية، وهذا التوجيه يعرفك أن قول "الوجيز": وفي حال الطواف قولان، محمول على طواف القدوم وإن كان اللفظ مطلقًا وفي غيره من أنواع الطواف لا يلبي بلا خلاف.
انتهى كلامه.
فيه
أمران:
أحدهما: أن ذكره طواف الوداع هنا سهو فإن الكلام في تلبية المحرم وطواف القدوم والافاضة صادران منه فيصح قياس أحدهما على الآخر، وأما طواف الوداع فصادر من غير محرم لوقوعه بعد التحللين فليس هو مما يجب فيه شيء.
نعم: إن أراد طواف الوداع الذي يقع قبل التحلل كما إذا أحرم بالحج ثم أراد الخروج قبل الوقوف إلى الحل لحاجة فطاف للوداع وخرج فلا يسلم أنه لا يأتي فيه القولان لأن علة الامتناع في طواف الإفاضة إنما هي مشروعيته في أسباب التحلل كما تقدم، وهذا المعنى منتف في هذا الطواف فتعين جريان القولين فيه.
فالجديد: لا يلبي؛ لأن له أذكار تخصه، والقديم: نعم؛ لكونه محرمًا فلم يشرع في أسباب التحلل.
وكذلك أيضًا يجري القولان في الطواف الذي يتنفل به المحرم لما قلناه أيضًا، وقد نبه عليه الطبري شارح "التنبيه" على طواف النفل فقال: الظاهر جريان القولين فيه.
الأمر الثاني: أن ما ادعاه من أن كلام "الوجيز" محمول على طواف القدوم خاصة وأنه لا يلبي في ما عداه من الأنواع بلا خلاف غير مسلم لما عرف من أن طواف النفل يجري فيه القولان.
وكذلك طواف الوداع الواقع قبل التحلل، فالحاصل أن كلام الغزالي عام في سائر الأنواع وعمومه مستقيم إلا في طواف الإفاضة، وقد أخرجه بعد في الكلام على أسباب التحلل، وقد عبر النووي في "الروضة" بعبارة دفعت الاعتراض الثاني.
قوله: ويستحب رفع الصوت بالتلبية لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية".
وروي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "أفضل الحج العج والثج" 1.
والعج: رفع الصوت.
انتهى كلامه.
وقد استثنى الشيخ أبو محمد التلبية المقترنة بالإحرام فإنه لا يجهر بها ونقله عنه النووي في شرح المهذب وأقره وجزم في المنهاج بأن عبر بقوله: ويرفع في دوام الإحرام.
والحديث الأول رواه الترمذي وقال: إنه حسن صحيح، والثاني رواه أيضًا الترمذي وقال: سألت عنه البخاري، فقال: عندي أنه مرسل.
والثج: بالثاء المثلثة والجيم هو إراقة الدم، ومنه قوله تعالى: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ 2.
قوله: وإنما يستحب الرفع في حق الرجل، والنساء يقتصرن على إسماع أنفسهن ولا يجهرن كما لا يجهرن بالقراءة في الصلاة.
انتهى.
وإلحاق التلبية بالصلاة يقتضي أن المرأة تجهر بها إذا كانت وحدها أو بحضرة الزوج والمحارم والنساء؛ لأن الصحيح في الصلاة هو الجهر في هذه الأحوال على ما أوضحه في "الروضة" هناك، وحذف النووي هنا القياس المذكور ففاتته هذه المسألة.
قوله: قال القاضي الروياني: ولو رفعت صوتها بالتلبية لم يحرم لأن
صوتها ليس بعورة خلافًا لبعض الأصحاب.
انتهى كلامه.
زاد في "الروضة" فنقل عن الدارمي أيضًا أنه لا يحرم، بل يكره، فحاصله رجحان الجواز، وقد ذكر في "شرح المهذب" ما هو أصرح منه فقال: ولو رفعت المرأة صوتها بالتلبية ففيه وجهان، صحح الروياني: أنه لا يحرم وصرح به الدارمي والقاضي أبو الطيب البندنيجي.
والخنثى هنا كالمرأة.
انتهى كلامه.
وقال النووي في "شرح مسلم" في باب التلبية ما نصه: والمرأة ليس لها الرفع؛ لأنه يخاف الفتنة بصوتها.
انتهى.
ومقتضاه التحريم.
وفي "الشرح الصغير" ما يوهم ذلك فإنه قال: والنساء لا يرفعن أصواتهن بل يقتصرن على إسماع أنفسهن.
انتهى.
والفتوى على جواز الرفع كما تقدم إيضاحه في باب الأذان.
قوله: وتلبية النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لبيك اللهم لبيك لبيك، لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك 1.
وإن هذه تكسر على الابتداء، وتفتح على معنى: لأن الحمد.
انتهى.
واختيار الشافعي هو الفتح.
كذا نقله الزمخشري في "تفسيره" في آخر سورة يس فقال: كسر أبو حنيفة وفتح الشافعي.
وذكر في "الروضة" أن الكسر أصح وأشهر.
وحديث التلبية رواه الشيخان من رواية ابن عمر بهذا اللفظ.
قوله: فإن رأى شيئًا يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة، ثبت ذلك عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 2 انتهى.
ودعوى ثبوته ممنوعة، بل هو مرسل فإن الشافعي رواه بسند صحيح عن مجاهد عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هكذا ذكره البيهقي، ورواه أيضًا سعيد بن منصور في "سننه" عن عكرمة قال: نظر النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حوله وهو بعرفة فقال: لبيك اللهم لبيك، إن الخير خير الآخرة.
هذا لفظه.
ورواه أبو ذر الهروي في "مناسكه" بلفظ آخر، ولفظه كما نقله عنه الطبري شارح "التنبيه": أنه -عليه الصلاة والسلام- لما أحرم ورأى كثرة الناس تواضع في رحله وقال: لا عيش إلا عيش الآخرة.
واعلم أن الشافعي في "الأم" نقل أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ذلك في أسَرّ أحواله، فأما الأشد ففي حالة حفر الخندق، وأما الأيسر فحين وقف بعرفات ورأى جميع المسلمين.
وقوله: العيش عيش الآخرة.
يعني أن الحياة المطلوبة الهنية الدائمة هي حياة الدار الآخرة.
قوله.
ولا يتكلم في أثناء التلبية بأمر أو نهي أو غيرهما، لكن لو سَلَّم عليه رد.
نص عليه.
انتهى.
زاد النووي على هذا فقال: ويكره التسليم عليه في حال التلبية، والله أعلم.
وليس في كلامهما ولا فيما نقلاه عن الشافعي ما يؤخذ منه أن الرد على سبيل الإيجاب أو الاستحباب، بل ربما يفهم منه الوجوب وليس كذلك بل الرد مستحب.
كذا نص عليه الشافعي في "الأمالي" بعد ثلاثة أوراق من كتاب الحج فقال ما نصه: وقال -يعني الشافعي: ولا بأس أن يرد الملبي السلام بين ظهراني التلبية وأن يأمر بالحاجة، ولو ترك الأمر بالحاجة في بعض التلبية
كان أحب إليّ، فأما السلام فأحب إليّ أن يرد ولا يتركه لأنه فرض والتلبية نافلة.
هذا لفظه بحروفه، ومنه نقلته.
ومراده بكلامه الأخير أن الرد من حيث الجملة فرض بخلاف التلبية.
ورأيت في كتاب "التقريب" نصًا آخر ينبغي معرفته فقال عقب ذكره لما نقلناه عن "الأمالي" ما نصه: وفي مسائل حرملة سئل مالك عن الرجل يسلم عليه وهو يلبي أيرد السلام؟ قال: يرد بعد أن يفرغ من تلبيته.
قال الشافعي: هكذا أحب.
انتهى كلام "التقريب".
ويمكن الجمع بين النصين؛ فإن الرد في أثناء التلبية أحب من القول بالكلية وتأخيره إلى الفراغ أحب من فعله في الأثناء.
قوله: واعلم أنه يستحب الإتيان بالسنن الخمس على الترتيب المذكور في الكتاب أي: فيبدأ بالغسل ثم التطيب ثم التجرد بالصفة السابقة ثم الصلاة ثم التلبية.
نعم لم أر ما يقتضي ترتيبًا بين التطيب والتجرد.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة وهي استحباب الترتيب المذكور لم يتعرض لها في "الروضة".
قوله: ويستحب أيضًا أن يتأهب للإحرام بحلق الشعر وتقليم الظفر وقص الشارب.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه لم يتعرض لوقت هذه الأشياء.
والقياس أن يكون التنظيف بها مقدمًا على الغسل كما في غسل الميت.
الثاني: أن ما نقله صاحب عن نص الشافعي فقال: قال في "الإملاء" واجب لمن أراد الإحرام قبل العشر أن يأخذ من شعر جسده ولحيته وشاربه وأظفاره وما سقط على وجهه من رأسه أن يؤخر شعره للحلق.
انتهى.
فاستفدنا أن مريد الإحرام في العشر لا يأخذ هذه الشعور إذا أراد الأضحية كما لا يأخذها غيره أيضًا، وأن ما احتاج إلى إزالته من شعر رأسه لا يزيله بل يتركه حتى يحلقه مع رأسه.
الفصل الثالث: في سنن دخول مكة
قوله في أصل "الروضة": السنة أن يدخل المحرم بالحج مكة قبل الوقوف، ولدخوله سنن منها: الغسل بذي طوي.... إلى آخره.
ومقتضاه أن استحباب الغسل بذي طوي وما ذكر بعده من الدخول من الثنية العليا خاص بالحاج، وليس كذلك بل يستحب ذلك للمعتمر أيضًا كما صرح به في "شرح المهذب".
والعجب أن الرافعي ذكر المسألة على الصواب ولكن غيرها النووي إلى هذه العبارة الغير مستقيمة؛ فإنه قال -أعني الرافعي: ولدخول مكة سنن منها: أن يغتسل بذي طوي وهو من سواد مكة قريب منها.
هذا لفظه، وهو يتناول الحاج والمعتمر، بل قد ذكرنا في باب الإحرام أن هذا الغسل يستحب للحلال أيضًا.
والدخول من الثنية كذلك أيضًا كما ستعرفه.
وقول الرافعي: من سواد مكة: أي: قراها، وهو اليوم خراب.
وسُمِّيت بذلك لأنه كان بها بئر مطوية بالحجارة، أي: مبنية لها.
قوله: ومنها أن يدخل مكة من ثنية كداء -بفتح الكاف والمد- وهي من أعلى مكة، وإذا خرج فيخرج من ثنية كداء -بضم الكاف.
ثم قال: وهو عام يشعر به كلام الأكثرين بالمد أيضًا؛ ويدل عليه أنهم كتبوها بالألف.
ومنهم من قال: إنها بالياء، وروى فيه شعرًا، روي أنه -عليه السلام- كان يدخل مكة من الثنية العلياء ويخرج من الثنية السفلى 1.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن استدلاله بالكتابة عجيب فإن الكتابة بالألف لا تستلزم أن يكون ممدودًا، بل كل مقصور لا يمال كالعصا ونحوه يكتب بالألف، وكذلك بالليل أيضًا.
وكلامه في "الشرح الصغير" ظاهر في ترجيح القصر:
قال النووي: وهو الصواب الذي قطع به المحققون.
الأمر الثاني: أن كديا الذي هو بضم الكاف، والياء على التصغير: جبل مرتفع قريب من مكة في صوب اليمن، وفيه أيضًا ثنية ضيقة وقد سلكتها في ذهابي إلى جبلي ثور، وليس بلغة كما توهمه بعضهم.
فتلخص أن الألفاظ الثلاث لثلاث جبال في كل منها ثنية.
الأمر الثالث: أن الحكمة في هذه المغايرة أنه قاصد عبادة فاستحب الدخول من طريق والرجوع من أخرى لتشهد له الطرقات كما قلنا في العبد.
وهذا المعنى حسن صحيح نبه عليه النووي في رياض الصالحين وقال إن سائر العبادات كالجمعة وعيادة المرضى وغيرهما يستحب الذهاب إليها في طريق والرجوع في أخرى.
ذكر ذلك في طريق والرجوع في أخرى.
في ترجمة من تراجم الأبواب.
فإن قيل: فلم اختصت العليا بالدخول والسفلى بالخروج فهذه حاصل مغايرة الذهاب لذهاب كيف اتفق؟
فالجواب: أن الداخل يقصد موضعًا على المقدار فناسب الدخول من العليا والخارج عكسه.
وأيضًا فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- حين قال ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ 1 كان على كداء
الممدود؛ فلذلك استحب الدخول منه.
قاله السهيلي.
وهذا المعنى الذي ذكرناه يقتضي مغايرة الدخول للخروج الآتي من غير المدينة أيضًا وسيأتي ما فيه، ويقتضي استحباب الدخول من العليا والخروج من السفلى وإن لم يكن حاجًا ولا معتمرًا كاستحباب تقديم اليمنى لداخل المسجد واليسار للخارج منه.
وإن لم يقصد عبادة فينبغي القول به إلا أن يرد نقل يدفعه.
والحديث المذكور رواه البخاري ومسلم من رواية عائشة وابن عمر.
قوله: قال الأصحاب: وهذه السنة في حق من جاء من طريق المدينة والشام، فأما الجاؤون من سائر الأقطار فلا يؤمرون أن يدوروا حول مكة ليدخلوا من ثنية كداء.
وكذلك القول في إيقاع الغسل بذي طوي.
وقالوا: إنما دخل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من تلك الثنية اتفاقًا فالأفضل لأنها على طريق المدينة، وهاهنا سيأتي.
ثم قال: والثاني: أن الشيخ أبا محمد نازع في ما ذكروه من موضع الثنية وقال: ليست هي على طريق المدينة بل هي في جملة المعلى، وهو في أعلى مكة والمرور فيه يفضي إلى رأس الردم وباب بني شيبة، وطريق المدينة يفضي إلى باب إبراهيم -عليه السلام-.
ثم ذهب الشيخ إلى استحباب الدخول منها لكل جائى تأسيًا برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والإمام هنا عَدّ الجمهور في الحكم الذي ذكروه شهد للشيخ بأن الحق في موضع التنبيه ما ذكره.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما نقله -رحمه الله- عن الإمام من موافقة الجمهور على استحباب الدخول للآتي من طريق المدينة والشام، وقد تبعه عليه أيضًا في
"الروضة"، وهو سهو عجيب؛ فإن الذي ذهب إليه إنما هو عدم الاستحباب مطلقًا على عكس ما نقله عنه فقد قال في "النهاية" بعد ذكر نزاع والده في "التنبيه" ما نصه: والحق ما ذكره الشيخ -يعني: والده- ولكن الوجه عندي أن لا يرى الدخول من هذه الثنية نسكًا فإن الممر والمسلك قبل الانتهاء إلى المسجد لا يتضح تعلق النسك به، ويمكن أن يحمل دخول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على غرض أو سبب متعلق بالعادة لم يسع الرواة نقله.
هذا لفظه بحروفه.
ثم ذكر بعد ذلك أيضًا ما يؤكده فقال ما قاله شيخي في موضع التنبيه صحيح، وما ذكره من تعلق النسك بالدخول من هذه الثنية لا أرى له وجهًا.
الأمر الثاني: لم يبين موضع اغتسال الداخل من غير الثنية، وقد بينه في "شرح المهذب" فقال: يغتسل من نحو مسافة الثنية.
الأمر الثالث: أن مقتضى ما ذكروه استدلالًا وتعليلًا جريان الأوجه الثلاثة أيضًا في طلب الغسل من ذي طوي، لكن جزم النووي بأنه يختص بالآتي من طريق المدينة مع تصحيحه استحباب الدخول من الثنية العليا لكل أحد كما قاله الشيخ أبو محمد.
ولعل الفرق أن ما ذكرناه في الثنية العليا في المناسبة لا يحصل سلوك غيرها، ومناسبة الغسل وهي التنظيف حاصلة بفعله في كل موضع، إلا أن في التفريق نظرًا من وجه آخر وهو أنا إذا كلفناه الدوران ليدخل فينتهي في دورانه إلى الطريق الذي يدخل منه الآتي من المدينة، وربما يمر أيضًا في أثناء دورانه بذي طوي أو يحاذيه بحيث يبقى قريبًا منه جدًا كالآتي من
اليمن، فإذا كنا نأمر الآتي من طريق المدينة بالذهاب إلى قِبل وجهه حتى يغتسل بذى طوي ثم يعود إلى خلف فأمر اليمنى وقد مر أو قارب بطريق الأولى.
قوله: ويسن إذا وقع بصره على البيت أن يقول ما روي في الخبر وهو أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا رأى البيت رفع يديه ثم قال: اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا، وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَه تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا 1.
ثم قال بعد ذلك في الكلام على لفظ "الوجيز": وضم صاحب "الكتاب" في الدعاء للبيت لفظة البر إلى المهابة ولا ذكر له في الخبر وهو الدعاء المحض
المهابة دون البر، والثابت في الخبر إنما هو الاقتصار على البر، ولم يثبت الأئمة ما نقله المزني.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن التعبير بوقوع البصر على البيت قد ذكر مثله في "الروضة"
وهو يشعر بأن هذا الدعاء لا يستحب للأعمى ولا لمن دخل في ظلمه.
والذي أشعر به كلامهما محتمل متجه، ويحتمل أن يقال أيضًا: يستحب لهما الدعاء به في الموضع الذي يراه منه غيرهما، ويستحب ولكن عند دخول المسجد لأنهما صارا كالحاضرين بين يديه أو عند ملامسة البيت قبل مشروعيتهما في الطواف في أذكاره.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي من إنكار ورود البر وإنكار صحة معناه هو المراد كما أوضحه النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" في الكلام على لفظ البر فقال بعد نقله لكلام الرافعي: قلت: وإطلاق البر على البيت له وجه صحيح وهو أن بره زيارته كما أن من جملة بر الوالدين والأقارب زيارتهم؛ وحينئذ فمعنى الدعاء بزيادة بره هو الدعاء بكثرة زائريه كأنه قال: اللهم كثرهم.
قال: قد روى الأزرقي صاحب "تاريخ مكة" هذا الحديث عن مكحول عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بلفظ البر والمهابة في البيت.
رواه الغزالي في "الوجيز" إلا أنه مرسل وفي إسناده مجهول وضعيف.
انتهى كلامه.
الأمر الثالث: أن قول الرافعي في آخر كلامه أن الثابت في الخبر كذا وكذا عجيب؛ فإن المذكور أيضًا ليس بثابت بل رواه الشافعي عن ابن جريج عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بإسناد مرسل ومعضل كما قاله في "شرح المهذب".
قوله: ومنها أن يدخل المسجد من باب بني شيبة وقد أطبقوا على استحبابه لكل قادم لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل المسجد منه قصدًا لا اتفاقًا فإنه لم يكن على طريقه وإنما كان على طريقه باب إبراهيم، والدوران حول المسجد لا يشق بخلاف الدوران حول البلد وكأن المعنى فيه أن ذلك الباب في جهة باب الكعبة.
انتهى.
فإن طباق الأصحاب هنا على استحباب الدخول من باب بني شيبة وتعليلهم بأنه لم يكن على طريقه إلا باب إبراهيم ينافي كلامهم في المسألة السابقة فإنهم قالوا: إن الثنية العليا على طريق المدينة ويلزم من كونها على طريقها أن يكون باب بني شيبة على طريقه أيضًا لأن الداخل من الثنية يمر على باب المعلى، وأول ما يلقى من الأبواب باب بنيشيبة، وهذا معلوم بالمشاهدة لا مكابرة فيه، وقد تقدم أيضًا في أثناء كلام الشيخ أبي محمد.
وحديث الدخول من باب بني شيبة رواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس.
والمعنى فيه ما أشار إليه الرافعي وإيضاحه أن باب الكعبة في جهة ذلك الباب، والبيوت تؤتى من أبوابها، وأيضًا فلأن جهة باب الكعبة أشرف الجهات الأربع كما قاله ابن عبد السلام في "القواعد" فكأن الدخول من الباب الذي يشاهد منه تلك الجهة أولى.
وسكت الرافعي عن الباب الذي يخرج منه عند إرادته الرجوع إلى بلده، ويستحب أن يكون ذلك هو باب بني سهم ففي "النوادر" عن ابن حبيب أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل المسجد من باب بني شيبة وخرج إلى الصفا من باب بني مخزوم وإلى المدينة من باب بني سهم -بالسين- ويسمى اليوم بباب العمرة.
قوله: ويبتدئ كما دخل بطواف القدوم لأنه -عليه السلام- أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت 1، وسمي أيضًا طواف التحية.
لأنه تحية للبقعة يأتي به من دخلها سواء كان تاجرًا أو حاجًا أو دخلها لأمر آخر.
انتهى.
والمراد بالبقعة الذي هذا تحيتها هو البيت؛ فإن الطواف تحية له كما
صرح به كثيرون وليس بتحية للمسجد بل إذا فرغ من الطواف فأمرناه بتحيته -أعني المسجد؛ ولهذا قال القاضي أبو الطيب: فإن قيل: هلا أمرتموه بأن يصلي التحية بعد الطواف؟
فالجواب: أنا نأمره بأن يصلي في المقام ركعتين وتلك الصلاة تجزئه عن تحية المسجد.
هذا كلامه، وجزم به أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية" فقال: فإن قيل: لم قدم الطواف على تحية المسجد؟
قيل: لأن القصد من إتيان المسجد البيت وتحيته الطواف، ولأنها تحصل بركعتي الطواف.
هذه عبارته فتفطن له، وعلم منه أنه لو أخر الركعتين لوقت آخر فقد فوت هذه التحية، وأنه لو اشتغل قبل الطواف بصلاة لغرض من الأغراض لخوف الفوات ونحوه لم يخاطب بتحية المسجد.
ويدل على ما قلناه أيضًا: أن المقيمين إذا دخلوا المطاف فيخاطبون بركعتي التحية.
والحديث رواه الشيخان عن عائشة.
قوله: ولو كان معتمرًا فطاف للعمرة أجزأه على طواف القدوم كما تجزئ الفريضة عن تحية المسجد.
انتهى.
ذكر مثله أيضًا في الكلام على الطواف الذي يسن فيه الرمل.
تابعة في "الروضة" على ذلك وهو مشعر بأن المعتمر مخاطب بطواف القدوم، وليس كذلك وإنما لم يخاطب به لأنه مأمور بطواف الفرض؛ ولهذا ذكر الرافعي قبيل هذا الكلام بقليل أن الحاج إذا دخل مكة بعد الوقوف لا يخاطب به، وعلله بما قلناه.
ولا فرق في ذلك بين المعتمر والحاج إذ لا أثر لكون الطواف الذي عليه
من حج أو عمرة.
وذكر النووي في "المنهاج" لفظًا جامعًا للمسألتين فقال: ويختص طواف القدوم بحاج دخل مكة قبل الوقوف.
والتقييد بالحاج لم يصرح به في المحرر إلا أنه مشعر به.
وإذا علمت ذلك فينبغي أن يحمل كلامه أولًا على حصول الفوات، وكلامه ثانيًا على أنه لا يؤمر بطواف يخص القدوم.
ووجه حصول الثواب هنا أنه إذا أثيب مصلي الفرض على التحية مع إمكان فعلها لما فيه من شغل البقعة بالعبادة فبالأولى هذه.
قوله: واختلفوا في الأولى دخول مكة راكبًا أم ماشيًا؛ فإن دخلها ماشيًا فقد قيل: الأولى أن يكون حافيًا؛ لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لقد حج هذا البيت سبعون نبيًا كلهم خلعوا نعالهم من ذي طوي تعظيمًا للحرم 1. انتهى.
فأما المسألة الأولى فالأصح فيها تفضيل المشي.
كذا صححه النووي في
"شرح المهذب"، ومناسك الحج، و"زيادات الروضة".
وأما الثانية وهي دخوله حافيًا فقد جزم به في "شرح المهذب" ولم يتوقف فيه قال: إلا أن تلحقه مشقة أو يخاف نجاسة رجليه.
وعبر في "الروضة" و"المناسك" بقوله: "قيل"، كما عبر به الرافعي قوله: ومن قصد دخول مكة لا النسك فإن كان لا يتكرر دخوله ففيه طريقان: أصحهما أنه على قولين: أظهرهما عند الغزالي أنه لا يلزم وبه قال الشيخ أبو محمد، وإليه ميل الشيخ أبي حامد ومن تابعه، ورجحه المسعودي وصاحب "التهذيب" في آخرين أنه يلزم وبه أجاب صاحب "التلخيص" لما روي عن ابن عباس: لا يدخل مكة أحد إلا محرمًا 1.
والطريق الثاني: القطع بالاستحباب، ويحكى عن صاحب "التقريب" ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح في هذه المسألة هو عدم الوجوب.
كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر" والنووي في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرهما من كتبه المشهورة ونقله في "الشرح" المذكور عن الأكثرين وعن نص الشافعي في أكثر كتبه، وصحح في "النكت" التي له على "التنبيه" أنه يجب، وقال في "البيان": أنه أشهر القولين.
الثاني: أن ما نقلوه عن صاحب "التقريب" ليس له ذكر في كتاب الحج من كتابه فاعلمه.
قوله: وإن كان ممن يتكرر دخوله كالحطابين والصيادين ونحوهم فإن قطعنا بنفي الوجوب في الحالة الأولى فهاهنا أولى.
وإن سلكنا طريقة القولين فهاهنا طريقان:
أحدهما: طرد القولين.
وأصحهما: القطع بنفي الوجوب، وبه أجاب "التلخيص" لما فيه من المشقة.
ثم قال: وفي وجه ضعيف أنه يلزمهم الإحرام في كل سنة مرة.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما عزاه إلى "التلخيص" من القطع بعدم الوجوب غلط؛ فإن في "التلخيص" الجزم بطريقة القولين، وزاد على ذلك فصحح الوجوب فقال في أول كتاب الحج ما نصه: ويجب على كل من أراد دخول مكة الإحرام بحج أو عمرة إلا على واحد وهو الملوك.
وفيه قوله: أنه رخص للحطابين ومن دخله لمنافع أهلها.
هذا لفظه بحروفه، ومنه نقلت.
الأمر الثاني: أن حكاية الإيجاب في كل سنة وجهًا، واستضعافه إياه ليس هو كما قال فيه، بل هو قول للشافعي منصوص عليه في الجديد، وله توجيه ظاهر.
فأما الأول فإن الشيخ أبا حامد في "تعليقه" والمحاملي في "مجموعه".
وغيرهما نقلوه عن نصه في "الإملاء".
وأما الثاني فإن الجزم يقتضي إيجاب الإحرام إذ التفريع عليه وإيجاب هذا في كل مرة يشق عليهم فأوجبناه في السنة مرة لأنه المقدار الذي عهد وجوبه إحياء الكعبة فيه تعظيمًا لها بالحج أو العمرة.
قوله: التفريع إن قلنا بالوجوب فله شروط:
أحدها: إن دخل من خارج الحرم، فأما أهل الحرم فلا يلزمهم بلا خلاف.
الثاني: أن لا يدخلها لقتال باغ أو قاطع طريق أو غيرهما أو خائفًا من ظالم.
دخل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مكة عام الفتح غير محرم 1، لأنه كان مترصدًا للقتال خائفًا غدر الكفار.
الثالث: أن يكون حرًا؛ أما العبيد فلا إحرام عليهم بحال لأن منافعهم مستحقة للسادة.
فإن دخلوا بإذن لم يجب أيضًا بالاتفاق لأن الإذن في الدخول لا يتضمن الإحرام.
كذا قاله الإمام.
ومن يلزمه الإحرام بالدخول لا يبعد منه المنازعة في هذا التوجيه.
فإن أذن له السيد في الدخول محرمًا لم يلتحق بالإحرام في أقيس الوجهين.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن الاستدلال على عدم الوجوب بدخوله -عليه الصلاة والسلام- غير محرم ذهول ومناقض لما ذكر هو وغيره في كتاب النكاح أن من خصائص النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخول مكة بغير إحرام على القول بالوجوب على غيره.
الأمر الثاني: أن كلامه يقتضي أن مكة وغيرها من أرض الحرم كسائر البلاد في جواز القتال بسبب البغاة أو الكفار، وهو كما قاله النووي في "شرح المهذب" ونص عليه الشافعي في "اختلاف الحديث" وفي "سنن الواقدي" من "الأم" فقال: معنى الحديث الناهي عن القتال فيها أن ينصب
القتال عليهم ويقاتلهم بما يعم كالمنجنيق وغيره إذا لم يمكن إصلاح الحال بدون ذلك، بخلاف ما إذا انحصر الكفار في بلد آخر فإنه يجوز قتالهم على كل وجه وبكل شيء.
الأمر الثالث: أن تعليل العبد باستحقاق السيد يقتضي استثناء المرأة المزوجة إذا كان سفرها بإذن الزوج ويحتمل خلافه.
الرابع: حيث أوجبنا على العبد فكذلك على هذه المرأة؛ فالمتجه تجويز العمرة فقط لأن زمنها أقصر والإذن فيه محقق وما زاد شكوك فيه والحديث المذكور رواه مسلم من رواية جابر ولفظه: دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء بغير إحرام.
قوله: وإذا اجتمعت شرائط الوجوب ودخلها غير محرم فهل عليه القضاء؟ قال الإمام: فيه قولان، وقال غيره: وجهان: أصحهما -وهو الذي أورده الأكثرون: لا يجب.
انتهى.
والصحيح أن الخلاف وجهان.
كذا صححه النووي في أصل "الروضة" و"شرح المهذب".
قوله: وذكر القاضي ابن كج تفريعًا على وجوب الإحرام على الداخل أنه إذا انتهى إلى الميقات على قصد دخول مكة لزمه أن يحرم من الميقات، فلو أحرم بعد مجاوزته فعليه دم بخلاف ما لو ترك الإحرام من أصله.
انتهى.
وهذا الذي نقله عن ابن كج خاصة وأقره عليه وهو عدم وجوب الدم إذا لم يحرم بالكلية قد تابعه عليه في "الروضة".
والمسألة فيها قولان للشافعي حكاهما ابن القاص في "التلخيص" فقال: وقد اختلف قول الشافعي في إيجاب الكفارة على من دخلها بغير إحرام فله فيها قولان: أحدهما: لا شيء عليه.
والآخر: عليه دم شاة.
هذا لفظه.
وعدم الوجوب فيه نظر ظاهر لكن صرح به أيضًا الخوارزمي في "الكافي" والماوردي في "الحاوي" وعلّله بأن الكفارة إنما تجب جبرًا لنقص دخل على نسك فإذا لم يأت بالنسك لم يلزمه جبران عدم أصله.
قوله: وهل ينزل دخول الحرم منزلة دخول مكة مما في ما ذكرناه؟
قال بعض الشارحين: نعم.
ولا يبعد تخريجه على خلاف ما سبق في نظائره.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن تنزيل الحرم منزلة مكة في ذلك نقله المزني في كتاب له لطيف غريب سماه نهاية الاختصار من قول الشافعي فقال: ولا يدخل الحرم إلا محرم.
هذه عبارته.
والنسخة التي نقلت منها تاريخ فراغها سنة ثمان وأربعمائة، ونقله أيضًا ابن الصباغ عن نصه في القديم.
وقد صرح أيضًا بذلك شيوخ المذهب منهم القاضي أبو الطيب والقاضي الحسين والمحاملي والبندنيجي والماوردي وابن الصباغ وخلائق آخرون، والعجب من اقتصار الرافعي على نقلها عن شارح "الوجيز" غير مشهور مع تنصيص مشاهير أن المذهب عليها ولكن السبب فيه أن أكثر هذه الأصول لم يطالعها على كتابه، وقد استدرك عليه في "الروضة" أيضًا ذلك فقال: الصواب القطع بأن الحرم كمكة في هذا، وقد اتفق عليه الأصحاب.
هذا لفظه.
وقال في "شرح المهذب": إنه لا خلاف فيه.
وليس كما قال من
الاتفاق؛ ففيه خلاف حكاه هو في مناسك الحج فقال: الصحيح أن حكم الحرم كحكم مكة بل كلامه في المنهاج يشعر باختيار ذلك الوجه فإنه قيد محل الخلاف بدخول مكة.
الأمر الثاني: في المراد من قول الرافعي ولا يبعد تخريجه على خلاف سبق في نظائره وقد تفقه فيه النووي وابن الرفعة؛ فقال النووي في "شرح المهذب" كأنه يشير إلى إباحة الصلاة في أوقات النهي فإن الحرم كمكة على الصحيح.
وقال ابن الرفعة في "شرح التنبيه": كأنه يشير إلى أن المكي إذا أحرم بالحج في الحل ثم عاد إلى الحرم هل يسقط عنه الدم كما يسقط عنه إذا عاد إلى مكة.
وكذا لو حرم المكي من الحرم.
انتهى.
وما قاله ابن الرفعة أظهر؛ فإنه نظير في الباب فإرادته أظهر من إرادة باب آخر لاسيما أن العادة التصريح به عند إرادته لبعد استحضاره.
ومن نظائر المسألة أيضًا ما إذا ترك طواف الوداع ولم ينته إلى مسافة القصر فإن في لزوم العود خلافًا.
وهل تعتبر المسافة من مكة أو من الحرم؟ فيه وجهان حكاهما الرافعي أيضًا.
الفصل الرابع: في الطواف
قوله: وتجب فيه الطهارة عن الحدث والخبث وستر العورة؛ لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "الطواف بالبيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير".
1 انتهى.
وما ذكره من اشتراط الطهارة والستارة واضح عن القدرة، فإن عجز فإن كان الطواف نفلًا أو للوداع فلا شك في جوازه فعله بدونهما، وإن كان طواف الركن فيجوز للغازي لأنه لا إعادة عليه على المشهور.
وأما المتيمم والمتنجس فالقياس منعهما منه؛ لأنهما لو صليا لوجب عليهما القضاء، والطواف ملحق بالصلاة فيما يتعلق بالطهارة؛ وحينئذ فتكون إعادته واجبة عليها أيضًا، وإذا وجبت الإعادة فلا يكون في فعله -والحالة هذه- فائدة؛ لأن التحلل لا يحصل ما دام الطواف في ذمته.
والعنى الذي لأجله أوجبنا فعل الصلاة وهو حرمة الوقت مفقود هنا لأن الطواف لا آخر لوقته؛ ويؤيده أن فائدة الطهورين إذا صلى ثم قدر على التيمم بعد الوقت لا يعيد الصلاة في الحضر لما قلناه من عدم الفائدة.
وقد تعرض في "البحر" للمسألة فحكى وجهين في وجوب الإعادة ولم يزد على ذلك وهو يقتضي الجزم بالجواز ولا سبيل إلى القول به، وسيأتي
في الكلام على فساد الحج ما يدفعه من جهه النقل.
وبتقدير الجواز لا سبيل إلى قضائه لما تقدم.
والحديث المذكور رواه البيهقي وقال: الصحيح أنه موقوف على ابن عباس.
قوله: لبيت الله تعالى أربعة أركان: ركنان يمانيان وركنان شاميان، وكانت أرضية مساوية لأرض المسجد، وكان له بابان شرقي وغربي فذكر أن السيل هدمه قبل مبعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعشر سنين فأعادت قريش عمارته على الهيئة التي هو عليها اليوم ولم يجدوا من الأموال الطيبة ما يفي بالنفقة فتركوا من جانب الحجر بعض البيت فأخروا الركنين الشاميين عن قواعد إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- ووضعوا عرض الجدار الذي بين الركن الأسود والشامي الذي يليه فبقي من الأساس شبه الدكان مرتفعًا وهو الذي يسمى الشاذروان، وقد روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعائشة: "لولا حدثان قومك بالشرك لهدمت البيت ولبنيته على قواعد إبراهيم وألصقته بالأرض وجعلت له بابان شرقيًا وغربيًا 1.
ثم إن ابن الزبير هدمه في أيام ولايته وبناه على قواعد إبراهيم، فلما استولى عليه الحجاج هدمه وأعاده على الصورة التي هو عليه اليوم وهو بناء قريش.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من اختصاص المتروك من عرض الجدار وهو المسمى بالشاذروان بالجدار الذي فيه الباب دون ما عداه.
أخذه من كلام الإمام، وليس كذلك بل هو عام في الجدر الثلاث كما ذكره الأزرقي في "تاريخ مكة"، وهو ظاهر محسوس.
الأمر الثاني: أن كلامه يوهم أن الحجاج هدم جميع البيت.
وليس كذلك ففي التاريخ المذكور أن الحجاج لما استولى على مكة، وقتل ابن الزبير هدم الحائط الذي من جهة الحجر وبناها على أساس قريش وأخرج الحجر من البيت وردم بطن الكعبة بما هدم منها لم يغير منه شيئًا.
قال: فكل شيء فيها بناء ابن الزبير إلا الجدار الذي في الحجر وما سد به الباب الغربي وما تحت عتبة الشرقي فإنه بناء الحجاج.
واعلم أن الدكان في اللغة هي المصطبة، وكذلك الدكة أيضًا.
والحديث المذكور رواه البخاري ومسلم بألفاظ مختلفة.
قوله: ويعتبر في الطواف شيئان:
أحدهما: أن يجعل البيت على يساره.... إلى آخر ما قال.
اعلم أن هذه المسألة تنقسم إلى اثنين وثلاثين قسمًا ويغلب وقوعها في المحمول لمرض أو غيره خصوصًا الأطفال فتأمل ذلك.
وجميع هذه الأقسام داخل في كلام الرافعي؛ لأن كلامه يدل بالمنطوق على جعل البيت على يساره.
ومفهومه على أنه لا يجعل على غير اليسار؛ وحينئذ فإما أن يجعله على يمينه أو تلقاء وجهه أو وراء ظهره؛ فحصل من منطوقه ومفهومه أربعة أقسام:
القسم الأول: وهو ما إذا جعله على اليسار له حالان:
أحدهما: أن يذهب إلى جهة الباب، وحينئذ فإما أن يذهب على العادة وإما منكسًا -أي: رأسه- إلى أسفل ورجلاه إلى فوق، وإما مستلقيًا على ظهره، وإما على وجهه.
فهذه أربع صور.
والأولى هي التي ينبغي فعلها.
وأما الثلاثة الأخيرة فلم يصرح الرافعي ولا المصنف ولا ابن الرفعة فحكمها لا في هذا القسم ولا في باقي الأقسام الآتية إطلاق الرافعي يقتضي جوازها والمتجه خلافه فإنه منابز للشرع كما سيأتي التعليل به.
الحال الثاني: أن يقهقر إلى جهتي الركن اليماني، وفيه أيضًا هذه الصور الأربع لأنه إما أن يرجع منتصبًا أو منكسًا أو على الظهر أو الوجه، ولم يصرح من ذكرناه بحكم هذه الأربعة، وإطلاق الرافعي يوهم جوازها لأنه يصدق أن يقال جعل البيت على يساره وطاف، وليس كذلك بل المتجه القطع بعدم الصحة في الكل، ويحتمل تخريج الصورة الأولى منها على الوجهين الآتيين في من طاف معترضًا أو مستدبرًا فكان الصواب أن يزيد قيدًا فيقول: وأن يجعل البيت على يساره ويطوف تلقاء وجهه، وقد تحصلنا الآن على ثمان صور:
القسم الثاني: أن يجعل البيت على يمينه فله أيضًا حالان:
أحدهما: أن يذهب إلى جهة الركن اليماني ففيه أيضًا الصور الأربع وهي أن يذهب منتصبًا على العادة أو منكسًا أو مستلقيًا على قفاه أو على وجهه، وقد جزم الرافعي بالمنع في المسألة الأولى ويلزم منه المنع في الثلاثة الأخيرة بطريق الأولى.
ويؤخذ منع الجميع من عبارته أيضًا.
الحال الثاني: أن يرجع القهقري إلى جهة الباب ففيه الأربعة المذكورة أيضًا؛ فأما الأولى وهو أن يذهب منتصبًا ففيه وجهان:
أصحهما: البطلان لأنه لم يول الكعبة شقه الأيسر وهذا هو الذي يقتضيه إطلاق الرافعي.
والثاني: الجواز لحصول الطواف في يسار البيت وهو من الحجر إلى جهة الباب.
هكذا عللهما الرافعي، وقد ظهر من تعليله أن الواجب
حصول الطواف على يسار الكعبة في وجه، وأن يولي الكعبة شقه الأيسر على وجه آخر.
وأما الثلاثة الأخيرة فهي ممتنعة من حيث الجملة؛ ويؤخذ أيضًا منعها من إطلاق الرافعي.
لكن هل يجزم ببطلانها أو يخرج على هذا الخلاف؟ فيه نظر.
فتحصلنا على ثمان صور أخرى تصير مع قبلها ستة عشر.
القسم الثالث: أن يجعله تلقاء وجهه فله أيضًا حالان:
أحدهما: أن يوالي جهة الباب فيأتي فيه أيضًا أربع صور:
أولها: الاعتدال.
وثانيها: التنكيس.
وثالثها: أن يكون على الجنب الأيمن.
ورابعها: على الأيسر.
فإن كان منتصبًا ففيه الوجهان السابقان -كما قاله الرافعي- أصحهما: عدم الصحة، وقد سبق تعليلهما.
وأما الثلاثة الباقية فيحتمل الجزم ببطلانها ويحتمل تخريجها على الوجهين.
وعبارة الرافعي مقتضية الأربعة.
الحال الثاني: أن يذهب إلى جهة الركن اليماني ففيه أيضًا هذه الأربعة ومقتضى التعليلين اللذين ذكرهما الرافعي القطع بأن شيئًا منهما لا يجزئ كما هو مقتضى عبارة الرافعي فإنه لم يوقع طوافه في يسار البيت ولا ولي الكعبة بشقه الأيسر.
فتحصلنا بهذه الثمانية على أربعة وعشرين.
القسم الرابع: أن يستدبر الكعبة وفيه الحالان السابقان:
الأول: أن يمر إلى جهة الباب، وفيه الأربعة المتقدمة؛ فأما الأولى منها: فهو أن يمر على العادة منتصيًا فقال الرافعي: القياس أن يجرى فيه الوجهان السابقان فيما إذا جعله تلقاء وجهه، وما قاله الرافعي قد نقل الإمام عن شيخه ما يوافقه، ولكن ذكر المصنف في "الروضة" وغيرها أن الصواب القطع بأنه لا يصح لكونه منابذًا للشرع.
وأما الثلاثة الباقية فلم يصرحوا بحكمها، وقد تقدم نظائر أنها محتملة بجريان هذا الخلاف والقطع بالبطلان، وعبارة الرافعي شاملة لمنع الأربعة.
الحال الثاني: أن يمر إلى جهة الركن اليماني فمقتضى ما سبق أن لا يعتد بشيء من صوره الأربعة جزمًا لما تقدم من أنه يولى الكعبة شقه الأيسر ولا طاف في يسار البيت.
وقد تكمل لك بهذه الصور الثمانية الداخلة في القسم الرابع اثنتان وثلاثون مسألة.
واعلم أن اشتراط جعل البيت على اليسار يستثنى منه مروره على الحجر الأسود؛ فقد قال في "شرح المهذب" في الكلام على المحاذاة وصفة المحاذاة أن يمر بجميع الحجر، وذلك بأن يستقبل البيت ويقف على جانب الحجر إلى جهة الركن اليماني بحيث يصير جميع الحجر عن [يساره] 1 ويصير منكبه الأيمن عند طرف الحجر ينوي الطواف لله تعالى ثم يمشي مستقبل الحجر مادًا إلى جهة يمينه حتى يتجاوز الحجر، فإذا جاوز انتقل وجعل يساره إلى البيت ويمينه إلى خارج.
ولو فعل هذا من الأول وترك استقبال الحجر جاز ولكن فاتته الفضيلة ثم يمشي هكذا تلقاء وجهه طائفًا حول البيت كله.
قال في المناسك الكبرى: وليس شئ من الطواف يجوز مع استقبال البيت إلا ما ذكرنا من مروره في ابتداء الطواف على الحجر الأسود مستقبلًا له وذلك مستحب في الطوفة الأولى لا غير.
قوله: وعن المزني أنه سمى الشاذروان تأزيزًا من الإزاز وتأزيز أيضًا بزاءين وهو التأسيس.
انتهى ملخصًا.
قال الجوهري: أززت الشئ الإزاز أي: بزاءين معجمتين إذا ضممت بعضه إلى بعض؛ فكأن لفظ الرافعي مأخوذ منه.
قوله: والثاني: أن يبتدئ بالحجر الأسود فيحاذيه بجميع بدنه في مروره.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه المسألة لها أقسام منها: أن يحاذي ببعض البدن بعض الحجر كما لو استقبله وجعل منكبه الأيسر في وسطه ومنكبه الأيمن خارجًا عنه.
وهذا القسم قد ذكره الرافعي وقال فيه: إن الجديد لا يجزئ، ولم يصرح به في "الروضة" فاعلمه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من الابتداء بالحجر الأسود أرادوا به موضعه حتى لو نقل عن موضعه والعياذ بالله فيجب على الطائف محاذاة الموضع كما نقله في "الكفاية" عن القاضي أبي الطيب.
قوله: وكره الشافعي إطلاق الشوط على الطوفة الواحدة.
انتهى.
وهذه المسألة حذفها النووي من "الروضة"، وقال في "شرح المهذب": كره الشافعي والأصحاب تسميتها بالشوط والدور لأن الله تعالى إنما سماها
بالطواف لا بهما.
ثم قال: والمختار له أنه لا يكره؛ ففي الصحيحين عن ابن عباس قال: "أمرهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يرملوا ثلاثة أشواط" 1، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم.
قوله: فإن جعل سقف المسجد أعلى فقد ذكر في العدة أنه لا يجوز الطواف على سطحه.
ولو صح هذا لزم أن يقال إذا انهدمت الكعبة -والعياذ بالله تعالى- لا يصح الطواف حول عرصتها، وهو بعيد.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة".
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامهما يدل على أنهما لم يقفا على حكم الطواف حول العرصة، وقد ذكرها الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر" وجزما بالبطلان على عكس ما مال إليه الرافعي بحثا واستبعد خلافه فقال الماوردي: وهكذا لو طاف على سطح المسجد الحرام أجزأه لأن معلومًا أن سقف المسجد اليوم دون سقف الكعبة وكان طائفًا بالبيت.
فإن قيل لو استقبلها في الصلاة على ما هو أعلى منها فإن مستقبلًا لها فهلا كان الطائف أعلى منها كالطائف فيها؟
قيل: لأن المقصود في الصلاة جهة بنائها، فإذا علا عليها كان مستقبلًا لجهة بنائها فأجزأه، والمقصود في الطواف نفس بنائها فإذا علا عليها لم يكن طائفًا بنفس بنائها فلم يجزئ هذا لفظه، وموضع الحاجة هو آخر
كلامه، وذكر في البحر مثله أيضًا.
الأمر الثاني: أن مسألة السقف إذا كان أعلى قد جزم القاضي الحسين فيها بالصحة على وفق ما يشير إليه كلام الرافعي، وقال في "شرح المهذب": إن الجواز هو الصواب، ويلزم من تصحيحه في هذه المسألة تصحيحه في المسألة السابقة بطريق الأولى، لكن قد ظهر لك مما نقلته عن الماوردي والروياني أنهما مصرحان بالمنع.
قوله: ولو اتسعت حائط المسجد اتسع المطاف.
انتهى.
هذا الكلام يدخل في عمومه مسألة تذكر على سبيل الامتحان والفرض وإن كانت لا تقع عادة؛ وهي أن المسجد لو وسع حتى انتهي إلى الحل فطاف في الحاشية التي من الحل صح.
وفيه نظر، والقياس عدم الصحة.
وقد ذكر الرافعي قبل هذا كلامًا حذفه من "الروضة" لكن مكة والحرم، هذه عبارته، إلا أن المتبادر منها إلى الفهم إنما هو حالة الخروج من المسجد.
قوله: وقد جعلته العباسية أوسع مما كان في عصر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انتهى.
وهذه العبارة ناقصة موهمة إيهامًا شديدًا أن العباسية هم الذين زادوا المسجد على المقدار الذي كان في عهده -عليه الصلاة والسلام-، وليس كذلك فإنه قد وسع أربع مرات فبل خلافتهم كما نقله جماعة منهم الأزرقي في "تاريخ مكة"، ونبه عليه النووي في كثير من كتبه فقال: أول من وسع المسجد الحرام بعد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-؛ اشترى دورًا فزادها فيه، واتخذ للمسجد جدارًا قصيرًا دون القامة، وكان عمر أول من اتخذ الجدار للمسجد.
ثم وسعه عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- كذلك واتخذ له الأزقة؛