اللفظ الرابع: العبد
قوله: وإذا باع عبدًا ففي دخول ثيابه ثلاثة أوجه:
ثالثها: يدخل ساتر العورة دون غيره، ورجح صاحب "التهذيب" وغيره: أنها لا تدخل مطلقًا.
انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، ومقتضاه رجحان عدم الدخول، لكن رجح في "المحرر" دخولها فقال ما نصه: والأشبه دخول الثياب في بيع العبد.
هذا لفظه.
واستدرك عليه في "المنهاج" فصحح عدم الدخول، كما هو مقتضى كلام الشرحين، وصرح بتصحيحه في أصل "الروضة".
قوله في أصل "الروضة": ولا يدخل عذار الدابة في بيعها على الأصح كالسرج.
انتهى.
وهذا الكلام يقتضي أن الرافعي حكى فيه خلافًا، وليس كذلك، فإن الرافعي لما تكلم عن ثياب العبد قال: لكن صاحب "التهذيب" وغيره رجحوا الوجه الصائر إلى أن شيئًا منها لا يدخل في البيع، وكذا قالوا في عذار الدابة.
هذا كلامه.
وليس فيه ما يقتضي إثبات خلاف، ولم أره أيضًا إلا أن الغزالي في "الوسيط" أشار إلى ذلك بحثًا فقال: ولعل العذار من الفرس كساتر العورة من العبد، ولم ينقل الرافعي هذا الكلام.
اللفظ الخامس: الشجر
قوله: شجرة الفرصاد.
هو بكسر الفاء وبالصاد المهملة، وهو التوت الأحمر.
كذا قاله الجوهري.
قوله: وهل يدخل الغرس في البيع؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأنه يستحق منفعته لا إلى غاية، وذلك لا يكون إلا على سبيل الملك.
وأصحهما: لا.
وقد يستحق على المالك المنفعة لا إلى غاية كما لو أعار جداره ليضع غيره الجذع عليه.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا وفيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره في إعارة الجدار من كون المستعير يستحق المنفعة إنما هو اختيار صاحب "التنبيه" وجماعة، لكن الصحيح ما ذكره هو والنووي في كتاب الصلح: جواز الرجوع، ولم يذكر في "الروضة" هذا التعليل فسلم من الاختلاف.
الأمر الثاني: لقائل أن يقول: هل محل الخلاف فيما سامت الشجرة من الأرض دون ما تمتد إليه أغصانها، أم الخلاف في الجميع؟
فإن كان الثاني فيلزم أن يتجدد للمشتري في كل وقت ملك لم يكن.
قوله: الثانية: لو باع شجرة يابسة ثابتة فعلى المشتري تفريغ الأرض عنها للعادة.
قال في "التتمة": فلو شرط إبقاءها فسد البيع، كما لو اشترى الثمرة بعد التأبير وشرط عدم القطع عند الجذاذ.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: (بعد التأبير) [وقع أيضًا في "الروضة" غير أنه عبر بقوله: مؤبرة.
وأتى بهذا القيد لأجل تصحيح] 1 العقد.
وهذا التعبير فاسد، بل صوابه بعد بدو الصلاح، فإن التأبير ليس مقتضيًا لتصحيح العقد عند الإطلاق، بل المقتضى له إنما هو الجذاذ، كما
سنذكره بعد ذلك، حتى لو اشتراها بعد التأبير وقبل بدو الصلاح بدون شرط القطع، لم يصح العقد.
قوله: الثالث: قال في "التهذيب": نشقق بعض الجوزق من الكرسف كتشقق الكل، وما تشقق من الورد يبقي للبائع، وما لم يتشقق يكون للمشتري، وإن كانا على شجرة واحدة، ولا يبيع البعض دون البعض بخلاف ثمر النخل لأن المشقق لا يقطع بل يترك إلى إدراك الكل، وما تشقق من الورد يجني ولا يترك إلى تشقق الباقي.
وذكر أيضًا أن التين والعنب إن ظهر بعضه دون بعض، فما ظهر يكون للبائع، وما لم يظهر يكون للمشتري، وهذه الصورة الأخيرة محل التوقف.
انتهى كلامه.
وما نقله عن البغوي في الورد وارتضاه [واقتضى كلامه عدم التوقف فيه أيضًا تابعه أيضًا في "الروضة" عليه، وقد خالفه فيه الشيخ أبو إسحاق فجزم في "التنبيه" بأن الجميع للبائع.
وارتضاه] 1 النووي فلم يستدركه عليه في تصحيحه، والعجب من إهماله لاسيما من النووي.
وما نقله عن البغوي أيضًا آخرًا في التين والعنب وتوقف فيه قد صرح به أيضًا الشيخ في "المهذب"، وصرح به أيضًا المتولي والروياني فقالا: إنه لا خلاف فيه لكنهما إنما تكلما في التين خاصة.
[ولم يتعرض في "المحرر" و"الشرح الصغير" للبعض إلا بالنسبة إلى ثمر النخل خاصة] 2.
قوله: إحداهما: لو تعذر السقى لانقطاع الماء وعظم ضرر النخل بإبقاء [الثمار ففيه قولان منقولان عن "الأم"] 3.
قال أبو القاسم الكرخي: أصحهما: أنه ليس له الإبقاء دفعًا للضرر عن المشتري.
انتهى كلامه.
والصحيح ما قاله الكرخي، كذا صححه أيضًا الروياني في "البحر"، وابن أبي عصرون، والنووي في أصل "الروضة".
قوله: وإذا باع الشجرة وبقيت الثمرة للبائع، وكان السقي يضر بالثمار وينفع الأشجار، فأراد المشتري أن يسقي [ونازعه البائع فوجهان قال ابن أبي هريرة: للمشتري أن يسقي] 1 ولا يبالي بضرر البائع، لأنه قد رضى به حين أقدم على العقد.
وقال أبو إسحاق: يفسخ العقد، وهو الأظهر، وإن أضر بالأشجار وينفع الثمار فأراد البائع السقي جرى الوجهان، فعند ابن أبي هريرة: للبائع السقي، وقول أبي إسحاق لا يختلف.
ثم قال ما نصه: وحكى الإمام وصاحب الكتاب في الصورتين ثلاثة أوجه:
أحدها: يجاب المشتري لأنه التزم سلامة الأشجار للبائع.
وثانيها: أنه يجاب البائع لاستحقاقه إبقاء الثمار.
والثالث: يتساويان.
وترجيح الوجه الأول مما لم نره إلا لصاحب الكتاب.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما قاله في تعليل الوجه الأول غلط انعكس عليه، والصواب أن يقول: لأن البائع قد التزم سلامة الأشجار له.
وقد ذكره في "الشرح الصغير" على الصواب، وذكره في "الروضة" بدون تعليل على عادته فاتفق أن سلم من الاعتراض.
الأمر الثاني: أن هذا الترجيح الذي ذكره الغزالي وأنكره عليه قد سبقه إليه الفوراني في "الإبانة" فجزم به، وكذلك الأرغياني في "فتاوى النهاية"، ولم يتعرض في "الشرح الصغير" و"الروضة" لاختصاص الغزالي بهذا الترجيح فسلما من الاعتراض.
قوله: الثالثة: لو لم يسق البائع وتضرر المشتري ببقاء الثمار لامتصاصها رطوبة الشجر، أجبر على السقى أو القطع.
فإن تعذر السقي لانقطاع الماء ففيه القولان السابقان.
انتهى.
ومحل هذين القولين كما نقله في "الروضة" من "زياداته" عن الإمام وصاحب "التهذيب" في ما إذا كان للبائع نفع في ترك الثمرة، فإن لم يكن وجب القطع بلا خلاف.
اللفظ السادس بيع الثمار
قوله: ولا يجوز بيع الثمار قبل بدو الصلاح إلا بشرط القطع.... إلى آخره.
ثم قال: أما الجواز بشرط القطع فمجمع عليه.
انتهى.
والمسألة ليست إجماعية، فقد حكى ابن حزم في "المحلى" عن سفيان الثوري ابن أبي ليلى: أنه لا يصح مع هذا الشرط [أيضًا، ونقله الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة".
ومحل المنع بدون هذا الشرط] 1 كما قاله في "الروضة": ما إذا كانت الشجرة ثابتة، فإن كانت مقطوعة صح بيعها مطلقًا، لأن الثمرة لا تبقى عليها فتصير كشرط القطع.
قوله: ولو باع الثمرة قبل بدو الصلاح من مالك الأشجار بأن يبيع إنسانًا
"شجرة" فتبقى الثمرة له، ثم يبيعه الثمرة أو يوصي بالثمرة لإنسان، ثم يبيع الموصي له الثمرة من الوارث، ففي اشتراط القطع وجهان: أصحهما عند الجمهور: يشترط لكن لا يلزمه الوفاء به.
انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" هنا على تصحيح وجوب الاشتراط، ثم صحح عكسه في كتاب المساقاة، فقال في الباب الثاني منه قبيل الفصل المعقود لموت المالك: أن الأصح أنه لا [يجب اشتراط] 1 القطع، وما صححه في هذا الباب هو الذي صححه في باقي كتبه، وهو المعروف أيضًا، فلتكن الفتوى عليه ولم يصحح الرافعي هناك شيئًا.
واعلم أنه يتصور أيضًا كون الشجرة للمشتري والثمرة للبائع أن يهبها له أو يبيعها بشرط القطع، ثم يريد شراءها منه.
قوله: ولو كانت الثمرة غير مؤبرة فاستثناها لنفسه، لم يجب شرط القطع في أصح الوجهين، زاد على هذا في "الروضة" فقال ما نصه: قلت: قال الإمام: إذا قلنا: يجب شرط القطع فأطلق فظاهر كلام الأصحاب أن الاستثناء باطل والثمرة للمشتري، قال: وهذا مشكل فإن صرف الثمرة إليه مع التصريح باستثنائها محال.
قال: فالوجه عند الاستثناء المطلق شرطًا فاسدًا مفسدًا للعقد في الأشجار كاستثناء الحمل.
انتهى كلامه.
واعلم أن مذهب الشافعي في هذه المسألة هو ما رآه الإمام بحثًا، وهو بطلان المبيع فاعلمه كذا نقله القاضي الحسين في "فتاويه" وعبر بقوله: المنصوص أن البيع باطل، هذا لفظه.
وهو جلى مقيس ماشٍ على القواعد فيجب الأخذ به.
قوله: الحالة [الثانية] 2: أن تباع الثمار مع الأشجار فيجوز من غير
شرط القطع، لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "من باع [نخلًا] 1 بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع" 2.
ثم قال: والمعنى فيه: أن الثمرة [هبتها] 3 تبع الأصل، والأصل غير متعرض للعاهة وقد يحتمل في الشيء إذا كان تابعًا ما لا يحتمل فيه إذا أفرد بالتصرف كالحمل في البطن، واللبن في الضرع.
انتهى كلامه.
وهذا القياس باطل لأنه إن كان مراده ما إذا باع الحيوان وسكت عن حمله أو عن لبنه، فإن بيعه صحيح، غير أنه ليس نظير مسألتنا فإن كلامنا فيما إذا باع النخيل والثمار.
ولو باع النخيل وسكت عن الثمار لم يدخل، وإن كان مراده ما إذا صرح بالحمل واللبن، وهو نظير المسألة، غير أن البيع باطل على الصحيح كما سبق في البيع فيلزم إما فساد القياس، أو فساد الحكم المقاس عليه فيفسد القياس أيضًا.
قوله: فاعلمه [وأعلمه] 4.
الأولى: أمر من العلم وهمزتها همزة وصل ولامها مفتوحة.
والثانية: أمر من الإعلام، وهمزتها للقطع ولامها مكسورة أى فافهمه، واعلم به كلام "الوجيز" بالواو.
قوله: ويجوز بيع الشعير أو السلت في سنبله، ثم قال: ولو كان للثمرة أو الحب كمام لا يزال إلا عند الأكل كالرمان والعلس فكمثل.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من جواز بيع العلس في كمامه، جزم به أيضًا في باب بيع
الغرر من "شرح المهذب"، وزاد على ذلك فقال: لا خلاف في جوازه.
إذا علمت ذلك فقد جزم في أواخر السلم بخلافه، فقال قبيل الكلام على اشتراط الجودة والرداءة ما نصه: ولا يجوز السلم في العلس والأرز لاستتارهما بالكمام.
انتهى.
وتابعه في "الروضة" على الموضعين.
قوله: وماله كمامان يزول أحدهما ويبقى الآخر إلى وقت الأكل كالجوز واللوز والرانج لا يجوز بيعه في القشرة العليا، [وفيه قول: أنه يجوز ما دام رطبًا.
وبه قال ابن القاصي والإصطخري، ثم قال: بيع الباقلاء في القشرة العليا] 1 على هذا الخلاف.
ثم قال: وادعى الإمام أن الأظهر في الباقلاء الأخضر: بيعه في قشرته لأن الشافعي - رضي الله عنه - أمر بعض [أعوانه] 2 أن يشتري له الباقلاء الرطب.
انتهى.
زاد النووي في "الروضة" على هذا فقال: قلت: المنصوص في "الأم": أنه لا يصح بيعه، وهذا إذا كان الجوز واللوز والباقلاء رطبًا، فإن بقي في قشره الأعلى فيبس، لم يجز بيعه وجهًا واحدًا إذا لم نجوز بيع الغائب، كذا قاله الإمام وصاحب "التهذيب" وغيرهما.
انتهى.
إذا علمت الأصل والزيادة ففيه أمور:
أحدها: أن تعبيره بقوله: (كمامان) غير مستقيم، لأن مراده إنما هو [فردان من أفراد] 3 الأكمة بلا شك، وتعبيره ينفيه لأن الكمام جمع، وكذلك الأكمة والأكمام والأكاميم والمفرد كمامة، وكم بكسر الكاف.
قاله الجوهري.
فكان الصواب كمامتان بالتاء أو كمان.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن ابن القاص من الجواز ليس كذلك، بل صرح بالمنع إلا في الباقلاء فجوزه، فقال في "التلخيص": ولا يجوز بيع شيء وعليه قشرتان حتى ترتفع العليا، إلا واحدًا وهو بيع الفول رطبًا قلته تخريجًا.
هذا لفظه.
وذكر في "المفتاح" نحوه أيضًا فقال: ولا يجوز بيع الجوز حتى يرفع قشرها، فأطلق ولم يفصل بين الرطب واليابس.
نعم اللوز الذي يؤكل قشره نقل فيه عن المروزي، أنه يجوز.
الأمر الثالث: أن العون الذي أمره الشافعي بالشراء هو الربيع، كذا ذكره القفال في "شرح التلخيص" في أوائل البيع فقال: وقد حكى عن الربيع أنه قال: مر الشافعي - رضي الله عنه - ببغداد بباب الطاق فأعطاني كسرة فاشتريت له بها الفول الرطب في قشره.
هذا لفظه.
وذكره القاضي الحسين والشيخ أبو علي في "شرح التلخيص" أيضًا، [والكسرة هي القطعة من الدراهم أو الدينار تكسر منه للحوائج الصغار ومن ذلك] 1 قولهم: الكسرة والقراضة.
قال الجوهري: الكسرة: القطعة من الشيء المكسور، والجمع: كسر، مثل قطعة وقطع.
الرابع: أن بيع قصب السكر وهو مستور في قشره جائز، كما ذكره في "شرح المهذب" المسمى "بالاستقصاء"، ونقله في "المطلب" هنا عن "الحاوي".
وعلى هذا فيسأل عن الفرق بينه وبين الباقلاء على أن ما صححه الإمام قد صححه القاضي الحسين فقال: إنه المذهب، والشيخ أبو علي وقال: إنه الأصح، والقفال في "شرح التلخيص" أيضًا.
الخامس: أن ما نقله النووي في "زياداته" عن الإمام والبغوي مقتضاه: تجويز ذلك إذا جوزنا بيع الغائب، لكن سيأتي بعد هذا عن البغوي ما يشكل على ما يقتضيه كلامه هنا.
قوله في أصل "الروضة": وأما ما لا يرى حبه في سنبله كالحنطة والعدس والسمسم، فما دام في سنبله لا يجوز بيعه منفردًا عن سنبله قطعًا.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من القطع ذكره أيضًا في "شرح المهذب" في باب ما نهى عنه من بيع الغرر، وعبر بقوله: بلا خلاف، وهو مردود، لم يذكره الرافعي -رحمه الله- فقد قال القاضي الحسين في تعليقه في باب الوقت الذي يحل فيه بيع الثمار ما نصه: فأما بيع الحنطة في السنبلة إن باعها بدون السنابل لا يجوز على الصحيح من المذهب.
هذا لفظه.
قوله: ومعها -أي مع السنبل- قولان: الجديد: المنع لستر المقصود بما لا يتعلق به الصلاح كبيع تراب الصاغة والكدس بعد الدياسة وقبل التصفية.
انتهى.
الكدس بضم الكاف وبالدال المهملة الساكنة وبالسين المهملة هو المعبر عنه في بلادنا بالجرن بضم الجيم، قال الجوهري: الكدس بالضم واحد أكداس الطعام.
قوله في أصل "الروضة": كبيع تراب الصاغة وكبيع الحنطة مع تبنها، فإنه لا يصح قطعًا.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من نفي الخلاف لم يذكره الرافعي، وذكر مثله في "شرح المهذب" في باب ما نهى عنه من بيع الغرر، وعبر بقوله: (اتفق أصحابنا) وهو غير مستقيم، فإن بعضهم قد ذهب إلى الصحة فيهما.
وممن حكاه ابن الرفعة في "الكفاية"، وصرح بمسألة التراب
بخصوصها، الفوراني في "الإبانة" هنا، وحكى فيها طريقين طريقة جازمة بالبطلان، وأخرى بالتخريج على بيع الغائب، ونقل الإمام الطريقة الثانية عن المحققين، وقال في "الوسيط": إنها الأظهر.
قوله: والأرز كالشعير يباع في السنابل، لأنه قد يدخر في قشره، وبهذا قال ابن القاص وأبو علي الطبري، ومنهم من قال: هو كالحنطة.
انتهى كلامه.
وما صححه من إلحاق الأرز بالشعير، قد ذكر في آخر السلم ما يخالفه فقال قبيل الكلام على اشتراط الجودة والرداءة ما نصه: ولا يجوز السلم في العلس والأرز لاستتارهما بالكمام.
انتهى.
وقد تقدم ذكر هذا الموضع قبل هذا بقليل، وقد صرح النووي في فتاويه بخلاف ما ذكره في باب السلم فقال: الأصح أنه يجوز السلم فيه.
واعلم أن ما جزم به في باب السلم من المنع في العلس، قد تقدم ما يخالفه أيضًا فاستحضره.
قوله: ويجوز بيع القنبيط في الأرض، وكذلك نوع من الشلجم يكون ظاهرًا بخلاف الفجل والسلق ونحوهما.
انتهى.
القنبيط: بقاف مضمومة ثم نون مشددة مفتوحة ثم باء موحدة.
والشلجم، بفتح الشين المعجمة والجيم.
والسلق: بكسر السين.
والفجل: بضم الفاء، كذا ضبطه الجوهري.
قوله: وهل القول بالمنع في صور الفصل مقطوع به أم هو مفرع على قول منع بيع الغائب؟ ذكر الإمام أنه مفرع عليه.
وفي "التهذيب": أن المنع في بيع الجوز وما في معناه في الأرض ليس
مبنيًا على بيع الغائب، لأن في بيع الغائب يمكن رد المبيع بعد الرؤية بصفته وهاهنا لا يمكن ذلك.
انتهى.
والصحيح من الخلاف الذي ذكره وهو بيع المستور في الأرض: هو المنع مطلقًا، فقد نقله الماوردي عن الجمهور، وصححه النووي في "الروضة" هنا وفي "شرح المهذب" في باب ما نهى عنه من بيع الغرر.
واعلم أن من جملة ما ذكره الرافعي في هذا الفصل بيع الجوز واللوز والباقلاء، ونحو ذلك من الجاف في قشرته.
والتعليل الذي ذكره البغوي هنا في منع ما في الأرض على قول بيع الغائب يقتضي المنع فيها أيضًا.
فأما الجوز واللوز ونحوهما، فالأمر فيه كذلك على ما دل عليه كلامه في "شرح المهذب".
وأما الباقلاء فجزم فيه في "الشرح المذكور" بالجواز على هذا القول -أعني على جواز بيع الغائب-، ولا سبيل إلى الفرق.
قوله: والمحاقلة أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق من الحنطة، وهي مأخوذة من الحقل وهو المساحة التي تزرع.... إلى آخره.
الفرق بالفاء والراء والقاف مكيال معروف، وأما الحقل فهو بفتح الحاء وسكون القاف، وهو جمع حقلة، والحقلة المزرعة الطيبة التي لا بناء فيها ولا شجر.
قاله الجوهري.
إذا علمت ذلك فكان الصواب أن يقول: من الحقلة وهو الساحة، أو من الحقل وهو الساحات، وأيضًا فليس هو مطلق الساحات بل الساحات الطيبة كما تقدم.
قوله: بيع العرايا جائز، وهو أن يبيع رطب نخلة أو نخلتين باعتبار الخرص بقدر كيله من الثمر.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على تقييد ذلك بالرطب، وهو يوهم المنع في البسر، وليس كذلك، بل حكمه حكم الرطب، كما صرح به الماوردي في "الحاوي".
قوله: لنا ما روى عن سهل بن أبي حثمة أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الثمر بالتمر إلا أنه أرخص في العرية أن تباع بخرصها تمرًا ليأكلها رطبًا 1. انتهى.
حثمة بفتح الحاء المهملة وسكون الثاء المثلثة، والثمر المذكور أولًا هو بالثاء المثلثة وهو الرطب، وأما المذكور ثانيًا فهو بالمثناة وهو الجاف.
والخرص هنا يجوز فيه فتح الخاء وهو الأشهر وكسرها.
قاله في "شرح مسلم"، وعلى التقديرين فالمراد المخروص.
قوله: ويجوز فيما دون خمسة أوسق من الثمر لا في ما زاد على الخمسة، وكذا [في الخمسة] 2 في أظهر القولين، هذا إذا باع في صفقة.
فلو باع قدرًا كبيرًا في صفقات لا تزيد كل واحدة على ما ذكرنا جاز، وكذا لو باع في صفقة لرجلين بحيث خص كل واحد القدر الجائز، فلو باع رجلان لرجل [فوجهان:
أصحهما: أنه كبيع رجل لرجلين] 3.
والثاني: كبيعه لرجل صفقة.
ولو باع رجلًا لرجلين صفقة لم يجز في ما زاد على عشرة أوسق، ويجوز فيما دون العشرة، وفي العشرة القولان.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخره في صورة بيع الرجلين للرجلين، قد تابعه عليه في
"الروضة"، وقياس ما سبق في هذه المسألة أن لا نعتبر بلفظ العشرة الأوسق كما ذكره، بل العشرين فنقول: لم يجز فيما زاد على عشرين، ويجوز فيما دون العشرين، وفي العشرين القولان فاعلمه.
وإنما قلنا ذلك لأن الصفقة متعددة ولكل واحد أن يبيع عند التعدد أكثر من خمسة أوسق، فإذا كان لرجين مثلًا ستة عشر وساقًا فباعاها من رجلين [جاز، لأن كل واحد منهما باع نصيبه وهو ثمانية أوسق من رجلين] 1، فيصير كأنه باع من كل واحد منهما أربعة أوسق.
وقد صرح به كذلك مع وضوحه جماعة، وحينئذ فإذا عبر بلفظ العشرين كما أشرنا إليه يصح أن يقول: لا يجوز فيما زاد عليها، ويجوز في [ما نقص، وفي العشرين قولان.
وينبغي تأويل قول الرافعي: لم يجز في] 2 أكثر من عشرين -أي: لكل منهما- فيكون للاثنين عشرون.
قوله: أما لو باع الرطب على النخيل بالرطب على النخيل خرصًا فيهما أو بالرطب على وجه الأرض كيلًا ففي جوازه أوجه: أصحها: لا يجوز.
ثم قال: ولو باع الرطب على وجه الأرض [بالرطب على وجه الأرض] 3 لم يجز، وذكر القفال في "شرح التلخيص" أنه على الخلاف لأنه إذا جاز البيع وأحدهما أو كلاهما على رأس النخيل خرصًا، واحتملت الجهالة فلأن يجوز مع تحقق الكيل في الجانبين أولى.
انتهى كلامه.
وهو يوهم أن تحقيق الكيل كافٍ في جواز ذلك عند القفال، وليس كذلك فاعلمه، بل المراد الكيل مع الخرص أيضًا فافهمه، فقد صرح به القفال في "شرح التلخيص"، وقال القاضي حسين: لا خلاف فيه.
قوله: فللحوائج حالتان:
إحداهما: أن تعرض قبل التخلية فهي من ضمان البائع، فإن تلف جميع الثمار انفسخ العقد، وإن تلف بعضه انفسخ فيه، وفي الباقي قولا التفريق.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على الجزم بطريقة القولين، والصحيح في تلف بعض المعقود عليه قبل القبض طريقة القطع بعدم الانفساخ، لا هذه الطريقة التي جزم بها كما تقدم بسطه في تفريق الصفقة.
قوله في "الروضة": وإن عرضت بعدها، فإن كان باعها بعد بدو الصلاح فقولان:
الجديد الأظهر: أن الحوائج من ضمان المشتري، ولا فرق على القولين بين أن يشتري القطع أم لا.
وقيل: إن شرطه كانت من ضمان المشتري قطعًا لتفريطه، ويحكى هذا عن القفال.
وقيل: إن شرطه كانت من ضمان البائع قطعًا، لأن ما شرط قطعه فقبضه بالقطع والنقل، وقد تلف قبل القبض.
انتهى.
وما ذكره النووي في هذه المسألة مخالف لتصوير الرافعي، فإنه قال -أعني الرافعي-: والثانية: أن يعرض بعد التخلية فينظر: إن باعها بعد بدو الصلاح فقولان: الجديد: أنها من ضمان المشتري.
ثم قال: وإن باع الثمار قبل بدو الصلاح بشرط القطع ولم يقطعها حتى أصابتها جائحة ففيها ثلاثة طرق:
أظهرها: أنه على قولين.
[والثاني] 1: أنها من ضمان المشتري قولًا واحدًا لتفريطه بترك القطع، ويحكي هذا عن القفال.
والثالث: أنها من ضمان البائع قولًا واحدًا، لأنه لما شرط القطع كان القبض فيه بالقطع والنقل، هذا كلام الرافعي بحروفه.
وإذا تأملته علمت أن كلام "الروضة" عليه مناقشة من وجهين:
أحدهما: حكايته للطرق في البيع بعد بدو الصلاح وإنما محلها في البيع قبله، وهكذا ذكره في "الشرح الصغير" أيضًا، وكذلك في "المحرر"، غير أنه مع شرط القطع لا يبقي فرق في المعنى بين ما قبل بدو الصلاح وما بعده.
والوجه الثاني: إسقاط القسم الثاني من القسمين المذكورين في المسألة، وهو البيع قبل بدو الصلاح [وتعبيره في "الروضة" بقوله: فإن كان بعد بدو الصلاح] 1 يقتضي تقسيم المسألة إلى قسمين، مع أنه لم يذكر الثاني.
واعلم أن محل القولين في ضمان الجوائح إنما هو عند بيع الثمار لغير مالك الشجر، فإن باعها له فهي من ضمان المشتري بلا خلاف لانقطاع العلائق كما ذكره في "الروضة" من زياداته.
قوله: ولو غابت الثمار بعد القبض بالجوائح فلا خيار أيضًا على الجديد.
انتهى ملخصا.
وما ذكره هنا من عدم الخيار قد جزم بعكسه في "المحرر" فقال: وإن عرضت جائحة مهلكة كحر أو برد بعد التخلية، فالجديد أنها من ضمان المشتري، وإن تعيبت بها فله الخيار.
هذا لفظه بحروفه.
وقد غيره النووي في "المنهاج" فقال: ولو تعيبت بترك [البائع] 2 السقى فله الخيار.
واعتذر في "الدقائق" عن تعبيره، وهو اختصار عجيب.
قوله: وإذا ترك البائع السقى فتلفت الثمار بعد التخلية، فالأصح: القطع
بالانفساخ، لاستناد هذه الآفة إلى ترك السقي المستحق بالعقد قبل التخلية.
ثم قال: وما يستند إلى سبب سابق قبل القبض [قد] 1 ينزل منزلة ما لو سبق بنفسه كما ذكرنا في القتل بالردة السابقة، والقطع بالسرقة السابقة وموت العبد من المرض المتقدم على القبض.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن الصور التي استشهد بها يجب الضمان فيها على البائع مطلقًا، لكنه قد سبق في خيار النقص أن العبد إذا مات من المرض السابق فالأشهر: القطع بأنه من ضمن المشتري لأن المرض يتزايد.
وأما القتل بالردة، والقطع بالسرقة فالأصح: التفصيل بين العلم والجهل، ولم يتعرض في "الروضة" في هذا الباب لهذه الصور، وذكرها الرافعي في "الشرح الصغير" في الموضعين كما ذكرها في "الكبير"، إلا المرتد فإنه جعله هناك من ضمان البائع، ولم يفصل.
قوله: فرع:
لو باع الثمار مع الأشجار فتلفت الثمار بجائحه قبل التخلية بطل العقد فيها، وفي الأشجار قولان.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح في تلف بعض المعقود عليه قبل القبض هو طريقة القطع بعدم الانفساخ لا طريقة القولين كما تقدم إيضاحه في تفريق الصفقة.
الثاني: أن النووي في "الروضة" عبر بقوله: وفي الأشجار القولان بزيادة (ال)، واقتضى كلامه عودهما إلى القولين في ضمان الجوائح فإنهما المقدمان على هذه المسألة لا غيرهما.
وقد تكرر منه هنا الإحالة [عليهما] 2 وهو سهو فاعلمه.
قوله: وإذا باع الثمرة [بعد] 1 بدو الصلاح وكان تلاحقها نادرًا، فاتفق أن تلاحقت [ولم تتميز أو كان الغالب تلاحقها فشرط القطع فلم يتفق حتى تلاحقت] 2 ففي انفساخ العقد قولان.
أظهرهما على ما رواه المصنف: أنه لا ينفسخ لبقاء عين المبيع، بل [يثبت] 3 الخيار للمشتري لأنه أعظم من إباق العبد.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن الأصح هو الانفساخ، فقد صححه الأكثرون منهم القاضى أبو الطيب في "التعليق"، والشيخ أبو إسحاق في "المهذب"، والغزالي في "البسيط"، والشاشي في "الحلية"، وابن أبي عصرون في "الانتصار"، وكذلك الأرغياني في "فتاوي النهاية" لكن فيما قبل القبض خاصة.
وصححه أيضًا النووي في "شرح الوسيط" فقال: والأصح من القولين أنه ينفسخ العقد، وممن صححه صاحب "المهذب" وصاحب "الانتصار".
هذا لفظ النووي.
وأطلق الرافعي في "المحرر" و"الشرح الصغير"، والنووي في "الروضة": التصحيح بأن العقد لا يبطل اعتمادًا على ما وقفا عليه من الترجيح المتقدم نقله عن "الوجيز" خاصة، ولهذا عبر الرافعي في الكتابين المذكورين باللفظ الذي عبر به في "الوجيز".
الأمر الثاني: أن ثبوت الخيار للمشتري تفريعًا على عدم الانفساخ، ذكره الغزالي فمشي عليه الرافعي ومقتضاه أن له أن يبادر بالفسخ، والمنصوص عليه في "مختصر المزني" تفريعًا على هذا القول، وكذلك في كتب أكثر الأصحاب حتى في "التنبيه"، وأقره عليه النووي في "تصحيحه": أن البائع بالخيار إن سمح بحقه أقر العقد، وإلا فسخناه.
الأمر الثالث: إذا قلنا بثبوت الخيار للمشتري فمعناه أنه يرفع الأمر إلي الحاكم، ويكون الحاكم هو الذي يفسخ.
هكذا صرح به جماعة منهم القاضي أبو الطيب في "التعليق" والماوردي في "الحاوي"، ونقله ابن الرفعة في "الكفاية" عنهما ولم يخالفهما، وهو متجه، فإن هذا الفسخ ليس [بالعيب] 1 بل لقطع المنازعة، وكلام الرافعي يوهم خلاف ذلك.
فتفطن له.
واستفدنا أيضًا من كونه لقطع المنازعة: أن لا يكون على الفور كالفسخ بعد التحالف.
قوله: ويجري القولان فيما إذا باعه حنطة أو مائعًا فانصب عليه مثله قبل القبض، بخلاف اختلاط الثوب بمثله أو الشاة بمثلها، فإنه لا يبطل على المذهب كما قاله في "التتمة"، لأنه يورث الاشتباه وهو مانع بخلاف الإشاعة.
انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وهذا الذي ذكره في "التتمة" قد ذكر مثله في "البحر" وأطلق في "الروضة" تصحيحه أيضًا.
قوله: ولو باع جزة من القصب بشرط القطع، ولم يقطعها حتى طالت، وتعذر التمييز جرى القولان، ومنهم من قطع بعدم الانفساخ هاهنا تشبيها لطولها بكبر الشجرة والثمرة وسمن الحيوان وهو ضعيف، لأن البائع مجبر على التسليم في الأشياء المذكورة بزياداتها، وهاهنا لا يجبر على تسليم ما زاد.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه في تضعيف هذه الطريقة من كونه لا يجبر على التسليم تابعه عليه في "الروضة"، وهو يقتضي اعتقاد أن هذا القائل يقول بذلك قطعًا، لكن في "الحاوي" للماوردي: الجزم بأن الزيادة عند هذا القائل [للمشتري] 2، وعلله بأنها زيادة لا تتميز.
باب معاملات العبيد
قوله: [يجوز للسيد أن يأذن لعبده في التجارة إلى آخره.
قيده الشيخ في "التنبيه" والجرجاني في "التحرير" و"الشافي" بما إذا كان العبد رشيدًا، وسبقهما إليه الماوردي فقال: يشترط أن يصح تصرفه لنفسه لو كان حرًا.
ومقتضى ما ذكروه: اشتراط ذلك أيضًا عند شرائه لنفسه، وكتابته عليها وإنجازه وغير ذلك.
وفيه نظر.
قوله: ] 1 ومنها العبد المأذون لا ينعزل بالإباق، بل له التصرف في البلد الذي خرج إليه إلا إذا خص السيد الإذن بهذا البلد.
وقال أبو حنيفة: يصير محجورًا عليه.
ثم قال: ولو أذن لجاريته في التجارة، ثم استولدها ففيه هذا الخلاف.
انتهى كلامه.
واعلم أن نسخ الرافعي مختلفة في مسألة الاستيلاد، ففي بعضها التعبير بقوله: ففيه هذا الخلاف كما تقدم.
وأشار إلى الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة، [وعلى هذه النسخة فلا ينعزل عندنا، وينعزل عند أبي حنيفة] 2، وفي بعضها التعبير بقوله: ففي هذا اختلاف، وعلى هذا فلا تصحيح في هذه المسألة في الكتاب.
وقد اختصر في "الروضة" هذا الموضع فقال: ولو أذن لأمته ثم استولدها لم تنعزل على الصحيح، وهذا الاختصار غير مطابق له.
أما على النسخة الأولى: فلا خلاف عندنا، وأما على الثانية: فلا تصحيح.
ولم يذكر المسألة في "الشرح الصغير"، والأقرب ما في النسخة الأولى لبعد ثبوت الخلاف في هذه المسألة لأنه يبعد أن يقع من مصنف لكتاب مبسوط متأخر محرر لاسيما الرافعي، والاستقراء أن يذكر خلافًا في فرع من الفروع النظرية من غير ذكر ترجيح ما، ولا تعليل لشيء من ذلك الخلاف ولا بيان أن الخلاف عند العلماء أو عندنا، وهل هو وجهان أو قولان؟ فظهر بذلك صحة النسخة الأولى، وحينئذ فيكون الحكم هو الجزم بالصحة في هذه المسألة، وقد جزم به صاحب "التتمة" و"التهذيب" وغيرهما.
قوله: ومنها: إذا ركبته الديون لم يزل ملك سيده عما في يده، فلو تصرف فيه ببيع أو هبة أو إعتاق بإذن المأذون والغرماء جاز، ويكون الدين في ذمة العبد، وإن أذن العبد دون الغرماء لم يجز، وإن أذن الغرماء دون العبد فوجهان.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أنه قد سوى في النكاح في باب المولى عليه بين إذن الغرماء دون العبد وبين العكس، وحكى في المسألتين وجهين، على عكس ما جزم به هاهنا من المخالفة.
الأمر الثاني: أن الصحيح من هذين الوجهين في ما عدا العتق هو عدم الصحة، كذا ذكره الرافعي في النكاح أيضًا في الموضع المذكور، وصححه في "الروضة" هنا من "زياداته" في الجميع.
ولنذكر ما قاله الرافعي هناك لتعرف عبارته في الأمرين فقال: وإن كان عليه دين، فإن زوجها السيد بإذن العبد [والغرماء صح، لأن الحق لا يعدوهم، وإن زوجها بإذن العبد] 1 دون الغرماء أو بإذن الغرماء دون العبد لم يصح على أظهر الوجهين.
ثم قال: وبيع السيد وهبته ووطؤه هذه الجارية كالتزويج في حال قيام الدين وعدمه.
الثالث: أن ما ذكره في العتق هنا قد ذكر فيه ما يخالفه في النكاح في الموضع المذكور فقال: ولو أعتق عبدًا لمأذون وعلى المأذون دين، أو أعتق الوارث عبدًا من التركة وعلى المورث دين، قال صاحب "التهذيب": قيل في نفوذ العتق [قولان] 1 كما في إعتاق المرهون.
والمذهب أنه إن كان معسرًا لم ينفذ العتق، وإن كان موسرًا نفذ.
انتهى.
وهذا التفصيل الذي ذكره [فيه وهو الفرق بين الموسر والمعسر وتابعه عليه في "الروضة" لم يذكره في هذا الباب بالكلية، والذي ذكره هنا إنما يستقيم في المعسر، ثم إن الذي ذكره] 2 في النكاح إنما يصح إذا كان بغير إذن فاعلمه.
قوله: وإقرار المأذون بدين المعاملة مقبول سواء أقر لأبيه وابنه أو لأجنبي.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة"، وفيه أمران ذكرهما الرافعي في أوائل كتاب الإقرار، وفيهما شرح لهذا الكلام فقال: إذا أقر المديون بدين لا يتعلق بالتجارة كالقرض ونحوه تعلق بذمته، ولو أطلق ولم يبين الجهة لم ينزل على دين المعاملة على أصح الوجهين لاحتمال أنه إتلاف.
ولو أقر بعد الحجر بدين معاملة أضافه إلى حال الإذن، لم تقبل إضافته على الأصح.
قوله: فإذا باع المأذون سلعة وقبض الثمن فاستحقت السلعة، وقد تلف الثمن في يد العبد فللمشتري الرجوع ببدله على العبد، لأنه المباشر للعقد.
وفي وجه لا رجوع عليه، وفي مطالبة السيد ثلاثة أوجه رتبها الإمام:
أصحها: أنه يطالب أيضًا، لأن العقد له.
والثاني: لا.
والثالث: إن كان في يد العبد وفاء فلا يطالب وإلا طولب.
ثم قال: ولو اشترى المأذون شيئًا للتجارة، ففي مطالبة السيد بالثمن الأوجه.
انتهى.
وهو صريح في أن ديون معاملات العبد تجب على السيد، ويؤمر بقضائها.
إذا علمت ذلك فقد ذكر بعد ذلك بدون ورقة ما يخالفه فقال: ولا تتعلق ديون معاملة العبد برقبته ولا بذمة السيد.
انتهى.
وهو غريب جدًا، ولا يستقيم أن يجمع بينهما بأن يقال: لا شيء في ذمته، لكن يطالب ليؤدي من أموال التجارة عنه، لأن أحد الأوجه أنه إن كان في يد العبد وفاء لم يطالب وإلا طولب.
وقد وقع هذا الاختلاف في "الشرح الصغير" و"المحرر" و"المنهاج" ووقع أيضًا في "الروضة" على وجه أشد مما وقع في الشرح، فإنه ادعى نفي الخلاف في الموضع الثاني فقال: ولا بذمة السيد قطعًا.
قوله في المسألة: والوجه الأول والثاني جاريان في عامل القراض مع رب المال لتنزيل رب المال منزلة العمرة على المال المعين.
انتهى كلامه.
وهذا التعليل الذي ذكره الرافعي -رحمه الله- تعليل للوجه الثاني، وكأنه ترك تعليل الأول لوضوحه.
قوله: ولو اشترى بألف في الذمة، فتلفت الألف قبل أن ينفذها ففي انفساخ العقد وجهان: أصحهما: أنه لا ينفسخ، وعلى هذا فوجهان: أحدهما: أنه يجب على السيد ألف آخر، لأن العقد وقع له.
والثاني: لا يلزمه، ولكنه إن أخرج ألفا آخر مضى العقد، وإلا فللبائع الفسخ.
ويشبه أن يكون هذا أظهر.
انتهى ملخصًا.
وهذا الوجه الذي رجحه الرافعي بحثًا، قد صرح بتصحيحه في "الشرح الصغير" فقال: إنه أظهر الوجهين، وكذلك النووي في أصل "الروضة" فقال: إنه الأصح.
وتصحيح هذا الوجه منهما لا يوافق ما ذكراه في القاعدة المتقدمة، وهي لزوم دين معاملة العبد للسيد، فإنا إن قلنا بلزومه عليه لزم إيجاب الألف هنا، وأن يكون العقد باقيًا.
وإن قلنا بعدم اللزوم، لزم الانفساخ فالتخيير لا يوافق تلك القاعدة، والموافق للأصح منها: هو لزوم الألف.
لا جرم أن الإمام لما ذكر الخلاف في لزوم دين المعاملة على السيد، وصحح قول اللزوم، وعلله بما علله الرافعي، ثم ذكر هذه المسألة صحح أن العقد باقٍ، ويلزم السيد ألف أخرى.
وأيضًا فإن التلف هنا هو نظير التلف في يد الوكيل وعامل القراض.
ولما ذكر مسألة القراض في بابها لم يحكِ فيها الوجه الذي رجحه في هذه المسألة فضلًا عن ترجيحه، ولم يرجح فيها أيضًا شيئًا.
وأما مسألة الوكيل فحكاه وفيها غير أنه لم يصرح فيها بتصحيح، وتابعه في "الروضة" على ذلك كله، غير أنه صحح في "تصحيح التنبيه" في مسألة القراض انقلاب العقد إلى العامل، وهو أقرب من تصحيح التخيير.
قوله: وهل تتعلق ديون التجارة بما يكسبه بعد الحجر؟ فيه وجهان:
قال في "التهذيب": أصحهما: أنه لا تتعلق به.
انتهى.
وما قاله البغوي هو الصحيح، كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله من "زياداته": قال في "التهذيب": لو جنى على المأذون، أو كلانت أمة فوطئت بشبهة، لا تقضي ديون التجارة من الأرش والمهر.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من عدم التعلق بالمهر، وجزم به ولم يذكر في الباب خلافه، قد جزم بعكسه في كتاب النكاح في باب المولى عليه في الكلام على الولاية على الرقيق، وهو من زوائده أيضًا، وستعرف لفظه في موضعه فراجعه.
قوله أيضًا من "زياداته": ولو [اشترى] 1 المأذون من يعتق على سيده بغير إذنه لم يصح على الأظهر.
فإن قلنا: يصح، ولم يكن على المأذون دين عتق على المولى، وإن كان فقي عتقه قولان كما لو اشترى بإذن المولى، وإن اشترى بإذنه صح، فإن لم يكن على المأذون دين عتق وإلا فقولان:
أحدهما: لا يعتق.
والثاني: يعتق ويغرم قيمته للغرماء.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه الزيادة جميعها قد ذكره [الرافعي في الباب الثاني من أبواب القراض وذكرها] 2 في "الروضة" أيضًا تبعًا له.
الثاني: أن النووي في "تصحيح التنبيه" قد صحح من القولين في ما
إذا اشترى بإذن السيد، وكان عليه دين أنه لا يعتق.
ونقل ابن الرفعة في باب القراض من "المطلب" عن الأصحاب: أنه كالراهن فقال: نعم قالوا: إن كان عليه دين ففي عتقه عليه الخلاف في عتق الراهن، وأجروه فيما إذا باشر السيد عتق عبد اشتراه المأذون للتجارة، وقد ركبته الديون.
هذا كلامه.
وأشار إليه الرافعي أيضًا في باب القراض، فإنه شبهه بالمرهون، وحينئذ فيكون الصحيح: التفصيل بين الموسر وغيره، ولا يتجه غيره، هذا كله إذا اشتراه بالإذن.
فإن اشتراه بغير الإذن، وكان عليه دين ففي العتق أيضًا قولان.
لكن هل هما مخرجان على القولين فيما إذا وقع الشراء بالإذن حتى يكون الصحيح الذي في إحداهما تصحيحًا في الأخرى أو مرتبان وأولى بالبطلان؟، اختلف فيه كلام "الروضة"، فالمذكور في هذا الباب كما تقدم نقله عنه هو التخريج، وفي باب القراض هو الترتيب.
وينبني على هذا الاختلاف ما إذا قلنا بالترجيح المستفاد من كلام الرافعي و"المطلب"، وهو إلحاقه بالمرهون فكان السيد في مسألتنا وهو الشراء بغير الإذن موسرًا.
فعلى المذكور في "الروضة" هنا يستفاد [تصحيح الإعتاق، وعلى المذكور هناك لا يستفاد] 1.
واعلم أن شراء القريب بإذن السيد بمنزلة إعتاق السيد، وقد تقدم في أول الباب أنه يفصل فيه بين الموسر والمعسر.
قوله: فرع:
لو أذن لعبده في التجارة مطلقًا ولم يعين مالًا، فعن أبي طاهر الزيادي: أنه لا يصح هذا الإذن، وعن غيره: أنه يصح، وله التصرف في أنواع الأموال.
انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا، ولا تعرض لها في "المحرر" ولا في "الشرح الصغير".
فمراد الرافعي بقوله: (ولم يعين مالًا) أي نوعًا من المال يتجر منه.
قوله: وأصح الوجهين: أنه لا يصح شراؤه دون إذن السيد، لأنه لو صح، فإن أثبتنا الملك له فليس أهلًا لذلك، وإن أثبتناه للسيد بعوض عليه فهو لم يرض به، وإن كان بعوض على العبد فيلزم حصول أحد العوضين لغير من يلزمه مقابله.
انتهى ملخصًا.
وما صححه الرافعي في هذه المسألة سبقه إليه الإمام والمتولي، وهو مخالف للجمهور.
فإن الماوردي والقاضي أبا الطيب قد صرحا بأن الجمهور على الصحة.
وما ذكره في دليل [المنع] 1 فهو منقوض بالمأذون، فإنهم اتفقوا على أن ما اشتراه يكون ملكًا للسيد مع اختلافهم في من يكون الثمن في ذمته.
قوله من "زياداته": ولا يحل للمكاتب التسري بغير إذن سيده، وبإذنه قولان كتبرعه.
انتهى.
وهذا الكلام يشعر برجحان الجواز، لأنه الصحيح في التبرع بالإذن، لكن الصحيح منع التسري، وسيأتي بسطه في موضعه إن شاء الله تعالى.
باب اختلاف المتبايعين
قوله: مثل أن يختلفا في قدر الثمن فيقول البائع: بعتك هذا بمائة، ويقول المشتري: بخمسين، فينظر: إن كان لأحدهما بينة قضى بها، فإن أقام كل واحد منهما بينة على ما يقوله سمعتا.
ثم إن قلنا بالتساقط فكأن لا بينة وإلا توقفنا إلى ظهور الحال.
وإن لم يكن لواحد منهما بينة فيتحالفان.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن حاصل ما ذكره تفريعًا على عدم التساقط وهو [قول] 1 الاستعمال مجيء قول الوقف دون قول القرعة والقسمة.
وما ذكره هنا مخالف لما ذكره في كتاب الدعاوى والبينات في أثناء الركن الخامس المعقود للبينة، فإنه قال: إن قول القرعة يأتى هنا خلافًا لابن سلمة، وأن قول القسمة والتوقف لا يأتيان على المشهور، فلم يوافق ما ذكره هاهنا إلا في أن قول القسمة لا يأتي.
وأما القولان الآخران فذكر كلًا منهما على العكس مما هنا، أما الوقف فبعدم إتيانه، وأما القرعة فبإتيانها، غير أنه مثل هناك بالاختلاف في الإجارة، وسأذكره في موضعه فراجعه.
وحكى عن ابن سريج: تقديم بينة مدعى الزيادة.
[الأمر الثاني] 2: إن الرافعي -رحمه الله- إنما مثل هنا بالمثال المذكور للإشارة إلى أن شرط التحالف أن يكون ما يدعيه البائع أكثر.
وقد صرح الرافعي به في الاختلاف في الصداق فقال: وإنما يحسن
وضع المسألة إذا كان ما تدعيه المرأة أكثر.
قوله: ولو قال البائع: بعتك العبد، فقال: [بل] 1 الجارية ولم يختلفا في الثمن: نظر، إن كان الثمن معينًا تحالفا كما لو اختلفا في جنس الثمن، وإن كان في الذمة فوجهان:
أحدهما: يتحالفان، قاله ابن الحداد واختاره القاضى أبو الطيب وابن الصباغ.
والثاني: لا، قاله الشيخ أبو حامد واختاره الإمام وصاحب "التهذيب".
ونظير المسألة اختلاف الزوجين في أنه أصدقها أباها أو أمها.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، وفيه أمور:
أحدها: أن الرافعي لم يذكر قسيم قوله: (ولم يختلفا في الثمن) وكان ينبغي أن يقول: فإن اختلفا كان حكمه كذا، ولا يغني عنه ما ذكره هو وغيره من أن الاختلاف في قدر الثمن يوجب التحالف، فإن الصورة المطلوبة أن يختلفا فيه مع الاختلاف في عين المبيع.
ولم يذكر الشيخ في "المهذب" و"التنبيه" هذا القيد.
[الأمر الثاني] 2: أن الأصح من الخلاف عدم التحالف، فقد نص عليه الشافعي في "البويطي" في باب السلم، فقال بعد أن ذكر التحالف في السلم ما نصه: فإن ادعى أحدهما أن البيع إنما كان بشيء وخالفه الآخر، مثل قوله: اسلفني درهمًا في كذا، وقال هذا: بل دينار، فالقول قول البائع مع يمينه.
ويفسخ السلم لأنهما لم يجتمعا على أصل واحد.
هذا لفظه بحروفه.
وصحح الرافعي في "الشرح الصغير" هنا التحالف، وعبر بالأظهر، وصححه أيضًا النووي في أصل "الروضة" في الباب الخامس من كتاب الصداق، فإنه صحح التحالف في المسألة المتقدمة، وهي ما إذا قال الزوج: أصدقتك أباك، فقالت: بل أمي.
وهذا الخلاف هو الخلاف في مسألتنا بعينه، صرح به الرافعي هناك، وكلامه أيضًا هنا يشعر به، لكنه لم يصرح بتصحيح، بل التصحيح من تصرف النووي.
الثالث: أن المنقول عن ابن الحداد إنما هو التحالف في مسألة الصداق، كما نقله عنه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما، ولم يتكلم في مسألة البيع، قال في "الكفاية": ومسألة الصداق المذكورة العوضان فيها معينان، فيصح فيها التحالف قطعا كما لو كان الثمن معينًا، وردد في "المطلب" فقال: إما أن يقطع فيها بالتحالف نظرًا لما ذكرناه، أو يقطع بعدمه نظرًا إلى أن الصداق عقد مستقل لكون النكاح لا يفسد بفساده، فلا تحالف جزمًا، فليست نظير مسألة البيع أصلًا حتى يكون قول ابن الحداد بالجواز في هذه يلزم منه الجواز في تلك.
الرابع: أن ما نقله عن الإمام أيضًا من المنع ليس في كلامه ما يقتضيه، بل كلامه يؤخذ منه الجواز، لأنه قال: إن الخلاف يلتفت إلى ما لو أقر بألف عن ضمان فقال: المقر له عن جهة أخرى.
والأصح في إقرار عبده اللزوم، ولم يتعرض لهذه المسألة في "المحرر" ولا في "المنهاج".
قوله: ولو ادعى صحة العقد والآخر فساده فوجهان: أصحهما عند صاحب "التهذيب": تصديق مدعي الفساد، وأصحهما عند الغزالي، وهو اختيار الشيخ أبى حامد وابن الصباغ: تصديق مدعي
الصحة، لأن الظاهر من العقود الجارية بين المسلمين صحتها.
وأيضًا فلو قال: هذا الذي بعتنيه حر الأصل.
وقال البائع: بل هو مملوك، فالقول قول البائع.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما اقتضاه كلامه من رجحان الثاني، قد صرح به في "المحرر"، وعبر بالأصح، وصححه أيضًا النووي وغيره.
ويستثنى من هذه القاعدة مسائل، منها: إذا باع ذراعًا من أرض وهما يعلمان ذرعانها، [فادعى البائع] 1 أنه أراد ذراعًا معينًا حتى لا يصح العقد، وادعى المشتري الشيوع حتى يصح ويكون كأنه باعه العشر مثلًا على تقدير أن يكون ذرعها عشرة، ففي المصدق منهما احتمالان ذكرهما الرافعي من غير ترجيح.
والأرجح منهما على ما قاله في "الروضة" من "زياداته": تصديق البائع فيفسد.
ومنها: لو اختلفا في أن الصلح وقع على الإنكار أو الاعتراف، فإن القول قول مدعي الإنكار حتى يفسد كما ستعرفه في كتاب الصلح فراجعه.
ومنها: لو قال السيد: كاتبتك وأنا مجنون أو محجور عليّ، [وقال] 2 العبد كنت في حال الكمال، وعرف للسيد جنون أو حجر كان هو المصدق.
كذا جزم به الرافعي في الكتابة في أثناء الحكم الثاني.
الأمر الثاني: أن استدلاله بما إذا اختلفا في أن المبيع حر أم رقيق؟ يقتضي الاتفاق عليه، لكنه قد ذكر بعد ذلك بنحو ورقة: أنه لو كان في
يده عصير فوجدناه خمرًا بعد البيع، فقال المشتري: كان عند الشراء خمرًا، وأنكر البائع، كان على الخلاف في مدعي الصحة والفساد.
قوله: ولو رد المسلم فيه على المسلم إليه بعيب، فقال المسلم إليه: [ليس] 1 هذا هو الذي قبضته مني، فالأصح أن القول قول المسلم لأن اشتغال ذمة المسلم إليه معلوم، والبراءة غير معلومة.
والوجهان جاريان في الثمن في الذمة.
ثم قال بعد ذلك: ولك أن تقول: الفارق بين الثمن والمسلم فيه ظاهر، فإن الاعتياض عن المسلم فيه غير جائز، وفي الثمن [لو رضي] 2 بالمقبوض لوقع عن الاستحقاق، وإن لم يكن من جنسه متى كانت له قيمة لأن الاستبدال عن الثمن جائز.
انتهى.
ولك أن تقول: الاستبدال لابد فيه من لفظ يدل عليه، إما بالصريح أو بالكناية كسائر العقود، فكيف يكتفي بمجرد الرضا؟
قوله: ولو اشترى طعامًا كيلًا وقبضه بالكيل، أو وزنًا وقبضه بالوزن أو أسلم فيه وقبضه، ثم جاء وادعي نقصانًا فيه، نظر: إن كان قدرًا يقع مثله في الكيل والوزن قبل، وإلا فقولان.... إلى آخره.
هذه المسألة سبق الكلام عليها في الكلام على حكم المبيع قبل القبض فلتراجع.
قوله: ولو باعه عصيرًا وسلمه إليه فوجده خمرًا، فقال البائع: تخمر في يدك، وأنكر المشتري، فأيهما يصدق؟ فيه قولان.
انتهى ملخصًا.
والأظهر: تصديق البائع، كذا صححه في "الروضة" من "زياداته"،
وفي "تصحيح التنبيه".
قوله: ولو قال المشتري: بعت العبد بشرط أنه كاتب، وأنكر البائع فوجهان:
أحدهما: أن القول قول البائع، كما لو اختلفا في العيب.
والثاني: أنهما يتحالفان، قاله في "التتمة" وهذا أصح.
انتهى كلامه.
والأصح ما قاله صاحب "التتمة"، كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: ويبدأ في التحالف بالبائع، وفي قول بالمشتري.
ثم قال: وتقديم أحد الجانبين مخصوص بما إذا باع عرضًا بثمن في الذمة.
فأما إذا تبادلا عرضًا بعرض، فلا يتجه إلا التسوية على ما ذكر الإمام، وينبغي أن يخرج ذلك على أن الثمن ما أدى.
انتهى كلامه.
وهذا التخريج ليس بلازم، قال في "المطلب": لأن مأخذ البداءة قوة جانب على جانب، كما ذكروه في تعليل الأقوال، وذلك مفقود هاهنا.
قوله: ظاهر نص الشافعي - رضي الله عنه - الاكتفاء بيمين واحدة من كل واحد من المتعاقدين يجمع فيها بين النفي والإثبات، فيقول البائع: ما بعته [بخمسمائة] 1، وإنما بعته بألف، ويقول المشتري: ما اشتريته بألف، وإنما اشتريته بخمسمائة.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على الإثبات بصيغة إنما، وهو المذكور أيضًا في "المحرر"، وهذه اللفظة لا حاجة إليها.
قوله: ولو عرض اليمين عليهما فنكلا جميعًا ففيه وجهان للإمام:
أحدهما: أن تناكلهما كتحالفهما.
والثاني: أنه يوقف الأمر، وكأنهما تركا الخصومة.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه المسألة قد صرح بها الماوردي في "الحاوي"، وجزم بالاحتمال الثاني وهو التوقف، ونقله الإمام في آخر كلامه عن بعض المتقدمين بعد أن ذكر أن أئمة المذهب لم يتعرضوا للمسألة، وصححه النووي في "الروضة" من زياداته، وخالف الغزالي في "البسيط" فقال: له حكم التحالف على [الظاهر] 1.
الأمر الثاني: أن تعبير الرافعي بقوله: فيه وجهان للإمام -يستفاد منه: أنهما احتمالان له، وأن الرافعي يرى أن احتمالات الإمام وجوهًا، وقد صرح بذلك في مواضع كثيرة.
ولما اختصر النووي في "الروضة" كلام الرافعي أطلق حكاية وجهين في المسألة، ولم يعزهما إلى الإمام كما عزاه الرافعي، ثم استدرك عليه فقال من "زياداته": هذان الوجهان ذكرهما الإمام احتمالين لنفسه، وإطلاقه أنهما وجهان، ثم استدراكه بأنهما احتمالان غريب.
قوله: ومن الذي يفسخه؟ فيه وجهان:
أحدهما: الحاكم، كالفسخ بالعنة لأنه فسخ مجتهد فيه.
وأظهرهما: أن للمتعاقدين أيضًا أن يفسخا، ولأحدهما أن ينفرد به كالفسخ بالعيب.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره في الفسخ بالعنة من تعين الحاكم فيه مناقض لما ذكره في كتاب النكاح، فإنه صحح جواز انفراد المرأة بالفسخ بعد ثبوتها بين يدي الحاكم، وسأذكر لفظه في موضعه.
وحذف التعليل من "الروضة" فسلم من الاختلاف.
الثاني: أن حكاية الخلاف في جواز الفسخ لأحدهما واضحة.
وأما بالنسبة إليهما معًا فسهو، لأن المتعاقدين يجوز لهما الفسخ بلا سبب، بلا خلاف، فما ظنك عند وقوع الاختلاف.
وقد صرح بالمسألة في الكلام على الإقالة، وهو في أثناء خيار النقض فقال: إنه يجوز لهما رفع العقد، بلفظ الفسخ، ولم يحك فيه خلافًا، ونقله هو في هذا الباب بعد هذا بقليل، وقال: إنه لا شك فيه، والموقع في هذا الوهم لمن وقع فيه أن بعض الأصحاب عبر بقوله: لأحدهما، وبعضهم عبر بقوله: لهما، وهو يريد ما أراده الأول -أي كل منهما على البدل- فجمع بينهما.
فتلخص أن الخلاف إنما هو بالنسبة إلى أحدهما خاصة.
الأمر الثالث: أن ما صححه من جواز الفسخ لأحدهما قد سبقه إلى تصحيحه الغزالي والجرجاني.
وأما الأول فصححه الأكثرون، منهم القاضي حسين والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والمتولي والروياني والشاشي في "الحلية" والهروي في "الإشراف" والغزالي في "الخلاصة" وابن أبي عصرون.
قوله: قال الإمام: وإذا قلنا: الحاكم هو الذي يفسخ فذاك إذا استمرا على النزاع، ولم يفسخا أو التمسا الفسخ.
أما إذا أعرضا عن الخصومة، ولم يتفقا على شيء ولا فسخا ففيه تردد.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكاية هذا التردد، وهو يقتضي أنهما لم يقفا في المسألة على نقل، وقد رأيت المسألة مصرحًا بها في تعليقة القاضي الحسين، وجزم بأنه ليس للقاضي أن يفسخ العقد بينهما.
قوله في أصل "الروضة": ثم إذا فسخ العقد ارتفع في الظاهر، وهل يرتفع في الباطن؟ فيه ثلاثة أوجه:
ثالثها: إن كان البائع صادقًا فنعم لتعذر وصوله إلى حقه، وإن كان كاذبًا فلا.
ثم قال: وقال الإمام: إن صدر الفسخ من المحق فالوجه تنفيذه باطنًا، وإن صدر من المبطل [فالوجه منعه باطنًا، وإن صدر منهما فلا شك في الانفساخ باطنًا، وليس ذلك موضع الخلاف ويكون ذلك كما لو تقايلا، وإذا صدر من المبطل] 1 ولم ينفذه باطنًا، فطريق الصادق إنشاء الفسخ إن أراد الملك فيما عاد إليه، وإن صدر من القاضي فالظاهر الانفساخ باطنًا لينتفع به المحق.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره صريح في أن القياس على الإقالة من كلام الإمام، وكذلك ما بعده أيضًا، وهو خلاف ما في الرافعي، فإنه قد صرح بنقله عن "الوسيط"، وعطف ما بعده عليه، وكذلك هو في "الوسيط".
الثاني: أن ما ذكره الغزالي من القياس على الإقالة، ونقله عنه الرافعي مرتضيًا له، وجزم بصحته النووي ليس بقياس صحيح، فإن كلًا من المتبايعين لو قال بعد صدور البيع: فسخت البيع، لم ينفسخ البيع، ولم يجعله إقالة اتفاقًا، سواء قال ذلك بحضرة صاحبه أو في غيبته.
وإنما تقع الإقالة، ويحصل الفسخ بها إذا صدرت بالإيجاب والقبول
بشرطهما المعتبر، وهو أن يكون الثاني جوابًا للأول، وأن يقع على الفور وأن لا يفصل بكلام، وقد يتلفظ كل منهما بذلك بدون شيء من هذه الشرائط.
قوله: وإذا انفسخ البيع بالتحالف، أو فسخ فعلى المشتري رد المبيع إن كان قائمًا، وقيمته إن كان تالفًا.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن إيجاب القيمة محله إذا كان المبيع متقومًا، فإن كان مثليًا فإنه يأتي فيه ما سبق في البيع الفاسد، والأصح فيه المثل كما سبق.
الأمر الثاني: أنه قد ذكر بعد ذلك أنه لا فرق في التلف بين الحسي والشرعي كالبيع والاعتاق وغيرهما.
إذا علمت ذلك فقد ذكر في "الروضة" من "زياداته" في الكلام على الإقالة، وهو في أثناء خيار النقض عن القفال في شرحه "للتلخيص": أنهما لو تقايلا ثم اختلفا في الثمن ففيه ثلاثة أوجه، سواء قلنا: الإقالة بيع أو فسخ:
أصحها: أن القول قول البائع.
والثاني: قول المشتري.
والثالث: يتحالفان، وتبطل الإقالة.
انتهى.
وقد تقدم الكلام على هذه المسألة هناك فراجعه.
قوله: وفي القيمة المعتبرة وجوه، وقال الإمام أقوال: أصحها: أن الاعتبار بقيمة يوم التلف.
انتهى.
وما رجحه هاهنا من كون الخلاف وجوهًا، قد جزم بخلافه في "المحرر" فقال: والاعتبار بقيمة يوم التلف على أصح الأقوال.
هذا لفظه.
وتبعه في "الروضة" و"المنهاج" على هذا الاختلاف.
قوله: وإن أجره بني على جواز بيع المستأجر، [إن منعناه فهو كما لو رهنه، وإلا فللبائع أخذه، وإن كان أجره للبائع فله أخذه لا محالة.
انتهى.
عبر في "الروضة" بقوله: قطعًا وهو بناء منهما على زعمهما أن البيع من البائع لا خلاف في صحته، وليس كذلك كما ستعرفه في الإجارة.
قوله: وإذا أخذ قيمة الآبق للحيلولة ثم عاد فأصح الوجهين: أنه يرده ويسترد القيمة: وأما المرهون فالأصح، القطع بأنه لا يرد، وقيل: على الوجهين، ثم قال: وأما المستأجر] 1 فإن منعنا بيعه فهل هو كالمرهون أم كالإباق؟ فيه احتمالان للإمام.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة"، وهو يدل على أنهما لم يظفرا بالمسألة، وقد صرح بها القاضي الحسين في "تعليقه" وألحقها بالآبق.
وأيضًا فإن الإمام نفسه قد رجح ذلك، فإنه بعد ذكره لهذا التردد قال: الأظهر أنه كالآبق.
قوله: ثم إذا انفسخ العقد ارتفع في الظاهر، وفي الباطن ثلاثة أوجه: ثالثها: إن كان البائع صادقًا ارتفع، وإلا فلا.
ثم قال: واعلم أن جميع ما ذكرناه مفرغ في قالب واحد، وهو أن يكون اختلافهما في قدر الثمن.... إلى آخره.
القالب بفتح اللام، ومراده بهذا الكلام، أن جميع ما تقدم من الخلاف يأتي حيث اختلفا في قدر الثمن، هذا ما ظهر لي من مراده، وإن كان مثل هذا الكلام لا يستعمل لإرادة هذا المعنى، لاسيما أن الكلام والمثال إنما هو في هذه الصورة، فلم نستفد منه شيئًا آخر.
قوله: ولو جرى العقد بين وكيلين ففي تحالفهما وجهان.
وجه المنع: أن فائدة اليمين الإقرار، وإقرار الوكيل لا يقبل.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه المسألة ذكرها الرافعي في الباب السادس من أبواب الصداق، واقتضى كلامه أن الأصح هو التحالف، فإنه ذكر فيما إذا اختلف الزوج وولي الصغيرة أو المجنونة، أن الأصح عند الأصحاب: هو التحالف.
ثم قال: وهذا الخلاف يجري في وكيل البائع ووكيل المشتري، وفي وكيل أحدهما مع الآخر، وفي المسألة كلام آخر نذكره في الدعاوي إن شاء الله تعالى.
الأمر الثاني: أن النووي قد ذكر من "زياداته" هنا: أنه ينبغي أن يكون الأصح هو التحالف.
قال: وفائدته الفسخ، أو إن نكل أحدهما فيحلف الآخر، ويقضي له إذا قلنا: حلفه مع النكول كالبينة، وما قاله من القضاء للآخر إذا حلف بعد نكول خصمه ليس كذلك فاعلمه، فإن الصحيح المذكور في الدعاوي: أن الحكم لا يتعدى إلى ثالث إذا جعلنا النكول، ورد اليمين كالبينة.
وما قاله هنا هو الوجه المرجوح في بابه حتى نقل -أعني الرافعي- في آخر الشركة اتفاق الأئمة على ضعفه.
قوله من "زوائده": ولو باع شيئا ومات، فظهر أن المبيع كان لابن الميت، فقال المشتري: باعه عليك أبوك في صغرك لحاجة، وصدقه الابن أن الأب باعه في صغره، لكن قال: لم يبعه عليّ بل باعه لنفسه متعديًا.
قال الغزالي في "الفتاوي": فالقول قول المشتري، لأن الأب نائب الشرع، فلا يفهم إلا لحجة.
انتهى كلامه.
هذه المسألة ذكرها الرافعي في أواخر باب الحجر وحكى فيها خلافًا، وصحح ما نقله هنا عن الغزالي، [وسيأتي] (1) في أصل "الروضة" هناك.
باب السلم
قوله: ذكروا في تفسير السلم عبارات متقاربة، منها: أنه عقد على موصوف في الذمة ببدل يعطي عاجلًا.... إلى آخره.
هذه العبارة قد اختارها النووي في "لغات التنبيه" فقال: إنها أحسن العبارات، ويرد عليها وما بعدها أمران:
أحدهما: ما إذا وقع بلفظ البيع أو بلفظ الشراء، ولم يقع بعده لفظ السلم، فإنه لا ينعقد سلمًا على الأصح، بل بيعًا كما ذكره هو بعد ذلك، وسنذكره واضحًا.
الثاني: أن إعطاءه عاجلًا شرط من شروط الصحة، وليس داخلًا في حقيقة السلم.
لا جرم لم يذكر هذه الزيادة في "المحرر"، بل قال: هو بيع موصوف في الذمة، لكن يرد على هذا التعبير ما إذا عقد بلفظ البيع، فإنه ليس بسلم على الصحيح، بل يكون بيعًا.
قوله: ويجوز أن يجعل رأس المال منفعة دار أو عبد مدة معلومة، ويسلمها بتسليم العين، انتهى كلامه.
هذه المسألة أسقطها النووي فلم يذكرها في "الروضة" هاهنا.
قال ابن الرفعة: وإنما قلنا: يحصل التسليم بالعين، لأنه لما تعذر القبض الحقيقي اكتفينا بهذه لأنه الممكن.
قلت: وفيه نظر لأن المعتبر في هذا الباب، إنما هو القبض الحقيقي، ولهذا لا تكفي الحوالة كما قاله الرافعي هاهنا، ولا الإبراء كما قاله في باب1