الدراهم.
هذا لفظ الرافعي، وحاصل ما حكاه من الأوجه على ما اقتضاه إيراده سته وهي في الحقيقة أربعة؛ فإن ما حكاه ابن أبي هريرة من جواز إخراج الدراهم إن كان المراد أنه لا يخرج معها عشر المثل فهو الوجه الأخير القائل بتعين الدراهم وإن كان المراد إخراجه معها فهو الثالث.
وأما ما نقله عن الكرخي فالظاهر أنه الأخير أيضًا.
وبالجملة فقد أحسن النووي في اختصاره للأوجه وإن أخطأ من وجه آخر.
قوله من "زيادته": لو قتل نعامة فأراد أن يعدل عن البدنة إلى بقرة أو سبع شياه لم يجزئه على الأصح.
ذكره في "البحر".
انتهى كلامه.
ولم يذكر عكس هذه الصورة في هذا الباب، وقد ذكره في أوائل باب الأضحية وأجاب فيه بمثل ما ذكره في هذه الصورة فقال: ويجوز أن ينحر الواحد البدنة أو البقرة عن سبع شياه لزمته شاتان مختلفة كالتمتع والقران والفوات ومباشرة محظورات الإحرام ونذر التصدق بشاة والتضحية بشاة، لكن في جزاء الصيد يراعى المماثلة ومشابهة الصور، فلا تجزئ البدنة عن سبع من الظباء، ولو وجب شاتان على رجلين في قتل صيدين لم يجز أن يذبحا عنهما بدنة.
انتهى كلامه.
ولقائل أن يقول: جزمه بجواز إخراج البدنة عن السبع من الغنم في غير جزاء الصيد مشكل لأنهن أفضل منها وكيف ينزل الواجب إلى شئ هو دونه في الفضيلة؟
واعلم أن هذا الكلام الذي ذكره في باب الأضحية يوهم جواز إخراج
البدنة عن الشاة في جزاء الصيد، وليس كذلك فاعلمه؛ فإنه قد نص على منعه في أوائل باب الدماء، وسيأتي أيضًا ذكره هناك.
قوله: فأما إذا اندمل الجرح وصار الصيد ويلزم به وجهان: أصحهما أنه يلزمه جزاء كل مثل.
والثاني: أرش ما نقص.. إلى آخره.
تابعه في "الروضة" على حكاية الخلاف وجهين مع أن المسألة فيها نصان للشافعي على وفق الوجهين.
ذكرهما بلفظهما صاحب "الاستقصاء"؛ فيكون الخلاف قولين.
وقد صرح بذلك الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" وخالف في "التنبيه" فجعلهما وجهين؛ فإنه عبر بقوله: وقيل: هذا التعبير هو عادته في حكاية الأوجه كما قاله النووي في "شرح المهذب".
قوله: وإذا أوجبنا بالأزمان جزاء كاملًا فلو كان للصيد امتناعان كالنعامة لها امتناع نسبة العدو وامتناع بالجناح فأبطل أحد امتناعيه ففيما يلزمه وجهان:
أحدهما: أن يتعدد الجزاء لتعدد الأمتاع.
وأصحهما أنه لا يتعدد.
وعلى هذا فما الذي يجب؟ قال الإمام: الغالب على الظن أنه يتعين ما نقص.... إلى آخره.
وهذا البحث الذي ذكره الإمام قد جزم به في "الشرح الصغير".
قوله: ولو جرح صيدًا فغاب ثم وجده ميتًا ولم يدر أنه مات بجراحه أو بسبب حادث فهل الواجب جزاء كامل أم ضمان الجرح فقط؟
فيه قولان.
انتهى.
والأصح هو الثاني.
كذا صححه النووي في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب".
قوله في "أصل الروضة": فرع: سبق أنه يحرم على المحرم أكل الصيد الذي ذبحه وكذا يحرم عليه أكل ما اصطاده له حلال أو بإعانته أو دلالته بلا خلاف.
فإن أكل منه فقولان: الجديد: لا جزاء والقديم: تلزمه القيمة بقدر ما أكل.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الخلاف فيما إذا صاده له ليس كذلك؛ فقد رأيت في الفروع التي عقلها ابن كج عن شيخه ابن القطان حكاية قولين فقال: وإن كان نوى بصيده المحرم فهل يجوز له أكله أم لا؟ على قولين.
هذه عبارته.
قوله: ولو رمى إلى صيد بعضه في الحل وبعضه في الحرم وجب الضمان أيضًا تغليبًا للحرمة والاعتبار بالقوائم ولا نظر إلى الرأس.
انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله، وحكى معه عن المعاناة للجرجاني وجهًا.
ثانيًا: أنه لا ضمان.
وثالثًا: أن العبرة بالأكثر.
ورابعًا: أنه إن كان خارجًا من الحرم إلى الحل ضمنه وإن كان عكسه فلا، والظاهر أن هذا التصوير إنما هو في القائم.
وقد تعرض صاحب "الاستقصاء" للنائم وقال: إن العبرة بمستقره.
قوله: ولو نفر صيدًا حرميًا قاصدًا أو غير قاصد فدخل الحل فقتله حلال فعلى المنفر أيضًا الضمان.
قاله في "التهذيب"، بخلاف ما لو قتله محرم يكون الجزاء عليه تقديمًا للمباشرة.
انتهى لم يبين الوقت الذي ينتهي به الضمان الواجب على المنفر، وقد بينه الفوراني في "العمد" فقال ما نصه: إذا نفر صيدًا محرم فخرج من الحرم فهو في ضمانه إلى أن يرجع سالمًا إلى الموضع الذي نفره منه أو يسكن موضعًا آخر مثل ذلك الموضع ويألفه زمانًا فيزول الضمان حينئذ.
هذا لفظ الفوراني.
واعلم أن تنفير الصيد الحرمي هو نظير المسك من الحرم؛ لأن كلًا منهما موجب الضمان، وقد تقدم الكلام على ذلك والوعد بذكر هذه المسألة.
قوله: فرع: لو دخل الكافر الحرم وقتل صيدًا وجب عليه الضمان كضمان الأموال، وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: يحتمل عندي أن لا يجب لأنه غير ملتزم حرمة الحرم.
انتهى.
والذي حكاه احتمالًا عن الشيخ هو وجه مصرح به.
كذا حكاه الجرجاني في "التحرير" ولم يرجح مقابله عليه، بل حكى وجهين من غير ترجيح.
قوله: فيحرم التعرض بالقطع والقلع لكل شجر رطب حرمي غير مؤذ فيخرج بقيد الرطب الشجر اليابس؛ فلا شئ في قطعه كما لو قد صير بصفين.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على الحكم بعدم الإيجاب في القطع
خاصة، وسكت عن حكم القلع مع تقدم ذكره، بل كلامه يوهم الإيجاب فيه حتى يكون نظير اليابس من الحشيش كما ستعرفه.
لكن صرح النووي في "نكت التنبيه" بأنه لا يجب في قلعه ولا في قطعه شئ، فاعلمه.
قوله في "أصل الروضة": ويخرج بقيد غير المؤذي العوسج وكل شجرة ذات شوك فإنها كالحيوان المؤذن فلا يتعلق بقطعها ضمان على الصحيح الذي قطع به الجمهور.
وفي وجه اختاره صاحب "التتمة" أنها مضمونة؛ لإطلاق الخبر ويخالف الحيوان فإنه يقصد بالأذية.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أنه قد وافق الرافعي هنا على أنه لا شئ فيه، وخالف في "شرح مسلم" فقال: الصحيح أنه يحرم ويجب الضمان بقطعه، وقال في "تصحيح التنبيه" وتحريزه: إنه المختار.
الأمر الثاني: أن استدلاله بإطلاق الخبر يقتضي أنه لم يستحضر دليلًا خاصًا بالمسألة، وهو غريب؛ ففي الصحيحين: "ولا يعضد شوكها"، وقد ذكر هو هذه الرواية في "شرح المهذب" وغيره.
قوله: ولو نقل شجرة من شجر الحرم إلى الحل فعليه الرد، وإن نقلها فيسبب فعليه الجزاء، سواء نقل إلى الحل أو الحرم.
ثم قال ما نصه: وإن ثبتت في الموضع المنقول إليه فلا جزاء عليه، ولو قلعها قالع لزمه الجزاء إبقاء لحرمة الحرم.
انتهى كلامه.
وليس فيه تصريح بالذي يعود إليه الضمير لزمه هل هو الأول أو الثاني؟ وقد أمعنت النظر في المسألة فلم أر في كلام الأكثرين تصريحًا بها.
وصرح الجرجاني في "الشافى" بأن الضمان على الأول فقال: ضمنها الناقل لوجود التعدي منه دون المتلف.
هذا لفظه.
وذكر الخوارزمي في "الكافي" نحوه فقال: وإن ثبتت لا جزاء عليه وتكون في ضمانه، فلو قطع يعود عليه الجزاء.
وصرح البندنيجي في "تعليقه" وسليم في "المجرد" والبغوي في "التهذيب" بوجوبه على الثاني، وزاد البندنيجي بمطالبة الأول أيضًا وشبهه بالمعصوب إذا أتلفه فتلف.
واقتصر ابن الرفعة على ما قاله البندنيجي وهو واضح متعين، وحمل مقالة سليم والبغوي عليه ممكن؛ فيتعين المصير إليه.
وينبغي فيما إذا ثبتت في الحل وتعذر ردها أن الناقل يطالب في الحال لأنه عرضها شرعًا للأيدي بوضعها في الحل فصار كالتعرض الحسي فيما إذا زال امتناع الصيد.
وقد جزم بما ذكرته الجرجاني في "التحرير".
قوله: وإذا قطع غصنًا من شجرة حرمية ولم يخلف فعليه ضمان النقصان، فإن أخلف في تلك السنة لكون الغصن لطيفًا كالسواك وغيره فلا ضمان.
وإذا وجب الضمان فلو نبت مكان المقطوع مثله ففي سقوط الضمان قولان كالقولين في سن البالغ.
انتهى.
وما ذكره من عدم الضمان في الغصن اللطيف إذا خلف ذكر مثله في "الروضة" أيضًا ولم يؤخذ منه الحكم بجواز الإقدام على قطعه؛ ولهذا اتفقوا على التحريم في الكبير مع الاختلاف في السقوط عند الاختلاف بل كلامه السابق يقتضي تحريم قطعه -أي: قطع الصغير، وليس كذلك؛
فقد جزم بالجواز في "شرح المهذب" في الكلام على جواز أخذ الأوراق.
قوله؛ ويجوز أخذ أوراق الأشجار لكنها لا تهشي جذارًا من أن تصيب لحاها.
انتهى.
والتعبير بالمشي واللحاء أخذه الرافعي من "التهذيب"؛ فأما الهش فهو الضبط قال تعالى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾.
واللحاء: بكسر اللام وبالحاء المهملة والمد: هو القشر.
قاله الجوهري.
إذا علمت مدلول كلامه فليس فيه بيان حكم الضبط هل هو حرام أو مكروه، وقد أوضحه النووي في سرح الحرم وقطع الأغصان الصغار بيده بحيث لا يتأذى نفسي الشجرة.
والموضع الذي قال لا يجوز أراد إذا خبط الشجرة حتى تساقط الورق وتكسرت الأغصان؛ لأن ذلك يضر الشجرة.
وهكذا ذكر هذا التأويل للنص والجمع بينهما الشيخ أبو حامد في "تعليقه" وأبو على البندنيجي والمحاملي في كتابيه "المجموع" و"التحريد" وآخرون، ونقله صاحب "البيان" عن الأصحاب.
انتهى كلامه.
والمتجه من جهة الحديث منعه مطلقًا؛ فقد روى مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها أن لا يهراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح ولا يضبط فيها شجر إلا لعلف" 1.
قوله: وأما الشجرة التامة فتضمن ببقرة إن كانت كبيرة وبشاة إن كانت دونها.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن البقرة والشاة هل يتوقف إيجابهما على قلع الشجرة أولًا، بل يجبان بالقطع ليس في كلامه تصريح بذلك، وقد عبر الشيخ في "التنبيه" بالقلع -أعني: باللام.
وتعبير الرافعي "بالتامة"، مشعر به، إلا أن يقال التامة للاحتراز عن الغصن.
الأمر الثاني: لم يصرح هو ولا النووي ولا ابن الرفعة بسن البقرة، ورأيت في "شرح المهذب" المسمى "بالاستقصاء" بيان ذلك؛ فقال: لا يشترط إجزاؤها في الأضحية بأن تكون لها سنتان بل يكفي فيها التبيع وهو ابن سنة.
وأما الشاة فصرح هنا بأنها لابد أن تكون في سن الأضحية، وهو يؤخذ من كلام الرافعي في موضع آخر، وكان سببه أن الشاة لم يوجبها الشرع إلا في هذا السن بخلاف بدليل التبيع في الثلاثين منها.
نعم إطلاق الرافعي في أول الباب الثاني في الدماء يقتضي اشتراط ذلك.
قوله في "أصل الروضة": أما غير الشجر وكلأ الحرم يحرم قطعه، فإن قلعه لزمه القيمة إن لم يخلف، فإن أخلف فلا قيمة قطعًا لأن الغالب هنا الإخلاف كسن الصبي.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من القطع بعدم إيجاب القيمة غريب لم يذكره الرافعي أيضًا فقد جزم القاضي أبو الطيب في "تعليقه" بأنه لا يسقط، والغريب أنه ادعى
أنه لا خلاف فيه أيضًا على عكس ما ادعاه في "الروضة".
قال: والفرق بينه وبين الغصن على أحد القولين: إن الحشيش لا يتخلف في العادة؛ فلو أسقطنا الضمان على قاطعه، بخلاف الغصن فابتعد بعود.
هذا لفظه، ونقله منه أيضًا النووي في "شرح المهذب"، وكذلك ابن الرفعة في "الكفاية".
قوله: ويجوز تسريح البهائم في حشيشه للرعي، وكذا قطعه لتعلقها به في أظهر الوجهين.
انتهى.
وإذا جوزنا القطع للعلف فأراد قطعه للبيع ممن يعلف فإنه لا يجوز ذلك كما قاله في "شرح المهذب"؛ فلتتفطن له فإنه مهم وكلامهم هنا موهم.
قوله: ويستثنى عن المنع الإذخر لحاجة السقوف كما ورد في الخبر.
انتهى.
ويستثنى أيضًا ما يتغذى به كالرجلة والنبات المسمى في الحجاز بالبقلة ونحو ذلك؛ فإنه يجوز أيضًا لأنهما في معنى الزرع.
قاله الطبري شارح "التنبيه".
قوله: ولو احتيج إلى شئ من نبات الحرم للدواء فهل يجوز قطعه؟ وجهان: أحدهما: لا لأنه ليس في الخبر إلا استثناء الإذخر.
وأصحهما: الجواز لأن هذه الحاجة أهم من الحاجة إلى الإذخر.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن حكاية الوجهين في: جواز القطع مشكل؛ للمعنى الذي ذكره ولما أشكل ذلك علىَّ تتبعت الحاكين لهذا الخلاف فوجدت الإمام في
"النهاية" قد حكاه عن "شرح التلخيص" للشيخ أبي على السنجي فقلده في ذلك من جاء بعده كالغزالي والرافعي والنووي، فراجعت "شرح التلخيص" فلم أجد الخلاف مذكورًا فيه على الوجه الذي نقله الإمام؛ فإنه نقل عن صاحب "التلخيص" جواز قطع الإذخر وما كان للدواء وما أنبته الآدميون.
ثم قال ما نصه: فأما الثلاثة التي استثناها فقال: الإذخر أن يقطع لأن في الخبر أن العباس قال: يا رسول الله إلا الإذخر.
فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إلا الإذخر فإنه لقيننا وبيوتنا" 1 فاستثنى ذلك لحاجتهم إليه في بيوتهم.
والثاني: قال: ما كان لدواء فله قطعه.
قلت: يحتمل إذا قطع أن تكون عليه القيمة؛ لأنه قطعه لحاجته فصار كما لو قتل الصيد للمجاعة.
واحتمل أن يكون الجواب على ما ذكر لأنه إنما أبيح له قطع الحشيش للقنو والبيوت وعلف الدواب للحاجة، وحاجته إلى الدواء أعظم من حاجته إلى علف الدابة، ولا تكون حاجته دون حاجة دابته؛ فلهذا قلنا: لا شئ عليه.
هذا لفظه بحروفه، ومن شرحه نقلته، وحاصله حكاية الخلاف في وجوب الجزاء وأن القطع جائز، وهو صحيح لا شك فيه، ولم يذكر الشيخ أبي على فيه غير ذلك، واحتمالات الأصحاب الوجوه وجوه، فلهذا جعلها الإمام وجهين.
الأمر الثاني: أن الخلاف المذكور في قطعه للدواء يجري فيما لو قطع للحاجة التي يقطع لها الإذخر كتسقيفه البيوت ونحوه.
كذا قاله الغزالي في "البسيط" و"الوسيط"، ومقتضاه رجحان الجواز، وقد تبعه عليه صاحب "الحاوي الصغير" فجوز القطع للحاجة مطلقًا ولم يخصه بالدواء، وقلَّ من تعرض لهذه المسألة.
الأمر الثالث: أن تعبيره بقوله: ولو احتج ظاهره أن الأخذ كذلك يتوقف على وجود السبب، ويتجه أن يقال: يجوز قطعه وتحصيله عنده ليستعمله عند وجود سببه لاسيما إذا كان غريبًا.
ولو أخذه ليبيعه لمن يحتاجه فهو كأخذ الحشيش كذلك، وقد تقدم.
قوله: فرع: يكره نقل تراب الحرم وأحجاره إلى سائر البقاع.
انتهى.
وما ذكره من الكراهة قد خالفه في "الروضة" هنا فقال من زياداته: الأصح أنه لا يجوز، وجزم به أيضًا في أواخر صفة الحج من "شرح المهذب" في الكلام على زيارة قبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: وكذلك حرم المدينة أيضًا.
وقال في آخر باب ما يجب بمحظورات الإحرام من الشرح المذكور: وقال المحاملي والشيخ في "المهذب": لا يجوز ذلك، وقال الكثيرون أو الأكثرون: يكره انتهى.
وقد نص الشافعي -رحمه الله- في "الأم" على المسألة فقال في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى المذكور بعد باب قطع العبد في باب الحج ما نصه: قال الشافعي: ولا يخرج من حجارة الحرم ولا ترابه شئ إلى الحل؛ لأن له حرمة ثبتت باين بها ما سواها، ولا أرى -والله أعلم- أن جائزًا لأحد أن يزيله من الموضع الذي باين به البلدان.
هذا لفظ الشافعي بحروفه ومن "الأم" نقلته فثبت أن الفتوى على التحريم.
قوله: أبو الفضل بن عبدان: ولا يجوز قطع شئ من ستر الكعبة ونقله
وبيعه وشراؤه خلاف ما يفعله العامة فيشترونه من بني شيبة.
انتهى.
وما نقله هنا عن ابن عبدان وارتضاه قد ذكر في آخر كتاب الوقف ما يخالفه فقال: وحصر المسجد إذا بليت، ونحاتة أخشابه إذا نخرت، وأستار الكعبة إذا لم يبق فيها جمال ولا منفعة في بيعها وجهان: أصحهما: نعم.
قالوا: ويصرف ثمنها في مصالح المسجد.
انتهى.
وقد استدرك في "الروضة" عليه هنا فقال: قال الحليمي أيضًا: لا ينبغي أن يؤخذ منها شئ، وقال صاحب "التلخيص": لا يجوز بيعها، وقال ابن الصلاح -بعد أن ذكر قول ابن عبدان والحليمي: الأمر فيها إلى الإمام يصرفها في بعض مصارف بيت المال بيعا وعطاء، واحتج بما رواه الأزرقي صاحب كتاب "مكة" أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيفرقها على الحاج، وهذا الذي اختاره الشيخ حسين متعين لئلا يتلف بالبلي، وبه قال ابن عباس وعائشة وأم سلمة -رضي الله عنهم- انتهى.
وذكر مثله في "شرح المهذب" في آخر كفارة الإحرام.
والذي قاله في الموضعين مخالف لما وافق عليه الرافعي في الوقف من وجهين:
أحدهما: فيما يفعل فيها.
والثاني: فيما يفعل في ثمنها.
واعلم أن الكسوة لها أحوال:
أحدها: أن توقف على الكعبة، وحكمها ما سبق الآن.
الثاني: أن يصدر من مالكها تمليكها للكعبة فلقيمها أن يفعل فيها ما يراه
من تعليقها عليها أو بيعها وصرف ثمنها إلى مصالحها.
والثالث: أن يوقف شئ على أن يؤخذ ريعه وتكسى به الكعبة كما قد وقع في عصرنا، فإن الإمام وقد وقف على ذلك بلادًا من إقليم مصر ثم فوض بعد ذلك النظر في بلد الأوقاف إلىّ فنظرت عليها مدة طويلة ثم تركتها اختيارًا للانقطاع وإيثارًا للنفع والانتفاع، وقد تلخص لي في هذه المسألة أنه إن شرط الواقف شيئًا من بيع أو إعطاء إلى أحد أو غير ذلك فلا كلام، وإن لم يشترط شيئًا نظر إن لم يقف الناظر تلك الكسوة فله بيعها بلا نزاع وصرف ثمنها في كسوة أخرى، وإن وقفها فسيأتي فيها ما سبق من الخلاف في البيع.
نعم: يبقى قسم آخر وهو الواقع اليوم في هذا الوقف وهو أن الواقف لم يشترط شيئًا من ذلك وشرط تجديدها كل سنة مع علمه؛ فإن بني شيبة كانوا يأخذونها كل سنة لما كانت تكسى من بيت المال فهل يجوز لهم أخذها الآن أو يباع ويصرف ثمنها إلى كسوة أخرى؟ فيه نظر، والمتجه الأول.
قوله: قال -يعني الغزالي- في "الوجيز": ويلتحق حرم المدينة بمكة في التحريم، وفي الضمان وجهان: أحدهما: لا إذ ورد فيه سلب نبات الصايل فهو جزاؤه.
انتهى لفظ الغزالي.
ثم قال في أثناء شرحه له: وإذا قلنا بالتحريم ففي ضمان صيدها ونباتها قولان: الجديد: أنه لا يضمن، والقديم الضمان.
وعلى هذا فما جزاؤه؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن جزاءه كجزاء حرم مكة.
وأظهرهما: أخذ السلب.
ثم قال بعد ذلك ما نصه: وقوله في الكتاب ففي الضمان وجهان اقتدى فيه بالإمام، والمشهور في المسألة قولان.
وقوله: إذ ورد فيه سلب نبات الصايل معناه: أن واجب هذه الجناية هو السلب الذي ورد في الخبر دون الجزاء؛ إذ لو وجب الجزاء لوقع الاكتفاء به كما في صيد مكة.
وعنى بالضمان الجزاء دون المشترك بينه وبين السلب، فاعرف ذلك.
انتهى لفظه بحروفه، وفيه أمران:
أحدهما: أن هذا التقرير الذي ذكره آخر الكلام الغزالي حيث قال: وقوله إذ ورد فيه.. إلى آخره مع الاعتراض الذي أورده عليه قبل ذلك وهو جعل الخلاف وجهين لا يتصور الجمع بينهما؛ فإن التقرير الذي ذكره آخرا يقتضي أن الغزالي أراد بالخلاف أنه هل يجب ما أوجبناه في مكة أم يجب السلب؟ وإذا كان الأمر كذلك كان الخلاف وجهين بلا شك كما قدمه.
وأما القولان القديم والجديد فإن بحملهما في أصل الوجوب كما تقدم فحمل ما حكاه الغزالي من الخلاف على أصل الوجوب حتى ورد عليه مناف لما ذكره بعد ذلك، والغريب أن الموضعين لا فاصل بينهما، والصواب ما ذكره آخرًا؛ فإن التعليل الذي ذكره الغزالي صريح فيه ولا يحتمل حمله على حكاية الخلاف في أصل وجوب الضمان؛ فعاود نظرك فيه.
وذكر في "الوسيط" نحوه أيضًا، غير أنه في الكتابين المذكورين لم يحك الخلاف في أصل الضمان ولا صرح به فكأنه تركه نسيانًا، وهذا هو الذي يوقع من لم يتأمل كلام الغزالي على حمله على أصل الضمان.
نعم حكى في "البسيط" الخلاف فيما يلزمه وجمع بينهما في "النهاية".
الأمر الثاني: أن استدلال الرافعي بالحديث وتصويره المسألة بالثياب يقتضي إجراء الخلاف في الكلام.
ولم يتعرض في "الروضة" لذلك فلزم خلوها عن هذه المسألة.
وحديث السلب رواه مسلم في صحيحه من حديث سعد.
قوله: وج الطائف واد بصحراء الطائف قال الشافعي - رضي الله عنه -: أكره صيده، وعن الشيخ أبي على حكاية تردد في أنه تحريم أو مجرد كراهة.
والصحيح عند عامة الأصحاب الأول.. إلى آخره.
اعلم أن حكم شجر وج كحكم صيده.
كذا صرح به النووي في "شرح المهذب" نقلًا عن الشافعي والأصحاب، وذكره الغزالي أيضًا في "الوجيز"، ولم يتعرض الرافعي -رحمه الله- لشرحه، وكأنه تركه نسيانًا، وبسبب ذلك أغفله النووي فلم يذكره في "الروضة".
ووج: بواو مفتوحة ثم جيم مشددة، قال في "تهذيب الأسماء واللغات" نقلًا عن الحازمي: وربما اشتبه هذا بوح بالحاء المهملة المشددة أيضًا اسم لناحية بعمان.
القسم الثالث من كتاب الحج في اللواحق وفيه بابان: الأول: في موانع الحج وهي ستة:
قوله: فإذا أحصر العدو المحرمين عن المضي في الحج كان لهم أن يتحللوا، والأولى أن لا يعجل التحلل إن وسع الوقت فربما يزول المنع فيتمون النسك، وإن كان ضيقًا فالأولى التعجيل كيلا يفوت الحج.
انتهى: فيه أمور:
أحدها: أنه لم يبين أن التحلل واجب أم لا.
وقد تقدم الكلام عليه مبسوطا في أعمال يوم النحر فراجعه.
الأمر الثاني: أن الإحصار المقتضى للتحلل شرطه أن يكون عن الأركان خاصة، فلو منع من الرمي والمبيت فإنه لا يجوز التحلل كما نقله في "شرح المهذب" عن الروياني وغيره؛ لأنه متمكن من التحلل بالطواف والحلق، ويقع حجه مجزئًا عن حجة الإسلام، ويجبر الرمي والمبيت بالدم.
الأمر الثالث: أنه إذا صابر الإحرام متوقعًا زوال حتى فاته الحج فإنه القضاء لا يجب على الأصح كما ستعرفه وحينئذ فقوله: لئلا يفوته الحج؛ أي: فإنه يلزمه القضاء على وجه.
الأمر الرابع: أن محل ما ذكره فيما إذا لم يتيقن انكشاف العدو فإن يتقن قال الماوردي: فينظر إن كان في الحج وتيقن انكشافهم في مدة يمكن إدراك الحج بعدها، أو في العمرة وتيقن انكشافهم عن قرب -وهو ثلاثة أيام- لم يجز التحلل.
قوله: إحداها: لو منعوا ولم يتمكنوا من المسير إلا ببذل قال: فلهم أن يتحللوا ولا يبذلوا المال وإن قلَّ؛ إذ لا يجب احتمال الظلم في أداء الحج، بل يكره البذل إن كان الطالبون كفارًا؛ لما فيه من الصغار.
انتهى كلامه.
وتقييد الكراهة بالكفار يقتضي أن المسلمين ليسوا كذلك، وقد تقدم عن الرافعي في أول كتاب الحج ما يخالفه، وتقدم ذكر لفظه هناك فراجعه.
قوله: وإن احتاجوا إلى قتال يسير نظر إن كان المانعون مسلمين فلهم التحلل ولا يلزمهم القتال وإن قدروا عليه؛ لما فيه من التغرير بالنفس، وإن كانوا كفارًا فقد حكم صاحب "الكتاب" بوجوب القتال إذا لم يزد عدد القتال على الضعف.
وهكذا حكى الإمام عن بعض المصنفين ولم يرتضه على هذا الإطلاق بل شرط فيه وجدانهم السلاح وأهبة القتال، وقال: إذا وجدوا الأهبة وقد قصدهم الكفار فلا قرار ولا سبيل إلى التحلل.
والأكثرون قالوا: لا يجب القتال على الحجيج مطلقًا.
نعم لو تقاتلوا لم يكن لهم الفرار بالشرط المتقدم.
انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله.
وما أوهمه كلام الإمام في نقله عن بعض المصنفين من المخالفة في اشتراط الأهبة عجيب لا يتصور أن يريده أحد، وكيف يتصور إيجاب المقاتلة بغير آلة؟ إلا أن المراد ببعض المصنفين هو الفوراني، وفي نفس الإمام منه ما في نفسه كما تقدم إيضاحه في أوائل الكتاب، وحبك الشئ يعمي ويصم.
قوله: فإذا أحاط العدو بهم من الجوانب كلها ففيه وجهان: أحدهما: ليس لهم التحلل لأنهم يستفيدون به أمنًا فصار من العدو الذي بين يديهم.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره في تعليل الصحيح يقتضي تقييد المسألة فإذا كان المانعون فرقًا متميزة لا تعضد كل واحدة الأخرى، فإن كان المانعون بجميع الجوانب فرقة واحدة لم يجز التحلل، فتفطن له.
الأمر الثاني: أن هذا الخلاف إنما يستقيم إذا اتسع الوقت، فإن ضاق بحيث يخشى الفوات تحللوا قطعًا ليستفيدوا به دفع القضاء على ما مر ومصابرة الإحرام إلى التحلل يعمل عمرة.
قوله: الثالثة: ليس للمحرم التحلل بعذر المرض خلافًا لأبي حنيفة، فإن شرطه فقولان: أظهرهما: صحة الشرط، وبه قال أحمد؛ لحديث ضباعة بنت الزبير وهو ما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لها: "أما تريدين الحج؟ " فقالت: أنا ساكنة.
فقال: "حجي واشترطي أن محلي حيث حبستنى" 1.
والثاني: المنع، وبه قال مالك وأبو حنيفة.
انتهى ملخصًا.
وضباعة: بضاد معجمة مضمومة ثم باء موحدة.
والزبير أبوها هو أحد أعمام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وحديثها هذا مذكور في الصحيحين.
والمراد بقوله: "محلي حيث حبستني" أي: مكان تحللي هو المكان الذي حبسني فيه المرض.
وهذا الذي نقله عن أبي حنيفة عجيب فإنه كيف يتصور الجواز بدون الشرط والمنع عند وجوده.
قوله: فنقول: إذا كان المحصر واجدًا للدم فيذبح وينوي التحلل عنده لأن الذبح قد يكون للتحلل وقد يكون لغيره فلابد من قصد صارف، وفي
وجوب الحلق خلاف مبني على أن الحلق نسك أم لا.
انتهى ملخصًا.
تابعه عليه في "الروضة".
وفيه أمران:
أحدهما: أن كلامه يوهم أنه لا يجب مقارنة النية للحلق إذا أوجبناه، والقياس وجوبه لما سبق، وقد جزم به ابن الرفعة نقلًا عن الأصحاب، ويتلخص منه أنه لابد من النية مرتين فاعلمه؛ ولهذا ذكر الرافعي بعد ذلك أنه إذا لم يجد الهدي يتحلل بالنية والحلق، وذكر نحوه في الكلام على تحليل العبد.
ويتجه أن يقال: إن لم يقدر على الهدي وجبت مقارنة النية للحلق؛ لما سبق، وإن قدر عليه فتكفي مقارنة النية له كما يكفى اقتران النية بأول الوضوء والصلاة وغيرها.
الأمر الثاني: أنه لابد من تقديم الذبح على الحلق كما صرح به الماوردي وغيره؛ ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ 1.
قوله: وإن لم يجد الهدي إما لإعسار أو غيره فهل له بدل؟ فيه قولان يأتي ذكرهما: أصحهما: نعم وهو الإطعام بقيمة الشاة فإن عجز فصوم التعديل.
فإن قلنا: إن دم الإحصار له بدل، فإن كان بطعم فيوقف التحلل عليه كتوقفه على الذبح، وإن كان يصوم فكذلك مع ترتيب الخلاف، ومنع التوقف هاهنا أولى لأن الصوم يفتقر إلى زمان طويل فتكون المشقة في الصبر على الإحرام أعظم أي: بخلاف الذبح.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" وتابعه عليه النووي في "الروضة"، وهو كلام غير مستقيم؛ لأنه حكى الخلاف في الصوم وجعله مرتبًا على الخلاف في الذبح ثم فرق، والخلاف في الذبح لم يتقدم له ذكر، بل جزم بتوقف
التحلل عليه فبقي مرتبًا على غير مذكور، وقد ذكره الغزالي في "الوجيز" على الصواب فإنه قال: وتحلل المحصر هل يقف على إراقة دم الإحصار؟ فيه قولان.
فإن كان معسرًا وقلنا: الصوم بدل ففي جواز توقفه قولان مرتبان وأولى بأن لا يتوقف، لأن الصوم طويل هذا لفظه، فلما شرحه الرافعي نسى القول الأول ثم إنه رتب عليه فلزم ما لزم.
قوله: الثانية: لا يشترط بعث دم الإحصار إلى الحرم بل يذبحه حيث أحصر؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحصر عام الحديبية فذبح بها وهى من الحل.
انتهى.
ذكر في "الروضة" نحوه.
وهو يشعر بأنه لو أراد أن يذبح في الحل أيضًا ولكن في موضع آخر غير الذي أحصر فيه فإنه لا يجوز له ذلك والأمر فيه كما أشعره كلامه فقد جزم به النووي في "شرح المهذب" نقلًا عن الدارمي وغيره.
وسببه أن موضع الإحصار قد صار في حقه كنفس الحرم، وهو نظير منع المتنفل إلى غير القبلة من التحول إلى جهة أخرى وحديث الذبح بالحديبية ثابت في الصحيحين من رواية ابن عمر 1.
قوله: فأما إذا كان مصدودًا عن البيت دون أطراف الحرم فهل له أن يذبح في الحل؟ ذكر فيه وجهان؛ والأصح أن له ذلك.
انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله.
ومحل هذا الخلاف ما إذا كان الحصر في الحل ولكن أمكنه الذبح في الحرم، فأما إذا كان الحصر في أطراف الحرم فلا يجوز الذبح في الحل بلا خلاف.
كذا ذكره في "شرح المهذب".
وكلام الرافعي يوهم خلافه.
قوله: ولو أذن السيد للعبد في الإحرام بالعمرة فأحرم بالحج فله تحليله،
قاله في "التهذيب" وظني أنه لا يسلم من الخلاف.
انتهى ملخصًا.
والأمر كما ظنه الرافعي؛ فقد حكى الدارمي في المسألتين وجهين وصحح أن له التحليل فيهما.
كذا رأيته في "الاستذكار" في باب حج الصبي يبلغ والعبد يعتق، ونقله عنه النووي في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب" قال: لكن الأصح الوجه الثالث المفصل كما قاله صاحب "التهذيب".
قوله: وكل دم يلزم بسبب ارتكاب المحظورات كالطيب واللباس وقتل الصيد والفوات فلا يجب على السيد بحال سواء أحرم بإذنه أو بغير إذنه.
وأما العبد فلا ملك له حتي يذبح لكن لو ملكه السيد فعلى القديم يملك ويلزمه إخراجه، وعلى الجديد لا يملك، وإذا لم يملك ففرضه الصوم وللسيد منعه منه في حال الرق إن كان إحرامه بغير إذنه، وكذا إن كان بإذنه في أصح الوجهين لأنه لم يأذن في موجبه.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما أطلقه من وجوب إخراج العبد عند تمليك السيد قد تابعه عليه في "الروضة"، ومحله إذا ملكه ليكفر أو ملكه مطلقًا ثم أذن له في التكفير به.
كذا صرح في الباب الثاني من كتاب "الأيمان"، وذكر نحوه في الظهار، فاعلمه.
الأمر الثاني: أن يمنع السيد من الصوم.
محله إذا كان الرقيق أمة لما فيه من تفويت الاستمتاع عليه والكفارة على التراخي، أو كان عبدًا يضعف به عن الخدمة أو يناله ضرر، وإلا فلا منع على الأصح.
كذا نبه عليه أيضًا في كتاب "الأيمان" ثم قال عقبه: وعلى هذا لا يمنعه من صوم التطوع وصلاة التطوع في مثل هذه الحالة في غير زمان الخدمة.
قوله: وإن قرن العبد أو تمتع بإذن سيده فهل يجب الدم على السيد؟
الجديد: لا يجب، وفي القديم قولان، بخلاف ما إذا أذن له في النكاح فإن السيد يكون ضامنًا للمهر على القديم قولًا واحدًا؛ لأن الدم له بدل وهو الصوم.
ثم قال: وإذا لم يوجب الدم على السيد فالواجب على السيد الصوم.
انتهى.
ولك أن تقول: إذا لم يجب على السيد فلم لا يجب في كسب العبد كما في الصداق وغيره؟ وقد أشار إليه الجرجاني في "التحرير".
قوله في "أصل الروضة": وإذا جاز للسيد التحليل جاز للعبد التحلل.
انتهى كلامه.
وذكر مثله في "شرح المهذب" أيضًا، وهو يوهم أن العبد يجوز له أن يتحلل وإن لم يأمره سيده.
وليس كذلك بل المراد إنما هو الجواز عند أمر السيد.
وقد صرح الرافعي بمثله في الزوجة، وهو نظير المسألة.
وذكر الرافعي أيضًا هنا تعليلًا يشير إلى المقصود فإنه قال عقب هذه العبارة الموهمة: لأن الحصر بغير حق يجوز له أن يتحلل؛ فالمحصر بحق أولى.
هذا لفظه.
فحذف النووي التعليل المذكور وأبقى هذه العبارة الموهمة بل الدالة على الجواز عند عدم الأمر، ثم إن التحلل يجب عند الأمر؛ فكان حقه أن يقول: وإذا أمر السيد بالتحليل وجب على العبد التحلل.
قوله: ولو أحرم المكاتب بغير إذن المولى فمنهم من جعل جواز تحليله
على قولين بناء على قولين في سفر التجارة.
وهل يمنعه السيد منه؟ ومنهم من قطع بجواز التحليل لأنه لا منفعة للسيد في سفر الحج.
انتهى كلامه.
لم يصحح في الروضة شيئًا من الطريقين، والأصح طريقة القطع بالجواز؛ فقد صححها البندنيجي والنووي في "شرح المهذب".
قوله: ولو نذر العبد الحج يأتي به في حال الرق فهل يجزئه؟ فيه وجهان.
انتهى ملخصًا.
والأصح أنه يجزئه.
كذا صححه النووي من "زيادات الروضة".
قوله: المستحب للمرأة أن لا تحرم دون إذن زوجها.
انتهى.
وما ذكره هاهنا من كون الإذن مستحبًا لا واجبًا قد ذكر في آخر هذا المانع ما يخالفه فقال ما نصه:
الثاني: الأمة المزوجة لا يجوز لها الإحرام إلا بإذن السيد والزوج جميعًا.
هذا لفظه، وهو صريح في وجوب استئذان الزوج.
وأما كون الزوجة حرة أو أمة فلا أثر له قطعًا بالنسبة إلى وجوب استئذان الزوج لاستوائهما في المقتضى وهو الزوجية.
ووقع الموضعان كذلك في "الروضة".
وذكر في "شرح المهذب" حكم الأمة كما ذكره في "الروضة" وادعى أنه لا خلاف فيه لكنه لم يصرح في الموضع المذكور أولًا بالجواز بل قال: ينبغي لها أن لا تفعل فليس فيه تناقض صريح، فالمنع من ذلك موافق لما
أفهمه كلام "الروضة" في النفقات من منع الشروع في الصوم فإنه قال: ولا تشرع فيه بغير إذن.
وظاهر هذه الصيغة التحريم، وبه صرح فيها أي: في الروضة في صوم التطوع نقلًا عن الأصحاب، لكن عبارة الشرحين "الكبير" و"الصغير": أنه لا ينبغي لها ذلك، وقد حذف في "الشرح الصغير" مسألة الأمة ومع ذلك اختلف كلامه؛ فإنه استدل على جواز تحليلها بأنه حج غير جائز، وعبر في "الكبير" بقوله: غير مشروع.
قوله: وهل للزوج منع المرأة من حج الفرض؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأنها عبادة مفروضة فأشبه الصوم والصلاة.
وأصحهما: نعم؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أيما امرأة لها زوج ولها مال ولا يأذن لها زوجها في الحج ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها" 1. ولأن الحج على التراخي وحق الزوج على الفور.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: ليس المراد من الصوم المقيس عليه هو الصوم المضيق؛ لأنه لا يكون نظير المسألة، بل الصوم المتسع لقضاء رمضان، والصحيح فيه أن له المنع منه على خلاف ما جزم به هاهنا.
كذا ذكره في كتاب النفقات.
الأمر الثاني: أن مقتضى التعليل المذكور امتناع تحليل الصغيرة إذا أحرمت بتطوع أو قضاء، وكذلك الكبيرة إذا سافرت مع الزوج فأحرمت بالفرض وقت إحرامه به.
وفيه نظر يتجه أن يكون محل الخلاف فيما إذا أحرمت من الميقات أو من مكة في الوقت المعتاد وهو يوم التروية، فإن أحرمت قبله كان له المنع جزمًا.
الأمر الثالث: أن التعبير بالفرض تدخل فيه مسائل:
إحداها: حجة الإسلام ولا إشكال فيها.
الثانية: المنذورة، وللنذر حالان:
أحدها: أن يتعلق بزمان بعينه فيتجه أن يقال: إن كان قبل النكاح فليسله المنع منه؛ لأن تعينه سابق على حقه، وإن كان بعده نظر إن أذن فيه الزوج فكذلك كما لو أحرمت بإذنه ثم أراد الرجوع، وإن كان بغير إذنه فله المنع.
وقد صرح الرافعي بنظير هذا التفصيل في نذر الصوم، ذكره في كتاب النفقات، وهناك ذكر ما يجوز مبسوطًا.
الحال الثاني: أن لا يتعلق بزمان بعينه فيتجه أيضًا أن يقال: إن كان قبل النكاح أو بعده ولكن بإذنه فهو على القولين في حجة الإسلام، وإن كان بعده وبغير إذنه فلا يتخرج على القولين لبعدها.
وقد أطلق الرافعي في نظير هذا من الصوم أن له المنع على الصحيح.
المسألة الثالثة: القضاء:
وفي جواز المنع منه وجهان صرح بهما المتولي والبغوي وغيرهما في الكلام على الجماع؛ قال المتولي: والوجهان ينبنيان على أن القضاء على الفور أم لا؟
فإن قلنا: نعم فلا منع، وإلا فيمنع، والمرجح الفورية فيكون المرجح عدم المنع، وهذا متجه إذا وطئها الزوج أو أجنبي ولكن قبل النكاح.
فإن وطئ الأجنبي بعده في نسك لم يأذن فيه الزوج فله في القضاء المنع أو التحليل كما في الأداء، وإن كان قد أذن ففي المنع نظر.
والقضاء إذا كان سببه الفوات يجب أيضًا على الفور على الصحيح.
ولا يخفى حكمة ما ذكرناه.
وقد ذكر النووي مسألة النذر والقضاء في "شرح المهذب" فقال: قال الدارمي والجرجاني في "التحرير": وحجه النذر كالإسلام، فإذا أحرمت بها بغير إذنه فله تحليلها في أصح القولين، وينبغي أن يكون القضاء كذلك.
هذا لفظه.
وعجب منه في هذا الكلام المخالف للمنقول والمعقول.
المسألة الرابعة: الإحرام لدخول مكة:
إذا فرعنا على وجوبه فقد تقدم أن مقتضى إطلاق الرافعي وغيره أنه لا فرق فيه بين المرأة المتزوجة وبين غيرها إذا كان سفرها بإذن الزوج؛ وحينئذ فإذا أحرمت لا يحللها، غير أن زوجها إذا كان بمكة مثلا فالمتجه أنه لا يجوز لها العدول عن العمرة إلى الحج؛ لطول زمانه.
فإن فعلت فالمتجه جواز التحليل لتقصيرها.
ولا قضاء لو دخلت بغير إحرام.
والحديث المذكور رواه الدارقطني والبيهقي.
قوله: وأما حجة التطوع فله منعها منها، وكذا له أن يحللها على الأصح كما له التحليل في صوم التطوع وصلاة التطوع.
انتهى.
وما ذكره من المنع في التطوعات محله في النفل المطلق، أما صوم عرفة وعاشوراء والسنن الراتبة للصلاة فليس له منعها في أصح الوجهين كما ذكره في كتاب النفقات، قال: وصوم الاثنين والخميس كالتطوع المطلق وله المنع من الخروج لصلاة العيدين والكسوف.
قوله: وحيث جوزنا للسيد التحلل فمعناه الأمر به، فإن أمرها فلم تفعل فللزوج أن يستمتع بها والإثم عليها.
كذا حكاه الإمام عن الصيدلاني ثم توقف فيه؛ لأن المحرمة محرمة لحق الله تعالى كالمرتدة.
انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله.
والذي قاله الصيدلاني هو المذهب كما قاله في "شرح المهذب".
قوله: ولم أجد حكاية الخلاف في منع الأبوين الولد في حج الفرض لغير الغزالي إلا للقاضي ابن كج.
انتهى.
وهذا الخلاف قد صرح به الفوراني من الإبانة والعمد، وأشار إليه القاضي حسين في "تعليقه" فقال: المذهب أنه لا منع, وصرح في كتاب السير بحكايته وجهًا، وقد سبق في أول الكتاب التنبيه على سبب ذلك.
قوله: وإذا حصل الفوات فله التحلل كما في الإحصار.
وبم يتحلل؟ قال في "المختصر" وغيره: يطوف ويسعى ويحلق، وقال في "الإملاء": يطوف ويحلق ولم يتعرض للسعي.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن المراد بالتحلل بما ذكره إنما هو التحلل الثاني، وأما الأول ففي "شرح المهذب" أنه يحصل بواحد من الحلق أو الطواف.
يعني مع السعي على ما فيه من الخلاف الآتي ذكره؛ لأنه لما فاته الوقوف سقط عنه حكم الرمي وصار كمن رمى.
الأمر الثاني: أنه ليس في كلامه هنا ما يدل على وجوب التحلل على الفور أم لا، وقد سبق الكلام عليه مبسوطًا في أعمال يوم النحر فراجعه.
قوله: واتفق الأصحاب على وجوب الحلق إذا جعلناه نسكا وعلى أن الطواف لابد منه, والسعي على طريقين: أشبههما أنه على
قولين: أصحهما: الوجوب.
والطريق الثاني: القطع بالوجوب.
انتهى ملخصًا.
تابعه في "الروضة" على تصحيح طريقة القولين ثم خالف في "شرح المهذب" فصحح طريقة القطع.
قوله: ثم من فاته الحج إن كان حجه فرضًا فهو في ذمته كما كان، وإن كان تطوعًا فعليه قضاؤه كما لو أفسده.
ثم قال: وفي وجوب الفور في القضاء الخلاف السابق في الإفساد.
انتهى.
ومقتضى كلامه أن الفرض في الفوات لا يكون قضاء وأنه يبقى في ذمته موسعًا كما كان.
وهذا بخلاف ما قاله في نظيره وهو الإفساد؛ فإنه صرح هناك بأن المفسد إذا أتى بالنسك يكون قضاء سواء كان فرضًا أم نفلًا.
فإن قيل: الفرق أن المفسد متعد فلهذا جعلنا الفرض فيه قضاء حتى يكون على الفور بخلاف الفوات.
قلنا: لا نسلم أن الفوات لا تعدي فيه؛ فإنه قد يترك الوقوف عمدًا حتى يفوت وقته.
ولو سلمنا أنه لا تعدي فيه فيكون من فاته النفل ليس متعديًا فيكون تداركه على التراخي.
وهو خلاف ما سبق نقله عنه.
لا جرم أن المذكور في "التنبيه" و"التعجيز" و"الحاوي" و"المنهاج" وغيرها من المختصرات إطلاق لفظ القضاء على المأتي به لأجل الفوات أيضًا.
قوله: الثالثة: لو أحصر فلم يتحلل بل صابر الإحرام متوقعًا زواله ففاته
الحج والإحصار دائم فلابد من التحلل بعد عمرة.
وفي القضاء طريقان: أظهرهما وهو المذكور في الكتاب طرد القولين.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على ذلك، وفيه أمران:
أحدهما: أنه يقتضي إيجاب التحلل بالعمرة وإن لم يكن متمكنًا من البيت وذلك بأن يبقى محرما إلى أن يتمكن وهو في غاية البعد والجرح.
والقياس جواز التحلل في هذه الحالة لأنه محصر، وستعرف من لفظه بعد هذا ما يدل عليه.
الأمر الثاني: أن ظاهر هذا الكلام يقتضي تصحيح عدم القضاء؛ لأنه الأصح من القولين السابقين، لكن ذكر -أعني- الرافعي بعد هذا بقليل ما يخالف ذلك فقال: ثم إن كان الإحصار قبل الوقوف وأقام على إحرامه حتى فاته الحج نظر إن زال الحصر وأمكنه التحلل بالطواف والسعي لزمه ذلك، وعلة القضاء والهدي الفوات.
وإن لم يزل الحصر تحلل بالهدي وعليه مع القضاء هديان: أحدهما للفوات، والثاني للتحلل.
انتهى كلامه.
وتفريعه في جواز التحلل بين زوال الحصر وعدمه لابد منه كما ذكرنا من قبل.
وأما إيجابه للقضاء مع دوام الإحصار إلى الفوات فمخالف بإطلاقه ظاهر ما تقدم فينبغي حمله على ما إذا صابر الإحرام غير متوقع للزوال.
قوله: وإذا أحصر بعد الوقوف فتحلل ثم زال الحصر فالقديم أنه يجوز البناء على ما مضى ويحرم إحرامًا ناقصًا ويأتى ببقية الأعمال.
ثم قال ما نصه: وعلى هذا فلو لم يبن مع الإمكان فعليه القضاء.
نقل الإمام فيه وجهين.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي قد اختصر هذا الكلام في "الروضة" بقوله: وجب القضاء، وقيل: فيه وجهان، فزاد طريقة قاطعة وصححها وسببه إيهام قول الرافعي فعليه.
ولا شك أن همزة الاستفهام هنا مقدرة، والأصل: أفعليه، ولكن حذفها جريًا على عادة الناس في تعبيرهم التعبير المتداول الذي لا ينكر، وكيف اختصره على هذا والموجود في نسخ الرافعي نقل بلا واو، ولم يتعرض للمسألة في "الشرح الصغير".
الأمر الثاني: أنه كيف يتأتى التردد في وجوب القضاء؛ لأن صورة المسألة فيما إذا كان الإحصار بعد الوقوف، والحصر المبيح للتحلل حينئذ لا يتأتى إلا بالنسبة إلى الطواف خاصة؛ لأن الحلق لا يختص بمكان ولا زمان والواجبات كالرمي والمبيت تنجبر بالدم فلذلك قالوا: لا يتحلل منها، ولا يأتي فيها القولان في أنه هل ينبني أم لا؟ كما قاله الرافعي في الكلام على الاستئجار للحج.
وإذا علم أن المراد بالحصر هنا إنما هو عن الطواف والطواف لا آخر لوقته وإذا لم يكن لوقته آخر لم يتصور فواته، وإذا لم يتصور الفوات لا يتصور الخلاف في وجوب القضاء.
فإن قيل: يتكلف ويفرض المسألة فيما إذا تعذر منه الطواف بالموت؟ قلنا: التفريع على جواز البناء؛ وحينئذ فيستأجر الورثة عنه من يقوم بهذا الذي فاته، ويبني فعله على فعله كما لو لم يكن محصرًا وأخر الطواف بلا عذر.
قوله: ثم إذا تحلل بالإحصار الواقع بعد الوقوف فلا قضاء عليه وبه قطع العراقيون.
وحكى صاحب "التقريب" في وجوب القضاء قولين وطردهما في كل صورة أتى فيها بعد الإحرام بنسك لتأكد الإحرام بذلك النسك.
انتهى ملخصًا.
وما حكاه الإمام عن "التقريب" من الاطراد المذكور حاصله جريان الخلاف فيما إذا أتى بطواف القدوم أو الرمي أو الحلق إذا جعلناه نسكا ونحو ذلك.
وهذا النقل غلط على "التقريب" ليس له ذكر فيه فإنه ذكر أن المحصر عن البيت يجوز له التحلل، وفي القضاء قولان.
ثم ذكر أن المحصر بعد الوقوف يجوز له التحلل.
ثم قال ما نصه: ثم يكون الجواب في الإعادة على القولين اللذين ذكرناهما:
أحدهما: لا إعادة عليه لأنه إنما حل بعذر الحصر.
والثاني: عليه الإعادة لأنه لما وصل إلى البيت خرج عن معنى الحصر.
هذا لفظه من غير زيادة عليه، ولم يذكر بعده ولا قبله غير هذا.
قوله: ولو صد عن عرفة ولم يصد عن مكة فيدخل إلى مكة ويتحلل بعمل عمرة كمن صد عن طريق وسلك غيره.
انتهى.
سكت -رحمه الله- عن عكسه؛ وهو ما إذا صد عن مكة ولم يصد عن عرفة، والحكم فيه أنه يجب عليه الوقوف ثم يتحلل.
كذا نقله في "شرح المهذب" عن الماوردي ولم ينقل غيره فاعلمه فإن الإطلاقات السابقة في الباب توهم جواز التحلل قبل الوقوف.
الباب [الرابع] في الدماء
وفيه فصلان:
الفصل الأول في أبدالها
قوله: وكل من لزمه شاة جاز له ذبح بدنة أو بقرة مكانها إلا في جزاء الصيد.
انتهى.
وفي المنع في جزاء الصيد نظر؛ فإن غايته أن يكون كإخراج الحيوان الكبير عن الصغير؛ إذ المماثلة ليست حقيقة.
لا جرم أن كلامه في الأضحية ظاهر في الجواز، وقد تقدم نقله في الكلام على الصيد على ما قاله من المنع؛ ففي إلحاق جزاء الشجر به نظر.
فقد يقال: يلحق به طلبًا للمماثلة أيضًا، وحينئذ فيكون مرادًا من لفظ الصيد، ويدل عليه أنهم لما ذكروا أن محرمات الإحرام تتبعه لم يفردوا الشجر بل أدخلوه في قسم الصيد، لكن الظاهر لفظًا ومعنى أنه لا يمتنع ذلك في جزاء الشجر؛ إذ المماثلة بين الحيوانات قريبة بخلاف الشجر مع الحيوان، ولأنها إذا أجزأت عن الشجرة الكبيرة فإجزاؤها عن الصغيرة أولى كالبعير في خمس من الإبل؛ ويدل عليه أنه إذا لزمه بقرة لأجل قلع الشجرة الكبيرة فإنه يجوز إخراج بدنة مكانها كما نقله الرافعي في موضعه عن الإمام وأقره وادعى الإمام أنه لا شك فيه.
قوله: وإذا ذبح بدنة أو بقرة مكان الشاة فهل الفرض سبعًا فقط حتى يجوز أكل الباقي أم الكل فرض؟ فيه وجهان.
انتهى.
وهذه المسألة قد سبق الكلام عليها وعلى نظائرها وعلى ما وقع فيها من قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في المطبوع (الثاني)
الاضطراب وعلى فوائد الخلاف في باب صفة الصلاة، فراجعه.
قوله: والدم المنوط بين المأمورات كالإحرام من الميقات والرمي والمبيت بمزدلفة ومنى وطواف الوداع فيه وجهان: أحدهما: أنه دم ترتيب وتعديل؛ فعلى هذا يلزمه ذبح شاة، فإن عجز قوم الشاة بدراهم واشترى بها طعامًا وتصدق به، فإن عجز صام ثلاثة أيام عن كل مد يومًا.
والثاني: أنه كدم التمتع في التقدير والترتيب؛ فعلى هذا يلزمه دم، فإن عجز صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد الرجوع.
والثاني أظهر في المذهب، ولم يورد العراقيون وكثير من سائر الطبقات غيره.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره من ترجيح الثاني قد ذكر مثله في "الشرح الصغير" و"التذنيب" فقال فيهما: إنه أظهر الوجهين، وخالف في "المحرر" فصحح الأول وعبر بالأصح، ووقع هذا الاختلاف أيضا بين "الروضة" و"المنهاج"، وقد اتضح أن الفتوى على خلاف ما في "المحرر" و"المنهاج" اعتمادًا على رأى الأكثرين.
الفصل الثاني في مكان إراقة الدماء وزمانها
قوله: وأما دم الفوات فهل يجوز إراقته في سنة الفوات؟ فيه قولان:
أحدهما -وهو نصه في الإملاء أنه يجوز كدم الإفساد يراق في الحجة الفاسدة.
وأصحهما أنه لا يجوز ويجب تأخيره إلى سنة القضاء؛ لظاهر خبر عمر.
فإن قلنا بالأول فوقت وجوبه سنة الفوات، وإن قلنا بالثاني ففي وقت الوجوب وجهان: أصحهما أن الوجوب منوط بالتحريم بالقضاء كما أن دم التمتع منوط بالتحريم.
ووجه التشبيه أن من فاته الحج يتحلل من نسك ويحرم بآخر كالمتمتع، إلا أن نسكى المتمتع في سنة واحدة والقضاء يقع في سنة أخرى.
ولما بينهما من الشبه نقول: لو ذبح قبل التحلل عن الفائت لم يجزئه في الأصح كما لو ذبح المتمتع قبل الفراغ من العمرة.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره أولًا من جعل الخلاف قولين قد ذكر مثله في "الروضة"، وجزم في المنهاج بجعله وجهين؛ فإنه عبر بالأصح، وقد صرح الشيخ في "المهذب" بذلك، وهو مقتضى كلام "التنبيه" فإنه عبر بقوله: وقيل، واصطلاحه أن ذلك للوجه.
وحكى النووي في "شرح المهذب" هنا خلافا من غير ترجيح في أنه قولان أو وجهان، وصحح في آخر باب ما يجب بمحظورات الإحرام أنه قولان.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من وجوب تأخيره إلى سنة القضاء قد تابعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" وهو غلط حصل من ذهول وسوء تعبير؛ فإن كلامه صريح في أن هذا الدم قد وجب بشيئين وهما الفوات والإحرام بالقضاء، وإذا وجب المال بشيئين جاز تقديمه على أحدهما، بل قد صرح في آخر كلامه الذي نقله عنه بأنه كالمتمتع؛ وحينئذ فيجوز ذبحه بعد التحلل من الحجة التي فاتت، وقيل: الإحرام بالقضاء في أصح الوجهين كما في نظيره من المتمتع، وقد صرح بذلك القاضي الحسين في التعليق وإمام الحرمين في النهاية؛ فخرجا الذبح قبل سنة القضاء وبعد تحلله على الوجهين في التمتع.
الأمر الثالث: أن الوجهين اللذين حكاهما في وقت الوجوب لم يبين الوجه الآخر وهر المقابل للأصح منهما، وكذلك فعل أيضًا في "الشرح الصغير" وتابعه النووي في "الروضة"، وكذلك في آخر باب ما يجب بمحظورات الإحرام من "شرح المهذب"، وبينه في هذا الباب من الشرح المذكور فقال: وفي وقت وجوبه وجهان حكاهما البندنيجي وغيره:
أحدهما: يجب في سنة الفوات وإن وجب تأخيره كما يجب فيها القضاء.
وأصحهما أن الوجوب في سنة القضاء.
هذا لفظه.
قوله من "زياداته": قال -يعني: صاحب "البحر"-: فإن فرق الطعام
فهل يتعين لكل مسكين مد كالكفارة أم لا؟
وجهان: الأصح: لا يتقيد، بل تجوز الزيادة على مد والنقص منه.
والثاني: لا يجوز أقل منه ولا أكثر.
انتهى كلامه.
واعلم أن محل هذا الخلاف إنما هو في دم التمتع ونحوه، أما الاستمتاعات كالطيب واللباس والمباشرة بشهوة والادهان والحلق والقلم؛ فإنه إذا اختار فيها الإطعام وجب ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع كما ذكره قبل ذلك على خلاف فيه غير هذا، وكلام النووي هنا في هذا الباب يوهم خلاف إيهاما كبيرًا؛ فإنه قد ذكر قبل هذا بأسطر أنواع الأشياء التي تجب فيها الدماء، ثم ذكر أنه إذا أطعم بدلًا من الدم وجب تخصيصه بمساكين الحرم.
ثم ذكر هذا الفرع، فراجعه.
قوله: والدم الواجب على المحرم يجب تخصيصه لحمه بمساكين الحرم.
انتهى.
والتقييد باللحم تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهي زيادة موهمة مضرة؛ فإن الجلد كذلك بلا شك.
قوله: يختص ذبحه بالحرم في أصح القولين.
ثم قال: وفي القديم قول أن ما أنشئ سببه في الحل يجوز ذبحه وتفريقه في الحل كدم الإحصار.
ثم قال أيضًا بعد ذلك بأسطر: وذكر الإمام أن صاحب "التقريب" حكى وجهًا أن ما لزم بسبب مباح لا يختص ذبحه ولا تفرقة لحمه بمكان، وأن شيخه حكى وجهًا أنه لو حلق قبل الانتهاء إلى الحرم ذبح وفرق حيث حلق، وهما ضعيفان.
انتهى كلامه.
وهو يوهم أن الوجهين مغايران للقول المحكي أولًا عن القديم.
وليس كذلك فإن القديم قائل بالجواز في كل ما أنشئ سببه في الحل ومن جملته
الحلق فلا يكون الثاني من الوجهين مغايران للقول، وإنما يكون كذلك أن لو كان هذا القائل يقول بانتفاء ذلك عن ما عدا الحلق، وليس في كلامه ما يدل عليه بل غايته التمثيل فقط، ولا يصح أيضًا التخصيص من جهة المعنى؛ إذ لا فرق بين الحلق وبين غيره كالقلم، وقيل: الصيد، ونحوهما.
قوله من "زياداته": قال القاضي الحسين في "الفتاوى": لو لم يجد في الحرم مسكينا لم يجب نقل الدم إلى موضع آخر سواء جوزنا نقل الزكاة أم لا؛ لأنه وجب لمساكين الحرم كمن نذر التصدق على فقراء بلد فلم يجدهم يصبر إلى أن يجدهم ولا يجوز نقلها.
ويخالف الزكاة على قول؛ لأنه ليس فيها نص صريح بتخصيص البلد بها.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن القاضي من الصبر في البلد قد جزم في نظيره من الوصية أنه لا يصبر بل تبطل الوصية.
ذكر ذلك قبيل المسائل الحسابية، وذكر نحوه الرافعي في الباب الثاني من قسم الصدقات وحذفه من "الروضة"، وسأذكر لفظه في موضعه فراجعه وقد رأيت المسألة -أعني: فقدان المساكين من الحرم في "فتاوى القفال" وأجاب بما ذكره القاضي الحسين من امتناع النقل ومن قياسها على النذر ومن التفرقة بينها وبين الزكاة، كما ذكره تلميذه القاضي المذكور إلا أنه تردد فيما يفعل بالمنذور بين النقلين المتقدمين فقال: فإما أن يبطل وإما أن يصبر حتى يجد القصر.
هذه عبارته، وزاد فيه فائدة أخرى وهي: أنه لو نذر لأصناف فقدم
بعضها جاز النقل كنظيره من الزكاة.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن القاضي صريح في حكاية قولين في نقل الزكاة عند فقدان الأصناف.
وهو غلط لا ذكر له في كلام القاضي ولا في كلام غيره؛ فإن الذي في "فتاويه" بعد ذكر جوابه بعدم النقل ما نصه: قيل له على القول الذي يقول لا يجوز نقل الصدقة فإذا عدم المستحق له النقل كذا هاهنا، أجاب: ليس في الكتاب ولا في السنة أن الصدقة يجب صرفها إلى أهل ناحية بعينها؛ فلهذا جاز النقل، وهذا منصوص على أنه مصروف إلى فقراء الحرم.
هذا لفظه.
فعبر عنه النووي بعبارة أفسدت المعنى فاعلمه.
قوله: والهدايا التي يسقها المحرم هل يختص ذبحها بوقت الأضحية؟ فيه وجهان: أظهرهما وهو ما أورده الغزالي والعراقيون أنها تختص كالأضحية.
ثم قال بعد ذلك: إن سوق الهدي مستحب لكل من قصد مكة بحج أو عمرة.... إلى آخر ما قاله.
تابعه عليه في "الروضة"، وفيه أمران.
أحدهما: أن هذا الكلام كالصريح، وأن ما يسوقه المعتمر يختص أيضًا بوقت الأضحية على الصحيح.
ولا يمكن القول بذلك؛ فإنا لا نشك أنه -عليه الصلاة والسلام- لما أحرم بالعمرة عام الحديبية وساق الهدي إنما قصد به ذبحه عقب تحلله وأنه لا يتركه بمكة حيًا ويرجع إلى المدينة، وقد أشار الرافعي قبل هذا بقليل إلى ما يعضد ما ذكرناه، فإنه قال في دماء الجبرانات: إن الأفضل للحاج ذبحها
بمنى وللمعتمر ذبحها بالمروة.
ثم قال: وكذا حكم ما يسوقانه من الهدي.
الأمر الثاني: أن الهدي كما يطلق على ما يسوقه المحرم يطلق أيضًا على ما يلزمه من دماء الجبرانات.
وهذا الثاني لا يختص بوقت الأضحية كما سبق في أعمال يوم النحر مبسوطًا، وسبق أيضًا هناك الرد على النووي في توهمه اختلاف كلام الرافعي، فراجعه.
قوله: ويستحب أن يشعر الهدي.
ثم قال: والإشعار: الإعلام.
والمراد هاهنا أن يضرب صفحة سنامها اليمنى بحديدة وهي مستقبلة القبلة فيدميها ويلطخها بدمها ليعلم من رآها أنها هدي فلا يستجيز التعرض لها.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على إطلاق استحباب الإشعار في الصفحة اليمنى، ويستثنى من ذلك ما إذا أهدى بدنتين أو بقرتين مقرونتين في حبل واحد؛ فإنه يستحب إشعار الأخرى في الصفحة اليسرى لأنها هي التي تشاهد.
كذا قاله الروياني في "البحر"، ونقله عنه في "الروضة"، ثم قال: وفيه احتمال.
قوله: وإذا عطب الواجب في الطريق فعليه ذبحه، وإذا ذبحه غمس النصل الذي قلده به في دمه وضرب بها صفحة سنامه وتركه ليعلم من يمر به أنه هدي ليأكل منه.
وهل تتوقف الإباحة على أن يقول: أبحته لمن يأكل منه؟ قولان:
أصحهما عند صاحب "التهذيب" أنه لا حاجة إليه؛ لأنه بالنذر زال ملكه.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: لم يذكر -رحمه الله- هو ولا النووي تعليل القول الثاني وذكرا تعليل الأول مع وضوحه فنقول: إنما احتيج التفرقة وتخصيصها بمن أراد.
ثانيها: أن كلام الرافعي يوهم أنه يكفي وجود الإباحة في نفس الأمر وإن لم يسمع الآكل حتى تكون فائدته دفع الضمان.
وليس كذلك؛ بل القولان في أن الإباحة هل تتوقف على سماعه أم لا؟
وفي كلام الرافعي في الباب الذي بعد هذا في الكلام على المعاطاة ما يدل عليه لمن تأمله.
ثالثها: أن له إباحة الأكل لا يسوغ الحمل ولا التصرف فكيف اقتصروا هنا عليه مع أن الواجب في أمثال هذا تمليك الفقراء إياه ليتصرفوا فيه بما شاؤوا؟ !
ورابعها: أن الأصح في هذه المسألة هو ما صححه البغوي كذا صححه النووي في أصل "الروضة" و"شرح المهذب".
قوله: ولا يجوز للمهدي ولا لأغنياء الرفقة الأكل منه، وفي فقرائها وجهان:
أصحهما أنه لا يجوز أيضًا لما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال فيه: "لا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك" 1. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا الاستدلال ضعيف لا حجة فيه؛ لأنه لم يرد النهي عن أكل الرفقة مطلقًا حتى نقول: إنه يعم الأغنياء والفقراء، بل إنما ورد النهي