وقوله في موضع آخر تبع فيه الغزالي: وليس هو شرطًا فلو نبتت في موضعها كان كذلك، ثم إن مسألة الشعرة قل أن توجد في غير "الوسيط" بخلاف مسألة الأذن فإنها مشهورة بالوجهين، لكن أنكر إمام الحرمين تصورها في العادة ولا امتناع في ذلك، وقد نبه عليه في "الروضة".
قوله: ولو قال لزوجته: أنا منك طالق ونوى إيقاع الطلاق عليها طلقت، وإن لم ينو إيقاعه عليها فالصحيح وبه أجاب الجمهور: أنها لا تطلق، وقيل: تطلق، فعلى هذا لابد من نية أصل الطلاق؛ لأن اللفظ كناية لكونه أضيف إلى غير محله، وعلى الأول فمتى نوى إيقاعه عليها كان ناويًا أصل الطلاق، ولو جرد اللفظ إلى تطليق نفسه، ولم يقتصر على نية أصل الطلاق لم يقع طلاقه، وقيل: على الوجهين.
انتهى كلامه.
واعلم أن هذا العمل جميعه ينتظم بدون تقييد المسألة بقوله منك، وحينئذ فلا يكون ذلك شرطًا في المسألة على خلاف ما يوهمه كلام الرافعي و"الروضة" ولأجل ما ذكرناه حذف الدارمي في "الاستذكار" هذا القيد وحينئذ فإذا كانت له زوجة واحدة وقصد طلاقه منها فلا كلام، وإن كانت له زوجات وقصد طلاق واحدة منهن وقع على واحدة وتعين.
الركن الخامس: الولاية على المحل
قوله: وإن علق بفعلها فإن لم يكن لها منه بد كالنوم والقيام والقعود والأكل والشرب والطهارة ففار.
انتهى.
قال في "الروضة": وهذا في الأكل الذي تحتاج إليه فإن أكلت متلذذة أكلًا يضرها فليس بفار قاله الإمام.
انتهى كلامه.
وقد ذكر الإمام أقسامًا أخرى أهمل النووي التصريح ببعضها فقال: أما الضرورة فلا يرعاها، وإذا أكلت أكلًا عدمه يضرها فليست مختارة، وإن تلذذت بالطعام وهو يضرها فيجعلها كالمختارة، وإن تلذذت والأكل ينفعها فيجوز أن يلحق بجنس الطعام فإن الفصل بين هذه المراتب عسر
ويجوز أن تجعل كالمختارة، والذي أراه التعويل في هذا على ظنها وإن كان في نفس الأمر خلاف ذلك فإن ظنت أن ذلك لا يضر فليست مختارة وإن ظنت أنه يضر فهى مختارة.
قوله: ولو فسخ النكاح بعينها أولًا عنها، وكان القذف في المرض فليس بفار على الصحيح.
انتهى.
وما ذكره من تخصيص الخلاف فيما إذا كان القذف في المرض ليس كذلك، بل نقل ابن الرفعة فيما إذا كان القذف في الصحة أيضًا وجهين وفيما إذا كان في المرض ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كان هناك ولد أو لم يكن، ولكن طلبت فلا إرث، وإن لم تطلب ولا نسب فترث، وحكى الماوردي في اللعان أوجهًا، ثالثها: إن كان القذف في الصحة لم ترث وإلا ورثت.
قوله في "الروضة": قلت: المبتوتة إنما ترث المبتوتة زوجها على القديم ثم إذا أنشأ بتحرير طلاق لزوجته الوارثة بغير رضاها في مرض مخوف واتصل به الموت ومات بسببه في ذلك المرض.
انتهى.
وتقييده بالإنشاء يرد عليه ما ذكره قبل ذلك أنه إذا علق طلاقها بشئ لابد لها منه كالأكل والشرب ففعلت فإنه يكون فارًا.
مع أنه ليس بتنجيز.
وقوله: زوجته الوارثة بغير رضاها لابد فيه من زيادة قيد العلم وإلا يخرج عنه من طلق زوجته الأمة بعد عتقها وقبل علمه فإنه لا يكون فارًا مع صدق الحد عليه، وكذلك طلاق الذمية قبل العلم بإسلامها بعد إسلامها كطلاق الأمة بعد عتقها.
قوله: ولو أبان المسلمة في المرض فارتدت وعادت إلى الإسلام في العدة ورثت؛ لأنها بصفة الوارثين يوم الطلاق ويوم الموت وكذا لو عادت بعد انقضاء العدة إن قلنا: إن المبتوتة ترث بعد انقضاء العدة.
انتهى كلامه.
وهذا الذي جزم به من كونها ترث تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو خلاف ما نص عليه الشافعي في "الأم" فإنه قال في باب طلاق المريض تفريعًا على أن الفار يورث منه ما نصه: ولو طلقها ثلاثًا وهو مريض ثم ارتدت عن الإسلام ثم عادت إليه، ثم مات ولم يصح لم [ترثه] 1 لأنها أخرجت نفسها من الميراث.
هذا لفظه، فجزم بأنها لا ترث وإن عادت قبل الموت وبينه وبين كلام الرافعي تباين فاحش.
قوله: ولو طلق الأمة في المرض وعتقت واختلفا فقالت: طلقني بعد العتق فأرث وقال الوارث: بل قبله فلا إرث فالقول قول الوارث بيمينه لأن الأصل بقاء الرق.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصل بقاء الزوجية كما أن الأصل بقاء الرق، وحينئذ فيتعارض أصلان، وقد نقله الدارمي في "الاستذكار" عن ابن المرزبان بأن المرأة تحلف وعلى الورثة البينة.
الثاني: أنه لم يتعرض لهما إذا اختلفا في تقدم الإسلام وتأخره عن الطلاق، وقد ذكرها الدارمي أيضًا وقال: إن المرأه تحلف، وحكى عن الربيع قولًا آخر أن القول قول الورثة.
قوله: ولو أقر في المرض بأنه أبانها في الصحة فلا يجعل فارًا ويصدق في ما يقوله [وتحسب] 2 العدة يومئذ، وفيه وجه للتهمة.
انتهى.
وتعبيره بيومئذ تبعه عليه في "الروضة" والمراد به يوم الحكم بالوقوع لا يوم الإقرار كذا صرح به الرافعي في [أوائل] 3 باب تعليق الطلاق في الكلام على ما إذا قال: أنت طالق أمس فتفطن له فإن المسألة قل من نقلها في بابها.
الباب الثالث في تعدد الطلاق
قوله: روى أن ركانة بن عبد يزيد أتى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: إني طلقت امرأتي سهيمة البتة والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "آلله ما أردت إلا واحدة؟ " [فقال: والله ما أردت إلا واحدة] 1 فردها إليه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 2. انتهى.
ورُكانة براء مهملة مضمومة وبالنون بعد الألف وهو مأخوذ من الوقار بمعنى السكينة، يقال منه: ركن بالضم ركانة فهو ركين، وهذا الحديث رواه الشافعي وأبو داود والدارقطني، وقال أبو داوود: إنه حديث صحيح إلا أنهم إنما رووه بواو القسم مع لفظ الله في المرات الثلاث.
نعم رواه البيهقي بتكراره مرتين فقط بلا واو ولفظه: "فأتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبره فقال: "ما نويت بذلك؟ " فقال واحدة، قال: "آلله؟ " فقال: آلله، قال: "فهو ما أردت" 3.
وقد ذكر الرافعي الحديث في كتاب الأيمان عاريًا عن الواو.
قوله: ولو قال: أنت طالق واحدة بالنصب ونوى طلقتين أو ثلاثًا ففيه وجوه: أصحها عند الغزالي: وقوع واحدة؛ لأن الملفوظ مناقض للمنوى والنية وحدها لا تعمل.
وأصحها عند صاحب "التهذيب" وغيره: وقوع المنوي ويكون المراد بقوله واحدة أنك تتوحدين مني بالعدد الذي أوقعته.
والثالث: ويحكى عن اختيار القفال أنه إن بسط نية الثلاث على جميع اللفظ لم تقع الثلاث، وإن نوى الثلاث بقوله: أنت طالق وقع الثلاث ولغى ذكر الواحدة.
انتهى ملخصًا.
ذكر في "الشرح الصغير" نحوه أيضًا وحاصله رجحان وقوع المنوى، وصرح بتصحيحه في "الروضة" وكلامه في "المحرر" يشعر برجحان وقوع الواحدة، فإنه قال: فيه وجهان رجح منهما الثاني يعني الواحدة وصرح النووي في "المنهاج" بتصحيحه فوقع في صريح التناقض.
قوله: ولو قال أنت طالق واحدة بالرفع فهذا إتباع الصفة للصفة وهو على ما ذكر في "النهاية" مبني على ما إذا قال: أنت واحدة بخلاف الطلاق ونوى الثلاث وفيه وجهان:
أصحهما: وقوع ما نواه حملًا للتوحيد على التوحيد والتفرد عن الزوج.
والثاني: المنع لأن السابق إلى الفهم من قوله: أنت واحدة أنك طالق بواحدة ولفظ الواحدة ينافي الثلاث.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن مقتضى التعليل المذكور للوجهين أنه لا فرق في واحدة بين الرفع والنصب والجر والسكون، ويكون التقدير في الجر أنت ذات واحدة أو متصفة بواحدة أو يكون المتكلم لاحنًا واللحن لا يمنع الحكم
عندنا.
الأمر الثاني: أنه ليس المراد من الصفة والإيقاع في كلام الرافعي هو المعنى المعروف عند النحاة، وإنما المراد ذكر الخبر بعد الخبر؛ لأن الخبر في المعنى صفة وكل شيء أتى عقب شيء كان تابعًا له.
واعلم أن ما نقله الرافعي عن الإمام فقط، قد جزم به في "الشرح الصغير" وكذلك النووي في "الروضة".
قوله: ولو قال أنت طالق عدد التراب قال الإمام: تقع واحدة، وقال البغوي: عندي تقع الثلاث كما لو قال عدد أنواع التراب.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكاية الخلاف من غير ترجيح ولا شك أن المسألة متوفقة على أن التراب جمع أم لا؟ وفيها خلاف مشهور قد حكاه النووي في "تهذيب الأسماء" وفي غيره، ونقل عن المبرد أنه جمع واحده ترابة ومنه قول الشاعر 1:
ثم قالوا تحبها قلت بهرًا... عدد الرمل والحصا والتراب
وبهرًا بباء موحدة مفتوحة ثم هاء ساكنة أي عجبًا قاله الجوهري.
فعلى هذا يقع الثلاث، ونقل عن الجمهور أنه اسم جنس فعلى هذا يتجه وقوع واحدة وهو قريب مما إذا قال: أنت طالق بعدد شعر إبليس والمرجح كما قاله النووي في باب الشك في الطلاق وقوع واحدة.
قوله: ولو قال: أنت طالق إن لم أو أنت طالق إن، قال إسماعيل البوشنجي: ينظر إن قصد الاستثناء أو التعليق فلم يتمه فلا أرى أن يقع طلاقه ويصدق إذا فسر به للقرينة الظاهرة، وإن لم يقصد الاستثناء ولا التعليق وقع، لأنه لو أتى بالاستثناء بلا نية لم ينفع فهاهنا أولى.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: ما ذكره نقلًا عن البوشنجي وأقره من عدم وقوع الطلاق عند قصد الاستثناء أو التعليق قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" لكنهما ذكرا في أوائل الشرط في الطلاق ما حاصله وقوع الطلاق إلا إذا كان معه قرينة أخرى بأن قام إلى شخص وسد ومنعه من الكلام، وستعرف لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
الأمر الثاني: أنه سكت عما إذا تعذر مراجعته بموت أو غيره والقياس فيه عدم وقوع الطلاق؛ لأن الصيغة بوضعها للتعليق وكانت مرجحة لإرادته بل لو استوى الأمران لترجح أيضًا عدم الوقوع مراعاة للأصل.
واعلم أن الرافعي قد ذكر هذه المسألة أيضًا في أوائل القضاء في الكلام على المفتي والمستفتي في ضمن حكاية ولم يذكر لها جوابًا وسأشير إليها في موضعها إن شاء الله تعالى.
قوله: ولو قال لمدخول بها [أنت طالق] 1 أنت طالق أي بالتكرار فإن قصد التأكيد قبل ولم يقع إلا واحدة وإن قصد الاستئناف وقع طلقتان، وكذا إن أطلق في أظهر القولين، ولو كرر طالقًا فقط فقال: أنت طالق طالق فقال القاضي حسين: يقع عند الإطلاق طلقة قطعًا، وقال الجمهور: لا فرق بين اللفظين.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الجمهور من أنه لا فرق بين الأمرين حتى يقع عليه طلقتان عند الإطلاق قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أنه قد خالف ذلك في باب تعديد الطلاق في آخر النوع الثاني من الطرف الثالث فجزم بأنه لا يقع عند تكرار طالق فقط إلا واحدة.
الثاني: أن محله ما إذا أتى باللفظ المكرر وهو طالق مرفوعًا سواء ذكر بعده شيئًا آخر كقوله مثلًا: أنت طالق طالق فاخرجي أم لم يذكره، وإن كان لحنًا، لكونه وقفًا على متحرك، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه قد ذكر في باب تعليق الطلاق قبيل الفصل الثالث المعقود للحمل والولادة فرعًا حاصله ما ذكرناه فقال: إذا قال: أنت طالق طالقًا أى بالنصب قال أبو عاصم العبادي: لا يقع في الحال شيء لكنه إذا طلقها وقع طلقتان والتقدير إذا صرت مطلقة فأنت طالق وهذا في المدخول بها هذا كلامه، وهو واضح وإن كان فيه شيء آخر يأتي ذكره في موضعه، فإذا تقرر أن المنصوب لا يقع به إلا واحدة وجب حمل الساكن عليه لاحتمال أن يكون عن نصب وأن يكون على رفع فنأخذ بالمتيقن.
واعلم أنه لا فرق في ما ذكره الرافعي هناك بين أن يكون المنصوب هو الأول أو الثاني.
نعم إن نصبهما معًا أو جرهما أو جر أحدهما مع نصب الأخر أو رفعه فالقياس في الجميع إلحاقه بالساكن أيضًا فتأمله.
قوله: قال لها قبل الدخول: أنت طالق وطالق أو فطالق، أو أنت طالق أنت طالق وقعت واحدة؛ لأنها تبين بالأولى، وحكى وجه وقول قديم أنه كما لو قال ذلك لمدخول بها لأنه كلام واحد فأشبه قوله لها: أنت طالق ثلاثًا، والمذهب الأول؛ لأن قوله ثلاثًا بيان للأول بخلاف هذه الألفاظ.
انتهى.
وما جزم به هاهنا من وقوع الثلاث باللفظ الأول والثلاث مبينة له قد تقدم في أول الباب ما يوافقه فقال: لو أراد أن يقول لها: أنت طالق ثلاثًا فماتت بعد تمام قوله: أنت طالق وقبل قوله ثلاثًا فهل تقع الثلاث أم واحدة أم لا يقع شيء؟ ثلاثة أوجه قال البغوي أصحها: الأول: وهو اختيار المزني.
وقال البوشنجي: الذي تقتضيه الفتوى أنه إن نوى الثلاث بقوله: أنت طالق فكان قصده أن تحققه باللفظ وقع الثلاث وإلا فواحدة، وهكذا ذكر المتولى في تعبيره عن الوجه الأول.
انتهى.
ثم صحح بعد ذلك ما يخالف الموضعين معًا فقال بعد الموضع الأول بنحو ورقة: ولو قال: أنت طالق ثلاثًا، فالصحيح وقوع ثلاث عند فراغه من قوله ثلاثًا وقيل: نتبين بالفراغ وقوع الثلاث بقوله: أنت طالق هذا كلامه.
قوله في المسألة: قال الإمام: وقياس من قال: تقع طلقة إذا أراد أن يقول: أنت طالق ثلاثًا فماتت المرأة قبل قوله ثلاثًا أن تقع هنا طلقة بقوله أنت طالق وتتم الثلاث بقوله ثلاثًا لكنه ضعيف، لأنه لا خلاف أنه لو قال لغير المدخول بها أنت طالق ثلاثًا وقع الثلاث، وذلك يدل على أنها لا تقع مرتبة.
انتهى كلامه.
وهذا الاستدلال تبعه عليه في "الروضة" وهو ذهول فقد سبق في ما إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق أنه تقع طلقتان في وجه للأصحاب وقول الشافعي وعللوه بأنه كلام واحد وهذا بعينه موجود في مسألتنا بل أولى.
قوله: قال لمدخول بها إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق أو قال: أنت طالق فطالق فطالق إن دخلت فدخلت وقع الثلاث.
انتهى.
وما ذكره في القسم الثاني وهو تأخير الشرط قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو يقتضي عود الشرط إلى الجمل المتقدمة عليه وصرح به أيضًا في باب تعليق الطلاق قبيل الفصل الثالث المعقود للتعليق بالحمل والولادة.
إذا علمت ذلك فقد ذكر في بابنا هذا، وهو تعدد الطلاق بعد الوضع الأول بنحو ورقة ما يخالفه فقال: ولو قال للمدخول بها: أنت طالق
واحدة بل ثلاثًا إن دخلت، فوجهان أصحهما وبه قال ابن الحداد: تقع واحدة بقوله: أنت طالق، وتتعلق طلقتان بدخول الدار.
والثاني: تتعلق الثلاث بالدخول، هذا كلامه، والأصحاب لم يفصلوا في حروف العطف بين بل وبين غيرها.
نعم للإمام طريقة في ثم وحدها سبق إيضاحها في الوقف.
قوله في غير المدخول بها: ولو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق فوجهان: أحدهما: لا تقع إلا واحدة كما لو قال في التخيير: أنت طالق وطالق وطالق لا تقع إلا واحدة.
وأقر بهما: وقوع الطلاق وإن قدم الجزاء فقال: أنت طالق وطالق وطالق إن دخلت الدار فطريقان أحدهما أنه على الوجهين المذكورين فيما لو أخر الجزاء.
والثاني: وهو الذي أورده في "التهذيب" القطع بوقوع الثلاث، لأنها جميعًا تعلقت بالدخول وفيما إذا تقدم الشرط أمكن أن يقال: إن المعلق بالدخول الطلقة الأولى وحدها والأخريان معطوفتان.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه مخالف لما ذكره في الاستثناء فإنه [قال: ] 1 لو قال: أنت طالق واحدة وثلاثًا إن شاء الله رجع الاستثناء إلى الأخيرة وتقع الواحدة، وقياسه هنا أن تقع واحدة منجزة فيما إذا قدم أنت طالق ولم يقولوا به هاهنا.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من التعليل المذكور أن يمشي في هذه الصورة فلا يمشي في قوله: أنت طالق وأنت طالق إن دخلت الدار.
قوله: ولو كرر فقال: إن دخلت الدار فأنت طالق إن دخلت الدار فأنت
طالق إن دخلت الدار فأنت طالق، إن قصد التأكيد لم يقع بالدخول إلا طلقة وإن قصد الاستئناف وقع الثلاث، وإن أطلق ففي "التتمة" أنه يحمل على التأكيد إذا لم يقع فصل أو وقع ولكن اتحد المجلس، وإن اختلف فيحمل على التأكيد أو الاستئناف؟ فيه وجهان وإذا حمل على التأكيد فتقع عند الدخول طلقة أو طلقتان؟ فيه وجهان بناء على ما إذا حنث بفعل واحد في يمينين تلزمه الكفارة أو كفارتان؟ انتهى كلامه.
وفيه غلط من وجهين تابعه عليهما في "الروضة": أحدهما: ما ذكره آخرًا من أن الوجهين في ما يقع عند الدخول هل هو طلقة أو طلقتان مفرعان على قولنا بالتأكيد، بل الصواب تفريعهما على قولنا بالاستئناف، فإن المجزوم به في المذهب، وقد ذكره هو -أعني الرافعي- في باب الإيلاء أن الإيمان إذا تكررت فإن حكمنا باتحادها وجبت كفارة واحدة، وإن حكمنا بالتعدد كما إذا قصد الاستئناف فقولان: أظهرهما عند الجمهور: كفارة واحدة أيضًا فتفطن له واستحضره، وقد ذكره أيضًا في "التتمة" هنا على الصواب، فقال: إذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق طالق، إن دخلت الدار فأنت طالق، موصولًا بالكلمة فإن أراد بالثانية يمينًا أخرى لزمه أو التأكيد قبل، وإن أطلق حمل على التوكيد وكذا لو فصل بين الكلمتين واتحد المجلس فإن للمجلس تأثيرًا في ضم الكلام بعضه إلى بعض وتكرير اليمين معتاد، وإن اختلف المجلس فوجهان أحدهما: يحمل إطلاقه على التأكيد والثاني: يجعل يمينًا أخرى وكل موضع قلنا بتعدد اليمين، فهل يقع بالدخول طلقة أو طلقتان؟ فيه وجهان مبنيان على ما لو حنث بفعل واحد في يمينين هذا كلام المتولى، وقد حكى الرافعي في باب الإيلاء وجهًا أنه لا تقبل إرادة التأكيد إذا طال الفصل، قال: ويجئ مثله في تكرير تعليق الطلاق وقد وقع هذا الموضع في بعض نسخ الرافعي على الصواب.
الأمر الثاني: في تعبيره بقوله طلقة أو طلقتان، وصوابه أن يقول أو ثلاث لأنه فرض الكلام مع التعليق ثلاث مرات، وسبب غلطه في هذا أن المتولى فرضه في التعليق مرتين فلما صور هو المسألة في الثلاثة ثم انتهى إلى ما حكاه عن "التتمة" حكاه عنه على ما وجده فيها وهو التعليق مرتين، وغفل عن ما فرضه هو من التصوير فلزم الخطأ في التعبير.
الأمر الثالث: أنه إذا حصل الفصل كيف يستقيم حمله على التأكيد؟ سيما إذا تعدد المجلس وقد تقرر أن الفصل اليسير لا يفتقر في ألفاظ التأكيد واعلم أن في كلام الرافعي أيضًا إشكالًا من وجهين آخرين:
أحدهما: في تفرقته بين تعدد يمين الطلاق ويمين الكفارة فيقال له: لم جزمت في يمين الطلاق بتعدده عند إرادة الاستئناف وصححت في الأيمان والحالة هذه اتحاد الكفارة مع أن التعليق المذكور أيضًا يمين؟ ولهذا قالوا اليمين إما حنث أو منع أو تصديق.
ثانيهما: إذا حملنا الإطلاق على الاستئناف فقد سوى بينهما في الأيمان ولم يسو بينهما هاهنا، فإنه جزم بالتعدد عند الاستئناف، وحكى خلافًا في التعدد عند حمل الإطلاق عليه، هذا مع أن المتولى قد سوى بينهما في الكلام الذي نقله عنه فراجعه، ومن العجب إهمال الرافعي له مع نقله لبعض كلامه.
قوله: ولو قال لغير المدخول بها: أنت طالق خمسًا، أو قال: إحدى عشر وقع الثلاث، ولو قال لها: واحدة ومائة لم تقع إلا واحدة، ولو قال: إحدى وعشرين فهل تقع الثلاث أم واحدة؟ وجهان لترددهما بين الصورتين.
انتهى.
والأصح كما قاله في "الروضة" أنه تقع واحدة لأنه معطوف كقوله: واحدة ومائة.
قال: وبخلاف إحدى عشرة فإنه مركب فهو بمعني المفرد، والمسألة مشبهة بالإقرار والأصح فيه أن إحدى وعشرين درهمًا ونحوها كخمسة وعشرين تلحق بإحدى عشر حتي يكون الكل دراهم لا بألف وثوب ونحو ذلك كثوب وألف، وذلك لأن المعلوم أن الطلاق جنس واحد فلا حاجة إلى الجمع في الإيقاع بخلاف الإقرار فإنا محتاجون فيه إلى التفسير فجعلنا تفسير المعطوف تفسيرًا للمعطوف عليه.
قوله: ولو قال: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث فقيل ثلاث، وصححه صاحب "التهذيب"، وقيل طلقتان، وقيل طلقة.
انتهى.
هذه المسائل لها نظائر اختلف فيها كلامهم، وقد سبق الكلام عليها واضحًا في باب الضمان فراجعه.
قوله: ثم فيه صور أخرى إحداها: لو زاد في الأجزاء فقال أنت طالق ثلاثة أنصاف طلقة أو أربعة أثلاث طلقة وقع طلقتان على الأصح، وقيل طلقة وقيل ثلاث طلقات حكاه الحناطي -وعلى هذا القياس قوله خمسة أرباع طلقة أو نصف وثلثي طلقة.
انتهى.
وهذا الخلاف في ما إذا زادت الأجزاء على طلقة ولم تجاوز طلقتين فإن جاوزت كقوله خمسة أنصاف وأشباهه كان الخلاف في أنه تقع طلقة أو ثلاث؟ كذا ذكره الإمام وغيره وذكره أيضًا النووي من زوائده وهو واضح.
قوله: ولو قال أنت طالق نصفي طلقة أو ربعي طلقة [أو ثلثي طلقة] 1 لم تقع إلا واحدة إلا أن يزيد نصفًا من طلقة ونصفًا من أخرى، وأشار في "الوسيط" إلى خلاف فقال: الصحيح أنه تقع طلقة والكتب ساكتة عن حكاية الخلاف، لكنه جار على قياس ما نقله الحناطي في المسألة السابقة.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه المسألة ليست نظير تلك فإن الطلقة الواحدة يستحيل أن تكون لها ثلاثة أنصاف فكان ذلك قرينة على إرادة نصف من كل طلقة بخلاف ما يجيء فيه.
الأمر الثاني: أن النووي قد ذكر في "الروضة" أن هذا الوجه منقول عن شرح "المفتاح".
قوله: ولو قال أنت طالق نصف طلقة [في نصف طلقة] 1 فطلقة واحدة سواء أراد الطرف أو الحساب أو المعية، أو لم يقصد شيئًا.
انتهى.
والقياس وقوع طلقتين فيما إذا قصد المعية لأن التقدير أن طالق نصف طلقة مع نصف طلقة، وهو لو صرح بهذا كان كما لو قال نصف طلقة ونصف طلقة.
قوله: ولو لم يدخل الواو فيها فقال أنت طالق ثلث طلقة ربع طلقة سدس طلقة لم تقع إلا واحدة، لأنه إذا لم يدخل الواو تصير كالجملة الواحدة، ثم قال ما نصه: ولهذا لو قال أنت طالق طالق لم تقع إلا واحدة، ولو قال أنت طالق وطالق وقعت طلقتان.
انتهى كلامه.
وهذا الاستشهاد الذي ذكره وهو وقوع الطلقة الواحدة عند التكرار بدون الواو هو وجه ضعيف والصحيح التعدد كذا صرح به قبل ذلك في أوائل الفصل الثاني فقال ولو قال أنت طالق أنت طالق وقصد التأكيد فواحدة، وإن قصد الاستئناف فطلقتان، وكذا إن أطلق في أصح القولين، ثم قال وإن قال أنت طالق طالق فعن القاضي الحسين القطع بأنه لا تقع عند الإطلاق إلا طلقة بخلاف قوله أنت طالق، أنت طالق والجمهور أنه لا فرق بين اللفظين.
هذا كلامه.
قوله: وفي "فتاوي القفال" أنه لو قال: طلقتك واحدة أو اثنتين على سبيل الإنشاء فيختار ما شاء من واحدة أو اثنتين كما لو قال أعتقت هذا أو هذين.
انتهى.
وما ذكره من التخيير ذكر نحوه أيضًا في أوائل تعليق الطلاق قبيل الكلام على التعليق بالتطليق ونفيه فقال لو قال: أنت طالق غدًا أو عبدي حر بعد غد، قال البوشنجي: يؤمر بالتعيين فإذا عين الطلاق أو العتق تعين في اليوم الذي ذكره، وذكر قريبًا منه في آخر تعليق الطلاق عن البوشنجي أيضًا فقال: لو قال: إن دخلت الدار فعبدي حر أو كلمت فلانًا فأنت طالق سألناه لنتبين أي اليمينين أراد.
انتهى.
والحاصل أنه يجوز أن يأتي بصيغة تقتضي التخيير في المنجز والمعلق سواء كان المعلق من نوع واحدًا أو من نوعين وإن أتى أيضًا بما يقتضي التخيير بين تعليقين مستقلين مختلفي الشرط.
إذا علمت ذلك فقد ذكر في أوائل تعليق الطلاق في الكلام على التعليق على الأوقات أنه إذا قال: أنت طالق اليوم أو غدًا، فقيل يقع في الحال تغليبًا للإيقاع والصحيح أنه لا يقع إلا في الغد لأنه اليقين، قال ومثله إذا قال: غدًا أو بعد غد أو قال: إذا جاء الغد أو بعد الغد.
انتهى.
والصواب وهو قياس ما سبق أن يتخير أيضًا في هذه المسألة، وذكر أيضًا ما يوافق هذا الموضع في آخر الباب الأول من أبواب الطلاق وهو المعقود للأركان فقال: ولو قال أنت طالق للسنة أو للبدعة لا تطلق حتى ينتقل من الحالة التي هي فيها إلى الحالة الأخرى، لأن اليقين حينئذ كما لو قال: أنت طالق اليوم أو غدًا لا تطلق حتي يجيء الغد هذا كلامه.
قوله: فرع: قال: أنت طالق عشرًا فقالت: يكفيني ثلاث فقال: البواقي لضرتك فلا يقع على الضرة شيء، لأن الزيادة على الثلاث لغو ولو قالت: يكفيني واحدة فقال: البواقي لضرتك وقع عليها ثلاث وعلى الضرة طلقتان إذا نوى ذكره البغوي.
انتهى.
وهذا الذي ذكره هنا عن البغوي وأقره قد نقل عن صاحبه وهو المتولى في الباب الذي قبله قبيل الفصل الثاني ما يخالفه وأقره عليه أيضًا وقد سبق ذكر لفظه هناك.
الباب الرابع في الاستثناء
قوله: وسكتة التنفس والعى لا تمنع الاتصال، ثم قال: ولذلك لا ينقطع الاتصال بين الإيجاب والقبول بالكلام اليسير على الأصح.
انتهى.
وهذه المسألة -أعني الفصل بين الإيجاب والقبول بالكلام اليسير- ذكرها الرافعي في مواضع واختلف كلامه فيها وقد أوضحت ذلك كله في أوائل النكاح فراجعه.
قوله في "الروضة": وهل يشترط قرن نية الاستثناء بأول اللفظ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا بل لو بدا له الاستثناء بعد تمام المستثنى منه فاستثنى حكم بصحة الاستثناء.
وأصحهما وادعى أبو بكر الفارسي الإجماع عليه: أنه لا يعمل بالاستثناء حتى يتصل بأول الكلام.
قلت: الأصح وجه ثالث وهو صحة الاستثناء بشرط وجود النية قبل فراغ اليمين، وإن لم يقارن أولها، والله أعلم.
وهذا الذي ذكره -رحمه الله- أصلًا وزيادة صريح في أن الرافعي نقل عن الفارسي أنه يذهب إلى وجوب اقتران النية بأول اليمين حتى لا يكفي اقترانها في أثنائه وأنه حكى الإجماع على ذلك وليس الأمر فيه كما فهمه النووي، بل الذي نقل عنه الرافعي وأنه نقل فيه الإجماع إنما هو عدم الاكتفاء بوجودها بعد فراغ اليمين متصلة بأول الاستثناء، وعلله بقوله؛ لأن الاستثناء بعد الفصل ينشأ بعد لحوق الطلاق فيلغوا، بل المفهوم من كلام
الرافعي إنما هو حكاية الوجهين في ما بعد الفراغ من اليمين خاصة كما يدل عليه تعليله إلا أن في ابتداء تعبيره إيهامًا يندفع بالتأمل فإنه قال: وهل يشترط أن يكون قصد الاستثناء مقرونًا بأول الكلام؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا ولو بدا له الإستثناء بعد تمام المستثنى منه فاستثنى حكم بموجبه.
وأصحهما وادعى أبو بكر الفارسي الإجماع عليه: أنه لا يعمل بالاستثناء ويقع الطلاق؛ لأن الاستثناء بعد الفصل ينشأ بعد لحوق الطلاق فيلغوا، هذه عبارته، وهي كما قلناه إلا أنه عبر بأول الكلام عن المستثنى منه ويكون المستثنى هو الأخير، وهو تعبير صحيح يدل عليه التعليل إلا أنه موهم ووقع التعبير به أيضًا في كتب جماعة من أصحابنا، ثم إن النووي أبدل ألفاظًا من ألفاظ الرافعي بألفاظ مطابقة لما فهمه هو فوقع في صريح الغلط، وكلام الغزالي يبين المراد ويعين غلط النووي في فهمه هنا وكذلك إمام الحرمين فإنه قال: فإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ولم يخطر له الاستثناء إلى استتمام لفظ الطلاق ثم لما تم اللفظ خطر له أن يقول على الإتصال إن شاء الله تعالى، فقال ذلك بعد، قال أبو بكر الفارسي في كتابه المترجم "بمسائل الإجماع": يقع الطلاق في هذه المسألة إجماعًا، ووافقه معظم الأصحاب في دعوى الإجماع، ومن أصحابنا من قال: لا يقدح.
هذا لفظه، ذكر ذلك في باب ما يقع به الطلاق من الكلام.
في فصل أوله، قال: ولو جعل لها أن تطلق نفسها، وذكر الرافعي في أوائل الباب الثالث نحوه أيضًا.
نعم لو نوى في أثناء اليمين ففيه وجهان مشهوران في "التنبيه" و"المهذب" وغيرهما، أصحهما: أنه يكفي كما أشعر به كلام الرافعي وصححه النووي من زوائده، وقد حكى الرافعي هذين الوجهين في أول كتاب الأيمان فقال: لو حلف ثم بدا له أن يستثني فأتى بلفظ الاستثناء لم يعتد به وإن كان موصولًا باليمين، وإن قصد الاستثناء في خلال اليمين
واستثني على الاتصال ففيه وجهان ذكرناهما في كتاب الطلاق، وممن صحح هذا الاستثناء الداركي والقاضيان أبو الطيب والروياني، وممن لم يصححه أبو الحسن ابن المرزبان والقاضي ابن كج هذه عبارته وهو يشعر بأن المصححين أكثر وذلك ينفي إرادة الوجهين المذكورين في الحضور بعد تمام اليمين لأن الخلاف هناك ضعيف حتى ادعى أكثر الأصحاب الإجماع فيها على البطلان كما تقدم، نقله عن الإمام، وحينئذ فيتحصل من الموضعين ثلاثة أوجه، وإذا علمت ذلك كله علمت أن ما قاله الرافعي في الأيمان أن الوجهين سبقا في الطلاق غلط، فإن الوجهين غير الوجهين فسبحان من لا يتطرق إليه سهو ولا خلل.
قوله: ولو قال: أنت طالق طلقتين وواحدة إلا واحدة، فعلى الأول -أي الوجه الذاهب إلى جمع المفرق- يجمع بينهما فتكون الواحدة مستثناة من الثلاث فتقع طلقتان، وعلى الثاني -أى الذي لا يجمع وهو الأصح- تكون الواحدة مستثناة من الواحدة فتقع الثلاث.
انتهى.
وما ذكره تفريعًا على الوجه الأول واضح، وأما الثاني فينبغي بناؤه على أن الاستثناء عقب الجمل هل يعود إليها أم إلى الأخيرة؟ فإن أعدناه إليها وقعت طلقتان وإلا ثلاثًا، ويؤيد ما قلناه أنه لو قال ثلاثًا وثلاثًا إن شاء الله كان مخرجًا عليه عند الرافعي كما سيأتي بعد هذه المسألة.
قوله قال: أنت بائن إلا بائنًا ونوى بقوله أنت بائن الثلاث، قال إسماعيل البوشنجي يبني على أنه لو قال: أنت واحدة ونوى الثلاث هل تقع الثلاث اعتبارًا بالنية أم واحدة اعتبارًا باللفظ؟ فإن غلبنا اللفظ بطل الاستثناء كما لو قال: أنت طالق واحدة إلا واحدة، وإن غلبنا النية صح الاستثناء ووقع طلقتان وهذا هو الذي رجحه ونصره.
انتهى كلامه.
وهذا البناء الذي قاله البوشنجي ظاهر، فأما إذا غلبنا اللفظ في ما إذا
تلفظ بالواحدة ونوى الثلاث فلا تصح في مسألتنا؛ لأنه تلفظ ببائن واستثني منها بائنًا فلا يصح كاستثناء الواحدة من الواحدة، وإن غلبنا النية صح هاهنا، وقد اعترض في "الروضة" على البوشنجي اعتراضًا فاسدًا سببه أنه فهم كلامه على غير وجهه فقال: قلت: الأول غلط ظاهر فإنه لا خلاف أنه إذا قال: أنت بائن ونوى الثلاث وقع الثلاث فكيف يبنى على الخلاف في قوله: أنت واحدة هذا كلامه، وقد ظهر لك بطلانه.
قوله: ولو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا طلاقًا صح الاستثناء كقوله ثلاثًا إلا طلقة، وكذا لو قال: طالق وطالق وطالق إلا طالقًا ونوى التكرار وفيه إحتمال.
انتهى كلامه.
والقياس في هذه المسألة وقوع ثلاث: لأن القاعدة أنه لا يجمع المفرق على الصحيح فيكون استثناء مستغرقًا كما لو قال: أنت طالق إلا طالقًا من غير تكرار، فإن قلنا أنا لا نجمع المفرق فيأتي الذي قاله الرافعي.
قوله: فرع: لو قدم المستثني على المستثنى منه فقال: أنت إلا واحدة طالق ثلاثًا، حكى صاحب "المهذب" عن بعض الأصحاب أنه لا يصح الاستثناء وتقع الثلاث، لأن الاستثناء لاستدراك ما تقدم من الكلام، قال: ويحتمل عندى أنه يصح ولا تقع إلا طلقتان، واستشهد بقول الفرزدق.
وما مثله في الناس إلا ملكًا... أبو أمه حي أبوه يقاربه
الملك الذي ملك الشيء يقال ملكته المال والملك وتقدير البيت وما مثله في الناس حي يقاربه إلا ملك أبو أم ذلك الملك أبو الممدوح.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على حكاية ذلك من غير ترجيح وزاد فعبر بقوله قال: وعندي ولم يذكره احتمالًا فأوهم أن الشيخ جازم به على خلاف ما في الرافعي وما في "المهذب" أيضًا، وقد ظهر لك من الاستدلال ومن المعني أنه لا فرق في تقديمه بين أن يكون في طلاق أو إقرار أو غيرهما،
وهو الأصح.
إذا علمت ذلك فقد صحح الرافعي في أوائل الباب الأول من أبواب الأيمان أنه يصح التقديم فقال: ولا فرق بين التقديم والتأخير، وكذا لو قال لفلان على إلا عشرة دراهم مائة درهم، وفي هذه الصورة وجه آخر في كتاب القاضي ابن كج.
هذا لفظه، وبالغ في "الروضة" فعبر بقوله وجه ضعيف، والوجهان قد رأيتهما في كتاب ابن كج في أول كتاب الأيمان ولم يرجح منهما شيئًا، وجزم الدارمي في كتاب الأيمان من "الاستذكار" بالصحة ولم يتعرض الرافعي للمسألة في كتاب الإقرار أيضًا والبعض الذي أشار إليه في "المهذب" هو الماوردي.
واعلم أن الرافعي إذ تكلم على البيت لم يوضح حاله وقد أوضحه الجوهري فقال: إن الفرزدق مدح بذلك حال هشام بن عبد الملك، قال: والمعنى وما مثله في الناس حي يقارنه إلا ملك أي شخص قد ملكه الناس عليهم أبو أم ذلك الملك هو أبوه.
الفصل الثاني في التعليق [بالمشيئة] 1
قوله: وإذا قال: أنت طالق إن شاء الله نظر إن سبقت الكلمة إلى لسانه لتعوده بها، أو قصد التبرك بذكر الله تعالى، أو الإشارة إلى أن الأمور كلها بمشيئة الله تعالى ولم يقصد تعليقًا محققًا لم يؤثر ذلك، وإن قصد التعليق حقيقة لم تطلق.
انتهى.
أهمل قسمًا ثالثًا وهو ما إذا أطلق، وحكمه أن الطلاق لا يقع كما سبق إيضاحه في نية الوضوء.
قوله: وفي قول آخر أنه لا يؤثر الاستثناء عند قصد حقيقة التعليق، وأخذ بعضهم هذا القول من نص روى في الظهار أنه لو قال: أنت على كظهر أمي إن شاء الله يكون مظاهرًا ويلغو الاستثناء، وفرق بعضهم بأن الظهار إخبار، والإخبار عن الواقع لا يتعلق بالصفات بخلاف الإنشاء، ثم قال: وكذا يمنع الاستثناء انعقاد التعليق والعتق واليمين والنذر، وصحة العفو عن القصاص والبيع وسائر التصرفات.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي لم يتكلم على تعليق الظهار بالمشيئة في بابه واقتصر على ما ذكره فيه هاهنا، وليس فيه تصريح بحكمه إلا أن عموم الكلام الأخير قد يؤخذ منه أنه لا يصح عند التعليق كغيره من التصرفات، وقد صرح الغزالي هنا في "الوجيز" بحكم المسألة فقال: فإذا قال: أنت طالق إن شاء الله لم يقع، ونص أنه لو قال: أنت على كظهر أمى إن شاء الله يكون مظاهرًا، وقد قيل ويطرد هذا القول في سائر التصرفات، هذا كلامه.
وحاصله تسليم النص والعمل به، والعجب من الرافعي في عدم
شرحه لهذه المسألة وكأنه توهم أنها تأتي في بابها فأهملها هنا وذكر في "الوسيط" نحوه إلا أنه قال في آخر كلامه: إن التفريع على الصحة في الجميع والصحيح أن الظهار كغيره في صحة الاستثناء، صرح به إمام الحرمين فقال: نقلوا أيضًا للشافعي أن الاستثناء فيه لا يؤثر وطرد المحققون هذا القول في جميع العقود والحلول، ثم قال ما نصه: ورام بعض الأصحاب أن يفرق بين الظهار وغيره، ولست أرى لذكر ما لا أفهمه وجهًا، والصحيح أن التعليق بالمشيئة يفسد جميع ما تقدم من [إقرار] 1 وإنشاء وحَلّ وعقد وطلاق وظهار.
هذا لفظ الإمام بحروفه، وعجب من الغزالي في نقل كلام إمامه على غير وجهه.
الأمر الثاني: أن النووي قد حذف هذه المسألة من "الروضة" لتوهمه أن الرافعي يأتي بها في بابها فلزم خلو "الروضة" عنها.
الأمر الثالث: أن ما نقله الرافعي من كون الظهار إخبارًا وأقره ليس كذلك فاعرفه فقد رجح في كتاب الظهار في الكلام على ما إذا قال لأربع نسوة: أنتن على كظهر أمى أنه إنشاء وعبر بقوله الظاهر.
الأمر الرابع: أن الذي نقله أيضًا وأقره من أن الإخبار لا يعلق بالمشيئة يتعلق بها مسألة مهمة نفيسة وقل من نقلها وقد ذكرها المتولى في كتاب الأيمان وصرح بأن تعليقها بالمشيئة صحيح، ويأتيك إن شاء الله تعالى في كتاب الدعاوى.
قوله: قال ابن الصباغ: وكذا لو قال: إن شاء الله أنت طالق أي بحذف الفاء لم يقع، وفي هذه الصيغة وجه حكاه الحناطي.
انتهى.
وما نقله عن ابن الصباغ قد جزم به في أول تعليق الطلاق نقلًا عن جماعة، وفي أول الأيمان نقلًا عن القاضي أبي الطيب.
قوله في "الروضة": ولو قال: أنت طالق إن شاء الله [أو أن شاء الله] 1 بفتح الهمزة وقع الطلاق في الحال، وكذا لو قال [إن شاء زيد أو أن] 2 شاء زيد، ونقل الحناطي وجهًا في أن شاء الله أنه لا يقع، وثالثًا أنه يفرق بين عارف النحو وغيره، واختار الروياني هذا.
انتهى كلامه.
وما اقتضاه كلامه من أن الثالث هو في التعليق بمشيئة الله تعالى صرح به الرافعي، وحاصل هذا الكلام الجزم بالوقوع في غير مشيئة الله وتصحيحه معها -أي مع المشيئة المذكورة- سواء كان المتكلم خبيرًا باللغة أم لا وقد خالف ذلك في باب تعليق الطلاق قبيل الفصل الثالث المعقود للتعليق بالحمل والولادة وصحح من زوائده أن الطلاق مع فتح أن لا يقع عند صدوره من الجاهل وسوف أذكر لفظه هناك فراجعه.
قوله: ولو قال: أنت طالق ثلاثًا وثلاثًا إن شاء الله، قال ابن الصباغ: الذي يقتضيه المذهب أنه لا يقع شيء، وتابعه المتولى عليه والوجه بناؤه على الخلاف السابق في أن الاستثناء بعد الجملتين ينصرف إليهما أو إلى الأخيرة، ولذلك أورده الإمام، وقد ذكرنا أن الظاهر الانصراف إلى الأخيرة [وحدها.
انتهى كلامه.
وما رجحه في الاستثناء عقب الجمل من عوده إلى الأخير] 3 فقط قد ذكر في الوقف ما يخالفه، وتبعه في "الروضة" على الموضعين وزاد فصحح في أول كتاب الأيمان أنه يعود إليهما كما في الوقف، ولفظ كل من الموضعين مذكور في بابه.
واعلم أن محل هذا الخلاف ما إذا لم ينو المتكلم عود الاستثناء إلى الجملتين، فإن نوى ذلك عاد إليهما جزمًا، كذا ذكره الرافعي في أول كتاب الأيمان فتفطن له.
قوله في المسألة: ويوافق هذا البناء ما ذكره في "التهذيب" أنه لو قال: حفصة وعمرة طالقان إن شاء الله فيرجع الاستثناء إلى عمرة وحدها أو إليهما جميعًا؟ وجهان والأصح الأول.
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن "التهذيب" غلط تبعه عليه في "الروضة" سببه انتقال نظره أو نظر الكاتب للنسخة التي وقف عليها، فإن البغوي قد قال ما نصه: ولو قال: حفصة وعمرة طالقان إن شاء الله، لا تطلق واحدة منهما، ولو قال: حفصة طالق وعمرة طالق إن شاء الله، تطلق حفصة ولا تطلق عمرة، لأن الاستثناء يرجع إلى ما يليه، وقيل: يرجع إليهما والأول أصح.
هذا لفظه في "التهذيب"، فسقط المتوسط كله كما قلنا وقد سلم ابن الرفعة من هذا الغلط من وجه دون وجه.
قوله: ولو قال: أنت طالق إلا أن يشاء الله فعن القفال أنه حكى عن النصر أنه لا يقع واختاره؛ لأن هذه الصيغة أيضًا تعليق بعدم المشيئة؛ لأنها توجب حصر الوقوع في حال عدم المشيئة، وعن ابن سريج أنه يقع الطلاق لأنه أوقعه وجعل الخلاص والمخرج عنه المشيئة وأنها غير معلومة فلا يحصل الخلاف وصار كما لو قال: أنت طالق إلا أن يشاء زيد ولم يعلم مشيئته فإنه يقع الطلاق، والأقوى الأول.
انتهى كلامه.
وفيه إشكال يظهر بذكر شيء استدركه الرافعي في آخر المسألة فقال: ولتعلم أن قول القائل: أنت طالق إلا أن يشاء الله معناه إلا أن يشاء وقوع الطلاق، [وحينئذ فالطلاق معلق بعدم مشيئة الطلاق] 1 لا بمشيئة عدم الطلاق، وعدم مشيئة الطلاق تحصل بأن يشاء عدم الطلاق وبأن لا يشاء شيئًا أصلًا، وإنما لا يقع إذا شاء زيد أن يقع، وذكر بعضهم أن معناه أنت طالق إلا أن يشاء زيد أن لا تطلقي، والصحيح الأول.
انتهى كلامه.
وإذا علمت ذلك علمت أن اختلافهم في الحكم نشأ من اختلافهم في
تنزيل التعليق على أي شيء، وإذا كان كذلك فكيف يستقيم كما قاله الرافعي من جعل واحد من المعنيين دليلًا لقائله على القائل الآخر؟ وكان ينبغي أن يقدم ما أخره ويستدل على ما ذكره كل منهم من الخلاف المتأخر ثم يبني عليه الخلاف في الوقوع وعدمه.
قوله: ولو قال: أنت طالق إن لم يشأ زيد، أو إن لم يدخل الدار، أو إن لم يفعل كذا، فإن وجدت المشيئة أو غيرها مما علق عليه لم يقع الطلاق، وإن لم توجد وقع، وإن شككنا فوجهان سواء عبر بقوله إن لم يدخل كما ذكرناه أو بقوله إلا أن يدخل، أجاب الأكثرون بالوقوع حيث شككنا في الفعل المعلق عليه، واختار الإمام عدم الوقوع في الصورتين وهو أوجه وأقوى, انتهى.
وهذه المسألة -أعني مسألة الشك- قد اختلف فيها تصحيح النووي في "الروضة" فصحح هنا من زياداته عدم الوقوع وذكر مثله في آخر تعليق الطلاق، وصحح في أوائل كتاب الأيمان وفي أواخره عكسه وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى، والفتوى في ذلك على الوقوع فقد نص عليه الشافعي في "الأم" في السدس الأخير منها في باب الاستثناء في اليمين إلا أنه خص ذلك باليمين على الإثبات وأجاب في النافية بالعكس فقال ما نصه: قال الشافعي كذا وكذا إلا أن يشاء فلان لم يحنث إن شاء فلان، فإن مات فلان أو خرس أو غاب عنا معنى فلان حتي يمضي وقت يمينه حنث؛ لأنه إنما يخرجه من الحنث مشيئة فلان، ولو كانت المسألة بحالها وقال: والله لا أفعل كذا وكذا إلا أن يشاء فلان لم يفعل حتى يشاء فلان، وإن غاب عنا معنى فلان فلم يعرف شيئًا أو لم يشأ لم يفعل حتي يشاء فلان، وإن غاب فإن فعله لم أحنثه من قبل أن يمكن أن يكون قد شاء، هذا لفظه بحروفه ومن "الأم" نقلته وفي الفرق بين المسألتين نظر.
الباب الخامس في الشك في الطلاق
قوله: ولو قال: إن كان هذا الطائر غرابًا فعبدى حر، وقال الآخر: إن لم يكن كذلك فعبدى حر، واجتمع لأحدهما العبدان منع التصرف فيهما وأمر بتعيين العتق في أحدهما، وقيل يمتنع في الذي كان للآخر خاصة فلو باع أحدهما عبده ثم اشتر عبد صاحبه قال في "البسيط": لم أره مسطورًا، والقياس أنه ينفذ تصرفه في الثاني؛ لأن بيع الأول كواقعة انقضت وتصرفه في الثاني واقعة أخرى كما لو صلى إلى جهتين باجتهادين.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقل احتماله عن "البسيط" من جواز التصرف قد جزم به الماوردي فقال في "الحاوي": لو ابتاع كل منهما عبد الآخر ولم يتكاذبا جاز لكل منهما أن يتصرف في الذي اشتراه وجهًا واحدًا -أي وإن كان لا يجوز على وجه لو اجتمعا في ملكه-، وقال في "الروضة": أما على الوجه الثاني فيعتق عليه الثاني بلا شك، وأما على الطريقة الأخرى فيحتمل ما قاله في "البسيط" ويحتمل بقاء الحجر في الثاني قال: وهو الأقيس احتياطًا للعتق، قال: وقد ذكر في "الوسيط" احتمالين: أحدهما ما ذكره في "البسيط"، والثاني: عدم النفوذ فيه.
الأمر الثاني: أن القول بمنع التصرف في الثاني مخالف لما ذكره [الأصحاب في] 1 العتق فيما إذا كان عبد بين معسرين فقال أحدهما: إن كان هذا الطائر غرابًا فنصيبى حر، وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا فنصيبي حر ولم يعلم الطائر ثم تبادلا إحدى الحصتين بالأخرى وصححنا مثل هذا
التبادل أن كلا منهما يتصرف فيما انتقل إليه كما كان يتصرف فيما نقله عنه، وهذا الاستشهاد ذكره ابن الرفعة، واستشكل جواز التبادل قال: لأنا نقطع بفساد أحد العوضين.
قوله: فرع: قال البوشنجي: ولو قال: أنت طالق بعدد كل شعرة على جسد إبليس فقياس مذهبنا أنه لا يقع شيء؛ لأنا لا ندرى عليه شعر أم لا؟ والأصل العدم، وعن بعض أصحاب أبي حنيفة وقوع طلقة.
انتهى.
والصواب هو الوقوع فقد جزم الرافعي في أوائل باب عدد الطلاق بأنه إذا قال: أنت طالق وزن درهم أو وزن ثلاثة أو عشرة ونحو ذلك وقعت عليه طلقة ومسألتنا أولى من تلك بالوقوع؛ لأن ربط الطلاق بالعدد ممكن من حيث الجملة بخلاف ربطه بالوزن، وقد رجح النووي أيضًا ما ذكرناه إلا أنه لم يستحضر هذا النقل الذي ذكرناه فقال: القياس المختار وقوع طلقة وليس هذا تعليقًا على صفة فيقال: شككنا فيها، بل هو يتخير طلاق وربط تعدده بشيء شككنا فيه فيوقع أصل الطلاق ويلغى العدد فإن الواحدة ليست، بعدد لأن أقل العدد إثنان.
هذا كلامه، والمتجه في مسألتنا إيقاع طلقتين؛ لأنه واقع عددًا والمتيقن منه اثنان وشككنا في الزائد.
قوله: ولو قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طالق وقال: نويت الأجنبية قبل قوله بيمينه على الصحيح، فلو قال: لم أنو واحدة منهما طلقت زوجته: قاله البغوي في فتاويه.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن البغوي يتجه أن يكون محله في ما إذا لم يصدر على الأجنبية طلاق منه أو من غيره، فإن كان قد وقع عليها ذلك لم يحكم بطلاق زوجته بما وقع منه، لأن الكلام الذي صدر منه صادق عليهما صدقًا واحدًا، والأصل بقاء الزوجية، وقد ذكر في العتق قبيل
الكلام على الولاء ما يقوى ما قلناه فقال: إذا عتق عبدًا ثم قال له ولعبد آخر له: أحدكما حر لم يقبض ذلك عتق الآخر.
هذا كلامه، فاقتضى أن لا يقع عليه به شيء عند الإطلاق.
الأمر الثاني: أن الماوردي أيضًا قد جزم بما نقل عن البغوي فإنه قال ولو قال: إحداكما طالق فكان قد نكح إحداهما نكاحًا صحيحًا والأخرى فاسدًا فإن كان الطلاق مرسلًا غير معين وقع على المنكوحة نكاحًا صحيحًا، وإذا كان الطلاق ينصرف هنا إلى الزوجة مع صحة إرادة من لها شبهة نكاح ففي الأجنبية أولى، لكن قال ابن الرفعة أن كلام الغزالي يقتضي أنه لو لم يرد شيئًا لم ينصرف إلى الزوجة بل تراجع.
قوله: ولو نكح امرأة نكاحًا فاسدًا وأخرى نكاحًا صحيحًا فقال لهما: إحداكما طالق، وقال: أردت فاسدة النكاح فيمكن أن يقال: إن قبلنا التفسير بالأجنبية فهذه أولى وإلا فوجهان.
انتهى.
وما ذكره من احتمال قبول إرادة الأجنبية قد جزم به الماوردي في "الحاوي" فقال: إذا قال: إحداكما طالق وكان قد نكح إحداهما فاسدًا والأخرى صحيحًا فإن كان الطلاق مرسلًا غير معين وقع على المنكوحة نكاحًا صحيحًا، وإن تبين أنه أراد التي نكحها نكاحًا فاسدًا قبل منه.
انتهى.
قوله: فيما إذا طلق إحداهما بعينها ثم نسيها أولا بعينها بأن أبهم الطلاق فيجب عليه التعيين أو التبيين على الفور فإن أخر عصى.
انتهى.
وظاهره أنه لو استمهل لا يمهل لكن قال ابن الرفعة: إنه لو استمهل أمهل فإن الروياني قال في المسلم على أكثر من أربع يمهل إذا استمهل ثلاثة أيام، وما قاله ابن الرفعة ينبغي أن يكون محله إذا طلق ثم نسى أو أبهم، أما إذا عين ولم يدع النسيان فلا وجه للإمهال.
قوله: فإن امتنع حبس وعزر، ظاهره أنه يجمع بين نوعي تعزير من الحبس وغيره وهو مخالف لما سيأتي في كتاب التعازير في آخر المسألة، ولو أبهم طلقة رجعية فهل يلزمه أن يبين أو يعين في الحال؟ وجهان حكاهما الإمام: أحدهما، نعم لحصول التحريم، وأصحهما: لا لأن الرجعية زوجة.
انتهى.
وما ذكره من عدم وجوب التعيين أو التبيين ينبغي أن يكون محله إذا كانت العدة قائمة، أما إذا انقضت العدة فإنه يطالب بحصول البينونة وانتفاء الزوجية.
قوله: وإذا طلق واحدة لا بعينها فهل يقع الطلاق من حين التلفظ أو من حين التعيين؟ فيه وجهان: رجح مرجحون الثاني، منهم الشيخ أبو علي وقال: إنه ظاهر المذهب، وذهب الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والروياني وغيرهم إلى ترجيح الأول والنفس إلى قبوله أسرع، انتهى ملخصًا.
والراجح الأول فقد قال في "المحرر": إنه أقرب الوجهين، وفي "الروضة": إنه الصواب.
قوله: ولو ماتتا أو ماتت إحداهما بقيت المطالبة بالتعيين لبيان حكم الميراث، وحينئذ فإن أوقعنا الطلاق باللفظ فذاك وإن أوقعناه بالتعيين فلا سبيل إلى إيقاع طلاق بعد الموت ولابد من استناده للضرورة، وإلى ما يسند؟ وجهان:
أصحهما عند الإمام: إلى وقت اللفظ فيرتفع الخلاف.
وأرجحهما عند الغزالي: إلى قُبيل الموت.
انتهى كلامه.
وما ذكره من الجزم بالوقوع على القول بإيقاعه بالتعيين أيضًا قد خالفه في نظيره من العتق فجزم بأنه لا يقع، وسوف أذكر لفظه في موضعه وهو
في أثناء الخاصة الرابعة من خواص العتق فراجعه، ووقع الموضعان في "الروضة" كذلك.
قوله: وإن لم ينو واحدة بعينها فهل يكون الوطء تعيينًا؟ فيه وجهان وقيل قولان:
أحدهما: أنه يكون تعيينا وبه قال المزني وأبو إسحاق وأبو الحسن الماسرجسي، ورجحه ابن كج.
والثاني: لا يكون وبه قال ابن أبى هريرة، قال في "الشامل" و"التتمة": إنه ظاهر المذهب.
انتهى ملخصًا.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، ورجح في "المحرر" أنه لا يكون تعيينًا وعبر بالأظهر، وقال في "الروضة" من "زوائده": إنه المختار، وفي "الشامل": إنه ظاهر نص الشافعي.
قوله في آخر المسألة: ولما أطلق الجمهور بالمنع منهما جميعًا أشعر ذلك بأن الأصح عندهم أنه ليس بتعيين.
انتهى.
وما ذكره قد نازع فيه ابن الرفعة وقال: لا يلزم من كونه تعيينًا أن يكون حلالًا؛ لأن ابتداء الوطء من المقدمات، وقد منعوه منها، قال: ويحتمل أن يقال: إذا حصل التغييب بجميع الحشفة تبينا أن ابتداء الإيلاج كان جائزًا بطريق الانعطاف على ما مضى.
قوله: ولو قال: أردت هذه ثم هذه أو هذه فهذه، قال القاضي الحسين وصاحباه المتولى والبغوي: تطلق الأولى دون الثانية لاقتضاء الحرفين الترتيب، وحكى الإمام هذا عن القاضي واعترض بأنه اعترف بطلاق الثانية أيضًا فليكن كقوله هذه وهذه, والحق هو الاعتراض.
انتهى.
والمتجه من جهة البحث هو المنقول لا الاعتراض، وقد رجحه أيضًا في "الروضة" فقال: إنه الأظهر.
قوله: ولو قال: وهن ثلاث أردت أو طلقت هذه بل هذه أو هذه، طلقت الأولى وإحدى الأخريين ويؤمر بالبيان، وإن قال هذه أو هذه، بل هذه طلقت الأخيرة وإحدى الأوليين ويؤمر بالبيان، ثم قال عقبه من غير فاصل ما نصه: ولو قال هذه وهذه أو هذه نظر إن فصل الثالثة عن الأوليين بوقفة أو بنغمة أو أداء فالطلاق مردد بين الأوليين وبين الثالثة وحدها وعليه البيان، فإن بين في الثالثة طلقت وحدها، فإن بين في الأوليين أو إحداهما طلقتا -لأنه جمع بينهما بالواو العاطفة فلا يفترقان، وإن فصل الثانية عن الأولى طلقت وحدها وإن بين في الأخيرتين أو إحداهما طلقتا جميعًا وإن سرد الكلام ولم يفصل احتمل كون الثالثة مفصولة عنهما واحتمل كونها مضمومة إلى الثانية مفصولة عن الأولى فيسأل ويعمل بما أظهر إرادته.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن جميع ما ذكره في ما إذا فصل الثانية عن الأولى غلط عجيب تبعه عليه في "الروضة"، فأما قوله تردد الطلاق بين الأولى وإحدى الأخريين فصوابه أن يقول: طلقت الأولى وتردد الطلاق بين الأخرتين، لأن كلامه فيما إذا عطف الثانية بالواو والثالثة بأو، وقد ذكر بعده في ما إذا عكس فقدم لفظه أو نظير ما ذكرته فقال: طلقت الأخرى وتردد الطلاق بين إحدى الأولتين.
وأما قوله فإن بين في الأولى طلقت وحدها فالغلط فيه من وجهين:
أحدهما: أن الأولى لا تحتاج إلى بيان.
والثاني: أن الطلاق لا يقع عليها وحدها، بل لابد معها من إحدى الأخريين.
وأما قوله فإن بين في الأخريين أو إحداهما طلقتا، فإن الذي ذكره في
إحداهما غلط، بل إذا بين فيها اقتصر الطلاق عليها مع الأولى، واعلم أن هذه الأغاليط المذكورة كما أنها لا تستقيم في القسم الذي يتكلم فيه لا يستقيم أيضًا مجموعها في شيء من الأقسام.
الأمر الثاني: أنه قد وقع في نسخ "الروضة" إسقاط الثالثة المعطوفة "بأو"، فقال: ولو قال هذه وهذه نظر.... إلى آخره.
وكذلك في كثير من نسخ الرافعي وهو غلط فإن كلامه فيما إذا كن ثلاثًا.
قوله: ولو طلق إحداهما ثم مات الزوج قبل البيان أو ماتتا ثم مات الزوج فهل يقوم الوارث مقامه؟ فيه أقوال: أظهرها: أنه يقوم في الطلاق المعين دون المبهم وإذا لم يقم مقامه فإن مات الزوج قبلهما وقف ميراث زوجة بينهما حتي يصطلحا أو يصطلح ورثتهما بعد موتهما، وإن ماتتا قبل موت الزوج وقف من تركتهما ميراث زوج، وإن توسط موته بينهما وقف من تركة لأولى ميراث زوج ومن تركة الزوج ميراث زوجة حتى يحصل الاصطلاح.
انتهى ملخصًا.
وحكم الوقف للزوجتين ما إذا تحققنا أن كل واحدة منهما، فإن لم نتحقق بأن كانت إحداهما كتابية ففي الوقف وجهان:
أصحهما وهو المنصوص: لا يوقف شيء للزوجات، بل يقسم كل التركة بين باقي الورثة لأن استحقاق الزوجين غير معلوم لاحتمال أنها الكتابية.
والثاني: يوقف لأن استحقاق باقي الورثة قدر نصيب الزوجات غير معلوم، هكذا صرح الرافعي بالمسألة في نكاح المشركات ومثل بهذا المثال ومثله ما لو كانت إحداهما أمة أو غيرها ممن قام به مانع، وكذلك يأتي أيضًا هذا الخلاف في وقف نصيب إحداهما للزوج.
واعلم أن الاصطلاح لابد فيه من التصريح بالتواهب كما سبق إيضاحه في كتاب الفرائض في الكلام في ميراث الخنثى وإذا كان في الزوجات محجور عليها فلا ينقض ولها في المصالحة عن ما في يدها ظاهرًا، ففي
الزوجين لا ينقص عن النصف، وفي الثلاث لا ينقص عن الثلث كما أوضحه الرافعي في نظيره من نكاح المشركات فاستحضر ذلك هنا والله أعلم.
قوله: ولو قال: إن كان هذا الطائر غرابًا فعبدى حر، فإن لم يكن فزوجتي طالق، وأشكل الحال ومات الزوج قبل البيان فلا يقوم
الوارث مقامه على المذهب فإنه قد يخبر بالحنث في الطلاق ليرق العبد ويسقط إرث الزوجة، قال السرخسي في "الأمالي": هذا الخلاف إذا قال الوارث حنث مورثي في الزوجة فإن عكس فيقبل قطعًا لإضراره نفسه وهذا حسن.
انتهى.
زاد في "الروضة" فقال: قد قال به أيضًا غير السرخسي وهو متعين.
هذا كلامه، وما ذكره السرخسي من الاتفاق على القبول وتصريح الرافعي والروياني بموافقته باطل نقلًا ومعنى، وأما النقل فلأن مقتضى كلام الأصحاب يخالفه، ولهذا نقله ابن يونس شارح "التنبيه" عن بعض المتأخرين، وقال ابن الرفعة في "الكفاية": إن هذه المقالة تلائم كلامًا ذكره الشيخ أبو حامد في نظير المسألة وطريقة الإطلاق تلائم كلامًا ذكره القاضي أبو الطيب.
وأما بطلانه من جهة المعنى فيتضح بالكلام على القسمين فنقول:
أما القسم الأول: وهو ما إذا أقر بالطلاق فلا شك أن العبد لا يعتق، ولكن قد يرث الزوج منها كما تقدم وهو واضح، وقد ترث المرأة من الزوج بأن يكون الطلاق الواقع رجعيًا وبموت الزوج في العدة، وقد لا يرث أحدهما من الآخر كما إذا كانت المرأة رقيقة أو كافرة أو كان الطلاق بائنًا أو رجعيًا ولكن مات الزوج بعد انقضاء العدة، ثم إن الإرث قد يزيد على قيمة العبد.
القسم الثاني: أن يقر بالحنث في العتق وأن الطلاق لم يقع فقد ترث المرأة من الزوج وهو واضح ويحصل للوارث الضرر من جهة إرث المرأة
وفوات الرقبة ولكن لو كان قد قتله قاتل فإنه يأخذ منه دية الأحرار مع أنها قد تزيد على القيمة وعلى حصتها من الإرث فيكون منهما في ذلك، وقد لا ترث المرأة من الزوج كما إذا طلقها بعد ذلك طلاقًا بائنًا، لاسيما وقد يقتل العبد كما سبق فيأخذ الوارث بهذا الاعتراف دية الأحرار، وقد لا يرث أحدهما من الآخر وهو معلوم مما سبق، وإذا استحضرت جميع ما قلناه علمت أن كل واحد من هذه الأقسام قد يكون فيه تهمة وقد لا يكون فبطل ما وقع في الرافعي و"الروضة" من دعوى الاتفاق على قبول العكس استنادًا إلى عدم التهمة ويبقى النظر في أنا هل نقبله مطلقًا كما أطلقه الأصحاب أو نرده في كل صورة تحصل فيها تهمة دون ما عداها؟ يتجه تخريجه على إقرار الخنثى بالذكورة أو الأنوثة في محل التهمة وفيه اضطراب نبهت عليه، وعلى ما عليه الفتوى في موضعه وهو باب الأحداث فراجعه.
قوله في المسألة: فإن لم يعتبر قول الوارث، أو قال: لا أعلم أقرعنا بين العبد والمرأة فإن خرجت القرعة على العبد عتق، وإن خرجت على المرأة لم تطلق، وهل يرق العبد؟ وجهان: أصحهما: لا لأن القرعة لم تؤثر في ما خرجت عليه فغيره كذلك فعلى هذا يبقي الإبهام كما كان، وقيل لا نزال نعيد القرعة حتى تخرج على العبد.
قال الإمام: وعندي يجب إخرج القائل به من أحزاب الفقهاء ومن قال به فليقطع بعتق العبد وليترك تضييع الزمان في إخرج القرعة، وهذا قويم، لكن الحناطي حكى الوجه عن ابن أبي هريرة، وهو في الفقهاء، زعيم عظيم فلا يتأتى إخراجه عن أحزابهم.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن ابن أبي هريرة قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وليس كذلك، فقد رأيته في تعليقه الذي علقه عنه أبو على الطبري الجزم بمقالة غيره، ولم يذكر هذه بالكلية لا عنه ولا عن غيره.
قوله نقلًا عن أبى العباس الروياني: لو كانت له امرأتان فقال مشيرًا إلى إحداهما: امرأتى طالق وقال: أردت الأخرى فهل تطلق الأخرى وتبطل الإشارة أم تطلقان معًا؟ وجهان.
انتهى.
قال في "الروضة" الأرجح الأول.
قوله نقلًا عن البوشنجي: وأنه لو جلست نسوته الأربع صفًا فقال: الوسطى منكن طالق، فوجهان:
أحدهما: لا يقع شيء، إذ لا وسطى.
والثاني: يقع على الوسطيين؛ لأن الاتحاد ليس شرط في وقوع اسم الوسطى.
انتهى كلامه.
والصواب في هذه المسألة خلاف الوجهين جميعًا بل يقع الطلاق على واحدة من الوسطيين ويعينها الزوج، فقد نص الشافعي على أن هذا هو مدلول الوسط فقال في "الأم" في باب من أبواب الكتابة في باب الوصية للمكاتب في الكلام على الوصية له بأوسط النجوم ما نصه: ولو كانت عليه أربعة أنجم فأرادوا وضع الأوسط من النجوم المؤجلة وضعوا عنه أى النجمين شاؤوا الثاني أو الثالث؛ لأن ليس منهما واحد أولى باسم الأوسط من الآخر، وذكر أيضًا بعده فيما إذا قال: ضعوا عنه أوسط نجومه عددًا مثله أيضًا، وقد حكى الرافعي في مسألة النجوم عن ابن الصباغ التخيير وعن "التهذيب" أنه كلاهما وحاول ترجيحه ولم يطلع على نص الشافعي في المسألة وقد تفقه النووي هنا تفقهًا جيدًا وافق النص فقال: قلت: كلا الوجهين ضعيف والمختار وجه ثالث وهو أنه يطلق واحدة من الوسطيين ويعينها الزوج: لأن موضوع الوسطى لواحدة فلا يزاد.
والله أعلم.
قال -رحمه الله-:
الشرط الثاني من الكتاب في التعليقات
وفيه فصول:
الفصل الأول في التعليق بالأوقات
قوله: ولو علق طلاقها بصفة ثم قال: عجلت تلك الطلقة المعلقة لم تتعجل لتعلقها بذلك الوقت المستقبل، وفيه وجه آخر عن رواية الشيخ أبى على وغيره، وإذا قلنا: لا تتعجل فأطلق ثم قال: عجلت لك الطلاق سألناه فإن قال: أردت تلك الطلقة صدقناه بيمينه، ولم يتعجل شيء، وإن أراد طلاقًا مبتدأ وقع في الحال طلقة، انتهى كلامه.
تبعه عليه في "الروضة" وزاد عليه فقال في أواخر الكلام: فإن لم يكن له نية لم تقع في الحال شيء، والله أعلم.
إذا علمت ذلك فاعلم أن الخلاف الذي ذكره يقتضي أن محله في أصل وقوع الطلاق حتى لا يقع شيء بالكلية على الصحيح، ويدل على ذلك أيضًا ما ذكره في آخر كلامه خصوصًا ما ذكره النووي من "زوائده" وليس الأمر كما اقتضاه كلامهما، بل تقع في الحال طلقة جزمًا، وإنما محل الخلاف في أنه هل يقع مع ذلك طلقة أخرى عند وجود الصفة أم لا؟ وقد ذكره الإمام في موضعين:
أحدهما: قبل كتاب الرجعة بنحو ثلاثة أوراق ونقله عن الشيخ أبى على، كما نقله الرافعي ولا شك أن الرافعي إنما نقله عن الإمام.
والموضع الثاني: في كتاب الخلع بعد أوله [بدون] 1 كراس واحد فقال: وإذا علق طلقة واحدة وهو يملك الثلاث، ثم قال: نجزت تلك الطلقة التي علقتها ينجز الطلاق لا محالة.
هذا لفظه، وصرح به أيضًا القاضي الحسين في "تعليقه" فيما إذا كان التعليق على دخول الدار ونحوه فقال: فأما إذا قال إذا دخلت الدار فأنت طالق، ثم قال: عجلت ذلك الطلاق الآن وقع الطلاق، فإذا دخلت الدار وقعت طلقة أخرى، قال بخلاف ما إذا قال إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، ثم قال: عجلت تلك الصفة الآن فإنه يقع الآن ولا يقع في آخره عند مجئ أول الشهر.
انتهى.
وقال في فتاويه أيضًا: مسألة: إذا قال إن دخلت الدار فأنت طالق ثم قال: عجلت تلك الطلقة لا يتعجل، لأن كلمة إن للشرط ولم يوجد، فأما إذا قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق ثم قال: عجلت تلك الطلقة تتعجل الآن؛ لأن إذا للوقت وقد انتظم من مجموع ذلك خلاف في بقاء التعليق وانحلاله ووقوع الطلاق مع بقائه وعدم وقوعه فحيث قلنا بانحلال اليمين وقعت طلقة لا محالة وحيث قلنا ببقائه، فقال الفورانى في "الإبانة": تقع طلقة عند وجود التعليق وطلقة في الحال وذهب إليه أيضًا القاضي كما سبق نقله عن التعليق والفتاوي وابن خلف وابن الصباغ، وحمل عليه نص الشافعي - رضي الله عنه - حيث قال في "الإملاء": لو قال لامرأته: أنت طالق إلى شهر، ثم قال: أنت طالق تلك الطلقة الساعة لم يلزمه إلا واحدة إن كان أراد أني عجلتها الآن قبل الشهر، وإن لم يكن أراد به طلقات الآن طلقة وطلقت في الشهر.
انتهى.
ثِم قال: وهل يَنْحَلّ التعليق بشيء على أنه إذا علق الثلاث ثم نجزها فهل ينحَلّ تعليقه حتى لا يقع الثلاث في نكاح آخر أم لا؟ فإن قلنا: لا ينحل فلا معنى لحله بالجهة التي ذكرها، وإن قلنا: ينحل عند استيفاء الثلاث فإذا علق واحدة ثم نجز واحدة وزعم أنها التى علقها ففي انحلال
التعليق وجهان، ووجه الانحلال بين، ووجه مقابله أنه ليس متعلقًا بطلقة معينة، ولا خلاف أنه لو علق طلقة ثم نجز طلقة مطلقة فإن التعليق لا ينحل؛ لأن فك التعليق ليس إليه.
انتهى كلامه ملخصًا.
وفيه فوائد.
قوله: ولو عقب لفظ الطلاق بحرف شرط فقال: أنت طالق إن فمنعه غيره من الكلام بأن وضع يده على فيه، ثم قال: أردت أن أعلق على شرط كذا صدق بيمينه وإنما حلفناه لاحتمال أنه أراد التعليق على شيء حاصل كقوله: إن كانت فعلت كذا وقد فعله، ولو قطع الكلام مختارًا حكم بوقوع الطلاق.
انتهى كلامه.
وما ذكره من الوقوع عند القطع مختارًا قد سبق منه في أوائل باب تعدد الطلاق ما يخالفه وسبق ذكر لفظه هناك وتبعه النووي على الموضعين فراجعه.
قوله: ولو حذف الفاء فقال: إن دخلت الدار أنت طالق قد أطلق البغوي وغيره أنه تعليق، وقال البوشنجي: يسأل فإن قال: أردت التخيير حكم به، وإن قال: أردت التعليق أو تعذرت المراجعة حمل على التعليق.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا والصواب أنه إن كان عارفًا بالعربية وقع الآن على جعل إن نافية كما سيأتي إيضاحه، ويدل عليه كلامهم في ما إذا فتح أن التي ظاهرها الشرط وإن كان جاهلًا لم يقع شيء.
قوله: ولو قال: إن دخلت الدار وأنت طالق بالواو، قال البغوي: إذا قال: أردت التعليق قبل أو التنجيز وقع، وإن قال: أردت جعل الدخول وطلاقها شرطين لعتق أو طلاق قبل.
قال البوشنجي: فإن لم يقصد شيئًا طلقت في الحال وألغيت الواو، كما لو قال ابتداء: وأنت طالق.
انتهى.
قال في "الروضة": المختار أنه عند الإطلاق تعليق بدخول الدار إن كان قائله لا يعرف العربية، وإن عرفها فلا يكون تعليقًا ولا عبرة إلا بالنية لأنه غير مفيد عنده، وأما العامي فيطلقه للتعليق ويفهم منه التعليق، قال: وما قاله البوشنجي فاسد حكمًا ودليلًا وليس كالمقيس عليه.
انتهى.
وما ذكره النووي من أن مقالة البوشنجي فاسدة فمسلم، وأما قوله في عارف العربية أنه غير مقيد عنده فعجيب بل هو صحيح على جعل إن نافية وهو كثير في القرآن، وحينئذ فيحتمل أن تكون الواو هاهنا بعدها واو الحال فلا يقع أو واو العطف فيقع فيسأل فإن أراد الأول فلا شيء، وإن أراد الثاني وقع الطلاق نواه أم لا اكتفاء بنية العطف، فإن تعذرت مراجعته بموت أو غيره لم يقع شيء لجواز إرادة الحال، ثم إنه أهمل قسمًا آخر وهو ما إذا جهلنا حاله فلم ندر أنه ممن يحسن العربية أم لا؟ والمتجه عدم الوقوع فيه عند تعذر المراجعة، وقد أوضحت ذلك كله في كتابنا المسمى "بالكواكب" فراجعه.
قوله: ثم الكلام في صورتين إحداهما: لو قال: أنت طالق في آخر شهر كذا فوجهان: أحدهما: يقع في آخر جزء من الشهر فإنه الآخر المطلق.
والثاني: يقع في أول جزء من ليلة السادس عشر؛ لأن النصف الثاني كله آخر الشهر، وفي "التهذيب" وجه ثالث: وهو أنه يقع في أول اليوم الأخير حملًا للآخر على اليوم الآخر، وإيراده يقتضي ترجيحه.
انتهى.
والأصح هو الوجه الأول فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر": إنه أظهر الوجهين، وصححه النووي في "الروضة" ولم ينبه فيها على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له فإنه غريب.
قوله: الثانية: إذا قال: أنت طالق في سلخ الشهر، ففيه وجوه:
أحدها: أنه يقع في آخر جزء من الشهر؛ لأن الانسلاخ يحصل به وهو ما أجاب به الشيخ أبو حامد ورجحه الغزالي.
والثاني: يقع في أول اليوم الأخير وهو المذكور في "التتمة" و"التهذيب" وعن رواية صاحب "التقريب" وجه أنه يقع بمضى أول جزء من الشهر فإنه يأخذ في الانسلاخ من حينئذ، قال الإمام: اسم السلخ يقع على الثلاثة الأخيرة كما تقع الغرة على الثلاثة الأول فيحتمل أن يقع في أول جزء من الأيام الثلاثة.
انتهى.
والصحيح هو الأول فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه الأظهر، والنووي من "زوائده": إنه الصواب، ولم يذكر المسألة في "المحرر".
قوله: ولو قال بالنهار: إذا مضى يوم فأنت طالق طلقت إذا جاء مثل ذلك الوقت من اليوم الثاني هكذا أطلقوه، ولكن فيه تلفيق اليوم من البعضين المفرقين، وقد سبق في الاعتكاف أنه لو نذر أن يعتكف يومًا لم يجز تفريق الساعات في أصح الوجهين.
انتهى كلامه.
وما ذكره -رحمه الله- من محاولة جريان الوجهين غلط حصل من ذهول عما قرره في الاعتكاف، وذلك أن الزمان المنذور ليس محمولًا على الزمان المتصل بالنذر، بل يجوز للناذر تأخيره عنه وفعله في أى وقت أراد ما لم يلتزم زمنًا معينًا كقوله من هذا الوقت وشبهه، وأما التعليق فلا خلاف أنه محمول عند الإطلاق على أول الأزمنة المتصلة به فنظير مسألتنا من النذر أن يقول يومًا من هذا الوقت، ولو قال ذلك لجاز فيه التفريق بلا خلاف، وقد توهم النووي أيضًا صحة هذا البحث فأشار إليه بقوله هكذا أطلقوه ولم يذكر المستند.