كتاب الضمان
وفيه بابان: الجزء الخامس
الباب الأول في أركانه
قوله: فأولها المضمون عنه، وهو الأصل، ولا يشترط رضاه لصحة [الضمان] 1 وفاقًا إذ يجوز أداء دين الغير بغير إذنه، فالتزامه في الذمة أولي بالجواز.
انتهى كلامه.
وما ذكره من الاتفاق على عدم اشتراط الرضي، ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" و"المحرر"، وتبعه عليه النووي في "الروضة" و"المنهاج"، وسبب هذه الدعوي تقليد الإمام، فإنه ادعى ذلك، وليست الدعوى تصحيحه، فقد حكى القاضي حسين في "تعليقه" وجهًا: أنه يشترط رضاه، وبه قال أبو الحسن في شرح "المختصر"، وممن نقل ذلك ابن الرفعة في "المطلب".
قوله: ولو ضمن بغير رضى المضمون به، وصححناه وقلنا: لا يرجع فهل يجب على المضمون له القبول؟ قال الإمام: هو كما لو قال: أدِّ ديني، ولم يشترط الرجوع، [وقلنا: إنه لا يرجع] 2.
وفي امتناع في هذه الحالة وجهان بناء على أن المؤدي يقع فداء أو موهوبًا ممّن هو عليه، إن قلنا بالثاني لم يكن له الامتناع.
انتهى.
وهذا البناء الذي نقله عن الإمام، وتابعه عليه في "الروضة" ليس مطابقًا لما في "النهاية"، فإنه قال فيها ما نصه: إذا قال لغيره: أدِّ ديني
الجزء: 5 - الصفحة: 486
وقلنا: لا يثبت الرجوع إذا لم يقيد، ففي امتناع مستحق الدين عن القبول وجهان:
أحدهما: ليس له الامتناع، وهو الأشهر، فإن المؤدي مستناب من جهة الإذن، وليس لمستحق [الدين] 3 تخير في عين المؤدى، فالوجه يقع.
الثاني: له الإمتناع، فإنه إذا كان لا يملك الرجوع فالمدفوع إلى مستحق الدين يقع فداءًا أو موهوبًا.
فإن كان فداءًا لم يلزمه القبول كما لو كان الأداء بغير إذنه، وإن كان المؤدي في حكم الموهوب ممّن عليه الدين فالهبة إنما يثبت الملك فيها بالقبض، ولمستحق الدين أن يقول: لست أحلت ملكًا لمن عليه الدين بيدي، ولا يلزمني ذلك.
هذا كلامه.
ومخالفته لما قاله الرافعي ظاهر، ثم ذكر -أعني الإمام- بعده كلامًا آخر فقال: وإذا لم يبعد إلزامه تحصيل الملك للمؤدى عنه مع اقتراض عوضه باشتراط الرجوع لم يبعد الزامه قبض ما تقدر موهوبًا في حق المديون، وهذا أيضًا لا يحقق ما قاله الرافعي، فإن غايته أنه ذكر بحثًا في اللزوم عن القول بأنه هبة يبعد أن جزم بعدمه تفريعًا عليه، وجعل مستند اللزوم شيئًا آخر.
قوله: وأما اشتراط الغزالي أهلية التبرع، فقصد بها التجوز عن المحجور عليه بالسفه، ونحى فيه نحو الإمام حيث قال: المحجور عليه، وإن كان تصح عبارته عند إذن وليه فضمانه مردود من قبل أن ينزع، وتبرعات المبذر مردودة، ولا يصح من الولي الإذن فيها.
واعلم أن كون الضمان تبرعًا، إنما يظهر حيث لا يثبت الرجوع، فأما
الجزء: 5 - الصفحة: 487
حين ثبت فإنه إقراض لا محض تبرع، ويدل عليه نص الشافعي: على أنه إذا ضمن -أي في مرض موته- بإذن المديون حسب من رأس المال لما فيه من الرجوع وإلا فمن الثلث، فإن أذن فيه الولي -أي في الضمان- فليكن كما لو أذن في البيع.
انتهى كلامه.
وما قاله الإمام والغزالي هو الصواب، واعتراض الرافعي عجيب.
فأما قوله: إن الضمان حيث يثبت الرجوع يكون قرضًا، فليس كذلك، بل القرض إنما هو الأداء، ألا تري أنه لا يثبت للضامن مطالبة المضمون عنه بمجرد الضمان، فكيف يكون قرضًا؟
وأمّا استدلاله بالنص المذكور فلا شاهد فيه له، وذلك لأن تصرف المريض على كل حال صحيح، فإذا ضمن وأدى ثم مات، فإن كان ضمانه بغير إذن فحسابه من الثلث واضح، وإن ضمن بلا إذن فقد تصرف تصرفًا صحيحًا آل إلي ثبوت عوض، فلا سبيل إلى حسبانه من الثلث مع ثبوت البدل، لكن هذا بشرط أن يجد الضامن مرجعًا كما نبه عليه هو -أعني الرافعي- في آخر الضمان، قال: فإن لم يجد ذلك لموت الأصل معسرًا، فهو محسوب من الثلث، وسنذكر كلام الرافعي عقب هذه المسألة لمعنى يتعلق به.
وأمّا تخريجه الإذن في الضمان على الإذن في البيع الفاسد، كما قاله النووي، لأن البيع إنما صح على وجه، لأنه لا يأذن إلا فيما فيه ربح أو مصلحة، والضمان غرر كله، وأيضًا فإنه قد يتلف ماله ويبقى المال في ذمته، فيكون التزاما لا في مقابله شيء.
وأيضًا فالولي ليس له أن يضمن في ذمة المحجور عليه، فكيف يجوز أن يأذن فيه؟ ، واعترض في "الروضة" أيضًا على كلام الرافعي، فإنه لو سلم أنه كالقرض كان القرض تبرعًا، فلا يصح إذن الولي فيه، ولذلك
الجزء: 5 - الصفحة: 488
اعترض ابن الرفعة به أيضًا، وما قالاه لا يردّ، لأن مراد الرافعي: أنه إذا كان كالقرض فحيث جاز للولي القرض، كان في تعاطي السفيه له بإذن وليه الخلاف في البيع، وهو كلام صحيح، إلا أن الصواب أنه ليس كالقرض.
قوله في المسألة من "زوائده": وأمّا ضمان المريض فقال صاحب "الحاوي": هو معتبر من الثلث، لأنه تبرع، فإن كان عليه دين مستغرق فالضمان باطل، كان خرج بعضه من الثلث صح فيه، فلو ضمن في مرضه ثم أقر بدين مستغرق قدم الدين ولا يؤثر بتأخير الإقرار به.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله الماوردي وارتضاه من كون ضمان المريض معتبرًا من الثلث مطلقًا ليس كذلك لما بينه في آخر الباب فقال تبعًا للرافعي: إن كان بحيث يثبت الرجوع، ووجد الضامن مرجعًا فهو محسوب من رأس المال، وإن تم الرجوع أو لم يجد مرجعًا لموت الأصل معسرًا فمن الثلث.
هذا كلامه.
الأمر الثاني: أن جزمه ببطلان الضمان إذا كان عليه دين مستغرق مردود أيضًا، بل القاعدة تقتضى صحته وتتوقف بتقيده على وقت الموت، فإن حصلت البراءة من الدين بمال آخر أو إجارة من المستحق استمرت صحته، وإلا حكمنا ببطلانه.
قوله: وإن اقتصر السيد على الإذن للعبد في الضمان، فوجهان: أحدهما: يكون في ذمته إلى أن يعتق.
ثم قال: وأظهرهما: أنه يتعلق بما يكسبه بعد الإذن، كما لو أذن له في النكاح يتعلق باكتسابه.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على تعليقه بالأكساب الحاصلة بعد الإذن، وقالوا في كتاب النكاح: إنه إذا أذن له في النكاح، تعلقت المؤن
الجزء: 5 - الصفحة: 489
بالأكساب الحاصلة بعد النِّكاح، فاعتبروا هناك وقت وقوع المأذون فيه لا وقت الإذن حتي إذا حصل بين الإذن والنِّكاح كسب لا تتعلق به المؤن واعتبروا، وأيضًا العكس، مع أن الصورتين في المعنى على حد واحد فليسوى بينهما.
قوله من "زوائده": قلت: لو ثبت على عبد دين بالمعاملة فضمنه سيده صح كالأجنبي.
انتهى.
وهذه المسألة التي ذكرها على أنها من "زوائده"، قد ذكرها الرافعي في آخر العاقلة في الكلام على جناية العبد، وحكى فيها وجهًا أنه لا يصح مع مسائل أخرى ليست مذكورة هنا.
فقال: وهل يجوز ضمان أرش الجناية المتعلق بذمة العبد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا لعدم استقراره في الحال.
وأصحهما: نعم كضمان المعسر، وأولى لتوقع يساره وضمان ما يلزم من ذمته بدين المعاملة وأولى بالصحة، ولا خلاف أنه يصح ضمان ما تعلق بكسبه كالمهر في نكاح صحيح، ولو ضمنه السيد فمرتب على ضمان الأجنبي، وأولى بالصحة لتعلقه بملكه.
انتهى كلامه، واللفظ "للروضة".
والمسألة التى نقلنا هذه المسألة لأجلها هي المسألة الأخيرة، ولا يصح عودها إلى المسألة التي قبلها، وهو المهر، لأنه قد جعل الخلاف مرتبًا على الخلاف، والمهر ليس فيه خلاف.
قوله: الركن الرابع: المضمون، ويشترط فيه ثلاث صفات: كونه ثابتًا، ولازمًا، ومعلومًا.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على هذه الثلاث فقط، مع أن له شرطًا رابعًا نبه
الجزء: 5 - الصفحة: 490
عليه الغزالي، وهو أن يكون قابلًا لأن ينازع به الإنسان على غيره، فخرج حق القصاص وحد القذف والأخذ بالشفعة.
قوله: وإذا ضمن ما لم يجب، ولكن سحب ببيع أو قرض ونحوهما فالجديد: منعه، وذكر الإمام أمورًا مفرعة على القديم: إحداها: إذا قال: ضمنت لك ما يبيع من فلان، فباع الشيء بعد الشيء كان ضامنًا للكل، لأن (ما) من أدوات الشرط فتقتضي التعميم بخلاف ما إذا قال: إذا بعت من فلان فأنا ضامن، لا يكون ضامنًا إلا لثمن ما باعه أولًا، لأن -إذا- ليست من أدوات الشرط.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كون ما للشرط، وإذا ليست للشرط قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو بالعكس، لأن ما موصولة لا شرطية.
وأما (إذا) فقد صرح بشرطيتها في التعليقات.
قوله: وإذا قلنا بالجديد: وهو أنه لا يصح ضمان ما لم يجب فلو قال: أقرض فلانًا كذا وعلى ضمانه فأقرضه قال الروياني: المذهب أنه لا يجوز.
وعن ابن سريج تجويزه لأنه ضمان مقرون بالقرض.
انتهى.
صرح في "الروضة" من الأصل بأن الصحيح المنع.
قوله: ولو ضمن نفقة اليوم للزوجة صح، لأنها تجب بطلوع الشمس.
انتهى كلامه.
وما ذكره من الوجوب بطلوع الشمس وجه ضعيف، والمعروف أنها تجب بطلوع الفجر، كما ذكره هو في كتاب النفقات، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى، وقد أصلحه في "الروضة" فعبر بالفجر، ولم ينبه على أنه من "زوائده" فتفطن له.
قوله: وإذا قلنا بالقديم: أنه يجوز ضمان نفقة المستقبل، فله شرطان:
الجزء: 5 - الصفحة: 491
أحدهما: أن يقدر مدة، فإن أطلق لم يصح فيما بعد العد، وفيه وجهان أخذًا من الخلاف فيما إذا قال: أجرتك كل شهر بدرهم، ولم يقدر هل يصح في الشهر الأول؟ انتهي كلامه.
تابعه في "الروضة" على إطلاق ذلك، وهو إنما يستقيم إذا عبرنا بالأيام فقال مثلًا: ضمنت نفقة زوجتك كل يوم مستقبل، فإن قال: كل شهر، فيكون الوجهان في الشهر الأول.
وإن قال: كل سنة، فيكونان في السنة الأولى.
قوله: ولو ضمن عهدة الثمن لو خرج المبيع معيبًا فرده، أو بأن فساد البيع بسبب غير الاستحقاق، ففيه وجهان: وجه البطلان في فساد البيع إمكان الاستغناء عنه بحبس المبيع إلي استرداد الثمن، قال في "التتمة": المذهب منهما: أنه لا يصح، لكن العراقيون أجابوا بالصحة ورووه عن ابن سريج، ونفى صاحب "البيان" الخلاف فيه.
فإن قلنا بالصحة إذا ضمن صريحًا، فقد حكى الإمام والغزالي وجهين في اندراجه تحت مطلق ضمان العهدة.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره هاهنا من أن المشتري شراءًا فاسدًا يحبس المبيع لأجل الثمن ليس هو الصحيح، فقد تقدم في البيوع المنهي عنها ما يناقضه، وأن الأصح عدم الحبس.
الأمر الثاني: أن الراجح من الوجهين الأخيرين عدم الدخول، كذا رجحه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: إنه أقرب الوجهين، وقال في "الروضة" من "زياداته" بعد هذا بقليل: إنه الأصح، فإن الرافعي قال هناك: ونحن نجمع ما يطالب به ضامن العهدة في فصل.
الجزء: 5 - الصفحة: 492
ثم ذكر هذا الفصل، وذكر هذه المسألة، فلما انتهى إليها النووي صحح عدم المطالبة كما قلناه، ولم يصححه في هذا الموضع، بل حكي وجهين، فافهم ذلك فإنه قد يلبس.
ورجحه أيضًا في "الكفاية" فقال: إن الأكثرين عليه.
قوله: قال في "الصحاح": العهدة الرجعية، يقال [أبيعك] 4 [الملس] 5 لا عهدة أي ينملس وينفلت فلا يرجع إلى.
انتهى.
وقد بين الجوهري هذه في باب السين فقال: وناقة ملسى مثل جفلى أى تَمَلَّس وتمضي لا يعلق بها شيء من سرعتها.
ويقال في البيع مَلَس لا عهدة، أي قد انملس من الأجر لا له ولا عليه، ثم ذكر أيضًا الكلام الذي نقله الرافعي عنه.
قوله: وأصح الوجهين، وبه قطع بعضهم: جواز ضمان الثمن في مدة الخيار، لأنه ينتهي إلى اللزوم، ثم قال بعد ذلك: والخلاف على ما ذكره صاحب "التتمة": مفروض فيما إذا كان الخيار للمشتري أولهما.
أما إذا كان الخيار للبائع وحده صح ضمانه بلا خلاف، لأن الدين لازم في حق من عليه.
انتهى كلامه.
واعلم أنه قد تقدم في البيع في الكلام على أقوال الملك في زمن الخيار أن الثمن والمبيع لا يجتمعان في ملك شخص واحد، بل حيث قلنا: إن الملك في المبيع للمشتري، فالثمن للبائع، وإن قلنا: للبائع فالثمن للمشتري، وإن قلنا: موقوف فموقوف.
وتقدم أيضًا أن هذه الأقوال الثلاثة جارية، سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما، إلا أن الصحيح أنه إذا كان الخيار لأحدهما كان الملك له.
الجزء: 5 - الصفحة: 493
وقيل: محل الخلاف إذا كان لهما، فإن كان لأحدهما فالملك له قطعًا، وعلى هذا فإذا كان الخيار للبائع كان الملك في المبيع له، إما بلا خلاف وإما على الصحيح، وحينئذ فلا ثمن على المشتري بلا خلاف أو على الصحيح فضلًا عن كونه لازمًا، فكيف يتصور أن يقال فيه بصحة الضمان بلا خلاف مع حكاية الخلاف في عكسه؟ إلا أن النقل في "التتمة" كما قاله الرافعي.
[قوله: ] 6 الثاني: هل الإبراء محض إسقاط كالإعتاق أو هو تمليك المديون ما في ذمته، ثم إذا ملكه سقط وفيه رأيان، إن قلنا: إسقاط: صح الإبراء عن المجهول، وإن قلنا: تمليك، لم يصح، وهو ظاهر المذهب.
وحاصل هذا أن الأظهر أنه تمليك، لأنه إن كان الأظهر عائدًا عليه وهو ما يقتضيه سياق الكلام فواضح، وإن كان عائدًا إلى الإبراء فهو لازم أيضًا، لأن جعله لازمًا عن القول بالتمليك، فيلزم من ترجيحه ترجيح الأول، ثم ذكر في "الشرح الصغير" ما يخالفه، فقال في أوائل الوكالة قبل الركن الثاني بقليل ما نصه: وهل يشترط في الإبراء علم من عليه الحق؟ ينبني ذلك على أن الإبراء محض إسقاط أو هو تمليك من عليه الحق، ثم إنه يسقط إن قلنا بالأول لم يشترط علمه وهو الظاهر، وإن قلنا بالثاني فلابد من علمه.
انتهى.
ولم يصرح في "الكبير" هناك بتصحيح، وقد اختلف كلام النووي أيضًا، فإنه صحح في أصل "الروضة" من الوكالة ما يوافق "الشرح الصغير" مع ذكره للمسألة هنا كما ذكرها الرافعي، فوق في الاختلاف، وقال في باب الرجعة من "زياداته": المختار: أنه لا يطلق ترجيح واحد من القولين، وإنما يختلف الراجح بحسب المسائل لظهور دليل أحد
الجزء: 5 - الصفحة: 494
الطرفين.
قوله: ومنها لو كان لأبيه دين على إنسان فأبرأه، وهو لا يعلم موت مورثه، إن قلنا: إنه إسقاط صح، كما لو قال لعبد أبيه: أعتقتك، وهو لا يعلم موت الأب، وإن قلنا: تمليك فهو كما لو باع مال أبيه على ظن أنه حي وهو ميت.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أن العتق لا يخرج على القولين في البيع لكونه إسقاطًا، تبعه عليه في "الروضة"، وذكر في كتاب النكاح في أوائل نكاح المشركات ما يوافقه.
وخالفه في البيع كما تقدم هناك مبسوطًا فراجعه.
قوله أيضًا: ومنها: أنه لا يحتاج إلى القبول، إن جعلناه إسقاطًا، وكذا إن جعلناه تمليكًا في ظاهر المذهب.
ثم قال: فإن لم نعتبر القبول ففي ارتداده بالرد وجهان انتهى.
والأصح عدم الرد كما قاله في "الروضة".
قوله: ولو قال: ضمنت مالك على فلان من درهم إلى عشرة، ففيه قولان على ما رواه صاحب الكتاب والصيدلاني، ووجهان على ما رواه الإمام وآخرون:
أظهرهما: الصحة.
انتهى.
جزم في "المحرر" بأن الخلاف وجهان، وصححه النووي في "الروضة"، ورجح في "الشرح الصغير" عكسه، فقال: فيه قولان، ويقال: وجهان.
هذا لفظه.
قوله: وإذا قلنا بالصحة فقيل: لزمه عشرة ادخالًا للطرفين، وهو الأصح في "التهذيب".
الجزء: 5 - الصفحة: 495
وقيل: ثمانية إخراجًا لهما، وقيل: تسعة إدخالًا للأول.
انتهى ملخصًا.
وهذه الأوجه ذكرها أيضًا في نظيره من الإقرار، ونقل ما نقله عن "التهذيب"، ثم نقل عن الشيخ أبي حامد والعراقيين والغزالي، أن الأصح أنه يكون مقرًا بتسعة.
ونظير المسألة أيضًا في الطلاق، أن يقول: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث، وفيه الأوجه المذكورة، وهى طلقة وطلقتان أو ثلاث، كذا حكاه الرافعي، ونقل عن البغوي تصحيح وقوع الثلاث وفاء ببقاء عدته، ولم يذكر في "المحرر" مسألة الطلاق، وصحح في هذا الباب لزوم العشرة، وعبر بالأصح.
وصحح في الإقرار لزوم القسمة، وعبر بالأظهر، وكأنه لما لم يجد التصحيح هنا إلا البغوي، صرح به فوقع في الاختلاف، وقد صرح به أيضًا النووي في أصل "الروضة" من غير نقله عن صاحب "التهذيب"، ثم استدرك عليه وقال: إن الأصح لزوم تسعة، قال: وسنوضحه في الإقرار، وهو اختصار عجيب.
لا جرم أن الرافعي في "الشرح الصغير" لم يصحح في هذا الباب شيئًا، ولا نقله عن أحد، بل أحاله على الإقرار.
ومن نظائر المسألة ما إذا قال: أعطوه من واحد إلى عشرة.
وقد ذكرها الرافعي في كتاب الوصيَّة فقال ما نصه: فعلى الأوجه المذكورة في الإقرار.
وحكى الأستاذ أبو منصور عن بعض الأصحاب: أنه إن أراد الحساب فللموصى له خمسة وخمسون، لأن الحاصل من جمع واحد إلى عشرة
الجزء: 5 - الصفحة: 496
على توالي العدد، وإن لم يرد الحساب فله المتيقن وهو ثمانية، ولا شك في اطراد هذا في الإقرار.
هذا كلام الرافعي.
والذي قاله هذا القائل الأخير متعين، ولا يمكن أن يكون وجهًا آخر كما يوهمه كلام الرافعي، فإنه إذا علم بإخباره أو بغيره أن مراده الواحد والاثنان والثلاثة.
. . . إلي آخرها، لزمه المجموع قطعًا فاعلمه، وقد تحصل مما نقله الرافعي في الإقرار أن الأكثرين على إدخال الأول دون الأخير فليكن كذلك هذا، وفي الطلاق فاعلمه.
قوله: ولو قال: ضمنت لك الدراهم التي لك على فلان، وهو لا يعرف مبلغها فهل: يصح في ثلاثة لدخولها في اللفظ على كل حال؟ فيه وجهان كما لو قال: أجرتك كل شهر بدرهم هل يصح في الشهر الأول؟ .
وهذه المسائل بعينها جارية في الإبراء.
انتهى.
ومقتضى هذا أن الراجح صحة الإبراء في المتيقن، لأن المرجح في الشهر الأول أنه لا يصح، ثم ذكر ما يخالفه في الصداق في أوائل الباب الثالث في التفويض، فإنه رجح الصحة في الثلاث على تفريق الصفقة، والراجح التفريق فيكون الأصح فيها الصحة، وسأذكر لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى، ولا ذكر للمسألة في "الشرح الصغير".
قوله: فرع: يصح ضمان الزكاة على من هي عليه على الصحيح، وقيل: لا، لأنها حق لله تعالى، فعلى الصحيح يعتبر الإذن عند الأذى على الأصح.
انتهى.
وصورة المسألة في الضمان عن الحي، أنها عن الميت فيجوز أداء الزكوات والكفارات عنه على الأصح المنصوص، وإن انتفى الإذن كما ذكره في كتاب الوصية، ولا فرق هناك بين أن يسبقه ضمان أم لا.
الجزء: 5 - الصفحة: 497
واعلم أن الزكاة إن كانت في الذمة فواضح، وإن كانت في العين فتظهر صحتها أيضًا كما أطلقوه في العين المغصوبة.
قوله: وإذا تلفت العين التي تكفل بردها، وقلنا بوجوب قيمتها، فهل يجب اقتضاء قيمتها إن كانت مغصوبة، أم قيمة يوم التلف، لأن الكفيل لم يكن متعديًا؟ فيه وجهان.
انتهى.
قال في "الروضة": الثاني أقوى، ولم يتعرض للمسألة في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر".
قوله: ومنها الميت قد يستحق إحضاره ليقيم الشهود الشهادة على صورته إذا تحملوها كذلك، ولم يعرفوا اسمه ونسبه إذا كان كذلك صحت الكفالة ببدنه.
انتهى كلامه.
وما ذكره من صحة الكفالة ببدن الميت، قد صرح به أيضًا بعد ذلك في الكلام على ما إذا مات المكفول به، لكنهم قد ذكروا أن شرط صحة الكفالة إذن المكفول به، أو من يقوم مقامه كولى الصبي والمجنون، وقياسه اشتراط إذن الوارث في مسألتنا، وقد أبداه في "المطلب" بحثًا، فقال: الظاهر اشتراطه، وسكت عن من يعتبر إذنه، والظاهر أنه جميع الورثة.
قوله: ومنها قال الإمام: لو تكفل رجل ببغداد رجلًا بالبصرة، فالكفالة باطلة، لأن من بالبصرة لا يلزمه الحضور بغداد في الخصومات، والكفيل فرع المكفول بدنه، فإذا لم يجب عليه الحضور لا يمكن إيجاب الاحضار على الكفيل.
انتهى كلامه.
وهذا الذي قاله الإمام إنما هو تفريع على أن المكفول ببدنه لا يلزمه إحضاره من مسافة القصر، والصحيح خلافه، فيكون الصحيح في مسألتنا خلاف ما قاله الإمام، كذا نبه عليه الرافعي بعد هذا بنحو ورقتين فاعلمه.
الجزء: 5 - الصفحة: 498
وقد نقله في "الروضة" إلي هذا الموضع.
قوله: لو مات المكفول به، لم يطالب الكفيل بمال في أصح الوجهين، فإن قلنا: يطالب، فهل يطالب بالدين أو الأقل من الدين ودية المكفول به؟ فيه وجهان بناء على القولين في أن السيد يفدى الجاني بالأرش، أم بأقل الأمرين من الأرش وقيمة العبد؟ انتهى.
قال في "الروضة": المختار المطالبة بالدين، فإن الدية غير مستحقة بخلاف قيمة العبد.
قوله من "زياداته": ولو مات المكفول له بقى الحق لوارثه، فإن كان له غرماء وورثه وأوصي إلى زيد بإخراج ثلثه، لم يبرأ الكفيل إلا بالتسليم إلى الورثة والغرماء والموصى فلو سلم إلى الورثة والغرماء والموصى لهم دون الموصى، ففي براءته وجهان حكاهما ابن سريج والله أعلم.
وما ذكره هاهنا في البراءة من الدين عند اجتماع المذكورين قد ذكره في آخر كتاب الكتابة مبسوطًا، ومخالفًا أيضًا للمذكور هنا.
قوله: ولو قال: دين فلان إلى، ففي كونه صريحًا وجهان.
قال في "الروضة": أقواهما: عدم الصراحة، ولم يذكرها في "المحرر" ولا في "الشرح الصغير".
قوله: ضمن عن رجل ألفًا، وشرط للمضمون له أن يعطيه كل شهر درهمًا ولا يحبسه من الضمان، فالشرط باطل وفي بطلان الضمان وجهان.
انتهى.
والأصح البطلان، كذا صححه في "الروضة".
قوله: ولو ضمن دينا أو كفل ببدن إنسان، ثم ادعى أنه كفل ولا حق عن المضمون عنه أو المكفول ببدنه، فالقول قول المكفول له، لأن الضمان والكفالة لا تكون إلا بعد ثبوت الحق.
انتهى كلامه.
الجزء: 5 - الصفحة: 499
وليس المراد بالثبوت هنا هو الثبوت عند الحكم ولا الشهادة عليه بذلك ولا اعترافه به، فإن الثبوت بهذا المعنى لا يشترط على الصحيح كما سبق في أوائل الكلام على الكفالة، بل المراد هو التحقيق والوجوب عليه، سواء كان معترفًا به أم لا، ويدل عليه أن صورة المسألة التي ذكر فيها هذا التعليل أن يدعي أنه كفله ولا حق عليه، والكفالة في هذه الصورة لا تصح بلا خلاف إذا وافقه المكفول له على ذلك، ولهذا لم يذكر في "الروضة" هذا التعليل، بل اقتصر علي صورة المسألة.
الجزء: 5 - الصفحة: 500
الباب الثاني فيما يترتب على الضمان الصحيح
قوله: أصل مسائل الفصل وجهان خرجهما ابن سريج في أن مجرد الضمان هل يثبت حقًا للضامن على الأصل ويوجب علقة بينهما أو لا؟ ، ففي وجه يوجب لأنه اشتغلت ذمته بالحق، كما ضمن فيثبت له عوضه على الأصيل، وفي وجه لا لأنه لا يفوت عليه قبل الغرم شيء فلا يثبت له شيء إلا بالغرم.
إذا عرفت هذا فلو طالب المضمون له الضامن بأداء المال، كان له إذا ضمن بالإذن أن يطالب الأصيل بتخليصه، وذلك بأن يؤدي ما عليه فيبرأ الضامن، وهل يطالب بالتخليص قبل أن يطالب؟ فيه وجهان: أصحهما: لا.
ثم قال: وينبنى على الأصل السابق أنه هل يتمكن الضامن من تغريم الأصل قبل أن يغرم؟ إن أثبتنا له حقًا على الأصيل بمجرد الضمان فله أخذه، وإلا فلا.
ومنها أن الضامن هل يحبس الأصيل إذا حبس؟ إن أثبتنا العلقة حبسه وإلا فلا، وهو الأصح.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره في آخر كلامه من تقييد محل الخلاف بما إذا حبس الضامن، قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة"، وهو غير مستقيم، لأن القائل بثبوت المال عليه بمجرد الضمان كيف يتصور أن يمنع من حبسه عليه؟ ، ويدل عليه جواز تغريمه قبل أن يغرم، كما سبق من كلام الرافعي، فالصواب ما قاله في "المطلب": أنه لا يشترط.
الجزء: 5 - الصفحة: 501
واعلم أن تصحيح المطالبة بالخلاص مع تصحيح عدم الحبس كالمتنافي، لأنه إذا علم أنه لا يحبس لم يبال بالمطالبة بالخلاص، فلا يبقى لها كثير فائدة، حتى قال في "المطلب": إنه لا يرسم عليه أيضًا، والمتجه عند من أثبت له حق المطالبة بالخلاص: أن يجوز حبسه عند امتناعه من هذا الحق.
قوله: ولو ضمن بغير إذن وأدى بإذن، فأصح الوجهين: أنه لا يرجع، فلو أذن في الأداء والحالة هذه شرط الرجوع، ففي الرجوع احتمالان للإمام في "الروضة" فقال: الأصح أنه يرجع.
وهذه المسألة قد ذكرها الماوردي، وجزم بالرجوع، لكنه صور المسألة بما إذا قال: أدِّ عني ما ضمنته ليرجع به عليه أعني بزيادة قوله: (عني) -والظاهر أن هذه الزيادة ليست للتقييد ويتجه أن يقال في أصل "الروضة": إنه إن أدى لأجل الضمان لم يرجع، وإن أدي لأجل الأذن رجع.
وهو نظير ما قاله بعضهم في العبادة المكره عليها إن أتي بها لداعي الإكراه لم تصح أو لداعي الشرع صحت، ولم يذكر المسألة في "المحرر"، ولا في "الشرح الصغير".
قوله: فإن كان ما دفعه إلى رب الدين من جنس الدين وعلى صفته رجع به.
انتهى.
ومقتضاه أنه يرد المثل في المتقدم أيضًا، وهو كذلك.
فاعلمه، فقد صرح الرافعي بعد هذا بأن الأداء في ضمنه إقراض المؤدى عنه، والصحيح في القرض رد المثل، وذكره الإمام هنا بحثًا فقال: لا يمنع تخريجه عليه، كذا نقله عنه الرافعي في الكلام على ضمان المجهول، وقد صرح -أعني الإمام- بحكاية ذلك عن رواية القاضي في أوائل السلم.
الجزء: 5 - الصفحة: 502
قوله: وصيرورة الدين ميراثًا للضامن، كالأداء في ثبوت الرجوع وعدمه.
هذا لفظ الرافعي بحروفه.
وتابعه عليه في "الروضة"، وأشار بقوله: في ثبوت الرجوع إلى الضمان بالإذن، وبقوله: وعدمه إلى الضمان بغير الإذن.
وما قاله في هذا الموضع غلط، وذلك لأن الضامن إذا ورث الدين الذي ضمنه فلا شك أن ذمته تبرأ من الضمان، لأنه يستحيل أن يكون ضامنًا لنفسه.
وأما ما في ذمة الذي كان قد ضمنه وانتقل إليه بالإرث فباقٍ بلا شك، لأنه لم يوجد شيء مما يقتضي إسقاطه من أداء أو إكراه، وغير ذلك، ولم يوجد سوي براءة ذمة الكفيل لمانع شرعي من بقاء الضمان، ولا يلزم من براءة ذمة الكفيل براءة ذمة الأصيل، وحينئذ فتثبت له مطالبته، كان ضمنه لغير الأذن فلا يتصور ما قاله الرافعي من عدم الأخذ من المضمون عنه، المعبر عنه بعدم الرجوع إذا ضمن بالإذن، لأن الرجوع عليه إنما يكون على تقدير أن يكون قد أبرأ ذمته بما أعطاه، وهاهنا ليس كذلك كما قلناه غير أن الضامن من قد ورثه فيطالبه به لكونه وارث صاحب الدين.
قوله: ولو قال المضمون له: بعتك هذا العبد بما ضمنته لك على فلان، ففي صحة البيع وجهان حكاهما الأستاذ أبو منصور، فإن صححنا فهل يرجع بما ضمنه أم بالأقل مما ضمنه من قيمة العبد؟ قال: فيه وجهان.
انتهى.
قال في "الروضة": المختار صحة البيع، وأنه يرجع بما ضمنه، ولا ذكر للمسألة في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر".
قوله: ولو ضمن ذمي لذمي دينًا على مسلم، ثم تصالحا على خمر فهل يبرأ المسلم؟ فيه وجهان.
الجزء: 5 - الصفحة: 503
فإن قلنا: يبرأ ففي رجوع الضامن وجهان.
انتهى.
قال في "الروضة": الأصح أنه لا يبرأ أو لا يرجع، ولم يتعرض للمسألة في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر" أيضًا.
قوله في "الروضة": وليست كما لو قال: أدِّ دين فلان، حيث لا يرجع قطعًا على الآمر، لأن الحق لم يتعلق بذمته.
انتهى.
وما ادعاه من نفي الخلاف قلد فيه الغزالي في "الوسيط"، فإنه عبر أيضًا بقوله: قطعًا.
وليس كذلك، فقد حكى في "البحر" في المسألة وجهين ونقلهما عنه أيضًا في "المطلب".
قوله: ولو أشهد -يعنى الضامن- على الأداء واحدًا اعتمادًا على أن يحلف معه فوجهان:
أصحهما: أنه يكفي لأن الشاهد مع اليمين حجة كافية لإثبات الحق.
والثاني: لا، لأنهما قد يترافعان إلى حنفي بشاهد ويمين.
انتهى كلامه.
وصورة محل الخلاف أن يموت الشاهد أو يغيب، فإن كان حاضرًا وشهد وحلف معه الضامن، فإنه يرجع وجهًا واحدًا، كذا نقله في "الكفاية" عن القاضي والبندنيجي وكذلك المتولي.
وألحق بحال موته ما إذا رفعت الخصومة إلى من لا يرى القضاء بالشاهد واليمين.
[قوله] 7 ولو قال الضامن: من أشهدت وماتوا وأنكر الأصيل الإشهاد، فأصح الوجهين أن القول قول الأصيل، ولا رجوع لأن الأصل عدم الإشهاد، ولو قال الشاهدان: لا ندري، وربما نسينا ففيه تردد للإمام.
الجزء: 5 - الصفحة: 504
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على حكاية هذا التردد من غير ترجيح والإمام بعد حكايته له رجح عدم الرجوع، وجعله أولى بذلك من دعواه، موت الشهود.
قوله: وإذا أخذ المال من الكفيل مرة ثانية لإنكار رب المال، فهل يرجع بالمغروم أولًا، لأنه مظلوم بالثاني أم يرجع بالثاني لأنه المسقط للمطالبة؟ فيه وجهان:
قال في "الروضة": ينبغي أن يرجع بأقلهما، لأنه إن كان الأول فهو يزعم أنه مظلوم بالثاني، وإن كان الثاني فهو المبريء، ولأن الأصل من الزائد.
والله أعلم.
وما ذكره النووي بحثًا وأشعر كلامه بعدم الوقوف عليه، قد سبقه إليه ابن الصباغ في "الشامل" فقال بعد حكاية الوجهين: وينبغي عندي أن يرجع بأقلهما لأن الأول إن كان أقل فهو لا يدعي إلا هو، وإن كان الثاني أقل فهو الذي استحق به الرجوع في الحكم، فلا يرجع بأكثر منه.
هذا كلامه.
وجزم به أيضًا في "التتمة" وحكى في "البحر" أربعة أوجه:
أحدها: هذا.
والثاني والثالث: الوجهان السابقان.
والرابع: أنه يرجع بأحدهما لا بعينه، لأنه وجب له على المضمون عنه ألف من غير تعيين.
ثم نقل عن القاضي أبي الطيب أنه قال: إنه الصحيح عندي، لكن الذي صححه القاضي أبو الطيب في "تعليقه" إنما هو الرجوع بالثاني.
الجزء: 5 - الصفحة: 505
[باب] (1) الشركة
قوله: ثم إنْ عَيَّنَ الشريك جنسًا.
. . . إلى آخره.
أهمل قسمًا ثالثًا وهو ما إذا أطلق الإذن، ولم يتعرض لما يتصرف فيه.
قال في "الروضة": والأصح فيه الجواز كالقراض.
قوله في "الروضة": تجوز الشركة في النقدين قطعًا، ولا تجوز في المتقومات قطعًا؛ وفي المثليات قولان: أظهرهما: الجواز.
انتهى كلامه.
وما ذكره من نفي الخلاف في المتقومات ليس كذلك، فقد ذهب أبو الحسن الجوري -بضم الجيم والراء المهملة- في "شرح المختصر" إلى الجواز فقال: الصحيح عندي جواز الشركة في العروض كلها إذا استوت قيمتها سواء كانت من جنس واحد أو أجناس، وقد نقله عنه أيضًا في "المطلب".
قوله: فأما [غير] 9 المضروب من التبر والحلي والسبائك، فقد أطلقوا منع الشركة فيها، لكن يجوز أن يقال: إن جعلناه متقومًا لم يجز، وإن جعلناه مثليًا ففيه الخلاف في المثليات.
انتهى.
ودعواه أنهم أطلقوا المنع غريب، فقد حكى صاحب "التتمة" في انعقاد الشركة على التبر والنقرة الوجهين في المثليات، موافقًا لبحث الرافعي، ونقله عنه أيضًا في "الروضة" والنقرة هي السبيكة كما قاله الجوهري فتفطن له.
ولهذا قال الشافعي في الغصب من "الأم": لو غصب نقرة فضربها8
الجزء: 5 - الصفحة: 506
دنانير أو دراهم فلا شيء له.
قوله: وأما الدراهم المغشوشة، فقال الروياني: لا تصح الشركة فيها خلافًا لأبي حنيفة.
وقال في "العدة": الفتوى على الجواز.
انتهى.
والأصح ما قاله في "العدة"، كذا صححه في "الروضة"، قال: والمراد بصاحب "العدة" هنا هو أبو المكارم الروياني.
قلت: وهو ابن أخت صاحب "البحر" كما ذكره الرافعي في النفقات في الكلام على الفسخ بالإعسار، وفي القضاء بالتحكيم، واحترز بذلك عن "العدة" لأبي عبد الله الحسين الطبري، والأمر كما قاله النووي، فقد راجعت عدة أبي الحسين فلم أجده قد تعرض للمسألة بالكلية.
قوله: لأحدهما دنانير وللآخر دراهم، فابتاعا شيئًا بهما يقوم ما ليس نقد البلد منهما بما هو نقد البلد، فإن استويا في القيمة فالشركة على التساوي، وإلا فعلى الاختلاف.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على ذلك، وينبغي أن يعلم أن هذه المسألة يجيء فيها القولان فيما إذا كان لرجلين عبدان، لكل واحد عبد، فباعهما بثمن واحد، لأن الثمن المعين كالمبيع.
والعلة في القول الذي صححوه هناك وهو البطلان أن حصة كل واحد منهما من الثمن مجهولة حالة البيع، وإن كانت تعلم بالتقويم، وهاهنا حصة كل واحد من المبيع مجهولة، وإن كانت بالتقويم تعلم أيضًا.
وحينئذ فيكون الأصح على ما قاله في تلك المسألة، هو البطلان هنا، وهذا التخريج واضح، وقد صرح به صاحب "الشامل"، وأشار إلى أن
الجزء: 5 - الصفحة: 507
البيع لابد أن يكون بعين النقدين، وعزاه إلى الأصحاب، وإلى أنه لابد من تقويم الثوب، فإنه قال: إذا أراد القيمة نظر إلى نقد البلد فقوما الثوب به، وقوما مال الآخر به، ويكون التقويم حين صرف الثمن.
هذا كلامه.
قوله في "الروضة": شركة الوجوه، وقد فسرت بصور، ثم قال: والثالثة: أن يشتري وجيه لا مال له، وخامل ذو مال ليكون العمل من الوجيه، والمال من الخامل ويكون المال في يده لا يسلمه إلي الوجيه والربح بينهما.
انتهى.
وتعبيره بقوله: يشتري بالياء هو كذلك في خطه أيضًا كما هو في النسخ، وهو تحريف، وصوابه أن يشترك بالكاف كما وقع في الرافعي.
قوله في أصل "الروضة": الثالثة: استأجر رجل الراوية من صاحبها والحمل من صاحبه، واستأجر أيضًا المستقي لاستقاء الماء، وهو مباح، نظر إن أفرد كل واحد بعقد صح.
والماء للمستأجر وإن جمع الجميع في عقد واحد ففي صحة الإجارة قولان كمن اشترى عبدين لرجلين بثمن واحد، فإن صححنا وزعت الأجرة المسماة على أجود الأمثال، وإلا فلكل واحد عليه أجرة المثل، ويكون الماء للمستأجر.
ثم قال ما نصه: وموضع القولين إذا وردت الإجارة على غير المستقى، والحمل والراوية.
فأما إذا التزم ذممهم فتصح الإجارة قطعًا.
انتهى كلامه.
وحاصل عبارته أنه إذا التزم رجلًا جملًا في ذمته، وآخرا راوية في ذمته، وأخر الاستقاء في الذمة على الحمل المذكور والراوية صحت
الجزء: 5 - الصفحة: 508
الإجارة، وهو باطل قطعًا لأن المعنى المقتضي للإبطال في إجارة العين موجود بعينه هاهنا.
وهذا الوهم سببه إسقاط كلمة من الرافعي، فإنه قال: فأما إذا ألزم ذممهم السقي، وعلى هذا التقدير لا إشكال في الصحة، لأن كل واحد ليس متميزًا عن الآخر باستئجار شيء منه.
قوله: ومنها لواحد البذر ولآخر آلة الحرث ولآخر الأرض، واشتركوا مع رابع ليعمل ويكون الريع بينهم فالزرع لصاحب البذر، وعليه لأصحابه أجرة المثل، قال في "التتمة": فلو أصاب الزرع آفة ولم يحصل من الغلة شيء فلا شيء لهم، لأنهم لم يحصلوا له شيئًا، ولا يخفى عدول هذا الكلام عن القياس الظاهر.
انتهى.
قال في "الروضة": الصواب ما قاله المتولي، وتبعه عليه في "المطلب" أيضًا، وعلله بأن منافعهم والحالة هذه قد تلفت تحت أيديهم، وإنما ضمنها إذا لم يتلف الزرع لحصول منفعتهم له، وهذا الذي ذكراه غير مستقيم، بل الصواب ما قاله الرافعي، فإنهم قد اتفقوا في القراض الفاسد على أن العامل حيث استحق الأجرة، لا فرق بين أن يحصل في المال ربح أم لا، والمعني المذكور في الشركة موجود بعينه في القراض.
قوله: تنفسخ الشركة بموت أحدهما، وحينئذ فللوارث تقرير الشركة، وإنما يتقرر بعقد يستأنف.
انتهى.
تابعه في "الروضة" عليه، وهو يقتضي أنه لابد أن يوجد ما يوجد في الابتداء، لكن إذا انفسخ القراض جاز عقده بلفظ التقرير والترك ونحوهما على الأصح، لكن يشترط أن يكون ما يجوز القراض عليه في الأصح بخلاف القرض، وقياس هذا منه انعقاده به أيضًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 509
وبه جزم القاضي الحسين وابن الرفعة في "المطلب".
قول: فإن تساويا في المال، وشرطا التفاضل في الربح، أو تفاضلا في المال وشرطا التساوي في الربح فسد العقد.
ثم قال: ونقل الإمام خلافًا للأصحاب في أن الشركة تفسد بهذا الشرط أو يطرح الشرط والشركة بحالها لنفوذ التصرفات، ويوزع الريح على المالين، ولم يتعرض غيره لحكاية الخلاف.
انتهى كلامه.
وهذا الخلاف الذي أنكره، وتابعه في "الروضة" على نحوه أيضًا قد صرح بحكايته الماوردي في "الحاوي" و"الروياني" في "البحر".
الجزء: 5 - الصفحة: 510