المهمات في شرح الروضة والرافعيصفحات 451-456

وعبر في "المجرد" بنحو عبارة البندنيجي فقال: وليس في إخراجها استحباب، فإن فعل فلا بأس، والقاضي أبو الطيب في تعليقه، وحكاه عن الأصحاب، وعن نص الشافعي، والماوردي في "الحاوي" فقال: نص عليه الشافعي، وقال به سائر أصحابنا إلا ابن أبي هريرة، ومنهم الشيخ في "المهذب"، وهو مقتضى كلامه، وفي "التنبيه" أيضًا وابن الصباغ والمتولي في "التتمة" وأبو عبد الله الحسين الطبري في "العدة" والروياني في "البحر" والشاشي في "الحلية" ناقلين له عن النص أيضًا، والجرجاني في "الشافي" وذكر في "البحر" نحوه أيضًا، والخوارزمي في "الكافي" ونقله أيضًا عن النص، وأبو نصر البندنيجي في كتاب "المعتمد"، والعمراني في "البيان"، واقتضاه أيضًا كلام ابن أبي هريرة في "شرح المختصر" الذي علقه عنه أبو علي الطبري، فإنه استحب إخراج الشيوخ والعجائز والصبيان، واقتصر على ذلك.
وصنع مثله أبو على الزجاجي في "التهذيب" والشيخ نصر في كتابه المسمى "بالمقصود".
فهذه نقول الأصحاب متظافرة بعدم الاستحباب على تصريح كثير منهم بالكراهة كما سبقت الإشارة إليه، والقائلون بالاستحباب بالنسبة إليهم في غاية القلة، ولو تساووا لرجحنا بنص إمام المذهب بل يجب المصير إلى النص، ولو كان المخالفون له أكثر، فكيف عند القلة، وكلام النووي هنا في "شرح المهذب" في غاية الاقتصاد أيضًا، ولا شك أن الرافعي والنووي لو اطلعا على هذه النقول لم يذكرا ما ذكراه، إلا أن أكثر هذه الكتب لم يقفا عليها، ومن استقرأ كلامهما وتأمل الكتب التي ينقلان عنها قطع بذلك واعترف به إن كان منصفًا، وأما المعاند أو من لا اطلاع له، المقلد لما يسمعه أو لبعض ما يقف عليه المستريح من مشقة التعب فلا كلام معه، ولله الحمد على التوفيق للصواب.

قال العلماء: والمراد "بالركع" في الحديث: هم الذين قد انحنت ظهورهم من الكبر، ولهذا ورد في رواية أخرى: "لولا شيوخ" بدلًا عن "رجال".
وقد نظم بعضهم 1 هذا المعنى الوارد في الحديث فقال: لولا عباد للإله ركع... وصبية من اليتامى رضع ومهملات في الفلاة رتع... صب عليكم العذاب الأوجع

قوله: واختلفوا في وقتها فقيل: تختص بوقت العيد، وقيل: تبقى ما لم يصلي العصر، وقيل: لا تختص بوقت.
وقد قدمنا عن الأئمة وجهين في كراهتها في الأوقات المكروهة، ومعلوم أن الأوقات المكروهة غير داخلة في وقت صلاة العيد، ولا مع انضمام ما بين الزوال والعصر إليه فيلزم أن لا يكون وقت الاستسقاء منحصرًا في ذلك.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أنه لم يصرح بتصحيح هنا، وقد صرح به في "الشرح الصغير" فقال ما نصه: وأشبههما أن جميع الليل والنهار وقت لها.
وقال في "الروضة": إنه الصحيح الذي نص عليه الشافعي وقطع به الأكثرون، وصححه الرافعي في "المحرر" وما نقله عن تصحيح "المحرر" ليس كذلك، فإنه قال: والأشبه أن وقتها لا ينحصر في وقت صلاة العيد.
هذه عبارته.
ولا يلزم من عدم اختصاصها بوقت صلاة العيد أن لا تختص بوقت، فإن وراء ذلك وجهين آخرين كما تقدم.
أحدهما: لا تختص بوقت ويبقى وقتها ما لم يصل العصر، بل مقتضى نقل الرافعي أن القائلين بالأخير أكثر عددًا من القائلين بأنها لا تختص.
الأمر الثاني: أن ما قاله من كونه يلزم عدم الانحصار، غريب، فإن

وقت الاستواء من أوقات الكراهة بلا نزل، وهو وقت العيد بلا خلاف.
وأيضًا فإن الأصح أن وقت العيد يدخل بطلوع الشمس وقد جزم هو به في "المحرر" ووقت الطلوع من أوقات الكراهة.

قوله: ويكون في الخطبة الأولى وصدر الثانية مستقبل الناس ومستدبر القبلة، ثم يستقبل القبلة ويبالغ في الدعاء سرًا وجهرًا.
انتهى.
لم يبين الرافعي ولا ابن الرفعة في كتبهم المراد بالصدر الذي يستقبل عنده، وكذلك النووي في كتبه المطولة وقد بينه في "الدقائق" فقال: هو نحو الثلث.
ورأيت في "الكافي" للزبيري أنه عند بلوغ النصف، وقال الروياني في "البحر": يكون عند الفراغ من الاستغفار.
واعلم أنه قد ذكر في الدعاء ألفاظًا تحتاج إلى الضبط فنقول: الغيث: المطر، والمغيث: بضم الميم هو المنقذ من الشدة، والهنئ: ممدود مهموز هو الطيب الذي لا ينقصه شئ، وقيل: هو المنمى للحيوان من غير ضرر، والمرئ: بفتح الميم وبالمد والهمز أيضًا هو المحمود العاقبة.
والمريع: بميم مفتوحة وراء مكسورة وياء بنقطتين من تحت: هو الذي يأتي بالريع، وهو الزيادة، والنماء: مأخوذ من المراعة وهو الخصب، ويروي بضم الميم مع الباء الموحدة من قولهم: اربع البعير يربع إذا أكل الربيع، ومع التاء المثناة من فوق من قولهم: رتعت الماشية إذا أكلت ما شاءت، ومنه قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12)﴾ 1 وتقول العرب: ارتع المطر، إذا أنبت ما ترتع فيه الماشية.
والغدق: بالغين المعجمة: الكثير.
قال تعالى: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16)﴾ 2.

والمجلل: بالجيم المفتوحة وكسر اللام وهو الساتر للأفق لعمومه، مأخوذ من تجليل الفرس، أو الساتر للأرض بالثياب.
والسيح: بسين مهملة مفتوحة وحاء مهملة أيضًا مشددة هو الشديد الواقع على الأرض أي يسمع له صوت شديد، يقال: سح الماء يسيح إذا سال من فوق إلى أسفل، وساح يسيح إذا جرى على وجه الأرض.
وأما طبقًا: فهو بفتح الطاء والباء أى مطبقًا على الأرض يعني مستوعبًا لها يقال: طبق البلاد يطبقها إذا عمها وهو مطابق الدال أي مساوٍ له، والقنوط الناس.
واللأواء بالمد: شدة الجوع والجهد، قلة الخير وسوء الحال وهو بفتح الجيم والضم لغة.
والضنك: بالضاد المعجمة والنون: هو الضيق.
ونشكوا: بالنون في أوله.
وبركات السماء: المطر.
وبركات الأرض: المرعى.
وأما العري: فبعين مضمومة وراء ساكنة ثم ياء مخففة ويجوز فيه كسر الراء وتشديد الياء.
قاله الجوهري والمدرار: ففعال من الدر أي القطر، وهو من أبنية المبالغة ومعناه: كثير الدر.

قوله من زوائده: قال الشافعي والأصحاب -رحمهم الله-: إذا ترك الإمام الاستسقاء لم يتركه الناس.
انتهى.
وهذا النص قد بينه في "شرح المهذب" فقال: قال الإمام: إذا صلت الأمصار عن الولاة قدموا أحدهم للجمعة، والعيد والكسوف والاستسقاء.
هذا لفظه، ومقتضاه أنهم لا يفعلونه مع وجود الوالي في المصر إذا تركه، وهو متجه للخوف من فوران فتنة.

قوله أيضًا: ولو خطب قبل الصلاة، قال في "التتمة": يجوز، وتصح الخطبة.
انتهى.
وما نقله عن "التتمة" قد نقله الشيخ أبو حامد عن الأصحاب، وجزم به في "المنهاج"، وأشار ابن المنذر إلى استحبابه.

قوله أيضًا من زوائده: ويستحب أن يغتسل في الوادي إذا سال أو يتوضأ.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن التعبير بأو ذكر مثله في "المنهاج" أيضًا، وخالف ذلك في "شرح المهذب" فجزم باستحباب الأمرين معًا فقال: يستحب إذا سال الوادي أن يتوضأ منه ويغتسل، فإن لم يجمعهما فليتوضأ.
هذه عبارته.
والمتجه الجمع، ثم الاقتصار على الغسل ثم على الوضوء.
الأمر الثاني: أن الوضوء والغسل هل هما عبادتان في هذه الحالة حتى ينوي ويغتسل ويتوضأ من لم يكن محدثًا لا ولا جنبًا سواء أدى به صلاة أم لا؟ فيه نظر.
والمتجه أن الجملة في ذلك هو الجملة في كشف البدن ليصيبه أول مطر السنة وتناله بركته لأن الاغتسال في السائل كالتكشف للنازل وذاك لا تشرع فيه نية، فكذلك هذا.
وإما تشرع فيه النية إذا صادف وقت الوضوء أو غسل، فهل تتوقف النية على الاغتسال فيه ولا تحصل بالاغتسال منه؟ ظاهر الحديث الأول، وقد تقدم الوعد بذكر هذه المسألة.

قوله في الزوائد: والسنة أن يقول عند نزول المطر: "اللهم صيبًا نافعًا".
رواه البخاري في "صحيحه" 1. وفي رواية ابن ماجة: "سيبًا نافعًا" 2 مرتين أو ثلاثًا، فيستحب الجمع

بينهما.
انتهى كلامه.
الصيب: بصاد مفتوحة وبعدها ياء مثناة من تحت مكسورة ثم باء موحدة هو المطر.
كذا نقله البخاري في "صحيحه" 1 عن ابن عباس.
وقال الواحدي: إنه المطر الشديد، وهو مأخوذ من قولهم: صاب يصوب إذا نزل من علو إلى أسفل، وقيل: الصيب: السحاب.
والسيب: بسين مفتوحة وياء مثناة ساكنة بعدها باء موحدة هو العطاء.
أو المراد بقوله: "يستحب الجمع بينهما" أى بين رواية البخاري وابن ماجة.
كذا ذكره النووي في "شرح المهذب".

قوله فيها أيضًا: ويستحب أن يقول بعد المطر: مطرنا بفضل الله تعالى ورحمته، ويكره أن يقول: مطرنا بنوء كذا، فإن اعتقد أن النوء هو الممطر الفاعل حقيقة كفر فصار مرتدًا.
انتهى.
النوء بنون مفتوحة وواو ساكنة بعدها همزة، وقد تكلم الجوهري عليه كلامًا حسنًا فقال: النوء: سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع الذي يرقبه من المشرق يقابله من ساعته في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يومًا، وهكذا كل نجم منها إلى انقضاء السنة ما خلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يومًا، وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها.
وقال الأصمعي: إلى الطالع منها في سلطانه فتقول: مطرنا بنوء كذا، والجمع: أنواء، ونوآن، أى مثل عبد وعُبدان.
انتهى كلام الجوهري.
وأراد بالمنازل: النجوم وهي ثمانية وعشرون نجمًا.

جارٍ التحميل