فولدتهما معًا لم يقع شيء؛ لأنه لا يوصف واحد منها بالأولية، ولهذا لو أخرج رجل دينارًا للمتسابقين وقال: من جاء منكما أولًا فهو له فجاءا معًا لم يستحقا شيئًا.
قال الشيخ أبو علي: ويحتمل أن يطلق ثلاثًا، ثم قال: وعرضته على الشيخ -يعني: القفال- فلم يستبعده، انتهى كلامه.
فتلخص أن البشارة لابد فيها من الأولية والأولية منتفية عن المعية فلزم انتفاء البشارة عن المعية وإذا انتفت البشارة لم يقع الطلاق فتلخص أن ما قاله الرافعي هنا لا معول عليه ولا التفات إليه.
الأمر الثاني: أن ما اقتضاه كلامه من الاتفاق على طلاقهما معًا عند مخاطبة المرأتين فقط تبعه عليه في "الروضة" وليس كذلك فقد جزم جماعة بعدم الوقوع وعللوه بأن صيغة من تقتضي التبعيض منهم الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر" كلاهما في كتاب الأيمان، وهو صحيح يؤيده ما ذكروه في الوكالة في ما لو قال: بع ما تراه من عبيدي وقد تكلمنا عليه هناك، وقد حذف النووي من "الروضة" هذه المسألة -أعني: وجود البشارة من جميع المعلق عليهم دفعة واحدة عند الإتيان بصيغة من وهي مسألة مهمة.
الأمر الثالث: أن الرافعي قد استدل على ما ادعاه وهو فهم الاستقلال بصحة نفيه عن كل واحدة على انفرادهما، ثم ذكر أن ما يفهم منه الاستقلال من السرور ما لا أثر له عند الاشتراك بدليل مسألة الرغيف، وهذا الذي ذكره صحيح لا اعتراض عليه من هذا الوجه وإن كان فيه شيء آخر سأذكره بعد هذا.
إذا علمت ذلك فاعلم أن النووي قد فهم كلام الرافعي على غير وجهه فاختصره على ما فهمه منه ثم اعترض عليه فإنه قال: فلو بشرتاه معًا فالمنقول أنهما تطلقان وفيه نظر، فإنه لو قال: من أكل منكما هذا الرغيف
فهي طالق فأكلتاه لم تطلقا، قلت: الصواب أنهما تطلقان، وليس كمسألة الرغيف؛ لأنه لم تأكله واحدة منهما، وأما البشارة فلفظة من ألفاظ العموم لا تنحصر في واحدة فإذا بشرتاه معًا صدق اسم البشارة من كل واحدة مطلقًا هذه عبارته.
قوله: ولو أرسلت رسولًا لم تطلق؛ لأن المبشر هو الرسول ذكره البغوي، انتهى.
وما أطلقه من كون المبشر هو الرسول قد تابعه عليه أيضا في "الروضة" وفيه تفصيل ذكره الرافعي قبل كتاب التدبير نقلا عن "الزيادات" للعبادي ولابد منه، فقال: وأنه إذا قال: من بشرني من عبيدي بقدوم زيد فهو حر فبعث بعض عبيده عبدًا آخر ليبشره به فجاء وقال: عبدك فلان يبشرك بقدومه وأرسلني لأخبرك فالمبشر المرسل دون الرسول هذا لفظه، وحاصله التفصيل بين أن يستند إليه أم لا وهو واضح بخلاف ما يوهمه إطلاق المذكور هنا.
قوله: ولو قال: من أخبرني منكما بكذا فهي طالق فلفظ الخبر يقع على الكذب والصدق ولا يختص بالخبر الأول فإذا أخبرتاه صادقتين أو كاذبتين معًا أو على الترتيب طلقتا جميعًا، انتهى.
وما ذكره من وقوع الطلاق عليهما جميعًا مع كونه قد عبر بمن الدالة على التبعيض قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا والقواعد تنفيه لما ذكرناه من الإتيان بمن، وقد سبق في كتاب الوكالة أنه لو قال بع من عبيدي من رأيت لا يجوز له بيع جميعهم بالجملة فقد ذكر الروياني المسألة في كتاب الأيمان من "البحر" فقال: لو قال: من بشرني [بخبر زيد] 1 من عبيدي [فهو حر فبشره جميع عبيده في حالة واحدة لم يعتق واحد منهم؛ لأنه قال: من بشرني من عبيدي] 2 فيقتضي التبعيض دون الجميع هذه عبارته.
قوله: فرع: لو قال: أنت هكذا وأشار بأصابعه الثلاث ففي "فتاوى القفال" أنه لو نوى الطلاق طلقت ثلاثًا والإشارة صريحة في العدد وإن لم ينو أصل الطلاق لم يقع شيء وقال غيره: يحتمل أن لا يجعل هذا كناية؛ لأن اللفظ لا يشعر بالطلاق بحال.
انتهى.
وقوله: ولو قال: إن دخلت وكلمت زيدًا فأنت طالق، طلقت بوجودهما كيف كان، وأشار في "التتمة" إلى وجه في اشتراط تقديم الأول بناء على أن "الواو" تقتضي الترتيب ولو أتى بـ"ثم" أو "الفاء" فيشترط تقديم الأول.
انتهى ملخصا.
وما ذكره هنا في "الواو" قد نقل في باب التدبير عن البغوي ما يخالفه وأقره عليه وسوف أذكره هناك فراجعه.
وأما اقتصاره في "الفاء" و"ثم" على اشتراط تقديم الأول فليس بجيد، بل يشترط في الفاء إيصاله بالأول على الأصح كذا صححه الرافعي في باب التدبير وقياسه اشتراط الانفصال في ثم.
قوله: ولو قال: إن دخلت الدار إن كلمت زيدًا فأنت طالق أو قال: أنت طالق إن دخلت إن كلمت، فلابد منهما ويشترط تقديم المذكور آخرًا على المذكور أولًا سواء كان الشرطان متفقين كما ذكرنا أو مختلفين كأن وإذا، ويسمى هذا اعتراض الشرط على الشرط؛ لأنه جعل الكلام شرطًا لتعليق الطلاق بالدخول والتعليق يقبل التعليق ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾ [وفي فتاوي القفال أنه يشترط تقديم المذكور أولًا وهو غريب] 1 وذكر الغزالي في "الوجيز" نحوه، وهو محمول على سبق القلم، ويدل عليه أنه في "البسيط" جزم بالمعروف، ومال الإمام إلى أنه لا يشترط ترتيب أصلا والظاهر الذي ذكره الجمهور هو الأول حتى إذا دخلت ثم كلمت لا يقع، قال في "التتمة": وتنحل اليمين؛ لأنها انعقاد على المرة
الأولى.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن ما صححه هاهنا من وجوب تقديم الثاني قد خالفه في كتاب التدبير فذكر ما يوافق الوجه الثاني، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى وتبعه في "الروضة" على هذا الاختلاف.
الأمر الثاني: أن نقله تقديم الأول عن هذا الكتاب الغريب فقط ثم استغرابه له هو الغريب فإنه يقتضي أنه لم يظفر به لغيره مع أن الإمام قد جزم به في "النهاية" وزاد على ذلك فنقله عن الأصحاب ثم ذكر البحث الذي تقدم نقله عنه وهو الاكتفاء بوقوعهما كيف كان، ونقله أيضًا القاضي الحسين في "تعليقه"، ثم قال: والعراقيون قالوا بعكسه.
واعلم أن ما ذكرناه يعرفك أن ما في "الوجيز" وقع عن قصد لا عن سبق قلم.
الأمر الثالث: أن مرجع هذه المسألة إلى أهل العربية وقد قال شيخنا في "الارتشاف": إن الأصح اشتراط تقديم الثاني على وفق ما صححه الفقهاء؛ لأن ابن مالك في باب الجوازم من شرح الكافية قد جزم بأن الشرط الثاني في موضع نصب على الحال وهو لا يوافق شيئًا مما تقدم وقد بسطت المسألة في "الكوكب الدري" فراجعها.
الأمر الرابع: أن هذا النقل المذكور في آخر المسألة عن المتولي صحيح ذكره قبيل الرجعة بأوراق قلائل ولكنه غير مستقيم في نفسه؛ لأن المحلوف عليه في قول القائل مثلًا: إن قمت إن قعدت، إنما هو قيام سبقه قعود ولم يوجد ذلك، وإنما وجد خبر المحلوف عليه وهو القعود؛ لأنا ألغينا القيام السابق فتكون اليمين باقية حتى إذا وجد بعده قيام آخر حصل الحنث.
قوله: قال لنسوته الأربع: أربعتكن طوالق إلا ثلاثة قال القاضي الحسين والمتولي: لا يصح هذا الاستثناء؛ لأن الأربع ليست صيغة عموم، وإنما هي
اسم لعدد معلوم خاص، فقوله: إلا فلانة رفع للطلاق عنها بعد التنصيص عليها، فهو كقوله: أنت طالق طلاقًا لا يقع عليك، ومقتضى هذا التعليل أنه لا يصح الاستثناء من العدد في الإقرار، ومعلوم أنه ليس كذلك، وحكى الإمام عن القاضي أنه لو قال: أربعتكن إلا فلانة طوالق صح الاستثناء، وادعى أن هذا معهود دون ذاك وهذا كلام كما تراه.
انتهى كلامه.
وقد تضمن استشكال الفرق بين الصورتين والإشارة إلى التعجب منه حيث قال: كما تراه مع أن الفرق واضح فإن الصورة الثانية وقع فيها الإخراج قبل الحكم فلم يؤد إلى التناقض بخلاف الصورة الأولى فإنه وقع بعد الحكم على أن في المسألة كلامًا للأصوليين ذكرته في ما ألفناه في علم الأصول.
قوله: ولو قيل له على وجه الإنشاء: أطلقت امرأتك؟ فقال: نعم، فهل هو صريح أو كناية؟ فيه قولان: قال الأئمة: وهما مبنيان على أنه لو قال الولي: زوجتك ابنتي فقال: قبلت ولم يقل نكاحها هل يصح؟ وقضية هذا البناء ترجيح قول الكناية، لكن ابن الصباغ والروياني رجحوا كونه صريحًا ومنهم من لا يذكر غيره.
انتهى ملخصا.
والصحيح أنه صريح كذا صححه الرافعي في "المحرر" و"الشرح الصغير" وعبر فيهما بالأظهر وجعل الخلاف وجهين.
قوله: فرع: إذا قيل له أطلقت [زوجتك؟ فقال: قد كان بعض ذلك] 1 ولم يفسر بشيء قال في "التتمة" إذا كان السؤال عن ثلاث لزمه الطلاق وإن كان عن واحدة لم يلزمه شيء لأن الطلقة لا بعض لها، والأصل أن [لا طلاق] 2 في واحد من الطرفين، وفي هذا توقف لا يخفى.
انتهى.
قال في "الروضة": الصواب أنه لا يقع شيء في الحالتين، وقد اختصر
البحث الذي أشار إليه الرافعي فقال: والأصل: أن لا طلاق وفي كل واحد من الطرفين نظر.
هذا لفظه.
قوله: وإذا علق الطلاق بالأكل ففي الحنث بالابتلاع وجهان أوردهما صاحب "التتمة"، والأظهر: المنع؛ لأنه يصح أن يقال: ابتلع وما أكل، انتهى كلامه.
وما ذكره هاهنا من تصحيح عدم الحنث قد جزم بخلافه في كتاب الأيمان في موضعين في أثناء النوع الثاني وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه.
وتبعه في "الروضة" على الموضعين لكنه اختصر كلامه هنا على غير ما هو عليه فإنه نسب الوجهين والتصحيح إلى "التتمة" فقال: ولو علق على الأكل فابتلعت لم يجب على الأصح؛ لأنه يقال: ابتلع ولم يأكل.
ذكره المتولي هذا لفظه.
وقد رأيت التصحيح في "التتمة" كما ذكره لكنه لا يكفي في الاعتذار لفوات ما دل عليه لفظ الرافعي من الصحيح على وفق ما صححه في "التتمة" فتعين أنه سهو منه بلا شك والموقع للرافعي في هذا الاختلاف هو صاحب "التتمة" فإنه مع تصحيحه هنا عدم الحنث قد جزم في كتاب الأيمان بعدمه وصور المسألة في السكر فتابعه الرافعي عليها.
قوله: قال الإمام: واكتفوا فيما إذا قال: إن لم تعدي الشيء فأنت طالق بذكر اللسان، ولم يعتبروا تولي العدد فعلًا -أي: باليد- قال: ولست أرى الأمر كذلك، ثم قال: نعم لو كان يرمق الواحد بعد الواحد، ويضبط فهذا يقام مقام النقل باليد.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره آخرًا من إقامة الرمق مع الضبط مقام النقل باليد قد أسقطه من "الروضة".
الأمر الثاني: أن ما ذكره من اشتراط النقل أو الإشارة لا يتصور القول به
إلا على الوجه الثاني على خلاف ما دل عليه كلامه فتأمله.
قوله: لو قال: إن لم تخبريني بعدد حبات هذه الرمانة قبل كسرها أو أن تخبريني بعدد ما في هذا البيت من الجوز فأنت طالق، أو قال: إن لم تذكري، قال الأصحاب: يحصل الخلاص بأن تبتدئ من عدد يستيقن أن الحبات والجوز لا ينقص عنه وتذكر الأعداد بعده على الولاء بأن تقول: مائة، مائة وواحد، مائة واثنين، وهكذا إلى أن تنتهي إلى عدد تستيقن أنه لا يزيد عليه فتكون مخبرة عن ذلك العدد أو ذاكرة له وهذا إذا لم يقصد التعين والتعريف وإلا فلا يحصل البراء.
انتهى.
وما ذكره هنا من توقف الخلاص على الطريقة المذكورة تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو مشكل مخالف للقاعدة، فقد ذكر الرافعي قبل ذلك بأوراق أن الخبر لا يختص بالصدق على الصحيح، بل يطلق على الصدق والكذب وحينئذ فيتخلص الحالف المذكور بأي عدد ذكرته المرأة له صدقا كان أو كذبا إذ الفرض أنه لم يقصد التمييز، وقد حصل مسمى الخبر بعدده فيكفي وإن كان خبرًا غير مطابق ولم يذكر هذا الموضع في "الشرح الصغير".
قوله: فرع: لابد من النظر في مثل هذه التعليقات إلى وضع اللسان وإلى ما يسبق إلى الفهم في العرف الغالب فإن تطابق العرف والوضع فذاك وإن اختلفا فكلام الأصحاب يميل إلى اعتبار الوضع والإمام والغزالي يريان اتباع العرف وقد سبق في هذه الفروع أمثلة هذا.
انتهى كلامه.
وما ذكره من رجحان الوضع قد صرح أيضًا بتصحيحه بعد هذا بأسطر فقال: إنه الأصح الذي أجاب به المتولي وعلله بأن العرف يتخبط وما نقله هنا عن المتولي قد تقدم [في عليه] في أول الباب الثالث من أبواب الخلع ما يخالفه وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه.
قوله من زياداته: قلت: القحبة هي البغي وهي كلمة مولدة ليست عربية والله أعلم.
انتهى.
وما ذكره من كونها ليست عربية ليس كذلك فقد ذكر الشيخ عز الدين قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: كذا بالمطبوع، ولم أفهمها، ولو حُذفت لاستقام الكلام، والله أعلم
في مجموع له مشتمل على مسائل التفسير وغيرها ما حاصله: أنها عربية فقال: القحبة مأخوذ من القحاب بالضم وهو السعال وذلك أنهم كانوا يقولون للزانية إذا عطست الورا والقحاب، والورا بالفتح والقصر هو داء في الجوف ومنه قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لأن يمتليء جوف أحدكم قيحًا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرًا" 1 فلما لازمها ذلك عند الدعاء عليها عند العطاس اشتق لها منه اسم.
هذا كلامه، وغايته أن يكون مجازًا إن لم يكن حقيقة، والمجاز ليس خارجا عن لغة العرب لانقسام اللغة إلى حقيقة ومجاز، وذكر الجوهري أن القحبة مولدة ولم يزد على ذلك، قال: ويقال: وري القيح جوفه وريًا إذا أكله ثم ذكر الحديث.
قوله: وقال -يعني: أبا العباس الروياني-: إن الأحمق من نقصت مرتبة أموره وأحواله عن مراتب أمثاله نقصًا بينًا بلا مرض ولا سبب.
انتهى كلامه.
وهذا التفسير الذي ذكره في الأحمق واقتصر عليه قد ذكر خلافه في كتاب الكفارات واقتصر عليه أيضًا فقال: ويجزئ الأحمق، وفسر بأنه الذي يضع الشيء في غير موضعه مع العلم بقبحه، والمجنون لا يعلمه.
هذا لفظه وذكر مثله هناك أيضًا صاحب "المهذب" و"التهذيب" وفي "الحاوي" أنه الذي يضع كلامه في غير موضعه فيأتي بالحسن في موضع القبيح وعكسه وفي "التتمة" و"البيان" أنه من يعمل ما يضره مع علمه بقبحه، والعجب من تركه لهذه المقالات المذكورة في هذه الكتب المشهورة واقتصاره على نقلها عن من نقل، ولم يتفطن النووي لما ذكرناه من مخالفة الرافعي هناك، وإنما نقل كلام بعض من نقلنا عنه.
قوله: وذكر الغزالي في "الوسيط" أنه وقع في الفتاوى أن رجلا قال لزوج ابنته: في مخاصمتهما لم تحرك لحيتك فقد رأيت مثل هذه اللحية كثيرًا، فقال: إن كنت رأيت مثل هذه اللحية كثيرًا فابنتك طالق، قال: وليس المراد المماثلة في الشكل والصورة وعدد الشعر وإنما يكنى باللحية في هذا الموضع عن الرجولية والفتوة ونحوهما فإن حمل اللفظ على المكافأة وقع
الطلاق وإلا فلا يقع لكثرة الأمثال.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على تعليل عدم الوقوع بكثرة الأمثال وهو غلط، فإن كثرة الأمثال تعليل للوقوع الذي هو عكس الحكم الذي ادعاه إذ الزوج علق الطلاق على رؤية كثير من أمثالها وقد ذكره في "الوسيط" على الصواب فراجعه، وكان ينبغي أن يقول: وإلا فيقع لكثرة الأمثال، وحينئذ فتطلق على كل تقدير لكنه إن قصد المكافأة فالتنجيز وإلا فالتعليق.
قوله: قال في "الوجيز": ولو علق على مخالفتها الأمر فقال: لا تكلمي زيدًا فكلمته لم تطلق؛ لأنه مخالفة للنهي، وهذا ينازع فيه العرف.
ولو علق على النهي فقال: قومي فقعدت قيل: إنها تطلق؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده وهو فاسد، ولو قال: أنت طالق إلى حين أو زمان طلقت بعد لحظة، وكذلك قالوا في العصر والحقب وهو بعيد، ثم قال: ولو علق على الضرب إلى آخره.
واعلم أن هذه المسائل الثلاث المذكورة في كلام "الوجيز" قبل مسألة الضرب ليست موجودة في نسخ الرافعي وكأنه انتقل نظره من قوله ولو علق إلى قوله: ولو علق أو سقط ذلك من الناقل من مسودة الرافعي حالة تصنيفه لهذا الكتاب، وقد شرح هذه المسائل في "الشرح الصغير" فقل بعد ذكره لهذه المسائل ما نصه: فيه مسألتان:
إحداهما: إذا قال لامرأته: إن خالفت أمري فأنت طالق، ثم قال لها: لا تكلمي زيدًا فكلمته لم تطلق؛ لأنها ما خالفت أمره وإنما خالفت النهي، هذا هو المشهور.
وقوله: -أي الغزالي- تنازع فيه العرف أي: مخالفة قول الإنسان تعد في العرف مخالفة أمره فيحتمل أن يقال: إنها تطلق، ولو قال: إن خالفت نهيي فقال لها: قومي فقعدت فللأصوليين من الأصحاب وغيرهم خلاف في أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟ فذهب بعض من جعله نهيًا إلى وقوع الطلاق، والأظهر عند الإمام وغيره المنع المطلق، وإن جعلنا الأمر
بالشيء نهيًا عن ضده؛ لأن الأيمان والتعليقات لا تحمل على القواعد الأصولية، وإنما ينظر فيها إلى العرف والإطلاقات الغالبة ولا يقال في عرف اللغة لمن قال قم: إنه نهي، هذا كلام "الشرح الصغير".
ولم ير النووي إخلاء الروضة عن هذه المسائل فأثبتها ناقلًا لها من "الوجيز" إلا أنه بسط كلامه، فقال: فصل: قال: إن خالفت أمري فأنت طالق، ثم قال: لا تكلمي زيدًا فكلمته قالوا: لا تطلق، لأنها خالفت النهي دون الأمر، ولو قال: إن خالفت نهيي فأنت طالق، ثم قال: قومي فقعدت وقع؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن أضداده، وهذا فاسد؛ إذ ليس الأمر الشيء نهيًا عن ضده في ما نختاره وإن كان فاليمين لا يبنى عليه، بل على اللغة أو العرف، لكن في المسألة الأولى نظر بسبب العرف هذا كلام النووي -رحمه الله- وهو مخالف لما ذكره الرافعي في "الشرح الصغير" في ما إذا قال: إن خالفت نهيي فقعدت فإن كلام الرافعي يقتضي أن المعروف في النقل أنه لا يقع، وكلام النووي يقتضي عكسه وكان ينبغي للنووي أن ينبه على أن هذه المسائل من "زوائده"، فإن الواقف عليها في "الروضة" يتوهم أن الرافعي ذكرها، وأن كلامه قد اختلف، على أنه قد وقع في بعض نسخ الرافعي إثباتها من "الوجيز" أيضًا.
قوله: فيه صور إحداها: إذا علق الطلاق بالضرب طلقت إذا حصل الضرب بالسوط أو بالوكز أو اللكز ولا يشترط أن لا يكون حائل والأشهر أنه يعتبر أن يكون فيه إيلام ومنهم من لم يشترط الإيلام واكتفى بالصدمة.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من تصحيح اشتراط الإيلام قد خالفه في كتاب الأيمان في النوع السابع فصحح عدم اشتراطه وتابعه في "الروضة" على هذا الاختلاف وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى وأبين ما يقتضي أن المذكور هنا غلط حصل من تحريف فراجعه، والوكز هو الضرب على الذقن باليد وهي
[مقبوضة] 1 الأصابع، واللكز باللام هو الضرب على الصدر بذلك، وقال أبو زيد في جميع الجسد.
وأما نكزه بالنون فمعناه ضربه ودفعه وليس له ذكر في الرافعي.
قوله: الثالثة: إذا علق بقدوم زيد طلقت إذا قدم راكبا أو ماشيا وإن قدم به ميتًا نظر إن كان بأمره واختياره فهو كما لو قدم راكبًا، وإن لم يكن بإذنه لم يقع سواء كان زمنًا أو صحيح البدن هذا هو الظاهر، ويأتي فيه خلاف؛ لأن صاحب "المهذب" وغيره نقلوا طريقًا في ما إذا حلف أن لا يدخل الدار فحمل بغير إذنه واختياره وأدخل أنه على القولين في ما إذا أكره حتى دخل بنفسه ووجهه أنا سوينا في حال الاختيار بين دخوله بنفسه ودخوله محمولًا فكذلك يسرى في عدم الاختيار بين الأمرين، انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه من التسوية حال الاختيار بين أن يدخل بنفسه أو يدخل محمولًا حتى إذا حمل وهو قادر على الامتناع قد خالفه في كتاب الأيمان في آخر الباب الثالث في الفصل المعقود لحنث الناسي والجاهل فصحح أنه إذا حمل بغير إذنه ولكن قدر على الامتناع والهرب أنه لا يحنث، وتابعه في "الروضة" على ذلك، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى:
ثم إن المسألة المترجم لها هاهنا وهي مسألة القدوم لاشك أنها كمسألة الدخول وهو قادر على الامتناع؛ لأنه تارة يعبر في الحنث بالأمر والاختيار وتارة يقتصر على الاختيار وقد اختصره في "الروضة" اختصارًا فاسدًا حاصله أنه يكفي في الحنث قدرته على الامتناع على خلاف ما قرره في كتاب الأيمان فإنه قال: فصل: علق بقدوم زيد طلقت إذا قدم راكبًا أو ماشيًا، وإن قدم به ميتًا لم تطلق وإن حمل وقدم به حيًا إن كان باختياره طلقت وإلا فلا على المذهب هذه عبارته، والفتوى على المذكور في الأيمان، فإنه الموضع المعقود للمسألة.
قوله: ولو نظرت في المرأة أو الماء قال الإمام: هذا فيه احتمال، لأنه وإن حصلت الرؤية في الحقيقة لكنه يصح في العرف أن يقال: ما رآه وإنما رأى مثاله أو خياله، والظاهر أنه لا يقع، وبه أجاب البغوي في المرآة والمتولي في المرآة والماء جميعًا، انتهى كلامه.
وما ذكره من ترجيح عدم الوقوع خالفه في "الشرح الصغير" فقال: ولو نظرته في الماء أو المرآة قال الإمام: فيه احتمال لأنه يصح أن يقال في العرف ما رآه وإنما رأى مثاله وخياله والظاهر وقوع الطلاق هذا لفظه وهو غريب لتعبيره في الموضعين بالظاهر.
قوله: ولو قال للعمياء: إن رأيت زيدًا فأنت طالق، قال الإمام: الصحيح أن الطلاق معلق بمستحيل، وقيل: يحمل على اجتماعهما في مجلس.
انتهى.
وما أطلقه الإمام من كونه تعليقًا بمستحيل حتى لا يقع على الصحيح قد تابعه هو والنووي عليه وفيه أمران:
أحدهما: أن هذا ليس من باب التعليق على المستحيل فإن الأعمى كثيرًا ما يحصل له الإبصار بالتداوي خصوصًا من عمى بنزول الماء فيعالج بالقدح فنسأل الله تعالي العافية في الدارين.
الثاني: أنه يتعين فيه تفصيل وهو أنه إن كان أكمه وهو الذي ولد أعمى كان من التعليق على المستحيل عادة كطلوع السماء ونحوه؛ ولهذا جعله الله تعالى آية للمسيح -عليه الصلاة والسلام-، فقال: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ [المائدة: 110]، وإن لم يكن أكمه فلا.
قوله: وإذا علق برؤيتها الهلال وفسر الرؤية بالمعاينة أو صرح بها في تعليقه فقال في "التهذيب" إن الرؤية في الليلة الثانية والثالثة كهي في الأولى ولا أثر لها في الرابعة, فإنه لا يسمى هلالًا بعد الثلاث وفي "المهذب" أنه لو لم ير حتى صار قمرًا لم تطلق بالرؤية بعده وحكى وجهين في أنه يصير
قمرًا باستدارته أم بأن يبهر ضوءه؟ انتهى.
قال في "الروضة" من زوائده: المختار ما ذكره البغوي وإن كان ما ذكره في "المهذب" مذكورًا في "الحاوي" وفي ما تفرع عنه.
واعلم أن يبهر بياء مفتوحة بنقطتين من تحت بعدها باء ساكنة تقول العرب: بهر القمر أي أضاء حتى غلب ضوؤه ضوء الكواكب، قاله الجوهري.
قوله: ولو قال: إن كلمت زيدًا فأنت طالق فكلمته في حال سكرها طلقت على الأصح، ثم قال: إلا إذا انتهت إلى السكر الطافح، انتهى.
والطافح بالطاء المهملة والفاء قال الجوهري: هو الذي ملأه الشراب، وما ذكره من استثناء الطافح إنما يأتي إذا جعلنا للسكران ثلاث مراتب وخالفنا بينها في الحكم، وقد اختلف في ذلك كلامه وكلام "الروضة" أيضا والمشهور خلاف المذكور هنا، وقد أوضحت ذلك في الباب الثاني في كتاب الطلاق فراجعه.
قوله: فإن لم يسمع لعارض لغط أو ريح أو لما به من الصمم فوجهان:
أحدهما: وهو الذي أورده الإمام وصاحب الكتاب في اللغط وأجاب به القاضي الروياني: أنه يقع الطلاق؛ لأنها كلمته وعدم السماع إنما كان لعارض فأشبه ما إذا كان للذهول.
وأصحهما عند صاحب "التهذيب": أنه لا يقع حتى يرتفع الصوت بقدر ما يسمع في مثل تلك المسافة مع ذلك العارض فحينئذ يقع، انتهى.
والراجح هو الوقوع فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أظهر الوجهين، وجزم به في هذا الكتاب أعني "الشرح الكبير" في باب صلاة الجمعة في الكلام على إسماع الأربعين لكنه فرضها في الصمم خاصة، ونقله في "التتمة" هناك عن نص الشافعي، وقد اختلف تصحيح النووي فصحح في "تصحيح التنبيه" أنه لا يقع وجزم في "الروضة" [في صلاة
الجمعة بالوقوع تبعا للرافعي ولم يصحح هنا في "الروضة"] 1 شيئًا.
قوله: وحكى الحناطي قولين في ما إذا قال: إن كلمت نائمًا أو غائبًا عن البلد هل يقع الطلاق في الحال بناء على الخلاف في التعليق على المحال ويحتمل أن يقال: إنها لا تطلق حتى تخاطبه مخاطبة المتكلمين، وبنحو منه أجاب القاضي أبو الطيب في ما إذا قال: إن كلمت ميتًا أو حمارًا، انتهى.
وما أشعر به كلامه من رجحان الحنث عند مخاطبة النائم ونحوه مخاطبة المتكلمين وأن القاضي أبا الطيب ذكر نحوه قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو مخالف للقواعد فستعرف في الأيمان أنه إذا حلف لا يبيع فباع بيعًا فاسدًا كالخمر ونحوه لم يحنث [فلو صرح في اليمين بذلك فقال مثلا: لا أبيع الخمر لم يحنث] 2 به أيضًا على الأصح لانتفاء حقيقة البيع، وقيل: يحنث؛ لأن المراد منه الحلف على صورة البيع وما يجيء فيه مثله أيضا؛ لأن كلام النائم ونحوه لا يقع به الطلاق عند الإطلاق فلا يقع عند التصريح به كبيع الخمر.
قوله: ولو علق بفعل الزوجة أو أجنبي فإن لم يكن للمعلق بفعله شعور بالتعليق ولم يقصد الزوج إعلامه أو كان المعلق بفعله ممن لا يبالي بتعليقه وقع الطلاق مع الإكراه والنسيان، وإن كان شاعرًا بالتعليق وكان ممن يبالي بتعليقه فالقولان، ويعتبر مع ذلك قصده الحث والمنع، فإنه يقصد التعليق بصورة الفعل، وإن كان ممن يبالي بتعليقه، انتهى ملخصًا.
واعلم أن في أقسام هذه المسألة مسألة مهمة كثيرة الوقوع وهي ما إذا فعل المحلوف علمه غير عالم باليمين فلنذكر أولًا ما ذكره الرافعي فيها ثم نذكر ما عليه الفتوى.
فنقول: أشار الرافعي -رحمه الله- بقوله ولم يقصد الزوج إعلامه إلى
اعتبار الشرط الأخير وهو قصد الحث والمنع وعبر عنه به لأن قاصده يقصد عادة إعلام الحالف بذلك ليمتنع منه ويدل على ما قلناه أنه لما رجع إلى حكم القيود لم يذكر اعتبار الإعلام وذكر الحث والمنع عوضًا عنه.
إذا تقرر هذا فالظاهر أن هذا الشرط إنما هو معطوف بأو لا بالواو وسنذكر سبب ذلك، وحينئذ فالذي لا يبالي وهو الذي لا يؤثر عرض الحالف حكمه واضح وهو الوقوع بفعله، وأما الذي يبالي فيتلخص من كلام الرافعي فيه أنه إن لم يكن له شعور باليمين فوقع الفعل الصادر منه على سبيل الإكراه والنسيان حنث الحالف به سواء قصد إعلامه ومنعه أم لم يقصد إذ كان من حقه أن يعلمه، وهذا القسم كثير الوقوع في الفتاوى، وكذلك يحنث أيضًا إذا شعر ولكن لم يقصد الحالف المنع وهو واضح، وقد أهمله في "المحرر".
ووجه ما قلناه أولًا: أنه معطوف بأو لأنه لو كان معطوفًا بالواو لكان المجموع شرطًا، وحينئذ فيقتضي أن الذي يبالي إذا لم يكن له شعور ولكن كان قصد الزوج الحث والمنع أنه لا يقع وليس كذلك، فإن الرافعي قد شرط بعد ذلك لعدم الوقوع شروطًا ثلاثة وهي أن يكون شاعرًا وأن يبالي وأن يقصد الزوج الحث والمنع كما تقدم حكايته منه فلو لم يكن كما قلناه لزم أن يشترط أمران فقط، وأن يكون ذكره للأول باطلًا ويؤيده أيضا أن المذكور في "المحرر" و"المنهاج" عند عدم العلم هو الوقوع من غير تفصيل أيضًا فإنه قال: ولو علق بفعله ففعل ناسيًا للتعليق أو مكرهًا لم تطلق في الأظهر أو بفعل غيره ممن يبالي بتعليقه وعلم به فكذلك وإلا فيقع قطعًا انتهى.
إلا أن فيه نظرًا فإنه كيف يقع بفعل الجاهل قطعًا ولا بفعل الناسي على الصحيح مع أن الجاهل أولى بالعذر من الناسي؟ وقد ذكر الرافعي بعد هذا مسألة تقوي ما ذكرناه فقال: ولو علق بدخول طفل أو بهيمة أو سنور وحصل دخولهم مكرها لم تطلق ويحتمل أن تطلق، انتهى.
واعلم أن ما اقتضاه كلام الرافعي في الحنث إذا لم يعلم المحلوف عليه قد رجحه الصيدلاني في ما جمعه من طريقة شيخه [الشاشي] 1 فقال في الطلاق فإن قصد منعه، فإن لم يعلم القادم حتى قدم حنث الحالف وإن علم ثم نسي فعلى قولين، ومنهم من قال على قولين بكل حال، انتهى.
وذكر نحوه الغزالي في "البسيط" وقال: فأما إذا علق بفعلها في عينها فلا أثر لنسيانها وإن كانت مكرهة فالظاهر الوقوع؛ لأن هذا في حكم التعليق لا على قصد المنع، ومنهم من طرد الخلاف؛ لأن المكره عليه كالمعدوم، وهذا ما اختاره القاضي، انتهى.
وخالف الجمهور فخرجوه على القولين منهم الشيخ أبو حامد في "تعليقه"، فقال في الكلام على تعليق الطلاق بالقدوم ما نصه: ولو قدم وهو لا يعمل عقد صفة الطلاق، وتعليقه على قدوم أو كان علم ذلك ثم نسيه فإن كان ممن يقصد بعقد اليمين منعه من الدخول مثل أن يقول إذا قدم أبوك أو أخوك أو وكيلك فوجد ذلك والفاعل لا يعلمه أو علم باليمين ثم نسيها لم يطلق على أحد القولين، وطلقت على القول الآخر كما ذكرناه في المكره، انتهى.
وذكر المحاملي في "المقنع" مثله وكذلك الشيخ في "المهذب" والبغوي في "التهذيب" والجرجاني في "الشافي" والخوارزمي في "الكافي ".
قوله: ولو قصد منعها من المخالفة فقال الغزالي في "الوسيط" و"الوجيز": لا يقع الطلاق؛ لأنه لم يتحقق مخالفة ونفي الخلاف عنه في "الوسيط" ويشبه أن يراعي معنى التعليق ويطرد الخلاف، انتهى.
قال في "الروضة": الصحيح قول الغزالي ويقرب منه عكسه وهو أنه لو حلف لا يدخل عمدا ولا ناسيا، فدخل ناسيا فنقل القاضي حسين [أنه يحنث بلا خلاف والله أعلم، وهذه الزيادة التي استشهد بها هنا ناقلًا لها عن القاضي حسين] 2 خاصة قد جزم بها الرافعي في كتاب الأيمان في أواخر الباب الثالث في الكلام على الناسي والمكره.
قوله: ولو قال: أنت طالق عشرًا فقالت: يكفيني ثلاث فقال: الباقي لضرتك يقع عليها ثلاث، وليس على الضرة شيء؛ لأن الزيادة على الثلاث لغو ولو قالت: يكفيني واحدة فقال الباقي: لضرتك، يقع عليها ثلاث، وعلى الضرة طلقتان إذا نوى، كذا قاله في "التهذيب"، انتهى كلامه.
وما نقله عن "التهذيب" وأقره عليه من كونه لا يقع شيء بالزائد على العدد في الشرعي وإن نوى، قد نقل في الباب الثاني في أركان الطلاق عن المتولي خلافه، وأقره عليه أيضًا وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه، ووقع الموضعان في "الروضة" كذلك.
قوله: ولو قال لرجل: إن بدأتك بالسلام فعبدي حر، وقال الآخر: إن بدأتك بالسلام فعبد حر فسلم كل منهما على الآخر دفعة واحدة لم يعتق عبد واحد منهما لعدم ابتداء كل منهما وينحل اليمين، فإذا سلم أحدهما على الآخر بعد ذلك لم يعتق واحد من عبديهما ذكره الإمام، انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام وأقره وتابعه عليه في "الروضة" يشكل ما سبق في التعليق على البشارة فراجعه.
قوله: ولو قال: إن أعطيتك حقك فامرأتي طالق فأعطاه باختياره طلقت ولا تطلق بإعطاء الوكيل والسلطان، انتهى كلامه.
وما أطلقه من كون الوكيل لا يتنزل منزلة إعطاء الموكل حتى لا يقع الطلاق في مسألتنا قد تابعه على إطلاقه في "الروضة" أيضًا لكن قد تقدم في الباب الثالث من أبواب الخلع نقلا عن المتولي من غير مخالفة له تخصيص ذلك بحالة غيبة الموكل وقد تقدم ذكر لفظه هناك فراجعه.
قوله: قال لامرأتيه إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما طالقان فدخلت كل واحدة إحدى الدارين فهل تطلقان، أم لا تطلقان؟ فيه وجهان، ولو قال: إن أكلتما هذين الرغيفين فأكلت كل واحدة منهما رغيفًا قالوا: يقع الطلاق
لأنه لا مشاع فيه لاحتمال الثاني، انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح في مسألة الدارين عدم الوقوع كذا صححه الشيخ في "المهذب" والنووي في "زوائده"، وأما مسألة الرغيفين فمقتضى كلام الرافعي الاتفاق على الوقوع وليس كذلك فقد جعلها الشيخ في "المهذب" على الوجهين في الدارين، ونقله عنه في "الروضة" أيضًا إلا أنه صحيح الوقوع.
الأمر الثاني: أن تصحيح النووي في الأولى عدم الوقوع يلزم منه تصحيحه في الثانية أيضًا إذا أطلق الحالف هذا الكلام ولم ينو شيئًا؛ لأنه إذا كان مدلول اللفظ أن كلًا منهما يتعاطى المجموع وكان تعاطي ذلك مستحيلًا يكون قد علق على المستحيل عدم الوقوع.
نعم: إن أراد الحالف خلاف ذلك اتبعنا إرادته ولكن الكلام فيما إذا لم ينو شيئًا قوله: قال: إن ملكت أكثر من مائة فأنت طالق فكان يملك خمسين روجع فإن قال: أردت لا أملك زيادة على مائة لم تطلق وإن قال: أردت أني أملك مائة بلا زيادة طلقت، وإن قال: إن كنت أملك إلا مائة، وكان يملك خمسين فقيل: تطلق، وقيل على الوجهين، انتهى.
واعلم أن النووي قد صحح في المسألة الأولى أنها لا تطلق وهو واضح وسكت عن الثانية، والأصح فيها طريقة القطع بالوقوع، كذا صححه في "الشامل" في أوائل باب ما يهدم الزوج من الطلاق وسيأتيك في كتاب الإيلاء ما يوضحه واقتضى كلامه أعني ابن الصباغ أن محل الخلاف هو محله في المسألة قبلها وهو حالة الإطلاق، وهذا لابد منه فاعلمه.
قوله: وإن قال: إن خرجت إلى غير الحمام بغير إذني فأنت طالق فخرجت إلى الحمام ثم قضت حاجة أخرى لم تطلق، وإن خرجت لحاجة
أخرى، ثم عدلت إلى الحمام [طلقت، وإن خرجت إلى الحمام] 1 وغيره ففي وجه تطلق كما لو قال: إن كلمت زيدًا فأنت طالق فكلمت زيدًا وعمرًا وفي وجه لا تطلق؛ لأن المفهوم من قوله: إن خرجت إلى غير الحمام الخروج بمقصود أجنبي عن الحمام وهاهنا الحمام مقصود الخروج، انتهى كلامه.
والمعروف في هذه المسألة أن الطلاق لا يقع، وهو المنصوص كذا نقله الرافعي في كتاب الإباق، واختلف كلام النووي في هذه المسألة إختلافًا عجيبًا فقال: هاهنا ما نصه: قلت: الأصح الوقوع وممن صححه الشاشي والله أعلم، ثم خالف في كتاب الإيمان فقال من "زوائده" أيضًا: الصواب الجزم بأنه لا يحنث هذا لفظه، وسوف أذكره مع لفظ الرافعي هناك فراجعه.
قوله نقلا عن فتاوى القفال: بخلاف ما لو قال: نكحتها وأنا واجد طول حرة نجعل ذلك فرقة بطلقة لأنه أقر بالنكاح وادعى مفسدًا، وقيل: يتلطف به الحاكم حتى يقول: إن كنت نكحتها فقد طلقتها.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله من وقوع طلقة وأقره عليه قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو خلاف الصحيح، فإن الصحيح أنها فرقة فسخ لا ينقص عددًا كما صرح به من "زوائده" في آخر الباب الثالث من أبواب النكاح، ولم يصحح الرافعي هناك شيئًا.
الأمر الثاني: أن تعبيره عن التلطف بقوله: وقيل، يقتضي على اصطلاحه ثبوت خلاف ذلك وليس فيه خلاف ولا يتصور أيضًا مجيء الخلاف فيه.
قوله: وأنه لو قال: إن فعلت ما ليس لله تعالى فيه رضا فأنت طالق
فتركت صومًا أو صلاة ينبغي أن لا تطلق لأنه ترك وليس بفعل فلو سرقت أو زنت طلقت.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق الحنث في الزنا لكن قياس ما قاله في الصوم والصلاة أن لا يحنث بالزنا إذا كان الموجود بها إنما هو مجرد التمكين بأن كشف عورتها فسكنت أو كانت مكشوفة العورة؛ لأن الموجود منها إنما هو ترك الدفع وليس بفعل على ما قاله.
قوله نقلا عن العبادي: أنه لو كان له أمة وزوجة فدعى الأمة إلى فراشه فحضرت الحرة فوطئها فقال: إن لم تكوني أحلى من الحرة فهي طالق وهو يظنها الأمة فقال أبو حامد المروزي: تطلق لأنها هي الحرة فلا تكون أحلى من الحرة، وحكى أبو العباس الروياني وجهًا أنها لا تطلق لأن عنده أنه يخاطب غيرها، قال: وهذا أصح وبه أفتى الحناطي.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" واعلم قاعدتنا اعتبار المخاطب وإن ظنه أنها غيره كما إذا قال: يا زينب فأجابته عمرة فقال: أنت طالق ظنًا أنها زينب فإن عمرة تطلق، وقياس هذا في مسألتنا تصويب مقالة أبي حامد.
قوله في "الروضة" نقلًا عن فتاوى القاضي: وأنه لو قال: إن غسلت ثوبي؛ فأنت طالق فغسلته أجنبية ثم غمست المحلوف بطلاقها في الماء تنظيفًا لم تطلق لأن العرف في مثل هذا يغلب والمراد في العرف الغسل بالصابون والأشنان ونحوهما، وإزالة الوسخ، وقال غير القاضي: إن أراد الغسل من الوسخ لم تطلق، وإن أراد التنظيف فلا، وإن أطلق قال: لا حنث فيه.
انتهى كلامه.
وتعبيره في آخره بقوله: فلا، غلط؛ لأنه موافق لما قبله، وصوابه: حنث وهو المذكور في الرافعي.
قوله نقلًا عن فتاوى البغوي: أنه لو قال: إن ضربتك فأنت طالق فقصد ضرب غيرها فضربها لم يقبل قوله؛ لأن الضرب يقين ويحتمل أن يقبل لأن
الأصل بقاء النكاح، انتهى.
ذكر قريبًا منه في "الروضة" وهي عبارة ناقصة غير منتظمة، وقد راجعت "فتاوى البغوي" فرأيت المسألة فيها على الصواب، فإنه قال: مسألة: إذا قال لامرأته: إن ضربتك فأنت طالق فقصد ضرب أخرى أو ضرب نفسه فأصابها، قال: فهو ضارب بدليل أنه يكون قائلًا في مثله تجب الدية وهل يحنث؟ قال: فعلى قولي حنث المكره، فإن قلنا: لا حنث على المكره، ثم ادعى أني كنت أقصد ضرب غيرها أو ضرب نفسي فأصابها لا يقبل لأن الضرب يقين، ويحتمل أن يقبل لأن الأصل بقاء النكاح هذه عبارة البغوي فسقط الكلام المتوسط جميعه، إما لغلط في النسخة التي وقعت للرافعي أو لانتقال نظره أو نظر الكاتب من أصل الرافعي كما تقدم في نظائر لهذه المواضع، فلله الحمد على الإلهام إلى الصواب.
قوله نقلًا عن الفتاوى المذكورة: أنه لو نادى أمه فأجابته فلم يسمع فقال: إن لم تجبني أمي فامرأتي طالق فإن رفعت الأم صوتها في الجواب بحيث يسمع في تلك المسافة لم تطلق وإلا فتطلق، انتهى.
وما ذكره هنا قد ذكر بعده في أوائل الفصل الذي يليه ما يشكل عليه فقال نقلًا عن البوشنجي: وأنه لو حلف بالطلاق أنه بعث فلانًا إلى بيت فلان، وعلم أن المبعوث لم يمض إليه فقيل: يقع الطلاق لأنه [يقتضي حصوله هناك والصحيح أنه] 1 لا طلاق لأنه يصدق أن يقال بعثه فلم يمتثل.
انتهى.
وما قالوه في تعليل عدم الطلاق هنا يصدق في مسألتنا بعينه فيقال أجابته فلم يسمع.
قوله أيضًا نقلًا عن الفتاوى المذكورة: وأنه لو حلف لا يخرج من البلد
حتى يقضي دين فلان بالعمل فعمل له ببعض دينه، وقضى الباقي من موضع آخر، ثم خرج طلقت، وإن قال أردت أني لا أخرج حتى أخرج إليه من دينه وأقضي حقه قبل قوله في الحكم.
انتهى كلامه.
وما نقله عن "فتاوى البغوي" من القبول في الحكم، قد تابعه في "الروضة" عليه أيضًا، وهو غلط، فإن المجزوم به فيها إنما هو العكس فقال: قبل قوله في الباطن دون الظاهر.
هذه عبارته، فكأنه سقط من النسخة التي وقف الرافعي عليها إما لنقل نظره أو سقط من نسخ الرافعي.
فصل: في مسائل منثورة ذكرها أبو العباس الروياني
قوله: وأنه لو أشار إلى ذهب وحلف بالطلاق أنه الذي أخذه من فلان، وشهد شاهدان أنه ليس بذلك الذهب، فظاهر المذهب وقوع الطلاق، وإن كانت هذه الشهادة على النفي لأنه نفي يحيط العلم به، فإن الشاهد ربما رأى ذلك الذهب وعلم أنه غير ذلك المحلوف عليه، وفيه وجه أنه لا تقبل هذه الشهادة، انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله من أن ظاهر المذهب قبول الشهادة على النفي المحصور وأقره عليه، قد ذكر ما يخالفه في أثناء باب القسامة، وفي أواخر الشهادات في الباب المعقود لمسائل منثورة، واختلف فيه كلام "الروضة" أيضًا، وسوف أذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
الأمر الثاني: إنما يتعذر تسليم قبول الشهادة على النفي المحصور وهو الحق فما ذكره تقريبًا عليه من الحنث غير صحيح على قاعدته، فإنه إذا حلف معتقدًا أنه ذلك الشيء وليس هو إياه يكون جاهلًا، والأصح أن الجاهل لا يحنث، وقد صرح الرافعي بهذه القاعدة في أول كتاب الأيمان فقال: ينعقد اليمين علي الماضي كما ينعقد على المستقبل، فإن كان كاذبًا وهو عالم بالحال فهي اليمين الغموس قال: وإن كان جاهلا ففي وجوب الكفارة قولان كما لو فعل المحلوف عليه ناسيًا هذه عبارته فتفطن لذلك واستحضره فإنه كثير الوقوع في الفتاوى، وقد ذهل عنه الرافعي والنووي في مسائل وإن كانا قد تفطنا لذلك في مسائل أخرى.
قوله: ولو حلف بالطلاق أن لا يفعل كذا وشهد شاهدان عنده أنه فعله وتيقن صدقهما أو غلب على ظنه صدقهما لزمه أن يأخذ بالطلاق، انتهى.
تابعه في "الروضة" وهو قريب مما تقدم، وقد بسطت المسألة في آخر الفصل فراجعها.
قوله أيضًا عنه: وأنه لو قال: امرأتي طالق إن دخلت دارها ولا دار لها وقت الحلف ثم ملكت دارًا فدخلتها طلقت، وأنه لو قال: إن لم تكوني الليلة في داري فأنت طالق ولا دار له، ففي وقوع الطلاق وجهان مبنيان تارة على التعليق بالمستحيل، وأخرى أن الحنث هل يحصل بفعل المكره؟ انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره أولًا من الجزم بالحنث وأنه لا يشترط وجود الدار حملًا للكلام على أن يكون التقدير دارًا لها لا يتصور معه أن تكون اليمين الثانية من باب التعليق على المحال بل يكون التقدير أيضًا إن لم تكوني الليلة في دارٍ لي -أي: بالتنوين وعدم الإضافة- ولو صرح بهذا لكان تعليقًا صحيحًا بلا شك، ثم إن ملك دارًا ودخلتها لم يحنث وإلا حنث، والمذكور أولًا هو الموافق للقواعد ولاسيما أن اللفظ قد تعذر حمله على الحقيقة فحملناه على المجاز.
الأمر الثاني: أن مقتضى ما ذكره الروياني المذكور من كون البناء على الأصل الأول أن يكون الراجح هو الحنث عقب الغروب لأن الراجح في التعليق على عدم الإتيان بالمستحيل وقوع الحنث وأنه يتعجل لأن الزوج في التعليق على عدم الإتيان بالمستحيل وقوع الحنث وأنه يتعجل، فإن علقه على وقت معين تعجل في أول ذلك الوقت، كذا ذكره الرافعي في أوائل الباب الثالث من كتاب الأيمان فتفطن له، وإنما لا يقع الطلاق المعلق على المستحيل إذا كان التعليق على فعله.
وأما الأصل الثاني: فمقتضى البناء عليه ترجيح عدم الحنث لأنه الراجح في فعل المكره الذي يراعي مرض الحالف وقد اختصر في "الروضة"
هذا الكلام على غير وجهه، فإنه اقتصر فيه على البناء الأول.
قوله: وأنه لو قال لمن يسمى زيدًا يا زيد فقال امرأة زيد طالق طلقت امرأته، وقيل: لا تطلق إلا أن يريد نفسه.
انتهى كلامه.
تابعه عليه "الروضة" والراجح هو الوجه الثاني، كذا رجحه الرافعي في باب أركان الطلاق بعد نقله هذا عن أبي العباس المذكور فقال نقلًا عن القاضي سريج الروياني: وأنه لو قيل لرجل اسمه زيد يا زيد فقال امرأة زيد طالق.
قال جدي أبو العباس الروياني: تطلق امرأته، وقيل: لا تطلق حتى يريد نفسه لجواز إرادة زيد آخر هذا الوجه فيما إذا قال فاطمة طالق واسم زوجته فاطمة ويشبه أن يكون هذا هو الأظهر ليكون قاصدًا إلى تطليق زوجته هذا كلامه.
وذكر هناك أيضًا قبل الموضع المذكور بقليل نقلًا عن "فتاوى القفال": أنه إذا ادعى أنه نوى فاطمة أخرى قبل قوله، وذكر أيضًا في آخر الباب الذي نحن فيه الآن عن "فتاوى القفال" أيضًا أنه لو قال لأم امرأته: بنتك طالق، ثم قال: أردت البنت التي ليست زوجتي صدق، وذكر الرافعي هنا عقب المسألة الأولى أنه لو عزل عن القضاء فقال: امرأة القاضي طالق ففي وقوع طلاقه وجهان وقد ظهر لك مما نقلناه عنه ترجيح عدم الوقوع وإن كان باقيًا على ولايته فتفطن له.
قوله: وأنه لو قال إن خرجت من الدار بغير إذني فأنت طالق، فأخرجها هو فهل يكون إذنًا؟ فيه وجهان، القياس المنع.
ذكر مثله في "الروضة" والحكم على الإخراج بأنه لا يكون إذنًا يشعر بالحنث، ولكن يتعين أن يقال إن أكرهها حتى خرجت فالأمر كذلك لأنها خرجت باختياره وإن لم يكن بإذنه وإن لم يكرهها عليه، بل حملها إلى
خارج لم يحنث فقد قال الرافعي في كتاب الأيمان في مثل هذه الصورة بما ذكرناه وعلله بأنها لم تخرج بل أخرجت.
قوله: وأنه لو قيل أطلقت امرأتك فقال: اعلم أن الأمر على ما يقوله لم يكن إقرارًا بالطلاق على الأصح، انتهى.
واعلم أنه قد ذكر في أبواب العتق قبل كتاب التدبير تصويرًا قريبًا من هذا نقلًا من الروياني أيضًا وأجاب عنه بما يخالف جوابه هنا إلا أنه فرض المسألة هنا في المضارع من علم وهنا في الأمر منه، وقد يفرق بينهما.
قوله: وأنه لو جلس مع جماعة فقام ولبس خف غيره فقالت له زوجته: استبدلت بخفك ولبست خف غيرك فحلف بالطلاق أنه لم يفعل ذلك، فإن كان خرج بعد خروج الجماعة ولم يبق هناك إلا ما لبسه لم تطلق؛ لأنه لم يستبدل بل استبدل الخارجون قبله، وإن بقي غيره طلقت.
وأنه لو رأى امرأته تنحت خشبة فقال: إن عدت إلى مثل هذا الفعل فأنت طالق فنحتت خشبة من شجرة أخرى ففي وقوع الطلاق وجهان؛ لأن النحت كالنحت لكن المنحوت غيره.
ولو حلف لا يخرج من الدار إلا مع امرأته فخرجا لكن تقدم عليها بخطوات ففي وجه لا يحنث للعرف وفي آخر يحنث، وإنما يحصل البر بأن يخرجا من غير تقدم.
وأنه لو حلف أن لا يضربها إلا بالواجب، فشتمته فضربها بالخشب طلقت لأن الشتم لا يوجب الضرب بالخشب وإنما تستحق به التعزير، وقيل: خلافه.
وأنها لو سرقت منه دينارًا فحلف بالطلاق لتردنه وكانت قد أنفقته لا تطلق حتى يحصل اليأس من رده بالموت، فإن تلف الدينار وهما حيان فوقوع الطلاق على الخلاف في الحنث بفعل المكره.
وأنه لو قال: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق وأشار إلى موضع من الدار فدخلت غير ذلك الموضع من الدار ففي وقوع الطلاق وجهان.
ولو قال: إن ولدت ذكرًا فأنت طالق واحدة، وإن ولدت أنثى فأنت طالق ثلاثًا فولدت ولدًا ميتًا ودفن ولم يعلم حاله فهل ينبش ليعرف؟ يحتمل أن يخرج على وجهين.
وأنه لو قال: إن كان هذا ملكي فأنت طالق، ثم وكل من يبيعه، هل يكون إقرارًا بأنه ملكه؟ وجهان، وكذا لو تقدم التوكيل على التعليق.
انتهى.
وقد تكلم النووي على هذه المسائل فقال: أما الأولى فالصواب فيها أنه إن خرج بعد خروج الجميع فينظر إن قصد أني لم آخذ بدله كان كاذبًا فإن كان عالمًا بأنه أخذ بدله طلقت، وإن كان ناسيًا فعلى قولي الناسي، وإن لم يكن له قصد خرج على الخلاف السابق في أن اللفظ الذي تختلف دلالته بالوضع والعرف على أيهما يحمل؟ وأما إن خرج وقد بقي بعض الجماعة فإن علم أن خفه مع الخارجين قبله فحكمه ما ذكرناه وأن علم أنه كان باقيًا أو شك ففيه الخلاف في تعارض الوضع والعرف.
وأما الثانية: وهي مسألة النحت فالأصح فيه الوقوع.
وأما الثالثة والرابعة: فالأصح فيهما عدم الوقوع.
وأما الخامسة: وهي مسألة الدينار فالأصح وقوع الطلاق إذا تلف بعد التمكين من الرد.
وأما السادسة: فالأصح فيها الوقوع ظاهرًا لكنه إن أراد الموضع المعين دين.
وأما السابعة: فنقلها النووي من هنا إلى الفصل المعقود للتعليق بالجمل والولادة، وقال: الراجح: النبش وللمسألة نظائر تأتي إن شاء الله تعالى في الباب الثاني من الشهادات يتعين مراجعتها.
وأما الثامنة: فالمختار في الحالين أنه لا طلاق إذ يحتمل أن يكون وكيلًا في التوكيل ببيعه أو كان لغيره وله عليه بينة، وقد تعذر إستيفاؤه أو باعه غصبًا أو بولاية.
واعلم أن ما نقله الرافعي في التوكيل يجري في البيع بنفسه بلا شك،
وكأنه إنما فرض المسألة في الوكيل لكون الروياني سئل عنها بخصوصها، وحينئذ فيكون الراجح عدم الطلاق فيه، بل أولى.
إذا علمت ذلك فقد صحح هو والرافعي في كتاب الصلح أن قول المدعي عليه للمدعى بعنيه أو هبه لي إقرار بالملك له مع الاحتمالات المذكورة هاهنا تأتي جمعيها فيجوز أن يكون له مالك غيره فوض إليه هذه التصرفات ولم يعينه.
قوله: وأنه لو كان بين يديه تفاحتان فقال لزوجته: إن لم تأكلي هذه التفاحة اليوم فأنت طالق، وقال لأمته: إن لم تأكلي الأخرى اليوم فأنت حرة واشتبهت تفاحة الطلاق بتفاحة العتق فعن بعض الأصحاب أن الوجه أن تأكل كل واحدة [منهما تفاحة فلا يقع الطلاق ولا العتق؛ لأن الأصل بقاء النكاح والملك والزوال غير معلوم، وعن آخرين أن الوجه أن تأكل كل واحدة] 1 منهما ما يغلب على ظنها أن يمينها معقودة عليها ويجتهد الزوج معهما، ولو خالع زوجته ذلك اليوم وباع الأمة، ثم جدد النكاح واشترى يخلص وقيل: يبيع الأمة من المرأة في ذلك اليوم وتأكل المرأة التفاحتين، انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره ليس اختلافًا للأصحاب بل لكل مما ذكره طريق سائغ موافق لقواعدنا أجاب به بعضهم عند السؤال، وكان الصواب أن يقول: له طريقان، وكلامه يوهم من لا حاصل عنده أن ذلك خلاف حتى وقع فيه النووي في اختصاره "للروضة" فإنه قال: فيه وجهان:
أحدهما: كذا وسرد الكلام إلى آخره فاجتنبه فإنه وهم فاحش وسيأتي من كلام النووي في نظير المسألة ما يوافق الطريق الأول.
الأمر الثاني: أن مسألة الخلع قد ذكرها الرافعي مبسوطة قبل ذلك في الفصل المعقود للتعليق بالتطليق ونفيه، وقد ذكرت لفظه هناك إلا أنه هناك
فرضها في العمر وهاهنا في اليوم فيكون اليوم كالعمر، وقياس ما ذكره هناك أنه إذا خالع وباع الأمة، ثم عقد عليها أنه لا يتخلص بل ينتظر الحال، فإن أكلتا في اليوم فلا كلام وإلا وقع الطلاق قبل الخلع والعتق قبل البيع وبان بطلانهما.
قوله: وأنه لو قال لامرأتيه: كلما كلمت رجلًا فأنتما طالقتان، ثم قال: لرجلين اخرجا طلقتا.
ولو قال: كلما كلمت رجلًا فأنت طالق فكلم رجلين بكلمة طلقت طلقتين على الصحيح، وقيل: طلقة، انتهى كلامه.
وفي الصورة الأولى منه خلل تبعه عليه في "الروضة" فإن وقوع الطلاق لا يتوقف على القولين لرجلين، فإنه لو خاطب واحدًا وقع الطلاق بلا نزاع وإنما جواب هذا التصوير الحكم بالتعدد أو عدمه، والقياس: إلحاقه في ذلك بالصورة الثانية، وحينئذ فصوابه أن يعبر بقوله: طلقتا طلقتين وقيل: طلقة، والظاهر أنه كان هكذا ولكن سقط إما من كلام الروياني أو من كلام الرافعي.
قوله: وأنه لو قال: إن تزوجت النساء أو اشتريت العبيد فأنت طالق لم تطلق إلا إذا تزوج ثلاث نسوة أو اشترى ثلاثة أعبد، انتهى.
وما نقله من اشتراط الثلاثة وأقره ذكر بعده بنحو ورقة في المسائل المنقولة عن البوشنجي نحوه وأقره أيضًا فقال: ولو قال: إن كلمت بني آدم فأنت طالق فالقياس أنها لا تطلق بكلام واحد ولا اثنين وهذان الفرعان قد ذكر في آخر الباب الثالث من كتاب الإيمان في الفصل الأول من الفصلين الزائدين ما يخالفهما مخالفة عجيبة وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه.
ووقع هذا الاختلاف أيضًا في "الروضة" وذكر الرافعي أيضًا في أوائل القذف أن الناس تتناول الكل ومقتضى هذا أنه لا يحنث بتكليم البعض وهو القياس، لأنه جمع محكي وهو للعموم فلا يحنث بالبعض وإن كان يستحيل
تكليم الكل، كما لو حلف لا يشرب ماء النهر فإنه لا يحنث بشرب بعضه وإن كنا نعلم استحالة شرب الجميع.
قوله: وأنه لو قال: أنت طالق إن لم أطأك الليلة فوجدها حائضًا أو محرمة فعن المزني أنه حكى عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة -رضي الله عنهم- أنه لا طلاق فاعترض، وقال: يقع لأن المعصية لا تعلق لها باليمين، ولهذا لو حلف أن يعصي الله تعالى فلم يعص حنث، وقيل: ما قاله المزني هو المذهب واختيار القفال، وقيل: على قولين لفوات البر بالإكراه، انتهى كلامه.
واعلم أن الرافعي قد ذكر نظير هذه المسألة في الباب الثالث من أبواب الأيمان في النوع السابع منه في الكلام على الحلف على استيفاء الحقوق، وجزم فيها بما قاله المزني حكمًا وتعليلًا، وسوف أذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله: وأن الوكيل إذا طلق لا يحتاج إلى نية إيقاع الطلاق عن موكله في الأصح، انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وللوكيل في الفعل ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يقصد إيقاعه عن موكله وهو واضح.
والثاني: أن لا يقصد شيئًا فيقع عنه أيضًا على الراجح كما تقدم في هذا اللفظ.
والثالث: أن يقول: أتيت به لغرض نفسي ووقوعه عني لا عن الموكل، فمقتضى ما نقله الرافعي هنا وقوعه أيضًا لكنه نقل قبيل كتاب الديات عن "فتاوى البغوي"، ولم يخالفه أن الوكيل في استيفاء القصاص إذا قال: قتلته بشهوة نفسي لا عن جهة الموكل لزمه القصاص، وينتقل حق الموكل إلى التركة هذا كلامه ومقتضاه من هنا أن الطلاق لا يقع، وأنه لابد من عدم
الصارف عن [الموكل] 1، ويؤيده أيضًا ما نقله الرافعي في الكلام على الإكراه عن أبي العباس المذكور أن الوكيل في الطلاق إذا أكره على الطلاق فيحتمل أن يقال يقع اختيار المالك ويحتمل أن لا يقع لأنه المباشر قال أبو العباس: وهذا أصح.
قوله: وأنه لو قال: إن لم أصطد ذلك الطائر اليوم فأنت طالق فاصطاد طائرًا وادعى أنه ذلك الطائر قبل للاحتمال فإن قال الحالف: لا أعرف الحال واحتمل الأمرين فيحتمل وقوع الطلاق وعدمه، انتهى.
وهذه المسألة قد اختلف فيها تصحيح النووي وسبق أيضًا إيضاح ذلك في آخر الباب الرابع المعقود للاستثناء.
فصل: في مسائل [منقولة عن] (1) إسماعيل البوشنجي
قوله في "الروضة": لو حلف بالطلاق لا تساكنه في شهر رمضان تعلق الحنث بمساكنة جميع الشهر ولا يحنث ببعضه، وبهذا قال إمام العراقيين يعني أبا بكر الشاشي وعن محمد بن يحيى يحنث بمساكنة ساعة منه كما لو حلف لا تكلمه شهر رمضان يحنث بتكليمه مرة، انتهى كلامه.
هذا النقل عن محمد بن يحيى غلط مخالف لما في الرافعي فإن فيه محمد بن الحسن أي صاحب أبي حنيفة فتحرف على النووي ومراده بأبي بكر الشاشي صاحب "الحلية"، وتوضيحه أن الرافعي صرح بأن البوشنجي سأله وقد كان في طبقة تلامذته.
قوله نقلًا عن إسماعيل البوشنجي أيضًا: أنه لو قال: أنت طالق في الدار، فمطلق هذا يقتضي وقوع الطلاق إذا دخلت هي الدار، انتهى كلامه.
وما نقله عن البوشنجي المذكور من توقف الطلاق على دخول الموضع وأقره قد نقل بعده بنحو ورقة عن البويطي خلافه فقال: ما نصه عن البويطي أنه لو قال: أنت طالق في مكة أو بمكة أو في البحر طلقت في الحال إلا أن يريد إذا حصلت هناك، وكذا لو قال: في الظل وهما في الشمس بخلاف ما إذا كان الشيء منتظرًا غير حاصل كما إذا قال في الشتاء وهما في الصيف لا يقع حتى يجيء الشتاء.
هذا لفظه وحكى العبادي في "الطبقات" أن الصعلوكي حكى عن الربيع أنه إذا قال: أنت طالق في مكة لا تطلق حتى تدخل مكة، قال: وقال ابن سريج: في الحال، انتهى.
فتعارض كلام البويطي مع كلام الربيع.
قوله: وأنه لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار ثنتين أو ثلاثًا أو عشرًا1
فهو مجمل، فإن قال: أردت أنها تطلق واحدة إن دخلت الدار مرتين أو ثلاثًا يصدق فإن اتهم حلف وإن أراد وقوع الطلاق بالعدد المذكور تقع الثلاث وتلغو الزيادة.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه من وقوع الثلاث مع كونه قد عبر بأو وتبعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غير صحيح ففي الرافعي والروضة الجزم بأنه إذا قال لزوجته: أنت طالق طلقة أو ثلاثًا أنه يختبر ويقع ما أراده منهما، والحمل على أنه قد يريد ثنتين وقد يريد ثلاثًا فاسد أيضًا؛ لأنه جزم بوقوع الثلاث.
قوله: وللدار بستان بابه لافظ فيها انتهى.
واعلم أن صيغة لفظ بالفاء والظاء المعجمة المشالة معناها رمى، تقول: لفظته من فمي أن رميته، والمعنى هاهنا أن باب البستان يرمي في الدار ولهذا عبر في "الروضة" بقوله: بابه مفتوح إليها.
قوله: وأنه لو حلف لا يطعنه بنصل هذا الرمح أو نصل هذا السهم فنزع الزج وأدخل فيه رمحًا آخر فطعنه به يحنث.
انتهى.
الزج بزاي معجمة مضمومة ثم جيم مشددة هو: الحديدة التي في أسفل الرمح، والجمع زجاج بكسر الزاي، وزجة بالكسر أيضًا علي وزن عنبة.
قوله: وأنه لو قال: إن شتمتيني أو لعنتيني فأنت طالق فلعنته لا يقع الطلاق لتعلقه بهما.
انتهى.
تابعه في "الروضة" علي هذا الحكم مع تعبيره بقوله: وإن -ومن خط النووي نقلت- وهو غير مستقيم فإن الرافعي قد ذكر قبيل الكلام على اعتراض الشرط على الشرط أن الشرطين المعطوفين بالواو يمينان سواء تقدما أو تأخرا وتابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وحينئذ فيقع الطلاق في مسألتنا باللعن وبالشتم وحده وإنما يستقيم ما ذكره مع حذف واو العطف.
قوله: وأنه لو قال نصف الليل: إن بت مع فلان فأنت طالق فبات معه
بقية الليل طلقت على مقتضى القياس ولا يشترط أن يبيت جميع الليل ولا أكثره، انتهى.
والمختار كما قاله في "الروضة" أن المبيت يحمل مطلقه على أكثر الليل إذا لم تكن قرينة كما سبق في المبيت بمنى قال لكن الظاهر الحنث هنا لوجود القرينة.
قوله: وأنه لو حلف لا يأكل من مال فلان فنثر مأكولًا فالتقطه وأكله حنث، وكذا لو تناهدا فأكل من طعامه، انتهى.
قال في "الروضة" الصورتان مشكلتان والمختار في مسألة النثار بناؤه على الخلاف السابق في الضيف ونحوه أنه هل يملك الطعام المقدم إليه ومتى يملكه؟ وأما بالنسبة للمناهدة وهي خلط المسافرين نفقتهم وإشتراكهم في الأكل من المخلتط ففيها نظر لأنها في معنى المعاوضة، وإلا فتخرج على مسألة الضيف، هذا كلامه.
وقد ذكر الرافعي المناهدة في آخر الأيمان وفسرها بتفسير هو أعم من هذا التفسير الذي ذكره النووي وذكر أيضًا ما ذكره النووي من التخريج على مسألة الضيف بعد أن نقل عن بعض الحنفية أنه لا يحنث وسوف أذكره هناك والمناهدة بالنون والدال المهملة.
قوله: وأنه لو حلف لا يكلم أحدًا أبدًا إلا فلانًا وفلانًا فكلمهما جميعًا يحنث كما لو قال: لا أكلم إلا هذا وهذا فكلمهما جميعًا، انتهى.
هذه المسألة لم يذكرها في "الروضة" وهذا الحكم إنما يتجه إذا كانت الصورتان بأو لا بالواو.
قوله: وأنه لو حلف لا يصوم زمانًا فالقياس أنه يحنث بصوم ساعة من يوم إذا قلنا في من حلف أن لا يصوم يحنث بالشروع فيه، ولو حلف ليصومن أزمنة، بَرَّ بصوم يوم لاشتماله على أزمنة.
انتهى.
أما المسألة الأولى فقد تحرفت في "الروضة" فوقع فيها التعبير بقوله: ليصومن أي: على الإثبات.
وأما الثانية: فلا يشترط في البر أن يصوم يومًا، بل يكفي ثلاث لحظات.
قوله: وأنه لو قال: إن كان الله يعذب الموحدين فأنت طالق طلقت.
انتهى.
قال في "الروضة" هذا إذا قصد الحلف على عذاب أحد منهم، فإن قصد المجموع أو لم يقصد شيئًا لم تطلق لأن التعذيب يختص ببعضهم.
قوله: وأنه لو قال: اكررسيه مرين مران فأنت طالق فظاهر اللفظ يقتضي وقوع الطلاق إذا لبسه أو ألقاه على نفسه، انتهى.
هذه المسألة ذكرها الرافعي بالفارسية فأسقطها من "الروضة".
قوله: وأنه لو اتهمته امرأته بالغلمان فحلف أن لا يأتي حرامًا ثم قبل غلامًا أو لمسه يحنث لعموم اللفظ بخلاف ما لو قالت له: فعلت كذا حرامًا؟ فقال: إن فعلت حرامًا فأنت طالق لأن هاهنا ترتب كلامه على كلامها وهناك اختلف اللفظ فحمل كلامه على الإبتداء لأنها اتهمته بنوع من الحرام فنفى عن نفسه جنس الحرام، انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن البوشنجي في اللمس من إطلاق الحكم عليه بالتحريم، وإيقاع الطلاق به، وتابعه هو والنووي عليه مستقيم على ما صححه النووي من تحريم النظر إلى الأمرد بغير الشهوة فإن ذلك إذا حرم كان تحريم القبلة والمس بطريق الأولى، وأما على ما قال الرافعي والجمهور من جواز النظر فالمتجه جواز المس وهذه المسألة الثانية وهي التي أجاب فيها بعدم الحنث قد أسقطها النووي من "الروضة"، وحكمها مشكل بل الصواب وقياس نظائره أنه يحنث ولا أثر لترتيب كلامه على كلام غيره ولهذا لو قال له قائل كلم زيدًا اليوم، فقال: والله لا كلمته، إنعقدت
اليمين على الأبد إلا أن ينوي اليوم كذا قاله الرافعي في أواخر كتاب الأيمان.
قوله: وأنه لو حلف لا يأكل من مال ختنه فدفع إليه الدقيق ليخبره فخبزه بخمير من عنده لم يحنث لأنه مستهلك، انتهى.
وما نقله عن العبادي من عدم الحنث وأقره تبعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غير مستقيم لأن هذا المال مشترك بلا شك فيأتي فيه ما قالوه فيه في الأيمان وهو أنه إن أكل الكل أو شيئًا يزيد على حصته حنث وإلا فلا.
والختن بالخاء المعجمة والتاء بنقطتين من فوق هو: زوج البنت.
قوله: ولو قال: إن لم تكوني أحسن من القمر، أو إن لم يكن وجهك أحسن من القمر فأنت طالق.
قال القاضي أبو علي الزجاجي والقفال وغيرهما: لا تطلق، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ انتهى.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: هذا الحكم والاستشهاد متفق عليه وقد نص عليه الشافعي -رحمه الله- وقد ذكرت النص في ترجمة الشافعي من كتاب "الطبقات" هذا كلامه.
وما ذكره -رحمه الله- عن الطبقات سهو فإن "الطبقات" المذكورة لم يترجم فيها للشافعي فضلا عن كونه ذكر هذا النص فيها، وقد وقع له أيضًا نظير هذا الموضع في كتاب الوليمة.
قوله نقلًا عن أبي العباس الروياني: أن امرأة قالت لزوجها: اصنع لي ثوبًا ليكن لك فيه أجر، فقال: إن كان لي فيه أجر فأنت طالق فقالت: استفتيت فيه إبراهيم بن يوسف العالم، فقال: إن كان إبراهيم بن يوسف [عالمًا فأنت طالق، فاستفتي إبراهيم بن يوسف] 1 في ذلك فقال: لا يحنث في اليمين الأولى لأنه مباح والمباح لا أجر فيه، ويحنث في الثانية لأن الناس يسمونني عالمًا، وقيل: يحنث في الأولى أيضًا لأن الإنسان يؤجر في ذلك أيضًا إذا
قصد البر، وحكى الوجهين معًا القاضي الروياني في كتاب "التجربة" وقال: الصحيح الثاني، انتهى.
قال في "الروضة": لا معنى للخلاف في مثل هذا لأنه إن قصد الطاعة كان فيه أجر ويحنث وإلا فلا، ومقتضى الصورة المذكورة أن لا يحنث لأنه لم يقع فعل بنية الطاعة، انتهى كلامهما.
وما ذكراه معًا كلام غير محرر، والصواب ما ذكره الرافعي في أوائل كتاب النذر نقلًا عن الأئمة وهو أن المباح إذا قصد به الطاعة فإنه يثاب على القصد الجميل لا على نفس المباح فلابد من مراعاة ذلك هنا، وأما قول النووي أن مقتضى التصوير أنه لا يحنث أنه لم يقع منه فعل بنية الطاعة، وهذا كلام عجيب موهم فإن الثواب لا يتوقف علي الفعل بل إذا قصد أن يفعل بنية الطاعة حصل له الثواب سواء فعله أم لم يفعله، وأيضًا فإن الفعل هنا لم يقع بالكلية حتى يعدل بنفي الفعل المقيد.
واعلم أن ما ذكره الرافعي في أوائل النذر قد ذكر ما يخالفه في آخر باب القسم والنشوز فقال: إن هجران المرأة بترك الكلام حرام، وقيل مكروه.
قال الإمام: وعندي أنه لا يحرم ترك الكلام أبدًا لكن إذا كلم فعليه أن يحنث وهو كابتداء السلام وجوابه.
ثم قال -أعني: الرافعي- ولمن ذهب إلى التحريم أن يقول: لا منع من ترك الكلام بلا قصد، فأما بقصد الهجران فحرام كما أن الطيب ونحوه إذا تركه الإنسان لا يحرم ولو قصد بتركه الإحداد أثم هذا كلامه.
وتبعه عليه في "الروضة" وذكر ما يوافق هذا أيضًا في أوائل الشهادات في الكلام على الغناء المحرم.
قوله نقلًا عن الشيخ إبراهيم المروروزي: وأنه لو قال: أفرغي هذا البيت من قماشك فإن دخلت ووجدت فيه شيئًا من قماشك ولم أكسره على
رأسك فأنت طالق، فدخل البيت ووجد فيه منحازًا لها، فقيل: لا يقع للإستحالة، وقيل يقع عند اليأس.
انتهى.
المنحاز بميم مكسورة ثم نون ساكنة ثم حاء مهملة وفي آخره زاي معجمة هو الهاون، ومن كلام العرب له دق دقك بالمنحاز حب الفلفل.
إذا علمت ذلك فالصحيح في هذه المسألة وسائر التعاليق المستحيلة وجه ثالث وهو الحنث الأن، كذا ذكره الرافعي في الأيمان في أول النوع الثالث المعقود للأكل والشرب فقال: إنه الأشبه، وفي "الروضة" إنه الأصح، وعللاه بأن العجز متحقق في الحال، وإنما يحسن الانتظار في ما يتوقع حصوله، نعم: إن قال إن طرت أو أحييت ميتًا ونحوه مما جعل فيه الطلاق معلقًا على وجود ما يستحيل وجوده فلا يقع على الصحيح وليس كلامنا فيه.
قوله نقلًا عنه: وأنه لو تخاصم الزوجان إلى آخره.
هذه المسألة وقعت في نسخ الرافعي مغيرة كما قاله في "الروضة" قال وقد حققتها من كتاب إبراهيم المذكور فلنذكر عبارة النووي فيها لمعرفة صورة المسألة، فنقول: قال في أصل "الروضة": وأنه لو تخاصم الزوجان فخرجت مكشوفة الوجه فعدى خلفها وقال كل امرأة خرجت من الدار مكشوفة ليقع بصر الأجانب عليها فهي طالق فسمعت قوله ورجعت ولم يبصرها أجنبي طلقت، ولو قال: كل امرأة لي خرجت مكشوفة ويقع بصر الأجانب عليها فهي طالق فخرجت ولم يبصرها أجنبي لا تطلق، والفرق أن الطلاق في الصورة الثانية معلق على صفتين ولم توجد إلا إحداهما، وفي الأولى على صفة فقط، وقد وجدت هذا كلامه.
قوله نقلًا عن أبي العباس الروياني: وأنه لو حلف أنه لا يفعل كذا فشهد عنده عدلان أنه فعله وظن صدقهما لزمه الأخذ بالطلاق، انتهى.
فظاهره اشتراط العدلين في الإخبار وينبغي الاكتفاء بالواحد عند غلبة الظن وهذه المسألة تشكل على مسألة الإخبار بنقضان الصلاة وزيادتها حيث صححوا هناك عدم الرجوع إلى المخبر، ويجوز أن يكون الروياني هذا ممن يقول في الصلاة بالرجوع إلى قول المخبرين فإن صح عنه لزم القول بعدم الرجوع هنا إلى قولهم، وقوله: يشهد عدلان أنه فعله لابد أن يريد فيه أنك فعلته عمدًا وإلا فلا يستقيم إطلاق القول بالحنث، إلا أن يكون الروياني هذا ممن يرى بحنث الناسي.
وقوله: لزمه الأخذ بقولهم، يحتمل اللزوم باطنًا ويحتمل ظاهرًا أيضًا حتى أنها تقضي العدة وتنكح غيره من غير إنشاء طلاق، وهو مشكل، لإنا لو فتحنا هذا الباب لاتخذه الشهود ذريعة إلى التفريق بين المرء وزوجه عند التعليق على أي فعل كان ولو علق على فعل غيره من غير إستفصال الحاكم لهم فشهد الشهود أنه فعله كان ممن لا يبالي به أو يبالي، والقياس إلحاقه بفعله ولو شهد عنده عدلان فشك في إخبارهما لم يلزمه الأخذ ويلزم الشهود في جميع الصور أن يشهدوا أنه فعله وطريق الزوج في رفعهم عنه وبقاء الزوجية أن يحلف أنه فعله ناسيًا.
وقوله: فيشهد عنده عدلان يقتضي أنه لو شهد عنده صبيان أو عبيد أو فسقة لم يلزمه الأخذ عند غلبة الظن، وفيه نظر، ولو شهد عنده نسوة أو عبيد عدول لزمه الأخذ، ويحتمل خلافه لأنهم ليسوا مقبولين الشهادة في الطلاق، ولو أخبرته المرأة بأنه فعله وغلب على ظنه لم يلزمه الأخذ لأنها قد تريد قطع نكاحه وكثيرًا ما يقع هذا، لكن إذا كان المدار على غلبة الظن فينبغي طرحه في الجميع ولا ينبغي تقييده بالشهادة، بل إذا غلب على ظنه أنه فعله لزمه الأخذ بالترك، وقد ذكروا في مسألة التحليل فيما إذا أخبر به المرأة فإنها حلت وغلب على ظنه الكذب أنه يجوز النكاح على الأصح، فإذا كان ابتداء النكاح مع غلبة الظن يكذب المخبر فجواز استدامته مع غلبة
ظن صدق المخبر أولى لأنه يفتقر في الدوام ما لا يفتقر في الابتداء، ويلزم أبا العباس أن الشهود لو شهدوا عنده أنها حلت وغلب على ظنه الكذب أن لا يجوزه ويجوز أن يكون قائلا به.
ولو علق عتقًا أو نذرًا على فعله أو فعل غيره أو عبده أو أمته فأخبره عدلان فالعتق نظير الطلاق.
ولو حلف يمينًا بالله على عدم الفعل فشهدوا عنده لزمته الكفارة على هذا.
ولو كانت عليه ديون وكفارات فشهدوا عنده بأدائها أو بأداء زكاة أو صلاة أو حج أو صوم أو رد لقطته أو وديعة أو عارية أو مغصوبة وغلب الصدق فينبغي القبول فيما عدا الصلاة.
ولو شهدوا بإبراء أو استيفاء أو قرض أو رهن أو إجارة أو تزويج بنته أو أمته أو غيرهما من غيره أو باستيلاده أمته أو تدبيرها أو وقفها أو بجميع ما يتعاطاه المكلف فهذه مسائل ينبغي الإعتناء بتحريرها.
وإيضاح قول أبي العباس في أصل المسألة وإيضاح محله هل هو عند الفعل عمدًا أو سهوًا؟ وأن ما قاله هل يطرد في جميع هذه الصور، وتبين مذهبه في حنث الناسي والجاهل وفي مسألة الصلاة أعني من قول المخبر وقول المرأة للزوج إنك فعلته هل يلزمه مع غلبة الظن؟ وهذه المسائل لم يتعرض لها أحد.