وفيه أربعة أبواب.
الباب الأول: في التولية والعزل
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في التولية
قوله: والقضاء والإمامة من فروض الكفاية بالإجماع، لأن الظلم من شيم النفوس، ويجوز أن يوضع على لفظ المسألة من الكتاب وأولان بعض الأصحاب في ما حكى القاضي ابن كج ذهب إلى أن القضاء مكروه للأحاديث المحذرة في الباب، وظاهر المذهب الأول، ثم قال: وإذا قلنا بظاهر المذهب فإذا قام بعض الصالحين للقضاء به سقط الفرض عن الباقين.... إلى آخره.
واعلم أن الرافعي أشار بقوله: لأن الظلم من شيم النفوس.... إلى قول المتنبي:
الظلم من شيم النفوس فإن تجد... ذا عفة فلعله لا يظلم
وكلامه صريح في أن الخلاف المذكور محله في الفرضية وعدمها، وقد أثبته كذلك في "الشرح الصغير"، وأسقطه النووي من "الروضة" وسببه أنه قد ذكر أولًا الإجماع على كونه فرضًا فكيف يكون مختلفًا فيه؟ فلما أشكل عليه حالة حذفه، وغاية ما يقال فيه: أن الوجوه لابد أن تكون مخرجة من قواعد المجتهد ولازمة لأصوله التي قررها، وللناس خلاف مشهور في أن لازم المذهب هل هو مذهب أم لا؟ فالذاهب إلى أنه ليس بمذهب قد يذهب إلى أنه لا يقدح في الإجماع، وحينئذ تستقيم دعوى الإجماع مع إثبات الوجه، وقد صرح في "المطلب" بعد هذا بقليل بحكاية
خلاف في أنها هل تقدح في الإجماع أم لا؟ وصحح أنها تقدح، وقد يجاب بجواب فيه منع لما فهمه الرافعي فيقال: ليس الخلاف عائدًا إلى الفرضية وعدمها بل في الكراهة فقط وإن كان مجمعًا على كونه فرضًا، ولا منافاة لأن المنافاة إنما هي حاصلة بين الكراهة وفرض العين لا بينهما وبين فرض الكفاية، ألا ترى أنّا نرد شهادة أصحاب الحرف على ما سيأتي وإن كان القيام بتلك الحرف فرضًا؟
قوله: وربما تردد الناظر في إخبار الممتنع من القضاء من جهة أن الامتناع من هذا الفرض الذي هو مناط المصالح العامة بعد ما تعين يشبه أن يكون من الكبائر، وحينئذ فيفسق به ويخرج عن أهلية القضاء لفوات شرط العدالة فكيف يولى ويجبر على القبول؟ ويمكن أن يكون المراد: أن يؤمر بالتوبة أولًا فإذا تاب تولى.
انتهى كلامه.
وهذا الجواب الذي ذكره الرافعي بتقدير الفسق قد سلمه له في "الروضة" وهو غير مستقيم، وذلك لأنه إن صح ما قاله من كونه فسقًا فالفاسق إذا تاب لا تجوز ولايته ولا نقبل شهادته إلا إذا مضت عليه مدة الاستبراء، ولم يشترط ذلك هو ولا غيره، والصواب: الجواب بما أشار به في "الروضة" أن هذا لا ينبغي أن يكون فسقًا لأن من يمتنع عن مثل هذا إنما يمتنع غالبًا متأولًا والمتأول ليس عاصيًا قطعًا وإن كان مخطئًا في تأويله.
قوله: فإن كان أصلح منه بنى على أن الإمامة العظمى هل تنعقد للمفضول مع وجود الفاضل؟ وفيه خلاف للمتكلمين والفقهاء، والأصح: الانعقاد لأن تلك الزيادة خارجة عن شرط الإمامة، وفي القضاء خلاف مرتب وأولى بالانعقاد.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق الخلاف ومحله ما إذا لم يكن عذر، فإن كان أطوع في الناس وأقرب إلى القلوب انعقدت قطعًا، قاله الماوردي.
قوله: في الجماعة المتماثلين: وإن كان مع الشهرة مكفيًا فيكره له الطلب، ومنهم من لا يطلق لفظ "الكراهة"، ويقتصر على أن الأولى أن لا يطلب.
انتهى.
وما ذكره من تضعيف الاقتصار على الأولوية ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وخالف في "المحرر" فجزم بما ضعفه هنا فقال: وإن كان مشهورًاً مكفيًا فالأولى أن لا يطلب.
انتهى.
ووقع الموضعان في "الروضة" و"المنهاج" كذلك أيضًا.
قوله: في أصل "الروضة": والصحيح تفصيل ذكره "الروياني" وهو أنه إن تَعَيّن عليه القضاء أو كان ممن يستحب له فله بذل المال، ولكن الآخذ ظالم بالأخذ وهذا كما إذا تعذر الأمر بالمعروف إلا ببذل مال، وإن لم يتعين ولم يكن مستحبًا جاز له بذل المال ليتولى، ويجوز له البذل بعد التولية لئلا يعزل.
انتهى كلامه.
وما ذكره في أواخره من جواز البذل عند انتفاء التعيين والاستحباب غلط على العكس مما نقله الرافعي عن الروياني، فإن المذكور فيه، أنه لا يجوز وهو الذي ذكره أيضًا الروياني في "البحر" و"الحلية" وهو الصواب.
قوله: الثالث: طرق الأصحاب متفقة في تعيين الشخص للقضاء، وعدم تعينه على النظر إلى البلد والناحية لا غير.
وقضيته أن لا يجب على من يصلح للقضاء طلبه ببلدة أخرى لا صالح بها، ولا قبوله إذا ولى.
انتهى.
وما ذكره من حكاية الاتفاق، وتابعه عليه في "الروضة" قد سبقهما إليه جماعة وليس كذلك، بل فيه خلاف حكاه ابن الرفعة في "الكفاية" عن ابن الصباغ وغيره.
قوله: وزاد المصنف تحقيقات أوردها في أصول الفقه منها: أنه لا حاجة إلى تتبع الأحاديث على تفرقها وانتشارها، بل يكفي أن يكون له أصل مصحح وقعت العناية فيه بجمع أحاديث الأحكام كسنن أبي داود، ويكفي أن يعرف مواقع كل باب فيراجعه إذا احتاج إلى العمل بذلك الباب.
ومنها: أن كل حديث أجمع السلف على قبوله أو تواترت عدالة رواته فلا حاجة إلى البحث عن عدالة رواته، وما عدا ذلك ينبغي أن يكتفي في عدالة رواته بتعديل إمام مشهور عرف صحة مذهبه في الجرح والتعديل.
انتهى.
أما الأول: فقد اعترض عليه في "الروضة" فقال: لا يصح التمثيل بسنن أبي داود، فإنه لم يستوعب الصحيح من أحاديث الأحكام [ولا معظمه، وهذا الذي ذكره لا يرد فإنه لم يدع استيعاب الأحكام] 1 بل ادعى الاعتناء فيه بالجمع.
ولا شك أن السنن المذكورة كذلك، ونظيره أن تقول: إن الرافعي قد اعتنى في شرحه بجميع الأحكام وإن فاته مسائل كثيرة مذكورة في المطولات والمختصرات حتى من "التنبيه" للشيخ أبي إسحاق.
وأما الثاني: فقال: إن هذه المسألة مما أطبق جمهور الأصحاب عليه وشذ من شرط في التعديل اثنين، ثم إن تواتر العدالة لا يكفي بل لابد مع ذلك من الضبط، والمراد بقبول السلف له: هو علمهم به ولا يكفي عملهم على وفقه فقد يكون ذلك لأجل غيره لا له.
قوله: ويشترط في القاضي وراء ما ذكره في "الكتاب" صفات أخر، منها الإسلام والكفاية، فلا يجوز تقليد المغفل والذي اختل رأيه ونظره بكبر ومرض ونحوهما.
انتهى.
واعلم أن هذين الشرطين ليسا زائدين على ما في "الوجيز" فإنهما شرطان لأهلية الاجتهاد والفتوى، والأهلية كذلك قد صرح باشتراطها في القاضي، فكأن اشتراطه للأهلية المذكورة في القاضي اشتراطًا للإسلام والكفاءة أيضًا، والشرط الأول بخصوصه داخل أيضًا في العدالة، وقد صرح بها في "الوجيز".
قوله: قال في "الوسيط": لكن اجتماع هذه الشروط متعذر في عصرنا لخلو العصر عن المجتهد المستقل، فالوجه: يتقيد قضاء كل من ولاه سلطان ذو شوكة وإن كان جاهلًا أو فاسقًا، لئلا تتعطل مصالح الناس، ويؤيده أنّا ننفذ قضاء قاضي البغاة لمثل هذه الضرورة، وهذا أحسن لكن في بعض الشروح أن قاضي البغاة إذا كان منهم وبغيهم لا يوجب فسقًا كبغي أصحاب معاوية - رضي الله عنه - جاز قضاؤه.
وإن أوجب الفسق كبغي أهل النهر وإن لم يجز.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن ما قاله الغزالي قد جزم به الرافعي في "المحرر"، وكذلك صاحب "الحاوي الصغير"، ولم يحك في "الشرح الصغير" غيره، ونقل الرافعي في كتاب البغاة ذلك فقال: قال المعتبرون: ينظر إن كان قاضيهم لا يستحل دماء أهل العدل وأموالهم نفذ حكمه، وإن كان يستحل دمهم لا ينفذ حكمه، لأن من شرط القضاء العدالة، ومنهم من يطلق القول بنفوذ حكمه.
هذا كلامه.
وقال في "البحر": يحتمل وجهين: أحدهما: لا ينفذ ويتحاكمون إلى من هو من أهل القضاء، فإن لم يجدوا أهلًا نفذت أحكامه للضرورة.
هذا كلامه.
ونقل ابن الرفعة في "الكفاية" عن "الكافي" له مثله أيضًا.
وقال ابن الصلاح وابن أبي الدم: لا نعلم أحدًا ذكر ما ذكره الغزالي، والذي قطع به العراقيون والمراوزة أن الفاسق لا تنفذ أحكامه.
وقد ظهر لك بما قلناه بطلان ما قالاه، وتقييد الغزالي بالفاسق والجاهل يشعر بأنه لا ينفذ من المرأة والكافر، وهو ظاهر.
الثاني: أن كلامه يقتضي: تصحيح تنفيذ الحكم من قاضي البغاة وإن كان بغيه يوجب الفسق، وهو مخالف لما سبق في قتال البغاة.
الثالث: أن ما جزم به من انقسام البغي إلى فسق وغيره، قد ضعفه في قتال البغاة في الكلام على الحكم، وصحح أنه ليس [بفسق] مطلقًا فراجعه أيضًا.
الرابع: أن هذا التفصيل الذي نقله عن بعض الشروح المجهولة، واقتضى كلامه استغرابه غريب لأجل ما نقلناه عنه أيضًا الآن من كلامه في قتال البغاة.
قوله: وهل على المجتهد تجديد الاجتهاد إذا وقعت الحادثة مرة أخرى أو سئل عنها مرة أخرى أم يجتهد اجتهاده الأول؟ وجهان، كما سبق في القِبْلَة انتهى.
والأصح كما قاله في "شرح المهذب" و"زوائد الروضة": لزوم التجديد، قال: وهذا إذا لم يكن ذاكرًا للدليل الأول: ولم يتجدد ما قد يوجب رجوعه، فإن كان ذاكرًا: لم يلزمه قطعًا، وإن تجدد ما قد يوجب الرجوع: لزمه قطعًا.
قوله: وإنما يسأل ممن عرف علمه وعدالته، وإذا لم يعرف العلم بحث على الحال من الناس، وإذا لم يعرف العدالة فلصاحب "الكتاب" فيه
احتمالان ذكرهما في الأصول:
أحدهما: أن الجواب كذلك.
وأشبههما: الاكتفاء بأن الغالب من حال العلماء العدالة، بخلاف البحث عن العلم فليس الغالب من الناس العلم، ثم ذكر احتمالين في أنه إذا وجب البحث فيفتقر إلى عدد التواتر أم يكفي إخبار عدل أو عدلين؟ أقربهما الثاني.
انتهى كلامه.
استدرك عليه في "شرح المهذب" و"زوائد الروضة" فقال: الاحتمالان في ما إذا لم يعلم العدالة، هما في ما إذا كان مستورًا: وهو الذي ظاهره العدالة ولم يختبر باطنه، وهما وجهان ذكرهما غيره.
أصحهما: الاكتفاء لأن العدالة الباطنة تعز معرفتها على غير القضاة فيعسر على العوام تكليفهم بها.
وأما الاحتمالان المذكوران ثانيًا فهما محتملان، ولكن المنقول خلافهما والذي قاله الأصحاب أنه يجوز استفتاء من استفاضت أهليته، وقيل لا يكفي الاستفاضة ولا التواتر، بل إنما يعتمد قوله: أنا أهل للفتوى، ويجوز استفتاء من أخبر ثابت الأهلية بأهليته.
قوله: وإذا وجد مفتيين فأكثر فهل يلزمه أن يجتهد ويسأل أعلمهم؟ فيه وجهان: أصحهما عند عامة الأصحاب: لا، بل يتخير ويسأل من شاء منهم لأن الأولين كانوا يستفتون من شاءوا من الصحابة.
ثم قال: وذكر صاحب "الكتاب" في الأصول: أنه إذا كان يعتقد أن أحدهم أعلم لم يجز أن يقلد غيره، وإن كان لا يجب عليه البحث عن الأعلم إذا لم يعتقد اختصاص أحدهم بزيادة علم.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره الغزالي قد ذكره أيضًا غيره، قال في "الروضة": وهو إن كان ظاهرًا ففيه نظر لما ذكرناه من سؤال أحاد الصحابة -رضي الله عنهم- مع وجود أفاضلهم فقد يمنع هذا، ثم قال -أعني: النووي- وعلى الجملة [المختار] 1 ما ذكره الغزالي، فعلى هذا يلزمه تقليد أورع العالمين وأعلم الورعين، فإن تعارضا قدم الأعلم على الأصح.
قوله: في "أصل الروضة": فرع: إذا استفتى وأجيب فحدثت له تلك الحادثة ثانيًا، فإن عرف استناد الجواب إلى نص أو إجماع فلا حاجة إلى السؤال ثانيًا وكذا لو كان المقلد ميتًا وجوزناه.
وإن عرف استناده إلى الرأي والقياس أو شك والمقلد حي فوجهان:
أحدهما: لا يحتاج إلى السؤال ثانيًا، لأن الظاهر استمراره على جوابه.
وأصحهما: يلزمه السؤال ثانيًا.
انتهى.
ومحل هذا الخلاف إذا لم يكثر وقوع المسألة، فإن كثر لم يجب على العامي تجديد السؤال جزمًا، كذا ذكره النووي في أوائل "شرح المهذب".
قوله: وإذا [سأل] 2 بالرقعة فليكن كاتبها حاذقًا ليبين موضع السؤال ويسقط مواضع الاشتباه لئلا يذهب الوهم إلى غير ما وقع عنه السؤال.
كما يحكي أنه كتب عقلًا في زمان أبي الحسين الكرخي: ما يقول الفقهاء في رجل قال لامرأته: [أنت طالق إن، ثم] 3 وقف عند "إن"، [فقرأوا: إن تم وقف عبدان] 4 وأجابوا بأنه إن تم وقفه طلقت وإلا فلا، فعرضت الرقعة على الكرخي فلما تأملها عرف أنهم صحفوا وأن الكاتب أراد
أنه قال: أنت طالق إن، ثم أمسك بعد "إن"، فلم يذكر شرطًا.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة وهي الوقوف على أداة شرط لم يصرح هنا بحكمها، وقد يتشرف الواقف على هذا الوضع إلى معرفة ذلك، وقد ذكرها الرافعي في موضعين بجوابين مختلفين، تبعه عليهما في "الروضة":
أحدهما: في باب عدد الطلاق.
والثاني: في أوائل الشرط في الطلاق فراجع ذلك، وعبدان: بباء موحدة تثنية عبد.
قوله: وإذا رأى في الفتيا جواب من لا يصلح للفتوى لم يفت معه.
قال الصيمري: وله أن يضرب عليه بإذن صاحب الرقعة وبغير إذنه، ولا يحبسها إلا بإذنه.
انتهى.
وما نقله عن الصيمري من الضرب على خط الأول بغير إذن مالكها، قد ذكر العبادي في "الزيادات" بالنسبة إلى إصلاح كتب العلم ما يخالفه، فإنه قال: لا يجوز إصلاح ما يقع فيها من الغلط بغير إذن إلا أن يكون قرآنًا، فإنه يجب.
قوله: ويجوز أن يكتفي برسول ثقة وبالرقعة.
انتهى.
ومحل الاعتماد على الرقعة إذا أخبره من يقبل خبره أنه خطه أو كان يعرف خطه، ولم يشك فيه، كذا نبّه عليه في "شرح المهذب" و"زوائد الروضة" وهو واضح.
قوله: ولو نكح مجتهد امرأة خالعها ثلاثًا، لأنه رأى الخلع فسخًا ثم تغير اجتهاده، قال صاحب "الكتاب" في "الأصول": يلزمه تسريحها، وأبدى ترددًا في ما إذا فعل المقلد مثل ذلك، ثم تغير اجتهاد مقلده، قال: والصحيح
أن الجواب كذلك، كما لو تغير اجتهاد المقلد في الصلاة فإنه يتحول.
انتهى.
وهذا الذي قاله الغزالي نقله النووي عن الصيمري والخطيب البغدادي وغيرهما.
قال: ولا نعلم فيه خلافًا لأصحابنا.
قوله: ولو قال المجتهد للمقلد في صورة النكاح المذكورة: أخاطبك من قلدته؟ فإن كان الذي قلده أعلم من الثاني، أو استويا فلا أثر لقوله.
وإن كان الثاني أعلم فالقياس: أنّا إن أوجبنا تقليد الأعلم فهو كما لو تغير اجتهاد مقلده، وإلا فلا أثر له.
اعترض في "الروضة" فقال: هذا الذي زعم الإمام الرافعي أنه القياس ليس بشيء، بل الوجه الجزم بأنه لا يلزمه شيء، ولا أثر لقوله الثاني، وهذا كله إذا كانت المسألة اجتهادية.
هذا كلامه.
والذي ذكره -رحمه الله-أعني النووي- ضعيف أو باطل.
والصواب ما ذكره الرافعي، فقد ذكر هو والرافعي وغيرهما في الصلاة ما هو أبلغ منه فقالوا: إنه إذا صلى بالتقليد، ثم قال له: من هو أعلم من الذي قلده أخاطبك الذي قلدته.
فهو كتغير اجتهاده حتى يجب عليه الأخذ بالثاني وهو مع ما قاله هنا في غاية التنافي.
ثم إنه هل يخص ما قاله هنا بهذه المسألة أو يطرده في سائر المسائل؟
قوله: من "زوائده" قال الصيمري: وتقبل فتاوى أهل الأهواء والخوارج ومن لا يكفر ببدعته ولا بفسقه، وذكر الخطيب هذا، ثم قال: وأما الشراة بضم الشين المعجمة، والرافضة الذين يسبون السلف -رضي الله تعالى
عنهم- ففتاويهم مردودة وأقاويلهم ساقطة.
انتهى.
وهذا الذي نقله عن الخطيب في الشراة والرافضة قد جزم به في أوائل "شرح المهذب"، لكن نقل الرافعي، في كتاب الشهادات أن الأكثرين على قبول شهادة الذين يسبون الصحابة، وزاد في "الروضة" على هذا فقال: إنه الصواب.
والجمع بين المقالتين مشكل، فما الفرق بين قبول شهادته وقبول فتواه إذا كان مجتهدًا مع اشتراط العدالة في الموضعين؟
واعلم أن هذه المسألة مع المسائل الستة الآتية بعدها جميعها من الزوائد.
والشراة: جمع شاري وهو البائع قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ 1 أي باعوه ولقبوا أنفسهم بذلك، لأنهم يقولون إنهم باعوا أنفسهم لله تعالى في القيام بنصرة دينه.
قوله: وهل يشترط في المفتي أن يعرف من الحساب ما يصحح به المسائل الحسابية الفقهية؟ وجهان: حكاهما الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وصاحبه أبو منصور البغدادي.
انتهى.
والأصح: هو الاشتراط كذا صححه النووي في أوائل "شرح المهذب" وابن الصلاح في "أدب المفتي"، وقال الروياني: المذهب أنه لا يشترط.
قوله: وإن كان له أي للمفتي رزق لا يجوز أخذ الأجرة، وإن لم يكن له رزق لم يجز أخذ أجرة من أعيان المستفتين كالحاكم، واحتال الشيخ أبو حاتم القزويني في "حيله" فقال: يقول للمستفتي: يلزمني أن أفتيك قولًا ولا يلزمني أن أكتب لك.
فإن استأجره عن الكتابة جاز.
وهذا الذي ذكره، وإن كان مكروهًا فينبغي: أن لا يأخذ من الأجرة إلا قدر أجرة كتابة ذلك القدر لو لم تكن فتوى، لئلا يكون آخذًا زيادة بسبب
الإفتاء.
انتهى كلامه.
وما ذكره من جواز استئجار المفتي للكتابة قد ذكره الرافعي بعد هذا في الباب الثاني قُبيل الأدب السادس العقود للمشاورة وأشعر كلامه بحكاية خلاف فيه، فإنه حكى وجهين في القاضي وصحح الجواز، ثم قال: وكذا استئجار المفتي ليكتب الفتوى.
وقوله: واحتال الشيخ، هو بالحاء المهملة وباللام في آخره.
قوله: قال الصيمري والخطيب وغيرهما: لو اجتمع أهل البلد على أن جعلوا للمفتي رزقًا من أموالهم ليتفرغ لفتاويهم جاز.
انتهى.
وما ذكره من "زوائده" قد ذكره الرافعي في الباب الذي يلي هذا الباب في الأدب الثالث المعقود لترتيب الكتاب المزكيين والمترجمين في الكلام على رزق القاضي، ونقله عن الصيمري كما نقله النووي، وحذفه النووي من هناك لكونه وقع بطريقة التبعية فلزم خلو كلام الرافعي عنه.
قوله: فإذا كان أحد القولين منصوصًا للشافعي والآخر مُخَرّجًا، فالمنصوص هو الراجح المعمول به غالبًا، كما إذا رجح الشافعي أحد القولين بل هو أولى.
انتهى.
واعلم أن كلام النووي هذا ظاهر في ترجيح أحد القولين على الآخر بكونه منصوصًا والآخر مخرّجًا، وهذا إنما حكاه في "شرح المهذب" احتمالًا لنفسه بعد أن نقل أنه لا مدخل لذلك في الترجيح.
واعلم أن الشافعي إذا نص في مسألة على قولين ثم أجاب في موضع آخر بأحد القولين فهل يكون ذلك اختيارًا منه لذلك القول؟ قال: أبو علي الطبري وغيره: نعم، وقال قائلون: لا، إذ ليس من شرط القولين أن يذكرا في جميع المواضع، كذا ذكره الرافعي قبل كتاب الديات بنحو خمسة أوراق وحذفه من "الروضة".
قوله: واعلم أن نقل العراقيين لنصوص الشافعي وقواعد مذهبه، ووجوه المتقدمين أيقن وأثبت من نقل الخراسانيين.
انتهى.
وقد سبق الكلام على طوائف أصحابنا، ومما ينبغي استحضاره في ذلك أن "الرافعي" قبل كتاب المسابقة بنحو ورقة وهو آخر الأطعمة قد عبر في مسألة بقوله: وهو الذي أورده "العراقيون" و"الطبريون" من أصحابنا هذه عبارته وتبعه عليه في "الروضة".
قوله: واعلم أنه متى كان في المسألة قولان قديم وجديد فالعمل على الجديد، إلا في نحو عشرين أو ثلاثين مسألة أوضحتها في "شرح المهذب".
انتهى.
واعلم أن كلامه هذا موقوف على مقدمة في بيان القديم والجديد وما يتعلق به، وها أنا ذاكرها ملخصة ثم أعود إلى ما أشار إليه من عد الصور وإلى ذكر ما يتعلق بها.
فنقول: القديم: هو ما صنفه الشافعي بالعراق ويسمى كتاب "الحجة"، ورواته كما قال الروياني أربعة: أحمد بن حنبل، والزعفراني، وأبو ثور والكرابيسي.
وأما الجديد: فهو ما صنفه في مصر أو أفتى به، ورواته سبعة: المزني، والبويطي، والربيع المرادي، والربيع الجيزي، وحرملة، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وعبد الله بن الزبير المكي.
وبعض هؤلاء أشد صحبة له من بعض، وذكر الإمام في كتاب الخلع أن "الأم" من الكتب القديمة.
قال ابن الرفعة: ولم أظفر بذلك في غيره.
قلت: وقد ظفرت بما قاله الإمام للخوارزمي في مقدمة كتابه "الكافي"
فإنه قال: وأما "الأم" و"الإملاء" فصنفهما الشافعي بمكة بعد أن فارق بغداد في المرة الأولى وقبل رجوعه إليها في المرة الثانية، ثم رجع بعد تصنيفهما إلى بغداد فأقام شهرًا ثم خرج إلى مصر فصنف بها كتبه الجديدة.
هذا لفظه وهو صريح في ما قلناه إلا أن المعروف خلافه، قال في "الاستقصاء": روى المزني أنها بمصر.
ومنها: "الأمالي"، صنفها -رحمه الله- بمصر، كذا رأيته في أول تعليق الشيخ أبي حامد.
ومنها: "الإملاء" صرح جماعات منهم الرافعي في مواضع كثيرة من شرحه بأنه من الجديد وفيه ما قدمناه من كلام الخوارزمي، وهو غير "الأمالي" كما قاله في "تهذيب الأسماء واللغات"، وقد ذكرت في مقدمة الكتاب بقية كتبه وأمعنت الكلام عليها فراجعه.
ومما ذكرته هناك أن "الأم" رواية "البويطي" وترتيب الربيع المرادي إلا أنه زاد فيها أشياء مميزة فتفطن له.
إذا تقرر هذا فما قاله في كتابه القديم أو أفتى به هناك ونحوه تارة ينص في الجديد على خلافه، وتارة لا يتعرض له.
فإن لم يتعرض له في الجديد بنفي ولا إثبات بل ذكر المسألة في القديم ونص على حكمها وسكت عنها في الجديد كما نقل في مسائل:
منها: استحباب الغسل للحجامة، وللخروج من الحمام فإن الفتوى تكون عليه ويكون مذهب الشافعي، كذا ذكره في أول "شرح المهذب"، وفيه نظر: فإن ظاهر كلام الشافعي الرجوع عن كل ما قاله في القديم إلا أن ينص على وفقه في "الجديد"، فإنه غسل تلك الكتب ثم قال: ليس في حِلٍ من روى عني القديم، كذا ذكره الشيخ تاج الدين الكندي المعروف
بالفركاح في كراسة صنفها في الرد على من زعم أنه يفتي على القديم في مسائل.
وإن تعرض له في الجديد فإما أن يكون على وفق القديم أو على خلافه.
فإن كان على وفقه فالحكم المعمول به لا يختلف، لكنه منسوب إلى الجديد فقط أم إليهما؟ ظاهر كلام الأصحاب قاطبة أن ذلك منسوب إليهما حتى يقال: لم يزل رأي الشافعي على ذلك قديمًا وجديدًا، وفيه بحث مستنده ما تقدم.
وإن نص على خلافه فتارة يشير إلى الرجوع عن السابق وتارة لا يشير.
فإن أشار للرجوع عنه فلا يعمل بالقديم، وليس من مذهب الشافعي في شيء بل نسبته له كنسبة أقوال الغير، كما قال في مسألة صوم المتمتع أيام التشريق.
وقد قال قوم: بصوم المتمتع أيام التشريق، وقد كنت أراه، وكذا ما ذكره في القديم من أن مسح الخف لا يتأقت، فإن الشيخ أبا حامد حكى في "التعليق" عن الزعفراني: أن الشافعي رجع عنه قبل خروجه إلى مصر فلم تصر المسألة على قولين.
وإن نص على خلافه في الجديد ولم يصرح بالرجوع عن القديم ففيه خلاف للأصحاب حكاه الإمام في باب العاقلة، والفوراني في كتابه المسمى "بالعمد" في باب اختلاف نية الإمام والمأموم، وكذا الرافعي في "الشرح الكبير"، والراجح عند الإمام: أنه رجوع.
قال في باب العاقلة: وقد ذكرت مرارًا أنه لا يحل عد القول القديم من مذهب الشافعي مع رجوعه عنه، وقد حكى القاضي والصيدلاني في ذلك
خلافًا للأصحاب.
وبالجملة فمن قال شيئًا ثم قال بخلافه فلا وجه لمقلده إلا [العمل] 1 بالمتأخر.
انتهى.
وذكر أيضًا عند الكلام على سبق الحدث: أن الشافعي إذا نص في القديم على شيء وجزم بخلافه في الجديد فمذهبه الجديد وليس القديم معدودًا من المذهب.
لكن أئمة المذهب يعتادون توجيه الأقوال القديمة، واختار النووي في "شرح المهذب" ما رآه الإمام ونسب خلافه إلى الغلط، والذي اختاره هو الظاهر، وإن كان الأول ظاهر كلام الشيخ أبي حامد والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم حيث ذكروا القول المتقدم قريبًا من عدم تأقيت المسح، وادعوا أن المسألة ليست على قولين لأن الشافعي رجع عنه قبل خروجه إلى مصر فدل على أن القولين إذا لم يصرح بالرجوع عنه يكون له الآن في تلك المسألة قولان.
وإنما رجحنا الأول لأمور:
منها: أن المقلد مع المجتهد كالمجتهد مع الرسول، فكما أن الحادث من أدلة الشرع ناسخ للمتقدم منها إجماعًا يجب على المجتهد أن يأخذ به كذلك المقلد مع المجتهد.
فإن المجتهد مأمور في حق نفسه بما أدى إليه اجتهاده آخرًا وهو المنسوب إليه، فمن قلده كذلك، وأيضًا فإن نصه في الجديد على خلاف نصه في القديم لا جائز أن يكون إلا كدليل، وذلك الدليل لا جائز أن يكون مساويًا لدليل القديم وإلا لم يثبت القول، بل كان يتوقف كما توقف في كثير من المسائل فقال: ولا يتبين إلى أن أوجب كذا أو أقول كذا، ولا مرجوحًا أيضًا فتعين رجحانه في نظيره على دليل القديم.
ومذهب المجتهد إنما هو الراجح في نظره دون المرجوح.
وأما المسائل التي عدوها وجعلوها مما يفتى فيه على القديم سببه أن جماعة من المنتسبين لمذهب الشافعي بلغوا رتبة الاجتهاد في مذهبه وربما جاوزها بعضهم إلى التحري في أقوال العلماء فلاح لهم في بعض المسائل أن القديم أظهر دليلًا من الجديد فأفتوا به بناء على ظهور الدليل غير ناسبين ذلك إلى الشافعي.
وكذلك القول المُخَرّج حكمه حكم القول القديم، فمن بلغ رتبة التخريج ولاح له الدليل أفتى بالقديم والمخرج، ومن لم يبلغ هذه الأهلية فلا وجه لعمله ولا لفتواه بشيء منهما، كذا ذكره جماعة منهم النووي في أوائل "شرح المهذب" على أن المسائل التي عددها لا يسلم أن الإفتاء فيها على القديم لأمرين:
أحدهما: أن الأكثرين خالفوا في معظمها فأفتوا فيها بالقول المشهور بالجديد.
والثاني: أن أكثرها فيها قول جديد موافق للقديم فتكون الفتوى على الجديد لا على القديم.
إذا علمت ذلك فقد آن لنا أن نسرد تلك المسائل التي أشار إليها وذكرنا هذا الفصل بسببها.
فنقول: الذي ذكره -رحمه الله- في "شرح المهذب" ثمانيه عشرة مسألة أخذها من ابن الصلاح إلا مسألة واحدة، منها ثلاثة اقتصر عليها الإمام.
إحداها: عدم [وجوب] 1 التباعد في الماء الكثير بقدر قلتين.
الثانية: استحباب التثويب في الأذان للصبح.
الثالثة: لم يصرح بها الإمام في "النهاية" لكن لما وصل إلى قراءة السورة في الركعتين الأخيرتين ذكر أن العمل فيها على القديم وهو عدم القراءة، وقال الإمام في مختصره لكتاب "النهاية": إن الثالثة تأتي في باب زكاة التجارة، وقال بعضهم: هي أربع عشرة مسألة، هذه الثلاثة.
والرابعة: عدم تنجس الماء الجاري إذا لم يتغير.
الخامسة: عدم النقض بلمس المحارم.
السادسة: استحباب تعجيل العشاء، فإنه القديم.
والسابعة: امتداد وقت المغرب إلى مغيب الشفق.
الثامنة: جواز اقتداء المنفرد في أثناء الصلاة.
التاسعة: كراهة تقليم أظفار الميت.
العاشرة: عدم اعتبار النصاب في الركاز.
الحادية عشرة: جواز اشتراط التحلل من الإحرام بعذر المرض.
الثانية عشرة: تحريم أكل جلد المدبوغ.
الثالثة عشرة: وجوب الحد بوطء المحرم بملك اليمين.
وقال بعضهم: إنها ثماني عشرة منها الثلاث عشرة السابقة.
والرابعة عشرة: الجهر بالتأمين للمأموم في الصلاة الجهرية.
الخامسة عشرة: استحباب الخط بين يدي المصلي عند عدم الشاخص.
السادسة عشرة: صيام الولي عن الميت الذي عليه صوم.
والسابعة عشرة: إجبار الشريك على العمارة.
الثامنة عشرة: جعل الصداق في يد الزوج مضمونًا، ضمان يد، انتهى ما قاله في "شرح المهذب".
وكان قد ادعى قبل ذلك أن بعضهم عدها أربع عشرة من غير ذكر هذه الخمس التي عدها، فلما شرع في العد لم يذكر إلا ثلاث عشرة وأهمل الرابعة عشرة وهي: جواز الاستنجاء بالحجر في ما جاوز المخرج، ولم يبلغ ظاهر الإلية، نبّه عليها ابن الصلاح في "أدب المفتي" له.
والصورة التي ذكرنا أولًا أن النووي زادها هي: الجهر بالتأمين للمأموم في الصلاة الجهرية، وقد نجز ما أردناه من الكلام على هذه المسألة ملخصًا مختصرًا، فإن كان فيه طول بالنسبة إلى قاعدتنا في هذا الكتاب فهو قليل بالنسبة إلى ما تحمله المسألة، غير أنه مشتمل على فوائد لا توجد في غيره صالحة لأن تكون تصنيفًا مستقلًا.
قوله: ويستحب أن يكتب في أول فتواه: "الحمد لله" أو "الله الموفق" أو "حسبنا الله" أو "حسبي الله" ونحو ذلك.
انتهى.
قال النحاس كما نقله عنه في أوائل "شرح المهذب": حسبي الله أولى من حسبنا الله لما في الثانية من التعظيم.
قال: ويؤيد ما قاله أن الله سبحانه وتعالى لما أمر نبيه بالتفويض وعلمه ما يقول أمره بها فقال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ 1.
وإن كان قد ورد المدح أيضًا على قول الثانية حيث قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)﴾ 2 لكن الأولى أولى لأنها شرعت لتعليم ما يقال والثانية وردت على حسب ما وقع، وأيضًا ففي "البخاري" 3 عن ابن عباس قال: كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل.
لكن ورد عن ابن عباس أيضًا بالنون فروى عنه "البخاري" 1 أيضًا أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار، ومحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين قيل له: إن الناس قد جمعوا لكم.
وهذه المسألة أحد المسائل السبع التي هي من "زوائد النووي" كما ذكرنا في المسألة الأولى فتفطن لذلك.
قوله: الثانية: إذا نهاه عن الاستخلاف لم يجز الاستخلاف فإن كان ما فوضه إليه لا يمكنه القيام به، فقال القاضي أبو الطيب: هذا النهي كالعدم والأقرب أحد أمرين، إما بطلان التولية، وبه قال ابن القطان، وإما اقتصاره على الممكن وترك الاستخلاف.
انتهى.
والثاني: هو الصحيح، فقد جزم به الماوردي وغيره، وقال ابن الرفعة في "الكفاية": إنه المشهور، وقال في "الروضة" من "زوائده": إنه الأرجح.
وإطلاقهم يقتضي أنه لا فرق في تعاطي الممكن بين أن يكون إمكانه مقارنًا للتولية أو طارئًا عليها.
قوله: وجميع ما ذكرناه في الاستخلاف العام، أما الخاص كتحليف وسماع بينة فقضية إطلاق الأكثرين جعله على الخلاف، وعن القفال: القطع بجوازه، لأن القاضي لا يستغني عنه فيجري مجرى التوكيل.
انتهى.
وما ذكره هنا من إلحاق التفويض الخاص بالعام قد ذكر ما يخالفه في الكلام على العزل، لأنه حكى الخلاف في انعزال الخلفاء بموت القاضي وانعزاله، وجزم بانعزال الخليفة في شيء خاص، ولو ولاه شيئًا خاصًا كتزويج اليتامى والنظر في أمرهم فليس له أن يستنيب، ذكره شريح الروياني في "أدب القضاء" له.
قوله: فإن اتفق نصب قاضيين ولم يشترط اجتماعهما ولا استقلالهما فقال صاحب "التقريب": يحمل على إثبات الاستقلال تنزيلًا للمطلق على ما يجوز، وقال غيره: التولية باطلة حتى يصرح بالاستقلال.
انتهى.
قال في "الروضة": قول صاحب "التقريب" [أصح] 1 وبه قطع الرافعي في "المحرر" والله أعلم.
وما ذكره من قطع "المحرر" غلط، بل حكى وجهين وعبر بقوله: أصح الوجهين، ويحتاج إلى الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة في الوصية يأتي الكلام عليها في أول الفصل المعقود للعزل.
قوله: وإذا تنازع الخصمان في اختيار القاضيين، فقد أطلق الغزالي أنه يقرع، وقال الماوردي: يجاب الطالب دون المطلوب.
انتهى.
جزم الروياني في "البحر" بما قاله الماوردي.
قوله: وبم يلزم حكم المحكم؟ فيه قولان، ويقال: وجهان:
أحدهما: بتراضيهما بعد الحكم، لأن رضاهما معتبر في الحكم فكذلك في لزومه، وهذا أشبه بما قيل في قسمة من تراضى الشريكان بقسمته على ما سيأتي.
وأصحهما: على ما ذكر القاضي الروياني: أنه يلزم بنفسه.
انتهى.
والصحيح ما قاله الروياني، فقد قال الرافعي في "المحرر": إنه الأظهر، وكذلك النووي في أصل "الروضة".
قوله: وإذا ولى من لم يعرف حاله لم تنعقد التولية وإن عرف من بعد أنه بصفات القضاء.
انتهى.
وما ذكره من عدم الصحة قد اشتهر على الألسنة قديمًا إشكاله، وذلك
لأنه قد تبين اجتماع الشروط حالة الولاية وليس هو مما تعتبر فيه النية حتى يقال: إنه أقدم عليه مترددًا، فلا يصح كما لو اقتدى بخنثى ثم تبين أنه رجل، بل هذا نظير البيع والإجارة والنكاح وغيرها من العقود المستجمعة للشروط في نفس الأمر لا في ظن العاقد، وقد أجابوا في جميعها بالصحة كما صرحوا به في الكلام على ما إذا باع مال أبيه على ظن حياته فبان ميتًا، بل مسألتنا أولى بالصحة لظنه هناك عدم وجود الشروط، لأن الغرض أنه ظنه لغيره، وفي مسألتنا لم يظن شيئًا وقد صحح النووي في "الروضة": أنه إذا عقد بشهادة خنثيين ثم بان أنهما رجلان أن العقد يصح.
قال: وليس كالاقتداء بخنثى وتبين أنه رجل لتردده في النية، ولم يصحح الرافعي في تلك شيئًا.
فأقل مراتب هذه المسألة أن تكون على ذلك الخلاف، والصحيح فيه الصحة.
والجواب: أن تولية الحاكم حكم بأهلية المولى، وليس للحاكم أن يحكم إلا بعد قيام المستند حتى لو حكم ثم قامت بينة بعد ذلك على وفق الحكم لم يكن ذلك الحكم نافذًا، وما ذكرناه من كون تصرف الحاكم حكمًا فيه نزاع قدمناه مبسوطًا في أوائل النكاح في الكلام على الموانع فراجعه.
قوله: وفيه -أي: في "الأحكام السلطانية"- أن صريح التولية: وليتك، واستخلفتك، وأَن: فوضت إليك؛ كناية، ولا يكاد يتضح فرق بين وليتك وفوضت إليك.
انتهى ملخصًا.
وبينهما فرق ظاهر تعرض له أيضًا في "الروضة"، وهو: أن "وليتك" متعين لجعله قاضيًا، وأما فوضت: فيحتمل ذلك، وتوكيله في نصب قاض.
الفصل الثاني: في العزل والانعزال
قوله: وإن كتب: إذا قرأت كتابي هذا فأنت معزول، لم ينعزل قبل القراءة، ثم إن قرأه بنفسه انعزل، وكذا إن قرئ عليه في أصح الوجهين، لأن الغرض إعلامه بصورة الحال، ولو كان القاضي أميًا وجوزناه فقريء عليه فالانعزال أولى.
انتهى.
وما ذكره من تصحيح العزل عند القراءة عليه قد سبق في نظيره من الطلاق [ما يخالفه، وسبق ذكر لفظه هناك، ذكر ذلك في الباب الثاني في أركان الطلاق] 1 في الكلام على كتب الطلاق، وفيه أمور أخرى فراجعها، والصواب: التسوية بين البابين وعدم الاكتفاء بها.
قوله: وفي انعزال المستخلف في القضاء بانعزال الأصل ثلاثة أوجه: ثالثها وهو الأظهر: أنه ينعزل إن لم يكن القاضي مأذونًا له في الاستخلاف، فإن كان فينظر.
إن قال: استخلف عني فاستخلف عنه لم ينعزل خليفته، لأنه من جهة الإمام وكان الأول سفيرًا في التولية.
وإن قال: استخلف عن نفسك، أو أطلق، فينعزل لظهور غرض المعاونة، وبطلان المعاونة ببطلان ولايته.
انتهى.
وهذا الذي ذكره في ما إذا أطلق من كونه نائبًا عن الثاني حتى ينعزل بعزله قد خالفه في نظيره من الوكالة، فإنه ذكر القسمين الأولين ثم ذكر الإطلاق، وقال فيه: الصحيح أنه يكون نائبًا عن الأول حتى لا ينعزل بعزل الثاني، ووافقه في "الروضة" على الموضعين، ولعل العكس أقرب.
نعم قد يتقوى ما قاله هنا بما ذكره في الإيصاء وفي سؤال العتق.
فأما الإيصاء فقال فيه: ولو أطلق وقال: أوص إلى من شئت، أو إلى فلان، ولم يقل: أوص عني، فهل يحمل على ذلك حتى يصح على الصحيح؟، أو يحمل على الوصي حتى لا يصح قطعًا؟ فيه وجهان حكاهما البغوي وقال: أصحهما الثاني، وما صححه البغوي من حمله على الإبطال، ولم ينزل المطلق على ما يجوز يشكل على ما إذا نصب قاضيين وأطلق، وقد تقدم الوعد به فراجعه.
وأما العتق فإذا قال: اعتق عبدك على ألف، فإن قال: اعتقه عني، صح قطعًا، وإن قال: عن نفسك، صح على الصحيح قياسًا على الخلع، وإن أطلق فهل هو كقوله: عن نفسي، لقرينة العوض أم كقوله: عنك؟ فيه وجهان: أشبههما في الرافعي: الثاني، كذا ذكره في الكلام على كفارة الظهار، وعَبَّر في "الروضة": بالأصح، وفيه الإشكال السابق أيضًا.
واعلم أن الغزالي وغيره حكوا الوجه الثالث في أصل المسألة على غير ما حكاه الرافعي، فقالوا: إن استخلف بالإذن لم ينعزل وإلا انعزل.
وحكى الماوردي وتبعه عليه في "الكفاية" وجهًا آخرًا: أنه إن كان الميت قاضي القضاة لم ينعزل نوابه بموته ولا بانعزاله، وإن كان قاضي ناحية انعزلوا لقلة الضرر.
قوله: ولو كان الإمام قد نصب بنفسه نائبًا عن القاضي في الحكم، فعن أبي الفرج السرخسي: أنه لا ينعزل بموت القاضي وانعزاله؛ لأنه مأذون من جهة الإمام، ويجوز أن يقال: إذا كان الإذن مقيدًا بالنيابة ولم يبق الأصل لم يبق النائب.
انتهى.
وما ذكره الرافعي بحثًا، واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه وتابعه عليه في "الروضة" أيضًا، قد حكاه الماوردي فإنه قد حكى وجهين في أنه هل
للقاضي عزل هذا الشخص الذي استنابه الإمام؟ وصرح في استنابته بأنه نائب عن القاضي في تلك الجهة، وإذا كان له عزله فينعزل بموته بلا شك.
قوله: ولا تقبل شهادة الحاكم بعد العزل على حكمه، فلو شهد مع غيره أن حاكمًا جائر الحكم حكم بكذا، ولم يضفه إلى نفسه فوجهان: أقربهما: القبول، ووجه المنع: أنه قد يريد نفسه، ثم يجوز أن يقال: الوجهان في ما إذا لم يعلم القاضي أنه يشهد على فعل نفسه، فإن علم فهو كما لو أضاف، ويجوز أن يقال: هما إذا علم، فإن لم يعلم قبل قطعًا لجواز إرادة غيره.
وعلى هذا الاحتمال لو شهد المعزول أن حاكمًا حكم بكذا وشهد معه آخر أن المعزول حكم به وجب أن لا يقبل، لأنه على هذا التقدير لا يعني إلا بتصحيح الصيغة.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الاحتمال الثاني لا يتصور [هنا] 1، لأنه علل وجه المنع بأنه قد يريد نفسه، ولو كان محلهما ما إذا علم لم يصح هذا التعليل، لأنه تعليل [محل] 2 النزاع.
الأمر الثاني: أن كلام الأصحاب يدل على الاحتمال الثاني فإن الإمام علل وجه المنع بقوله: فإن الظاهر أنه يعني نفسه، وذكر الماوردي نحوه فقال: ففي قبول شهادته وجهان: أحدهما: لا تقبل حتى يعزيه إلى غيره لجواز أن يكون هو الحاكم به.
وكذلك البغوي فإنه علل القبول بأن الظاهر أنه يريد حكم غيره.
وقد وافقه النووي على نقل الاحتمالين فقط، ولم ينقل عن الأصحاب
في ذلك شيئًا لكنه صحح الأول.
واعلم أن البغوي قد ذكر في "فتاويه" ما يوافق الاحتمال الثاني وهو أن المرعي في شهادة المعزول صحة الصيغة لا غير، فإنه يحكم في ما إذا باع رجل دارًا وغصبها غاصب من المشتري فادعى هذا المشتري على الغاصب وقال: إن البائع إذا شهد مطلقًا أنها ملك هذا المشتري يقبل، وإن علم القاضي أنه باعها لا يرد شهادته، كمن رأى شيئًا في يد إنسان مدة يتصرف فيه تصرف الملاك له أن يشهد له بالملك مطلقًا، ولو علم القاضي أنه شهد بظاهر اليد لا ترد شهادته، وإن كان لو صرح لا تقبل.
قوله: ليس على القاضي تتبع أحكام من قبله من القضاة اكتفاء بأن الظاهر فيها السداد، وفي جواز تتبعها وجهان في "المهذب"، اختيار الشيخ أبي حامد فيهما الجواز.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وقد أعاد المسألة في الباب الذي بعد هذا في أثناء الأدب العاشر، فذكر ما حاصله: الجزم بأنه ليس له ذلك فإنه قال: إلا أنه لا يتبع قضاء غيره، وإنما ينقضه إذا رفع إليه، وله أن يتبع قضاء نفسه لينقضه.
فتعبيره بقوله: لا يتتبع ظاهره: أنه نفى الجواز ولهذا لما أخرج منه حكم نفسه عبر بالجواز فقط، فقال: وله كذا وكذا، وكلام الماوردي في "الحاوي" [يقتضي أن المعروف هو المنع، فإنه حكى الجواز عن الشيخ أبي حامد فقط، ثم قال: ] 1 وجمهور البصريين على المنع.
قوله: ولو ادعى أن المعزول حكم عليه بشهادة عبدين ومن في معناهما، فإن قال: أخذ مني المال احضره لأنه غاصب، وإن لم يدع الأخذ فالأصحاب متفقون على أن الدعوى مسموعة في الجملة، وعلى أن بينة
المدعي محكوم بها، وأما صاحب "الكتاب" فإنه نصب الخلاف في سماع أصل الدعوى، وقال: إنه مبني على الخلاف في أن الحكم بشهادة العبدين ومن في معناهما هل تقتضي غرمًا؟ وهذا الخلاف غير معروف.
انتهى كلامه.
وهذا الذى قاله الرافعي هنا من إنكار الخلاف ذكره أيضًا في "الشرح الصغير"، وتبعه النووي في "الروضة"، وإنكاره غريب، فقد صرح به القاضي والإمام في "النهاية" نقلًا عن العراقيين فقال: إذا ادعى على الأول أنه ترك الصواب في حكمه وقضى بشهادة عبدين أو معلنين بالفسق فهل يقبل القاضي الجديد هذه الدعوى؟ ذكر العراقيون فيه وجهين:
أحدهما: لا يقبلها ولا يستحضر المعزول لذلك، وهذا ليس بشيء.
والوجه: القطع باستحضاره، هذه عبارته.
وحكى الخلاف أيضًا الهروي في "الإشراف"، وحكاه أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية" و"المطلب".
وأما الخلاف الذي ذكره الغزالي في الغُرم فأشار به إلى أن الذي يجب بخطأ الإمام هل يجب في بيت المال أم عليه ثم تحمله العاقلة؟
قوله في المسألة: فإذا حضر وأنكر صدق، وكيف يصدق؟ فيه وجهان:
أحدهما: بيمين، وهو اختيار العراقيين والروياني كسائر الأمناء.
والثاني: بغير يمين، وبه قال الإصطخري وصاحب "التلخيص"، لأنه كان أمين الشرع فيصان منصبه عن الحلف، وهذا أحسن وأصح عند الشيخ أبي عاصم وصاحب "التهذيب"، وبه قال صاحب "التقريب" والماوردي.
انتهى.
وتعبيره بقوله: أحسن، يقتضي رجحان الثاني، ولهذا اقتصر على نقل رجحانه في "الشرح الصغير" و"المحرر" فقال: فيه وجهان:
أحسنهما: بلا يمين [هذا] لفظه.
ولم يذكر فيها ترجيح غيره عن أحد وقد حذف النووي من "الروضة" اللفظ الدال على الترجيح وهو لفظ: الأحسن.
إذا علمت ذلك كله فقد اختلف فيه تصحيح النووي فصحح في "المنهاج" من "زوائده": أنه لابد من اليمين، وخالف في "الروضة" في كتاب الدعوى والبينات، فقال في الباب الثالث المعقود لليمين في المسألة الثانية من الطرف الثالث ما نصه: ولو ادعى على المعزول أنه حكم عليه أيام قضائه ظلمًا وأنكر، فقد سبق وجهان في أنه يحلف أم يصدق بلا يمين وهو الأصح.
انتهى.
ولم يصرح الرافعي هناك بتصحيح.
الباب الثاني: في جامع آداب القضاء
وفيه فصول:
الفصل الأول: في آداب متفرقة وهي عشرة
قوله: ويستحب أن يدخل يوم الإثنين.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه إذا فاته الإثنين دخل الخميس وإلا فالسبت، وقد ذكر صاحب "التتمة" ما ذكرناه، ونبه عليه في "الروضة" من "زوائده".
نعم لم يرتب في "التنبيه" بين الخميس والسبت، فإنه عبر بقوله: فإن فاته دخل السبت أو الخميس.
الأمر الثاني: وقد ذكره أيضًا في "التنبيه" أنه يستحب أن يكون دخوله صبيحة النهار، ولم يذكره في "الروضة".
نعم ذكره في تعليق له مع نظائر المسألة وبسط القول فيها فقال: يستحب لمن كان له وظيفة من قراءة قرآن أو حديث أو تسبيح أو اعتكاف أو نحوها من العبادات أو صنعة من الصنائع أو عمل من الأعمال مطلقًا يتمكن من فعله في أول النهار أن يفعله في أوله، وكذلك من أراد سفرًا أو أنشأ أمرًا كعقد النكاح وغيره أو غير ذلك من الأمور، ودليل هذه القاعدة ما ثبت في الحديث الصحيح عن صخر بن وداعة -بفتح الواو- الغامدي -بالغين المعجمة.
وبالدال- أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "اللهم بارك لأمتي في بكورها".
قال: وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا بعث سرية أو جيشًا بعثهم أول النهار
[وكان صخر رجلًا تاجرًا، وكان إذا بعث تجارته بعثها أول النهار] 1 فأثرى وكثر ماله 2، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد مختلفة.
وقال الترمذي فيه: إنه حديث حسن.
قوله: ومنها: أن يقول: حبست ظلمًا: فإن كان الخصم معه فعلى الخصم الحجة والقول قول المحبوس مع يمينه، وإن ذكر خصمًا غائبًا فطريقان:
أحدهما: القطع بأنه يطلق لأن الحبس عذاب، وانتظار الغائب يطول.
وأظهرهما: أنه على الوجهين.
انتهى.
واعلم أن الرافعي لم يتقدم له في هذا الكلام ذكر وجهين حتى يحكي في هذه المسألة طريقتين الثانية منها إجراء الوجهين، ولما أشكل ذلك على الناظرين في هذه المسألة، ولم يجدوا ما يعود عليه الوجهان حذف بعضهم أداة التعريف من الوجهين، والموجود في "الروضة" إثباتها كما في البعض الآخر، وقد انكشف الغطاء عن هذا بحمد الله تعالى، وظهر أنه قد سقط من هذا الكلام مسألة علمت من "الشرح الصغير" فإنه قال فيه -أعني: في "الشرح الصغير": وإن قال: حبست ظلمًا، فعلى الخصم الحجة والمحبوس مصدق بيمينه، وإن لم يكن الخصم هناك وذكر خصمًا آخرًا
حاضرًا في البلد فأحد الوجهين: أنه يطلق، لأن الأصل أن لا شيء عليه.
وأظهرهما: أنه يحضر أولًا، فإن الظاهر أنه حبس بالحق، فإن ذكر خصمًا غائبًا، ففي طريق يطلق لأن الحبس عذاب وانتظار الغائب يطول وأظهرهما: أن فيه وجهين.
هذا لفظه بحروفه.
فأسقط الناقلون من مسودة "الكبير" من لفظ الغائب إلى الغائب، ولم يتفطن في "الروضة" لذلك فتابعه عليه كما ذكرناه، وهذا الساقط ذكره أيضًا في "الوجيز"، وقد وقع للرافعي أمثال ذلك في ما سبق.
قوله: وقول "الوجيز" فيطلق كل من حبس بظلم.
كان المراد منه إذا اعترف الخصم بأنه ظلمه أو كان القاضي عالمًا، وقلنا: إنه يقضي بعلمه، فأما إذا قال المحبوس: أنا مظلوم، فهو مذكور من بعد.
انتهى كلامه.
وتخريجه الإطلاق من الحبس عند علم القاضي بالظلم على القضاء بالعلم باطل، فإنه قد ذكر بعد هذا أن القاضي لا يقضي بخلاف علمه بالإجماع، فلو رده إلى الحبس حتى يؤدي الحق المدعى به لكان قاضيًا بخلاف ما يعلمه، وسيأتي في الكلام على القضاء بالعلم أمثلة كثيرة مما نحن فيه نفى عنها الخلاف، ولم يتعرض في "الروضة" لهذا الكلام الذي ذكره الرافعي وكأنه اعتقد صحته فتركه لاندراجه في الخلاف الآتي في القضاء بالعلم.
قوله: وذكر فيه وفي "الوسيط" أيضًا إطلاق من حبس في تعزير وسكتت معظم الكتب عنه، ولعل وجه ما ذكره أن التعزير يتعلق بنظر الحاكم الذي بانت عنده الجناية، ولا يدري أن الحاكم المصروف هل كان يديم حبسه لو لم يصرف؟، لكن لو ثبتت جنايته عند الثاني ورأى إدامة حبسه فالقياس: الجواز.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وذكر نحوه في "الشرح الصغير"
وهو يقتضي عدم وقوفه على نقل في المسألة، وأن الغزالى منفرد بالتصريح بها وليس كذلك، فقد صرح بها الماوردي في "الحاوي" وكذلك الروياني في "البحر" وجزما بعكس البحث الذي ذكره الرافعي فقال بإطلاقه، وعللاه بأن التعزير قد استوفى بعزل الأول وإن لم يستكمل مدة حبسه مع بقاء نظر الأول، لأن القاضي الثاني لا يعزر لذنب كان مع غيره، ورأيته أيضًا مجزومًا به في "المحيط شرح الوسيط" للإمام محمد بن يحيى، ثم نص الماوردي والروياني على أن القاضي لا يطلقه بل يوكل به حتى يتأدى عليه ثلاثًا ويحلفه أيضًا أنه ما حبس بحق خصم، كما قاله ابن أبي الدم، وقال ابن عصرون: عندي أنه لا يحتاج إلى النداء الثاني.
قوله: وإذا أطلق من ادعى الظلم لغيبة خصمه فحضر فعليه إثبات الحق الذي يدعيه ببينة تقوم على نفس الحق، أو على أن القاضي المصروفي حكم عليه بذلك.
وفي "أمالي أبي الفرج": أنه يكفي لاستدامة الحبس قيام البينة على أن القاضي المصروف حبسه بحق هذا المدعي وإن لم يبين جنس الدَّين وقَدْرِه.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة بما فيها من الخلاف قد أسقطها النووي من "الروضة"، وسبب إسقاطه لها وقوعها في الكلام على ألفاظ "الوجيز".
قوله: حتى لا يخدع من غرة أو بمال.
الغرة: بكسر الغين وتشديد الراء تطلق على الغفلة، والغار: الغافل ويطلق أيضًا على عدم تجريب الأمور، تقول: رجل غرة غرير وجارية غرة وغريرة وغر أيضًا.
قوله في "الروضة": لا يجوز عقد الإجارة على القضاء، وفي "فتاوى" القاضي الحسين وجه: أنه يجوز.
انتهى.
هذا الكلام مقتضاه أن القاضي نقل في "فتاويه" عن غيره وجهًا أنه يجوز وليس كذلك، فقد قال الرافعي: وفي "فتاوى" القاضي الحسين إلحاقه بالأذان حتى تجوز الإجارة عليه على رأي.
هذا لفظه، وهو كذلك في "الفتاوي" المذكورة.
قوله: ولو رَزَقَ الإمامُ القاضي من مال نفسه أو رَزَقهُ أهل ولايته أو واحد منهم، فالذي خرجه صاحب "التلخيص": أنه لا يجوز له قبوله، لكن ذكرنا في باب الأذان: أنه كما يجوز أن يكون رزق المؤذن من بيت المال يجوز أن يكون من مال الإمام أو واحد من الرعية، وذكر الصيمري في المفتى: أنه يجوز أن يرزقه أهل البلد، ويمكن أن يفرق بأن ذلك مما لا يورث تهمة وميلًا في حق المؤذن لأن عمله لا يختلف، فالقاضي أجدر بالاحتياط من المفتي.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن مقتضى هذا الكلام إقرار صاحب "التلخيص" على ما قاله من المنع، لأنه شرع يقيسه على ما يقتضي الجواز، ثم إنه فرق بينهما فبطل القياس بالتفرقة وبقي النقل سالمًا عن المعارض، ولكن قد أعاد الرافعي المسألة في الكلام على الرشوة وهو بعد هذا بقليل، ورجح الجواز، فإنه ذكر: أنه يجوز للقاضي إذا لم يكن له رزق من بيت المال أن يقول للخصمين: لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي رزقًا.
ثم ذكر مسألتنا هذه، وهي ما إذا رزقه أهل ولايته ونحوهم، وقال فيها ما نصه: ويشبه أن يجوز ذلك إذا جاز الأخذ من الخصمين.
هذا لفظه.
وأسقطه من "الروضة" هناك، وأبقى الكلام المذكور هنا على حاله.
الأمر الثاني: أن ما قاله الصيمري قد تقدم الكلام عليه في أثناء "الزيادات"
التي ذكرها النووي.
قوله: ويرزق المترجم من بيت المال في أقرب الوجهين، فإن قلنا: لا، فمؤنة من يترجم للمدعي عليه على المدعي عليه، والمسمع كالمترجم ففي مؤنته هذان الوجهان، وهذه هي مسألة "الكتاب".
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، ولنقدم على الكلام في هذه المسألة ما هو مذكور في أصول كلام الرافعي ممن تعرض للمسألة، فنقول: قال الإمام: فرع: حق على القاضي أن يرتب المزكي والمترجم والمسمع إن كان بأذنه وقر، وفي مؤنة هؤلاء وجهان:
أحدهما: أنها على طالب الحق، فإن قيامهم يتعلق بحقه، فعلى هذا يجب على كل واحد مقدار أجرة المثل في ما يتعلق بحقه وخصومته، هذا كلامه.
وذكر الغزالي في "البسيط" مثله أيضًا [وكذا في "الوسيط"] 1، إلا أنه مَثّل بالمسمع خاصة فقال: إذا طلب المسمع أجرة هل هي على صاحب الحق أو بيت المال؟ على وجهين.
انتهى.
قال الإمام: ويجب اعتقاد التسوية بين المترجم والمسمع، فإن المسمع ينقل اللفظ، والمترجم ينقل معناه، وقال في "الوجيز": فإن طلب المسمع أجرة فهل تجب في مال صاحب الحق؟ فيه وجهان.
إذا علمت ذلك ففي كلام الرافعي أمور:
أحدها: أن هذا التعبير الذي نقلناه عنه في من تجب عليه الأجرة إذا لم نوجبها في بيت المال، وفي معناه إذا تعذر الأخذ منه -أعني بزيادة الجار والمجرور مع لفظ المدعي المذكور أولًا- هو الموجود في الأصول المعتمدة من
نسخ الرافعي، وتبعه عليه في "الروضة" أيضًا فاعلمه فإنه كثيرًا ما يتحرف، ومدلوله أن الذي يشرح كلام المدعي للمدعى عليه تكون مؤنته على المدعى عليه، وقد تقرر مما قدمناه من النقول أن الحكم في المسألة ليس كذلك.
الأمر الثاني: أن هذا الذي يحاوله مع كونه مخالفًا للمنقول ناقص، فإنه ليس فيه استيفاء للمسألة، فإنه لم يتعرض للعكس وهو الذي يشرح كلام المدعي عليه للمدعي، وبسبب ذلك حصل في نسخ الرافعي اضطراب وقد اتضح الحال [وظهر أنه حصل فيها سقط علم من "الشرح الصغير" فإنه عبر بقوله: ] 1 وعلى هذا الرأي -أي عدم الوجوب على بيت المال- فمؤنة ما يترجم للمدعي على المدعى ومؤنة ما يترجم للمدعى عليه على المدعى عليه.
هذه عبارته.
والحاصل منها إيجابها على المنقول له الكلام لا على المنقول عنه، ولهذا عبر بعلى ولم يعبر بعن.
الأمر الثالث: أنه قد ظهر لك بما قلناه عن كتب الغزالي أن المسمع والمترجم [ونحوهما] 2 تجب أجرتهم على طالب الحق في وجه، وفي بيت المال على وجه آخر، والوجه الأول لم يذكره الرافعي بل ذكر عوضه ما وقع فيه التحريف والتصحيف كما سبق إيضاحه.
وحينئذ فيكون هذا الوجه قد أسقطه الرافعي مع كونه هو الصحيح في الحقيقة ومع ثبوته أيضًا في الكتاب الذي هو يشرح فيه وهو "الوجيز"، فلله الحمد على تيسير أمثال هذه الأمور وإلهام الصواب إليها.
وقد وقع [أيضًا هنا] 3 في "كفاية" ابن الرفعة، من الغلط ما وقع
في "الرافعي" و"الروضة"، بل هو أشد مما وقع فيهما وقد أوضحته في "الهداية" والله هو الهادي والمعين.
قوله: فرع: قال القاضي ابن كج: ذكر جماعة من فقهاء أصحاب الشافعي وأبي حنيفة -رضي الله عنهما- أنه إذا لم يكن للقاضي شيء من بيت المال فله أن يأخذ عشر ما يتولاه من أموال [اليتامى] 1 والوقوف للضرورة، ثم بالغ في الإنكار عليه، وقال: إنه لا ضرورة في هذا إن لم يتبرع بالقضاء من غير رزق فليمتنع منه، ومن ذهب إليه فكأنه ذكر العشر تمثيلًا وتقريبًا ولابد من النظر إلى كفايته وإلى قدر المال والعمل.
انتهى كلامه.
وهذا الفرع أسقطه من "الروضة".
قوله: وعن الصيدلاني حكاية وجهين في كراهة اتخاذ الحاجب والبواب، والمفهوم من كلام أكثرهم أنه إن جلس للقضاء ولا زحمة فيكره اتخاذ الحاجب في أظهر الوجهين، ولا كراهة فيه في أوقات خلوته في أظهرهما.
انتهى.
أهمل هو والنووي الجواب عن حكم داخل في التقسيم وهو إذا ما جلس للقضاء وكانت هناك زحمة وقد ذكره الإمام فقال: إن رأى المصلحة في اتخاذه [اتخذه] 2، وإن رآها في الترك ترك.
واعلم أن الإمام نقل عن الصيدلاني وعن غيره في أول المسألة خلافًا [ثم اختار] 3 شيئًا، ويتلخص من مجموع ما حكاه وما اختاره أربعة أوجه:
أحدها: أنه لا يتخذ الحاجب مطلقًا.
والثاني: يتخذه مطلقًا.
والثالث: إن جلس للقضاء لم يتخذه، وإن لم يجلس له فله أن يتخذه.
والرابع: اختاره الإمام فقال: إن جلس للقضاء وكثرت الزحمة اتبع المصلحة، وإن خلا بنفسه فلا بأس باتخاذه [وذكر في الحاوي وجهًا خامسًا: وهو أنه يكره اتخاذه] 1 في زمن استقامة الخلق، فأما زمن الهرج واستطالة السفهاء فيستحب اتخاذه، وذكر -أعني: الماوردي- أيضًا أنه إنما يكره الحاجب إذا كان وصول الخصم إليه موقوفًا على إذنه، فأما من وظيفته ترتيب الخصوم والأعلم بمنازل الناس فلا بأس باتخاذه.
ولم يتكلم الرافعي -رحمه الله- لأوصاف الحاجب، وقد ذكره الشيخ في "التنبيه" فقال: فإن احتاج اتخذ حاجبًا عاقلًا أمينًا بعيدًا من الطمع، ويأمره أن لا يقدم خصمًا [على خصم] 2 ولا يخص في الإذن قومًا دون قوم، ولا يقدم أخيرًا على أول.
وذكر ابن خيران في "اللطيف": أنه يستحب أن يكون كهلًا ستيرًا -أي كثير الستر-[على الناس] 3، وقال الماوردي: يشترط فيه العدالة والفقه والأمانة، ويستحب أن يكون حسن المنظر جميل المخبر عارفًا بمقادير الناس بعيدًا عن الهوى والعصبية معتدل الأخلاق.
قوله: المسألة الثانية: إذا ادعى حقًا على إنسان عند القاضي فأقر به المدعى عليه أو نكل وحلف المدعي اليمين المردودة، ثم سأل المدعي، القاضي أن يشهد على أنه أقر عنده أو على أنه نكل وحلف المدعي فعلى القاضي إجابته، لأنه قد ينكر من بعد فلا يتمكن القاضي من الحكم عليه إن قلنا: لا يقضي بعلمه، وإن قلنا: يقضي بعلمه، فربما ينسى أو يعزل فلا يقبل ما يقوله.
انتهى كلامه.
وما ذكره من حكاية القولين [في القضاء] 1 بالعلم على من أقر في مجلس القاضي قد ناقضه بعد هذا في الكلام على القضاء بالعلم فجزم بأنهما لا يجريان، وأن محل جريانهما في الإقرار أن يكون وقع عند القاضي سرًا، والمذكور هنا هو الصواب لما ستعرفه في موضعه إن شاء الله تعالى، وذكر في "الشرح الصغير" و"الروضة" كما ذكره هاهنا.
قوله: وإن طلب صاحب الحق أن يحكم له بما ثبت لزمه أن يحكم فيقول: حكمت له به، أو أنفذت الحكم به، أو ألزمت صاحبه الحق.
انتهى.
وهذا الكلام يوهم أن الحكم عبارة عن هذا القول، والذي ذكره الشيخ عز الدين ابن عبد السلام أنه عبارة عن الإلزام النفساني، وهذا دليل عليه حتى إذا حكم في نفسه في واقعة مختلف فيها فنقضها حاكم آخر قبل إخبار الأول لم يتأثر بالنقض.
قوله: فإن كثرت المحاضر والسجلات جعلها في إضبارة.
انتهى.
الإضبارة: بهمزة مكسورة وضاد معجمة ساكنة بعدها باء موحدة وبالراء المهملة هي: الربطة من الورق ويعبر عنها بالرزمة وبالحزمة أيضًا.
تقول: ضبرت الكتب أضبرها -بالكسر- ضبرًا -بالسكون- إذا ضممت بعضها إلى بعض، وجعلتها ربطة واحدة.
ويسمى أيضًا كل شيء مجتمع ضِبارة بكسر الضاد، وجمعه: ضبائر ومنه حديث "مسلم": "فيخرجون من النار ضبائر، ضبائر" 2. أي: جماعة جماعة.
قوله في "الروضة": نقل الهروي أن القاضي إذا لم يكن له رزق من
بيت المال وهو محتاج ولم يتعين عليه القضاء فله أن يأخذ من الخصم أجرة مثل عمله، وإن تعين قال أصحابنا: لا يجوز الأخذ، وجوزه صاحب "التقريب".
انتهى كلامه.
وما نقله هنا عن الأصحاب من أنه يمتنع على المحتاج الذي لا رزق له أن يأخذ من الخصم، نقله الرافعي قبل هذا بنحو ورقتين ولم يصرح به هاهنا، فنقله النووي إلى هذا الموضع وامتناعه مشكل لجواز أخذه من بيت المال، والحالة هذه فإنه يجوز كما ذكره الرافعي قبل ذلك، فأي فرق بينهما مع اشتراكهما في الحاجة والتعيين؟ ولما ذكره الرافعي قبل هذا قال: إنه فرع غريب ومشكل.
فنقله إلى هنا بدون هذا الكلام، وما أشرنا إليه هو وجه إشكاله.
قوله في "الروضة": وأما الهدية فالأولى أن يسد بابها ثم إن كان للمهدي خصومة في الحال حرم قبول هديته في محل ولايته وهديته في غير ولايته كهدية من عادته أن يهدي له قبل الولاية لقرابة أو صداقة ولا يحرم قبولها على الصحيح، فإن زاد المهدي على القدر المعهود صارت هديته كهدية من لم يعهد منه الهدية.
انتهى كلامه.
وما ذكره -رحمه الله- في هذا الفصل غلط مخالف لكلام الرافعي من وجوه، فإن الرافعي قد قال: ثم ينظر، فإن كان للمهدي خصومة في الحال حرم قبول هديته، وإن لم يكن له خصومة فإن لم تعهد منه الهدية قبل تولي القضاء حرم قبول هديته في محل ولايته على المشهور خلافًا للغزالي وهديته في غير محل ولايته كهدية من عهد منه الهدية قبل تولي القضاء لقرابة أو صداقة ولا يحرم قبولها؛ وقيل يحرم فإن زاد المهدي على القدر المعهود صارت هديته كهدية من لم تعهد منه الهدية.
انتهى موضع الحاجة من كلامه.
ولنعد إلى بيان المخالفات فنقول:
أحدها: أن كلامه قد اشتمل على تصحيح جواز القبول ممن له خصومة إذا حصل الإهداء في غير محل الولاية، وكلام الرافعي يقتضي الجزم بالتحريم، والوجهان المذكوران إنما حكاهما في من لا مخاصمة له.
ثانيها: أن كلامه ساكت عن من لا مخاصمة له إذا أهدي في غير محل ولايته، فلا يعلم منه هل يجوز جزمًا أم يتخرج على الوجهين اللذين ذكرهما في من له مخاصمة؟ والرافعي قد ذكر المسألة وحكي فيها وجهين كما سبق ذكره.
ثالثها: أن تصحيح الجواز لمن عهد منه الهدية، قد فرضه في من لم تكن له خصومة فإن كانت فيحرم القبول جزمًا، وانعكس عليه في "الروضة" فجعله في من له خصومة.
رابعها: أنه أسقط من كلام الرافعي التفريع على من ليست له عادة بالهدية، وقد علم حكمه مما نقلناه عنه -أي: عن الرافعي- وخاصة المنع في محل ولايته دون غيرها.
قوله أيضًا في "الروضة": وحيث قلنا بتحريم قبول الهدية فَقَبِلَهَا لم يملكها على الأصح، فعلى هذا لو أخذها قيل: يضعها في بيت المال، والصحيح: أنه يردها على مالكها، وإن لم يعرفه جعلها في بيت المال.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن الخلاف المذكور في أنه هل يضعها في بيت المال أو يردها على المالك؟ لم يجزم الرافعي بأنه وجهان كما جزم به المصنف، بل قال: وذكر العراقيون تفريعًا على أنه لا يجوز القبول وجهين أو قولين في ما يصنع بها لو قَبِل.