وقطعوا به، ثم نقل احتمال الإمام، ولكن رأيت في "شرح التلخيص" للشيخ أبى علي الجزم بأنه لا يشترط، ونقله أيضًا عنه البغوي في "فتاويه".
وجزم به الجرجاني في كتابه المسمى بـ "الشافي" وحكى وجهين من غير ترجيح فيما إذا لم ينقص بالنشر، وعلل الجواز بأن الغرر فعل بمشاهدة ظاهرها، فتحصلنا على ثلاثة أوجه.
قوله من "زوائده": قال القفال في "شرح التلخيص": لو اشترى الثوب المطوي، وصححناه ونشره فاختار الفسخ وكان لطيه مؤنة ولم يحسن طيه لزم المشترى مؤنة الطي [انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن التقييد بعدم معرفة الطي] 1.
يقتضي إيجابه عليه إذا عرفه.
والقياس وجوب المؤنة مطلقًا لأن الطي ليس بمثلى.
الأمر الثاني: أنه سيأتي في أثناء خيار النقص فيما إذا اشترى ثوبًا مطويًا واطلع على عيب به بعد نشره المنقِص له فرده لا يلزمه شيء في أصح القولين كما في كسر البيض والذبح.
ولا شك أن المصلحة في الموضعين قد تكون في الإمساك وقد تكون في الرد.
قوله: ولا يصح بيع الثياب التَّوزية في المسوح على هذا القول.
انتهى.
أما التوزية فبتاء مثناة من فوق مفتوحة ثم واو مفتوحة مشددة ثم زاي معجمة، وهي جنس من الثياب منسوبة إلى توز بلدة من بلاد فارس مما يلي الهند.
ويقال لها أيضًا توج بالجيم.
قاله ابن الصلاح في "مشكل الوسيط".
وأما المسوح: فبالسين والحاء المهملتين جمع مسح بكسر الميم وهو الملاس من الشعر، ويجمع أيضًا على أمساح.
وقوله: (على هذا القول) أي القول الذي نحن الآن نفرع عليه، وهو اشتراط الرؤية، فاعلم ذلك فإنه بعيد التبادر.
قوله: وذكر العبادي أن الفقاع يفتح رأسه وينظر فيه بقدر الإمكان ليصح بيعه.
والغزالي أطلق المسامحة به في "الإحياء" فيما أظن.
انتهى.
والأصح هو الصحة مطلقًا.
كذا صححه النووي في "زيادات الروضة"، والأمر كما ظنه الرافعي من إطلاق المسامحة به في "الإحياء"، وإنما توقف فيه الرافعي لأن عبارته فيها إيهام.
لكن ما ظهر للرافعي منها هو حاصل ما يدل عليه كلامه عند التأمل.
ونقل ابن الصلاح فيما جمعه من الفوائد في رحلته إلى بلاد الشرق عن تصنيف الشيخ عماد الدين بن عبد الرحمن النيهي -بكسر النون- كما سبق ضبطه في الصفحة التي قبلها.
أنه لا يصح شراؤه حتى يصبه ويراه.
قوله في أصل "الروضة": الخامسة: إذا جوزنا بيع الغائب فعليه فروع:
أحدها: بيع اللبن في الضرع باطل.
فلو قال: بعتك من اللبن الذي في ضرع هذه البقرة كذا.
لم يجز على المذهب لعدم تيقن وجود ذلك القدر، وقيل: فيه قول بيع الغائب.
انتهى.
ترك وجهًا ذكره الرافعي بعد هذا بأسطر، ونقل عن الإمام أن جماعة قالوا به، وهو أنه إن كان المبيع قدرًا يسيرًا وابتدر الحلب، فإنه يتخرج على بيع الغائب لأنه لا يفرض والحالة هذه ازدياد شيء به مبالاة، فإن كان كثيرًا بطل، ولا يتوهم من كلام الرافعي أن الوجه عائد لغير هذه الصور فاعلمه.
قوله فيها أيضًا: ولو حلب شيئًا من اللبن فأراه ثم باعه شيئًا مما في الضرع فوجهان كما في الأنموذج.
وذكر الغزالي الوجهين فيما لو قبض على قدر من الضرع وأحكم شده وباع ما فيه.
قلت: الأصح من الصورتين البطلان لأنه يختلط بغيره مما ينصب في الضرع.
هذا كلام "الروضة".
وهو فاسد لأن المسألة الأولى مفرعة على امتناع بيع الغائب لأن ذلك هو صورة مسألة الأنموذج، وما ذكره ثانيًا لا يستقيم إلا على جواز بيعه أعني الغائب، فليس الوجهان هما الوجهان، بل ولا مناسبة بينهما.
وما ذكره من "زياداته" في تعليل البطلان للصورتين مستقيم على الأولى، وكلام الرافعي مستقيم فإنه لما ذكر المسألة الثانية لم يجعل الخلاف الذي فيها هو الخلاف المتقدم، بل خلافًا آخر أسقطه من "الروضة"، وقد تقدم ذكرى إياه.
وفي كلام الرافعي بعض غموض، وصحح في "شرح المهذب" في المسألتين كما صحح في "الروضة".
قوله في "الروضة": الثاني لا يجوز بيع الصوف على ظهر الغنم، وفي وجه يجوز بشرط الجز، وهو شاذ ضعيف.
ويجوز بيع الصوف على ظهر الحيوان بعد الذكاة، وتجوز الوصية باللبن في الضرع والصوف على الظهر.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أنه جعل هذا الفرع كله فرعًا ثانيًا من فروع القول بعدم اشتراط
الرؤية.
وجميع ما في هذا الفرع ليس له تعلق باشتراط الرؤية ولا بعدم الاشتراط.
والرافعي -رحمه الله- سالم من هذا الاعتراض، فإنه ذكر بيع اللبن في الضرع، [وذكره صحيح فإنه من تفاريع المسألة ثم قال بعد ذكره له: ونختم المسألة بصور شبهها] 1 وذكر ما في هذا الفرع من المسائل، فعبر في "الروضة" بقوله: (الثاني) ذاهلًا عن كونه في تعداد المسائل المفرعة على جواز بيع الغائب.
وقد ذكر أيضا في "الروضة" فروعًا أخرى فرعها على امتناع بيع الغائب، ولا تعلق لها به فاعلم ذلك.
الأمر الثاني: أنه يستثنى من كلامه ما إذا اقبض على قطعة جمعها وقال: بعتك هذه.
قال في "شرح المهذب" فإنه يصح بلا خلاف، وفيه احتمال للغزالي لأنه يتعين به غير المبيع وهو الباقي من الصوف.
وذكر الرافعي تعليلًا يخرج هذه المسألة وهو أن مقتضى بيع الصوف هو الاستيعاب، ولا يمكن إلا بإيلام الحيوان فأسقطه من "الروضة" وهذا الوجه الذي قال فيه: إنه شاذ ضعيف قد اختاره الروياني في "الحلية" فقال: إنه القياس والاختيار.
وصحح صاحب "الاستقصاء" فيما إذا قبض على قطعة أنه لا يصح كما ذهب إليه الغزالي احتمالًا، وقال: إن قول الصحة ليس بشيء.
الأمر الثالث: إذا أوصى بالصوف أو باللبن فجز الموصى له الصوف
على العادة، وما كان موجودًا حال الوصية [يكون] 1 للموصي له، وما حدث يكون للوارث.
فلو اختلفا في قدره فالقول قول الوارث بيمينه هكذا نقله في "شرح المهذب" عن "شرح المختصر" للبغوي.
قوله من "زياداته": قال أصحابنا: لو باع المسك المختلط بغيره لم يصح لأن المقصود مجهول كما لا يصح بيع اللبن المخلوط بالماء.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه يقتضي أن العلة في بطلان المسألتين إنما هو الجهالة حتى لو علم مقدار المسك واللبن صح.
لكن كلامه في باب زكاة النقدين صريح أو كالصريح في عدم الصحة وإن علم المقدار، فإنه نقل وجهين في جواز المعاملة بالدراهم المغشوشة إذا كان قدر النقرة مجهولًا.
ثم قال: وربما نقل العراقيون الوجهين مطلقًا، ووجهوا المنع بأن المقصود غير معين، فصار كما لو شيب اللبن بالماء وبيع، فإنه لا يصح.
هذا كلامه.
الأمر الثاني: أن صور المسألة في المسك أن يكون مخالطًا لغيره لا على وجه التركيب، فإن كان معجونا مع غيره كالغالية والند جاز كما ذكره في "شرح المهذب"، وتدليل المصنف يقتضيه [لأن المقصود والحالة هذه ليس هو المسك بخصوصه بل المقصود هو المجموع.
قوله: ] (1) ويجوز بيع الأكارع والرؤوس بعد الإبانة نيئة ومشوية ولا اعتبار بما عليها من الجلد فإنها مأكولة وكذا المسموط نيئًا ومشويًا، وفي
النيء احتمال للإمام.
انتهى.
وصورة المسألة كما قاله البغوي في "فتاويه" في رؤوس الغنم: أما رؤوس الإبل والبقر قال: فلا يجوز لأنه بمثابة البيع بعد الذبح وقبل السلخ.
أي لأن جلده لا يؤكل.
قوله من "زوائده": ولو باع سمنًا في ظرف ورأى أعلاه مع ظرفه أو دونه صح.
انتهى.
وصورة المسألة أن لا يختلف الظرف بالرقة والغلظ فإن اختلف فقيل: يصح قطعًا، وقيل: يبطل قطعًا وقيل بتخريجه على قولى بيع الغائب وهو الصحيح.
هكذا ذكره قبل ذلك بنحو ورقتين في الكلام على بيع الصبرة، وسيأتي في الرهن ما يخالفه.
قوله في المسألة أيضا من "زياداته": فإن قال: بعتكه بظرفه كل رطل بدرهم فإن لم يكن للظرف قيمة [بطل.
انتهى.
وذكر نحوه في "شرح المهذب" فقال: فإن لم يكن له قيمة] 1 لم يصح البيع بلا خلاف لأنه لا قيمة له، وأخذ الثمن في مقابلة وزنه.
وهذا الكلام ليس فيه تصريح بأنه يبطل في الظرف فقط أم فيه وفي السمن؟
وقد صرح الإمام بالمسألة ونقل أن البطلان فيهما، فقال: قد قطع أصحابنا بفساد البيع في السمن من حيث اشتمل على اشتراط بذل مال في مقابلة ما ليس بمال.
والوجه تخريج هذا عندنا على تفريق الصفقة فالرق مع السمن ممتنع جميعًا في القدر وقوبلا في الثمن فكان كصفقة تجمع حرًا وعبدًا وشاة وخنزيرًا.
هذا كلامه.
والذي قاله بحثًا هو الصواب.
ونظير هذه المسألة ما إذا باع القز وفيه الدور وزنًا، وقد تقدم الكلام على ما وقع فيها من الخلل في كلام النووي فراجعها.
قوله: وإن كان للظرف قيمة فقيل يصح.
وإن اختلفت قيمتها كما لو باع فواكه مختلطة وزنًا أو كيلًا، وقيل: باطل لأن المقصود السمن وهو مجهول بخلاف الفواكه.
وقيل: إن علما وزن الظرف والسمن جاز وإلا فلا.
وهذا هو الأصح.
ذكره البغوي وغيره.
انتهى.
وما ذكره -رحمه الله- متهافت يدفع أوله آخره، وذلك لأن صورة المسألة إن كانت أعم من كون الظرف مجهولًا أو معلومًا فلا يصح تعليل البطلان بالجهالة، فإن كانت مع جهالته فلا يصح مجيء [الوجه] 1 الثالث.
قوله: أما إذا كان المبيع شيئين ورأى أحدهما دون الآخر، فإن أبطلنا شراء الغائب لم يصح البيع فيما لم يره، وفي ما رآه قولا تفريق الصفقة، وإن صححنا شراء الغائب ففي صحة العقد فيهما قولان لأنه جمع في صفقة واحدة بين مختلفى الحكم لأن ما رآه لا خيار فيه، وما لم يره يثبت فيه الخيار، فإن صححنا فله رد ما لم يره، وإمساك ما رآه.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" على الجزم بأن له تبعيض هذه الصفقة بالرد، وهو مشكل على ما إذا اشترى عينين صفقة واحدة فاطلع على إحداهما بعيب، فإنه إما أن يردهما أو يمسكهما، وليس له التبعيض، مع أن السبب قد وجد في الصورتين في البعض.
لا جرم أن البغوي في "فتاويه" والمتولى في "التتمة" قد جزما بأن
حكمه حكم رد العيب في تفريق الصفقة ولعل الرافعي -رحمه الله- إنما وقف هنا على كلام من جوز التفريق هناك، فتبعه عليه النووي.
قوله: الثالثة: إذا لم تشترط الرؤية فيشترط ذكر جنس المبيع في ظاهر المذهب.
ثم قال: وعلى قولنا أنه يشترط ذكر الجنس فالظاهر أنه لابد من ذكر النوع أيضًا بأن يقول: عبدي التركي أو فرسي العربي.
وأوهم الإمام خلافا فيه فقال: لم يشترط أصحاب القفال ذلك، واشترطه العراقيون.
انتهى كلامه.
وهو يقتضي إنكار الخلاف في اشتراط النوع، وهو ثابت، فقد صرح به القاضي حسين في "تعليقه" فقال: وهل يشترط ذكر النوع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا لأنه إنما يحتاج إليه لتمييز المبيع من غيره، وذلك يحصل بذكر الجنس.
والثاني: نعم لأن القيمة تختلف باختلاف الأنواع كما تختلف باختلاف الأجناس.
هذا كلام القاضي.
قوله: وإذا ذكر الجنس والنوع لم يفتقر إلى ذكر الصفات، وفي وجه يفتقر إلى ذكر [معظم] 1 الصفات.
وضبط ذلك بما يصف به المدير عند القاضي، قاله القاضي أبو حامد.
وفي وجه أضعف منه يفتقر إلى صفات السلم.
قاله أبو علي الطبري.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على حكاية الخلاف في أن العبرة بصفات السلم لا
بالصفات التي يدعى بها عند القاضي، وهو غريب، فإنه صريح بأن الصفات المذكورة في الدعوي ليست هي صفات السلم، وليس كذلك فقد جزم هو والنووي بأنها هي، كذا ذكره في موضعين:
أحدهما في باب القضاء على الغائب.
والثاني في أوائل كتاب الدعوى، ولم يذكرا خلاف ذلك.
قوله: ولو باع ما لم يره وصححنا العقد فهل يثبت له الخيار؟ فيه وجهان:
أصحهما عند المراوزة: لا يثبت لأن جانب البائع بعيد عن الخيار.
والثاني: يثبت لأنه جاهل بالمعقود عليه فأشبه المشترى، وهذا هو الذي أورده الشيخ أبو حامد ومن تابعه.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الصحيح هو الثاني.
كذا صححه الرافعي في الكلام على شراء الأعمى وتبعه، وقد تقدم ذكره هناك مبسوطًا، وتقدم ما وقع فيه من المخالفة للنووي فراجعه.
الأمر الثاني: أن محل هذا الخلاف فيما إذا لم يجده البائع زائد على ما وصفه به.
فإن وجده زائدًا ثبت له الخيار بلا خلاف قاله المارودي في "الحاوي" وقاسه على ما إذا وجده المشترى ناقصًا.
قوله: ثم خيار الرؤية على الفور أو يمتد امتداد مجلس الرؤية؟ فيه وجهان.
قال صاحب "التهذيب": والامتداد أصح.
انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" والذي صححه البغوي هو الصحيح.
كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: ولو باعه المشتري قبل الرؤية لم يصح، بخلاف ما لو باعه في زمن خيار الشرط، فإنه يصح على [أصح] 1 الوجهين لأنه يصير مجيزا للعقد، وهنا الإجازة قبل الرؤية.
انتهى.
وما ذكره من تصحيح البيع في زمن الخيار صورته إذا أذن فيه البائع أو باعه المشترى منه، فإن باعه من غيره بغير إذن لم يصح قطعًا كما أوضحوه في باب الخيار.
قوله: والثاني: نقل القاضي الروياني وصاحب "التتمة" وجهًا أنه يعتبر على قول اشتراط الرؤية الذوق في الخَلِّ ونحوه، والشم في المسك ونحوه، واللمس في الثياب ونحوها.
انتهى كلامه.
وما نقله -رحمه الله- عن "التتمة" من حكاية هذا الوجه في لمس الثياب ونحوها تابعه عليه النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" وهو غلط.
فإن صاحب "التتمة" لم ينقله إلا في الشم والذوق ولم يتعرض للمس بالكلية، ثم إن الذهاب إليه بعيد جدًا، فإن المقصود من الثياب يعرف بالرؤية، وأما الخل والمسك ونحوهما فلا يعرف حالهما إلا بالشم والذوق، ومن جملة الحواس حاسة السمع، ولم يصرح الرافعي بجريان الخلاف فيما إذا باع ما يقصد لسماع صوته فهل يتخرج على الخلاف أم يصح من غير سماعه جزمًا؟ فيه نظر، والمتجه الثاني.
والفرق سهولة الشم والذوق بخلاف السماع فإنه إلى اختيار الطائر، وقد يشتريه صغيرًا لأجل فائدة سماعه في المستقبل.
قوله: الحادي عشر: ذكر بعضهم أنه لابد من ذكر موضع المبيع الغائب، فلو كان في غير بلد التبايع وجب تسليمه في ذلك البلد، فلا يجوز
شرط تسليمه في بلد البيع بخلاف السلم، فإنه مضمون في الذمة، والعين الغائبة غير مضمونة في الذمة، فاشتراط نقلها [يكون] 1 بيعًا وشرطًا.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وهذا الذي نقله عن بعضهم ذكره المارودي والروياني في "البحر" ونقله في "شرح المهذب" عن المارودي إلا أن تعبير الرافعي بالموضع ليس مطابقًا لكلامهم فقد قال المارودي: ولابد في بيع العقار من ذكر البلد الذي هو فيه فيقول: بعتك داري بالبصرة أو ببغداد لأن بذكر البلد يتحقق ذكر الجنس ويصير في جملة المعلوم فأما ذكر البقعة من البلد ففيه وجهان:
أحدهما: يلزم.
والثاني: لا لأن البقعة تجري مجرى الصفة.
هذه عبارته، ذكر ذلك بعد نحو كراس من أول البيع.
وذكر الروياني والنووي في الشرح مثله.
نعم أطلق المارودي أيضًا في آخر باب ثمرة الحائط يباع أصله لأنه لابد في بيع الدار من ذكر حدودها.
وذكر الرافعي أيضًا مثله في كتاب الوكالة في التوكيل في شراء دار، وهو يشعر بالاشتراط في شراء الغائب.
وقد بسطت المسألة في "الهداية" فلتراجع منها.
قوله في أصل "الروضة": ولو رأى ثوبين فسرق أحدهما فاشترى الثاني، وهو لا يعلم أيهما المسروق.
قال الغزالي في "الوسيط": إن تساوت صفتهما وقدرهما وقيمتهما
كنصفى كرباس واحد صح قطعًا.
فإن اختلفا في شيء من ذلك خرج على بيع الغائب.
انتهى.
وما ذكره من تفريع هذا على جواز بيع الغائب ليس بصحيح، بل الصواب تفريعه على امتناعه، [ولم يفرعه الرافعي على شيء، بل ذكره من جملة فروع منشورة بعضها مفرع على امتناعه] 1، وبعضها على جوازه.
ثم إن هذا الحكم ذكره الغزالي من جهته، ولم ينقله عن أحد، فإنه ذكره في "الوسيط" أنها وقعت له في "الفتاوي" فأفتى فيها بذلك، وهكذا ذكره الرافعي أيضًا، وكلام النووي [يوهم أن الغزالي ناقل لهذه المسألة عن غيره ولاسيما عبارته في شرح المهذب] 2 فإنه نقل عنه أنه قال: يصح البيع بلا خلاف.
وسببه أنه ينقل في "شرح المهذب" ما لخصه في "الروضة" وكلما نقل شيئا من كتاب إلى كتاب زاد في التحرير والتعبير.
وبالجملة فالذي قاله الغزالي حسن كما قاله في "شرح المهذب".
قوله: إذا لم يشترط الرؤية فاختلفا فقال البائع للمشتري قد رأيت المبيع، وقال المشتري: ما رأيته ففيه وجهان: أظهرهما عند العبادي أن القول قول المشتري.
انتهى.
والذي قاله العبادي هو الصحيح.
كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: أما إذا اشترطنا الرؤية وفرض هذا الاختلاف يعني قول البائع للمشتري: إنك رأيت، وقول المشتري: ما رأيت.
فقد ذكر الغزالي في "فتاويه" أن القول قول البائع لأن للمشتري أهلية الشراء وقد أقدم عليه فكان ذلك إعترافًا منه بصحة العقد ولا ينقل هذا عن خلاف.
انتهى كلامه.
ومقتضاه أنه لم يقف -رحمه الله- في هذه المسألة على خلاف، وهو غريب، فقد جزم صاحب "التتمة" بأن القول قول المشتري [فقال في الباب الثامن المعقود لخيار الرؤية: إذا اختلفا فقال المشتري] 1 ما رأيت المبيع قبل العقد.
وقال البائع: بل رأيته، فالقول قول المشتري لأن البائع يدعي عليه أمرًا حصل منه، وهو منكر له، وهو أعلم بأحوال نفسه، وأيضًا فإن الأصل عدم الرؤية.
هذا كلامه.
وذكر الروياني في "البحر" في الموضع المذكور مثله وكذلك القاضي حسين في باب التحالف، وعلله بأن الأصل عدم الرؤية.
وقطع به أيضًا الشيخ أبو محمد الجويني في تعليقه على ما نقله عنه الشيخ برهان الدين في "تعليقه على التنبيه"، وجزم به أيضًا الشيخ أبو علي في "شرح التلخيص" بعد نحو خمسة أوراق من أول البيع في الكلام على ما إذا اشترى ما رآه قبل العقد، وهو قبيل قوله: فإن نظر إلى لحم شاة ما نصه: فإن اختلفا فقال البائع: لم يتغير وهو كما شاهدته.
وقال المشتري: هو متغير عما شاهدته.
قال الشافعي في "الأم" في كتاب الصرف: القول قول المشتري [لأن الأصل أن البيع غير لازم ما لم يعرف أنه شاهده وهو علي تلك الصفة.
ألا تري أنه لو أنكر الرؤية أصلًا فإن القول قول المشتري] (1) ولا يقبل قول البائع عليه.
هذا لفظ الشيخ أبي علي بحروفه، ومن شرحه نقلت.
ونقله ابن أبي الدم في "أدب القضاء" عن الجرجاني وأنه فرق بينه وبين دعوى الفساد، ونقل القطع به أيضًا عن فتاوي صاحب "البيان"، وجزم به أيضًا البغوي في "فتاويه" في ما إذا كان البائع هو المنكر للرؤية.
والمدرك الذي استندا إليه وأبطلا به العقد، وهو كونه لا يعلم إلا من جهته مدرك صحيح فإن المشاهد من الناظر إنما هو تقليب الحدقة نحو المرئي
ولا يلزم من ذلك وقوع الرؤية.
ويؤيده تصديق المجعول له في السماع عند اختلافه هو والجاعل، فظهر أن ما قاله الغزالي مردود نقلًا وبحثًا، وإن كانت القاعدة تصديق مدعى الصحة على الراجح وسببه أن هذا المفسد الخاص لا يعلم إلا من جهته.
ولهذا إن المتولى مع جزمه بما جزم هنا حكى وجهين في تلك القاعدة.
ويؤيده أيضًا ما سبق عن الجرجاني وابن أبي الدم، وقد توهم النووي اندراج هذه المسألة في تلك القاعدة فقال عقب كلام الرافعي: هذه مسألة اختلافهما في مفسد العقد، وفيها الخلاف المعروف.
والأصح فيها أن القول قول مدعى الصحة وعليه فرعها الغزالي.
هذا كلامه، وهو مردود لما تقدم بحثًا ونقلًا.
الباب الثاني في الفساد بجهة الربا
قوله: علق الحكم باسم الطعام [والحكم] 1 المعلق بالاسم المشتق معلل بماهية الاشتقاق كالقطع المعلق باسم السارق، والجلد المعلق باسم الزاني.
انتهى كلامه.
وما ادعاه -رحمه الله- من أن الطعام مشتق وبنى عليه التعليل المذكور ليس كما ادعاه، فإن الطعام اسم جامد.
قوله: وعن الأودنى من أصحابنا أنه تابع ابن سيرين في أن العلة الجنسية حتى لا يجوز بيع مال بجنسه متفاضلًا.
انتهى كلامه.
تابعه النووي في "الروضة" على هذا النقل عن الأودنى، ونقله عنه سهو.
ومذهبه أنه يجوز بيع المال بجنسه متفاضلًا إذا لم يكن مطعومًا كما ذهب إليه غيره من الشافعية وبيان سبب الوهم يتضح بذكر خلاف ذكره الأصحاب فنقول: اختلفوا في أن الجنسية هل هي من أجزاء العلة أم لا؟
فذهب الشيخ أبو حامد وطبقته إلى أنها من أجزائها.
وقالوا: العلة على القديم مركبة من ثلاثة [أجزاء] 2 الجنس والطعم والتقدير بكيل أو وزن حتى يخرج الزمان ونحوه.
وعلى الجديد: مركبة من جزأين فقط وهما الجنس والطعم.
ومنهم من قال: الجنسية ليست من أجزاء العلة لأن [جزء] 3 العلة لابد أن يترتب عليه شيء من أحكام العلة، فلو كان الجنس منها لأفاد تحريم
النساء بمجرده كما أفاد الجزء.
والآخر وهو الطعم تحريم النساء بمجرده فمنهم من منع أن جزء العلة لابد أن يترتب عليه شيء من أحكامها، وهو منع متجه.
ومنهم من سلمه وهم المراوزة، ومن تبعهم، ثم اختلفوا فقال الحليمي والإمام والغزالي: إن الجنس محل أي متعين بعمل العلة ولا أثر له في الحكم، وقال: ابن كج ومن تبعه: العلة هى الطعم والجنس شرط وعكسه الأودنى كما نقله عنه القاضي حسين في "تعليقه"، والشاشي في "الحلية" فقال: الجنس علة والطعم شرط.
انتهى.
وقد استفدنا من هذا الخلاف أن الأودني وإن كان يقول: إن العلة في تحريم الربا هو الجنس لكنه يقول: إن الطعم شرط، ونقل عنه بعضهم العلة، وذهل عن شرطها، وتبعه عليه الرافعي فلزم منه من الغلط ما لزم.
واعلم أن الخلاف المتقدم جميعه ما عدا الأخير قد حكاه الراعي أيضًا، وأسقطه النووي من "الروضة" لأنه ليست له فائدة حكمية.
قوله: والتوابل -هو بفتح التاء المثناء وبالباء الموحدة قبل اللام- جمع تابل، بكسر الباء وفتحها، هو ما يصلح به الطبخ.
قاله الجوهري.
قال أبو عبيدة: نقول منه توبلت القدر.
قوله: ولا فرق بين أن يؤكل نادرًا كالبلوط والطرثوث.
أما البلوط فهو بالباء الموحدة المفتوحة واللام المشددة المضمومة، وهو نبات معروف.
وأما الطرثوث فبطاء مهملة مضمومة، وراء ساكنة وثاءين مثلثتين الأولي مضمومة معروف أيضًا.
قوله: والطين الإرمني.
هو بكسر الهمزة وفتح الميم، وقد سبق إيضاحه في التيمم.
قوله: وفي دهن البنفسج والورد والبان وجهان أصحهما أن فيه الربا.
انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" على تصحيحه، وذكر مثله في "شرح المهذب" فقال ما نصه أصحهما عند الأصحاب أنها ربوية.
ثم ذكر في الشرح المذكور أيضًا بعد ذلك بأسطر قلائل في دهن الورد عكسه فقال ما نصه:
فرع: في دهن الورد وجهان حكاهما الصيمري وصاحب "البيان" وغيرهما:
أصحهما: ليس بربوي، صححه الرافعي، وهو مقتضى كلام الجمهور.
هذا لفظه وهو غلط عجيب.
قوله في "الروضة": ودهن الكتان والسمك، وحب الكتان وماء الورد والعود ليس ربويا على الأصح، والزنجبيل والمصطكى ربوي على الأصح.
انتهي كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره في حب الكتان وماء الورد من كونه ليس ربويًا هو عكس ما قاله الرافعي، فإنه قال ما نصه ونقل صاحب "البيان" وجهين في حب الكتان والزنجبيل ووجهين عن الصيمري] 1. في ماء الورد وذكر أنه لا ربا في العود والمصطكى.
والأشبه أن ما سوى العود كله ربوي وهذا لفظ الرافعي.
والعجب من النووي في تعريفه لكلام الرافعي فإنه اختصر الزنجبيل
والمصطكى كما في الأصل، وعكس حب الكتَّان وماء الورد.
الأمر الثاني: أن هذا الخلاف الذي حكاه في العود ليس في الرافعي، فإن فيه الجزم بالمنع، وهذه عبارته قد ذكرتها لك، وذكره غلط فإنه قال في شرح "المهذب" ما نصه: وحكى الرافعي الوجهين في العود المطيب أيضًا.
وقطع الأكثرون بأنه ليس ربويًا، هذا لفظه.
فانظر كيف لم يجده حالة شرحه "للمهذب" لأحد ووجده في "الروضة" فظن أنه من كلام الرافعي وأنه اختصره على الصواب فنقله عنه منكرًا له.
قوله: ولا ربا في الحيوان لأنه لا يؤكل على هيئته نعم ما يباح أكله على هيئته كالسمك الصغير على وجه يجري فيه الربا.
هكذا قاله في "التتمة".
وحكى الإمام عن شيخه وعن صاحب "التقريب" ترددًا فيه، وقطع بالمنع لأنها لا تعد للأكل.
انتهى كلامه.
والذي قاله الإمام هو الصحيح.
كذا صححه النووي في "الروضة"، ولم ينبه على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي، وهو غريب فتفطن له ولم يتعرض للمسألة في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر" والأصح في ابتلاع السمكة الحية هو الجواز كما هو معروف في موضعه.
قوله: فرع حيث اعتبر التقابض فتقابضا بعض كل واحد من العوضين، ثم تفرقا بطل في غير المقبوض، وفي المقبوض قولا تفريق الصفقة.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد أعادها بعد ذلك في تفريق الصفقة، وحكى [فيها طريقتين:
إحداهما: هذه.
والثانية: القطع بعدم الانفساخ، واقتضى كلامه] 1 تصحيح الطريقة الثانية على عكس ما جزم به هاهنا فإنه قال: ولو اشترى عبدين فتلف أحدهما قبل القبض ففي الثاني طريقان:
أحدهما: أنه على القولين.
وأظهرهما: القطع بعدم الانفساخ.
ثم قال ما نصه: والطريقان جاريان فميا إذا تفرقا [في السلم] 2 وبعض رأس المال غير مقبوض، أو في الصرف وبعض العوض غير مقبوض.
انتهى.
ووقع الموضعان كذلك في "الروضة".
قوله: والتخاير في المجلس [قيل التقابض بمثابة التفرق يبطل العقد خلافًا لابن سريج انتهى كلامه.
[وهذا] 3 الذي ذكره هنا في التخاير مخالف لما ذكره فيه في خيار المجلس في الكلام على ما ينقطع به الخيار، فإنه حكى فيه وجهين لا غير:
أحدهما: أن الإجازة لاغية.
والثاني: أن العقد يلزم، وعليهما التقابض، ولم يتعرض للوجه الذي جزم به هنا، وهو غريب وليس للمسألة ذكر في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر".
وقد وقع هذا التناقض أيضًا في "شرح المهذب" على كيفية هي أصرح من المذكور هنا، فإنه قال في كتاب البيوع في أثناء المسألة [الثانية] 4 المعقودة لما ينقطع به الخيار ما نصه: فإن تقابضا في الصرف ثم اختارا في
المجلس لزم العقد.
فإن أجازاه قبل التقابض فوجهان:
أحدهما: تلغو الإجازة فيبقى الخيار.
وأصحهما: يلزم التقابض.
فإن تفرقا قبل التقابض انفسخ العقد ولا يأثمان إن تفرقا عن تراض، فإن انفرد أحدهما بالمفارقة أثم هو وحده.
وفيه وجه ثالث أنه يبطل العقد بالتخاير قبل القبض.
انتهى كلامه.
وقال في هذا الباب ما نصه.
قال المصنف والأصحاب.
وإذا تخايرا في المجلس قبل التقابض فهو كالتفرق فيبطل العقد لما ذكره المصنف هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور.
وقال ابن سريج: لا يبطل لظاهر الحديث فإنه يسمى يدًا بيد انتهى كلامه.
وهي أخر مسألة في "شرح المهذب"، فإنه -رحمه الله- أدركته المنية في هذا الموضع.
قوله: والجنيب أجود التمر، والجمع كل نوع من التمر لا يعرف له اسم.
انتهى.
الجنيب بجيم مفتوحة ونون مكسورة وياء بنقطتين من تحت، وفي آخره باء موحدة والجمع بفتح الجيم وسكون الميم.
قوله: ولو باعه نصف دينار بخمسة وسلمها فله أن يستقرضها، ويشتري بها النصف الآخر.
ثم قال: ولو باع الكل بعشرة وليس مع المشتري إلا خمسة فدفعها إليه، واستقرض منه خمسة أخرى وردها إليه عن الثمن جاز، ولو استقرض الخمسة المدفوعة إليه فوجهان: أصحهما: لا يجوز انتهى كلامه بحروفه.
اعلم وفقك الله أن هذه المسألة الأخيرة من مشكلات كتاب الرافعي قل أن يهتدي الواقف عليها إلى المراد منها، فإنه -رحمه الله- حاول حكما مشكلًا لم يشر إليه بتعليل، ثم عبر عنه بعبارة لا تدل عليه إلا بضرب من التأويل ثم ازداد الأمر إشكالًا باختلاف النسخ لإشكال الحكم وقد يسر الله الكريم ذلك فلنوضحه بعبارة ملخصة فنقول: سر المنع في هذه المسألة وهو الموجود في أكثر نسخ الرافعي و"الروضة" يظهر باستحضار قواعد منها أن فرض هذا الثمن يصرف فيه في زمن خيار الباذل له وهو المشتري، وحكم التصرف في الشيء في زمن خيار باذله أنه إن كان مع غير باذله فهو باطل، وإن كان معه فهو صحيح على المذهب، ويكون إجازة للعقد، كذا ذكره الرافعي في هذا الباب [وفي باب الخيار] 1.
ومنها أن التخاير في مجلس الصرف كالتفرق على الصحيح كما تقدم الكلام عليه في هذا الباب.
ومنها أن] 2 التفرق في الصرف بعد قبض البعض يكون مبطلًا للباقي.
إذا علمت ذلك فالقائل بالمنع يقول: قد تقرر أن القرض إجازة للعقد، وأن الإجازة كالتفرق وأن التفرق بعد قبض البعض مبطل للباقي فصح أن هذا القرض مبطل للنصف الباقي فلا يصح الأداء عنه لانفساخ العقد فيه، وإن كان القرض صحيحًا.
وأما الذي يصحح الجواز، وهو الموجود في كثير من نسخ الرافعي فسببه الخلاف في القاعدة الثانية [وهي أن الإجازة كالتفرق فإن فيها كلامًا تقدم والمنع في مسألتنا] 3 لا يستقيم إلا بمنعها فافهمه.
وقد تلخص في مسألتنا بمقتضى القواعد المقررة في بابها أن القرض صحيح، وإن أعطاه ثانيًا لا يصح وأن العقد قد انفسخ في النصف الثاني، وأن صاحب الدينار بالخيار.
وهذه أمور لا يهتدي إليها الواقف على هذا الكلام وإن كان لا ينافيه، فلله الحمد على التوفيق لإدراكها.
واعلم أن المنع في هذه المسألة قد صرح بتصحيحه القاضي الحسين ثم الرافعي، ولكن قد نص الشافعي في باب الصرف على الجواز، وصححه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والروياني وابن أبي عصرون.
قال -رحمه الله-: ثم النظر في أطراف ثلاثة: الأول: في طريق المماثلة.
قوله: وما لم يكن على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو كان ولم يعلم أنه كان يكال أو يوزن أو علم أنه كان يكال مرة ويوزن أخرى، ولم يكن أحدهما أغلب.
فقد ذكر المتولي أنه إن كان أكبر جرمًا من التمر فالاعتبار فيه بالوزن لأنه لم يعهد الكيل بالحجاز في ما هو أكبر منه.
وإن كان مثله أو أصغر ففيه وجوه إلى آخره.
لم يبين هو ولا النووي في "الروضة" هنا هل الأمر كما قاله المتولي من تخصيص الخلاف أم لا؟ وكلامه في "المحرر" يقتضي أن الخلاف عام، فإنه لم يذكر تفصيل المتولي.
وتبعه في "المنهاج" لكن بين ذلك في "الشرح الصغير" فجزم بما قاله المتولي ولم يقيده بنقله عنه وجزم به أيضًا في آخر الباب من "الشرح الكبير" فقال: ثم المعتاد في الجوز الوزن لأنه أكبر جرمًا من التمر هذا لفظه.
قوله: والوزن بالطيار والقرسطون وزن.
اعلم أن الطيار هي الميزان التي لا لسان لها كما قاله إمام الحرمين، والغزالي في "البسيط".
والقرسطون بالقاف وبراء وسين وطاء مهملات هو القبان.
قال في "المحكم" في الخماسي: القرسطون.
القبان أعجمي لأن فعلالا وفعلونا ليسا من أبنيتهم والقفان المنقول هنا عن "المحكم" هو بالفاء بعد القاف وهو معرب عن القفال كما أشار إليه الجوهري.
قوله: فمن فروعه أن يريد شريكان في شيء من مال الربا قسمته بينهما وهو مبني على أن القسمة بيع أو إقرار.
فإن قلنا بالأول وهو الأصح فلا تجوز قسمة المكيل بالوزن.... إلى آخره.
اعلم أن هذه المسألة قد حصل فيها اضطراب شديد في كلامه وكلام النووي، وستعرف ذلك مبسوطًا في باب القسمة إن شاء الله تعالى.
قوله: واحتجوا له بأن التساوي شرط، وشرط العقد يعتبر العلم به عند العقد.
ألا ترى أنه لو نكح امرأة ولا يدري أهي معتدة أم لا؟ وهل هي أخته من الرضاع أم لا؟ لا يصح النكاح.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد سبق الكلام عليها في الباب المتقدم.
قوله: ولو قال: بعتك هذه الصبرة بتلك الصبرة مُكَايلة أو كيلًا بكيل أو هذه الدراهم بتلك موازنة أو وزنًا بوزن.... إلى آخره.
هذه المسألة أيضًا سبق الكلام عليها في آخر الباب الذي قبل هذا.
قوله: ولو باع صبرة حنطة بصبرة شعير صاعًا بصاع فالحكم كما لو كان من جنس واحد.
انتهى.
الكلام سبق أيضًا على هذه المسألة في آخر الباب السابق.
قوله: وأيضًا فلو اشترى شيئين بألف فوجد بأحدهما عيبًا وأراد رده بالعيب وحده يرده بحصته من الألف إذا وزع عليهما باعتبار قيمتهما.
انتهى.
وصورة هذه المسألة أن يرده بالتراضي، فإن أراد رد المعيب وحده قهرًا فليس له ذلك على المشهور.
قوله: ثم الأئمة أطلقوا القول بالبطلان في قاعدة مد عجوة، فذكر أبو سعد المتولي أنه إذا باع مدًا ودرهمًا بمدين بطل العقد في المد المضموم إلى الدرهم، وفيما يقابله من المدين وفي الدرهم وما يقابله من المدين قولا
تفريق الصفقة.
وعلى هذا القياس ما لو باعها بدرهمين أو باع صاع حنطة وصاع شعير بصاعى حنطة أو صاعى شعير، ويمكن أن يكون كلام من أطلق محمولًا على ما فصله.
انتهى كلامه.
ولقائل أن يقول: قد سلم الرافعي في قاعدة (مُدّ عجوة) أن التقسيط لا يعتبر، فإنه صحح أنه لا يجوز بيع مد عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم إذا كان الدرهمان من ضرب واحد، والمدان من شجرة واحدة.
وذهب جماعة إلى الجواز نظرًا للتقسيط.
فإذا تقرر أن التقسيط عنده لا يعتبر لزم امتناع هذه المسألة أيضًا.
والروياني قد وافق المتولى هنا لكنه قائل عند اتفاق القيمة بالصحة، كما نقله عنه الرافعي، فهو ماشٍ على قاعدة واحدة.
قوله: ولو باع دارًا بذهب فظهر فيها معدن الذهب صح البيع على الأصح لأنه تابع بالإضافة إلى مقصود الدار.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره هنا من تصحيح الصحة قد ذكر بعد ذلك في الكلام على الألفاظ التي تطلق في البيع في اللفظ الثالث منه، وهو لفظ الدار ما يعكر عليه فقال ما نصه: إلا أنه لا يجوز بيع ما فيه معدن الذهب بالذهب من جهة الربا.
هذا لفظه.
وتابعه في "الروضة" على الموضعين، وليس بين الصورتين فرق إلا أن الأولى فرضها عند عدم العلم ولا أثر للجهل بالمفسد في باب الربا مطلقًا.
وذكر الرافعي أيضًا في باب إحياء الموات أن المعدن لا يصح بيعه على الصحيح لجهالة مقصودة، ولا ذكر لهذه المسألة في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر".
قوله: ولو باع دارًا فيها بئر ماء [بدار فيها بئر ماء] 1، وفرعنا على أن الماء ربوي ففي صحة البيع وجهان:
أحدهما: الصحة لما ذكرناه في المسألة السابقة من التبعية.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح من هذين الوجهين هو الصحة.
كذا صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زياداته" بل أدخله في كلام الرافعي فافهمه.
الثاني: أن دعواه أن ماء البئر يدخل بطريق التبع يقتضي أنه لا يشترط التصريح بدخوله لأن التابع هذا شأنه، بل يقتضي أنه لو صرح به لأبطل لأنه علل الصحة بالتبعية.
وإذا نص عليه وصرح به صار مقصودًا، وخرج عن كونه تابعًا فيبطل لأجل الربا ولجعله المجهول الذي يحصل بطريق التبع مبيعًا مع المعلوم كما لو قال: بعتك هذه الجارية وحملها.
ويؤيده أنه صرح في إحياء الموات بأن بيع ماء البئر والقناة لا يجوز لجهالته.
فإذا علمت ذلك فقد ذكر في الكلام على الألفاظ التي تطلق في البيع في اللفظ الثالث منه ما حاصله أنه لابد من التصريح بدخول ماء البئر فقال: ولو كان في الدار المبيعة بئر ماء دخلت في البيع والماء الحاصل في البئر لا يدخل، ثم قال ما نصه.
وإن شرط دخوله في البيع صح على قولنا.
الماء مملوك.
بل لا يصح البيع دون هذا الشرط، وإلا اختلط ماء المشتري بماء البائع وانفسخ البيع، انتهى كلامه.
وصرح به أيضًا في آخر باب إحياء الموات نقلًا عن البغوي، [من غير مخالفة وذكر في "الروضة" هذه المواضع كما ذكرها الرافعي غير أنه لم ينقل الأخير عن البغوي] (1) بل جزم به، ولم يتعرض للمسألة في "المحرر" ولا في "شرح الصغير".
الطرف الثاني:
في الحالة التي تعتبر فيها المماثلة
قوله: ونقل الكرابيسي قولًا أنه لا يجوز بيع الحنطة بدقيقها كيلًا.
وجعل الإمام منقول الكرابيسي في أن الحنطة والدقيق جنسان حتى لا يجوز بيعهما متفاضلًا.
ويشبه أن يكون الإمام منفردًا بهذه الرواية.
انتهي.
وما ادعاه الرافعي من انفراد الإمام بها ليس كذلك، فقد نقلها أيضًا الماوردي في "الحاوي" ونقلها عنه ابن الرفعة.
قوله: قال الإمام: وفي الجاورس عندى احتمال إذا نحتت قشرتها.
انتهى.
الجاورس بالجيم والراء والسين المهملتين حب مثل الدخن يؤكل، وهو خير من الدخن في جميع أحواله وهو ثلاثة أصناف، وهو معرب [كاورسي] 2. قاله الصاغاني في "مجمع البحرين" وفي "حواشي الوسيط" لابن السكري أنه الدخن نفسه.
قوله: ويجوز بيع خل الرطب بخل الرطب.... إلى آخره.
اعلم أن الخلول التي ذكرها الرافعي هنا أربعة: خل الرطب وخل التمر وخل العنب وخل الزبيب، ويتفرع عليها عشر مسائل:
أحدها: بيع خل الرطب بمثله.1
والثاني: بيع خل التمر بمثله.
والثالث: بيع خل العنب بمثله.
والرابع: بيع خل الزبيب بمثله.
والخامس: بيع خل الرطب بخل التمر.
والسادس: بيع خل الرطب بخل العنب.
والسابع: بيع خل الرطب بخل الزبيب.
والثامن: بيع خل التمر بخل العنب.
والتاسع: بيع خل التمر بخل الزبيب.
والعاشر: بيع خل العنب بخل الزبيب.
فهذه عشرة، وضابطها أنك تأخذ كل واحد مع مثله ثم تأخذه مع ما بعده.
فهذه المسائل منها ما يقطع فيه بالجواز، وهو بيع خل الرطب بمثله وبيع خل العنب بمثله، قال الرافعي لأنه على هيئة الادخار، والمعتاد فيه الكيل.
ومنها ما يقطع فيه بالمنع، وهو بيع خل التمر بمثله والزبيب بمثله.
قال الرافعي: لما فيها من الماء، وهو يمنع معرفة التماثل، وكذا بيع خل الرطب بخل [التمر، وبيع خل العنب بخل الزبيب.
قال الرافعي: لأنه في أحد الطرفين ماء فيلزم التفاضل.
ومنها ما فيه خلاف وهو بيع خل التمر بخل الزبيب.
فإن قلنا الماء ربوي فلا يجوز وإلا فيجوز.
وكذا بيع خل الرطب بخل] 1 الزبيب، وبيع خل العنب بخل التمر.
قال الرافعي: فيجوز لأن الماء في أحد الطرفين والمماثلة بين الخلين غير معتبرة تفريعًا على الصحيح في أنهما جنسان.
فهذه تسع مسائل مصرح بها في كلام الرافعي.
وأما بيع خل الرطب بخل العنب فليس في "الشرح" ولا في "الروضة" تصريح بحكمها.
ومقتضى القواعد القطع بالجواز لأنه لا ماء في واحد منهما وهما جنسان.
قوله: وأما الرطب فما يؤكل منه في العادة بعد عجالة نقله.
انتهي.
قال الجوهري: العجالة بالضم ما تعجلته من شيء.
قوله: والمعيار فيه أي في السمن الكيل إن كان ذائبا، والوزن إن كان جامدًا.
قاله في "التهذيب"، وهو توسط بين وجهين أطلقهما العراقيون، المنصوص أنه يوزن، وعن أبي إسحاق أنه يكال.
انتهى.
وهذا التوسط قد استحسنه في "الشرح الصغير" فقال: وحسن كذا وكذا.
وذكر المسألة في "الروضة" كما ذكرها الرافعي.
الطرف الثالث:
في معرفة الجنسية
قوله: فإن جعلنا اللحوم جنسًا واحدًا ففي لحوم البريات مع البحريات وجهان، ذهب أبو علي الطبري والشيخ أبو حامد إلى أنهما جنسان.
واختار القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والبغوي أنهما جنس واحد.
انتهي.
والأصح هو الوجه الثاني.
كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالأظهر، وصححه النووي أيضًا في أصل "الروضة" و"شرح المهذب" وعبر بالأصح.
قوله: وفي الظبي مع الآيل تردد للشيخ أبى محمد واستقر جوابه على أنهما كالضأن والماعز.
انتهى.
والأيل الوعل الذكر ويسمى تيس الجبل وهو بفتح الياء المثناة من تحت المشددة، وقبلها همزة تضم وتكسر، لغتان حكاهما الجوهري، وأرجحهما الضم كذا ذكره في مادة أول بالواو.
ونقله عنه النووي في "تهذيبه" ثم قال: ورأيته في "المجمل" مضبوطًا بكسر الهمزة فقط.
قوله: وعن الربيع أن الحمام بالمعنى المتقدم في الحج، وهو ماعب وهدر جنس فيدخل فيه القمري والدبسي والفاختة، وهذا اختيار جماعة منهم الإمام وصاحب "التهذيب".
واستبعده أصحابنا العراقيون، وجعلوا كل واحد منهما جنسًا برأسه.
انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله أيضًا والصحيح هو الأول.
كذا صححه في "الشرح الصغير" وعبر بالأصح.
قوله في "أصل الروضة": فمن ذلك لحوم الحيوانات هل هي جنس أم أجناس؟ قولان: أظهرهما أجناس.
فإن قلنا: أجناس، فحيوان البر مع حيوان البحر جنسان ثم قال ما نصه: وسموك البحر جنس، وأما غنم الماء وبقره وغيرهما فهما مع السمك أو مثلها؟ قولان: أظهرهما أجناس.
انتهى لفظه.
لفظة "أو" مع "مثلها" لا يصح أن يريد به من حيوان البر لأن الكلام في حيوان البحر.
وأيضًا فقد تقدم من كلامه أن حيوان البر مع حيوان البحر جنسان تفريعًا
على هذا القول الذي يفرع هو عليه، وهو أن اللحوم من حيث هي أجناس فحمل هذه الصورة عليها تكرار، وإثبات خلاف لم يتعرض له غيره.
وبالجملة فهذه الصورة لم يذكرها الرافعي بالكلية والظاهر أنه إنما أراد مع مثله من حيوان البحر، وهو فاسد فسادًا واضحًا، فإن بقر الماء مع مثله من بقر الماء جنس واحد بلا نزاع، وكذا غنم الماء مع مثله وما أشبه ذلك.
واعلم أن كلام الرافعي صحيح، فإنه فرض المسألة في نوع [مع نوع] 1 آخر فراجعه.
قوله: وفي الجراد أوجه:
أحدها: أنه ليس من جنس اللحوم.
والثاني: أنه من لحوم البريات.
والثالث: من لحوم البحريات.
انتهى.
والأصح هو الوجه الأول.
كذا صححه النووي في "زيادات الروضة".
قوله من "زياداته": قلت: المعروف أن الجلد ليس ربويًا فيجوز بيع الجلد بجلود وبغيرها، ولا حاجة إلى قوله: إنها أجناس -يعني- إلى قول الرافعي أن الكبد والكرش والمخ والجلد أجناس.
انتهى.
ذكر مثله في "شرح المهذب" فقال ما نصه: فرع: لا ربا في الجلود والعظام، وإن كان يجوز أكلها، وهذا بلا خلاف، وممن صرح به الماوردي لأنه لا يؤكل في العادة.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما أشار إليه في "الروضة" وصرح به في "شرح المهذب" من نفي الخلاف غريب.
فقد حكى الماوردي وجهين في بيع اللحم بمثله، وعليه جلد يؤكل كجلد الدجاج والجدي.
وقال في "البحر": إذا باع جلد البقر بجلد الغنم متفاضلًا فهل يصح؟ يحتمل قولين بناء على القولين في اللحمان، فهذه نقول شهيرة صريحة على وفق ما قاله الرافعي زيادة لما يقوله النووي.
الأمر الثاني: أن النووي قد جعله من الربويات في "الروضة" أيضًا فقال في آخر الباب: إنه إذا باع اللحم بالحيوان بطل، وإن باعه بشحم أو إلية أو طحال أو قلب أو كبد أو رئة فوجهان:
أصحهما: البطلان.
ثم قال: ويجرى الوجهان في بيعه بالجلد قبل الدباغ فإن دبغ فلا منع.
هذه كلامه.
قوله: وفي البطيخ المعروف مع الهندي والقثاء مع الخيار وجهان، انتهي.
والأصح أنهما جنسان.
كذا صححه النووي من "زياداته".
قوله: والسكر النبات والطبرزد جنس واحد، والأحمر وهو القوالب عكس الأبيض، ومن قصبه ومع ذلك ففي التجانس تردد للأئمة لتخالفهما في الصفة قال الإمام: ولعل الأظهر أنه من جنس السكر.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن الطبرزد بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وبعدها
زاي معجمة هو السكر المعتاد.
فإن ابن الرفعة قد نقل في "شرح الوسيط" أن القطارة تقطر منه وهي -أعني القطارة- تقطر مما قلناه.
ويشير إليه أن الرافعي جعله هو والسكر النبات جنسًا واحدًا، وتردد في الأحمر مع الأبيض فانتفى أن يكون الطبرزد هو الأحمر، وأن يكون أيضًا من جنس الأعسال لأن العسل ليس مجانسًا للسكر بلا نزاع.
وقد أوضح في "المطلب" كيفية هذه الأعسال فقال: ومن عصير قصب السكر يتخذ العسل المرسل ويتخذ القند، ومن القند ينفصل العسل المسمى بعسل القصب، وهو ما يقطر من أسفل أباليج القند بعد أخذه في الجفان، والقند يختلف في الجودة والرداءة بحسب تربة القصب وجودة الطبخ، ومن الطيب من القند يتخذ السكر، وإذا جمد استقطر ما فيه من العسل من ثقبة من أسفل الإجانة التي يوضع فيها بعد طبخه.
وهذا العسل يسمى كما قال أبو الطيب بعسل الطبرزد ونحن نسميه بالقطارة، وهي تتنوع بحسب تنوع السكر، والذي يستقطر منه.
وأنواع السكر ثلاثة: الوسط وهو أدونه، ومن أعلى أباليجه يكون الأحمر لأن القطارة تنحبس فيه، والعال وهو فوق ذلك في الجودة، والمكرر وهو أعلى الثلاثة لأنه يطبخ مرة ثانية من السكر الوسط، والسكر النبات يطبخ من السكر الوسط أيضًا لكنه يجعل في قدر من الفخار قد صلب فيه عيدان من الجريد رقاق لينبت فيها السكر، وما يخرج منه عسل عند كمال نباته يسمى بقطر النبات.
هذا كلامه.
وهو قد كان مطلعًا على حقيقة ذلك، فإنه كان صاحب مطبخ من مطابخ السكر، وكلامه موافق لما قلناه.
واعلم أن النووي في "الروضة" عبر بقوله: والسكر الطبرزد والنبات
جنس واحد.
هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن الذي أشار الإمام إلى ترجيحه هو الصحيح.
كذا صححه النووي في "أصل الروضة" فجزم بالتصحيح، ولم يشر إلى التوقف فيه، ثم إنه لم يضفه أيضًا إلى الإمام، وهو اختصار عجيب، وجزم به ابن الرفعة في "المطلب" ولم يحك فيه خلافًا.
قوله: وإن باعه -يعني اللحم- بحيوان غير مأكول كعبد أو حمار ففيه قولان: أصحهما عند القفال المنع لظاهر الخبر.
انتهى كلامه.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا، والصحيح ما قاله القفال، كذا صححه الرافعي في "المحرر"، وعبر بالأصح وصرح النووي بتصحيحه أيضًا في أصل "الروضة" وفي غيرها من كتبه.
الباب الثالث: في الفساد من جهة النهي
المناهي قسمان:
القسم الأول: ما حكم فيه بالفساد
.
قوله: بل إعارة الفحل للضراب محبوبة.
انتهى كلامه.
وما ذكره الرافعي من الاستحباب لم يتعرض له في "الروضة" وإنما حكم بالجواز فقط.
قوله: ومنها بيع السلاح لأهل الحرب لا يصح.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه يشعر بصحة بيعه لمن دخل إلينا بأمان كالتاجر والرسول، لأنه بالأمان خرج عن الحرابة، وصار معصومًا، وهو محتمل لأنه في قبضتنا كالذمي، ولكن المتجه المنع لأن الأصل إمساكه عنده إلى عوده، ولأن الحرابة فيه متأصلة والأمان عارض يزول.
الثاني: أن السلاح على ما نقله الرافعي في صلاة الخوف عن ابن كج يقع على السيف والسكين والرمح والنشاب ونحوها.
قال: وأما الترس والدرع فليس بسلاح.
انتهى.
والمتجه أن يكون المراد هنا ما هو يعد للقتال كالبيضة ونحوها مما سبق لأن الاستعانة علينا كما تكون بفعلهم تكون بدفع فعلنا.
وقد صرح به الإمام في كتاب [الرهن] 1 قبيل باب [الرهن] 2 والعميل بنحو ورقتين فقال: وبيع السلاح من الذمي ورهنه جائز، مات رسول الله
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ودرعه مرهون عند أبى سجمة اليهودي 1، هذا لفظه، وفي معنى ما ذكرناه أيضًا الخيل وما يلبس لها.
قوله: ولو باع عبده بألف بشرط أن يبيعه داره لم يصح، ثم قال: وإذا أتيا بالبيع الثاني نظر إن كانا يعلمان بطلان الأول صح، وإلا فلا لإتيانهما به على الشرط الفاسد.
كذا نقله صاحب "التهذيب" وغيره والقياس صحته، وبه قطع الإمام، وحكاه عن شيخه.
انتهى كلامه.
اعلم أن هذه المسألة فرد من أفراد قاعدة متكررة في أبواب وهي أنه إذا شرط عليه في شيء من التصرفات عقد لا يلزمه الوفاء به ففعله المشروط عليه جاهلًا ببطلان العقد المشروط فيه، فهل ينفذ لكونه تصرفًا صحيحًا في نفسه أم لا لإتيانهما به وفاء بالشرط الفاسد؟ فيه خلاف.
وهذه القاعدة قد حصل فيها اختلاف شديد في هذا الباب فقال في كتاب الرهن في الركن الثالث منه إذا قال: أقرضتك هذه الألف بشرط أن ترهن بالمائة التي لي عندك كذا، فالقرض فاسد، ثم إن رهن بالمائة التي عليه صح إن علم فساد الشرط، وإن ظن صحته فوجهان.
قال القاضي: لا يصح، وقال الشيخ أبو محمد وغيره: يصح.
انتهى.
وكذا لو باع بشرط بيع آخر فاستثناه ظانًا صحة الشرط وقد سبقت هذه الصورة في بابها.
انتهى ملخصًا.
وليس في هذين الموضعين تصريح بتصحيح.
إذا علمت ذلك فقد قال في أوائل الإقالة ما نصه:
وتجوز الإقالة في بعض السلم فيه أيضًا، لكن لو أقاله في البعض ليعجل الباقي له أو عجل المسلم إليه البعض ليقيله في الباقي فهي فاسدة.
انتهى كلامه.
فأما الإقالة بشرط التعجيل ففسادها واضح.
فأما إذا عجل بشرط الإقالة فأقاله فهو والرهن المشروط في البيع الفاسد سواء.
ثم ذكر أيضًا عدم الصحة في كتاب الكتابة فقال في أثناء الحكم الثاني من الباب الثاني: إذا جاء المكاتب بالنجم عند المحل وشرط على السيد أن يبرئه فالشرط لغو، وللسيد أخذه ولا يلزم أن يبرئه من الباقي.
وإن عجله قبل المحل على أن يبرئه من الباقي وأخذه وأبرأه لم يصح القبض والإبراء ولو قال: أبرأتك عن كذا بشرط أن تعجل الباقي، أو إذا عجلت كذا فقد أبرأتك عن الباقي فعجل لم يصح القبض ولا الإبراء، هذا هو المذهب.
وأشار المزني إلى ترديد قول صحة القبض والإبراء، ولم يسلم له الجمهور إثبات خلاف فيه.
انتهي.
ثم ذكر ما يخالف الموضعين المذكورين في أوائل الصلح، فقال في المصنف الثاني وهو صلح الحطيطة: ولو صالح من ألف مؤجل على ألف حال فباطل لأن الأجل لا يسقط ولا يلحق، فلو عجل من عليه المؤجل وقبله المستحق سقط بالاستيفاء.
انتهى.
وتعجيل المؤجل بعد الشرط نظير الإقالة والإبراء والتعجيل بعد الشرط.
وقد أجاب فيه بعكس ما ذكره فيهن، ومقتضاه فيهن أن لا يملكه حتى لا يحصل الإبراء.
وبالجملة فهو تباين واضح خصوصًا المذكور في الصلح [مع المذكور في] 1 الكتابة.
ووقع هذا الاختلاف بعينه في "الشرح الصغير" إلا أنه لم يذكر مسألة الإقالة، ووقع أيضًا في "الروضة" وزاد على ذلك فصحح في كتاب الرهن من "زياداته" الصحة فقال: قلت: الثاني أصح -يعني الصحة- واختاره الإمام والغزالي في "البسيط" وزيف الإمام قول القاضي، والله أعلم.
وجزم في الركن الثالث من المساقاة بأنه لا يصح، ولم يجزم به الرافعي، بل نقله عن "التهذيب" فقط، ثم ذكر أنه قدم نظيره في الرهن فحذف النووي المنقول عنه وجزم به، فوقع في صريح التناقض.
وقد ذكر الشافعي في "الأم" مسألة الكتابة في باب قطاعة المكاتب كما ذكره الرافعي ثم قال بعده ما نصه: وإن فعل هذا على أن يحدث للمكاتب عتقًا فأحدثه له فالمكاتب حُرّ، ويرجع عليه سيده بالقيمة لأنه أعتقه ببيع فاسد كما قلت في أصل الكتابة الفاسدة.
انتهى.
ونص في البويطي على مسألة الرهن، وحكم فيها بعكس ما صححه في "الروضة" فقال في باب الرهن ما نصه: ولو كان لرجل على رجل دين حال أو إلى أجل ثم قال: بعني بيعة أخرى على أن أرهنك بالأول والآخر لم يجز، وكان البيع الآخر فاسدًا، والرهن باطلًا، وكان حقه الأول على حاله.
وقال في "الأم": وإذا كان المدعى عليه منكرًا فالصلح باطل، وهما على أصل حقهما، ويرجع المدعى على دعواه، والمعطى [فيما] 1 أعطى وسواء إذا أفسد الصلح قال المدعى: أبرأتك مما ادعيت عليك، أو من بدله من قبل أنه إنما أبرأه على أن يتم له ما أخذ منه، وليس هذا بأكثر من أن يبيعه البيع الفاسد.
فإذا لم يتم رجع كل واحد منهما على أصل ملكه كما كانا قبل أن يتبايعا [هذا كلامه.
وقد تظافرت نصوص الشافعي على البطلان فلتكن الفتوى عليه] 1. ولا عبرة بما عداه.
قوله: ولو اشترى حطبًا على ظهر بهيمة مطلقًا فهل يصح العقد ويسلمه إليه في موضعه [أم لا يصح حتى يشترط تسليمه إليه في موضعه] 2 لأن العادة قد تقتضي حمله إلى داره؟ حكي صاحب "التتمة" فيه وجهان.
انتهى.
والأصح منهما هو الصحة.
كذا صححه النووي في "زيادات الروضة".
قوله: وذكر القاضي الروياني أنه لو أجل الثمن إلى [ألف] 3 سنة بطل العقد للعلم بأنه لا يبقى إلى هذه المدة فيسقط الأجل بالموت كما لو أجر ثوبًا ألف سنة لا يصح.
فعلى هذا يشترط في صحة الأجل احتمال بقائه إلى المدة المضروبة.
انتهى كلامه.
اعترض النووي في "الروضة" عليه فقال: لا يشترط احتمال بقائه إليه، بل ينتقل إلى وارثه لكن التأجيل بألف سنة وغيرها مما يبعد بقاء الدنيا إليه فاسد.
انتهى كلامه.
والذي قاله النووي معترضًا به من أن ذلك لا يشترط، بل ينتقل إلى الوارث غلط، فإن الكلام ليس في مستحق الدين، بل في من هو عليه.
ولهذا قال الرافعي: فيسقط الأجل بموته، والأجل يسقط بموت من عليه لا بموت من له.
وإذا ظهر هذا ظهر أيضًا ضعف البطلان فيما إذا كان يبعد بقاء الدنيا إليه لأنا نعلم الاستحقاق قبلك بموت من عليه بخلاف الإجارة، فإن بطلانها واضح.
والنووي حذف التصريح بانتقاله إلى الوارث حالة اختصاره لكلام الرافعي ثم توهم بعد ذلك عكسه فأجاب عنه، وقال صاحب رفع التمويه في الإجارة: إن الأرض تؤجر خمسمائة سنة.
ثم قال: وأكثر ما يصح أن يبيعه بثمن مؤجل إلى هذا القدر.
هذا كلامه وذكر ذلك في ذيل كلام نقله عن الشيخ أبى حامد، واقتضى إيراده أنه منه.
قوله: ولو حل الأجل فأجل البائع المشتري مدة لم يتأجل، ولو أوصى من له دين حال على إنسان بإمهاله مدة [فعلى ورثته إمهاله.
انتهي.
وقد ذكر مثله في "الروضة".
والكلام عليه له مقدمة ذكرها ابن الرفعة في "المطلب" فقال: وإنما تنفذ الوصية بعدم المطالبة إلى مدة] 1 بشرط أن يخرج منه الدين من الثلث لأنهم قالوا: إن البيع بثمن مؤجل يحسب كله من الثلث إذا لم يحل منه شيء قبل موت الموصى لأنه منع الورثة من التصرف فيه فكان كإخراجه عن ملكهم، وهذا مثله.
ثم قال: وأنا أقول: إذا قلنا: إن الملك ينتقل في البيع في زمن الخيار، ويجوز إلحاق الزيادة بالعقد كان ذلك صورة أخرى لأن الدين كان حالًا وقد تأجل قال بل هذه بالذكر أولى لأن ما كان حالًا تأجل، وما عداها قد يقال: إن الدين باق بصفته، وإنما منع من طلبه مانع كالإعسار هذا كلامه.
ذكر ذلك في آخر الباب الثالث من أبواب البيع، وهذا الاحتمال الذي أبداه من كونه حالا امتنعت الطالبة به لعارض احتمال ظاهر وله فوائد:
منها: إذا عجله المديون قبل المدة لغرض البراءة فهل يجبر رب الدين جزما على أحد الأمرين وهما القبول أو البراءة كسائر الديون الحالة لاسيما أن هذه المدة لم تقع برضا المديون أم يتخرج على الخلاف في الدين المؤجل؟
ومنها: إذا حلف لا مال له وقلنا بالتفصيل بين الحال والمؤجل.