قال: وقد اتفق عليه الأصحاب في الطريقين لأنه قد أسفر في ذمته قضاء حجه بالصفة الماضية وهي القران، فإذا عدل عنه إلى ما هو أفضل جاز لكن لا يسقط الدم.
هذا كلامه.
قوله: ولو قدم القارن مكة وطاف وسعى ثم جامع بطل نسكاه وإن كان بعد أعمال العمرة.
انتهى.
وما ذكره من أن الوطء والحالة هذه وقع بعد أعمال العمرة تبعه عليه النووي.
وليس كذلك فإن الحلق من الأركان على المعروف ولم يأت به.
قوله: فلو أحرم مجامعًا ففيه وجوه:
أحدها: ينعقد صحيحًا ثم إن نزع استمر وإلا فلا.
والثاني: ينعقد فاسدًا وعليه القضاء والمضي فيه، ولا كفارة إلا إذا استمر فيكون كمن جامع في الحج الفاسد.
والثالث: لا ينعقد كالصلاة مع الحدث.
انتهى ملخصًا.
والأصح عند الرافعي هو الأول فقد جزم به قبل ذلك في باب الإحرام قبيل الكلام على سنن الإحرام بنحو ورقة وصفحة، وقد سبق ذكر لفظه هناك.
وأما النووي فاختلاف كلامه في هذه المسألة في "الروضة" فإنه قد وافق الرافعي في باب الإحرام على ما ذكره هناك وهو كونه ينعقد صحيحًا ثم خالفه فيها هاهنا فصحح من "زياداته" الوجه الثالث وهو عدم الانعقاد.
وقد ذكر الرافعي المسألة في موضع ثالث وهو باب مواقيت الحج قبيل الكلام على الميقات المكانى، وجزم هناك بأنه ينعقد ولم يزد عليه، وهو محتمل لكل من الوجهين الأولين ومخالف على كل حال لما صححه النووي من "زوائده" إلا أن هذا الموضع لم يذكره في "الروضة".
ولو أحرم في حال نزعه فقيل: ينعقد صحيحًا، وقيل: فاسدًا، وقيل: لا ينعقد.
حكاهن في "الكفاية".
النوع السادس: مقدمات الجماع
قوله: ويحرم على المحرم المباشرة بالشهوة وحيث ثبت التحريم وباشر شيئًا منها عمدًا وجبت عليه الفدية.
ثم قال: وإن كان ناسيًا لم يلزمه شئ بلا خلاف؛ لأنه استمتاع محض.
انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما قاله من نفي الخلاف غريب جدًا؛ فقد قال إمام الحرمين في "النهاية" قبل باب الصبي يبلغ والمملوك يعتق بنحو خمس ورقات ما نصه: وضبط الأصحاب المباشرة الموجبة للفدية بما يوجب نقض الطهارة.
ثم مسائل الملامسة في الطهارة تنقسم إلى خلاف ووفاق، والأمر في الحج ينطبق على قياسها خلافًا ووفاقًا.
وأما الصوم فالمباشرة المحضة لا تؤثر فيه، فهذه مراتب المباشرة وحكمها، وانتقاض الطهارة ووجوب الفدية تتجاريان بلا افتراق.
انتهى لفظه.
وقال أيضًا في كتاب النكاح في باب الربا لا يحرم الحلال ما نصه: ولم أر أحدًا من الأصحاب يشترط قصد الشهوة في الملامسة عند إيجاب الفدية على المحرم.
انتهى.
وذكر أيضًا الغزالي في "البسيط" أنه ينطبق على مسائل النقض وفاقًا وخلافًا، وذكر في "الوسيط" نحو ذلك، وكذا في "الوجيز" فقال: وكل ما ينقض الطهارة منها يوجب الفدية أنزل أم لم ينزل هذا لفظه -أعني "الوجيز".
والعجب من إهمال الرافعي له مع كونه في الكتاب الذي انتصب لشرحه.
الأمر الثاني: أن الغزالي في "الوجيز" يرى أن المباشرة محرمة مطلقًا سواء كانت بشهوة أم لا؛ فإنه لم يفصل بل أطلق القول بالتحريم.
وكذلك أيضًا الشيخ في "المهذب" فإنه لم يقيدها بالشهوة كما قيدها في "التنبيه"؛ فكان ينبغي للرافعي أيضًا التنبيه عليه.
واستفدنا من هذا كله أن الغزالي يرى أن التحريم يشترط فيه القصد فقط، وأن إيجاب الفدية لا يشترط فيه شئ، وحاول في "الروضة" من "زياداته" ذكر مقالة الغزالي فلم يذكرها على وجهها.
الأمر الثالث: أن جميع ما سبق تحريمه في هذا الفصل من الجماع ومقدماته لا يختص تحريمه بالمحرم والمحرمة كما يوهمه كلام الرافعي؛ بل يحرم أيضًا على المرأة الحلال أن تمكن منه في أصح الوجهين لأن فيه إعانة على المعصية.
كذا قاله الرافعي في باب الإيلاء، وقد سبق أيضًا من كلامه في الباب الثالث من أبواب الجمعة ما يدل له.
وتحريم المباشرة على الحلال أيضًا حالة إحرام المرأة كما ذكروه في باب الإحصار.
قوله: ولو باشر دون الفرج ثم جامع فهل تدخل الشاة في البدنة أم تجبان معًا؟ فيه وجهان.
انتهى.
والأصح دخولها.
كذا صحح النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".
قوله: الثانية: لا ينعقد نكاح المحرم ولا إنكاحه.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الفعل حرام كما هو معروف حتى ذكره جماعة في مختصراتهم "كالتنبيه" و"الوجيز" و"الإشارة" لسليم، وعبارة الرافعي لا تدل عليه.
الثاني: أنه إذا فعل ذلك فلا كفارة عليه وإن كان قد تعاطى محرمًا.
صرح به الغزالي في "الوجيز" وأهمله الرافعي فلم يشرحه بل سكت عنه وعن التنبيه الأول هنا وفي النكاح.
وقد ظهر من هذا الكلام أن هذه المسألة مستثناة من قولهم من تعاطى محرما بسبب الإحرام لزمته كفارة.
وكذلك يستثنى أيضًا الاصطياد إذا أرسل الصيد.
وقد استثناهما معًا سليم الرازي في "الإشارة".
قوله: وإن تعاطى المحرم محظورين أحدهما من قسم الاستهلاك والآخر من قسم الاستمتاع، واستند إلى سبب واحد كما إذا أصاب رأسه شجة واحتاج إلى حلق جوانبها وسترها بضماد فيه طيب لم تتداخل الفدية في أصح الوجهين.
انتهى.
الضماد: بكسر الضاد المعجمة هي العصابة.
قال الجوهري: ضمد الجرح يضمده ضمدًا أي: شدة بالضماد وهي العصابة.
هذا كلامه.
قوله: الحالة الثانية: أن يكونا من قسم الاستهلاك فينظر إن اختلف نوعه كالحلق والقلم فلا تداخل.
ثم قال ما نصه: ولا فرق بين أن يوجد النوعان بفعلين أو في فعل واحد
كما لو لبس ثوبا مطيبًا تلزمه فديتان.
وفي وجه أنه لا تجب إلا فدية واحدة.
انتهى كلامه بحروفه.
واعلم أن ذكر الثوب المطيب ليس لقصد تمثيل المسألة؛ لأن كلامه في الاستهلاكات لا في الاستمتاعات بل ذكره للقياس عليه.
إذا علمت ذلك فاعلم أنه ليس في كلامه ما يدل على أن الوجه هل هو في لبس الثوب الطيب أم في أصل المسألة؟ والسياق يقتضي عوده إلى المسألة المقيسة؛ لأنها المقصودة بالكلام؛ لأن المعهود قياس المختلف فيه على المتفق عليه لا العكس، لكن صرح النووي في "أصل الروضة" بأن الوجه راجع إلى المقيس عليه؛ فاعلمه.
فقال: وفي هذه الصورة وجه ضعيف أنه تلزمه فدية واحدة.
هذه عبارته، وحينئذ فيتوجه على كلام الرافعي الإشكال المشار إليه وهو قياس المتفق عليه على المختلف فيه، وذكر في "الروضة" من "زياداته" أن هذا الوجه هو الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور وذلك بعد أن ذكر هو من عنده في "أصل الروضة" أنه ضعيف كما تقدم.
قوله: ولو حلق ثلاث شعرات في ثلاثة أمكنة أو ثلاثة أزمنة متفرقة، فإن قلنا: كل شعرة تقابل ثلث دم، فلا فرق بين حلقها دفعة أو دفعات، وإن قلنا: الشعرة بمد أو درهم، والشعرتان بمدين أو درهمين، بني على الخلاف في أن تفرق الزمان هل يؤثر أم لا؟ فإن قلنا: إنه يؤثر وهو الأصح قطعنا حكم كل شعرة عن الأخرتين وأوجبنا ثلاثة أمداد في قول وثلاثة دراهم في قول.
انتهى ملخصًا.
والذي قاله من كونه لا فرق بين حلقها دفعة أو في دفعات قد تابعه عليه في "الروضة"، وليس كذلك بل إذا قلنا: إن التفريق يؤثر فواجب كل
شعرة ثلث درهم؛ وحينئذ فيكفيه أن يخرج ثلاثة أثلاث ولا يكلف إخراج دم واحد، بخلاف ما إذا حلقها دفعة واحدة.
وهذا الاستدلال ذكره صاحب "التعجيز" في "شرحه" له نقلًا عن جده، وهو استدراك صحيح.
قوله: الحالة الثالث: أن يكون كلاهما من قسم الاستمتاع؛ فإن اتحد النوع بأن تطيب بأنواع من الطيب ولبس أنواعًا كالعمامة والقميص والسراويل والخف، أو نوعًا واحدًا مرة بعد أخرى نظر إن فعل ذلك في مكان على التوالي لم تتعدد الفدية، ولا يقدح في التوالي طول الزمان في مضاعفة القميص وتكوير العمامة.
وإن فعل ذلك في مكانين أو مكان وتخلل زمان نظر إن لم يتخلل التكفير فقولان: الجديد: يجب للثاني فدية أخرى.
والقديم: تتداخل.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن اللبس إذا تعدد ولكن في محل واحد كما لو لبس قميصًا فوق قميص أو عمامة فوق القبع فإنه لا يجب للثاني شئ بلا خلاف كما قاله الطبري شارح "التنبيه" لأن المحل قد استتر.
قال: ولا يظهر فرق بين أن يلبس فوق ما تجب به الفدية أو تحته؛ إذ المباشرة لا أثر لها بدليل ما لو التف لإحرامه ثم لبس فوقه قميصًا فإن الفدية تجب قطعًا.
الأمر الثاني: أنهم لم يفرقوا بين أن يبدأ بالسراويل أو القميص، وظاهره التسوية في طرد القولين، وذلك ظاهر فيما إذا بدأ بالسراويل، ولو عكس لم يتجه الخلاف؛ فإنه لما لبس القميص ستر محل السراويل بالمخيط ووجبت فيه الفدية فلا تتكرر بساتر آخر مع بقاء الأول كما سبق في
القميص فوق القميص.
كذا نبه عليه أيضًا الطبري المذكور، وهو متجه.
الأمر الثالث: أن ما ذكروه من اختلاف المجلس وإن لم يطل معه الزمان حكمه حكم ما لو طال مخالف لما ذكروه في غير هذه المسألة كما لو يذكر ترك ركن من الصلاة بعد السلام وغيرها.
واعلم أن التكوير الذي وقع في كلام الرافعي قد سبق الكلام عليه في شروط الصلاة.
قوله: وإن تخلل التكفير بينهما فلا خلاف في وجوب فدية أخرى، فإن كان قد نوى بما أخرجه الماضي والمستقبل جميعًا فيبني على أن تقديم الكفارة على الحدث المحظور هل يجوز أم لا؟ إن قلنا: لا، تعددت، وإن قلنا: نعم فوجهان: أحدهما: أن الفدية تلحقه بالكفارة في جواز التقديم فلا يلزمه للثاني شئ.
والثاني: المنع كما لا يجوز للصائم أن يكفر قبل الإفطار.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن السبب الموجب لهذه الكفارة قد يكون محرمًا وقد لا يكون كاللبس للحر والبرد والحلق والطيب للمرض ونحوه.
والتخريج الذي ذكره في جواب المسألة إنما هو جواب لأحد قسميها.
الأمر الثاني: أن القياس على منع الصائم من التقديم يقتضي الاتفاق على المسألة أو ضعف الخلاف فيها، وليس كذلك فإن في جواز تقديمها خلافًا قويًا قد مر في موضعه وهو باب تعجيل الزكاة؛ ولهذا عبر عنه في "الروضة" بالأصح.
ثم إن محل ذلك في كفارة الجماع دون ما وجب بسبب مباح.
النوع السابع: في [إتلاف] 1 الصيد.
قوله [في الروضة] 2: فيحرم عليه كل صيد مأكول أو في أصله مأكول ليس مائيًا، وحشيًا كان أو في أصله وحشي.
انتهى.
وهذه العبارة هي قريبة من عبارة الرافعي أيضًا وهي عبارة غير صحيحة؛ وذلك لأن المتولد من حيوان البر ستة أقسام:
أحدها: المتولد بين وحشيين أحدهما مأكول كالسمع المتولد بين الذئب والضبع.
والثاني: المتولد بين مأكولين أحدهما وحشي كالمتولد بين [الظبي] 3 والشاة.
والثالث: المتولد بين وحشي مأكول وأهلي غير مأكول كحمار الوحش وحمار الأهل.
وهذه الأقسام الثلاثة قد اشتركت في أن كلًا منها في أصله المأكول والمتوحش معًا في ذات واحدة، ولا إشكال في تحريمها.
وأما الثلاثة الأخرى فمتولدة بين شيئين كل منهما لا يقتضي الإحرام تحريمه:
أحدها: عكس المذكور قبله أي: الثالث؛ وهو أن يكون متولدًا بين وحشي غير مأكول وإنسي مأكول كالمتولد بين الذئب والشاة.
الثاني: المتولد بين حيوانين لا يؤكلان أحدهما وحشي كالمتولد بين الحمار والزرافة.
الثالث: المتولد بين أهليين أحدهما غير مأكول كالبغل.
وهذه الأنواع الثلاثة لا نزاع في عدم تحريمها؛ لأن كل واحد منها لا يحرم التعرض لكل واحد من أصله.
وهذه العبارة التي نقلناها عن الرافعي و"الروضة" تقتضي تحريم الأول من هذه الثلاثة الأخيرة.
وليس كذلك.
وقد عبر في "المنهاج" بعبارة صحيحة تدل على التحريم في الثلاثة الأولى وعلى الإباحة في الثلاثة الأخيرة فقال: الخامس: اصطياد كل مأكول برى.
قلت: وكذا المتولد منه ومن غيره.
قوله: نعم يجب في الصيد المملوك مع الجزاء ما بين قيمته حيًا ومذبوحًا لحق المالك.
انتهى كلامه.
وهذا إنما يستقيم إذا قلنا: مذبوح المحرم يحل أكله، أما إذا جعلناه ميتة وهو الأصح فإنه تجب كل القيمة لإتلافه إياه.
وهذا الاعتراض قد استدركه النووي عليه أيضًا.
قال: وقد أوضحه الرافعي بعد هذا في أثناء الباب.
قوله: ولو حلب لبن صيد ضمنه.
قاله كثيرون من أصحابنا العراقيين وغيرهم.
وقال الروياني: لا يضمن.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من ترجيح وجوب الضمان مطلقًا تابعه عليه في "الروضة"، وذكر مثله في "شرح المهذب"، واقتضى كلامه أنه لا فرق بين أن تنقضي قيمة الصيد بذلك أم لا؛ فإنه نقل عقب ذلك عن أبي حنيفة
هذا التفصيل فأشعر كلامه أنه لم ير ذلك لأحد من أصحابنا، لكن رأيت في طبقات الموسوي التفليسي في ترجمة إسحاق بن صغير أن الدارقطني ذكره فيمن روى عن الشافعي فقال: سألت الشافعي عمن حلب عنزًا من الظباء وهو محرم، قال: تقوم العنز باللبن وتقوم بلا لبن فينظر نقص ما بينهما فيتصدق به.
هذا لفظه.
قوله: أما الذي لا يؤكل فلا يحرم التعرض له وهو على أضرب منها ما يستحب قتله للمحرم وغيره وهو المؤذيات؛ كالفواسق الخمس؛ روي أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "خمس يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" 1. وفي معناها: الحية والذئب والأسد والنمر والدب والنسر والعقاب.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره هنا من استحباب قتل الفواسق الخمس قد ذكر في أوائل باب الأطعمة ما يقتضي مخالفته، وأن ذلك على سبيل الوجوب فقال: قال صاحب "التلخيص" وساعده الأصحاب: ما أمر بقتله من الحيوان فهو حرام، والسبب فيه: أن الأمر بقتله إسقاط لحرمته ومنع من اقتنائه، ولو كان مأكولًا لجاز اقتناؤه للقسمين وإعداده للأكل فمن ذلك الفواسق الخمس.. إلى آخره.
الأمر الثاني: أن النووي قد تابعه في "الروضة" على عد العقاب مما يستحب قتله، وجزم في "شرح المهذب" بأنه من القسم الذي لا يستحب قتله ولا يكره، وهو الذي فيه نفع ومضرة.
وهذا الثاني هو الذي جزم به القاضي أبو الطيب في تعليقه.
والحديث المذكور رواه البخاري ومسلم.
[قوله] 1: ومنها التي لا تظهر فيها منفعة ولا مضرة كالخنافس والجعلانات والسرطان والرخمة والكلب الذي ليس بعقور فيكره قتلها.
انتهى.
وما ذكره في الكلب من الكراهة قد وقع فيه اختلاف عجيب في كلامه وكلام النووي، وقد تقدمت المسألة مبسوطة في التيمم.
قوله: ولا يجوز قتل النحل والنمل والخطاف والضفدع لورود النهي عن قتلها.
انتهى.
والمراد بالنمل الوارد هنا إنما هو النمل الكبير المعروف بالسليمانى؛ كذا قاله الخطابي.
وكذلك البغوي في "شرح السنة" وفي أواخر الكتاب قال: وأما الصغير المسمى بالنمل فاسمه الذر وقتله جائز بغير الإحراق والذي قالاه ظاهر؛ لأن الصغير منه يؤذي.
وقد رأيته أيضًا مصرحًا به في "شرح المهذب" المسمى "بالاستقصاء" نقلًا عن "الإيضاح" للصيمري فقال: إن الذي يؤذي منه يجوز قتله، قال: بل يستحب لأنهم سألوا ابن عباس عن قتلها فقال: تلك ضالة لا شئ فيها.
وبالجملة فقد أطلق الشافعي كراهة قتل النمل كما نقله الطبري شارح "التنبيه"، وهو يدل على الجواز على كل حال في الصغير فإنه إما عام أو خاص.
قوله: وأما ما يتولد بين الوحش والإنس كالمتولد من اليعقوب
والدجاجة فيجب الجزاء بذبحه.
انتهى.
اعلم أن يعقوب هذا كيعقوب اسم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وهو الطائر المعروف بالجحل، وقد عبر عنه في باب الأطعمة من "الروضة" بذلك.
نعم عبر الرافعي هناك باليعقوب كما عبر هنا.
قوله: إحداها: لو نصب المحرم شبكة فعقل بها صيد وهلك فعليه الضمان.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق وجوب الضمان ومقتضاه أنه لا فرق بين أن يعقل الصيد في حال الإحرام أو بعد التحلل، وقد صرح البغوي في "فتاويه" بذلك وعلله بالتعدي.
قوله: فإن لم يكن صيد فأرسل الكلب أو حل رباطه فظهر صيد فوجهان: أظهرهما أنه لا يضمن إذ لم يوجد منه قصد الصيد.
وأرجحهما على ما رواه الإمام أنه يضمن لحصول التلف بسبب فعله.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أنه قد رجح في "الشرح الصغير" عكس ما صححه هنا فقال: أرجحهما: الوجوب ولم يذكر ترجيحًا غيره.
الثاني: أنه قد انعكس على النووي ذلك فصحح في "أصل الروضة" أنه يضمن، وعبر بلفظ الأصح واقتصر عليه، ثم إنه في "شرح المهذب" اعتمد على ما في "الروضة" ظنًا منه أنه مطابق لكلام الرافعي فصرح فيه بنقل التصحيح المذكور عن الرافعي فغلط غلطًا آخر، وقد سبق بيان كثير من ذلك في موضعه.
قوله: ولو حفرها في ملكه أو في موات فثلاثة أوجه: أصحها: يضمن
في الحرم دون الإحرام.
زاد النووي في "الروضة" على هذا فقال: قلت: وقيل: إن حفرها للصيد ضمن وإلا فلا.
واختاره صاحب "الحاوي" والله أعلم.
هذا كلامه.
والذي عزاه إلى "الحاوي" ليس فيه كما نقله عنه، بل هو مخالف لكلامه من وجهين.
أحدهما: أنه لم يختر عدم الضمان إذا لم يرد الصيد، بل حكى وجهين من غير ترجيح.
الثاني: أن هذا التفصيل إنما ذكره في المحرم.
وأما حفر الحلال في الحرم فلم يذكره فقال: فصل: إذا حفر المحرم بئرًا فوقع فيها صيد فمات فهذا على ضربين.
ثم قال: والضرب الثاني أن يكون غير متعد بحفرها؛ وذلك أن يحفرها في ملكه أو في صحراء واسعة فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يحفرها لأجل الصيد فهذا ضامن لما وقع فيها من الصيد كما لو طرح شبكة أو نصب حالة.
والضرب الثاني: أن يحفرها للشرب لا للصيد ففي وجوب الجزاء وجهان:
أحدهما: عليه الجزاء لأن موت الصيد كان بسبب منه وإن لم يكن قاصدًا له كالخاطئ.
والوجه الثاني: لا ضمان عليه ولا جزاء كما لو صعد صيد إلى سطحه وتردى إلى داره لم يضمنه فكذلك إذا دخل إلى داره وتردى في بئره لم
يضمنه.
هذا لفظه بحروفه.
قوله: في الفصل مسألتان: إحداهما: لو دل الحلال محرمًا على صيد فقتله وجب الجزاء على المحرم ولا شئ على الحلال.
نعم هو مسئ بالإعانة على المعصية.
ولو دل المحرم حلالًا على صيد فقتله نظر إن كان الصيد في يد المحرم وجب الجزاء.. إلى آخره.
فيه أمران:
أحدهما: أن المراد بالإساءة هنا هو التحريم على ما فسره النووي وعبر به في أصل "الروضة".
ولابد من مجئ الخلاف في نظائره كما إذا باع من لا تجب عليه الجمعة ممن تجب عليه، وقد سبق بيان ذلك في موضعه، وأن نص الشافعي والجمهور يقتضي اختصاص الإثم بمن تجب عليه.
ومثله ما إذا باع العصير ممن يتحقق اتخاذه خمرًا، وغير ذلك.
الأمر الثاني: أن المحرم إذا دل الحلال على الصيد يعصي بذلك.
كذا صرح به الغزالي في "الوجيز" وأهمله الرافعي فلم يشرحه ولم يتعرض لحكم المسألة، وكذلك النووي أيضًا في "الروضة"، لكن الذي قاله الغزالي مشكل؛ فإن الحلال إذا كان يباح له الاصطياد فدلالة المحرم عليه دلالة على مباح وإن كان هو لا يتعاطاه وليس في القواعد ما يدل على اشتراط جواز تعاطي الشئ في جواز الدلالة عليه.
وما ذكره الغزالي من تحريم الدلالة ذكره أيضًا في "شرح المهذب" وزاد
تحريم الإعانة بالإعارة وتحريم التنفير، على أن تحريم التنفير يؤخذ من كلام الرافعي في أثناء الاستدلال.
قوله في أصل "الروضة": ولو أكل المحرم من صيد يحرم عليه أكله وكان الذابح غيره ففي وجوب الجزاء قولان.
ثم قال ما نصه: ولو أكل المحرم ما ذبحه بنفسه لم يلزمه لأكله بعد الذبح شئ آخر بلا خلاف.
انتهى.
وما ادعاه من عدم الخلاف ليس كذلك فقد رأيت في "التحرير" للجرجاني حكاية قولين في هذه المسألة، وجزم بالوجوب في المسألة الأولى؛ وهي ما إذا كان الذابح غيره فقال في تعديد المحرم ما نصه: والرابع عشر: أكل صيد صيد له أو ذبح أو أعان عليه بدلالة أو إشارة أو إعارة سلاح ويضمن الأكل بالجزاء إلا أن يكون ضمنه بالذبح فلا يضمنه بالأكل على أصح القولين.
هذا لفظه بحروفه ومنه نقلت، والرافعي سالم من هذا الاعتراض؛ فإنه لم يدع نفي الخلاف.
قوله: ولو أمسك محرم صيدًا فقتله حلال وجب الجزاء على المحرم، وهل يرجع به على الحلال؟ قال الشيخ أبو حامد: لا؛ لأنه غير ممنوع.
وقال القاضي أبو الطيب: نعم، وهو ما أورده في "التهذيب".
انتهى.
والصحيح ما قاله النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة" هو الأول وهو عدم الرجوع.
قال الطبري -شارح "التنبيه": وما قاله الأول من عدم المنع منه ممنوع فإنه ما دام مضمونًا على المحرم فليس لأحد أن يقرر الضمان عليه بإتلافه في يده لأنه إضرار به.
قوله في المسألة: فإن قتله محرم آخر فوجهان: أظهرهما أن الجزاء كله على القاتل لأنه مباشر.
والثاني: عليهما نصفين.
وقال في "العدة": الصحيح أن الممسك يضمنه بالمسك والقاتل بالإتلاف والقرار على القاتل.
انتهى.
وحاصله أن في المسألة ثلاثة أوجه: أصحها: أن المطالب هو القاتل وحده.
وقد ذكر ما يوافق ذلك أيضا في آخر الباب في الكلام على صيد الحرم، وستعرف لفظه في موضعه.
إذا علمت ذلك فقد أعاد المسألة بعد هذا بدون ورقتين فقال: وإن قتله محرم آخر فالجزاء عليهما أو على القاتل ومن في يده طريق؟
فيه وجهان.
هذا لفظه.
ولم يذكر الوجه الذي صححه أولًا، وهو غريب، على أنه قد وقع له نظير ذلك في مواضع.
ثم ذكرها أيضًا في كتاب الجنايات في اجتماع السبب والمباشرة، ورجح أنه على القاتل ومن في يده طريق كما ذهب إليه صاحب "العدة" فقال: قال الإمام وغيره: هذا هو الظاهر.
هذه عبارته.
ولم يذكر ترجيحًا غيره؛ ولهذا أطلق النووي أنه المذهب.
وليس للمسألة ذكر في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر".
وقد اختلف كلام النووي أيضًا فيها فقال في "شرح المهذب" في باب الإحرام في آخر الكلام على الصيد المأكول: فإذا أمسك المحرم صيدًا فقتله محرم آخر ففيه وجهان: أحدهما: الجزاء عليهما نصفين.
وأصحهما: يجب على القاتل والممسك طريق في الضمان.
انتهى كلامه.
وقال في باب ما يجب بمحظورات الإحرام في أثناء فرع أوله إذا قتل المحرم صيدًا بعد صيد ما نصه: ولو أمسك المحرم صيدًا فقتله محرم آخر فثلاثة أوجه:
أصحها: يجب الجزاء كله على القاتل؛ لأنه وجد من الممسك سبب ومن القاتل مباشرة؛ فوجب تقديم المباشرة كما في قتل الآدمي وغيره.
والثاني: يجب الجزاء بينهما نصفين لأنهما من أهل ضمانته.
وهذا ينتقض بضمان الآدمي.
وبهذا الوجه قطع المصنف في "التنبيه".
والثالث: قاله القاضي أبو الطيب وصححه أبو المكارم: يجب على كل واحد منهما، فإن أخرج الممسك رجع على القاتل وإن أخرج القاتل لم يرجع به على الممسك كما لو غصب شيئًا وأتلفه آخر.
قال في "الشامل": هذا الوجه أقيس عندي.
انتهى لفظه بحروفه.
وهو اختلاف فاحش؛ فإن الذي صححه هنا لم يذكره أولًا البتة، وقد وقع له هذا الاختلاف الفاحش في "الروضة" أيضًا؛ فإنه تبع الرافعي على ما ذكره هنا وفي كتاب الجنايات، وصحح من زياداته في الموضع الذي حكى فيه الرافعي وجهين من غير تصحيح ما يوافق المذكور في الجنايات.
قوله من "زياداته": قال صاحب "البحر": لو رمى حلال صيدًا ثم أحرم ثم أصابه ضمنه على الأصح.
ولو رمى محرم ثم تحلل بأن قص شعره ثم أصابه فوجهان.
انتهى.
والأصح من الوجهين الأخيرين هو وجوب الضمان.
كذا جزم به الرافعي بعد هذا في الكلام على تحريم صيد الحرم، وجزم أيضًا بالتي قبلها، ونقلهما النووي كذلك أيضًا.
قوله: بل لو تولد تلف الصيد ما في يده لزمه الضمان كما لو كان راكبًا دابته فأتلفت صيدا بعضها أو رفسها.
وكذا لو بالت في الطريق فزلق به صيد وهلك كما لو زلق به آدمي أو بهيمة؛ أي: فإنه يضمن.
انتهى.
وما ذكره في الآدمي والبهيمة من الضمان وجزم به قد جزم بما يخالفه في كتاب الجنايات في الكلام على ضمان البهائم.
وستعرف لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله: فإن كان في ملكه صيد فهل يلزمه رفع اليد عنه؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ كما لا يلزمه تسريح زوجته.
والثاني: نعم؛ لأن الصيد لا يراد للدوام فتحرم استدامته كالطيب واللباس.
وهذا أصح القولين على ما ذكره المحاملي والكرخي وغيرهما من العراقيين.
انتهى.
وما ذكره في استدلاله على القول الثاني من تحريم استدامة الطيب عجيب؛ فقد سبق منه في أول باب سنن الإحرام الجزم بجواز ذلك، وهو المعروف.
ولم يتعرض في "الروضة" لذلك هنا فسلم من الاختلاف.
واقتصر الشيخ في "المهذب" على القياس على اللباس.
قوله: في "أصل الروضة": ولو مات الصيد قبل إمكان الإرسال وجب
الجزاء على الأصح.
انتهى.
والذي قاله من وجوب الجزاء مشكل؛ فإنه قد ذكر هو والرافعي وغيرهما أنه لا يجب تقديم الإرسال على الإحرام بلا خلاف وحينئذ فينبغي الجزم بعدم الضمان؛ لأنه لم يوجد منه إتلاف ولا تقصير في الإرسال؛ يؤيده أنهم قالوا بعدم الضمان فيما إذا نذر التضحية بشاة معينة ثم ماتت يوم النحر وقبل إمكان الذبح، وبالجملة فالرافعي لم يصححه وإنما نقل عن الإمام أنه المذهب.
قوله فيها أيضًا: ولو اشترى المحرم صيدًا أو انتهبه أو أوصى له به فقيل: لم يصح ذلك في الأظهر.
ويدل على المنع ما روي أن الصعب بن جثامة أهدي لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حمارًا وحشيًا فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم 1.
ثم قال ما نصه: فإن لم نصحح هذه العقود فليس له القبض، فإن قبض فهلك في يده لزمه الجزاء ولزمه القيمة للبائع.
قلت: كذا ذكر الإمام الرافعي هنا أنه إذا هلك في يده ضمنه بالقيمة للآدمي مع الجزاء.
هذا في الشراء صحيح، أما في الهبة فلا تضمن القيمة على الأصح؛ لأن العقد الفاسد كالصحيح في الضمان والهبة غير مضمونة.
انتهى كلامه.
واعتراضه عليه عجيب؛ فإن الرافعي لم يذكر هنا أنه تلزمه القيمة للمالك حتى يدخل فيه الوارث، بل احترز عن الوارث بتعبيره بالبائع، وقد نقله هو عنه كذلك قبل استدراكه عليه بقليل كما تقدم لك من عبارته.
ثم إن النووي لما وقع له في "الروضة" ما وقع اعترض عليه في "شرح
المهذب" ظنًا منه أن ما في "الروضة" مطابق لكلام الرافعي فقال ما نصه: وأشار جماعة من الخراسانيين إلى القطع بالضمان.
وقد اغتر الرافعي بهذا فوافق إشاراتهم فقطع هنا بالضمان مع تصحيحه العكس في كتاب الهبة؛ فكأنه لم يتذكره في هذا الموطن.
هذا كلامه.
وهو غريب، وأغرب منه دعواه أن الرافعي قطع به.
ثم إن دعواه في "شرح المهذب" أن الرافعي قد صحح في كتاب الهبة عدم الضمان، فليس كذلك أيضًا؛ فإنه إنما حكى وجهين من غير ترجيح.
واعلم أنه قد عبر في "الشرح الصغير" بالمالك ولم يقيده بالبائع كما قيده في "الكبير"، وهو يقتضي الضمان للواهب.
والصعب المذكور في الحديث بصاد مفتوحة وعين ساكنة مهملتين.
وجثامة: بجيم مفتوحة ثم ثاء مثلثة مشددة.
وحديثه هذا رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عباس من طرق.
قوله في المسألة بعينها: وإن رده عليه سقطت القيمة ولا يسقط ضمان الجزاء إلا بالإرسال، وإذا أرسل كان كما إذا اشترى عبدًا مرتدًا فقتل في يده.
وفي أنه من ضمان من يتلف خلاف سنذكره في موضعه.
انتهى كلامه.
وما ذكره -رحمه الله- من أنه إذا أرسل كان كقتل العبد المرتد في يد المشتري سهو؛ فإن كلامه فيما إذا اشترى المحرم الصيد.
والمقتضي للإرسال في هذه المسألة إنما وجد في يد المشتري فكيف يتصور تخريجه على الخلاف في المرتد؛ فإن الردة هناك وجدت في يد البائع.
وإنما صورة المسألة التي تتخرج على المرتد أن يكون المحرم بائعًا للصيد، وقد أوضحه الغزالي فقال: فإن صححنا الشراء فباعه المحرم حرم
البيع ولكن ينعقد ويجب على المشتري إرساله.
فإذا أرسله فهل يكون من ضمان البائع؟
فيه الخلاف فيمن باع مرتدًا فقتل في يد المشترى، وزاده الإمام إيضاحًا فقال: قال الأئمة: إذا باع الحرم صيدًا أمرناه بإطلاقه ووجب على المشتري إرساله.
قال: فإن استبعد العقبة ذلك فهو كتصحيحنا من المشتري شراؤه مع أمرنا إياه بإرساله.
ثم إذا أرسله المشتري بعد قبضه أيصل هذا بالتفريع فيمن اشترى مرتدًا فقتل في يده بالردة فمن ضمان من هو؟ وفيه خلاف.
قال: ولعل الوجه القطع هنا بأن إرساله من ضمان التابع وجهًا المرتد قد تقبل لردة حالته والظهرات تتجدد والسبب الذي علق به وجوب الإرسال دائم لا تجدد فيه هذا كلامه.
واعلم أن بيع المرتد الذي أحال الرافعي هنا عليه محله في أوائل خيار العيب.
والصحيح فيه أنه من ضمان البائع إن كان المشتري جاهلًا بالحال حتى يرجع على البائع بجميع الثمن.
فإن كان عالمًا أو علم ولم يرد لم يرجع بشئ، وقيل: يرجع بالثمن.
قوله: الثانية: إذا مات للمحرم قريب وفي ملكه صيد هل يرثه؟ إن جوزنا الشراء وغيره من الأسباب الاختيارية فنعم، وإلا فوجهان؛ والأظهر ثبوته لأنه لا اختيار فيه.
انتهى كلامه.
واعلم أن النووي لما نقل هذا الكلام في "شرح المهذب" ذكر عقبه عن
المتولي والقاضي أبي الطيب أن القول بالتوريث إنما يتصور على قولنا: إن الإحرام لا يزيل الملك عن الصيد.
فأما إذا قلنا بالقول الآخر وهو أنه يزيله فإنه لا يدخل في ملكه.
ثم نقل عن الإمام أنه نقل عن العراقيين عكسه فقالوا: إن محل الوجهين إذا قلنا الإحرام يقطع دوام الملك.
ثم قال النووي: إن الجمهور لم يتعرضوا لذلك.
قال: وما نقله الإمام عن العراقيين غريب.
ومقتضى ما قال النووي عدم الإنكار على أبي الطيب والمتولي، ويلزم منه أن يكون الراجح في المسألة من حيث الجملة عدم الإرث.
قوله: وعلى هذا يعني القول بالإرث فقد ذكر الإمام وصاحب "الكتاب" أنه يزول ملكه عقب ثبوته بناء على زوال الملك بالإحرام.
وفي "التهذيب" وغيره خلافه.
وإن قلنا: لا يرثه، فقال في "التتمة": يكون الصيد لباقي الورثة.
وقال الكرخي: يكون أحق به فيوقف حتى يتحلل.
انتهى ملخصًا.
فأما المسألة الأولى -وهي زوال الملك فلم يصحح فيها شيئًا أيضًا في "الشرح الصغير" ولا في "الروضة" ولم يذكرها في "المحرر" والصحيح أنه لا يزول؛ كذا صححه النووي في "شرح المهذب" فقال: وهذا الذي أضافه إلى "التهذيب" وغيره هو الصحيح المشهور الذي قطع به المحاملي وآخرون.
قال المحاملي في "المجموع": إذا قلنا أنه يملكه بالإرث كان ملكًا له يتصرف فيه كيف شاء إلا القتل والإتلاف..
هذا كلام النووي.
لكن ذكرها في "الحاوي الصغير" وقال: إنه يزول.
وأما الثانية فصحح النووي من "زياداته" قول الكرخي وقال: إنه الصحيح بل الصواب المعروف في المذهب.
وذكر مثله أيضًا في "شرح المهذب" وزاد فيه فقال: إنه على هذا القول يكون ملكًا للميت إلى التحلل؛ وحينئذ فمعنى قول الرافعي يوقف أي: يوقف تسليم الصيد إليه، ولا يريد أن الملك يكون موقوفًا.
قوله: المسألة الثانية: الناس كالعامد في وجوب الجزاء.
ثم قال: وخرج بعض الأصحاب في وجوب الضمان على الناس قولين.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من تصحيح القطع قد ذكر قبل ذلك في الكلام على الحلق عكسه، وقد تقدم ذكر لفظه هناك، فراجعه، وهو اختلاف عجيب وقع أيضًا في "الشرح الصغير" و"الروضة".
والصواب المذكور هناك وهو التخريج فإنه قد نقله هناك عن الأكثرين.
الأمر الثاني: أن الصحيح على طريقة القولين هو الوجوب أيضًا.
كذا صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي، فاعلمه.
قوله: ولو أحرم ثم جن فقتل صيدًا ففي وجوب الجزاء قولان.
وجه المنع أن الصيد على الإباحة، وإنما يخاطب بترك التعرض له من هو من أهل التكليف.
انتهى.
والأصح عدم الوجوب.
كذا صححه النووي في "شرح المهذب" وفي "زيادات الروضة"، وفيه إشكال؛ لأن الإتلاف لا فرق فيها بين المجنون
والعاقل؛ ولهذا لما صححه في "شرح المهذب" قال: إن الأقيس خلافه.
قوله: ولو ركب إنسان صيدًا وصال على المحرم ولم يمكن دفعه إلا بقتل الصيد فقتله، فالذي أورده الأكثرون أنه يجب عليه الضمان لأن الأذى هاهنا ليس من الصيد.
وحكى الإمام أن القفال ذكر فيه قولين:
أحدهما: أن الضمان على الراكب ولا يطالب به المحرم.
والثاني: يطالب المحرم به ويرجع بما غرم على الراكب.
انتهى كلامه.
وهذا الخلاف المذكور في الطريقة الثانية قد جعله في "الروضة" وجهين فقال: وذكر القفال فيه وجهين.
هذه عبارته.
والمذكور في "النهاية" وكتب الغزالي وغيره هو القولان كما ذكره الرافعي.
وكلام "الكفاية" أيضًا هنا غير محرر.
قوله: ولو أكره المحرم أو الحلال في الحرم على قتل صيد فقتله فوجهان:
أحدهما: أن الجزاء على المكره.
والثاني: على المكره ثم يرجع على المكره.
انتهى.
والأصح هو الثاني؛ وهو الوجوب على القاتل ثم يرجع به على الآمر.
كذا صححه الرافعي في أوائل الجنايات في الكلام على الإكراه على القتل، وعبر بالأصح.
وحكى مع ما قاله هنا وجهين آخرين:
أحدهما: أنه عليهما، والثاني: على المتلف فقط.
وجعل هذه الأوجه في الصيد وفي سائر الإتلافات التي حصل الإكراه عليها.
وما صححه الرافعي هناك قد صححه أيضًا النووي هنا في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".
قوله من "زياداته": قال صاحب "البحر": قال أصحابنا: إذا كسر بيض صيد فحكم البيض حكم الصيد إذا ذبحه فيحرم عليه قطعا، وفي غيره القولان وكذا إذا كسره في الحرم.
قال أصحابنا: وكذا لو قتل المحرم الجراد قال: وقيل: يحل البيض لغيره قطعًا بخلاف الصيد المذبوح على أحد القولين لأن إباحته تقف على الذكاة بخلاف البيض؛ ولهذا لو بلعه إنسان قبل كسره لم يحرم.
وهذا اختيار الشيخ أبي حامد والقاضي الطبري.
قال الروياني: وهو الصحيح.
انتهى.
كلام النووي.
وليس فيه إطلاق تصحيح شئ من الطريقين، وقد صحح الحل في "شرح المهذب" فقال في الكلام على تحريم ما ذبحه: أما إذا كسر المحرم بيض صيد أو قلاه فيحرم عليه بلا خلاف، وفي تحريمه على غيره طريقان: أشهرهما وهي التي اختارها المصنف في الفصل الذي بعد هذا أنه على القولين كاللحم؛ الجديد: تحريمه، والقديم: إباحته.
والطريق الثانية: القطع بإباحته، وهذا الطريق هو الصواب.
انتهى ملخصًا.
وذكر بعده بنحو سبعة أوراق أن طريقة القطع بالإباحة أصح، ولم يذكر معها أن الأشهر طريقة القولين كما ذكره أولا.
قال -رحمه الله-: النظر الثاني في الواجب.
قوله في "أصل الروضة": فحصل من هذا أنه في المثلى مخير بين الحيوان والطعام والصيام، وفي غيره مخير بين الطعام والصيام.
هذه هو
المذهب والمقطوع به في كتب الشافعي والأصحاب.
وروى أبو ثور قولًا: إنها على الترتيب.
انتهى كلامه.
وما ذكره من القطع به في كتب الشافعي ليس كذلك؛ فقد حكى في "التقريب" عن "المناسك الكبير" للشافعي فيه احتمالين، وهو من الكتب الجديدة فقال: قال في "المناسك الكبير" بعد ذكر الآية في جزاء الصيد: فاحتمل أن يكون بالخيار؛ بأن يفتدي بأي ذلك شاء وهو أظهر معانيه، ويحتمل أن يكون عليه الهدي إن وجده، فإن لم يجده فطعام، فإن لم يجده فصوم.
هذا لفظه بحروفه، ومن "التقريب" نقلت.
واحتمالات الشافعي عند الأصحاب معدودة من الأقوال على كل حال تثبت بطلان ما ادعاه من القطع؛ ولهذا لم يذكره الرافعي.
قوله: وإذا لم يكن الصيد مثليا فالعبرة في قيمته بمحل الإتلاف، وإن كان مثليا وأراد تقويم مثله من النعم ليرجع إلى الإطعام أو الصيام فالعبرة في القيمة بمكة يومئذ لأنها محل ذبحه، فإذا عدل عن الذبح وجبت قيمته بمحل ذبحه.
هذا نصه في المسألتين وهو المذهب وقيل: فيهما قولان.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: ولنقدم عليه مقدمة، وهي: أن المذهب المنصوص عليه كما قاله النووي في "شرح المهذب" وابن الرفعة في "الكفاية": أن المعتبر في المثلى والحالة هذه بمكة إنما هو بيوم الرجوع إلى الإطعام لإخراجه أو للصيام بعدله لا بيوم الإتلاف؛ وحينئذ فقول الرافعي يومئذ لا يعود إلى الإتلاف بل ليوم التقويم لإخراج الطعام أو ليصوم.
إذا تقرر هذا فقد عبر عنه في "الروضة" بقوله: وإذا لم يكن الصيد مثليا فالمعتبر قيمته محل الإتلاف وإلا فقيمته بمكة يومئذ.
هذه عبارته.
فقوله: (وإلا) أي: وإن كان مثليًا كما علم من كلام الرافعي وإن كان يوهم أن المراد أنه إذا تعذر التقويم لمحل الإتلاف فكان الصواب هو التعبير بعبارة الرافعي.
وإذا علمت ذلك علمت أن مدلول لفظ "الروضة" أن المعتبر في المثل قيمته بمكة يوم الإتلاف، وهو خطأ مخالف لكلام الأصحاب في اعتبار يوم التقويم ولكلام الرافعي وللذي صححه هو ما تقدم إيضاحه.
وقد غلط أيضًا في "شرح المهذب" فإنه فرض الكلام في مكان القيمة ولم يستوفيه ثم انتقل منه إلى الكلام في زمانها.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ترك التصريح بزمان القيمة فيما لا مثل له، والمذهب المنصوص أنه يوم الإتلاف على خلاف ما سبق في المثلى.
ولا شك أن في كل من الأمرين نصين وتخريجين؛ فالرافعي استوفاه في المكان ولا يظهر منه حكم الزمان، والنووي عكسه.
قوله: وحيث اعتبرنا قيمة مكان الإتلاف فقد ذكر الإمام احتمالين في أن المعتبر في الصرف إلى الطعام سعر الطعام في ذلك المكان أيضًا أو سعر الطعام بمكة، والظاهر منهما الثاني.
انتهى.
وذكر في "الروضة" مثله أيضًا، وكلامهما يشعر بأنهما لم يقفا في المسألة على نقل، وقد صرح بها الفوراني في "العمد" وجزم بالاحتمال الذي رجحه الرافعي، وكذلك الروياني في "البحر" في أول باب جزاء الصيد.
قوله: وقد حكم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الضبع بكبش 1. انتهى.
واعلم أن الضبع في اللغة هو الأنثى من هذا الحيوان، وأما الذكر فإنه ضبعان بضاد مكسورة ثم باء ساكنه وفي آخره نون؛ فيكون واجب الضبع في الحقيقة إنما هو نعجة لا كبش، وأما الحديث فورد فيه التعبير بأحدهما عن الآخر مجازًا.
نعم: رأيت في كتاب "الموعب في اللغة" لأبي غالب المعروف بابن [اليماني] 1 عن ابن الأنباري أن الضبع يطلق على الذكر والأنثى، وكذلك حكاه ابن هشام الخضراوي في كتاب "الإفصاح" هو كذا "الإيضاح" للفارس عن أبي العباس وغيره، والمعروف المجزوم به في "الصحاح" و"المحكم" ما ذكره أولًا من اختصاصه بالمؤنث.
والحديث المذكور قال البيهقي: قال الترمذي: سألت عنه البخاري فقال: إنه حديث صحيح.
قوله: وعن عثمان - رضي الله عنه - أنه حكم في أم حبين بحلان، ويقال فيه بالميم.
انتهى.
حبين: بحاء مهملة مضمومة ثم باء موحدة مفتوحة بعدها ياء بنقطتين من تحت ثم نون: تصغير حبين وهو الذي استلقى ونفخ بطنه.
قال الجويني: أرى هذا الحيوان من صغار الضب.
وحلان بالمهملة أيضًا وفي آخره نون ذكره الجوهري وغيره، وهو بتشديد = (1941) وابن حبان (3964) والدارقطني (2/ 245) وأبو يعلي (2159) والبيهقي في "الكبرى" (9654) والطحاوي في "شرح المعانى" (3482) وابن الجارود في "المنتقى" (439) وابن الغطريف في "جزء ابن الغطريف" (78) من حديث جابر - رضي الله عنه -. قال الترمذي: حسن صحيح.
وصححه البخاري فيما نقله الترمذي عنه في "العلل"، قال الحاكم: صحيح.
وقال الألباني: صحيح.
اللام.
قوله في "أصل الروضة": أما العناق فالأنثي من المعز من حين تولد إلى أن ترعى، والجفرة: الأنثى من ولد المعز تفطم وتفصل عن أمها فتأخذ في الرعي؛ وذلك بعد أربعة أشهر، والذكر: جفر.
هذا معناهما في اللغة.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا في تفسير العناق قد ذكر ما يخالفه في "لغات التنبيه" وفي "دقائق المنهاج" فقال ما نصه: العناق بفتح العين هي الأنثى من أولاد المعز إذا قويت ما لم تستكمل سنة.
انتهى كلامه فيهما، وهو مخالف من وجهين:
أحدهما: أنه شرط في إطلاق العناق أن تكون قد قويت، وقال أولًا: إنها تطلق من حين الولادة.
الثاني: أنه نقل ثانيًا عنهم إطلاق ذلك إلى سنة، ونقل أولًا إطلاقه إلى أربعة أشهر، وذكر في "تهذيب الأسماء واللغات" في فصل حصر كما ذكر في "الروضة" أعني في العناق، ثم تكلم أيضًا عليها في فصل عنق فقال نقلًا عن الأزهري أن العناق: الأنثى من أولاد المعز إذا أتت عليها سنة.
هذا لفظه.
واقتصر عليه، والذي نقله عنه سهو على العكس مما ذكره؛ فتذكر كلامه لاحتياجنا إليه في هذا وفي غيره؛ فقال في الزكاة في شرحه لألفاظ "المختصر" ما نصه: وأما أسنان الغنم فساعة تضعها أمها من الضأن والمعز ذكرًا كان أو أنثى: سخلة وجمعها سخال.
ثم هي بهمة أي: بفتح الباء الموحدة للذكر والأنثى وجمعها بهم، فإذا بلغت أربعة أشهر فصلت عن
أمهاتها فما كان من أولاد المعز فهي جفار واحدها: جفر، والأنثى جفرة، فإذا رعى وقوى فهو عريض وعتود وجمعهما: عرضان وعتدان، وهو في ذلك كله جدي، والأنثى عناق ما لم يأت عليها الحول، وجمعها عنوق، والذكر تيس إذا أتى عليه الحول، والأنثى عير ثم تجذع في السنة الثانية فالذكر جذع والأنثى جذعة هذا كلام الأزهري.
قوله: وعن بعضهم أن في الأيل بقرة.
انتهى.
الأيل بياء مشددة بنقطتين من تحت قبلها همزة بضم وبكسر والضم أرجح: هو ذكر الوعول.
قاله في "تهذيب الأسماء واللغات".
قال: ورأيته في المجمل مضبوطًا بكسر الهمزة فقط.
قوله: الثاني: قد تجد أن في كتب بعض الأصحاب أن في الظبي كبشا وفي الغزال عنزًا، وهكذا أورده أبو القاسم الكرخي، وزعم أن الظبي ذكر الغزلان وأن الغزال الأنثى.
قال الإمام: والذي ذكره هؤلاء وهم، بل الصحيح أن في الظبي عنزًا شديد الشبه بها؛ فإنه أجرد متقلص الذنب، وأما الغزال فهو ولد الظبي فيجب فيه ما يجب في الصغار.
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن الإمام من نسبة قائل ذلك إلى الوهم وسكت عليه قد جزم به في "الشرح الصغير" من غير تقييد لنقل عن الإمام، وصوبه النووي في "شرح المهذب" وفي "الروضة" فقال: قول الإمام هو الصواب.
قال: ونص أهل اللغة على أن الغزال ولد الظبية إلى حين يقوى ويطلع قرناه ثم تسمى الأنثى ظبية والذكر ظبيًا.
انتهى.
والكلام على ذلك من وجوه:
أحدها: أن ما ذكرناه من لفظ الكبش بالكاف والشين المعجمة فقد وقع في الرافعي، وكذلك في "الروضة" وقد تقرر مما سبق أن الغزال اسم للصغير والضبي اسم للكبير، وأن الظبي هو الذكر وأن واجب هذا الجنس هو المعز فيلزم بالضرورة أن يكون الواجب كبيرًا من ذكور المعز فيكون واجبه تيسًا بالتاء والسين المهملة، وهذا هو الذي وقع في كتب بعض الأصحاب؛ فإن الإمام نقله عن العراقيين فقال: وفي طرق العراق كتب وكتب إلا أنه عبر بقوله الكبش فقال في الظبي كبش وفي الغزال عنز، ولما نقل ابن الرفعة ذلك عن العراقيين، وعبر بالتيس فقال نقلًا عنهم وعن الماوردي: وقالوا: يجب في الظبي تيس؛ وهو الذكر من المعز.
هذا لفظه.
والتيس قريب التحريف بالكبش فتحرف بلا شك؛ فحصل الإنكار ممن صادف تلك النسخة المحرفة، والعجب من الإمام ومن تبعه كالرافعي حيث ذهلا عن ذلك مع أن هذا القائل لما توهم أن الغزالي هي أنثى الظباء أوجب العنز وهي من إناث المعز، ولا يتصور أن يختلف الذكر والأنثى في الجنس الواجب بل متي وجب في الذكر ذكر من ذلك الجنس أيضًا فيكون إيجابه للعنز في الأنثى دليلًا على أن الذي أوجبه في الظبي إنما هو تيس لا كبش، وقد رأيت في "شرح كفاية" الصيمري للبيضاوي التعبير بالتيس -أعني بالتاء- لكنه أوجبه في الغزال وفي الظبي عنز وفي الغزال تيس.
الثاني: أن ما قاله الإمام وارتضاه الرافعي وصوبه النووي من أن الواجب في الظبي إنما هو العنز غلط فاحش؛ فإن الظبي من الذكور والعنز من الإناث كما تقدم من كلام الأزهري في المسألة السابقة، وصرح بهما جميعًا النووي في كتبه "كالتهذيب" و"اللغات" و"الدقائق"، بل الصواب أن في الظبي تيسًا كما قاله القائل المردود عليه بسبب التحريف.
الثالث: في تقرير الاعتراض الوارد على إيجاب العنز في الغزال، وهو اعتراض صحيح غير أنه لم يفصح عنه وتقريره أن الغزال يطلق على الذكر والأنثى من صغار هذا الجنس كما تقدم؛ فقد تقدم فيما نقلناه عن الأزهري أن العنز هي الأنثى التي لها سنة ودخلت في الثانية فلا يمكن إيجابها في الغزال لأمرين:
أحدهما: كبرها وصغر الغزال.
والثاني: أن الغزال قد يكون ذكرًا فلا يمكن إيجاب الأنثى فيه.
إذا علمت تقرير الاعتراض وصحته فاعلم أن الرافعي قد خالف ذلك فجزم في "المحرر" بموافقة هذا القائل في إيجابه العنز في الغزال وتبعه عليه النووي في "المنهاج" و"المناسك" فجزم به أيضًا، وأقر الشيخ على ذلك فلم ينبه عليه في تصحيحه هذا مع قوله: إنه وهم.
قوله: وأما ما لم ينقل فيه عن السلف شئ فيرجع فيه إلى قول عدلين وليكونا فقيهين كيسين.
انتهى.
وهذه العبارة ذكرها أيضًا في "الشرح الصغير" وليس فيها تصريح بل ذلك على سبيل الإيجاب أو الاستحباب.
فأما الكياسة فهي الفطنة كما قاله في "الروضة" وأبدلها بها؛ فوجوبها ظاهر.
وأما الفقيه فاختلفوا فيه؛ فنقل الماوردي في "الحاوي" عن الشافعي أنه واجب ولم يذكر خلافه فقال: قال الشافعي: ولا يجوز لأحد أن يحكم إلا أن يكون فقيهًا لأنه حكم فلم يجز إلا بقوله من يجوز حكمه.
ورأيت في "التقرير" عن "الإملاء" نحوه.
وكلامه في "الروضة" يشعر به؛ فإنه قال: يرجع فيه إلى قول عدلين فقيهين فطنين، لكن نقل في "شرح المهذب" عن الشافعي والأصحاب أنه على سبيل الاستحباب.
والصواب الأول، وقياسه أن لا يكتفي بالمرأة والعبد أيضًا.
وأما على المذكور في "شرح المهذب" ففيه نظر.
وقد سكت الرافعي والجمهور عن الرجوع إلى العدلين بالنسبة إلى القيمة، وقد صرح باشتراطه في "التنبيه"، وكذلك الروياني والماوردي أيضًا في الكلام على إتلاف البيض.
قوله: ولا يجوز أن يكون قاتل الصيد أحد الحكمين إن قتل عمدًا؛ لأنه فاسق.
فإن قتل خطأ أو اضطرارًا إليه جاز في أصح الوجهين.
انتهى.
وتعليله بالفسق يقتضي الجواز إذا تاب، وهو واضح.
قوله: أما الحمام ففيه شاة، وما مستند ذلك ففيه وجهان:
أحدهما: أن إيجابها لما بينهما من الشبه فإن كل واحد منهما يألف البيوت ويأنس بالناس.
وأصحهما: أن مستنده توقيف تابعهم فيه.
ثم قال: والمشهور أن اسم الحمام يقع على كل ما عب وهدر؛ فيدخل
فيه اليمام وهي التي تألف البيوت والقمري والفاختة والدبسي والقطة.
انتهى.
وهذا الذي رجحه الرافعي قد نص عليه الشافعي في "المختصر"، وكذلك في "الأم" فقال في كتاب "اختلاف مالك والشافعي" في باب ما جاء في الصيد ما نصه: فأما الطير فلا مثل له ومثله قيمته، إلا أن في حمام مكة.
انتهى.
وذكر مثله أيضًا في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى في باب الحج.
إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن فائدة الخلاف ما إذا كان الحمام صغيرًا هل تجب فيه سخلة أو شاة.
وهذه الفائدة ذكرها الفوراني في "العمد" والماوردي في "الحاوي"، وذكر صاحب "التقريب" هذا التردد مع القول بأن المدرك هو الاتباع، ونقل في "التقريب" عن نصه في "الإملاء" ما يوافقه فقال: قالوا: في حمام مكة شاة فقلنا به اتباعًا وزعمنا أن كل حمام من حمام مكة وغيرها قتل بمكة أو خارجًا منها ففيه شاة إن كان الحمام كبيرًا، وإن كان صغيرًا ففيه شاة صغيرة.
هذا كلامه.
وجب الشاة الصغيرة وهي السلخة مع القول بأن سببه الاتباع، ونقل الرافعي عن الشيخ أبي محمد أن الخلاف فيما لو قتل طائر أكبر من الحمام أو مثله يبني على هذا؛ فإن قلنا: المستند هو التوقيف أوجبنا الشاة، وإن قلنا: المشابهة أوجبنا القيمة.
وإذا أوجبنا الشاة فقال في "التقريب": يجوز أن يجب فيما هو أكبر من الحمام شاة أكبر من الشاة الواجبة في الحمام.
الأمر الثاني: أن النووي -رحمه الله- قد أسقط هذه المسألة من "الروضة" وكأنه ظن أنه خلاف لفظي لا فائدة له.
الثالث: أن التعليل الذي ذكره -وهو إلفه البيوت واستئناسه بالناس- لا يستقيم في الحمام مطلقًا؛ لفقدانه في غالب أنواع الحمام كالفواخت وغيرها، وقد تقدم من كلامه أن المشهور إطلاق اسم الحمام على الجميع.
قوله: وأما عنزة، فإن كان أصغر من الحمام جثة كالزرزور والصعوة والبلبل والقنبرة والوطواط ففيه القيمة.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره من وجوب القيمة في الوطواط قد تبعه عليه في "الروضة"، وهو غير مستقيم؛ وذلك لأن القاعدة التي ذكرها هو وغيره أن ما لا يحل أكله لا يحرم على المحرم التعرض له ولا يجب الجزاء بقتله إلا المتولد من المأكول وغيره تغليبًا للحرمة، والوطواط لا يحل أكله كما قاله في باب الأطعمة، وعبر بالخفاش، ولم يحك فيه خلافًا، إلا أنه حاول جريان وجه ضعيف فيه من مسألة أخرى، وإذا تقرر أنه لا يحل أكله لزم ألا يجب بقتله شئ.
وكذلك لم يتعرض لذكره في "الشرح الصغير" على أن الرافعي مسبوق بذلك وأول من ذكره -فيما علمت- صاحب "التقريب"، وأشعر كلامه بأن الشافعي قد ذكره.
ورأيت في "اللباب" للمحاملي أن اليربوع لا يحل أكله.
قال: ويجب فيه الجزاء في أصح القولين.
والذي ذكره غريب.
ورأيت في "فروع" ابن القطان التي نقلها عنه ابن كج أن أبا عبد الرحمن
الشافعي -وهو ابن بنت الشافعي- ذهب إلى أن ما لا مثل له لا شئ فيه بالكلية.
وتاريخ فراغ النسخة التي نقلت منها سنة ثمانين وأربعمائة.
واعلم أن القبرة: بقاف مضمومة ثم باء موجودة مشددة مفتوحة: اسم للطائر المعروف، جمعه: قبر: بحذف الهاء.
قال طرفة وكان يصطاد هذا الطائر في صباه:
يا لك من قبرة بمعمر... خلا الجو فبيضى واصفرى
ونقري ما شئت أن تنقرى... قد ذهب الصياد عنك فأبشرى
لابد من أخذك يومًا فاحذرى
أنشده الجوهري.
وقال: إن فيه لغة أخرى؛ وهي القنبرا بنون ثم باء مضمومة وبالمد في آخره، وجمعه: قنابر.
وقول طرفة: بمعمر: بميم مفتوحة وعين ساكنة، وهو المنزل الكثير الماء والمرعى.
قوله: ويجوز فداء الذكر بالأنثى في أصح القولين.
وهل هو أولى؟
قال بعضهم: نعم لأن لحمها أرطب.
وقيل: لا، لأن كم الذكر أطيب.
انتهى ملخصًا.
والأصح أنه ليس أولى، بل الأولى الذكر للخروج من الخلاف.
كذا
صححه النووي في كتبه "كشرح المهذب" و"زيادات الروضة" و"تصحيح التنبيه".
قوله: وهل يجوز فداء الأنثى بالذكر؟ فيه وجهان، ويقال: قولان.
انتهى ملخصًا.
ولم يصحح في "الشرح الصغير" أيضًا شيئًا منهما والأصح هو الجواز.
كذا صححه النووي في كتبه "كشرح المهذب" و"الروضة"، واختار صاحب "الحاوي الصغير" المنع.
قوله: الفرع الثاني: إذا قتل صيدًا حاملًا من ظبية وغيرها قابلناه بمثله من النعم حاملًا.
ثم قال ما نصه: فيقوم المثل حاملًا ويتصدق بقيمته طعامًا.
وفي وجه: يجوز أن يذبح حاملًا نفيسا بقيمة حامل.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على الاقتصار على التصدق بالقيمة، وهو يشعر بتعين ذلك وأنه لا يجوز له الصيام عن كل مد يومًا، ولا يتأتى القول بذلك فاعلمه، بل يتخير بينهما قطعًا، وقد صرح به في "شرح المهذب"؛ لأن الله تعالى خير في جزاء الصيد بينهما وبين إخراج المثل، فلما تعذر ذبحه وإخراجه لنقصان لحمه فيبقى التخيير بين الخصلتين الباقيتين.
قوله في "أصل الروضة": فرع: قال الشافعي - رضي الله عنه - في "المختصر": فإن خرج ظبيا نقص عشر قيمته فعليه عشر قيمة شاة، وقال المزني تخريجًا: عليه عشر شاة.
قال جمهور الأصحاب: الحكم ما قاله المزني، وإنما ذكر الشافعي القيمة لأنه قد لا يجد شريكًا في ذبحه شاة فأرشده إلى ما هو أسهل فإن جزاء
الصيد على التخيير؛ فعلى هذا هو مخير إن شاء أخرج العشر، وإن شاء صرف قيمته في طعام وتصدق به، وإن شاء صام عن كل مد يومًا.
ومنهم من جرى على ظاهر النص وقال: الواجب عشر القيمة.
وجعل في المسألة قولين: المنصوص وتخريج المزني فعل الواجب عشر القيمة.
هذا إذا قلنا بالمنصوص فأوجه:
أحدها: تتعين الصدقة بالدراهم.
والثاني: لا تجزئه الدراهم بل يتصدق بالطعام أو يصوم.
والثالث: يتخير بين عشر المثل وبين إخراج الدراهم.
والرابع: إن وجد شريكًا في الدم أخرجه ولم تجزئه الدراهم وإلا أجزأته.
هذا في الصيد المثلى، فأما غيره فالواجب ما نقص من قيمته قطعًا.
انتهى كلامه.
وهذه الأوجه التي ذكرها في التفريع على القول المنصوص فيها أمران:
أحدهما: أن الأصح منها هو الوجه الأول وهو تعين الدراهم.
كذا رجحه الرافعي في "الشرح الكبير" فقال: أنه أشبه الوجوه، وصححه أيضًا النووي في "شرح المهذب" و"نكت التنبيه"، ووقع كذلك في بعض نسخ "الروضة" ففي بعضها أحدها وفي بعضها أصحها، وجمع بخطه بينهما فكتب الصاد والحاء فوق الحاء والدال وأضافهما إلى الثاني؛ وكأنه تردد في كلام الرافعي.
الأمر الثاني: أن تعيين إخراج الدراهم مشكل فإن جزاء الصيد على
التخيير، وقد استشكله النووي في "نكت التنبيه" وعلله بما ذكرته.
واعلم أن هذا الإشكال سببه أن النووي -رحمه الله- قد غلظ في هذه المسألة في اختصاره لكلام الرافعي، ثم إنه أخذ مما قرره في "الروضة" فذكره أيضًا في "شرح المهذب" و"نكت التنبيه" ثم تفطن لإشكاله في النكت المذكورة ظنًا منه أن الحكم كما ذكره فيه، وأن ما ذكره هو الذي ذكره غيره.
ووجه الغلط أن الرافعي جعل هذه الأوجه مفرعة على عدم اختيار الطعام والصيام فلنذكر لفظه لبيان ذلك وبيان اعتراض آخر وهو تداخل الأوجه التي حكاها فقال بعد تعليل المنصوص بما في التبعيض من المشقة ما نصه: وعلى هذا -أي: ظاهر النص- لو لم يرد الإطعام ولا الصيام ما الذي يخرج؟
حكى القاضي ابن كج عن بعضهم أنه وجد شريكًا أخرجه -يعني العشر- ولم يخرج الدراهم وإلا فله إخراجها.
وعن ابن أبي هريرة أن له إخراجها وإن وجد شريكًا.
وعن أبي إسحاق أنه مخير بين إخراج العشر وبين إخراج الدراهم.
فهذه ثلاثة أوجه.
ونقل أبو القاسم الكرخي وغيره أنه لا يجزئه إخراج عشر المثل.
وقال في "التهذيب": لا يتصدق بالدراهم ولكن يصرفها إلى الطعام ويتصدق به أو يصوم عن كل مد يومًا، وهذا ما أشار إليه في الكتاب حيث قال: فعليه الطعام بعشر ثمن المثل.
والأشبه من هذا كله تفريعًا على المنصوص -إن أثبتنا الخلاف- تعين